← Язык

Язык · id 9970

اللغة العربية معناها ومبناها

تمام حسان

Полный текст (361 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

جـ- المنطقة الثالثة "مؤخر اللسان والحلق". ٧- الطبقي "ك=g". ٨- اللهوى "الحلقومي خ غ ق". ٩- الحلقي "ع ح". ١٠- الحنجري "ء هـ". يقول السيوطي١: "قال ابن دريد في الجمهرة: اعلم أن الحروف إذا تقاربت مخارجها كانت أثقل على اللسان منها إذا تباعدت؛ لأنك إذا استعملت اللسان في حروف الحلق دون حروف الفم ودون حروف الزلاقة كلَّفته جرسًا واحدًا وحركات مختلفة, ألا ترى أنك لو ألَّفت بين الهمزة والهاء والحاء فأمكن لوجدت الهمزة تتحول هاء في بعض اللغات لقربها منها, نحو قولهم: في أم والله "هم والله", وقالوا في أراق: "هراق", ولوجدت الهاء في بعض الألسنة تتحوّل, وإذا تباعدت مخارج الحروف حسن التأليف. قال: واعلم أنه لا يكاد يجيء في الكلام ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة لصعوبة ذلك على ألسنتهم". ويروي الشيخ السيوطي عن الشيخ بهاء الدين صاحب عروس الأفراح أن رتَبَ الفصاحة متفاوتة, فإن الكلمة تَخِفّ وتثقل بحسب الانتقال من حرف إلى حرف لا يلائمه قربًا أو بعدًا, فإذا كانت الكلمة ثلاثية فتراكيبها اثنا عشر: ١- الانحدار من المخرج الأعلى إلى الأوسط إلى الأدنى نحو: ع د ب. ٢- الانتقال من الأعلى إلى الأدنى إلى الأوسط نحو: ع ر د. "ويظهر أن الراء خطأ مطبعي صحته الباء". ٣- من الأعلى إلى الأدنى إلى الأعلى نحو: ع م هـ. ٤- من الأعلى إلى الأوسط إلى الأعلى نحو: ع ل ن. "ويظهر أن النون خطأ مطبعي صحته الهاء".

стр. 247

٥- من الأدنى إلى الأوسط إلى الأعلى نحو: ب د ع. ٦- من الأدنى إلى الأعلى إلى الأوسط نحو: ب ع د. ٧- من الأدنى إلى الأعلى إلى الأدنى نحو: ف ع م. ٨- من الأدنى إلى الأوسط إلى الأدنى نحو: ف د م. ٩- من الأوسط إلى الأعلى إلى الأدنى نحو: د ع م. ١٠- من الأوسط إلى الأدنى إلى الأعلى نحو: د م ع. ١١- من الأوسط إلى الأعلى إلى الأوسط نحو: ن ع ل. ١٢- من الأوسط إلى الأدنى إلى الأوسط نحو: ن م ل. ثم يقول: إن أحسن هذه التراكيب الأول فالعاشر فالسادس, وأما الخامس والتاسع فهما سيان في الاستعمال وإن كان القياس يقتضي أن يكون أرجحهما التاسع, وأقل الجميع استعمالًا السادس. ويظهر أن الشيخ بهاء الدين وكذلك السيوطي لم يكلف نفسه عناء استقصاء الإمكانات التي تحتملها الكلمة العربية من هذ الناحية استقصاءً كاملًا, فكان عليهما أن ينظرا إلى القضية مثل النظرة الرياضية الإحصائية التي نظرها الخليل في كتاب العين؛ حيث حسب الطرق التي تجتمع بها الحروف في الكلمة الواحدة فضرب ٢٨×٢٨×٢٨, وحصل منها على عدد المواد التي يمكن للغة العربية أن تعدد الكلمات تحت كل واحدة منها. ولا شكَّ أن الشيخ بهاء الدين والسيوطي كليهما لم يكن أمامهما عمل معقد كالذي قام به الخليل؛ لأن العدد المضروب هنا لن يكون ٢٨ بعدد الحروف, وإنما يكون ٣ بعدد أنواع المخارج فتضرب في نفسها مرتين ٣×٣×٣, فتكون احتمالات تركيب الكلمة من هذه الأنواع سبعة وعشرين احتمالًا. فإذا دللنا على أنواع المخارج بالأرقام بدل الأوصاف, فجعلنا الرقم١ للأدنى والرقم٢ للأوسط والرقم٣ للأعلى, صار في وسعنا أن نعبِّر عن التواليف الممكنة وغير الممكنة على السواء, وأن نصور ذلك على النحو التالي:

стр. 248

وبالتأمل في هذا التوزيع الشامل لإمكانات تجاور أنواع المخارج "لأن مادة البحث هنا أنواع المخارج أي: مجموعاتها الثلاث لا المخارج المفردة ولا الحروف" يمكن أن نستنبط الحقائق الآتية: ١- إن فكرة تقارب المخارج وتباعدها هي فعلًا أساس هذه الظاهرة في اللغة العربية الفصحى "ظاهرة التأليف" فبحسبها تتجاور الحروف في الكلمة أو لا تتجاور, وهذه الظاهرة هي التي استعان بها القدماء من نقّاد الأدب في الكشف عمَّا سموه "التنافر اللفظي", وعلى أساسها بنوا نقدهم لكلمة "مستشزرات" التي وردت في معلقة امرئ القيس, ولعبارة "وليس قرب قبر حرب قبر". ومرجع كل ذلك كما ذكرنا إنما هو إلى الذوق العربي الذي يتجه إلى ما اصطلحنا على تسميته "كراهية التضاد أو التنافر". ٢- إن عبارة ابن دريد القائلة: "إذا تباعدت مخارج الحروف حسن تأليفها" أكثر صدقًا وأقل تورطًا من قوله: "اعلم أن الحروف إذا تقاربت مخارجها كانت أثقل على اللسان منها إذا تباعدت" لأن العبارة الأولى لم تتورط كما فعلت العبارة الثانية في ادِّعَاء ثقل الكلمات المؤلفة من حروف متقاربة تقاربًا لا تنافر فيه مثل:

стр. 249

ر س م - د ر س - ب د ر - ف ق و - وق ح, ونحوها. ٣- إن عبارة الشيخ بهاء الدين المفصلة لا تحكي القصة كلها, بدليل ما استدركته أنا عليه من تواليف لم يذكرها, وهي التي وضعت تحتها خطًّا في الجدول الذي سبق, ولهذا أرفض أن تكون مقالته شاملة. ٤- إن دراسة ظاهرة التأليف إذا بنيت على المخارج العشرة التي ذكرناها سابقًا كل منها على حدة, فلربما كانت أجدى في شمول هذه الظاهرة الموقعية من دراستها مؤسَّسة على هذه المناطق الثلاث التي يشتمل كل منها على مخارج متعددة. ٥- ولربما كان من الممكن أن يضاف إلى الاعتبار العضوي المخرجي في هذه الدراسة اعتبار القيمة الصوتية من تفخيم وترقيق, فيمكن بهذا أن تدعي مثلًا ندرة تجاور أحد المطبقات مع أحد الغاريات وهي أشد الحروف استفالًا. ٦- هذه الظاهرة الموقعية "التأليف" مرتبطة أشد الارتباط بدراسة المستعمل والمجهور من مواد اللغة, وهي بهذا المعنى ترتبط بمعنى الكلمة العربية الفصحى نوع ارتباط.

стр. 250

٢- ظاهرة الوقف: يدل الوقف بوسائله المتعددة على موقع هو في طابعه "مِفْصَل" من مفاصل الكلام يمكن عنده قطع السلسلة النطقية chain of utterance, فينقسم السياق بهذا إلى دفعات كلامية spoken groups تعتبر كل دفعة منها إذا كان معناها كاملًا "واقعة تكليمية" speech event منعزلة, أما إذا لم يكن معناها كاملًا كالوقف على الشرط قبل ذكر الجواب مثلًا, فإن الواقعة التكلمية حينئذ تشتمل على أكثر من دفعة كلامية واحدة. ولعل ظاهرة الوقف باعتبارها موقعية من موقعيات السياق العربي ترجع إلى كراهية توالي الأضداد, أو "كراهية التنافر" إن شئت اسمًا آخر لهذا المظهر من مظاهر الذوق العربي، فالحركة مظهر من مظاهر الاستمرار

стр. 251

في الأداء, والصمت الذي يأتي عن تمام المعنى جزئيًّا أو كليًّا أو عن انقطاع النفس أو لأي سبب يدعو إلى قصد الوقف يعتبر عكس الحركة تمامًا فبينه وبين الحركة تنافر. والحركة التي تقع في نهاية الدفعة الكلامية لا بُدَّ لمقطعها أن يكون من نوع "ص ح", وهو نوع لا يقع عليه النبر, وهو في آخر الدفعية الكلامية أبدًا, أو انعدام النبر في هذا المقطع يضعف الحركة في النطق ويجعلها من قبيل الرَّوْم, وهو الاصطلاح الذي أطلقه النحاة على الوقوف بها ضعيفة, بل من قبيل الإشمام الذي هو تهيؤ الشفتين لنطق الحركة دون حدوث هذا النطق, ومن ثَمَّ تكون الحركة الأخيرة في ضعفها وقصورها عن الوصول إلى الأذن غير ذات قيمة كبيرة باعتبارها قرينة لفظية على المعنى, ومن هنا اختار الاستعمال أن ينشئ ظاهرة الوقف دفعًا للتنافر, ودلالة على موقع انتهاء الدفعة الكلامية, وهو موقع يرتبط تمام المعنى جزئيًّا أو كليًّا كما ذكرنا, ولقائل أن يقول: فلم بقيت هذه الحركة في قوافي الشعر ولم يلجأ الشعراء إلى ظاهرة الوقف يستعملونها في نهاية كل بيت من أبيات القصيدة, والجواب على ذلك من وجهين: الأول: إن الشعر موسيقى, والموسيقى تكون بالحركة والمد ولا تكون بالسكون, ولذا كان الشعر أشد حرصًا على الحركة في قوافيه منه على السكون, ومع ذلك لم يرفض الشعر السكون رفضًا تامًّا فارتضى القوافي المقيدة بالسكون لا لحبه للسكون نفسه, وإنما لاصطناع تقييد القافية باعتباره طريقة تعبيرية ذات قيمة خاصة في مجال المزاج الشعري. الثاني: إن الحركات التي في قوافي الشعر يغلب فيها ألّا تبقى على كميتها القصيرة, فإن الطابع الإنشادي للشعر العربي يجعل الشاعر يترنَّم بالشعر فيشبع حركاته الأخيرة بما يسمَّى إطلاق القافية فتطول الحركة وتصبح مدًّا, والوقف على المد تباركه القاعدة حتى في الاستعمال غير الشعري. وللوقف وسائل متعددة غير الإسكان: فله غير الإسكان الرَّوْم والإشمام والإبدال والزيادة والحذف والنقل والتضعيف؛ فالرَّوْم إضعاف صوت الحركة دون أن تختفي تمامًا على الأذن, والإشمام عدم النطق بالضمة, ولكن مع

стр. 252

الإشارة بالشفتين إليها, فلا يدركه إلّا من يرى شفتي المتكلم, أي: إن الإشمام لا قيمة له بالنسبة للأعمى ولا المبصر عند الإظلام, ويذكر النحاة أن معناه مرتبط بالفرق بين الساكن أصلًا فلا إشمام فيه وبين المسكن بالوقف ففيه الإشمام. وأما الإبدال فهو إبدال الألف من تنوين المنصوب وتنوين إذًا ومن نون التوكيد الخفيفة, وكذلك إبدال الهاء من تاء التأنيث التي تلحق الأسماء. وأما الزيادة فهي زيادة هاء السكت بعد الفعل المعتل المحذوف الآخر نحو أعطه وأرجه وعه وقه, وكذلك بعد ما الاستفهامية لحاجة الصيغة إليها في كل ذلك بعد أن انتقصها نظام اللغة, وذلك لإشباعها في الكلام. وأما الحذف فهو حذف التنوين من آخر المنوّن مرفوعًا كان أو مجرورًا, ومن آخر المقصور مطلقًا, وحذف إشباع الضمير في به وله, وحذف ياء المنقوص مع التنوين في الاسم المنقوص المنكر, وفي لغة ترد الياء دور التنوين. وأما النقل فتحويل حركة الحرف الأخير من الكلام إلى الساكن قبله لبيان حركة الإعراب أو التخلص من التقاء الساكنين إلّا إذا كان ما قبل الآخر ممنوعًا تحريكه. وأما التشديد فليس المقصود به تضعيف الحرف وإنما هو شبيه بقلقلة بطيئة للحرف الموقوف عليه, وهو يلاحظ في يومنا هذا في إلقاء "الإملاء" على التلاميذ, وفي كلام المحاضرين المتأنين والمتأنقين, ويلاحظ في وقف الدكتور طه حسين على جمل كلامه حين يحاضر، فهو يجعل تشديد الحرف الأخير المسكَّن للوقف وسيلة من وسائل الإبلاغ السمعي لإرادة التأكيد, أو أي معنى آخر مناسب. ويزعم النحاة أن التأني في نطق هذا الحرف الساكن الأخير هو من قبيل التشديد, وأن سببه هو بيان أنه متحرك أصلًا فيتحرك عند الوصل, ويقولون: إن هذه الظاهرة لا تكون في الحرف الأخير إذا كان همزة كبناء؛ لأن القصر يغني عنها, والنبر قرينة على وجودها عند عدم القصر, والعرب لا تضعف الهمزة إلّا إذا كانت عينًا في الكلمة. وهذه الظاهرة لا تكون أيضًا في حرف لين جاء بعد حرف متحرك كما في: سرو وبقي والقاضي, ولا في الحرف الآخر الصحيح إذا سبق بحرف صحيح ساكن نحو: "بَكْرْ".

стр. 253

٣- المناسبة: ومما يعود في الذوق العربي أيضًا إلى كراهية التنافر ما يسمونه ظاهرة المناسبة vowel harmony فالمعروف أن الفتحة وألف المدم من قبيل صوتي واحد, وأن الكسرة وياء المد من قبيل آخر, وأن الضمة وواو المد من قبيل ثالث, فكل حركة من هذه الحركات الثلاث تناسب ما كان من قبيلها. ولقد لاحظ النحاة أن موقعا ما قد يتطلب حركة معينة بحكم النظام, أي: بحسب القاعدة, ولكن هذه الحركة المطلوبة قد تتنافر مع ما يجاورها, أو على الأقل لا تناسبه, ومن هنا يبدو السياق وقد اتخذ في مكان هذه الحركة حركة أخرى تتناسب مع ما يجاورها. ولقد سجل النحاة تحت عنوان: المناسبة حركة واحدة هي الكسرة قبل ياء المتكلم من نحو: "هذا كتابي" ولكننا نستطيع أن نضيف إلى ذلك عددًا من حركات المناسبة في مواقع أخرى, ومن هذه الحركات ما يلي: ١- بناء الماضي على الضم لمناسبة واو الجماعة في نحو: ضربوا, فهذه الضمة لا يمكن تفسيرها إلّا تحت عنوان المناسبة. ٢- تحريك عين المضارع المسند إلى واو الجماعة بالضمِّ في جميع حالاته الإعرابية نحو: يضربون ولن يضربوا ولم يضربوا, فهذه الضمة للمناسبة أيضًا. ٣- تحريك لام فعل الأمر بالضمِّ عند إسناده إلى الواو نحو: اضربوه, وذلك للمناسبة كذلك. ٤- تحريك لام الفعل المضارع المسند إلى ياء المخاطبة بالكسر لمناسبة الياء في جميع الحالات الإعرابية نحو: تضربين ولن تضربي ولم تضربي.

стр. 254

٥- تحريك لام فعل الأمر عند إسناده إلى ياء المخاطبة بكسرة لمناسبة الياء نحو: اضربي. ٦- تحريك أواخر هذه الأفعال جميعًا بالفتحة عند إسنادها إلى ألف الاثنين نحو قولك: ضربا - يضربان - لن يضربا -لم يضربا - اضربا. ٧- إذا كان الفعل معتل الآخر بالألف, فإن الفتحة التي على عين الكلمة والتي تعتبر الألف مد لها تبقى بعد حذف الألف في بعض تصريفات الفعل لتكون قرينة على الألف المحذوفة, ويسميها النحاة حينئذ "حركة الدليل", ومن تعبيراتهم المحفوظة في ذلك قولهم: "والفتحة قبلها دليل عليها". فهذه الألف في الحقيقة حركة لمناسبة الألف؛ لأنه لا يوجد فعل معتل الآخر بالألف دون أن تكون عين الكلمة فيه مفتوحة لمناسبة هذه الألف, ولا تُسَمَّى هذه الفتحة "حركة الدليل" إلّا بعد حذف الألف, أما والألف موجودة فهي للمناسبة. ٨- مما يدخل تحت المناسبة أيضًا إعراب المجاورة كما في "جحر ضب خرب"؛ حيث يتضح المعنى بقرينة معنوية هي قرينة الصلاحية للإسناد وعدمها, فيصبح اعتبار المناسبة الموسيقية للحركات أهمّ من المحافظة على إعراب القاعدة. ٩- ومما يُعَدُّ من قبيل المناسبة أيضًا ما يسميه النحاة: "الاتباع على اللفظ" فليس لهذا النوع من الاتباع مبرر من القاعدة, ولهذا السبب لا يمكن تفسير الاتباع على اللفظ إلّا في ضوء المناسبة الصوتية الموسيقية بين صوتين حين تتضافر القرائن على بيان المحل, فلا يحتاج إلى حركة التابع بين القرائن الدالة عليه.

стр. 255

٤- الإعلال والإبدال: قد يبدو للقارئ من أول وهلة أن هذا العنوان "الإبدال والإعلال" يحمل في طيه زعمًا بأن العرب كانوا ينطقون شيئًا ثم أبدلوا به شيئًا آخر أو أعلُّوه. وهذا الظن أبعد ما يكون عن الصواب, فالتقابل هنا ليس بين مستعْمَلٍ قديم متروك ومستَعْمَلٍ جديد منطوق, وإنما التقابل كما ذكرنا من قبل هو بين مايقرره النظام وما يتطلبه السياق, أي: بين القواعد الصوتية وبين الظواهر الموقعية, ويتخذ الإبدال في اللغة العربية الصور الآتية: أ- إبدال الصحيح بالصحيح: كإبدال الطاء من تاء الافتعال إذا كانت فاؤه حرفًا مطبقًا وهو الصاد والضاد والطاء والظاء، وكإبدال الدال بهذه التاء إذا كانت فاء الكلمة دالًا أو ذالًا أو زايًا؛ فمثال الأربعة الأوائل: اصطبر واضطر واطلع واظطلم, ومثال الثلاثة الأخيرة: ادَّان وادَّكر وازداد. ب- إبدال الصحيح بالليِّن: وذلك كإبدال الهمزة بالواو والياء في كساء وقائل وصحائف وقوائل, وكإبدال الهمزة أيضًا بأولى الواوين في أول الكلمة مثل: أوائل وأواق وأواصل والأولى, ومن ذلك أيضًا إبدال التاء بالواو إذا كانت الواو فاءً للافتعال نحو: اتَّكل. جـ- إبدال المد بالصحيح: كجعل ثانية الهمزتين حين تكون ساكنة في الكلمة نفسها مد لحركة أولاها نحو: آثر وايتمن. د- إبدال اللين باللين: كجعل الواو ياء في رضيّ وحديَّة وعيادة وديار وحياض وأعطيت ولي ونُيِّمَ وعصيّ, وكجعل الياء واوًا في موسر وقضو ومرموة ورموان وخورى وتقوى وحُزْوى. هـ- إبدال اللين بالمد: كجعل الألف ياء في غزيّل. و إبدال المد بالمد: كجعل الألف ياء مد في دنانير ومصابيح, وجعلها واوًا ممدودة في بويع وقوتل. ويحلو للنحاة أن يسموا الصور أ، ب، حـ، صور "إزالة", والصور د، هـ، و، صور "إحالة".

стр. 256

نحن نعلم أن الحرف اللين إذا تحرَّك فقد يصحح كما في أقوال وبيان, وقد يعتل كما في قال وبان, وإذا سكن فقد يصحَّح كما في قول وبيع, وقد يعتل كما في صورة وحيلة. فالاعتلال وارد على حرف اللين سواء أكان متحركًا أم ساكنًا, ولكن هذا الاعتلال يعرف لدى النحاة "بالإعلال", وهو الظاهرة الموقعية التي سنحاول شرحها الآن. وموضوع الإعلال كما رأينا هو الحرف وهو اللين وهو الواو والياء "دون الألف", ويكون الإعلال في هذين الحرفين بإحدى طرق ثلاث: أ- القلب: وملخصه أن الواو والياء إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما قُلِبَتَا ألفًا كما في قال وباع ونوى ورمى وغزا, ولا تقلبان إذا سكن ما بعدهما أو كانتا عينًا لفعل كحور وعين, أو لفعل الذي الوصف منه على وزن أفعل نحو: عور وعين, أو افتعل الواوي كاجتوروا, أو ما آخره زيادة تختص بالأسماء كدوران, أو كانت إحداهما أول حرفين مستحقين لهذا القلب نحو: حَيَوَان. ب- النقل: فإذا كانت الواو أو الياء عينًا للفعل أو الاسم الجاري مجرى المضارع مسبوقة بساكن صحيح نقلت حركتها إلى الساكن الصحيح قبلها نحو: يقوم ويبيع ومقول ومبيع, إلّا إذا كان الفعل تعجبًا أو مضعَّف اللام نحو: ما أقْوَلَه ويَبْيَضُّ, فإذا أعلت عين المصدر هذا الإعلال بالنقل نقلت حركتها إلى الفاء وقلبت الواو أو الياء ألفًا نحو: استقامة وإقامة, وحذفت من المصدر إحدى الألفين لالتقاء الساكنين فيكون هذا النوع من المصادر مجالًا للقلب والنقل والحذف جميعًا. جـ- الحذف: تحذف الواو والياء عند التقاء الساكنين كما في "قاضٍ" و"غازٍ", والاستثقال ونقل الحركة أو حذفها هو الذي يؤدي إلى التقاء الساكنين, وتكون الواو أو الياء أوّل هذين الساكنين فتحذفان في هذا الموقع, بعكس ما يحدث في الحروف الصحيحة التي إذا التقى ساكنان منها حُرِّكَ أولهما بالكسر كما شرحنا ذلك في حينه فلا يحذف

стр. 257

الصحيح في هذه الحالة, ولا يدخل حذفه حين يحدث بحسب القواعد الأخرى في نطاق ظاهرة الإعلال, وإنما يعالج تحت عنوان ظاهرة حذف الصحيح. ومما يتَّصل كذلك بموقعيه الإعلال "بالحذف" حذف فاء الثلاثي في المضارع المفتوح حرف المضارعة نحو: يعد, والأمر نحو: عِدْ, والمصدر المكسور الفاء الساكن العين نحو: عدة, وكذلك حذف الهمزة من المضارع واسم الفاعل واسم المفعول مما عدى بالهمزة نحو: يكرم, فهو: مكرِم ومكرَم.

стр. 258

٥- التوصل: قلنا: إن نظام اللغة العربية يأذن لبعض الكلمات أن يبدأ بالساكن من الناحية النظرية, ومن ذلك أداة التعريف التي يروى فيها ابن مالك أن "أل حرف تعريف أو اللام فقط" فتكون اللام فقط هي أداة التعريف بجعلها ساكنة في بداية الكلمة المعرفة, ومن ذلك أمر الثلاثي كاضرب, وأمر الخماسي كانطلق, وأمر السداسي كاستخرج, ومصادر الخماسي والسداسي كانطلاق واستخراج, وغير ذلك من الكلمات المحفوظة. ولقد اصطلح الإملائيون على أن يضعوا قبل الحرف الساكن الذي تبدأ به هذه الكلمات ألفًا لا صلة لها بتركيب الكلمة نظريًّا, ولا ينطقها عمليًّا, ولا معنى لها إلا الدلالة على الموقع المعين الذي كتبت لتدل عليه مثلها في ذلك مثل: الألف التي تكتب أمام واو الجماعة في نحو: "ضربوا" و"قاموا" و"قعدوا", فالألفان ليستا من بنية الكلمة, والألفان لا تنطقان, ولكن إحداهما تتقدَّم الساكن الذي بدأت به الكلمة لتدل عليه, وثانينتهما تتلو الواو التي أسند إليها الفعل لتدل عليها, وعلى أنها واو الجماعة, وليست واو الجمع التي حذفت النون بعدها للإضافة, ويظهر ذلك من موازنة: "ضاربوا زيدًا" و"ضاربو زيدٍ". يسمح نظام اللغة إذًا بالبدء بالساكن, ولكن السياق الاستعمالي "أي: الكلامي" يكره توالي الصمت والسكون: الصمت الذي سبق الكلام مباشرة, والسكون الذي اتصف به الحرف الساكن الذي بدأت به الكلمة

стр. 259

فحين تواليا -وكلاهما "سكون"- أصبحا في نظر الذوق العربي أشبه ما يكونان بالتقاء الساكنين الذي ترى مطالب الاستعمال أنه ينبغي التخلص منه. ومن هنا جاءت اللغة بقاعدة فرعية لهذا الموقع فقالت: "إنه لا يجوز الابتداء بالساكن", والمقصود هنا في الاستعمال, أما في نظام اللغة فهو موجود فعلًا, والكلمات في نظام اللغة تبدأ بالساكن. ومعنى هذا أن بعض الكلمات يبدأ بحرف ساكن, وأنه ينبغي للمتكلِّم أن يتحاشى النطق بالكلمة على الصورة التي قرَّرَها لها نظام اللغة, وعلى المتكلِّم في هذه الحالة أن يتوصَّل إلى النطق بهذا الساكن الذي بدأت به الكلمة بواسطة وسيلة صوتية طارئة ليست من بنية الكلمة, وقد جاءت همزة الوصل في الكلام لتكون وسيلة هذا التوصُّل إلى النطق بالساكن, فمثلها في النطق وعدم حسبانها في البنية مثل الألف في الكتابة وعدم حسبانها في البنية أيضًا. والمعنى الي نأخذه من هذا الشرح هو أن الزوائد في "استفعل" هي السين والتاء فقط, وليست الألف إلّا وسيلة إملائية, كما أن الهمزة المكسورة في النطق وسيلة نطقية في بداية الصيغة, ويترتَّب على ذلك أن تكون الزيادة في "انفعل" هي النون الساكنة فقط. فإذا وقعت إحدى الكلمات المبدوءة بالساكن حسب نظام البنية في أول الكلام قدَّمَ المتكلِّم لنطقها بهمزة تسمَّى همزة الوصل, تتنوع حركاتها بحسب ظاهرة المناسبة كما بينته كتب الصرف, أما إذا وقعت هذه الكلمة في وسط الكلام فلن تكون هناك حاجة إلى الهمزة؛ لأن الحرف الأخير في الكلمة السابقة التي تلاها الساكن المذكور مباشرة سيقوم بتحمُّل وظيفة الوصل بواسطة الحركة التي يشكل بها, فيقوم هو مقام الهمزة, وتقوم حركته مقام حركة الهمزة. فكلمة "المؤلف" حين يبدأ بها الكلام تتحمل الهمزة, ولكن الهمزة نفسها تختفي في وسط الكلام في نحو: "قال المؤلف", ويحل لام قال وحركته محلها ومحل حركتها. ومن ذلك أيضًا أن الكلمة المعرَّفة بلام التعريف إذا كانت هي نفسها مبدوءة بالساكن مثل كلمة

стр. 260

"استقلال", فإن لام التعريف الساكنة الداخلة على الكلمة تصبح وسيلةً للتوصُّل إلى النطق بالسين التي في بداية "استقلال", وبذا تصبح أداة التعريف متحركة غير ساكنة, وتنطق الكلمة على صورة "لستقلال", فمطالب السياق هنا غيَّرت صورة الرمز وأبقت على وظيفته, فصيّرت الأداة "ل" بدل "ال", ولكن التعريف هو الوظيفة في الحالتين. والوظيفة التي تدل عليها همزة الوصل أينما وجدت في بداية الكلام هي أنها علامة على هذه البداية -بداية النطق- وليس بداية الجملة بالضرورة, وهذه دون شك دلالة على الموقع تجعل الهمزة ذات صلة بالهيكل العام للمعنى.

стр. 261

٦- الإدغام: أشرنا من قبل إلى أن النظام قد يصادف مشاكل في تطبيقه حين يتعارض مع مطالب السياق, فالتعارض بين قواعد النظام ومطالب السياق أمر مألوف في اللغات جميعًا, وهو مألوف في اللغة العربية أيضًا, ولقد مثَّلنا من قبل بالتقاء الدال الساكنة والتاء بعدها, فالنظام يقول: إن الدال الساكنة مجهورة, وينبغي أن تظلَّ كذلك باطِّراد, ولكن السياق الذي جاء بعدها بالتاء له مطالب في هذا الموقع تتعارض مع قاعدة النظام, فالسياق هنا يتطلّب الإدغام الذي يصيِّر الدال الساكنة وبعدها التاء على صورة تاء مشددة. ولقد اهتمّ سيبويه بظاهرة الإدغام هذه حتى جعلها مناط دراسته للأصوات العربية كلها, وسنحاول فيما يلي أن نلخص نظرة سيبويه إلى ظاهرة الإدغام تلخيصًا يقربها إلى طريقة التناول الحديثة للظواهر الموقعية, ويذهب ببعض ما في أسلوب سيبويه من غموض وتعقيد يصادفهما القارئ أحيانًا. الإدغام في نظر سيبويه أنواع: أ- الإدغام في الحروفين اللذين تضع لسانك لهما موضعًا واحدًا لا يزول عنه -كالميم بعد الميم في كلمتين متتالتين. ب- الإدغام في الحروف المتقاربة التي هي من مخرج واحد أو من مخرجين متقاربين -كالجيم بعد الشين والباء بعد النون.

стр. 262

جـ- الإدغام في حروف طرف اللسان والثنايا -كالدال بعد الطاء, والثاء بعد التاء, والضاد بعد التاء. د- الحرف الذي يضارع به حرف من موضعه أو من غير موضعه كالدال بعد الصاد أو الشين أو الجيم. هـ- قلب السين صادًا في بعض اللغات لوجود القاف بعدها في كلمة واحدة. و الشاذّ الذي خفَّفوه على ألسنتهم وليس بمطَّرد. وفيما يلي بيان كل نوع على حدة: أ- المثلان: وضع سيبويه لإدغام المثلين عللًا وأصولًا ترجع في النهاية إلى ما أطلقنا عليه ظاهرة "كراهية التقاء الأضداد والأمثال" التي تسيطر على الذوق العربي في الصوغ السياقي, والأصل الذي يرجع إليه سيبويه في ذلك ما عبَّر عنه بقوله: "كلما توالت الحركات أكثر كان الإدغام أحسن", فاللغة العربية تكره توالي المتحركات في الكلام وتأباه في الكلمة الواحدة إذا زادت المتحركات على أربعة حروف, ويتضح هذا حين نعرب كلمة "ضربتُ" حيث نقول: إن الفعل هنا مبني على السكون منعًا لتوالي أربعة متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة. ولكن اللغة على أية حال اغتفرت توالي أربعة متحركات في حالات قليلة منها لفظ "عُلَبِط" قال سيبويه: "ولا يكون ذلك في غير المحذوف", وربما قصد بهذه العبارة أن توالي المتحركات الأربعة ربما أنبأ عن ساكن محذوف, وربما كانت هذه الكلمة في الأصل "علابط" فحذفت منها الألف. وواضح أن القول بأن توسُّط الألف بين اللام والباء هو اعتراض ساكن بين متحركين, بمعنى أن الألف "ساكنة" يحمل في طيه إما جرثومة فكرة عروضية حيث يمكن تمثيل الألف والمتحرك الذي قبلها بالزمر "-٥", وإما فكرة منطقية تقضي بأن الألف هنا ما دامت لا يمكن أن تصفها بالحركة فلا بُدَّ أن تكون ساكنة, والنتيجة في كلتا الحالتين أن توسُّط الألف

стр. 263

بين اللام والباء في علابط يجعل الأمر مختلفًا والكلمة مقبولة، أما من وجهة نظرنا: فالألف "حركة طويلة", والحركة لا توصف بالحركة ولا بالسكون. وهنا يصف سيبويه أربعة أنساق من الحروف المتحركة يمكننا أن نمثلها على طريقة رموز العروضيين بأن نجعل الحرف المتحرّك على صورة "-" والساكن على صورة "٥" فنرمز إليها كما يأتي, والإدغام هنا للمثلين: أولًا: "-----= --٥--" حيث توالت حروف خمسة متحركة أدغم ثالثها في رابعها, وهذه أحسن حالات الإدغام, ومن أمثلتها جَعَلَ لَكَ = جَعَلْ لكَ, وفَعَلَ لَبيد = فَعَلْ لَبيد, والبيان أي: التحريك في ذلك عربي جيد وحجازي كما يزعم سيبويه. ثانيًا: "----٥ = -٥-٥" سبق أن المثلين بمتحرك واحد فقط, وتلى الثاني بساكنٍ فأصبح الإدغام حسنًا, وذلك مثل: يَدُ دَاوُدَ = يدْ دَاوُدَ ثالثًا: "مد - - = مد ٥ -" التقى المثلان المتحركان وقبل أولهما حرف مد, فأصبح الإدغام حسنًا والبيان أحسن, ويعلل سيبويه ذلك بأن حرف المد عند اعتبار الإدغام يكون بمنزلة المتحرك, وذلك نحو: المالُ لَكَ = المالْ لَكَ, ومثله: أتحاجوني - ولا الضالين - راد - تظلميني, ويظهر أن الواو والياء اللينتين المشكلتين بالسكون تعاملان في هذه الحالة معاملة واو المد ويائه على نحو ما في الأمثلة التي أوردها سيبويه, إلّا إذا كانت مدغمة فهما بعدها نحو: وليُّ يَزيد = وليْ يزيد, وعدو وكيد = عدو وكيد, ولذلك تسري القاعدة نفسها على أُصَيْم تصغير أصم, ودويبة تصغير دابة, وثوب بكر= ثوبْ بكر, أما الياء والواو المتحركتان فتعاملان معاملة الحروف الصحاح. رابعًا: "٥- - = ٥ اختلاس-" فإذا سبق المثلان المتحركان بساكن, ففي الإخفاء باختلاس حركة المتحرك الأول وليس فيه الإدغام بسكون ما قبله, وذلك نحو: ابنُ نُوح

стр. 264

واسمُ موسى, ودلوْ واقد, وظبي ياسر, وولي يزيد, وعدوّ وليد. ويدلل سيبويه بعد ذلك على إخفاء المتحرك الأول من هذين المثلين بأمثلة تتصل بالبند "ثالثًا" السابق منها. وإني بما قد كلفتني عشيرتي ... من الذب عن أعراضها لحقيق وقول غيلان بن حريث: وامتاح مني حلبات الهاجم ... شأو مدلّ سابق اللهامم وقال أيضًا: وغير سفع مُثّل يحامم فالأمر في هذه الشواهد أمر إخفاء لا إسكان ولا إدغام؛ لأنه لو سكَّن وأدغم لانكسر الشعر, ولكن الشاهد الأول لو ورد تركيبه في النثر لجاز فيه الإدغام بحسب قاعدة البند "ثالثًا", ولا يجوز في النثر الإدغام في اللهامم والقرادد واليحامم؛ لأن لام ميزانها الصرفي تتكرر في المفرد, ومن ثَمَّ يلزم تكرارها في الجمع بخلاف الهوام؛ لأن ميميها ليستا لامين في الميزان الصرفي. خامسًا: "- ُووَ" وكذلك "- يِ يَ" لا إدغام في هذه الحالة نحو: ادعوا واقدًا, واظلمي ياسرًا, فيترك المد على حاله في الانفصال. سادسًا: "-يْ يَ" وكذلك "-وْ وَ" فيه الإدغام نحو: اخشى ياسرًا, واخشوا واقدًا؛ لأن الباء والواو هنا ليستا حرفي مد. سابعًا: "نحو: اقتتلوا ويقتتلان" فيه الإظهار والإخفاء ولا إدغام إلّا عند بعض العرب الذين يقولون: قتلوا يقتلون ومنه: ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُون﴾ أو يقولون: قتَّلوا. هذا ما يرويه سيبويه من إدغام الحرفين اللذين تضع لسانك لهما موضعًا واحدًا لا يزول عنه, وواضح هنا من الأمثلة والشواهد التي جاء بها سيبويه

стр. 265

أنه ينظر إلى ذلك في الكلمة الواحدة كما ينظر إليه في الكلمتين؛ إذ تتواليان فيكون المثلان آخر أولاهما وأول ثانيتهما, فما يورده من قواعد الإدغام هنا صادق على نسق البنية المفردة كما هو صادق على نسق السياق, ويمكن النظر إلى كلا النسقين من وجهة نظر الإدغام الناشئ عن كراهية التقاء المثلين. ب- المتقاربان: ثم يتكلَّم سيبويه عن النوع الثاني من أنواع الإدغام وهو الإدغام في الحروف المتقاربة التي هي من مخرج واحد أو من مخارج متقاربة, فيضع للإظهار ثلاثة ضوابط كما يأتي: ١- الإظهار في الحروف التي من مخرج واحد وليست بأمثال أحسن؛ لأنها قد اختلفت "ونظام اللغة يجب التخالف". ٢- والإظهار في المختلفة المخارج أحسن لأنها أشد تباعدًا "والحالة هنا حالة تخالف أيضًا". ٣- كلما تباعدت المخارج ازداد الإظهار حسنًا "وهذا بسبب تفضيل التحالف كذلك". ثم يقسِّم الإدغام في هذا المجال إلى ثلاثة أقسامٍ بحسب سلوك مجموعات الحروف: ١- فمن الحروف ما لا يدغم في مقاربه ولا يدغم فيه مقاربه, كما لم يدغم من قبل في مثله "ء اوي". ٢- ومن الحروف ما لا يدغم في مقاربه ولكن يدغم فيه مقاربه "م ف ر ش". ٣- ومن الحروف ما يدغم في مقاربه ويدغم فيه مقاربه. فأما الطائفة الأولى التي تأبى الإدغام في جميع صوره فهي "ء اوي" والهمزة بخصوصها من هذه المجموعة إذا استثقلت لم يكن تخفيفها بواسطة الإدغام, وإنما يكون بطرق أخرى يشملها التغيير أو الحذف, ولعل سيبويه

стр. 266

يستعمل كلمة التغيير هنا عمدًا ليشمل بها القلب والإبدال والتسهيل, وأما الألف فإنها لا تدغم في غيرها مطلقًا, ولكن سيبويه ينص على الهاء بصفة خاصة لما بينها وبين الألف من صلة قربى في نظره. والواو والياء لا تدغمان فيما يقاربهما حتى لو سبقتهما الفتحة فصارتا مظنَّة الإدغام لكونهما أصبحتا حرفي لين لا حرفي مد, وقد مثَّل سيبويه لذلك بأمثلة هي: رأيت قاضي جابر, ودلو مالك, وغلامي جابر, وأخرج ياسر. والإدغام ممتنع من باب أولى إذا كانت الياء والواو مدًّا نحو: ظلموا مالكًا, واظلمي جابرًا. وأما الطائفة الثانية "التي لا تدغم في مقاربها, ولكن يدغم فيها مقاربها" فيه أربعة حروف أيضًا هي: "م ف ر ش"؛ فالميم لا تدغم في الباء نحو: أكرم به, بل إن النون تصير إليها قبل الباء نحو: "العنبر" و"من بدا لك", ولكن الباء تدغم في الميم نحو: "اصحمَّطرًا = اصحب مطرًا". والفاء لا تدغم في الباء, قال سيبويه: لأنها من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا وانحدرت إلى الفم, وقد قاربت من الثنايا محرج الثاء فلم تدغم فيما لا تدغم فيه الثاء نحو: "اعرف بدرًا", ولكن الباء قد تدغم في الفاء للتقارب ولأنها قد ضارعت الثاء فقويت على ذلك لكثرة الإدغام في حروف الفم؛ نحو قولك: "إذهفِّي ذلك = إذهب في ذلك". والراء لا تدغم في اللام ولا في النون لأنها مكررة, وهي تَفَشَّى, إذا كان معها غيرها فكرهوا أن يجحفوا بها بإدغامها فيما لا يتفشَّى ولا يكرر "ويقوى ذلك أن الطاء وهي مطبقة لا تجعل مع التاء تاء خالصة؛ لأنها أفضل منها بالإطباق", وذلك قولك: "اجبر لبطة" و"اختر نقلًا", ولكن قد تدغم اللام والنون مع الراء نحو: "هرَّأيت = هل رأيت", و"مرَّ أيت= من رأيت". والشين لا تدغم في الجيم لأن الشين استطال مخرجها لرخاوتها حتى اتصل بمخرج الطاء فصارت منزلتها منها منزلة الفاء من الباء, فاجتمع هذا والتفشِّي فكرهوا أن يدغموها في الجيم كقولك: "افرش جبلة", ولكن تدغم الجيم في الشين كما أدغمت اللام والنون في الراء نحو: "أخر شيئًا =أخرج شيئًا".

стр. 267

وأما الطائفة الثالثة المقاربة التي يدغم بعضها في بعض فبيانها كما يلي: ١- الهاء والحاء: ويقعان من حيث التقدم والتأخُّر على صورتين: هـ ح = ح ح نحو: اجْبَحَّمَلا= اجبه حملا, فالإدغام حسن لقرب المخرجين واتفاقهما في الهمس والرخاوة, ولكن البيان أحسن لاختلاف المخرجين وتأبي حروف الحلق على الإدغام. ح هـ = ح هـ, فلا تدغم الحاء في الهاء نحو: امدح هلالًا؛ لأن ما كان أقرب إلى حروف الفم كان أقوى على الإدغام. ٢- الهاء والعين: ويقعان من حيث التقدم والتأخر على صورتين أيضًا: هـ ع = ح ح نحو: إجْبَحِّنَبَة= إجبه عنبة, ولكن البيان بعدم الإدغام أحسن؛ لأن الهاء لا تدغم في العين لمخالفتها إياها في الهمس والرخاوة, ولما سبق من أن حروف الحلق تتأبى على الإدغام. ع هـ = ح ح نحو: اقطحلالًا= اقطع هلالًا؛ لقرب المخرجين؛ ولأن الأقرب إلى الفم لا يدغم فيما وراءه, ولكن البيان أحسن. ٣- العين والحاء: ويقعان من حيث التقدم والتأخر كذلك على صورتين: ع ح = ح ح نحو: اقطحَّمَلا= اقطع حملا, والإدغام هنا حسن لأنهما من مخرج واحد, والبيان حسن كذلك. ح ع = ح ح نحو: امد حرفة = امدح عرفة, ولكن البيان أحسن، ويلاحظ أن الحاءين المدغمتين أو بعبارة أخرى: الحاء المشددة هي الصورة التي تحققت بها المقاربات في خمس من الحالات الست الماضية. وأن الهجات الحديثة العامية تفضل العين المشددة كلما كانت العين ثانية المتقاربين, وذلك نحو: اجبَّعنبة= اجبة عنة, وامد عّرفة= امدح عرفة.

стр. 268

٤- الغين والخاء: ونجدهما كذلك على صورتين: غ خ= خ خ, نحو: ادْ مَخَّلَفَا= ادمغ خلفًا, وهذا الإدغام حسن ولكن البيان أحسن. خ غ = غ غ, نحو: اسْلُغَّنَمك= اسلخ غنمك, ولكن البيان أحسن؛ لأن الغين مجهورة وهما من حروف الحلق التي تتأبى على الإدغام. ٥- القاف والكاف: وهما على صورتين: ق ك= ك ك, نحو: الحَكَّلَدة= الحق كلدة, لقرب المخرجين وكونهما من حروف اللسان واتفاقهما في الشدة, ولكن البيان يتساوى في الحسن مع الإدغام. ك ق = ق ق, نحو: انْهَقَّطنَا= انهك قطنًا, فالإدغام حسن هنا لقرب مخرجهما إلى الحلق فشبهت بالخاء مع الغين, ولكن البيان أحسن. ٦- الجيم والشين: سبق أن قرر سيبويه أن نسق "ش ج" لا إدغام فيه نحو: "افرش جيلة" أما الصورة الأخرى أي: ج ش = ش ش, نحو ابْعَشَّبَثِّا= ابعج شيئًا, فالإدغام حسن؛ لأنهما من مخرج واحد وهما من حروف وسط اللسان, ولكن البيان يساوي ذلك في الحسن. ٧- اللام والراء: قضت إشارة إلى امتناع الإدغام في "ر ل" نحو: "اجبر لبطةً" ولكن ل ر= ر ر نحو: اشغَرَّجَبَةً= اشغل رجبة, والإدغام هنا أحسن والبيان حسن. ٨- النون والراء: مضى قول سيبويه: إن الراء لا تدغم في النون نحو: اختر نقلًا, ولكن

стр. 269

ن ر= ر ر نحو: مَرَّأيت= مَنْ رَأَيْتَ, فالإدغام لقرب المخرجين على طرف اللسان والتماثل في الشدة, ويكون هذا الإدغام بغنَّة وبلاغنة. ٩- النون واللام: أما إذا تقدَّمت اللام على النون فلا إدغام في ذلك حسب ما يأتي تحت رقم ١٦ فيما بعد, ولكن ن ل = ل ل نحو: ملَّك =من لك, ويكون الإدغام هنا بغنَّة وبغيرها, ويرى سيبويه أن علة الإدغام قرب النون من اللام على طرف اللسان. ١٠- النون والميم: لا إدغام عند تقدُّم الميم بحسب ما يأتي تحت رقم ١٦ فيما بعد ولكن ن م = م م والإدغام هنا لأن صوتهما واحد ولاتفاقهما في الجهر والخروج من الخياشيم, وذلك لك نحو: مما= من ما, وكذلك: ممعك= من معك. ١١- النون والباء: لا إدغام عند تقدم الباء حسب ما يأتي تحت رقم١٦, ولكن ن ب= م ب نحو: ممبك= من بك, وعمبر= عنبر, فنقلب النون ميمًا ولم يجعلوها باء لبعدها في المخرج, وأنها ليس فيها غنة, فأبدلوا في مكانها أشبه الحروف بالنون وبالباء وهو الميم. ١٢- النون والواو: لا إدغام عند تقدُّم الواو حسب ما يأتي تحت رقم ١٦ ن و= وو نحو موجد= من وجد, والإدغام هنا بغنة أو بغيرها؛ لأن الواو من مخرج ما أدغمت فيه النون وهو الباء والميم. ١٣- النون والياء: لا إدغام حيث تتقدَّم الياء حسب ما يأتي تحت رقم ١٦ ولكن: ن ي= ي ي, نحو: ميَّكون= من يكون, والإدغام هنا لأن الياء أخت الواو, وهو يكون بغنَّة وبغيرها.

стр. 270

١٤- النون وحروف الفم: لا إدغام عند تقدُّم أحد هذه الحروف على نحو ما تحت رقم١٦ ولكن: ن ثم أي حرف فموي= إخفاء النون بجعلها غنة متفقة في التوقيت مع وضع اللسان في مخرج حرف الفم الذي يأتي بعد النون, وإطالة مدة النطق بهذا الحرف المصاحب للغنة حتى يصير بمقدار حرفين أولهما ساكن والثاني متحرك, وذلك نحو: من جاء ومن كان ومن قال. ١٥- النون وحروف الحلق: فيها البيان دون الإدغام. ١٦- جميع الحروف ثم النون: فيها البيان دون الإدغام إلّا اللام في هنَّري= هل نرى, فيجوز فيها الإدغام والبيان أحسن. ١٧- لام التعريف: تدغم في ت ث د ذ ر ز ش ص ط ظ ل ن, وتسمَّى شمسية ولا تدغم في البواقي, وتسمَّى حينئذ قمرية. ١٨- لام غير التعريف: كما في وبل مع بقية الحروف: الإدغام في بعضها حسن مثل: الراء والطاء والدال والتاء والصاد والزاي والسين وكذلك الظاء والثاء والذال, وهو أضعف من السوابق, وهو أضعف من ذلك مع الضاد والشين, ومثاله: هرَّ أيت, ونحو: تقول إذا استهلكت مالًا للذة ... فكيهة هَشَّئٌ بكفيك لائق فدع دا ولكن هتُّعِينُ منيما ... على ضوء برق آخر اللين ناصب والنون إدغامها فيها أقبح: وعند النظر في العلل التي جاء بها سيبويه للإدغام والإظهار في هذه المقاربات يستطيع المتأمل أن يستخلص القاعدة التي تختفي وراء إدغام المقاربات, ويمكن تلخيص هذه القاعدة فيما يأتي:

стр. 271

١- من الظروف المناسبة للإدغام أن يتقارب مخرجا الحرفين المتتاليين أو أن يتفق هذا الحرفان في الصفة, والمقصود بالصفة هنا طريقة النطق كالشدة والرخاوة, أو القيمة الصوتية كالتنغيم والترقيق, أو وضع الصوت كالجهر والهمس. ٢- مما يكثر فيه الإدغام أن يكون بين حروف الفم, ويعبر سيبويه عن ذلك بقوله: إن حروف الفم أصل في الإدغام, ومعنى ذلك: أن الحروف غير الفموية أقل تعرضًا للإدغام, والمقصد بالفم هنا من الغار إلى اللهاة. ٣- لا يتمّ الإدغام بين حروف اللسان وحروف الحلق, وربما كان ذلك راجعًا إلى عدم تقارب المخارج فهو على عكس ما في رقم١. ٤- إذا تجاور حرفان من غير حروف الفم فإن أقربهما إلى الفم لا يدغم في أبعدهما منه, أما العكس فإنه يدغم كما في نسق "هـ ع" حيث تدغم الهاء في العين سالفة عليها أو لاحقة بها, فيكون الإدغام في الحالتين على صورة "ح ح". "حـ" حروف طرف اللسان والثنايا: وأما النوع الثالث من أنواع الإدغام وهو الإدغام في حروف اللسان والثنايا فهو كثير مطرد, ولكن البيان في بعضها مسموع أو أكثر أو أمثل, فإذا جعلنا ثاني الحرفين المتجاورين هو العنوان حصلن على أحد عشر مدخلًا لدراسة هذا النوع من الإدغام، ولكن قبل أن نحصي هذه الحالات يجدر بنا أن نشير إلى بعض القواعد الهامة التي جاء سيبويه مثل: أ- الحروف "ز س ص" لا تدغم في الحروف "ت ث د ذ ط ظ", وإن أدغمت هي فيها. ب- الحروف نفسها "ز س ص" لا تدغم في "ض" ولا يدغم هو فيها. جـ- ما أدغمته من حروف طرف اللسان وهو ساكن يدغم وهو متحرك

стр. 272

وهو متحرك كما يحدث للمثلين, وهو كالمثلين حسنًا وقبحًا وإخفاءً كذلك. د- تاء الافتعال بعد "ث د ذ ز ص ض ط ظ" تدغم فيما قبلها أو تتحول إلى دال بعد "د ذ ز", وإلى طاء بعد الأربعة المطبقة, وكون هذه التاء تدغم فيما قبلها هو عكس ما تقرره القاعدة رقم "هـ", وهي تقول: هـ- الأصل في الإدغام أن يجعل الأول من جنس الآخر. وبعد هذه المقدمة يمكننا الآن أن نورد المداخل الأحد عشر التي ذكرناها, جاعلين ثاني الحرفين عنوانًا, وأولهما هو التفصيل الذي تحت هذا العنوان: ١- الثاء وما يسبقها: ظ ث= ث ث نحو: احفظ ثابتًا, والإدغام أكثر وأجود. د ث= ث ث نحو: خذ ثابتًا, والإدغام أكثر وأجود. ت ث= ث ث نحو: انعت ثابتًا. ٢- الذال وما يسبقها: ظ ز= ذ ذ نحو: احفظ ذلك, والإدغام أكثر وأجود. ث ذ= ذ ذ نحو: ابعث ذلك, والإدغام أكثر وأجود. د ذ = ذ ذ نحو: أبعد ذلك. ٣- الظاء وما يسبقها: ذ ظ= ظ ظ نحو: خذ ظالمًا. ث ظ= ظ ظ نحو: ابعث ظالمًا. ط ظ= ظ ظ نحو: اهبط ظاهرًا. ٤- السين وما يسبقها: ص س= س س نحو: افحص سالمًا. ز س= س س نحو: رز سليمًا. ت س= س س نحو: ذهبت سلمى, والبيان عربي حسن.

стр. 273

د س= س س نحو: قد سمعت, والبيان عربي حسن. ث س= س س نحو: ابعث سلمة. ز س= س س نحو: مذ ساعة, والبيان أمثل. ظ س= س س نحو: احفظ سلمة. ٥- الزاي وما يسبقها: ص ز= ز ز نحو: افحص زهرة. س ز= ز ز نحو: احبس زهيرًا. ط ز= ز ز نحو: اضبط زهيرًا, والبيان عربي حسن. ظ ز= ز ز نحو: احفظ زهيرًا. ذ ز= ز ر نحو: مذ زمان. ٦- الصاد وما يسبقها: س ص= ص ص نحو: احبس صابرًا. ت ص= ص ص نحو: انعت صابرًا. ذ ص= ص ص نحو: خذ صابرًا. ز ص= ص ص نحو: أوجز صادقًا. ٧- الدال وما يسبقها: ت د= د د نحو: انعت داود, والبيان جائز. ذ د= د د نحو: خذ داود. ط د= د د نحو: اضبط دخلك, والبيان جائز. ٨- الطاء وما يسبقها: د ط= ط ط نحو: انقد طالبًا, والبيان جائز. ت ط= ط ط نحو: انعت طالبًا. ظ ظ= ط ط نحو: احفظ طالبًا.

стр. 274

٩- التاء وما يسبقها: د ت= ت ت نحو: انقد تلك, والبيان جائز. ث ت= ت ت نحو: ابعث تلك. ط ت= ث ت نحو: انقط تاء الكلمة, والبيان جائز. ١٠- الضاد وما يسبقها: ط ض= ض ض نحو: خالط ضيفك. ت ض= ض ض نحو: ثار فضجت ضجة ركائبه. ظ ض= ض ض نحو: احفظ ضيفك. ذ ض= ض ض نحو: خذ ضيفك. ث ض= ض ض نحو: ابعث ضيفك. ١١- الشين وما يسبقها: ط ش= ش ش نحو: اضبط شاكرًا. ت ش= ش ش نحو: انعت شاكرًا. د ش= ش ش نحو: انقد شاكرًا. ض ش= ش ش نحو: عارض شاكرًا. ظ ش= ش ش نحو: احفظ شاكرًا, والبيان عربيٌّ جيد. ذ ش= ش ش نحو: خذ شاكرًا. ث ش= ش ش نحو: ابعث شاكرًا. لقد ذكرنا من قبل خمس قواعد جاء بها سيبويه بمناسبة إدغام حروف اللسان والثنايا, وقد كانت القاعدة الرابعة منها تدور حول تاء الافتعال وما تدغم به من الحروف. وإذا أردنا أن نبيِّن المقصود بهذه القاعدة فخير ما نفعله في ذلك هو الإتيان بالأمثلة, وقد أورد سيبويه أمثلة يمكن أن نقدمها على الصورة الآتية:

стр. 275

وقد شبه بعض العرب الأربعة المطبقة في غير الافتعال بها في الافتعال فقالوا: فحصط برجلي وضبطه وحفطه، وقال علقمة بن عبدة: وفي كل حي قد خبط بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب وهنا موضع يكون الإدغام فيه أقوى من البيان, وهو أن تسكن التاء وتتلوها "ث د ذ ز ط" نحو: ادارأتم, واثّاقلتم, واذَّكر, وازَّين, واطوَّع, وقد سبق لنا في المداخل السالفة أن بينَّا حكم الإدغام في هذه المواقع. د- الحرف الذي يضارع به حرف من موضعه أو من غيره: أما النوع الرابع من الإدغام فهو حسب عبارة سيبويه "الحرف الذي يضارع به حرف من موضعه, والحرف الذي يضارع به ذلك الحرف وليس من موضعه", وملخص ذلك أن الصاد والشين والجيم إذا تلتها الدال ألحق بها نوع من الإدغام يتناول الصفة ولا يتناول المخرج؛ لأن المخرج في كل الأحوال مقارب ولا يتغير, فالصاد والشين يلحقهما الجهر والجيم تلحقها الرخاوة إذا جاءت الدال بعدهن, مثال ذلك: مصدر مزد "بتفخيم الزاي". أشدق أجدق أجدر أجدر وقد يضارعون بالصاد الساكنة قبل الدال صادات متحركة لا تتبعها الدال كما في "مصادر مزادر" و"صراط زراط". هـ- قلب السين صادًا في بعض اللغات لوجود القاف أو الغين أو الخاء بعدها في كلمة واحدة: وذلك نحو: صقت وصبقت والصملق وصالغ وصلخ, وذلك كما قالوا في ساطع صاطع لقرب المخرجين والإطباق.

стр. 276

و الشاذ الذي خفَّفوا به على ألسنتهم وليس بمطرد: وذلك نحو: ستٌّ= سدس, وكأنه مر بمرحلة كان فيها سِدْتٌ, وعند تميم وَدٌّ= وتد "عند الحجازيين" ضارعوا به فخذًًا فأدغموا أَحَسْتُ= أَحْسَسْتُ مَسْتُ= مَسَسْتُ ظَلْتُ= ظَلَلْتُ يسطيع= يستطيع تَقَيْتُ= اتَّقَيْتُ يَتَقِي= يَتَّقي يَتَسع= يَتَّسِع قال بعضهم: استخذ= اتخذ الطجع= اضطجع١ يستيع= يستطيع بلعنبر= بنو العنبر بلحارث= بنو الحارث عَلْمَاء= على الماء

стр. 277

٧- التخلص لقد عرفنا أن السكون وحدة في النظام الصوتي للغة العربية يقف في مقابل الحركة أيًّا كانت هذه الحركة فتحة أو كسرة أو ضمة فيكون بينهما قيمة خلافية, فالنظام الصوتي يشتمل على السكون بهذا الوصف. وهو يشتمل على السكون أيضًا في القواعد الصوتية الخاصة نحو: "ليس في اللغة ابتداء النطق بالساكن" و"ليس في اللغة التقاء الساكنين" و"من قواعد اللغة الوقف بالسكون" وهلمَّ جرا. ويشتمل النظام الصوتي على ظواهر تتحقق

стр. 278

بإسكان حرف من الحروف؛ كالتصغير يتحقق بياء ساكنة, ويشتمل النظام النحوي على ظواهر تتحقق بالإسكان كبناء بعض الصيغ والكلمات على السكون. ومعنى كل ذلك أن النظام الغوي في صوره المختلفة الصوتية والصرفية والنحوية يقرر السكون علامة على وظائف لا تؤدى إلّا به. ولكن السياق كما ذكرنا من قبل ديناميكي متحرك, ويأتي عن حركته أن تكون له بعض المطالب, فقد تكون الكلمة السابقة مبنية على السكون والكلمة اللاحقة مبدوءة بحرف ساكن كما في قولك: "اعرض اقتراحك" فالكلمة الثانية تبدأ بحرف ساكن هو القاف, وليست الألف التي قبلها إلّا علامة إملائية على الوصل ولا تنطق الألف هنا, وإنما ينتقل المتكلم من الضاد إلى القاف بواسطة كسرة التخلص. وقد تكون الكلمة السابقة مجزومة بالسكون واللاحقة مبدوءة بالساكن نحو: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أو "لم يطل انتظاري", فيتطلب السياق في هذه الحالة شيئًا غير الذي قدَّره النظام؛ لأن النظام قرر السكون, ولكن السياق قرَّر التخلص من هذا السكون, وعمدت اللغة إلى أن تجعل من مطلب السياق قاعدة فرعية خاصة أو نظامًا فرعيًّا ضيقًا يسمَّى التخلص من التقاء الساكنين. وطريقة التخلص من التقاء الساكنين كما رأينا هي كسر أولهما إذا كان صحيحًا -وهذه الكسرة ليست جزءًا من بنية الكلمة وليست جزءًا من هيكلها الحركي, وليست حركة إعرابية لها, ولكنها علامة على موقع معين التقى فيه ساكنان في وسط الكلام, ومن ثَمَّ يكون التخلص من التقاء الساكنين ظاهرة موقعية من ظواهر السياق, وتكون الصلة الوحيدة بينه وبين نظام اللغة هي صلة التعارض وهي صلة سلبية. والمعروف أن اللغة العربية قد تقبل التقاء الساكنين وتغتفره إذا كان هناك من مقررات النظام ما هو أولى بالاعتبار من التقاء الساكنين, وذلك نحو الوقف بالسكون على آخر الكلام وبعده سكون الصمت, وتفادي فك المثلين المتحركين في وسط الكلام, ومن المغتفر أن يلتقي الساكنان في الوقف نحو: قبل -بعد - عين - قوم إلخ. ومن المغتفر كذلك أن يلتقي الساكنان إذا كان

стр. 279

ثانيهما أول مثلين مدغمين, وقد يحدث أن يكون الأول منهما في هذه الحالة حرف لين مشكلًا بالسكون, أو أن يكون حرف مدٍّ وبعدهما في الحالتين حرف مشدد, وذلك نحو: دويبه - مدهامتان- أتحاجوني - ولا الضالين - الحاقة ما الحاقة - الطامة - الصاخة - الصافات, وتصغير هذه الكلمات المؤنثة نحو: حويقّة - طويمة - صويخة - صويفة إلخ, وكذلك قولك: ما النافية، لا الناهية، في الجارة إلخ. وظاهرة التخلص من التقاء الساكنين في السياق تصحب جزءًا من سليقة العربي, وعادة من عاداته النطقية, فإذا تعلَّم لغة أجنبية لا تمنع التقاء الساكنين فإنّ هذا العربي سرعان ما يخضع للعادات النطقية العربية فيسعى إلى التخلص من التقاء الساكنين كلما صادفه, فإذا صادف كلمة مثل: display في اللغة الإنجليزية, فإما ألّا يكون عارفًا بتركيب الكلمة من جزءين هما dis و play وفي هذه الحالة يكسر السين, وإما أن يكون عالمًابذلك فيكسر الباء, ويكون النطق إما في صورة disiplay, وإما في صورة dispilay على الترتيب. وفي الفصحى المعاصرة صورة من صور الاغتفار دعت إليها ضرورة التفريق بين المعاني, ولست أدري ما إذا كانت هذه الصورة مراعاة في القديم أو لا, فإذا قرأنا العبارة الآتية: "ولما وصل الضيف تقدَّم حاملًا العلِمْ إلى المنصَّة" أدركنا أنها يمكن أن تلتبس بعبارة "ولما وصل الضيف تقدمَ حاملَ العلمِ إلى المنصَّة", والشيء الوحيد الذي يمنع هذا اللبس هو مد الألف في كلمة "حاملًا" واغتفار الساكنين في هذا الموضع ونحوه, فهل كان القدماء يفعلون ذلك في إلقائهم الكلام؟ لا أحد يدري. ومثل ذلك ما كنا نسمعه في الإذاعة من قولهم: "سافر مندوبو الرئيس إلى العواصم العربية المختلفة" ليدعو الملوك والرؤساء إلى الالتزام بسياسة عربية واحدة ضد المصالح الأمريكية إذا أعطت أمريكا الأسلحة والطائرات للعدو الصهيوني" فلا يفهم من هذه الجملة "المسموعة" ما إذا كان هناك مندوب واحد أو مندوبون متعددون إلّا بمعونة السياق الأكبر أو اغتفار الساكنين بمد الواو من كلمة "مندوبو الرئيس".

стр. 280

٨- الحذف: لا ينبغي لنا أن نفهم الحذف على معنى أن عنصرًا كان موجودًا في الكلام ثُمَّ حذف بعد وجوده, ولكن المعنى الذي يفهم من كلمة الحذف ينبغي أن يكون هو الفارق بين مقررات النظام اللغوي وبين مطالب السياق الكلامي الاستعمالي, فنظام اللغة مثلًا يقرر أن المضارع المرفوع المسند إلى ألف الاثنين أو واو الجماعة ينتهي بنون تسمَّى نون الرفع, ويقرر كذلك أن توكيد المضارع يجري بنون مشددة مركَّبة من عنصرين أولهما نون ساكنة وثانيهما نون متحركة, ولو أنَّ المضارع المسند إلى ألف الاثنين أو واو الجماعة أكد بالنون الثقيلة لكان معنى ذلك أن النظام اللغوي قضى بتوالي ثلاث نونات: نون الرفع ثم "نون ساكنة × نون متحركة = نون مشددة", وهذا مما يصطدم بالذوق العربي الذي يكره توالي الأمثال, ومن هنا يتدخَّل هذا الذوق الاستعمالي بحذف نون الرفع وترك نونين إحداهما ساكنة والأخرى متحركة تبدوان معًا في صورة وحدة صوتية واحدة مشددة. ويعمد الاستعمال إلى اتخاذ هذا الإجراء إجراء مطردًا يحدث كلما حدث الموقع الذي يتطلبه, ومن هنا يكون قاعدة فرعية أو نظامًا فرعيًّا بالنسبة للنظام اللغوي العام. ومن أمثلة ذلك أيضًا أن نظام اللغة يقرر أن التاء حرف من حروف المضارعة, وأن التفاعل يبدأ بتاء زائدة هي تاء التفاعل, ومعنى ذلك أن التفاعل إذا جاء على صورة المضارع المبدوء بالتاء فقد توالت في الفعل تاءان ملحقتان بأوله؛ هما تاء المضارعة وتاء التفاعل, وعندئذ تظهر مطالب الاستعمال التي يكره توالي الأمثال, فتجعل حذف التاء الثانية خير الصياغتين نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَاب﴾ وقول الحديث "لا تنازعوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ... وكونوا عباد الله إخوانًا" فحذف تاء التفاعل هنا أفضل من الإبقاء عليها. ولكن قد يحدث أيضًا أن تكون فاء الكلمة في هذ المضارع تاء, وعندئذ تتوالى ثلاث تاءات, فيكره الذوق الاستعمالي توالي هذه التاءات الثلاثة, ويصبح حذف تاء التفاعل أمرًا أكثر تفضيلًا وذلك نحو: "ولا تتابعوا في الشر".

стр. 281

وليس هذان المثالان كل ما هنالك بالنسبة لهذه الظاهرة. والمهم أن يكون معلومًا هنا أن دراسة هذه الظاهرة "ظاهرة الحذف" هي دراسة لحذف الحروف الصحيحة, أما حروف اللين والمد فإنَّ دراسة حذفها تكون في ظاهرة الإعلال بالحذف.

стр. 282

٩- الإسكان: مرة أخرى ليس الإسكان تغييرًا يطرأ على الاستعمال, بمعنى أن تستعمل العرب شيئًا متحركًا ثم تعدل عن الحركة إلى الإسكان, ولكن المقصود بالإسكان هنا: هو فرق ما بين مقررات النظام اللغوي ومطالب السياق الاستعمالي, فالنظام اللغوي يقرر أن الفعل الماضي يُبْنَى على الفتح, وقد أخذ النظام ذلك من الماضي المسند إلى المفرد الغائب الذي اعتبره النحاة صورة قياسية تعتبر نقطة بداية أو أصلًا للنظر إلى كل ما يدل على الفعل الماضي من صيغ تصريف الفعل. ومن الضمائر التي يسند الماضي ضمائر متصلة متحركة أو مبدوءة بحركة, فإذا علمنا أن الصيغة القياسية "فعلَ" تشتمل على حركات ثلاث, وأن الضمير الذي يسند إليه الفعل الماضي قد يكون متحركًا, عرفنا أننا أمام صورة من الصور التي قررها نظام اللغة مما تتوالى فيه أربعة حروف متحركة, وهذه مشكلة من مشاكل التطبيق على نظام اللغة, من هنا يلجأ الذوق الاستعمالي العربي إلى إسكان لام الفعل التي عليها علامة البناء, فيصبح الفعل مبنيًّا على السكون بعد أن كان مبنيًّا على الفتح. يفعل الذوق الاستعمالي ذلك لأنه يكره توالي أربعة متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة, وهذا الإسكان ملحوظ في الإسنادات الآتية: ١- إسناد الماضي إلى تاء المتكلم نحو: ضربتُ. ٢- إسناد الماضي إلى تاء المتكلم نحو: ضربنْا. ٣- إسناد الماضي إلى تاء المخاطب نحو: ضربْتَ.

стр. 283

٤- إسناد الماضي إلى تاء المخاطبة نحو: ضربتِ. ٥- إسناد الماضي إلى ضمير المخاطبين نحو: ضربتما. ٦- إسناد الماضي إلى ضمير المخاطبين نحو: ضربتم. ٧- إسناد الماضي إلى ضمير المخاطبات نحو: ضرَبْتُنَّ. ٨- إسناد الماضي إلى ضمير الغائبات نحو: ضربن. وكل صيغة من هذه أوجدها الاستعمال كذلك منذ البداية, فلم تكن الصيغة مفتوحة اللام على الألسنة ثم سكنت لأمها, بل الصيغ المفتوحة اللام موجودة أيضًا ويمكن رؤيتها نحو: ضرب، ضربت، ضربا، ضربتا؛ فالنظام يقرر أن الفتح للجميع, والاستعمال يوزع الصيغ بين الفتح والإسكان بحسب كراهية توالي المتحركات.

стр. 284

١٠- الكمية: المقصود بالكمية اعتبار القيمتين الخلافيتين اللتين تسميان "الطول والقصر"؛ فالطول في الحروف الصحيحة تشديد, والقصر إفراد, والطول في حروف العلة مد, والقصر حركة, وقد سبق لنا أن رأينا هذين الاصطلاحين يتردَّداَن في دراسة المقاطع, فذكرنا أن منها الأقصر والقصير والمتوسط والطويل. وليس يخفى ما للكمية من صلةٍ في التفريق بين الصيغة والصيغة, وبين الكلمة والكلمة, فالفرق بين فَعَلَ وفَعَّلَ فرق في الإفراد والتشديد, والفرق بين فَعَلَ وفَاعَلَ فرق في الحركة والمد, والفرق بين لم ولام فرق في الحركة والمد أيضًا, وبذلك تكون الكمية عظيمة الأهمية في مجال القيم الخلافية في اللغة, ومن ثَمَّ تكون ذات صلة عظيمة بالمعنى, أو على الأصح بالجانب السلبي العدمي من هذا المعنى, أي: إن الجزء السلبي من معنى "لم" أنها ليست "لام", ولا غيرها مما يستبدل بها في التركيب من اللام والحركة

стр. 285

"أو المد", والميم وأما الجزء الإيجابي من معناها فهو وظيفتها التي تؤديها في إطار اللغة من كونها للنفي والمعاني الأخرى, فالاختلاف في الكمية إذًا يعتبر في قوة مفهوم المخالفة الذي قال به الشافعية وذكرناه في المقدمة. ومما يتصل بالكمية ما يلاحظ في الكلمات المنتهية بألف أو واو أو ياء, وتتلوها كلمات مبدوءة بالساكن على نحو ما سبق في ظاهرة التوصل, وذلك نحو: "الفتى العربي" و"القاضي الفاضل" و"يدعو الله" فالألف في المثال الأول تفقد كميتها وتصبح من ناحية المدة في طول الفتحة, والياء في المثال الثاني تفقد الكمية وتصبح في طول الكسرة, والواو في المثال الثالث تفقد طولها وتصبح في مقدار الضمة. ولقد كان النحاة يلاحظون هذه الظاهرة ويعتبرونها جزءًا من ظاهرة التخلص من التقاء الساكنين ويقولون: إن الألف والواو والياء تحذف للتخلص من التقاء الساكنين, وكأنهم أرادوا القول بأن الحركة الباقية بعد حذف الحروف الثلاثة هي حركة دليل على المحذوف. ولكن الذي يبدو أسلم منهجيًّا في رأيي هو النظر إلى الأمر كله في إطار دراسة ظاهرة الكمية باعتبارها شديدة الصلة بالموقع وبالنبر, ثم بالمعنى في النهاية. وينبغي أن يكون واضحًا تمامًا أن هناك فرقًا عظيمًا جدًّا بين كمية الحرف وبين المدة التي يستغرقها نطق الصوت, والكمية جزء من النمطية اللغوية فهي جزء من النظام, والمدة هي الوقت الذي يستغرقه النطق فهي جزء من تحليل الكلام. والكمية مقابلات وقيم خلافية, ولكن المدة تقاس بالثواني والوحدات الزمنية الأكبر من الثواني, والكمية هي الطول والقصر النسبيين غير المرتبطين بمقاييس الزمان الفلسفي, أما المدة فمرتبطة بالزمان الفلسفي, وأخيرًا قد يكون الحرف مفردًا "أي: قصير الكمية", ولكن مدة نطقه تكون أطول من المشدد "أي: الطويل الكمية" في بعض المواقع, قارن بمدة نطق الكافين في كلمة "شكاك" أي كثير الشك, فمدة المفردة أطول.
следующие страницы →