وليس هذان المثالان كل ما هنالك بالنسبة لهذه الظاهرة. والمهم أن يكون معلومًا هنا أن دراسة هذه الظاهرة "ظاهرة الحذف" هي دراسة لحذف الحروف الصحيحة, أما حروف اللين والمد فإنَّ دراسة حذفها تكون في ظاهرة الإعلال بالحذف.
стр. 282
٩- الإسكان:
مرة أخرى ليس الإسكان تغييرًا يطرأ على الاستعمال, بمعنى أن تستعمل العرب شيئًا متحركًا ثم تعدل عن الحركة إلى الإسكان, ولكن المقصود بالإسكان هنا: هو فرق ما بين مقررات النظام اللغوي ومطالب السياق الاستعمالي, فالنظام اللغوي يقرر أن الفعل الماضي يُبْنَى على الفتح, وقد أخذ النظام ذلك من الماضي المسند إلى المفرد الغائب الذي اعتبره النحاة صورة قياسية تعتبر نقطة بداية أو أصلًا للنظر إلى كل ما يدل على الفعل الماضي من صيغ تصريف الفعل. ومن الضمائر التي يسند الماضي ضمائر متصلة متحركة أو مبدوءة بحركة, فإذا علمنا أن الصيغة القياسية "فعلَ" تشتمل على حركات ثلاث, وأن الضمير الذي يسند إليه الفعل الماضي قد يكون متحركًا, عرفنا أننا أمام صورة من الصور التي قررها نظام اللغة مما تتوالى فيه أربعة حروف متحركة, وهذه مشكلة من مشاكل التطبيق على نظام اللغة, من هنا يلجأ الذوق الاستعمالي العربي إلى إسكان لام الفعل التي عليها علامة البناء, فيصبح الفعل مبنيًّا على السكون بعد أن كان مبنيًّا على الفتح. يفعل الذوق الاستعمالي ذلك لأنه يكره توالي أربعة متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة, وهذا الإسكان ملحوظ في الإسنادات الآتية:
١- إسناد الماضي إلى تاء المتكلم نحو: ضربتُ.
٢- إسناد الماضي إلى تاء المتكلم نحو: ضربنْا.
٣- إسناد الماضي إلى تاء المخاطب نحو: ضربْتَ.
стр. 283
٤- إسناد الماضي إلى تاء المخاطبة نحو: ضربتِ.
٥- إسناد الماضي إلى ضمير المخاطبين نحو: ضربتما.
٦- إسناد الماضي إلى ضمير المخاطبين نحو: ضربتم.
٧- إسناد الماضي إلى ضمير المخاطبات نحو: ضرَبْتُنَّ.
٨- إسناد الماضي إلى ضمير الغائبات نحو: ضربن.
وكل صيغة من هذه أوجدها الاستعمال كذلك منذ البداية, فلم تكن الصيغة مفتوحة اللام على الألسنة ثم سكنت لأمها, بل الصيغ المفتوحة اللام موجودة أيضًا ويمكن رؤيتها نحو: ضرب، ضربت، ضربا، ضربتا؛ فالنظام يقرر أن الفتح للجميع, والاستعمال يوزع الصيغ بين الفتح والإسكان بحسب كراهية توالي المتحركات.
стр. 284
١٠- الكمية:
المقصود بالكمية اعتبار القيمتين الخلافيتين اللتين تسميان "الطول والقصر"؛ فالطول في الحروف الصحيحة تشديد, والقصر إفراد, والطول في حروف العلة مد, والقصر حركة, وقد سبق لنا أن رأينا هذين الاصطلاحين يتردَّداَن في دراسة المقاطع, فذكرنا أن منها الأقصر والقصير والمتوسط والطويل. وليس يخفى ما للكمية من صلةٍ في التفريق بين الصيغة والصيغة, وبين الكلمة والكلمة, فالفرق بين فَعَلَ وفَعَّلَ فرق في الإفراد والتشديد, والفرق بين فَعَلَ وفَاعَلَ فرق في الحركة والمد, والفرق بين لم ولام فرق في الحركة والمد أيضًا, وبذلك تكون الكمية عظيمة الأهمية في مجال القيم الخلافية في اللغة, ومن ثَمَّ تكون ذات صلة عظيمة بالمعنى, أو على الأصح بالجانب السلبي العدمي من هذا المعنى, أي: إن الجزء السلبي من معنى "لم" أنها ليست "لام", ولا غيرها مما يستبدل بها في التركيب من اللام والحركة
стр. 285
"أو المد", والميم وأما الجزء الإيجابي من معناها فهو وظيفتها التي تؤديها في إطار اللغة من كونها للنفي والمعاني الأخرى, فالاختلاف في الكمية إذًا يعتبر في قوة مفهوم المخالفة الذي قال به الشافعية وذكرناه في المقدمة.
ومما يتصل بالكمية ما يلاحظ في الكلمات المنتهية بألف أو واو أو ياء, وتتلوها كلمات مبدوءة بالساكن على نحو ما سبق في ظاهرة التوصل, وذلك نحو: "الفتى العربي" و"القاضي الفاضل" و"يدعو الله" فالألف في المثال الأول تفقد كميتها وتصبح من ناحية المدة في طول الفتحة, والياء في المثال الثاني تفقد الكمية وتصبح في طول الكسرة, والواو في المثال الثالث تفقد طولها وتصبح في مقدار الضمة. ولقد كان النحاة يلاحظون هذه الظاهرة ويعتبرونها جزءًا من ظاهرة التخلص من التقاء الساكنين ويقولون: إن الألف والواو والياء تحذف للتخلص من التقاء الساكنين, وكأنهم أرادوا القول بأن الحركة الباقية بعد حذف الحروف الثلاثة هي حركة دليل على المحذوف. ولكن الذي يبدو أسلم منهجيًّا في رأيي هو النظر إلى الأمر كله في إطار دراسة ظاهرة الكمية باعتبارها شديدة الصلة بالموقع وبالنبر, ثم بالمعنى في النهاية.
وينبغي أن يكون واضحًا تمامًا أن هناك فرقًا عظيمًا جدًّا بين كمية الحرف وبين المدة التي يستغرقها نطق الصوت, والكمية جزء من النمطية اللغوية فهي جزء من النظام, والمدة هي الوقت الذي يستغرقه النطق فهي جزء من تحليل الكلام. والكمية مقابلات وقيم خلافية, ولكن المدة تقاس بالثواني والوحدات الزمنية الأكبر من الثواني, والكمية هي الطول والقصر النسبيين غير المرتبطين بمقاييس الزمان الفلسفي, أما المدة فمرتبطة بالزمان الفلسفي, وأخيرًا قد يكون الحرف مفردًا "أي: قصير الكمية", ولكن مدة نطقه تكون أطول من المشدد "أي: الطويل الكمية" في بعض المواقع, قارن بمدة نطق الكافين في كلمة "شكاك" أي كثير الشك, فمدة المفردة أطول.
стр. 286
١١- الإشباع والإضعاف:
أقصد بالإشباع تقوية النطق بالصوت وعكسه الإضعاف, وهما يرتبطان بالموقع في السياق, ويمكن بحسب ظاهرة الإشباع والإضعاف أن نرصد للحرف في مكانه من الدفعة الكلامية ثمانية مواقع بيانها كما يلي:
١- بداية النطق كموقع الكاف من كتب.
٢- الوسط بين حركتين كموقع التاء من كتب.
٣- المشدد في الوسط كموقع اللام من علم.
٤- الساكن في الوسط كموقع العين من معلوم.
٥- المتحرك بعد ساكن في الوسط كموقع اللام من معلوم.
٦- الساكن قبل الآخر المسكن بالوقف كموقع الجيم من استخرجت.
٧- الساكن المفرد في آخر الكلام كموقع الباء من اضرب.
٨- الساكن المشدد في آخر الكلام كموقع اللام المشددة الساكنة بالوقف من استقلّ.
فإذا أردنا أن ننسب إلى الحروف في هذه المواقع إشباعًا فإنه يمكن القول: إن أضعف ما يكون الحرف إنما يكون وسطًا بين حركتين "الموقع رقم٢", وأقوى ما يكون إنما يكون ساكنًا مشددًا في آخر الكلام "الموقع رقم٨". واختلاف هذه المواقع إشباعًا وإضعافًا في الكلام صادق حتى مع التغاضي عن اعتبارات النبر التي سنشرحها بعد قليل, وينبغي لنا أن نقول هنا: إن ظاهرة الإشباع والإضعاف المذكورة قد تَمَّت دراستها في لهجة عدن المعاصرة, وأن تطبيقها على اللغة العربية الفصحى ينبغي أن يؤخذ مع التسامح, فهو نتيجة ملاحظة دائبة لا تدعمها تجارب آلية كما حدث عند دراستها في لهجة عدن.
وربما كانت ظاهرة الإشباع والإضعاف هي التفسير المقبول الوحيد لعدد من الظواهر المفردة المبعثرة في العربية الفصحى وجمعًا لها تحت عنوان واحد وفي إطار ظاهرة واحدة, ومن ذلك ما يأتي:
стр. 287
١- يمكن أن نرجع تقسيم الضمائر بين الاتصال والانفصال إلى هذه الظاهرة, فالضمير المنفصل مشبع والضمير المتصل مضعف.
٢- ويمكن في حدود الضمائر المنفصلة فقط أن نلاحظ أن الضمير الواحد المنفصل ربما كان له نطقان: نطق مشبع ونطق مضعف بحسب موقعة من الكلام كما يبدو مما يلي:
الإشباع الإضعاف
الضمير المنفصل الضمير المتصل
وهُو وَهْوَ
فهُو فَهْوَ
لهُو لَهْوَ
أهُو أهْو
الذي أل -اللذْ
هذا ذا
هذه - هذى ذي
هؤلاء أولاء
إياك ك
٣- ربما كان للاختلاف في صور بعض الظروف والأدوات تفسير في ضوء هذه الظاهرة كما يلي:
منذ مذ
لدى - لدن لد
لكي كي
من م
على ع
ما "الاستفهامية" م
لعل عل
لكنَّ وإن وأن الثقيلتان لكنْ وإن وأن المخففتان
стр. 288
٣- وكذلك نلاحظ هذه الظاهرة في المقابلات الآتية:
ربي رب
سوف س، سف، سو
يشفيني يشفين
همو هم
كتابكمو كتابكم
كتابي -كتابيه كتابي
لم يكن لم يك
فَخِذ فَخْذ
يأمركم "بالتحريك" يأمركم "بالاختلاس"
إن ضم هذه الظواهر المبعثرة في العربية الفصحى تحت عنوان واحد ليجعلها أسهل فهمًا وأوغل في طرق النمطية اللغوية.
стр. 289
١٢- النبر:
سبق أن شرحنا قواعد النبر الأَوَّلِي والثانوي, أو بعبارة أخرى: نبر القاعدة أو النبر كما يقع في إطار نظام الصرف صامتًا صمت القاعدة الصرفية. ولقد ذكرنا من قبل كيف يصادف النظام والقواعد التي يتكون منها بعض المشاكل عند التطبيق وذكرنا أن الظواهر السياقية ليست أكثر من حلول صوتية لهذه المشكلات, ونظام النبر الذي شرحنا من قبل يصادف بعض المشكلات في التطبيق كذلك, وتأتي حلول هذه المشكلات في صورة حل صوتي المشكلة هو اختلاف في البنية المقطعية بين ما قررته القاعدة وما تطلبه سياق الكلام. وهنا فقط يعتبر النبر ظاهرة سياقية لأنَّ كل القواعد التي ذكرنا للنبر ليست واحدة منها حلًّا صوتيًّا لمشكلة معينة في موقع معين, وإنما هي نظام النبر في صرف اللغة العربية الفصحى كما يلاحظها المرء عند قراءة
стр. 290
القرآن, وهو الشكل العربي الوحيد للفصحى الذي يشتمل على عنصر التواتر المتعمد. ومن أمثلة هذه الحلول لمشكلات تطبيق النبر ما يأتي:
١- ذكرنا في الكلام عن ظاهرة "التوصّل" أن الكلمة المبدوءة بالساكن إذا وقعت في بداية الكلام توصّل المتكلم إلى الساكن الذي في أولها بواسطة همزة الوصل, وفي هذه الحالة تتغيّر بنية المقطع الأقصر وهو الحرف الساكن الذي بدأت به الكلمة وكان على صورة "ص", وتصبح مقطعًا متوسطًا مقفلًا على صورة "ص ح ص", فالصاد الأولى هي همزة الوصل, والحاء حركتها, والصاد الثانية هي الساكن الذي توصلنا إلى النطق به والذي كان بمفرده مقطعًا مستقلًّا بحسب القاعدة التي في نظام اللغة. والمقطع على صورته الأخيرة "ص ح ص" مقطع كلامي لا لغوي.
فإذا جاءت الكلمة وسطًا في الكلام تطلبت حلًّا من طراز آخر, فإذا كان لدينا كلمة "المؤلف" فإنها تبدأ بالهمزة في بداية الكلام في نحو قولك: "المؤلف يقول", وهنا يكون أول مقطع كلامي منها مكونًا من الهمزة والحركة واللام "ص ح ص", ولكن هذه الكلمة في وسط الكلام تختلف عن ذلك. فإذا نظرنا إلى الفعل الماضي "قال" مبنيًّا على الفتح وجدناه مكونا من مقطعين أحدهما "قا" وهو يساوي "ص م" والثاني "ل" وهو يساوي "ص ح", فإذا وضعنا كلمتي: "قال" و"المؤلف" معًا تغيَّرت البنية المقطعية في كلٍّ منهما بحسب مطالب السياق, ويصبح التركيب المقطعي الكلامي مخالفًا للتركيب المقطعي اللغوي الذي شرحناه, وتكون الصورة الكلامية للمقاطع في الكلمتين هي:
قا+ لل + م + ؤل + لف
والمقطع الثاني هنا هو موضع الظاهرة الموقعية حيث امتد المقطع الكلامي من نهاية كلمة سابقة إلى بداية كلمة لاحقة وحلَّ محل مقطعين من مقاطع نظام اللغة هما لَ، لْ", أي: المقطع الأخير من "قال" والأول من "المؤلف".
стр. 291
٢- ذكرنا في الكلام عن ظاهرة "الكمية" أن الكلمات التي تنتهي بالألف أو الواو أو الياء إذا وقعت إحداها قبل كلمة مبدوءة بالساكن, فَقَدَ حرف المد في نهايتها كميته وأصبح بمقدار الحركة من ناحية "المدة" التي يستغرقها النطق بحرف المد. ومعنى ذلك أن البنية المقطعية قد اختلفت بمطالب الكلام عمَّا كانت عليه حسب مقررات القاعدة, فكلمة "القاضي" تنتهي بمقطع "ضي" وهو في كمية "ص م", وكلمة "الفاضل" تبد بمقطع "لْ" وكميتها "ص", وعندما نقول عبارة: "القاضي الفاضل" يتطلب نظام بنية الكلمتين أن يكون المقطعان على صورة "ضي ل" ولكن الياء بحسب ظاهرة الكمية أو كما قال النحاة العرب بحسب التخلص من التقاء الساكنين تفقد كميتها وتصير بمقدار الكسرة, ويصبح المقطعان مقطعًا واحدًا على صورة "ضِلْ" ويتم نطق الكلمتين على صورة "القاضلفاضل" وكذلك الأمر في:
يدعو الله= يدعلَّاه
الفتى العربي= الفَتَلْعَرَيى
٣- كذلك يتطلب السياق الاستعمالي أحيانًا بعض الظواهر الموقعية مثل: هاء السكت والإشباع وألف الندبة وإطلاق القافية, وغير ذلك مما يأتي عنه تغيّر في البنية المقطعية عمَّا قررته لها القاعدة. وكل هذا التغيّر في البنية المقطعية صالح لأن يغير مواقع النبر في الكلام عمَّا كان عليه في الكلمات المفردة.
٤- والزوائد والملحقات كذلك تغيّر البنية المقطعية ومواقع النبر, ويكفي أن نلاحظ الفرق بين موقعي النبر في "ضرب" وفي "ضربهما" حيث يقع على المقطع الأول في المثال الأول وعلى الثالث في الثاني.
٥- يضاف إلى ما تقدَّم من التفريق بين نبر القاعدة ونبر الاستعمال أنه يمكن أن نقسِّم نبر الاستعمال إلى عادي وتأكيدي, ولا يمكن هذا التقسيم في النوع الأول. والفرق بين هذين النوعين من النبر يمكن تلخيصه من وجهة نظر علم الأصوات اللغوية في أمور:
стр. 292
أ- إن ضغط الهواء الناشئ عن حركة الحجاب الحاجز أثناء ضغطه على الرئتين من أسفل أكبر في حالة النبر التأكيدي منه في حالة النبر العادي.
ب- إن هذا الضغط الأكبر يمر بين الأوتار الصوتية كمية من الهواء أكبر من كميته في النبر العادي, وهذه بدورها تسبب علوًّا في الصوت كما هو معروف من تحليل علوّ الصوت وانخفاضه.
٦- ولا شك أن الاعتبار الإيقاعي في نبر السياق الاستعمالي أوضح منه في نبر النظام الصرفي؛ لأن نبر النظام الصوتي نبر الكلمة المفردة والصيغة المفردة, والكلمة ربما قصرت بحيث لا تشتمل إلا على مقطع واحد منبور فلا تَتَّسِم بسمة الإيقاع, وأما السياق الاستعمالي فإنه يحرص على إظهار موسيقي اللغة بحفظ المسافات المتساوية أو المتناسبة بين مواقع النبر, مما يعطي اللغة موسيقاها الخاصة التي تعرف بها بين اللغات, وإن مجرد الاستماع إلى شخص أجنبي يتكلم العربية فيطيل الحركة ويقصر المد ويضع النبر في غير موضعه ليكشف عن قيمة النبر والكمية في تكوين موسيقى اللغة.
ولا شك أن الإيقاع إذا كان يعطي للغة موسيقاها الخاصة فإنه لا يحدد معنى وظيفيًّا ولا معجميًّا ولا دلاليًّا في السياق الكلامي, ولو أن وظيفة النبر اقتصرت على إعطاء الكلام هذا الإيقاع الخاص ما استطعنا أن نربط ربطًا مباشرًا بين النبر وبين المعنى, والمعروف أن هناك لغات تعطي النبر معنى صرفيًّا ومعجميًّا فتفرق به بين الفعل وبين الاسم, وقد اتحدا في الصورة الكتابية؛ فاللغة الإنجليزية مثلًا تفرق بالنبر هذا النوع من التفريق في مثل الحالات الآتية:
موضع النبر اسم موضع النبر فعل
المقطع الأول contract المقطع الثاني contrac
المقطع الأول interest المقطع الثاني interest
المقطع الأول contrast المقطع الثاني contrast
стр. 293
أما اللغة العربية فلا تفرق بالنبر بين الأسماء والأفعال, أي: إنها لا تعطي النبر معنًى وظيفيًّا في الصيغة أو في الكلمة, ولكنها تمنحه معنى وظيفيًّا في الكلام, أي: في معنى الجملة. ويتضح ذلك إذا قارنا في النطق بين جملتي:
أذكر الله وأذكري الله
فالمعروف أن هذا الموقع من المواقع التي تفقد فيها الياء كميتها فتصبح بمقدار الكسرة في الكلام مثلها في ذلك مثل الياء في عبارة "القاضي الفاضل" التي ذكرناها من قبل. ومن هنا تصبح أحوال الأصوات في الجملتين واحدة, وتصبح فرصة اللبس سانحة هنا, فلا يعرف السامع ما إذا كان المتكلم يخاطب رجلًا أو امرأة. هنا يتدخل النبر فيفرق بين الإسنادين؛ فيكون النبر في الجملة الأولى على مقطع همزة الوصل, ويكون في الجملة الثانية على مقطع الكاف ليدل على طول الياء؛ لأنَّ النبر يقع على ما قبل الآخر إذا كان المقطع الأخير متوسطًا "ري" وما قبل الآخر قصيرًا "ك" حسب القاعدة "الثانية ٢ب" من قواعد النبر الأوليّ. فيكون النبر هنا ذا وظيفة تشبه وظيفة حركة الدليل على المحذوف في نحو: "تسعون" حيث تدل الفتحة على ألف "سعى" المحذوفة.
стр. 294
١٣- التنغيم:
في الذي قدمناه من الكلام في التنغيم يبدو التنغيم جزءًا من النظام النحوي لغة في الوقت الذي أحصيناه فيه مع الظواهر السياقية, ومن الواضح أن النظام ثابت وتحليلي, وأن الظواهر السياقية تركيبية, فما الوجه الذي يبرر إحصاء التنغيم بين الظواهر السياقية إذًا؟ من الممكن أن يجاب على ذلك من وجوه:
١- ذكرنا في الكلام عن التنغيم في النظام النحوي أن كل نوعٍ من أنواع الجمل يتفق مع هيكل تنغيمي خاص يقف منه في إطار النظام النحوي موقف الصيغة الصرفية من المثال, أي: كموقف "استفعل" مثلًا من "استخرج" من حيث تقوم الصيغة مقام القالب بالنسبة للمثال, ولكن اللغة لها جانبان
стр. 295
كما عرفنا في تقسيم الجمل: الجانب التعاملي والجانب الإفصاحي, وأولهما أقرب إلى الاستعمال الموضوعي للغة, وثانيهما أقرب إلى الجانب الذاتي. وهذا الجانب الإفصاحي يغلب عليه الطابع التأثري exclamatory, ومن أمثلته التعجب والمدح والذم وخوالف الإخالة وخوالف الأصوات, وكل هذه تتحقق غالبًا في صورة صيحات انفعالية تأثرية. وقد يكون المتكلم بهذه اللغة الإفصاحية في مقام يتطلب منه أن يغير وظيفة الجملة من التعامل إلى الإفصاح؛ كالذي يحدث من المعلقين على مباريات كرة القدم, فبدل أن يصيح باللفظ الإفصاحي "هيه" كما يصيح أيّ متفرج يحرص على أن يستمر في الجملة الإخبارية التعاملية التي كان يقولها, ولكنه يغير وظيفتها إلى الإفصاح, وتعطيها نغمة فقط "هيه" عندما يرى الكرة دخلت فعلًا إلى منطقة الهدف وهو لم يكمل الجملة. وقد يقول: "جول" بنغمة "هيه" فيخبر ويفصح في الوقت نفسه. وهذا حل صوتي لمشكلة من مشكلات النظام عند تطبيقه, ويعارضه أثناء التطبيق مع مطالب السياق. والمعلق ينقل رسالتين بهذه الطريقة إلى السامعين أولاهما الإخبار عن النتيجة "وللإخبار نغمة خاصة في نظام التنغيم", وذلك بواسطة جملة خبرية التركيب, وثانيتهما نقل الانفعال باعتباره دعوة إلى الجمهور للمشاركة فيه, وذلك بواسطة إعطاء التركيب الخبري المذكور نغمة إفصاحية تأثرية كنغمة صيحات المشجعين في مدرج الملعب.
ومن هذا القبيل ما يحدث من أن يحي المرء شخصا يكرهه هو ويود أن لو اختفى عن ناظره فيحتفظ بالعبارة العرفية للتحية ولكنه يغيروا وظيفتها ويحملها من نغمة الكراهية وتعبيرات الملامح التي تصاحبها ما يجعل التنغيم هنا ظاهرة سياقية, وذلك كان يجعل المتكلم شفتيه على صورتهما التي ينطقان بها "الكسرة", ويضيق عينيه ويقلص ما بين حاجبيه حين ينطق التحية بنغمة الكراهية قائلًا: "كيف حالك يا عزيزي".
٢- من المواطن التي يصير فيها التنغيم ظاهرة موقعية في السياق أن يعمد المتكلم إلى التظاهر بأمر هو عكس ما يتطلب الموقف من تنغيم كأن يقص
стр. 296
المتكلم أمر حادثة مات فيها عدد من أصحابه وأقربائه, ولكنه يريد أن يبدو هادئًا في سرد القصة لئلّا يثير أحزان السامعين بصورة أشد, فيصطنع لهذا الكلام الذي يحتمل نغمة الحسرة والجزع نغمة أخرى فيها هدوء وتماسك. فهنا تعطى الجملة وظيفة جديدة ونغمة غير نغمتها التي في النظام, ويكون التنغيم ظاهرة سياقية.
٣- يحدث أحيانًا أن يستعمل المتكلم النغمة على صورة تقوى من العلاقة بين إحدى كلمات السياق وبين معناها الذي سيقت له, فإذا قال: "بلاد بعيدة" عبَّر عن شدة البعد بمد الياء مدًّا طويلًا, وكذلك الفتحة التي بعدها من كلمة "بعيدة", ونطق الياء والفتحة على نغمة واحدة مسطحة عالية نوعًا ما. وإذا أراد أن يقول: إنه قذف حجر إلى أعلى فوصل إلى علوٍّ شاهق فلربما منح ذلك التنغيم نفسه لكلمة "فوق" فمد حرف المد منها بصورة ملحوظة ورفع الصوت به. وهذه الظاهرة يستغلها ملحنو الأغاني كثيرًا. وإذا أراد التعبير عن التراوح بين مكانين بقوله: "رايح جاي" أعطى كلًّا من الكلمتين نغمة خاصة كان يجعل نغمة "رايح" أعلى من نغمة "جاي", ثم يكرر الكلمتين كلًّا منهما بنغمتها مقويًا معنى تكرار الرواح والمجيء بهذا النوع من التنغيم.
هذه بعض الأمثلة التي تجعل التنغيم ظاهرة موقعية تحل مشكلة تطبيق نظام التنغيم في النحو على السياق الاستعمالي حين تتعارض قواعد النظام مع مطالب السياق.
стр. 297
المعجم:
لقد رأينا أن اللغة العربية الفصحى مكوَّنة من أنظمة لغوية هي النظام الصوتي والنظام الصرفي والنظام النحوي للغة, وحين نسمي أفكارًا مركبة ما نظامًا فلا بُدَّ أن تكون بين بعضها وبعض علاقات عضوية معينة, وكذلك أوجه خلاف بين كل واحدة منها وبين الأخرى؛ بحيث تؤدي كل واحدة منهما في النظام وظيفة تختلف عمَّا تؤديه الأخرى, فللنظام إذًا تكامل عضوي واكتمال وظيفي يجعله جامعًا مانعًا بحيث يصعب أن يستخرج منه شيء أو أن يضاف إليه شيء, ومن طبيعة النظام اللغوي أن يصلح "للجدولة" -إن صح هذا التعبير- فيكون له من معانيه بعد رأسي وبعد آخر أفقي, ويكون من التقاء كل معنى في البعد الرأسي بمعنى آخر في البعد الأفقي وحدة معنية من وحدات النظام. ولما كان طابع النظام اللغوي عضويًّا إلى هذا الحد أصبح من الصعب على اللغات أن تستعير الواحدة منها جزءًا من نظام الأخرى, ومن ثَمَّ لم نجد لغة تستعير من لغة أخرى أحد أصواتها أو ظاهرة سياقية من ظواهرها أو صيغة صرفية أو حرف زيادة أو ملحقًا من ملحقاتها, أو علاقة نحوية من علاقاتها.
والسؤال الذي ينبغي أن نعرف إجابته الآن هو: "هل يمكن أن يكون المعجم نظامًا من أنظمة اللغة كما كان النظام الصوتي والصرفي والنحوي؟ " للإجابة على هذا السؤال ينبغي أن ننظر في الأمور الثلاثة التي نسبناها إلى أنظمة اللغة لنرى في كل أمر ما إذا كان يتحقق أولًا يتحقق المعجم. وهذه الأمور الثلاثة هي:
أ- العلاقات العضوية والقيم الخلافية بين المكونات.
ب- الصلاحية للجدولة "أي أن يوضع في صورة جدول".
جـ- عدم إمكان الاستعارة بين لغة ولغة.
أما من حيث العلاقات العضوية فليس بين كلمات المعجم أيّ علاقة عضوية, وقد يكون بين كل طائفة من هذه الكلمات علاقة اشتقاقية معنية
стр. 298
هي اشتراكها في أصول المادة, ولكن هذه العلاقة الاشتقاقية تختلف عمَّا نقصده من العلاقة العضوية؛ لأن العلاقة العضوية لأية وحدة من وحدات النظام تدخلها في علاقة خلافية مع بقية الوحدات جميعًا أيًّا كان موضعها من النظام, فإذا نظرنا مثلًا إلى جدول الصرف وأخذنا وحدة من وحداته التقسيمية كالاسم مثلًا, وجدنا هذا الاسم يختلف عن كل ما عداه, وقد بينَّا ذلك تحت عنوان أقسام الكلم العربي في موضعه من هذا الكتاب, فالاسم يختلف عن الصفة باعتبارات, وعن الفعل باعتبارات أخرى, وعن الضمير والخالفة والظرف والأداة كذلك، وكل ذلك في إطار النظام الصرفي. وكذلك لو نظرنا في المعاني التصريفية كالتكلم أو الخطاب والغيبة, أو الإفراد والتثنية والجمع, أو التذكير والتأنيث, وجدنا أن كل معنى من هذه المعاني كله مكانه في النظام لا يتركه ولا يطغي على أماكن المعاني الأخرى. فالتكلم والخطاب يتصلان بالأفعال والضمائر, ولكن الغيبة تضم إن هذين الأسماء والصفات؛ لأن الاسم والصفة في قوة ضمير الغيبة كما يقول النحاة, ولذلك يسند الفعل إليهما على الصورة التي يسند بها إلى ضمير الغيبة. ذلك هو ما نقصده بالعلاقات العضوية بين وحدات النظام. والمعجم ليس كذلك ومن ثَمَّ تنتفي عن كلماته سمة العلاقات العضوية فلا يكون نظامًا.
والأمر الثاني هو صلاحية أيّ نظام لغوي للجدولة, وقد رأينا كيف أمكن وضع النظام الصوتي والنظام الصرفي والنظام النحوي للعربية الفصحى في صورة جداول ذات أبعاد رأسية وأخرى أفقية تتشابك فيها العلاقات, وتقوم القيم الخلافية في كل جدول حارسًا أمينًا لأمن اللبس في النظام والسياق معًا. وواضح أن المعجم لا يمكن أن يوضع في صورة جدول؛ لأنه كما قلنا تنقصه العلاقات العضوية بين مكوناته, ومن شروط إمكان أي جدول أن يوضع أن يكون بين مكوناته هذه العلاقات العضوية كما ذكرنا. وإذا كان المعجم غير صالح للجدولة فلا يمكن أن يكون نظامًا لغويًّا.
والأمر الثالث الذي تتميز به الأنظمة اللغوية هو صعوبة الاستعارة بالنسبة لوحداتها من لغة إلى أخرى, فلا تستعار أداة ولا رتبة ولا صيغة
стр. 299
ولا باب نحوي من لغة إلى لغة أخرى في العادة, والملاحظ أن مجال الاقتراض بين اللغات هي الكلمات المفردة وهي مكونات المعجم. ولقد اشتملت اللغة العربية منذ الزمن القديم في العصر الجاهلي على مفردات مستعارة من لغات أخرى في الشرق والغرب؛ كالسكر من السنسكريتية, والإبريسيم والاستبرق من الهلوية, والإقليم والقسطاس والدينار من الإغريقية, ولكن العربية الفصحى لم تستعر من واحدة من هذه اللغات قاعدة ولا طريقة من طرق التركيب ولا أداة ولا جزءًا آخر من أجزاء أنظمتها. ومعنى ذلك كله أن المعجم لا يمكن لهذا السبب أن يوصف بأنه نظام.
هذه فروق ثلاثة بين الأنظمة اللغوية وبين المعجم, وهناك أمر آخر يرجع إلى الوظيفة الاجتماعية للغة في عمومها؛ فالمعروف أن لغة كل قوم إنما تسمي تجاربهم الاجتماعية فتضع للمسميات اسمًا, وتضع للأعمال أفعالًا, وتضع للعلاقات فيما بينهما أدوات تربط بين الكلمات في السياق. ويتم كل ذلك في حدود العرف المحلي لهؤلاء القوم, ومن ثَمَّ تختلف المفردات من لغة إلى لغة؛ لأن تعارف جماعة ما لا يتشابه بالضرورة مع تعارف الجماعة الأخرى. زد على ذلك أن الجماعات تختلف بيئاتها فتختلف مسمياتها, فإذا كانت بيئة ما تسمي "الجمل" فإن بيئة أخرى تسمي "اللاما", وبيئة ثالثة تسمي "الفيل", وكذلك قد تسمي بيئة من البيئات طعامًا لا يكون معروفًا للبيئة الأخرى, ومثل الطعام والعادة والآلة والتقليد وأنواع التجارب المختلفة؛ ومعنى هذا أن أية لغة من لغات العالم لا يتصور لها أن تسمي التجارب الإنسانية جميعًا؛ لأن اللغة محلية, ولأن أصحابها لا يعرفون جميع التجارب الإنسانية, فحتى لو تصورنا أن اللغة في عمومها تنتظم التجارب الإنسانية كلها في نظام معين "وهو أمر غير ممكن لتوالي حدوث تجارب إنسانية جديدة باستمرار", فإن أية لغة محلية لا يمكن أن تنتظم هذه التجارب جميعًا.
وإذا لم يكن المعجم كما رأينا نظامًا من أنظمة اللغة؛ لأنه لا تتوافر له مقومات النظام فلا بُدَّ أن يكون منهج المعجم متجهًا إلى دراسة "قائمة" من الكلمات تشتمل على جميع ما يستعمله المجتمع اللغوي من مفردات.
стр. 300
ومن طبيعة هذه القائمة الضخمة التي هي في حوزة المجتمع في عمومه ألا يحيط بها فرد واحد من أفراد هذا المجتمع مهما بلغ حرصه على استقصائها؛ لأن ظاهرتي الارتجال والتوليد وهما مستمرتان لا بُدَّ أن تقفا به دون الإحاطة بالكلمات المرتجلة والمولَّدة التي هي في طريقها إلى الشيوع العرفي. ولكن أفراد المجتمع يتوزعون مفردات هذه القائمة فيما بينهم؛ كل بحسب بيئته وثقافته وحياته الاجتماعية, فيستقل كل فرد بطائفة منها يعرف معانيها معرفة عامة, ويعرف ما لبعض هذه المعاني من ظلال دقيقة مختلفة. أما ما في أيدي الآخرين من هذه القائمة فلا يتفق ما لدى كل فرد منم إلّا مع بعض ما لدى الفرد الذي كنا نتكلم عنه, ويبقى بعد ذلك أكثر ما في أيديهم مجهولًا بالنسبة لهذا الفرد جهلًا لا يزيله إلّا أن يعنى المتخصصون من هذا المجتمع بتدوين كل مفردات اللغة ومعانيها في صورة معجم ليرجع إليها هذا وذاك من الراغبين في الاطلاع على هذه المفردات والمعاني. لهذا كان تدوين المعجم ضرروة لغوية لكل مجتمع متقدم, وكان لا بُدَّ أن يتم تدوين المعاجم على صورة تمكن كل فرد يطلع عليها أن يعرف الكثير من المعلومات التي توضح ما يحيط بمادتها الأساسية وهي الكلمة.
ولكن ما الكلمة؟ أمن السهل تعريفها؟ أَوَيُمكن أن نحددها تحديدًا دقيقًا في السياق كلما أردنا ذلك, فنقول: هنا تبدأ وهنا تنتهي؟ أنعتبر المباني الصرفية التي تتحقق بها الظواهر الموقعية وكذلك اللواصق الصرفية أجزاء كلمات أم نعتبرها كلمات مستقلة؟ كل أولئك قضايا لا بُدَّ من الإجابة عليها قبل أن نتناول طريقة شرح المعنى المعجمي وطبيعة هذا المعنى.
سبق أن فرَّقنا بين اللغة وبين الكلام, وقلنا: إن اللغة مجموعة من الأنظمة والعلاقات, وإن الكلام هو النطق أو الكتابة بحسب قواعد هذه الأنظمة والعلاقات. ونحب أن نضيف هنا أن المعجم ليس نظامًا, ولكنه مع ذلك جزء من اللغة, ومثل الأنظمة بعلاقاتها ومثل الكلمات كمثل قواعد الشطرنج؛ لأن قواعد الشطرنج نظام ينتظمه جدول "إن صح هذا التعبير" قوامه المربعات ذات العلاقات فيما بينها, فالمربعان قد يختلفان من حيث العلاقة الرأسية بأن يكون كل منهما في صف رأسي مختلف عن الآخر، وقد يختلفان من حيث علاقة
стр. 301
الصف الأفقي, وقد يختلفان من حيث علاقة الصف المائل. ولكن الاختلاف بين أي مربع وبين المربعات الأخرى مهم جدًّا في الوظائف التي تؤديها هذه المربعات أثناء اللعب, ولكن فهمنا للشطرنج لا يتم بمجرد وجود الرقعة فقط, وإنما لا بُدَّ من القطع المختلفة الشكل أو المبنى والوظيفة أو المعنى في اللعبة. فقواعد لعبة الشطرنج ومربعاته كنظام اللغة صرفًا ونحوًا, وقطع الشطرنج المختلفة الشكل والوظيفة كالكلمات, وحركات اللعب نفسها كالكلام الذي يحتاج إلى اللغة بما فيها من أنظمة وكلمات, وكما أن اللعبة تطبيق لقواعد الشطرنج كذلك الكلام تطبيق لقواعد اللغة؛ فالمعجم على رغم كونه قائمة من الكلمات التي لا تنتظم في نظام معين, إنما يعتبر جزءًا من اللغة من حيث يمد اللغة بمادة عملها, وهي الكلمات المختزنة في ذاكرة المجتمع.
علينا الآن إذًا أن نشرح طبيعة الكلمة في المعجم في ظلّ هذا التفريق بين مفهومي اللغة والكلام. المعروف أن اللغة باعتبارها نظامًا أكبر لا بُدَّ أن تكون صامتة, وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك لأن النظام لا ينطق, ولكن الذي ينطق هو الكلام في إطار هذا النظام. والمعجم جزء من اللغة لا من الكلام, ومحتوياته الكلمات التي هي مختزنة في ذهن المجتمع أو مقيدة بين جلدتي المعجم وهي صامتة في كلتا الحالتين, ومن ثَمَّ يكون المعجم صامتًا كصمت اللغة, ويكون ذلك منسجمًا مع كونه جزءًا من اللغة, وحين يتكلم الفرد يغترف من هذا المعين الصامت فيصير الكلمات ألفاظًا ويصوغها بحسب الأنظمة اللغوية, فالمتكلم إذًا يحول الكلمات والنظم من وادي القوة إلى وادي الفعل.
وبعد قليل نفصل القول في أن معنى الكلمة في المعجم متعدد ومحتمل, ولكن معنى اللفظ في السياق واحد لا يتعدد بسبب ما يأتي:
أ- ما في السياق من قرائن تعين على التحديد "وقد سبقت الإشارة إلى القرائن المقالية".
ب- ارتباط كل سياق بمقام معين يحدد في ضوء القرائن الحالية "وسنرى شرح ذلك فيما بعد".
ولو لم تكن الكلمة المعجمية صامتة في ذاكرة المجتمع أو بين جلدتي المعجم لكانت بالضرورة منطوقة على ألسنة المتكلمين, ويظهر جلاء الغموض
стр. 302
في هذه المسألة بالتأمل في السؤال الآتي: كيف يأمل المتكلّم في أن يكون واضحًا وهو يستعمل كلمة ذات معنى متعدد ومحتمل؟ والإجابة هي أن المتكلم لا يستخدم الكلمات, وإنما يحولها إلى ألفاظ محددة الدلالة في بيئة النص.
نعم! "ألفاظ"؛ لأن الكلمة الصامتة صورة صوتية مفردة في ذهن المجتمع أو صورة كتابية مفردة بين جلدتي المعجم, والصورة دائمًا غير الحقيقة, فحين يلتقطها المتكلم يحولها.
أ- من الصورة إلى الحقيقة الحسية "سمعيًّا أو بصريًّا".
ب- من الإفراد "وهو طابع المعجم" إلى السياق الاستعمالي "وهو طابع الكلام".
عندئذ يحرك بها لسانه ناطقًا أو يده كاتبًا, فيتحول اعتبارها من "كلمة" إلى "لفظ", ففرق ما بين الكلمة واللفظ هو فرق ما بين اللغة والكلام, فاللغة "والكلمة وحدة من وحداتها" صامتة, والكلام "واللفظ جزء من نسقه" محسوس, واللغة سكون والكلام حركة.
وهذا هو أحد أوجه الاعتراض على من عرَّف الكلمة من النحاة بأنها: "اللفظ المفرد" أو "لفظ وضع لمعنى مفرد"؛ لأن هذا التعريف يغفل عن حقيقة الفرق بين الكلمة وبين اللفظ كما حددناها هنا. وحاول بعض النحاة أن يعرف الكلمة بأنها "قول مفرد" فلم يكن أسعد حظًّا من صاحبيه, والأسباب واضحة لأن القول ربما يكون من أكثر من لفظ واحد, وتقاليد التحليل في اللغة العربية تجعل مقول القول دائمًا في صورة جملة. وسيجد القارئ الكثير من محاولات تعريف الكلمة والرد عليها في كتابنا "مناهج البحث في اللغة" فمن شاء فليرجع إلى ذلك في الكتاب المذكور.
عند هذا الحد أجدني مدفوعًا إلى استكشاف الطبيعة العرفية للكلمة وما يتصل بذلك من مبحث التفريق بين اللغة والكلام. ولقد تناول الباحثون
стр. 303
القدماء أصل اللغة بالتأمل, فانقسموا في رأيهم إلى قسمين يقول أحدهما "بالتوقيف", ومعناه أن اللغة هبة من الله للإنسان في إجمالها وتفصيلها, أي: إن كل كلمة في اللغة جاءت من عند الله تعالى حتى "القصعة" و"القصيعة" كما روى بعضهم, واحتجوا في تبرير هذا القول بما ورد في الكتب المقدسة ومنه الآية القرآنية: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ , وقسم آخر يقول بالمواضعة, ومعناها أن اللغة من وضع المجتمع تعارف الناس عليها رموزًا ومعاني وطرق تركيب ومخارج أصوات, وهلمَّ جرا من كل ما يصلح للتعارف. وأنا بدوري أقول: إن اللغة التي علمها الله تعالى لآدم هي الاستعداد الفطري لاتخاذ لغةٍ ما والتفاهم بواسطتها, فاللغة التي وهبها الله له ظاهرة اجتماعية, وكان De Saussure يسميها langage, وليست لغة بعينها مما يسميه هو langue, ولا كلامًا مما يسميه parole. وفي كتابي "اللغة بين المعيارية والوصفية" نقاش لطبيعة الرموز اللغوية, فمن شاء فليعد إليه, وقد كان ممن الممكن أن اكتفي بهذه الإشارة لولا أنني أحب هنا أن أضيف بعض التأكيد للعلاقة العرفية بين الكلمة وبين معناها.
من الملاحظ أن المسمَّى الواحد تختلف أسماؤه من لغة إلى لغة؛ فالرجل في العربية يقابله man بالإنجليزية وكذلك lhomme بالفرنسية وهلم جرا. وقد يقول قائل: إن "الرجل" و man و lhomme يختلفون من حيث اللون والعادات والأخلاق والنظرة إلى الحياة والتاريخ بقدر ما يختلف الرجل العربي عن الرجل الإنجليزي والرجل الفرنسي, فالمفهومات مختلفة بين الكلمات الثلاثة, وهذه مبررات مقبولة لاختلاف التسمية من لغة إلى لغة, ولكن هذا ليس صوابًا؛ لأن الثلاثة تصدق عليهم بالعربية كلمة "الرجل", وبالإنجليزية كلمة man, وبالفرنسية كلم lhomme, والعمل الواحد أو الحدث الواحد أيضًا تعبر عنه اللغات الثلاث بطرق مختلفة مثل: "يأكل" و manger to eat, ومعنى هذا باختصار أن كل مجتمع من المجتمعات الثلاثة التي عبَّرت عن هذه المعاني اختار طريقة خاصة للتعبير عنها؛ فأصبح المعنى الواحد الذي في متناول المتكلمين باللغات المختلفة يحتمل أن تتعدد وسائل الرمز له بتعدد المجتمعات, فكيف يصل كل
стр. 304
مجتمع إلى اختيار كلمة معينة ليدل بها على هذا المعنى؟ الجواب: بالتعارف. إذًا فما هو أساس التعارف؟ الجواب: الاعتباط. المنطق ولا الطبيعة.
"وذلك أن نظم الحروف هو تواليها في النطق فقط, وليس نظمها بمقتضى عن معنى ولا الناظم لها بمقتف في ذلك رسمًا من العقل اقتضى أن يتحرَّى في نظمه لها ما تحراه, فلو أن واضع اللغة كان قد قال: "ربض" مكان ضرب لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد"١.
لقد أشرنا في مقدمة هذا الكتاب إلى أن "علم البيان" وهو فرع من فرع "علم البلاغة" يصلح أساسًا نظريًّا لبناء علم خاصٍّ بدراسة المعجم نظريًّا وعمليًّا يسمى"علم المعجم", أما نظريًّا فإن هذا العلم يمكن أن يشرح لنا كيفية وضع الكلمات وهي رموز للمعاني, فيتناول الاشتقاق والارتجال والتعريب والنحت والتوليد وهلم جرا من الطرق التي يبينها فقه اللغة, والتي يمكن للكلمة العربية التي تبنى على أساسها, ويشرح كذلك القيمة العرفية لدلالة الكلمة مبينًا الفرق بين العرف الخاص والعرف العام في معنى الكلمات, ويشرح لنا طبيعة المعنى المعجمي وتعدده واحتماله, والفرق بينه وبين المعنى الوظيفي والمعنى الدلالي, ويشرح لنا المقصود بالكلمة مع محاولة تحديد حدودها على أسس شكلية, فيقول لنا: متى تبدأ الكلمة العربية ومتى تنتهي وما الذي يعتبر كلمة مستقلة, وما الذي يعتبر جزء كلمة, ويشرح لنا الدلالات الاستعمالية للكلمة ما بين الحقيقة والمجاز, ويبين لماذا كان المعنى المجازي معتبرًا في المعجم, ويتناول مباحث نظرية بيانية أخرى لا غنى للمعجم عنها. وأما عمليًّا فيشرح لنا أفضل منهج لوضع المعاجم ذاكرًا الغاية الأساسية من كتابة المعاجم, وما الذي يتوقعه المرء حين يتناول المعجم في يده ليكشف عن كلمة, ومن هنا يتطرق إلى الصلة بين المعجم وبين علم الصوتيات, ثم إلى الصلة بينه وبين نظام الإملاء ومايشتمل عليه نظام الإملاء من إشارات صوتية وصرفية, ثم إلى الصلة بين المعجم وبين علم الصرف, وكذلك الصلة بين شواهده وبين علم النحو "لأن الكلمة المفردة لا تتصل بالنحو, ولكن الشواهد على طرق استعمالها ومعانيها تتصل به" ثم يذكر بعد ذلك أمثل طريقة لشرح الكلمة وقيمة
стр. 305
الاستشهاد في تحديد المعنى, ويلمح إلى تطور البنية etymology وتطور الدلالة semantic shift بالنسبة لبعض الكلمات, والتضام الافتقاري والأسلوبي للكلمات, إلى غير ذلك مما يتناوله المعجم من الأمور العملية.
وأوضح ما في علم البيان من مباحث هو الدلالات الاستعمالية للكلمة, والمعروف أن الواضع يضع الكلمة أولًا للمعنى الحقيقي العرفي وليس للمعنى المجازي الفني, ولكن كلمات اللغة دائمًا وفي كل مجتمع أقل بكثير جدًّا من تجارب هذا المجتمع, فلو أن المجتمع اكتفى باستخدام الكلمات في معانيها الحقيقية لأصبحت تجاربه التي تعبّر اللغة عنها محدودة, ولضاع معظم تجارب المجتمع في متاهات النسيان؛ لأن الكلمة عقال المعنى, والمعنى الشارد بل عقال لا بُدَّ له أن يضل ويختفي ويضيع إلى الأبد, وكذلك كان لا بُدَّ من حل لهذه المشكلة في اتجاهين:
أ- محاولة إثراء اللغة بإيجاد كلمات للمعاني التي لم يعبر عنها, ولم توضع لها كلمات من قبل.
ب- محاولة الانحراف بالمعنى العرفي للكلمة إلى معانٍ أخرى فنية بيانية تسمَّى المعاني المجازية كالتشبية والاستعارة والمجاز المرسل.
غير أن هذه المعاني الفنية المجازية يكثر ترديدها على الألسنة مع إطلاقها المجازي الفني, فحين يطول عليها الأمد في هذا الاستعمال يميل الناس إلى اعتبار دلالتها على المعنى المجازي الجديد دلالة عليه على سبيل الحقيقة, ومن ثَمَّ يصبح معنى الكلمة متعددًا, وترصد لها هذه المعاني المتعددة في المعجم, فتكون الكلمة بين جلدتي المعجم محتملة لكل معانيها المعجمية المختلفة المنشأ حتى توضع في سياق يحدد لها واحدًا من هذه المعاني.
والعرف ملك المجتمع, ولا يمكن أن يكون ملكًا للفرد مهما كانت قوته, والحقيقة أن الفرد يحس دائمًا أنه عاجز عن تغيير النظم العرفية في مجتمعه, ويحس كما يقول علماء الاجتماع من أتباع المدرسة الفرنسية بجبرية الظواهر الاجتماعية, حتى إنه في النهاية يشعر بأنه مضطر إلى مطابقة الاستعمال الاجتماعي في جميع مظاهر سلوكه، وكل ذلك صادق على النشاط اللغوي للفرد ينشأ ليجد أمامه مجموعة ضخمة من الكلمات المحددة الأشكال صرفيًّا والمحددة
стр. 306
المعاني "وإن تعددت" معجميًّا. ويتعلم في البيت وفي المدرسة عن طريق المعيارية المتزمتة فيهما كيف يطابق الاستعمال الاجتماعي سواء من ناحية المبنى أو من ناحية المعنى. فأما من ناحية المبنى: فإن الفرد يطلب إليه في سبيل المطابقة الاجتماعية أن ينسى كل شيء حتى ميله الذي كان له في البداية إلى أن يقيس في صياغة الكلمات قياسًا صرفيًّا مطردًا يتعارض أحيانًا مع السماع, فيعلمونه كيف يقول حمراء لا أحمرة, وخضراء لا أخضرة, وسوداء لا أسودة, وهلم جرا. وأمَّا من جهة المعنى: فإنه يطلب إليه أن يحافظ على الرابطة العرفية بين الكلمة وبين معناها, فلا يستعمل الكلمة بمعنى شخصي فردي غير عرفي؛ لأنه لو فعل ذلك لما فهمه أحد ممن يسمعونه لانفكاك الرابطة في أذهانهم بين اللفظ المسموع وبين المعنى المقصود, وقديمًا لقي الشاعر عقوبته الاجتماعية فسخر الناس منه عندما استعمل معاني فردية, وقالوا في السخرية منه إن "المعنى في بطن الشاعر".
حقًّا إن الباب ليس موصدًا أمام تصدي الأفراد لارتجال الكلمات للمعاني, ولتحويل الدلالة من معنى إلى آخر, والأفراد يفعلون ذلك في كل زمان ومكان, لا يحد حرتهم في هذا المجال شيء ما داموا قادرين على ممارسة هذه اللعبة, ولكن النشاط الفردي شيء والقبول الاجتماعي لما أوجده الفرد شيء آخر. فالشرط الأساسي لِأَنْ يصبح هذا الصوغ الجديد أو الاستعمال الجديد الذي جاء به الفرد جزءًا من مفردات اللغة هو أن يتقبَّله المجتمع ويشيع استعماله, فيكتسب العرفية الضرورية لكلمات اللغة. لقد جاءنا مع التنمية وتشعب أنواع النشاط في المجتمع وغزارة المادة المكتوبة والمسموعة فيما بعد ثورة ١٩٥٢ حشد هائل من الكلمات الجديدة التي بدأت كل واحدة منها على لسان فرد من الكتاب أو المتحدثين, فتقبلها المجتمع وأعطاها بالرواج عرفية للاستعمال فأصبحت جزءًا من اللغة, ومن شأء أن يرى شاهدًا على ذلك فلير مقالي "دور اللغة في مجتمعنا المعاصر", وقد نشر بمجلة المجلة في عدد شهر يونية سنة ١٩٦٦, بل إنني إذا لم تخني الذاكرة قد لعبت هذه اللعبة وأنا بعد طالب في مدرسة دار العلوم العليا في العام ١٩٤٤-١٩٤٥. فلقد كانت كلمة "إشاعة" قبل ذلك التاريخ على قدر علمي هي الكلمة
стр. 307
العرفية التي يقصد بها "الخبر غير المحقق الصدق", وكان الناس يستعملونها في الكلام والكتابة وفي نوبة من نوبات المطالب التي تعود الطلبة أن ينادوا بها, كنا نناقش أمر مطالبنا مع أستاذ لنا في حجرة الدراسة, وخطر لي وأنا أريد التكلم عن "إشاعة ما أن كلمة "شائعة" ربما كانت أصدق في التعبير عن المعنى المقصود, فاستعملته ورضي الأستاد عن هذا الاستعمال الجديد وقرَّظه واستعمله في أحديث الدينية في إذاعة القاهرة, فقلده الناس فيه واكتسبت الكلمة الرواج بينا كنت أنا من جانبي أرقب نمو هذا الوافد الجديد في الاستعمال, وأسرّ في نفسي شيئًا من الاعتزاز به.
وكلنا يعلم كيف يتحول المعنى تحولًا مقصودًا أحيانًا ويتطور تطورًا عاديًّا أحيانًا أخرى, فمعظم المصطلحات الفقهية الإسلامية في العبادات وغيرها كالصلاة والزكاة والصيام والحج والهدي والسعي ونحوها محوّل عن معانٍ لغوية عامة إلى معانٍ اصطلاحية خاصة عن طريق القصد والتعمد. كما أن من الملاحظ في تطور من عصر إلى عصر أنّ هذا التطور يعتبر صدًى لتحول اجتماعي خارج العقل, فيغلب الآخر على الكلمة التي كانت تدل على الأول؛ كلفظ الحرية مثلًا حين ألغي الرقيق وألغي معه التقسم الاجتماعي إلى عبد وحر, أصبح لفظ الحرية يستعمل استعمالًا مجازيًّا أولًا بمعنى القدرة على الاختيار سياسيًّا, ثم استمرَّ إطلاق الكلمة على هذا المعنى حتى اقتربت في دلالتها عليه من الحقيقة وضعف فيها عنصر المجاز, فلا يلمحه إلّا صاحب التفكير اللغوي. وقد تسوء سمعة الكلمة لطول ارتباطها بمدلول غير كريم فتطرح هذه الكلمة وتستعمل كلمة أخرى في مكانها غير مثقلة بارتباطات ممجوجة من جهة المعنى, فتستخدم فيه أولًا على طريق المجاز, ويعتبر عنصر الدلالة المجازية فيها مناط التبرير في قبولها حيث يعتبر استعمالها المجازي نوعًا من التنزه عن ذكر الكلمة الأولى التي ساءت سمعتها, ثم يطول الأمد على
стр. 308
استعمال الكلمة الثانية فتسوء سمعتها أيضًا, ولا يزال هذا المدلول الممجوج يستهلك الكلمات واحدة بعد الأخرى إلى ما لا نهاية. انظر مثلًا تعاقب الكلمات الآتية على معنى مكان قضاء الحاجة: غائط -خلاء -كنيف - بيت أدب - مرحاض - دورة مياه - حمام, وقد كانت كل واحدة من هذه الكلمات قبل إسقاطها مما لا يأنف الناس من الجهر باستعماله في الكلام, ولا يعلم إلّا الله ما الكلمات التي ستتعاقب بعد ذلك على هذا المدلول الذي يمجه الذوق في جهر الكلام. وهذه العرفية في الاستعمال وكل ما يتصل بها من مشاكل تعتبر قيدًا على مداخل المعجم, بمعنى أن المعجم لا ينبغي مطلقًا أن يشتمل على كلمات يخترعها الأفراد قبل أن تروج هذه الكلمات وتصل إلى مستوى الاستعمال العرفي, حتى ولو كان صاحب المعجم يتنبأ لهذه الكلمة بعينها بالرواج والوصول إلى المستوى العرفي؛ لأن المطلوب هو العرفية الواقعية لا المتوقعة.
والآن ننتقل إلى تناول المعنى المعجمي بالتحليل من النواحي الآتية:
أ- التعدد والاحتمال في المعنى المعجمي:
ب- شرح المعنى كيف يكون.
جـ- صلة المعنى المعجمي بأنظمة اللغة الثلاثة الصوتي والصرفي والنحوي.
أ- قلنا: إن من طبيعة المعنى المعجمي أن يكون متعددًا ومحتملًا, وهاتان الصفتان من صفاته تقود كل منهما إلى الآخر, فإذا تعدَّد معنى الكلمة المفردة حال انعزالها تعددت احتمالات القصد وتعدد احتمالات القصد يعتبر تعددًا في المعنى, والذي يجب ألّا يغيب عن أذهاننا دائمًا أن الكلمة في المعجم لا تفهم إلّا منعزلة عن السياق, وهذا هو المقصود بوصف الكلمات في المعجم بأنها "مفردات", على حين لا توصف بهذا الوصف وهي في النص حاشا بعد استخراجها منه لتحديد معناها المناسب. وإن تعدد معنى الكلمة في المعجم يرجع إلى صلاحيتها للدخول في أكثر من سياق, وثبوت ذلك لما بسبق استعمالها في نصوص عربية قديمة وحديثة. ومن صلاحيتها للدخول في أكثر من سياق ما يأتي
стр. 309
تعدد معناها واحتماله في حالة الإفراد, وإذا أردنا أن نضرب مثلًا لتعدد معاني الكلمة المفردة واحتمالها, فلدينا مثالان نوردهما هنا ونرصد تعدد المعنى فيهما, وهما كلمتا "صاحب" و"ضرب".
فأما كلمة صاحب فيتعدد معناها على النحو التالي:
١- لقب "أي: ذو" نحو: صاحب الجلالة.
٢- مالك نحو: صاحب البيت.
٣- صديق نحو: صاحبي.
٤- رفيق نحو: صاحب رسول الله.
٥- منتفع نحو: صاحب المصلحة.
٦- مستحق نحو: صاحب الحق.
٧- مقتسم نحو: صاحب نصيب الأسد.
فكلمة صاحب بمفردها تحتمل هذه المعاني السبعة ولا تختص بواحد منها إلّا عند التضام مع المضاف إليه, وهذا التضام أضعف صورة من صور الدخول في سياق, ولذلك يعتبر كل مثال من الأمثلة السبعة الواردة مما يحدد معنى واحدًا معينًا للكلمة, وأما كلمة "ضرب" فمن معانيها ما يأتي:
١- عاقب نحو: ضرب زيد عمرًا.
٢- ذكر نحو: ضرب الله مثلًا.
٣- أقام نحو: ضرب له قبة.
٤- صاغ نحو: ضرب العملة.
٥- حدد نحو: ضرب له موعدًا.
٦- سعى نحو: ضرب في الأرض.
حسب نحو: ضرب خمسة في ستة.
وقد تأتي في تعبير فتفيد بالتضام غير ذلك؛ كإفادة معنى "الارتباك" في عبارة "ضرب أخماسًا في أسداس" والمعنى معجمي في الكلمة المفردة فقط, أما حين تدخل في السياق فإن معناه لا يسمَّى معجميًّا نظرًا إلى أن السياق يحفل بالكثير من القرائن الحالية والمقالية التي قد تعطي الكلمة من المعاني
стр. 310
ما لا يرد على بال صاحب المعجم, وقد سبق أن شرحنا بعض ذلك عند دراسة النبر والتنغيم حين وازنا بين "اذكر الله" و"اذكري الله", وحين قلنا عن بعض العبارات مثل: "نعم" و"لا" و"يا سلام" إنها قد تفيد بالنغمة من المعاني ما يتعارض مع معناها المعطى لا في المعجم. ولعل تعدد المعنى واحتماله من جهة وتحدده وتعينه من جهة أخرى هو الفارق الأساسي بين الكلمة التي في المعجم واللفظ الذي في السياق.
ب- ما الذي يتوقعه المرء عندما يمسك بالمعجم ليكشف عن معنى الكلمة ما؟ أو بعبارة أخرى: أي نوع من أنواع المعلومات يتوقّع الطالب أن يجده في المعجم, وأيها لا يتوقع أن يجده؟ دعنا أولًا نقول: إن المعجم ليس كتاب قواعد؛ لأنه ليس نظامًا من أنظمة اللغة, فلا ينبغي للطالب أن يكشف في المعجم عن قاعدة صوتية أو صرفية أو نحوية؛ لأن القواعد بفروعها المذكورة تتكفَّل بشرح المعنى الوظيفي بواسطة وصف سلوك الرمز التي دون الكلمة, أي سلوك الأجزاء التحليلية, ويجمع هذه الفروع كلمة "قواعد" التي تقابلها الكلمة الإنجليزية grammar, فالقواعد تشمل النظام الصوتي والنظام الصرفي والنظام النحوي. وأما المعجم فهو الخطوة التالية بعد القواعد في تتابع المستويات التحليلية للمعنى, ولا يأتي بعد المعجم من هذه المستويات إلّا علم الدلالة semantics, تلك كانت إجابة سلبية على السؤال المتقدم. أما الإجابة الإيجابية فهي: إن الطالب ينبغي أن يتوقّع من المعجم أن يقدم له المعلومات الآتية:
١- طريقة النطق: من المعروف أن أنظمة الكتابة في اللغات المختلفة تقصر دون تمثيل النطق تمثيلًا صوتيًّا دقيقًا؛ لأن الأغراض العملية للكتابة الإملائية لا تتطلّب الرمز للفروق الصوتية الدقيقة التي لا تهمّ القارئ العادي كالإخفاء والإقلاب والإدغام بغنّة وهلم جرا, وإنما ينبغي لكل نظام إملائي أن تكون غايته المنشودة أن يمثل الحروف phonemes في الكتابة بأن يجعل لكل حرف من حروف اللغة "وقد يشتمل الواحد منها على عدد من الأصوات
стр. 311
كما بينا بالنسبة للنون" رمزًا كتابيًّا واحدًا مستقلًّا، وهذه الغاية المنشودة لم تصل إليها لغة من لغات العالم حتى الآن, ولم يصل إليها نظام الإملاء العربي كذلك, ومن شاء أن يعرف تفصيل ذلك فليرجع إلى كتابي "اللغة بين المعيارية والوصفية". ولكننا نستطيع أن نضرب المثل هنا بالحروف التي لا تنطق كالواو التي في "عمرو", والحروف التي لا تكتب كواو المد في "داود", والحروف التي تنطق ويكتب رمز غيرها من الحروف كالألف في "رمى" وهلم جرّا. ولهذا السبب أصبح من المحتمل للكلمة العربية كما يمثلها نظام الإملاء أن تكون عرضة للخطأ في النطق, ومن ثَمَّ يتوقع طالب المعجم حين يكشف عن معنى الكلمة أن يبدأ المعجم بأن يحدد له طريقة نطقها ما دام النظام الإملائي لا يصل إلى هذه الغاية. وفي لغات العالم الحية معاجم خاصة لنطق الكلمات؛ كالمعجم الذي وضعه دانيال جونز لنطق كلمات اللغة الإنجليزية, وأطلق عليه اسم: English Pronouncing Dictionary ولعل الصلة الشديدة الانفكاك بين الهجاء الإنجليزي ونطق الكلمات في تلك اللغة يبرر وضع معجم خاص لنطق كلماتها. أما الطريقة التي درجت عليها المعاجم العربية للوصول إلى هذه الغاية "إيضاح طريقة النطق" فهي أن تصف حركات الكلمة ومدها وإعجام الحروف أو إهمالها, فتقول مثلًا في كلمة "تبعة" بفتح فكسر ففتح, أو تقول عند خوف اللبس المطبعي: بالتاء الفوقية المثناة فالباء التحتية فالعين المهملة, ومن ذلك أيضًا ألّا تفصل القول في حركاتها وحروفها, وإنما تلجأ إلى قياس هذه الكلمة على كلمة أخرى أشهر منها في الاستعمال, فتجعل الكلمة الشهيرة كالميزان الصرفي للكلمة المشروحة فتقول مثلًا: "ردح البيت كمنع" فيعرف أن هذا الفعل من باب فعل يفعل -بفتح العين- في الصغتين, فيفيد القارئ من ذلك من جهة النطق -وربما الصرف كذلك- في الوقت نفسه.
٢- الهجاء: وما دامت الأنظمة الإملائية لا تتطابق مع النطق بالضرورة ولا سيما حين تراعى اعتبارات أخرى بعضها تاريخي وبعضها لغوي "صوتي أو صرفي أو نحوي" وهلمَّ جرا, فلا بُدَّ أن يكون هجاء الكلمات غير متَّسم أحيانًا بالاطراد التام, ولا بُدَّ أن يختلف أساس هجاء كلمتين قد يبدو لأول
стр. 312
وهلة أنهما متشابهتان مثل: "غزا" و"جزى", فعلى المعجم في هذه الحالة أن يكون مظنَّة من مظانِّ الإجابة على كيفية كتابة كلمة ما, فيقدم هذا العون لمن لا يعرف ما يختفي خلف هاتين الألفين من اعتبارات صرفية, ومثل ذلك يقال في الكلمات التي تشتمل على الهمزات التي يختلف موضعها من الصورة الكتابية للكلمة بين الإفراد والكتابة على ألف أو واو أوياء, فعلى المعجم أيضًا أن يكون مظنة الوصول إلى هجاء هذه الكلمات.
أما الرجل العادي الذي لا بصر له بقواعد اللغة فليرجع في شأن الهجاء إلى المعجم.
٣- التحديد الصرفي: ومما ينبغي للمعجم أن يقدمه للقارئ تحديد المبنى الصرفي للكلمة, كما إذا كانت الكلمة اسمًا أو صفة أو فعلًا أو غير ذلك, فتقديم هذا التحديد الصرفي للكمة يعتبر الخطوة الضرورية في طريق الشرح؛ لأنه لا يمكن لإنسان أن يربط ما بين كلمة وما بين معناها المعجمي إلّا إذا عرف مبناها الصرفي فحدَّد معناها الوظيفي أولًا, ويحدث أحيانًا أن تأتي كلمة على صيغة صرفية محايدة مثل:
فاعل: لصفة الفاعل والأمر من فاعل نحو: "قاتل".
فعل: للصفة المشبهة والمصدر نحو: "عدل".
فعيل: لصيغة المبالغة ولمعنى مفعول نحو: "رفيع".
أفعل: للفعل الماضي وصفة التفضيل والصفة المشبهة نحو: "أسمى".
فانعزال الكلمة في المعجم قد يكون بيئة صالحة للبس في معناها, فعلى المعجم أن يعطيها من طرق الشرح ما يوضح معناه الصرفي كالتضامِّ بأن يقول مثلًا: "الأشرف الفاضل في الشرف" فنعلم من هذا أن المقصود صفة التفضيل بقرينة التضامِّ مع أداة التعريف, أو يقول: "أشرف على الشيء" أطل عليه" فيعرف من التضام أن المقصود الفعل. وفي كلمة مثل "المختار" لا بُدَّ للمعجم قبل شرحها أن يقول مثلًا: "والمختار بمعنى الفاعل الذي يختار
стр. 313
لنفسه وبمعنى المفعول من يقع عليه الاختيار" أو شيئًا شبيهًا بذلك, فقوله: بمعنى الفاعل وبمعنى المفعول تحديد صرفي لكلمة محايدة, أو يقول: "العدل بمعنى الصفة العادل, وبمعنى المصدر الإقساط في الحكم". فلا يمكن في حالة "المختار" و"العدل" ولا في غيرهما أن يكون الشرح مفيدًا إفادة تامة دون التحديد الصرفي للكمة.
٤- الشرح: ويكون شرح الكلمة بذكر معانيها المتعددة التي يصلح كل واحد منها لسياق معين, ولكن هذا الشرح أيضًا يتطلب أمورًا لا بُدَّ للمعجم من الوفاء بها حتى تتحقق فائدته بالنسبة لطلاب معاني الكلمات.
أولًا: لا بُدَّ أن يعنى المعجم بعرض الأشكال المختلفة إن وجدت للكلمة التي يشرحها, وهذه الأشكال المتعددة قد توجد جنبًا إلى جنب في الاستعمال في عصر واحد؛ كأن يسجل المعجم وجود صورتين مثلًا لكلمة "ميزة" تبدأ إحداهما للهيئة بالكسر والمد, وتبدأ الثانية للمرة بالفتح فالسكون, فيذكرهما باعتبارهما جاريتين على الألسنة بدرجة واحدة أو متقاربة. وقد تكون الأشكال المختلفة للكلمة مختلفة العصور كأنّ للكلمة صورة قديمة إما مهجورة أو مستعملة, وصورة أخرى أحدث منها مستعملة في الوقت الحاضر, وذلك مثل: "بكة" و"مكة". والمؤسف حقًّا أن المعاجم العربية قليلة العناية بتسجيل التطور الشكلي للكلمات على عكس ما تفعل المعاجم الأوربية كمعجم أوكسفورد الكبير الذي أعطى الكثير من العناية لما أطلق عليه اسم "وجهة النظر التاريخية" بالنسبة لتطور الكلمات.
ثانيًا: تخصيص مدخل لكل اشتقاق من اشتقاقات المادة, أو على الأصح: لكل مشتق من مشتقات المادة؛ لأن الاشتراك في حروف المادة يعتبر صلة رحم بين الكلمات من حيث الشكل, ولا يعتبر بالضرورة صلة رحم من حيث المعنى, وقد ضربنا مثلًا لهذا بالحل والحل والحلول, تشترك ثلاثتها في الأصول وتختلف في المعاني، ولقد درجت المعاجم العربية على جعل حروف المادة
стр. 314
هي المدخل, ثم تعدد الكلمات الداخلة تحتها على غير ترتيب وبلا قاعدة محددة لهذا التعدد.
وقد كنا نسمع أن معاجم اللغات الأخرى تشتمل على أعداد من الكلمات أكثر مما تشتمل عليه المعاجم العربية. فإذا قد عرفنا أن المعاجم العربية لا تعدد الكلمات بمداخل مستقلة, وإنما تعدد المواد كلًّا منها بمدخل خاصٍّ أدركنا أن المعاجم الأجنبية ربما كانت أكثر عدد مداخل لا عدد كلمات من المعاجم العربية. فاللغة العربية دون شك واسعة الثروة بما منحها التاريخ العربي المجيد من مفردات وهي قابلة لزيادة هذه الثروة بما وهبتها طبيعتها العبقرية في الصياغة من إمكان الاشتقاق والارتجال والتعريب وتغليب الصيغ على نحو ما اقترحناه تحت عنوان: "النظام الصرفي" وهلم جرا.
ثالثًا: شرح المعاني المختلفة المتعددة للكلمة الواحدة, وينبغي للشرح أن يكون واضحًا وأن يتجنب قدر الطاقة الشرح بالمرادف فقط؛ لأن الترادف التامّ مشكوك في أمره لما أصبح معروفًا في دراسة أصول التعارف على وضع الرموز للمعاني من ضرورة استقلال المعنى الواحد بالرمز الواحد, فالكلمتان اللتان تعتبرهما مترادفتين لا يوجد بينهما في الواقع إلّا منطقة مشتركة من المعنى, ثم يستقل كلٌّ منهما بأقليمه الخاص خارج منطقة التداخل, فاختلاف ظلال المعنى بهذه الصورة مطعَن خطير في فكرة الترادف.
ومَنْ ذَا الذي يقول: إن السيف والمشرفي والحسام والهندواني والفرند كلها بمعنى واحد؟ لا شَكَّ أن كل اسم من أسماء السيف هنا يستقل بملحظ خاص، ومن ثَمَّ يحسن في الشرح أن يستوفي ذلك الشرح قدر الطاقة بأكثر من مجرد المرادف. كما ينبغي أن تستوفى استعمالات الكلمة لغويًّا وفنيًّا إذا كانت الكلمة قد دخلت الاستعمال الاصطلاحي, فإذا تعددت معانيها الفنية كما في كلمة "الفاعل" مثلًا، فهو في النحو اسم مرفوع, وفي علم الجريمة هو المجرم, وفي الفلسفة هو المؤثر, وهو ضد القابل، فيحسن في هذه الحالة أن يشير المعجم إلى فروع العلم التي تستخدم فيها الكلمة استخدامًا اصطلاحيًّا قبل البدء في شرح معناها الاصطلاحي؛ كأن يقال مثلًا:
стр. 315
الفاعل الذي يفعل, وفي النحو الاسم المرفوع الذي يسند إليه فعل متقدم مبنى للمعلوم، وفي الجريمة الذي الجناية, وفي الفلسفة المؤثر وهو ضد القابل إلخ.
ومما يرد على الخاطر في هذا الصدد أن الكتاب العرب المعاصرين يبدون الكثير من الإهمال عند اختيار مصطلحاتهم الفنية, فيختارون للتعبير الاصطلاحي كلمات لا تتصل بما أريد بها من معنى, وذلك كأن يريد الكاتب التعبير عن معنى الإحساس" فيسوق لذلك المعنى كلمة "الشعور", وهي كلمة لها معنًى فني آخر، أو حين يريد الكاتب أن يعبر عن فكرة فنية ما فيأتي للتعبير عنها بكلمة ذات استعمال عرفي عام, فليس لها استعمال سابق في الاصطلاح, وذلك كالتعبير عن فكرة "الطلاق" بكلمة "اليمين"، أو حين يريد الكاتب أن يعبّر عن معنى يوصل إليه لغة بصيغة صرفية معينة, فيستعمل للتعبير عن هذا المعنى صيغة أخرى ذات معنى يختلف تمامًا عن المعنى المقصود؛ كأن يريد التعبير عن معنى "محددة" أي: لها حد وتعريف تتعين به, فيستعمل لهذا المعنى كلمة "محدودة" غير عابئ, أو لعله غير فطن إلى هذه الكلمة الأخيرة معناها "قاصرة", أي: لا توصف بالعموم ولا بالشمول.
رابعًا: الاستشهاد على كل معنى من المعاني التي يوردها المعجم للكلمة؛ لأن شرح المعنى بدون استشهاد على الشرح لا يعطي فكرة واضحة عن طريقة استعمال الكلمة, أي: إن القيمة الحقيقية لهذا الاستشهاد تكمن في الكشف عن الطرق المختلفة التي يمكن بها أن تستعمل الكلمة في نطاق التركيب بعد أن عرف معناها المفرد؛ لأن مجرد الكشف عن هذا المعنى مهما تعددت المعاني المشروحة لا يمكن أن يرشد إلى طريقة الاستعمال في التراكيب المختلفة باختلاف الرتبة والتضام وغيرهما من القرائن. وينبغي للاستشهاد أن يختار اختيارًا حسنًا بحيث يمثل المعنى المقصود تمثيلًا أمينًا؛ سواء أكان هذا المعنى فنيًّا أم أدبيًّا جماليًّا أم عرفيًّا عامًّا. فإذا ذكر المعجم للكلمة معنى سوقيًّا كان الأفضل أن يكون الاستشهاد عليه من كلام السوقة, أما إذا كان المعنى المختار أدبيًّا جماليًّا فإن الشاهد ينبغي أن يؤخذ من النصوص الأدبية الجميلة.
стр. 316
خامسًا: أن يتوخَّى المعجم تحديد ضمائم الكلمة طبقًا للوجه الأول من وجهي فهمنا للتضام١ وهو الذي أطلقنا عليه "التوارد", والوجه الآخر وهو "التلازم", وقد أشرنا إليهما في دراسة النظام النحوي.
وينبغي هنا أن يشير المعجم إلى تغيّر المعنى مع كل ضميمة تتوارد مع الكلمة أو تتلازم معها, فيقول في الحالة الأولى مثلًا: صاحب الدار مالكها, وصاحب رسول الله رفيقة, وصاحب الفضيلة المثقّف في الشريعة الإسلامية, وصاحب الجلالة الملك, وصاحب المعالي الوزير, وصاحبي صديقي, وهلم جرا. ذلك هو المراد بالتوارد الذي هو أحد وجهي التضام, ويقول في الحالة الثانية وهي حالة التلازم: رغب فيه طلبه, وعنه كرهه, وإليه استعانه, وهكذا. ومن قبيل التضام ما يساق من أمثلة التعبيرات المشكوكة مثل: يضرب أخماسًا في أسداس, ويلقي الحبل على الغارب, ويضع الأمور في نصابها, وغير ذلك من العبارات التي تنوسي فيها ما كان لها من المعنى البياني حتى أصبحت كالأمثال لا تحتمل التغيير, ومن هنا جاء وصفها "بالمسكوكة". وإنما ينبغي ذكر الضمائم هنا؛ لأن الاكتفاء بذكر الكلمة دون ضمائمها لا يصل بالمعجم إلى غايته المنشودة, ويضيف إلى ما في المعجم من عموم المعنى وتعدده واحتماله عنصرًا آخر سلبيًّا جديدًا خطيرًا هو "اللبس".
جـ- والذي لا أملّ من تكراره في هذا المقام أن المعنى المعجمي متعدد ومحتمل, وهذا هو وجه الشبه من جهة بينه وبين المعنى الوظيفي للعناصر التحليلية, ووجه الاختلاف من جهة أخرى بين هذين المعنيين والمعنى الدلالي للسياق. ومما أود أن أشير إليه ههنا أن المعجم ينتفع بنتائج المستويات التحليلية التي سبقت, وهي النظام الصوتي والنظام الصرفي والنظام النحوي, وهي النظم المسئولة عن تحديد المعنى الوظيفي, أي: إن المعنى المعجمي يستعين بالمعنى الوظيفي. وقد رأينا كيف توقعنا للمعجم أن يحدد طريقة النطق وطريقة الهجاء والمبنى الصرفي, كما يرتبط شرح المعنى المعجمي في تحديد ضمائم الكلمة وسوق شواهدها بضرورة إيراد بعض الإشارات النحوية.
стр. 317
وفيما يلي نصٌّ من القاموس المحيط للفيروزبادي يمكن أن ننظر فيه لنرى مقدار وفائه بمطالب علم المعجم أو مقدار قصوره في هذا المضمار:
"ردح" البيت كمنع, وأردحه أدخل شقة في مؤخرة, أو تكاثف عليه الطين، والردحة -بالضم- سترة في مؤخرة البيت، أو قطعة تزاد في البيت. وكسحاب الثقيلة الأوراك، والجفنة العظيمة، والكتيبة الثقيلة الجرارة، والدوحة الواسعة، والجمل المثقل حملًا، والمخصب، ومن الكباش الضخم الإلية، ومن الفتن الثقيلة العظيمة, جمعه: ردح، ومنه قول علي بن أبي طالب ﵁: إن من ورائكم أمورًا متحاملة ردحًا, ويروى: والردح الوجع الخفيف، والردحي بالضم -بقال القرى, ولك عنه ردحة -بالضم- ومرتدح أي سعة".
وبعد فقد رأينا من هذا النص ما يأتي:
١- تعدد المعنى المعجمي لكلمة "ردح" إذ كان لها معنيان، وكان للردحة معنيان أيضًا، وللرداح ثمانية معانٍ مختلفة, وكل واحد من المعاني المتعددة للكلمة المفردة يظل محتملًا للقصد حتى ترد الكلمة في سياق فيكون لها معنًى واحد فقط.
٢- رأينا كذلك كيف حدَّد القاموس طريقة نطق الكلمة بقوله: ردح كمنع, فما دمنا نعلم الحركات التي في كلمة "منع", وأنها ثلاث فتحات متوالية, فإن قوله: "كمنع" يصبح في قوة قوله: مفتوحة الأول والوسط والآخر.
٣- أما من ناحية هجاء الكلمة: فقد لمحنا في كل مشتق من مشتقات هذه المادة كيف يكتب, ولكن غالبية المشتقات جاءت على القواعد الإملائية المحضة, فلم يكن فيها ما يدعو إلى النظر في طريقة هجائها, ولكن واحدة منها مثلًا هي "الردحي" قد اختلطت فيها قواعد الإملاء بالاعتبارات الصرفية
стр. 318
فأصبح هجاؤها وكتابة آخرها بالياء مما يطلبه بعض الناظرين في معناها, فجاءت صورتها الإملائية هنا عونًا لهذا البعض.
٤- وحين قال القاموس: "ردح كمنع" أعطانا معلومات صرفية محدَّدة, فبيّن لنا باب الفعل الثلاثي الذي ينتمي إليه "ردح"؛ إذ لم تقتصر هذه المعلومات التي عرفناها من قوله: "كمنع" على صورة الماضي, وإنما دلت الكلمة أيضًا على حركة عين مضارعه, وأنها فتحة, فكأنه قال: ومضارعه "يردح" مفتوح العين.
٥- أعطانا القاموس هنا صورة توضح لنا قيمة التضامّ في إيضاح المعنى وطريقة الاستعمال؛ إذ قال: "ولك عنه ردحة بالضم ومرتدح أي: سعة", ولو أنه قال: "والردحة السعة" لما أمكن لنا أن نعرف متى تكون كذلك, ولكان في قوله تعميم غير حميد لا يذهب بأثره إلّا إيراد الضمائم التي يكون هذا المعنى بها.
٦- وربما أرجعنا قوله: "ويروى ردحًا" إلى محاولة إيفاء حق "وجهة النظر التاريخية" بإيراد الروايات المختلفة للكلمة، ولكن ذلك بأية صورة من صوره لا يمكن اعتباره من قبيل التطور الصرفي لشكل الكلمة etemology, وهو أمر تفتقر إليه معاجمنا العربية أشدّ الافتقار, كما تفتقر هذه المعاجم أيضًا إلى دراسة التطور الدلالي للكلمة الواحدة من عصر إلى عصر. وهذا الجانبان من "وجهة النظر التاريخية" المذكورة يستحقان عناية المجامع اللغوية والهيئات والأفراد لما يكمن وراءهما من الفائدة الكبيرة التي تعود على تاريخ حياة اللغة الفصحى.
٧- ولقد رأينا في قول القاموس: "ومنه قول علي ﵁: "إن من ورائكم أمورًا متماحلة ردحًا" مثلًا للاستشهاد على المعنى, وقد علمنا أن الاستشهاد يعين على معرفة طريقة الاستعمال في التراكيب.
стр. 319
ذلك هو المعجم، وتلك طبيعة منهجه وحدود ما يطلب منه. ولعل التعدد والاحتمال اللذين ذكرناهما للمعنى الوظيفي أولًا ثم للمعنى المعجمي ثانيًا يشيران إلى ضرورة عدم الاكتفاء بمعنى المقال مهما توافرت القرائن المقالية؛ لأن هذه القرائن "معنوية أو لفظية" لا تغني بأي حال عن القرائن الحالية التي نستمدها من المقام. والمقام وما يمكن أن يستمد منه من القرائن التي تعين على تحديد المعنى هو موضوع الفصل التالي تحت عنوان "الدلالة".
стр. 320
الدلالة:
يحلو لكثيرين من أساتدة اللغة العربية في أيامنا هذه أن يشيروا إلى ما يعتبرونه نقطة ضعف في النحو العربي, وهو ارتباطه الشديد بطابع الصناعة, حتى إنه يعرف أحيانًا باسم "صناعة النحو", ثم خلوّه من الارتباط بالمضمون مما جعله يبدو في نظرهم جسدًا بلا روح، والمضمون الذي يقصده هؤلاء هو موضوع علم المعاني, فهم يقولون: إن علمي النحو والمعاني لا يمكن الفصل بين أحدهما وبين الآخر إلّا مع التضحية بالمعنى على مستوى العلمين جميعًا, ويوغلون في المحاجَّة فيقولون: إن ما تركه لنا عبد القاهر الجرجاني من دراسات في دلائل الإعجاز وغيره يعتبر إشارات ذكية إلى الطريق الذي كان على النحاة أن يسلكوه بدراستهم للنحو, وبخاصة ما قام به عبد القاهر من دراسة "للنظم" في اللغة العربية. وأنا أوافق موافقة تامة على كل هذا الذي يدور في أذهان الأساتذة الكرام, وألاحظ أن هذه العبارات الصادقة كانت تدعو إلى الغوص في خِضَمّ هذه المشكلة بإيضاح الطريقة التي يمكن بواسطتها أن يصبح للنحو العربي "مضمون", والتي يمكن بها مزج معطيات علم النحو بمعطيات علم المعاني لنصل منهما معًا ممتزجين إلى تنظيم دراسة الفصحى على أساسٍ جديد لم يخطر ببال سيبويه ولا ببال عبد القاهر، ولكن لم يحاول واحد من الأساتذة أن يمزج أحد العلمين بالآخر ليخرج منهما دراسة نحوية تعنى بالتركيب كما تعنى بالتحليل, وتختص بمعاني الجمل كما تحتفي بمعاني الأبواب الفرعية التي في داخل الجمل.
ولكن إذا فهمنا من كلمة "صناعة" الدراسة الشكلية التي تعنى بأشكال المباني المختلفة للمعاني المختلفة, فلا بُدَّ من الاعتراف بأن علوم البلاغة العربية كلها -وليس علم المعاني فقط- دراسة شكلية, ومن ثَمَّ تكون البلاغة صناعة كما كان النحو صناعة. ولهذا السبب بالذات لم تقم علوم البلاغة في أية مرحلة من مراحل تاريخها الطويل بدور المنهج النقدي الأدبي المتكامل