← Адаб

Адаб · id 9971

في الميزان الجديد

محمد مندور

Полный текст (191 стр.). Показаны 176–191 · переход к 181.

стр. 176

ونكتفي بهذين المثلين الواضحين للتدليل على ما يستهدف له الناشر من أخطاء، عندما يكون غير مختص بموضوع الكتاب الذي ينشر، كما رأيناه يستهدف للأخطاء اللغوية التي لا شك فيها ولا مفر من إصلاحها، عندما يكون إلمامه باللغة قاصرا. الآن ننتقل إلى المسألة الأخيرة التي نريد أن نتحدث عنها، وهي الروح العلمية، وأكبر ظننا أن جميع القراء سيقروننا على مبدأين كبيرين يجب أن يتصف بهما العالم أولهما التواضع، وثانيهما إعطاء كل ذي حق حقه من الزملاء المعاصرين والعلماء السابقين على السواء. فأما عن التواضع فإنه لمما يؤسفنا أن نلاحظ أن الدكتور سوريال كان أحرص مما يجب على إظهار مجهوده وقيادة القارئ إليه قسرا. وفي الكتاب أدلة يلمسها القارئ في يسر، فالناشر مثلا يقول في مقدمته عن حياة المؤلف: وأول شيء يدهش الباحث في أمرها هو خلو أغلب كتب التاريخ الأدبي من الكلام فيها والعلم بها، حتى أن "دائرة المعارف الإسلامية" المنشورة بمدينة ليدن نفسها -وهي أعظم الموسوعات في تاريخ الدراسات الإسلامية- لم تحو شيئا عن ابن مماتي؛ لهذا توجهنا إلى التنقيب في المراجع القديمة من كتب الطبقات. ووفقنا في النهاية إلى العثور على شذرات عن حياته في "وفيات الأعيان" لابن خلكان، وفي "عقد الجمان" للعيني، وفي "المواعظ والاعتبارات" للمقريزي، ولكن كل هذا لا يقارن بما ورد عن سيرته في كتاب "إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، من تصنيف ياقوت الرومي لناشره المرحوم الأستاذ س. مرجوليوث". ومن الغريب حقا أن يشير الناشر إلى "التنقيب" وإلى "التوفيق إلى العثور في النهاية" على ترجمة لابن مماتي، مع أنه وارد في معجم ياقوت، وهذا المعجم في متناول الأيدي، وخصوصا بعد طبعة الدكتور فريد رفاعي، وهي أول ما يتجه إليه كل باحث عن التراجم، ثم نرى الناشر ينقل ترجمة ابن مماتي عن ياقوت وعن ابن خلكان إحداهما في إثر الأخرى، ونتساءل عما يدعوه إلى ذلك، وكتابا ياقوت وابن خلكان يملآن المكاتب، وهلا يرى الناشر الفاضل أننا نطمع في خير مما فعل؟ نطمع في دراسة نقدية تحليلية لهذه النصوص. واستنباط ما تجمع عليه من حقائق، مع الاكتفاء بالإشارة إلى المكان أو إيراد ما يستدل به من النصوص. وكما يبتدئ الكتاب بهذه الروح المسرفة في إظهار الجهد حيث لا جهد، كذلك ينتهي الكتاب لسوء الحظ، فقد أورد في نهايته ثبتا سماه فهرس الاصطلاحات والألفاظ المستعصية، وننظر في هذا الفهرس فنجد إما ألفاظا أساء الناشر

стр. 177

قراءتها مثل كلمة "مركوش" السابقة الذكر، التي يثبتها الناشر مردفا إياها بقوله: نوع من المراكب، وإما ألفاظا أوضح معناها الدكتور محمد مصطفى زيادة، في فهرس الاصطلاحات الذي أثبته في الجزء الثالث من السلوك للمقريزي، وإما ألفاظا نقل الناشر معناها عن دوزى أولين، فما الذي يدعوه إذن إلى تسميتها بالمستعصية؟ وما هو جهده في تفسيرها؟ ولقد كنا ننتظر منه على الأقل أن يصحح دوزى أو يكمله ولو بالنص الذي ينشره اليوم. ولنضرب لذلك مثلا كلمة شلندي، فقد نقل عن دوزى أنه "نوع من المراكب لنقل البضائع والأمتعة"، مع أن ابن مماتي نفسه في ص٣٤٠ يعرفه بقوله: "وأما الشلندي فإنه مركب مسقف تقاتل الغزاة على ظهر" معنى هذا أنه مركب حربي، ولقد كان من واجب الناشر أن يشير إلى مناقضة ابن مماتي لدوزى، وأن يفسر هذا التناقض على وجه من الوجهين الممكنين. فالشلندي، إما أن يكون مركبا مسقفا يستخدم للبضائع أو في الحرب لرمي الرماة على السواء، وفي هذه الحالة يوفق بين دوزى وابن مماتي، وإما أن يكون استخدامه مقصورا على البضائع أو الحرب، وفي هذه الحالة يكون من واجبه أن يرجح بين زعمي الرجلين، وأن يورد أسباب ترجيحه. ولكنه لسوء الحظ لم يفعل هذا ولا ذاك، ومع ذلك يسمى فهرسه بفهرس الألفاظ المستعصية! وأخيرا يبقى المبدأ الثاني وهو مبدأ إعطاء كل ذي حق حقه. وإنما نثير هذا لأن الناشر ينبئنا هو نفسه في ألفاظ -أحيانا واضحة وأحيانا غير واضحة- أنه قد استعان بالأستاذ محمد بك رمزي المعروف باشتغاله بجغرافية مصر التاريخية. ولقد كان اعتماده على رمزي بك فيما يظهر كبيرا، وبخاصة في الباب الثالث من الكتاب "في ذكر جملة أعمال مصر وتفصيل نواحيها"، وهذا الجزء يشغل مائة وعشرين صفحة تقريبا من متن الكتاب الذي يقع في ٣٨٠ص، أي ثلث الكتاب تقريبا، ودليل اعتماده عليه قوله أنه قد اعتمد على نشر هذا الباب بنوع خاص على مخطوطتي الأزهر ومعهد دمياط، وأنه قد استخدم هذين المخطوطين عن نسختين نقلهما رمزي بك بيده؛ إذ الأصول مودعة الآن خزائن لا يسهل الوصول إليها. وإذا كان الأستاذ رمزي بك قد نقل هذين المخطوطين فهو لم يكتف بمجرد النقل، بل أعمل في قراءتهما قراءة صحيحة كل جهده، وقد ظهر هذا الجهد في تصحيح هذا الجزء من الكتاب بنوع خاص تصحيحا لم يتوافر للأجزاء الأخرى. وإنه ليحلو لنا أن نثبت أن الأمير عمر طوسون قد اعترف لرمزي بك بجهده المشكور، فقال في تقديمه للكتاب: "وقد راجع الباب الثالث وهو الخاص بتقويم

стр. 178

البلدان وصوب تحريفه، حضرة الأستاذ محمد بك رمزي، وبذل في ذلك جهدا يستحق عليه الشكر والتقدير. وأما الدكتور سوريال فقد قال: "ولما كان الباب الثالث يحتاج إلى عناية خاصة في تحقيق الأسماء الصحيحة لنواحي القطر المصري وإثباتها في النص دون غيرها، فقد راجعناه مع حضرة محمد رمزي بك مراجعة دقيقة، واستفدنا منه في الوصول إلى ضبط الكثير من الأسماء الغامضة أو المحرفة في مختلف الأصول"، ومن الواضح أن عبارة الناشر الفاضل لا تطابق تماما عبارة عمر طوسون، ولقد صرنا نطمع من الناشر الفاضل لا أن يعترف بجهد رمزي بك اعترافا صريحا كاملا فحسب؛ بل أن يضع اسمه على غلاف الكتاب مع اسمه هو. وذلك لا لأن الجزء الخاص بتقويم البلدان يشغل ثلث الكتاب فحسب؛ بل لأنه أصح أجزاء الكتاب نشرا، بدليل أن الناشر قد اعترف هو نفسه بأنه قد استطاع أن يثبت في متنه الأسماء الصحيحة دون غيرها، وهذا شيء لم يوفق إليه في أجزاء الكتاب الأخرى، مع أن من بين تلك الأجزاء ما هو مجرد سرد لأنواع من الزراعات والمكاييل والمقاييس والأشهر وما إلى ذلك. وفي استطاعة القارئ أن يراجع هوامش هذا الجزء ليرى إلى أي حد قد استفاد الناشر من مجهودات رمزي بك. مستدلا على كفاية هذا العالم الفاضل بما أثبته الناشر أخذا عن بحث رمزي بك المنشور فيه. Memoires de L.htm'institut francais. T. LXVLLL Melanges. Maspero. vol. LLL.P. ٢٧٣-٣٢١ Le Caire. ١٩٥٣. Rectifications a l'ouvrage e d E.Amelineau: Geographie de l'Egypte al' Epoque Copte". أي "تصويبات في كتاب المسيو أميلينو عن جغرافية مصر في العصر القبطي". ثم بحوالي سبعة وعشرين هامشا ذكر الدكتور سوريال أنها من تحقيقات رمزي بك. ونجمل ملاحظتنا على طبعة الدكتور سوريال بأن روحها العلمية ليست سليمة. وأن أصول النشر فيها لم تراع، وبخاصة في إقامة تسلسل المخطوطات. وفي الأخذ بالمبادئ الصحيحة في قراءة النص، وبذل ما تتطلبه هذه القراءة من جهود. وأما ما أوردنا من أمثلة وتفاصيل فنرجو القارئ ألا يعتبرها على أي نحو استقصاء لما في الكتاب من أخطاء، وإنما سقناها تأييدا للقواعد العامة التي أوردناها، وهي بيت القصيد فيما كتبنا١.

стр. 179

أوزان الشعر الشعر الأوروبي ... أوزان الشعر: ١- الشعر الأوربي: يخيل إلَيَّ أننا قد وصلنا الآن إلى مرحلة من نمو ثقافتنا يجب عندها أن نأخذ أنفسنا بالصرامة فيما نكتب، فلا نتحدث إلا عن بينة تامة، وتحقيق لما نقول، بعد أن نكون قد عمقنا الفهم، وإلا فسنظل نوهم ونتوهم أنا نعرف شيئا نافعا، ونحن في الواقع نضرب شرقا بغرب. وهنا مسائل لا يكفي للحديث عنها أن نقرأها في كتاب إنجليزي أو فرنسي ثم ننقلها إلى قرائنا حسبما نظن أننا قد فهمناها. هذا لا ينبغي. ونأخذ اليوم لتلك المسائل مثلا من "أوزان الشعر". كما تحدث عنها الأستاذ دريني خشبة فيما يحشد في "الرسالة" من أحاديث. يريد الأستاذ أن يميز بين العروض الإنجليزي وغيره من الأعاريض الأوربية، وبين العروض العربي، فيقول: "وبحسبنا هنا أن نذكر أن العروض الإنجليزي، بل كل أنواع العروض في اللغات الأوربية، إنما أساسها التفعيلة the foot، وليس أساسها الأبحر كما في العروض العربي". وهذا قول لا معنى له إطلاقا؛ لأن جميع أنواع الشعر، الشرقي والغربي على السواء، تتكون من تفاعيل يجتمع بعضها إلى بعض فتكون الأبحر، والشعر العربي في هذا كغيره من الأشعار، وإنما التبس الأمر على الأستاذ؛ لأنه رأى الأبحر في الإنجليزية تسمى باسم التفعيلة المكونة لها فيقولون lambic meter ... إلخ. وأما في العربية فقد وضعوا لها أسماء أخرى كالطويل والبسيط وغيرها، وإذا كانت في الشعر العربي أبحر متجاوبة التفاعيل كالطويل والبسيط مثلا حيث نجد التفعيل الأول يساوي الرابع، فإن هناك أيضا أبحرا متساوية التفاعيل كالمتدارك والرجز والهزج والكامل وغيرها، وهذه كان من الممكن أن تسمى بأسماء تفاعيلها، فالمسألة مسألة مواضعة، وإذا كانت في الشعر العربي زحافات وعلل فإن الشعر الأوربي أيضا فيه ما يسمونه بالإحلال Substitution فتراهم يضعون مقطعا اسبونديا محل مقطع داكتيلي أو مقطع

стр. 180

إيامبي، وفي الشعر الأوربي والعربي معا لا يغير هذا الإحلال من اسم التفعيل الأصلي. وإذن فكل الأشعار من هذه الناحية لا تختلف في شيء. وإنما تتميز الأشعار ببينية التفاعيل، وهنا نلاحظ أن الأستاذ خشبة لم يدرك بأذنه حقيقة الشعر الإنجليزي، وكان السبب في ذلك اعتماده في أرجح على قواميس اللغة الإنجليزية، فقد قرأ في أحد كتب العروض الإنجليزي أن هناك شعرا تتكون تفاعيله من الإيامب، وشعرا تتكون تفاعيله من الداكتيل ... إلخ. ومما يجده القارئ في هامش مقاله، وبحث في القاموس فوجد أن الإيامب عبارة عن وحدة من مقطعين، أولهما قصير والثاني طويل وهكذا، وفاته أن هذه التعاريف لا تنطبق على الشعر الإنجليزي بسهولة، وإنما هي خاصة بالأشعار اليونانية واللاتينية، ففي هاتين اللغتين تتميز المقاطع بعضها عن بعض بالطول والقصر، وأما اللغة الإنجليزية واللغة الألمانية فتتميز مقاطعهما قبل كل شيء بالارتكاز الصوتي stress، فهناك مقاطع تنطق بضغط وأخرى بغير ضغط، وعلى هذا يكون الإيامب وحدة من مقطع لا يحمل ارتكازا وآخر يحمله، ومن ثم لا يكون الشعر الإنجليزي شعرا كميا بل شعر ارتكاز stressed، وهذا هو الرأي المعتمد. وفي موضع آخر يقول الأستاذ: "ويفضل بعض الشعراء البحر الإسكندري نسبة إلى الإسكندر الأكبر والقصائد التي نظمت فيه من هذا البحر. ويؤثر شعراء المأساة الفرنسيون النظم من هذا البحر إطلاقا، وهو يتكون من اثني عشر مقطعا: ست تفعيلات إيامبية كل تفعيل من مقطعين". وهذا القول أيضا يدل على أنواع من عدم الدقة، بل ومن الخطأ البين، فعدم الدقة نجدها في شرح سبب تسمية هذا البحر، فهو ليس نسبة إلى الإسكندر الأكبر بل نسبة إلى رواية بالذات كتبت في القرن الثاني عشر بفرنسا "عن الإسكندر الأكبر le Roman d'alexandre" استعمل فيها لأول مرة هذا البحر بدلا من الأبحر الأقصر منه التي كانت مستعملة في القرون الوسطى. أما الخطأ ففي ظن الأستاذ أن البحر الإسكندري في الشعر الفرنسي يتكون من ست تفعيلات إيامبية كل تفعيل من مقطعين، فهذا لا وجود له في الشعر الفرنسي، ومن المعلوم أن اللغة الفرنسية قد فقدت منذ قرون الكم، فلم تعد هناك مقطاع طويلة ومقاطع قصيرة إلا في حالات نادرة في أواخر الكلمات مثل age. ومن المسلم به عند الفرنسييين وعند جميع من كتبوا عن الشعر الفرنسي أن هذا الشعر لا علاقة له بكم المقاطع. ٢- الارتكاز، فألفاظ اللغة الفرنسية لم تعد تحمل ارتكازا stress وإنما يوجد ارتكاز في أواخر الجمل. فكل جملة فرنسية أو شبه جملة تنتهي بارتكاز نحس أنه ارتكاز شدة وارتفاع معا إلا في حالة الوقف، فإنه يعتبر ارتكاز شدة فحسب.

стр. 181

فمثلا جملة Cette maison est tres belle لا نجد فيها غير ارتكازين اثنين أولهما على on والآخر bel، والارتكاز الأول ارتكاز شدة وارتفاع في الصوت، أما الثاني فشدة فقط؛ لأن الارتفاع يسقط للوقف، وإذن فالشعر الفرنسي ليس شعرا كميا ولا شعرا ارتكازيا؛ لسبب واضح هو أن مقاطع تلك اللغة لا تتميز بكم ولا ارتكاز الشعر الفرنسي يسمونه بكل بساطة "شعرا مقطعيا syllabique". من هذه الملاحظات يتبين لنا أن هناك ثلاثة أنواع من الشعر كنا نحب من الأستاذ خشبة -ما دام قد أراد أن يبصرنا بحقائق الأوزان- أن يميز بينها لنحاول بعد ذلك أن نرى أين يقع منها الشعر العربي، وبذلك قد نستطيع أن نساعد على ظهور أنواع جديدة من الشعر العربي تمكن شعراءنا الكبار الذين يعجب بهم الأستاذ من إجادة فمنهم حقا. وعندئذ سنرى المسرحيات تكتب شعرا كما كانت تكتب منذ ثلاثة قرون، ونكون بعملنا هذا قد أثبتنا للعالم المتحضر أنهم مخطئون في عدم استمرارهم على استخدام الشعر في المسرحيات١. هذه الأنواع الثلاثة هي: ١- الشعر الكمي. ٢- الشعر الارتكازي. ٣- الشعر المقطعي. أما النوع الأول فهو الشعر اليوناني واللاتيني القديم، أما النوع الثاني فهو الشعر الإنجليزي والألماني، وأما الثالث فهو الشعر الفرنسي. الشعر الكمي: لنأخذ لذلك مثلا بيت فرجيليوس في الأنيادة: Infandum regina jubes renovare deolorem٢ نجده مكونا من ستة تفاعيل، وكل تفعيل مكون من مقطعين طويلين "اسبونديه"، أو مقطع طويل أو مقطعين قصيرين "داكتل"، ما عدا التفعيل الأخير فمقطعه الأخير قد يكون قصيرا ويكتفى به؛ لأن الوقف يعوض النقص. وإليك التقطيع مع رمزنا للمقطع الطويل بالعلامة وللمقطع القصير بالعلامة/ inf an-d um re-g in a ju=bes r en o-v are do-l or em وأما الأساس الذي يعتبر به المقطع طويلا أو قصيرا فيرجع إلى الحرف الصائت voyelle، فإذا كان طويلا بطبيعته كما هو الحال في بعض الحروف اليونانية، أو كان حرفا مزدوجا dephtongue، أو كان ناتجا عن إدغام حرفين

стр. 182

صائتين، أو كان متلوا في نفس المقطع بحرف صامت consonne، اعتبر المقطع طويلا، وإلا فهو قصير. وفي القواميس الجيدة نجد دائما كم الحروف الملتبسة. ونحن لا نريد أن نطيل في تحليل موسيقى هذا النوع من الشعر. فهي لا شك لا تقف عند التفاعيل والمقاطع بل لا بد لها من إيقاع rythme ينتج عن وجود ارتكاز شعري يسمى lctus، وهو يقع على مقطع طويل في كل تفعيل، كما أن هناك وقفا مهما في كل بيت يشبه الوقف على الشطر في البيت العربي. وهو في البيت السابق يقع بعد المقطع السابع كما وضحنا بالعلامة = والواقع أن أوزان الأشعار اليونانية واللاتينية معقدة صعبة حتى بالنسبة لمن يتقنون تلك اللغات؛ وذلك لأن نطقها غير معروف على وجه دقيق، ومن باب أولى عناصرها الموسيقية؛ ولهذا نكتفي بما ذكرنا. الشعر الارتكازي: نأخذ لهذا النوع بيتا من الشعر الإنجليزي وليكن مطلع "مرثية في مقبرة بالريف" لتوماس جراي: the jcurfew tolls the knell of pattin day١ نجده مكونا من ستة تفاعيل إيامبية، وكل تفعيل مكون من مقطع غير مرتكز عليه ومقطع آخر مرتكز عليه، وإليك وزنه مع رمزنا للارتكاز بالعلامة وترك غير المرتكز عليه بدون علامة: The eut-few tolls-the k ell-of p ar-ting day. وما على القارئ الذي يريد أن يحس بوزن البيت إلا أن يقرأ مع المرور بخفة على المقطع غير المرتكز عليه والضغط على المقطع الذي يحمل الارتكاز. ومن البين أن ما يميز هذه المقاطع بعضها عن بعض ليس كمها كما قال الأستاذ خشبة؛ بل الضغط الواقع على بعضها. وأما أن هذا الضغط يزيد من كم المقاطع التي يقع عليها فهذه مسألة تابعة لا يمكن أن تغير من طبيعة هذا الشعر، الذي يعتبر إيقاعيا قبل كل شيء. ومن الملاحظ أن اللغة الإنجليزية٢ بوجه عام لغة إيقاع إذا قيست بلغة سيالة كاللغة الفرنسية. الشعر المقطعي: هذا النوع من الشعر خاص باللغة الفرنسية، وسبب وجوده هو ما أشرنا إليه من قبل. فاللغة الفرنسية كما هو معلوم تطور للغة اللاتينية على نحو ما تطورت لغتنا العامية عن اللغة الفصحى مع المحافظة على النسب، ولقد كانت اللغة اللاتينية كما

стр. 183

رأينا لغة كمية تتميز مقاطعها بعضها عن بعض بالطول والقصر، ولكن اللغة الفرنسية فقدت هذه الخاصية كما فقدت الارتكاز أيضا. فكل لفظة لاتينية كانت في العادة تحمل ارتكازا على المقطع السابق الأخير، وذلك ما لم يكن هذا المقطع قصيرا فإن الارتكاز يسمو في هذه الحالة إلى المقطع الثالث من الآخر، ولكن هذا الارتكاز سقط من الفرنسية بسقوط الكثير من أواخر الكلمات اللاتينية الأصل. فقدت اللغة الفرنسية -إذن- الكم والارتكاز، فعلى أي أساس يقوم -إذن- الشعر فيها؟ الواقع أن موسيقى الشعر الفرنسي ليست في جوهرها موسيقى إيقاع ولكنها موسيقى سيالة دقيقة، ومع ذلك فالأمر فيها ليس أمر مقاطع متشابهة؛ كل عشرة أو اثني عشر أو غيرها تكون بيتا من الشعر، بلا لا بد أن يكون هناك تقسيم لهذه المقاطع في وحدات موسيقية إيقاعية إلى حد ما. فالوزن الإسكندري مثلا ينقسم عن معظم الشعراء الكلاسيكيين إلى أربع وحدات كبيت راسين: Oue je viens dans son temple adorer l'Eternel١. فيه نرى تفعيلة مكونة من ثلاثة مقطاع "حرف e في آخر كلمة Temple يحذف في القراءة". ولكن هذه المقاطع لا يتميز بعضها عن بعض بكم ولا ارتكاز، وإنما يأتي الإيقاع من وجود ارتكاز شعري على آخر مقطع من كل تفعيلة وقد رمزنا له باعلام " ً" وهذا الارتكاز -كما قلنا- ارتكاز ضغط وارتفاع معا في التفاعيل الثلاثة الأولى، وارتكاز ضغط فقط في التفعيل الأخير لسقوط الصوت عند الوقف. هذا هو التقسيم الشائع عن الكلاسيكيين٢. وأما الرومانتيكيون فقد اعتزوا بالتقسيم الثلاثي. ففكتور نفسه قد افتحر بتمزيق أوصال الوزن الكلاسيكي لهذا البحر في بيت ثلاثي شهير هو: ١- j' ai desloque ce grand niais d'alexandrin وهو مقسم كما ترى إلى ثلاثة تفاعيل، كل تفعيل أربعة مقاطع، وأما عن الإيقاع فيأتي من الارتكاز على أواخر الجمل كما ذكرنا بالنسبة للبيت السابق. هذا والتفاعيل الفرنسية ليست دائما متساوية في عدد مقاطعها، ولقد كتب الأستاذ الكبير جرامو Grammont كتابا مهما جدا بعنوان: Le vers francais, ses moyens d'expression, son harmonie.

стр. 184

وفيه يظهر أن التفاعيل الفرنسية وإن لم تكن متساوية في الكتابة إلا أنه من الواجب أن نقرأها كأنها متساوية، فعدم التساوي هذا قد ساقت إليه غريزة الشعر عند الموهوبين من الشعراء عندما أحسوا أنه لا بد من أن تسرع القراءة أو تبطئ لتترجم ترجمة صحيحة عن مشاعرهم المتباينة. وإذن فمن واجب القارئ أن يسوي بين التفاعيل في كمها الزمني ثم يبحث بعد ذلك عن العلة فيما اضطر إليه من إسراع أو تباطؤ. هذه هي أنواع الشعر الأوربي الثلاثة: كمي، وارتكازي، ومقطعي. ومن الممكن أن نستخلص منها عنصرين عامين يقوم عليهما كل شعر وهما: ١- الكم. ٢- الإيقاع. أما الكم فقصد به هنا كم التفاعيل التي يستغرق نطقها زمنا ما، وكل أنواع الشعر لا بد أن يكون البيت فيها مقسما إلى تلك الوحدات. وهي بعد قد تكون متساوية كالرجز عندنا مثلا. وقد تكون متجاوبة كالطويل حيث يساوي التفعيل الأول التفعيل الثالث والتفعيل الثاني التفعيل الرابع وهكذا. ولكن هذا الكم الذي يسمى في الموسيقى mesure لا يكفي لكي نحس بمفاصل الشعر. فلا بد من أن يضاف إليه الإيقاع المسمى rythme. ولكي نضمن تحديد الفهم نعرف الإيقاع، فهو عبارة عن رجوع ظاهرة صوتية ما على مسافات زمنية متساوية أو متجاوبة، فأنت إذا نقرت ثلاث نقرات ثم نقرت رابعة أقوى من الثلاث السابقة، وكررت عملك هذا تولد الإيقاع من رجوع النقرة القوية بعد كل ثلاث نقرات، وقد يتولد الإيقاع من مجرد الصمت بعد كل ثلاث نقرات. لا بد إذن أن تكون هناك ظاهرة صوتية متميزة تحدث في أثناء نطق كل تفعيل، وتعود إلى الحدوث في التفعيل الذي يليه. والأمر في الشعر الارتكازي واضح. فالارتكاز نفسه كما يميز بين المقاطع يولد كذلك الإيقاع، وأما الشعر الكمي فقد أحس القدماء بأن مجرد عودة مقطع طويل بعد مقطعين قصيرين مثلا لا يكفي لإيضاح الإيقاع، فدلونا على أن هناك ارتكاز شعريا يقع على مقطع طويل في كل تفعيل ويعود في نفس الموضع تقريبا من التفاعيل الأخرى، كذلك الأمر في الشعر الفرنسي فهم لم يكتفوا بتقسيم البحر الإسكندري مثلا إلى تفاعيل متساوية في الكتابة والقراءة معا أو القراءة فحسب، بل أضافوا إليه وجود ارتكاز ضغط وشدة، أو ضغط فقط في آخر كل تفعيل، وعودة هذا الارتكاز إلى مسافات زمنية محددة هو الذي يولد الإيقاع. ولكنه لما كان إيقاعا قليل العدد خفيف الوقع، فإن الشعر الفرنسي لا يعتبر بالنسبة للشعر الإنجليزي مثلا شعرا إيقاعيا بل شعرًا سيالًا كما قلنا. والآن أين يقع الشعر العربي من كل هذا؟ للجواب عن هذا السؤال يجب أولًا أن نناقش مذهب الخليل.

стр. 185

٢- الشعر العربي: ليس من شك في أن الخليل بن أحمد كان رجلا عبقريا نفخر به مع من نفخر بهم من أجداد. ولكن العلم لا يعرف الوقوف، ولقد تقدمت الدراسات اللغوية تقدما يحملنا على أن نطمح إلى معرفة أدق من معرفة الخليل بالعناصر الموسيقية في شعرنا العربي. والذي لا شك فيه أن الخليل قد وضح حقيقة أساسية في الشعر العربي لا نستطيع أن نغفلها، وهي انقسام كل بيت إلى تفاعيل متساوية، كما هو الحال في الرجز والهزج وغيرهما، أو متجاوبة "التفعيل الأول يساوي الثالث والثاني يساوي الرابع"، كما هو الحال في الطويل والبسيط وغيرهما. وهذا التقسيم من أسس الموسيقى والشعر عند الأوربيين اليوم، فهنالك وحدات موسيقية متساوية isometriques وأخرى متجاوبة symetriques كما وضح الخليل. ولكننا لا نكاد نترك وجود التفاعيل إلى بنية تلك التفاعيل حتى نختلف مع الخليل؛ وذلك لأنه لم يدلنا على وحدة الكلام وهي المقطع، وأكبر ظني أن الخليل لم يعرف العروض اليوناني، وإلا لفطن إلى المقطع، وإن يكن قد علم -فيما نرجح- بالموسيقى اليونانية بفرعيها: "علم الإيقاع rythmique وعلم الانسجام Les harmoniques" "والعروض اليوناني كما هو معلوم يقوم على المقطع، والسبب الذي منه الخليل من الوقوع على المقطع مزدوج فيما أظن". ١- عدم كتابة الحروف الصائتة القصيرة voyelle breves التي نسميها حركات "الفتح والضم والكسر" في صلب الكتابة العربية التي لا تزال إلى اليوم مقطعية إلى حد بعيد، بمعنى أننا نكتفي برسم الحروف الصامتة، وأما الصائتة فلا نكتب إلا الطويل منها "الألف والواو والياء". فكتابتنا وسط بين الكتابة الفينيقية والكتابة الإغريقية، ومن الثابت تاريخيا أن الإغريق عند أخذهم بالكتابة الفينيقية قد أضافلوا إليها رسوما خاصة للحروف الصائتة كلها طويلة وقصيرة. وانبنى على ذلك أن الخليل لم يفطن إلى أن الحروف الصائتة القصيرة تكون مع الحرف الصامت Consonne الذي توضع فوقه كحركة - مقطعا تاما مستقلا؛ ولهذا اكتفى في تقطيع التفعيل بالحروف التي تكتب مميزا بينها بالحركة والسكون.

стр. 186

٢- السبب الثاني هو أن اللغة العربية كغيرها من اللغات السامية تغلب فيها الحروف الصامتة فيما يرجح، وتلك الحروف يقع معها عادة الوقف؛ أي السكون. ولهذا لاح للخليل أن التتابع إنما يقع في الحركات والسكنات، بينما نجد في اللغة اليونانية أن الحروف الصائتة هي الغالبة، ولهذا لا نحس فيها بالسكنات الموجودة في اللغة العربية، بل نحس فوق كل شيء باختلاف كم الحروف الصائتة في تتابعها. هذان السببان لا يجوز أن يحجبا عنا الحقيقة اللغوية التي تصدق على كل لغة؛ وهي أن المقطع هو وحدة الكلام. وفي اللغة العربية أربعة أنواع من المقاطع هي: ١- المقطع القصير المفتوح، وهو المكون من حرف صامت وحرف صائت طويل "ألف أو واو أو ياء - حروف اللين" مثل "كا" في كانت. ٢- المقطع الطويل المزدوج، وهو المكون من حرف صامت وحرفين صائتين مثل بي bia في بيت مع احتفاظنا بالمناقشة العلمية التي تدور حول طبيعة الياء في هذا المقطع أهي صائتة أم صامتة؟ ٣- المقطع المغلق، وهو المكون من حرف صامت، ثم حركة فحرف صامت آخر نحو "تن" في بيتن. والحرف الصائت في هذا المقطع قصير دائما، فهذا قانون مهم من قوانين اللغة العربية وليس له استثناء إلا في حالات محصورة أهمها حالات الوقف على الاسم المنون مثل "نار" فهي تتكون في هذه الحالة من مقطع واحد مغلق حرفه الصائت طويل، وكذلك الوقف في حالتي التثنية والجمع مثل "محمدان ومحمدون" فالمقطع "دان" والمقطع "دون" كطل منهما حرفه الصائت طويل، وإذن فالقانون العام هو قصر الحرف الصائت في المقطع المغلق، فهل نعتبره مقطعا طويلا أم قصيرا؟ الواقع أنه مقطع طويل ويأتيه الطويل من الزمن الذي يستغرقه الحرفان الصامتان، فهذا الزمن لا بد من حسابه وإن لم يحسبه علماء العروض الإغريقي واللاتيني. ولقد أثبت البحث الحديث أنه من الواجب أن يحسب كم الحروف الصامتة في جميع اللغات ومن باب أولى في اللغات السامية حيث تغلب تلك الحروف. ثم إنه إذا كانت في جميع اللغات حروف آنية momentanees كحروف الانفجار "باء ودال مثلا"، فإن هناك حروفا متمادة continues كالسين واللام مثلا، فهذه من الممكن أن نمد في نطقها كما نشاء. وإذن فالمقطع المغلق نعتبره طويلا. ونخلص من هذا إلى وجود مقاطع في اللغة العربية، وهذه المقاطع تختلف في

стр. 187

كمها، فهل نستنتج من ذلك أن الشعر العربي كمي بمعنى أن كل تفعيل فيه يتكون من مقاطع مختلفة الكم بنسبة محدودة؟ ذلك ما رآه المستشرق أولد Ewald، فقد وضع للشعر العربي عروضا على غرار العروض اليوناني، وهو عروض مستقيم سهل الفهم مبسط عن عروضنا تبسيطا كبيرا، ولقد درسناه للطلبة بالجامعة فأجادوا فهمه، ويستطيع القارئ أن يجده في الجزء الثاني "من قواعد اللغة العربية" Arabic Gramar للسمتشرق المشهور ريت Right ولكننا مع ذلك لا نقر أولد ومن نحا نحوه من عامة المستشرقين في اكتفائهم برد العروض العربي إلى المقاطع الكمية كما هو الحال في العروض اليوناني واللاتيني؛ وذلك لأنهم لم يبصرونا بالإيقاع Rythme، فالكم -كما قلنا- لا يكفي لإدراك موسيقى الشعر؛ بل لا بد من الارتكاز الشعري الذي يقع على كل تفعيل ويعود في نفس الموضع على التفعيل التالي وهكذا. ولقد كان على نسب محدودة يوضح ذلك الإيقاع، وكذلك تتابع المقاطع المختلفة الكم. والواقع أن الارتكاز في اللغة العربية موضوع شاق لا يزال في حاجة إلى البحث، نحن لا نظن أن المستشرقين يستطيعون بحثه؛ لأن معرفتهم باللغة مهما اتسعت لا يمكن أن تصل إلى الإحساس بمسائل موسيقية لغوية دقيقية كهذه، فهل مستطيعون نحن ذلك؟ ليسمح لي القارئ بأن أقول: إنني قد حاولت حل هذه الأشكال في بحث طويل كتبته باللغة الفرنسية بعد دراسة وتحليل لثلاثة أبحر من الشعر العربي بمعمل الأصوات بباريس، هي الطويل والبسيط والوافر١. ولنأخذ مثلا من هذه الدراسة بيت امرئ القيس: وليل كموج البحر أرخى سدوله ... عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي

стр. 188

ولكن هذا الوزن لا يبصرنا بالحقيقتين الكبيرتين اللتين يقوم عليهما الشعر في جميع اللغات، وهما: الكم والإيقاع. الكم mesure: نقصد بالكم لا كم كل مقطع منفردا، فذلك ما سبق أن أوضحناه، بل كم التفاعيل، فنحن هنا أمام تفاعيل متجاوبة "التفعيل الأول يساوي الثالث والثاني يساوي الرابع"، ولكننا مع ذلك نسلم بجواز دخول زحافات وعلل، فكيف يستقيم الكم برغم هذه الزحافات والعلل التي تنقص من التفعيل في الغالب. هذه المشكلة قد حيرت المستشرقين، ولقد حاول العالم الفرنسي جويار Guyard أن يحلها في كتاب له بعنوان Novelle theorie de ja metrique arabe وفيه يطبق مواضعات الموسيقى وأصولها على الشعر العربي، ولكنه لا يدخل في حسابه غير الحروف الصائتة كما يفعلون في الموسيقى، فيغطي تلك الحروف المختلفة بقيم متفاوتة من نقطة بيضاء إلى نقطة سوداء إلى كروش مزدوج ... إلخ. ومن البين أنه قد أخطأ لسوء الحظ بإهماله كم الحروف الصامتة العظيمة الأهمية في اللغة العربية واللغات السامية عامة كما أشرنا. والذي اهتدينا إليه بحساب الآلات الدقيقة هو ما يأتي: "مقدرين كم كل تفعيل بأجزاء من مائة من الثانية". وهذه نتائج غريبة نلاحظ عليها: ١- أن التفاعيل المزحفة كالتفعيل الخامس والسابع قد ساوى كمها في النطق مع كم التفاعيل الصحيحة بل زاد. ٢- أن هناك فروقا بين التفاعيل المتساوية كالتفعيل الثاني والرابع والسادس والثامن. وتفسير ذلك هو أولا: أن الفروق التي ظهرت في حساب الآلات لا تدركها الأذن؛ لأنه من الثابت أن الفرق الذي لا يزيد على ١٦/ ١٠٠ من الثانية لا تكاد تدركه الأذن، وإذن فهذه نستطيع إسقاطها. ثانيا: وأما عن مساواة التفاعيل المزحفة للتفاعيل الصحيحة، فهذا يفسر بحقيقة مهمة تحدث عند إنشاد الشعر، وهي عبارة عن عمليات تعويض نقوم بها

стр. 189

آليا، وهذا التعويض يحدث بطريقة مختلفة، منها تطويل حرف صائت بشرط ألا ينتج عن ذلك لبس يأتي من قلب الحرف القصير بطبيعته اللغوية إلى حرف طويل، ومنها مد النطق في حرف صامت متماد كالسين أو اللام أو غيرهما، ومنها الصمت بعد لفظ أو عند حرف آني كحروف الانفجار مثل الباء والفاء والدال وغيرها. إذن فالزحافات والعلل لا تغير شيئا في كم التفاعيل عند النطق، وهي لذلك لا تكسر الوزن. الارتكاز الشعري: الارتكاز عنصر أساسي في الشعر العربي بل عنصر غالب، ومن تردده يتولد الإيقاع؛ ولهذا بحثنا عنه في عناية. والذي يبدو لنا هو أن هناك ارتكازا على المقطع الثاني من التفعيل القصير "فعولن". وأما التفعيل الكبير فيقع عليه ارتكازان أحدهما أساسي على المقطع الثاني، والآخر ثانوي على المقطع الآخير في "مفاعيلن"، وقد رمزنا للارتكاز الأساسي بالعلامة - وللارتكاز الثانوي بالعلامة // ومن المعلوم أن الارتكاز لا يقع إلى على مقطع طويل، ومن ثم نلاحظ أن هذا الوزن لا بد أن يسلم منه دائما مقطع طويل بعد المقطع الأول القصير، فإذا لم يحدث ذلك انكسر البيت، فالمجموعة ب // الموجودة في أول كل تفعيل من البحر الطويل هي النواة الموسيقية للبيت، وهي عبارة عن وتد مجموعة في لغة الخليل. ومن عودة الارتكاز على هذا المقطع من كل تفعيل يتكون الإيقاع؛ لأنه -كما قلنا- عبارة عن عودة ظاهرة صوتية ما على مسافات زمنية محددة. وإذن فاستقامة الوزن أو عدم استقامته لا تعود إلى الكم الذي تؤثر فيه الزحافات والعلل تأثيرا ظاهريا فقط، إلا إذا نتج عن هذه الزحافات والعلل فقدان للنواة الموسيقية التي تحمل الارتكاز. ولكن هل ينتج عن ذلك أن الشعر العربي شعر ارتكازي بمعنى أن مقاطعه تتميز بأنها تحمل ارتكاز ضغط أو لا تحمله؟ الجواب أيضا بالنفي، فالمقاطع العربية كما تحمل الارتكاز تتميز بالكم كذلك، وإذن فالشعر العربي يجمع بين الكم والارتكاز وربما كان هذا سبب تعقد أوزانه. ونلخص طبيعة الأوزان العربية بأنها تتكون من وحدات زمنية متساوية

стр. 190

أو متجاوبة هي التفاعيل، وأن هذه التفاعيل تتساوى أو تتجاوب في الواقع عند النطق بها بفضل عمليات التعويض، سواء أكانت مزحفة معلولة أو لم تكن، وأن الإيقاع يتولد في الشعر العربي من تردد ارتكاز يقع على مقطع طويل في كل تفعيل ويعود على مسافات زمنية محددة النسب، وعلى سلامة هذا الإيقاع تقوم سلامة الوزن. وهكذا ننتهي في هذا الحديث إلى ما انتهينا إليه في الحديث السابق من قيام جميع الأشعار على عنصري الكم والإيقاع، وأما موضع الاختلاف بين الأشعار المختلفة فهو في كيفية هذين العنصرين١.

стр. 191

فهرست الموضوعات: صفحة موضوع ٣ الإهداء ٥ مقدمة الأدب المصري المعاصر ٨ النقد ووظائفه ١٢ بجماليون والأساطير في الأدب ١٨ سوء تفاهم وفن الأسلوب ٢٥ أرواح وأشباح - الشعر والأساطير ٣٢ نداء المجهول والأدب الواقعي ٤١ دعاء الكروان ومشاكلة الواقع ٤٧ زهرة العمر وحياتنا الثقافية الأدب المهموس "أدب المهجر" ١- الشعر المهموس "أخي" لميخائيل نعيمة ٥٥ "يا نفس" لنسيب عريضة ٢- النثر المهموس ٦٩ "أمي" لأمين مشرق مناقشات حول الأدب المهموس ٧٤ حول ترنيمة السرير الشعر الخطابي ٧٨ محمود حسن إسماعيل ٨٣ إيضاح أخير ٨٨ ٣- الهمس في الأناشيد ٩٥ الأدب عسر لا يسر مناهج النقد - تطبيقها على أبي العلاء ٩٨ الأدب ومناهج النقد ١٠٥ أبوالعلاء والنقد ١١٢ أبو العلاء ورسالة الغفران ١١٩ رسالة الغفران ١٢٦ مساجلات - جورجياس المصري المعرفة والنقد -المنهج الفقهي ١٣٠ الشعراء النقاد ١٣٨ المعرفة والنقد ١٤٥ نظرية عبد القاهر الجرجاني ١٥٣ النظم عند الجرجاني ١٥٨ الذوق عند الجرجاني ١٦٣ خلط بين القيم مناقشات لغوية ١٦٧ اللغة والتعريب ١٧٠ عثرت به وعثرت عليه حول أصول النشر ١٧٢ كتاب قوانين الدواوين للأسعد بن مماتي "١" ١٧٦ كتاب قوانين الدواوين للأسعد بن مماتي "٢" أوزان الشعر ١٨٣ ١- الشعر الأوربي ١٨٩ ٢- الشعر العربي