نظرية عبد القاهر الجرجاني:
يخيل إليَّ أنه لا سبيل إلى الوقوف عند الكليات في مناقشة منهج الدراسة في الأدب، فها هو صديقنا الأستاذ خلف الله يرى أن ما أدعو إليه جاهدا لا يختلف إلا قليلا عما يقول، وأنا لا ريب يسرني أن أكون على وفاق تام مع الصديق، بل ومع كافة البشر؛ ولكنني أخشى أن يكون الخلاف أعمق مما يظن، وإن كان ثمة ما يخفف عن نفسي، فهو أننا نقتتل لغاية شريفة.
والذي أدعو إليه هو استقلال الأدب عن غيره من مظاهر نشاطنا الروحي، استقلاله بموضوعه ومناهجه، ولي في استقلال الفلسفة التي كانت تشمل قديما كل أنواع المعرفة أسوة حسنة. وأما ما يدعو إليه الصديق فذلك ما لا علم به؛ لأنه هو نفسه لم يستقر به على تحديده، وكم أود لو واجهنا الصديق برأي متميز يناهض به رأيي، إذن لاهتزت جوانحي فرحا، ولقلت ها نحن قد نضجت ملكاتنا فأصبحت لنا اتجاهات نؤيدها ويؤيدها معنا من يرى الأشياء كما نراها، وبهذا تكون لنا مدارس أدبية كما كانت لغيرنا من الشعوب.
يريد الأستاذ خلف الله أن يأخذ الأديب من كل شيء بطرف: علم النفس وجمال واجتماع، وأنا أعوذ بالله أن أكون عدوا للمعرفة، ولو أن أديبا أخبرني أنه يدرس الفك لشجعته على المضي في دراسته؛ لأن المعرفة -أي معرفة- إن لم تنفع كما يقولون فلن تضر ما حجزناها عن الأدب، وموضوع الخطر هو أن نقحم على دراستنا معارف أقل ما فيها من إضلال هو صرفنا عن أن نركز نظرنا في الأدب كفن لغوي، واهمين أننا نجدده إذ نتناوله بمبادئ علوم أخرى. وأما النظريات اللغوية، وأما علوم اللغة ومناهج اللغة، فذلك موضع دراستنا الذي نعتز به ونرى فيمن يستطيعه على نحو ما استطاعه عبد الظاهر كنزا ثمينا، المنهج الذي أدعو إليه هو المنهج الفقهي -منهج فقه اللغة- وسوف نرى ذلك المنهج يبتدئ بالنظر اللغوي لينتهي إلى الذوق الأدبي الذي هو لا شك متحكم في كل ما يمت إلى الأدب بصلة، وسواء في ذلك أردنا أو لم نرد.
ولنتخذ في إيضاح ما نريد سبيل البواقي، فندل بضرب المثل على ما ليس من
стр. 142
منهجنا، ولتكن أمثلتنا من بين المسائل النفسية التي عالجها صديقنا وغيره من النقاد المصريين، ولنكتف بمثلين: دراسة شخصية الحجاج التي نشرها الأستاذ خلف الله "بالثقافة" ومسألة التصغير عند المتنبي كما نشرها الأستاذ العقاد في "المطالعات".
درس الأستاذ خلف الله خطب الحجاج فوجده رجلا ورعا قوي الإيمان من جهة، قاسيا صلبا من الجهة الأخرى، وذكر أن بعلم الأمراض النفسية شيئا اسمه "ازدواج الشخصية" بل وفطن إلى أن هذه الحقيقة العلمية قد استخدمت في الأدب نفسه، فكتب أحد الروائيين الإنجليز قصة بعنوان "دكتور جيكل آند مستر هيد"١، وفيها يصور المؤلف رجلا يعمل بالنهار كطبيب شريف رقيق، وفي الليل ينقلب شريرا مجرما. وما دام الحجاج قد جمع إلى التقوى الصرامة فهو إذن مزدوج الشخصية، وهو -في رأي الأستاذ- مثل قديم "لدكتور جيكل آند مستر هيد". وهذا مثل لتطبيق مبادئ علم النفس على الأدب، مثل ذلك نرى فيه إغراء المذهب وإفساد الفكرة لحقائق النفوس، وهو بعد لا يقل إسرافا وخطرا وخطأ عن محاولة برونتير تطبيق مبادئ التطور على الأدب كما رأينا في المقال السابق. الحجاج أقوى شخصية من الازدواج. الحجاج نفس مؤمنة تتعصب لما تؤمن به، والتعصب قسوة، نفس قوية بوحدتها.
نظر الأستاذ فوجد الحجاج يقول: "إني لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها ... وإني ... وإني ... "، وذكر أن في علم نفس الأطفال مرحلة تسمى التركيز الآني "ego- centrisme" وهي تلك التي يرد فيها الأطفال كل شيء إلى أنفسهم، كأن العالم الخارجي امتداد لذواتهم، وكأنهم جزء لا ينفصل عن ذلك العالم حتى يتم لهم إدراك انفصال أجسامهم عن غيرهم وتمييزها عما سواها، وها هو الحجاج يكثر من استعمال ضمير المتكلم، وإذن فلا بد أنه ولوع بذاته، مركز للعالم في آنيته، وهذا مثل ثانٍ لطغيان علم النفس على الأدب. وأنا بعد لا أرى في هذا ذاتية ما، وإنما هي حماسة قلب تلتمس من طرق الأداء وما يشفيها، ذلك ما يحدثني به المنهج الفقهي -المنهج الطبيعي المستقيم.
وكذلك يفعل الأستاذ العقاد، فهو بلا ريب يعلم ونعلم معه أن المتنبي كان
стр. 143
رجلا معتزا بنفسه، وهو قد لاحظ أن المتنبي يكثر من استعمال التصغير، فما عليه إلا أن يقيم علاقة نفسية بن الظاهرتين فيعلل تصغير المتنبي بتكبره، وهذا أيضا من طغيان النفسيات على الأدب، والنفسيات في ذاتها ليست شرا، وإنما الشر يأتي من طريقة استخدامها وبخاصة في عصرنا الحالي، حيث يريد أصحابها أن يعطوها صفة العلم بما يستتبع ذلك من تعميم قوانين لا يمكن أن تنطبق على الأدب، الذي هو -كما قلت وسأقول دائما- مفارقات دقيقة تحتاج في إدراكها إلى ما يسميه بسكال "Pascal" لطافة الحس "esprit de finbesse" أكثر من احتياجها إلى التفكير الهندسي "esprit de geometrie".
ولننظر عن قرب في رأي الأستاذ العقاد؛ وذلك لأنه يبدو لأول وهلة ظاهرة الوجاهة، والمتنبي لا نزاع في أنه متكبر، كما لا نزاع في أنه قد هجا "الشويعر" و"كويفير" و"الخويدم" و"الأحيمق" بل "وأهيل عصره". والتصغير في رأي النحاة كثيرا ما يكون للتحقير، وإذن فالمتنبي يريد بالتصغير أن يحقر خصومه، وهو يحقرهم لأنه متكبر؛ وهنا يتسلل الخطأ إلى التفكير النفساني؛ وذلك لأني لا أظن أن التصغير في شعر المتنبي كان لتكبره، وإنما هو أداة من أدوات الهجاء يعرفها كافة شعراء هذا الفن في الأدب العربي وفي غيره من الآداب. أداة لصيقة بفن أدبي بذاته لا وليدة لطبيعة نفسية عند من يستخدمها، وليست هناك رابطة تلازم بين التكبر والتصغير، حتى ولا في شعر المتنبي نفسه، وهو قد استخدمه للتعظيم، قال:
أحاد أم سداس في أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتنادي
ومعنى الشطر الأول أن الليلة كانت طويلة حتى خيل للشاعر أنها لم تكن ليلة واحدة بل سبعا، وإذا كان هذا طولها فكيف يصغرها فيقول: "لييلتنا"؟ ولقد سئل المتنبي نفسه في ذلك "الوساطة - طبعة صبيح ص٣٣٩": هذا تصغير التعظيم، والعرب تفعله كثيرا، قال لبيد:
وكل أناس سوف تدخل بينهم ... ودويهية تصفر منها الأنامل
أراد لطف مدخلها فصغرها، وقال الأنصاري: أنا عذيقها المرجب وجذيلها المحكك، فصغر وهو يريد التعظيم، وقال آخر:
يا سلم أسقاك البريق الوامض ... والديم الغادية الفضفاض
وإذن فالمتنبي قد استخدم التصغير في غير التحقير، بل استخدمه في ضده. ومن هذا نرى أن العلاقة بين التكبر والتصغير غير مطردة حتى يستقيم التفسير
стр. 144
بفرض إمكان ذلك. وفي الحق أن التصغير لا يفيد التحقير والتعظيم والتلميح وما إليها فحسب، بل يفيد ألوانا لا حصر لها من العواطف، وأنه لمن الخطأ أن نأتي بتفكيرنا الهندسي فنعمم على غير احتياط. ونحن لسوء الحظ لم نعد نحس اللغة العربية الفصحى، وهذا يقودنا إلى أخطاء كثيرة لا يمكن أن يعصمنا منها نحو ولا بلاغة، ولنفكر جميعا في الإحساسات المختلفة التي يثيرها في أنفسنا تصغيرنا العامي في قولنا مثلا: "حتة ولد" و"حتة نتفة ولد"، ولنتصور الملابسات العديدة التي يقول فيها شعبنا أمثال تلك الجمل، لندرك المفارقات الدقيقة التي أشرت إليها، هناك وسائل كثيرة تحتال بها اللغات على تلوين أفكارنا ذلك التلوين الذي لا تحمله ولا يمكن أن تحمله مفردات اللغة، وإنما نلحقه بها بفضل التنغيم في الكلام، وبحيل بلاغية في الكتابة، والتصغير إحدى تلك الحيل، ذلك ما يحدثني به المنهج الفقهي، وأما منهج العلم النفسي فيرى أن تصغير المتنبي كان لتكبره!
هذه الأمثلة أسوقها للتدليل على النتائج البعيدة التي تترتب على استخدام مناهج العلوم الأخرى، أو مبادئها في دراسة الأدب. الأدب فن لغوي كما قلت، فمنهجهه هو المنهج الفقهي الفني كما فهمه عبد القاهر الجرجاني وطبقه في "دلائل الإعجاز". والآن ما هو ذلك المنهج؟
منهج عبد القاهر يستند إلى نظرية في اللغة، أرى فيها -ويرى معي كل من يمعن النظر- أنها تماشي ما وصل إليه علم اللسان الحديث من آراء، ونقطة البدء نجدها في آخر "دلائل الإعجاز"؛ حيث يقرر المؤلف ما يقرره علماء اليوم من أن اللغة ليست مجموعة من الألفاظ بل مجموعة من العلاقات "Systeme des reapports".
على هذا الأساس العام بنَى عبد القاهر كل تفكيره اللغوي الفني، قال: "إن الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينهما فوائد، وهذا علم شريف وأصل عظيم، والديل على ذلك أن زعمنا أن الألفاظ التي هي أوضاع اللغة إنما وضعت ليعرف بها معانيها في أنفسها؛ لأدي ذلك إلى ما لا يشك عاقل في استحالته، وهو أن يكونوا قد وضعوا للأجناس الأسماء التي وضعوها لها لنعرفها بها، حتى كأنهم لو لم يكونوا قد وضعوا الحروف لكنا نجهل معانيها، فلا نعقل نفيا ولا نهيا ولا استفهاما ولا استثناء، وكيف والمواضعة لا تكون ولا تتصور إلا على معلوم، فحمال أن يوضع اسم لغير معلوم، ولأن المواضعة كالإشارة، فكما أنك إذا قلت: خذ ذاك، لم تكن هذه الإشارة لتعرف السامع المشار
стр. 145
إليه في نفسه، ولكن ليعلم أنه المقصود من بين سائر الأشياء التي تراها وتبصرها؛ كذلك حكم اللفظ مع ما وضع له. ومن هذا الذي يشك أنا لم نعرف الرجل والفرس والضرب والقتل إلا من أساميها؟ لو كان ذلك مساغا في العقل لكان ينبغي إذا قيل زيد أن تعرف المسمى بهذا الاسم من غير أن تكون قد شاهدته أو ذكر لك بصفة ... وإذ قد عرفت هذه الجملة فاعلم أن معاني الكلام كلها معانٍ لا تتصور إلا فيما بين شيئين، والأصل والأول هو الخبر، وإذا أحكمت العلم بهذا المعنى فيه عرفته في الجميع، ومن الثابت في العقول والقائم في النفوس، أنه لا يكون خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه، ومن ذلك امتنع أن يكون لك قصد إلى فعل من غير أن تريد إسناده إلى شيء. وكنت إذ قلت: اضرب، لم تستطع أن تريد منه معنى في نفسك من غير أن تريد الخبر به عن شيء مظهر أو مقدر، وكان لفظك به إذا أنت لم ترد ذلك وصوت تصوته سواء.
١- أن الألفاظ لم توضع كما أنها لا تستعمل لتعين الأشياء المتعينة بذواتها، وهذه هي نظرية الرمزية في اللغة التي أوضح المفكر الألماني فنت Wundt١ حدودها؛ وذلك لأنه لدينا عن طريق تجاربنا المباشرة أو تجارب الغير صورة ذهنية لكل شيء ولكل حدث، وإنما نضع ألفاظ اللغة ونستعملها لنحرك هذه الصورة الذهنية الكامنة، فعندما نقول: "رجل" لا يمكن أن يثير هذا اللفظ في نفوسنا شيئا، ما لم يكن في ذهننا صورة الرجل، اللفظ رمز لها ومحرك.
٢- ونحن لا نستخدم ذلك اللفظ لنحرك الصورة الذهنية تحريكا نريده لذاته، وإلا كنا مجانين، وإنما نفعل ذلك لأننا نعتزم أن نخبر عن "الرجل" بشيء ما، وهنا يلحق الجرجاني بأكبر مدرسة حديثة في تحليل اللغة، أعني مدرسة العالم السويسري الثبت رأس علم اللسان الحديث فردينانمد دي سوسير F. de Saussure٢ ثم اللغوي الفرنسي الذائع الصيت أنتوان مييه "A. Meillet" ولقد كتب هذا العالم الأخير فصلا٣ هاما عن منهج الدراسة
стр. 146
في علم اللسان، وفيه يرد اللغة إلى عنصرين: "أ" مفردات" "ب" عوامل الصيغة Morphemes. والمفردات معروفة وهي كلفظة "رجل"، وأما عوامل الصيغة فيقصد بها إما ترتيب الكلمة في الجملة، وإما مقطع صوتي كالتنوين في "رجل"، وإما علامة الإعراب، وإما أداة نحوية كالألف واللام في "الرجل". فهذه العوامل هي التي تعطي اللفظة دلالتها التي نقصد إليها عند تفوهنا بالكملة؛ وذلك لأننا -كما يقول الجرجاني- لا ننطق بلفظة ما إلا لكي نخبر بها أو عنها بشيء، ومن ثم فحن ننطق بها مضافا إليها حتما عوامل الصيغة من ترتيب أو مقاطع صوتية خاصة. فالرفع لإفادة الإسناد، والألف واللام للتعريف، والابتداء لكذا وكذا، ونحن بعد لا نكتفي بلفظ واحد إلا أن يكون جوابا لسؤال أو اعتمادا في كلام سابق أو ملابسة راهنة، وإنما نقول "رجل" ثم نخبر عنه فنضيف "جاء" مثلا، ومن ثم تكون مفردات اللغة لا قيمة لها في ذاتها؛ لأنها لا تكتسب دلالتها المقصودة إلا بفضل عوامل الصيغة.
وإذن فمفردات اللغة ليست إلى رموزا لصور ذهنية محصلة من قبل، وهي لا تستخدم لذاتها بل لتقيم بفضل عوامل الصيغة التي تضيفها إليها طائفة من العلاقات بين الأشياء أو بين الأشياء والأحداث، وهنا ننتهي إلى ما أجملناه في قولنا: اللغة مجموعة من العلاقات لا مجموعة من الألفاظ.
عن هذا "العلم الشريف والأصل العظيم" فرَّع الجرجاني كل آرائه، وجمعها مسألتان؛ الأولى: إنكاره لما رآه الجاحظ من أهمية فصاحة الألفاظ باعتبار تلك الفصاحة صفة في اللفظ ذاته؛ ثم ثورته على مذهب العسكري الذي يرد جودة الكلام إلى محسنات لفظية تقف عند الشكل. الثانية: تعليقه جودة الكلام بخصائص في النظم: "واعلم أنه ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت ... هذا هو السبيل، فلست بواجد شيئا يرجع صوابه إن كان صوابا، وخطؤه إن كان خطأ إلى النظم، ويدخل تحت هذا الاسم إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه ووضع له، فلا ترى كلاما قد وصف بصحة نظم أو فساده، أو وصف بمزية أو فضل فيه إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفساد وتلك المزية وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه، ووجدته يدل في أصل من أصوله، ويتصل بباب من أبوابه.
стр. 147
فأما مخالفته للحاجظ فباستطاعتنا أن نقره عليها، وإذا ذكرنا أن الجاحظ وغير الجاحظ من أدباء العرب ونقادهم لم يصفوا فصاحة اللفظ ولا عنوا فيها إلا بالصفات السلبية كالخلو من التعقيد والتنافر وما إلى ذلك، والبحث الحديث قد أصبح اليوم يرى للألفاظ قيمة ذاتية إيجابية من حيث ما يوحي به جرس حروفها من إحساس يعزز المعنى المعبر عنه، ومن غريب الأمر أن النحاة وعلماء اللغة قد فطنوا إلى أن بعضا من ألفاظ اللغة كانت أسماء أو أفعال أصوات، كما منهم من اهتدى بالاستقراء حقائق لغوية تلوح صحيحة، وأضرب لذلك مثلا ما ذكره الزمخشري في الكشاف عندما قرر أن كل أفعال اللغة العربية التي تبتدئ بنون وفاء تفيد المضي والنفاذ، كقولنا نفد ونفذ ونفر ونفق ونفض ... إلخ، ومع ذلك فإنهم لم يستخدموا تلك الحقائق في نقد الأدب ليوضحوا على أساس لغوي - ما يهتدي إليه الشعراء والكتاب بغرائزهم الصادقة، عندما يؤثرون لفظا على لفظ، وفقا للمعنى الذي يريدون العبارة عنه. لقد كتب الأوربيون كتبا في إيضاح أسرار الشعراء والكتاب اللغوية فتراهم١ يحصون أنواع الأحرف الصائتة Voyelles والأحرف الصامتة Consonnes في البيت الجيد من الشعر، ويقيمون بينها نسبا يستخرجون بفضلها ما يسمونه "بالانسجام الصوتي" harmonoie vocaliques الذي ينتج عن توزيع الأحرف الصامتة، ثم "انسجام المحاكاة" harmonie imitaitve الذي ندركه من مطابقة الإحساس الذي يخلفه في النفس وقع الأحرف الصامتة المختلفة للإحساس الذي لدينا عن الشيء الذي نتحدث عنه، على نحو ما توحي السينات المتتابعة مثلا بصفير الريح، ولكن هذه كلها أبحاث حديثة ليس لنا أن نتطلب مثلها من نقادنا القدماء.
والجرجاني أشد إصابة في نقده لآراء العسكري السقيمة، فهو يرى "أن في كلام المتأخرين كلاما حمل صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ما له اسم في البديع إلى أن ينسى أنه يتكلم ليفهم، ويقول ليبين، ويخيل إليه أنه إذا جمع بين أقسام البديع في بيت فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء، وأن يوقع السامع من طلبه في خبط عشواء، وربما طمس بكثرة ما يتكلفه على
стр. 148
المعنى وأفسده، كمن يثقل العروس بأصناف الحلي حتى ينالها من ذلك مكروه في نفسها. "أسرار البلاغة ص٦" وهو يلاحظ "أنك لا تجد تجنيسا مقبولا، ولا سجعا حسنا حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق نحوه، وحتى تجده لا تبتغي به بديلا ولا تجد عنه حولا، ومن هنا كان أحلى تجنيس تسمعه وأعلاه، وأحقه بالحسن وأولاه، ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه، وتأهب لطلبه، أو ما هو لحسن ملاءمته، وإن كان مطلوبا بهذه الصورة".
وأما نظرية النظم عن الجرجاني فنظرية كبيرة هامة. وعنده أن دراسة النظم لا تقف عند أمر الصحة بل تعدوه إلى تعليل الجودة. وبعبارة أخرى: يمزج الجرجاني "النحو" بما سماه البلاغيون فيما بعد "علم المعاني" وله في ذلك حكمة بالغة تقتضينا أن نفصل القول في ذلك.
стр. 149
النظم عند الجرجاني:
منهج فقه اللغة الذي ندعو إليه، عارضين آراء الجرجاني كمثل، لا يتنكر لمعرفة النفس البشرية؛ لأنه يفرق بين تلك المعرفة وقوانين علم النفس، كما لا يتنكر لروح العلم، وإن أقصى قوانين العلم.
مثل من يدعي أن قوانين علم النفس تبصرنا بحقيقة النفس الإنسانية، كمثل من يزعم أنه يستطيع أن يفهم دور شطرنج يعلب أمامه؛ لأنه قد تعلم القواعد التي تتحرك بموجبها كل قطعة من قطعة، مع أن علمه لا يعدو الحكم على موافقة حركات القطع للقواعد أو عدم موافقتها؛ وأما لماذا تتحرك؟ وإلى أي غاية تسعى؟ وكيف ينظم اللاعب الماهر خططه ويتصرف في قطعة؟ فذلك ما لن يدركه صاحبنا ولو وعى القواعد عن ظهر قلب. ذلك وللشطرنج قواعد آلية؛ لأنها مواضعة بحتة. وأما النفس البشرية فلا أرى بل ولا أحس فيها جبرا إلا أن يضعه البعض فيها. وهم لا يخطئون في ذلك فحسب، بل يأثمون، ولقد فرغ الباحثون في حقيقة المعرفة بوجه عام من الفطنة إلى أن قوانين المادة ذاتها شرطية لا تولد آثارها إلا إذا توافرت ملابسات لا يمكن استقصاؤها، وتلك الآثار تتغير بتغير الملابسات. وكبار الرياضيين١ أنفسهم يجزمون بأننا لا نستطيع -وما أظننا نستطيع في المستقبل القريب- أن ندرك بفضل القوانين العملية حقائق الأشياء بله النفوس، نعم إننا قد استطعنا أن نستغل العالم المادي بفضل معارفنا العلمية التي تدرك الأشياء في ظواهرها وآثارها الخارجية، ولكن هذه ليست المعرفة التامة الداخلية، وأنا لا أريد أن أنزلق إلى سفسطة ما وراء الطبيعة العقيمة، ولكنني أنظر أمامي الآن فأرى ورقة بيضاء تحدث في نفسي أثرا ما، كما تحدث في نفس جاري آثرا آخر، ونحن الاثنان نتفق بلا ريب على تمييز اللون تمييزا يجعلنا نرمز له باللفظ اللغوي "أبيض" فنتفاهم، ولكن من لي بمعرفة أثره النفسي عند ذلك الجار، والنفوس عوالم مغلق بعضها دون بعض؟ وهل المعرفة الحقيقية في مردها النهائي إلا ما تطبعه الأشياء في النفوس من آثار؟ وكيف
стр. 150
أدرك تلك الآثار، وهي لا ريب مكيفة في كل نفس بملابسات لا حصر لها، وأين لي باستقصاء كل ما تثيره في النفوس من تداعٍ؟ أنا لا أنجح في التفاهم مع جاري إلا استنادا إلى التقسيم، فنميز الأبيض؛ لأنه يختلف عن الأسود أو الأحمر؛ ولكن أهذه معرفة حقه؟ أفيها إدراك لحقائق الأشياء؟ وإدراك لآثارها المتميزة بالنفس؟ فإن لم تكن، أَوَلا ترون أن الذين يريدون فهم النفس البشرية بفضل نظريات السيكولوجيا، إنما يريدون تشريح فراشة "بسكينة بصل".
وأنا لا أجهل أنه قد يصاح بي: ولكن هناك التحليل العلمي الذي يرد الألوان إلى عناصرها، وأدرك هذا الاعتراض الذي لا يرهبني في شيء؛ لأنني وإن كنت أجل رجال العلم، وأعتز بنتائج أبحاثهم التي مكنتنا من الحياة وردت عنا الكثير من الآلام، إلا أنني أنكر الإنكار كله أن يستطيع العلم أن يحل محل نفسي في إدراك حقائق الأشياء، من منا يستطيع أن يزعم أن في مقدروه أن يعرف طعم شراب لم يذقه بمعرفة عناصره الكيماوية ونسبها؟ من منا يجرؤ أن يدعي أنه يعرف حيوانا لم يره قط، بدراسة خلاياه تحت المجهر؟ من منا يصل إلى تصور جمال لوحة زيتية بقراءة وصف لها في دليل أحد المتحاف؟ ممن منا يتوهم أنه سيفهم نفسه بغير نفسه؟ أي قوانين وأي أبحاث ستبصرني بآلامي وأحلامي؟
معرفة النفس البشرية غير قوانين علم النفس ونظريات السيكولوجيا، وذلك بفرض أننا نحسن فهم تلك القوانين والنظريات، وقف بها عند ما تستطيعه، فما بالكم بهذا الوباء الذي تفشى بيننا في السنين الأخيرة فأخذنا نرى كتابنا وناقدينا يظنون تلك النظريات أثوابا تصلح لكل نفس، فإن ضاقت فلتمزق، وإن اتسعت فلتشجب، هناك وسيلة سهلة لإدراك الشخصية الروائية أو النموذج البشري، هي أن نتلقاه بقلوبنا كما خلقه أصحابه بقلوبهم، وأن نتحد به اتحادا شعريا، وهذا لا يتطلب إلا هبة من الله، هبة الإحساس ترهفه تجارب الحياة ويسعده خيال قوي يعيننا على أن نحيا حياة غيرنا وكأننا أصحاب تلك الحياة، وأما ما دون ذلك من علم ومعرفة فمكملات لن تسد نقصا جوهريا، ومتى جعلت من الأبله سقراطا؟!
ونحن بحاجة إلى الأمانة العقلية، إلى الخضوع لموضوع دراستنا، إلى انتزاع الحق من جوف الأشياء، وما نحاربه هو إملاء النظريات على الواقع، هو إتلاف الحقائق بالعلم الباطل، هو مداراة فرقنا الروحي بمصطلحات العلم الخاوية، هو ظننا أن المعرفة إدراك للظواهر التي يكتفي بها العلم في عالم المادة، ونحن
стр. 151
نرفضها في عالم الروح، إننا نحارب قسر الفكرة، نحارب ادعاء العلم، نحارب التبجح بالمعرفة التي لا تغني، لنعرف كل شيء، على أن نكون قادرين على هضم ما نعرف، ولتشع المعرفة في كل ما نقول أو نكتب، ولكن ليكن الإشعاع من الداخل، ليكن إشعاعا لطيفا رقيقا خفيا، كذلك الذي ينساب إلى قلوبنا في جوف الليل من محبة الله.
ذلك عن النفس وعلم النفس، والأمر كذلك في روح العلم وقوانين العلم، فأنا كما أثور على إقحام قوانين علم النفس الهيكلية على الأدب، بينما أدعو إلى الصدور عن معرفة حقيقية بالنفس البشرية، واعين بما نفعل، حتى لا نتهم بأننا كجوردان الذي ظل يتكلم النثر عشرات السنين دون أن يفطن لما يفعل، أقول: إنني على نفس النحو أدعو جاهدا إلى الأخذ في الأدب بروح العلم، وأما اصطناع قوانينه فلا.
روح العلم غير قوانين العلم، ليست إلا ما ذكرت وأكرر: أمانة عقلية، وخضوع للموضوع وتأدب على التصديق، وتنحية للهواء، ثم استقصاء للتفاصيل، وقصر من الأحكام، وتدعيم للإحساس بنظرات العقل، واتخاذ الإحساس وسيلة مشروعة للمعرفة بتحديده، وتمييزه، ومراجعته، وتعليله ما أمكن التعليل. وروح العلم موقف تقفه النفس من الناس والأشياء، وأما العلم فجموعة من القوانين التي تفسر عادة عالم المادة، تفسر مظاهره، لنأخذ بروح العلم؛ لأنها روح خلقة نبيلة، وأما محاولة تطبيق قوانين العلم على الأدب، فقد رأينا مثلا دالا على خطئها عندما عرضنا لما فعله برونتيير ووضحنا ما سار إليه من ضلال، الأدب مفارقات. الأدب كالنفس البشرية حفنة من الماء لن تتميز ذراته.
المنهج الفقهي إذن يتضمن روح العلم ويعتز بالنفاذ إلى حقائق النفوس، ولكن هذا ليس ما يميزه عن غيره من المناهج، وروح العلم وفهم النفوس حقيقتان مستقرتان في كل نشاط عقلي منتج، حتى أننا لا نرى فيهما شيئا يخصصهما بالمنهج الأدبي. المنهج الفقهي يستمد حقيقته من مادة درسه وهي الأدب، ولقد قلنا في مقام سابق: إن منهجا لا ينتزع من موضوعه مستمدا مبادئه من ذلك الموضوع ذاته، لا يمكن أن يستقيم. والأدب لا ريب فن لغوي، وتلك حقيقة يجب أن نوضحها لنفهمها.
قالوا: إن الأدب ملكة النفس، طبع مفطور، فالشاعر يغني كما يغرد الطائر، ولكن هذا أعجم وذاك مبين، وللطائر دوفعه، وما أظن الطبع خالقا شيئا بذاته،
стр. 152
أولا ترى مع ابن قتيبة أنه لا بد للشاعر مهما كان طبعه غنيا من مثير "وللشعر تارات يبعد فيها قريبه ويستصعب ريضه" وكذلك له "دواع تحت البطيء وتبعث المتكلف"، بل هبه واتاه الدافع؟ أتحسب أن الشعر جمرات من الإحساس؟ والجمرات تحرق، والإحساس العنيف يعقد اللسان. وإنما يكون الشعر عندما يسكن العنف وتهدأ حدقة العين فتستطيع الإبصار، عندئذ تستغل الإرادة ما بقي في النفس ويبدأ الشاعر في الجهد الذي لا يستقيم شعر بدونه. الشعر صناعة جيدها ما أحكم حتى اختفى. الشعر طبع ودوافع وإرادة وجهد وصناعة.
ونحن بعد لا نستطيع دائما كل ما نريد، ونحن بعد لا نصل دائما بجهدنا إلى الكمال، وموضع المشقة في الأدب ليس إلا في القدرة على إخضاع الفكرة أو الإحساس للفظ. قال ديهامل: "كم من مرة أستمع إلى رجال أو نساء يتحدثون وسط الجموع في عربة قطار، أو أثناء وجبة طعام، فتحدثني نفسي كل مرة: "ها قد وقعت على صفة نفسية، أو تسقطت علاقة أو لمحت دافعا خفيا، ولكني عاجز عن أن أصوغ ما اكتشفت ألفاظا، ربما أستطيع فيما بعد أن أصور ما أحسست به أما الآن فلا، وأنا أعلم أني إن لم أصب التوفيق فسيأتي من بعدي غيري يفيد من تجاربنا وتساعده عبقريته فينجح في العبارة عما لمحناه".
إخضاع الفكرة أو الإحساس للفظ هو ما يميز الأدب عن غيره من الفنون. الأدب طريقة من طرق العبارة عن النفس يعبر باللفظ، كما يعبر المصور بالألوان والناحت بالأوضاع، ومن ثم وجب أن يكون منهجه منهجا لغويا، وأنا أعرف ما يثيره هذا اللفظ في النفوس من مخاوف، فمن الناس من يظن أننا سنعود به إلى الدراسة اللفظية التي أفسدت الأدب وسلبته روحه، ولكن هذه خوف ظالم؛ لأن اللغة مستودع تراثنا الروحي، ومن الثابت أننا لا نملك من أفكارنا وأحساسيسنا إلا ما نستطيع إيداعه اللفظ الذي يوضح الفكرة ويميز الإحساس. وهذه النظرية الصحيحة هي موضع اعتزازنا بتفكير عبد القاهر.
ينكر عبد القاهر -كما رأينا- كل مزية في اللفظ، وهو في ذلك يناقض آراء الجاحظ في الفصاحة، ولكن هذا في الحق إنكار مسرف لا نقره، ونحن لا ندعي لرجلنا العصمة، ولا نضرب دائما بعصاه، والذي لا شك فيه أن لجرس الألفاظ -كما قلنا- وقعا إيجابيا كثيرا ما يعين الكاتب أو الشاعر على استنفاد١ إحساسه، وذلك
стр. 153
على أن يسلم من التكلف والصنعة المقتسرة، ويثور الجرجاني كذلك على محسنات العسكري اللفظية، وهنا نؤيده مؤمنين بما يقول، وعنده "أن المزية تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موضع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض" بل "ليس من فضل إلا بحسب الموضع وبحسب المعنى الذي تريد، والغرض الذي تؤم". ولكنه لا يريد بذلك إلى الأسلوب المسطح الذي لا نتوء فيه، وكتاباته تشعرك بأنه قد فطن إلى أن الأسلوب الفني الجيد هو الذي يصدر عن صاحبه، وقد سكنت الفكرة وسكن الإحساس إلى طرق أدائها -حقيقة كانت أم مجازية- سكونا طبيعيا، حتى لتحس بأن الفكرة والإحساس قد ولدا مجسمين في العبارة، فلا تدري أفطن الكاتب إلى الصورة أو لا، أم إلى موضوعها، أخلق الموضوع الصورة أم خلقت الصورة الموضوع؟
الكاتب الكبير يدرك ما في نفسه مكسوا مجسما، يدركه ملفوظا، يستشعر الفكر والإحساس مرتبطا بعوالم أخرى، وإذا بالمجاز جزء من الإحساس أو الفكرة، ومن ثم لم يكن هناك محل لأن نخشى اللفظية، وتلك لا تكون إلا عند من يدركون مواضيع قولهم إدراكا مجردا عن صورها، ثم يحتالون لوضعها في صور تظل منفصلة عنها، مصطنعة الإلصاق، ومن هذا النوع الكثير من المحسنات اللفظية المفضوحة؛ ولهذا نقول: إن الصناعة الحقة هي تلك التي تحكم حتى تختفي.
لا خوف إذن من أن يعود بنا عبد القاهر إلى اللفظية، وما يجوز أن يرهبنا هذا الخوف فنتخلى عن المنهج الطبيعي في دراسة الأدب، وما دمنا قد فطنا إلى الدور الذي يلعبه اللفظ في خلق مادة الأدب ذاتها، فمن واجبنا أن نأخذ في بحثنا بالمنهج الفقهي، ونحن بذلك نجمع بين عناصر الأدب الإنسانية وعناصره اللغوية؛ لأن هذه مستودع ثمين لا يقل قدرا عما أودع فيه، وبفضله -في النهاية- يتميز الأدب عن كل ما عداه.
ليست العبرة إذن عند عبد القاهر باللفظ في ذاته وإنما هي بالنظم.
стр. 154
الذوق عند الجرجاني:
يقول الجرجاني: "وإذا قد عرفت أن مدار أمر النظم على معاني النحو وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه، فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها ونهاية لا تجد لها ازديادا بعدها، ثم اعلم أن ليست المزية بواجبة لها في أنفسها ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها مع بعض واستعمال بعضها مع بعض"، "وإنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصورة والنقوش، فكما أنك ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة، والنقش في ثوبه الذي نسج، إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ وفي مواضعه ومقاديرها وكيفية مزجه لها وترتيبه إياها إلى ما لم يهتد إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب وصورته أغرب، كذلك حال الكاتب والشاعر في توخيهما معاني النحو ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم".
وهذا ينتهي بنا إلى ما نراه اليوم وما ندعو إليه جاهدين من أن النقد وضع مستمر للمشاكل، وأن لكل جملة أو بيت مشكلته التي يجب أن نعرف كيف نراها ونضعها ونحكم فيها، وهذا هو النقد الموضوعي الذي نؤمن بفائدته وهو بعد ليس بالأمر الهين؛ لأنه لا بد لنا كما يقول روسو من فلسفة كبيرة لنلاحظ ما يقع عليه بصرنا، ثم إن الملاحظة لا تكفي بل لا بد من وضع الإشكال، ووضعه -فيما يحكي المثل الأوربي- حل له، ومن ثم حكم فيه.
لا بد إذن من الحكم على النظم الذي أمامنا من حيث إنه يجمع بين معانٍ متباينة، ونحن بعملنا هذا لا نقف عند الألفاظ بل ولا عند الجمل، وإنما ننظر في المعنى عند تمامه والفراغ من تأليف عناصره، ننظر في المعنى منظوما، ومن البين أن الذوق هو الفيصل الأخير في الحكم على هذه الدقائق. وإلى هذا فطن الجرجاني بحسه الأدبي الصادق، فكتب تلك الصفحة الرائعة التي يوردها كاملة لأهميتها البالغة، قال: "أعلم أنك لن ترى عجبا أعجب من الذي عليه الناس في أمر النظم؛ وذلك لأنه ما من أحد له أدنى معرفة إلا وهو يعلم أن هاهنا نظما أحسن من
стр. 155
نظم، ثم تراهم إذا أنت أردت أن تبصرهم بذلك تسدر أعينهم وتضل عنهم أفهامهم، وسبب ذلك أنهم أول شيء عدموا العلم به نفسه من حيث حسبوه شيئا غير توخي معاني النحو، وجعلوه يكون في الألفاظ دون معاني، فأنت تلقى الجهد حتى تميلهم عن رأيهم؛ لأنك تعالج مرضا مزمنا وداء متمكنا. ثم إذا أنت قدتهم بالخزائم إلى الاعتراف بأن لا معنى له غير توخي معاني النحو، عرض لهم من بعد خاطر يدهشهم حتى يكادوا يعودون إلى رأس أمرهم، وذلك أنهم يروننا ندعي المزية والحسن لنظم كلام من غير أن يكون فيه من معاني النحو شيء يتصور أن يتفاضل الناس في العلم به، ويروننا لا نستطيع أن نضع اليد من معاني النحو ووجهه على شيء نزعم أن من شأن هذا أن يوجب المزية لكل كلام يكون فيه، بل يروننا ندعي المزية لكل ما ندعيه له من معاني النحو ووجوهه وفروقه في كلام دون كلام.. والداء في هذا ليس بالهين ولا هو بحيث إذا رمت العلاج منه وجدت الإمكان فيه مع كل أحد مسعفا والسعي منجحا؛ لأن المزايا التي تحتاج أن تعلمهم مكانها وتصور لهم شانها أمور خفية ومعان روحانية أنت لا تستطيع أن تنبه السامع لها وتحدث لها علما بها حتى يكون مهيئا لإدراكها وتكون فيه طبيعة قابلة لها، ويكون له ذوق وقريحة يجد لهما في نفسه إحساسا بأن من شأن هذه الوجوه والفروق أن تعرض فيها المزية على الجملة، ومن إذا تصفح الكلام وتدبر الشعر فرق بين موقع شيء منها وشيء، ومن إذا أنشدته قول أبي نواس:
ركب تساقوا على الأكوار بينهم ... كأس الكرى فانتشى المسقى والساقي
كأن أعناقهم والنوم واضعها ... على المناكب لم تعمد بأعناق
أمن لها وأخذته الأريحية عندها ... وأنت تقول في محاجتك على استشهاد القرائح وسبر النفوس وفلها، وبهذا يعود عبد القاهر إلى النقاد الكبار أمثال ابن سلام والآمدي وعبد العزيز الجرجاني الذين يرون في الذوق وفي "ستشهاد القرائح وسبر النفوس" المرجع النهائي في كل نقد أدبي صحيح.
والآن قد يتساءل قارئ يقظ من أين يدخل الذوق؟ والذوق لا يكون إلا حديث نسلم للكاتب بحرية في اختيار طرق العبارة عما يريد. وعبد القاهر نفسه لا يرى هناك اختيارًا ما، وعنده أن المعنى لا بد متحكم في اللفظ، والجواب على هذا الاعتراض خليق بأن يزيد النظرية وضوحا، وصاحبها ينكر أن تكون المزية في اللفظ، وإذن
стр. 156
فهو لا يحكم الذوق في الموازنة بين ألفاظ ممكنة، وإنما المزية في المعنى، وفي المعنى تكون المفاضلة، وفي المعنى يكون الاختيار، والأمر ليس نظما لألفاظ بل نظما لمعان، فنحن نحكم الذوق في اجتماع بعض المعاني إلى بعض، ويحتال عبد القاهر ليخضع اللفظ أيضا للذوق فتأتي عبارته عن المعنى مضمنة للمعنى الملفوظ، أي المعنى المعبر عنه، وفي هذا إفراط في الدقة يكاد يمس المغالطة، ولكننا في الحق نستطيع أن نقبل منه هذا الاحتيال إذا نظرنا للمسألة نظرة تاريخية، فذكرنا طغيان اللفظية في ذلك الحين، ومحاربة عبد القاهر لها بكل قواه، وكلنا لا ريب يذكر ذلك التكلف الثقيل الذي ظهر عند أنصار البديع في الشعر، ثم امتد النثر فأتلف أسلوب الصاحب ابن عباد وأبي هلال العسكري وجانبا من أسلوب ابن العميد نفسه.
ويتحكم الذوق إذن عن الجرجاني في نظم المعاني التي نعبر عنها. خذ لذلك مثلا تعليقه على أبيات إبراهيم بن العباس:
فلو إذ نبا دهر وأنكر صاحب ... وسلط أعداء وغاب نصير
تكون على الأهواز داري بنجوة ... ولكن مقادير جرت وأمور
وأني لأرجو بعد هذا محمدا ... لأفضل ما يرجى أخ ووزير
"فإنك ترى من الرونق والطلاوة ومن الحسن والحلاوة، ثم تتفقد السبب في ذلك فتجده إنما كان من أجل تقديمه الظرف الذي هو "إذ نبا" على عامله الذي هو تكون، وإن لم يقل: فلو تكون عن الأهواز داري بنجوة إذ نبا دهر، ثم إن قال: تكون، ولم يقل: كان، ثم نكر الدهر ولم يقل: فلو إذ نبا الدهر، ثم إن ساق هذا التنكير في جميع ما أتى من بعد. ثم إن قال: وأنكر صاحب، ولم يقل: وأنكرت صاحبا، لا ترى في البيتين الأولين شيئا غير الذي عددته لك يجعله حسنا في النظم وكله من معاني النحو كما ترى".
وبالإمعان في ملاحظات ناقدنا نجدها ترجع إلى مفارقات في المعاني. وألوان النفس هي التي حددت اختيار الشاعر وضمنت له الجودة، جودة العبارة عما في نفسه بدقة، تبصيرنا بالألوان النفسية لتلك المعاني. فهو قد قدم الظرف على عامله، قدم "إذ نبا" على "تكون" وذلك لأنه لم يتمن أن تكون داره بنجوة على الأهواز إلا عندما نبا دهر، وفي هذا النبو ما يحز في نفس الشاعر، وكأني به قد سارع إلى نقصه، ثم هو
стр. 157
قد اختار المضارع١ "تكون" على الماضي "كان"؛ لأن المضارع هنا نحس في دلالته معنى الحالة المستمرة المنسحبة من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل، والشاعر ود عندما نبا الدهر لو تكون داره على الأهواز بنجوة، تكون حتى قبل نبو الدهر، تكون وتستمر كذلك؛ لأن الدهر قد أثبت بنبوة تلك المرة أنه قادر على الغدر في كل حين، ومن الخير أن نقدر ذلك الغدر في كل حين. وإذن المفاضلة بين الماضي والمضارع ليست مفاضلة بين ألفاظ بل بين معان، وعلى الأصح بين حالات نفسية بأكملها، ثم إن شاعرنا قد نكر "دهر" وهو بهذا يفرد الدهر فيجعله دهرا خاصا به، دهرا غدارا لا الدهر دهر الناس كافة. نبا دهر ابتلاه به القضاء المحتوم، وإذا كان تنكير الدهر، وهو الشيء الواحد المعرف بوحدته، يفيد الإفراد، فإن تنكير صاحب وأعداء ونصير يفيد الإطلاق ويشعرنا بضيق الشاعر فهو ينكر كل صاحب لما كان من غدر أولئك الصحاب، وهو يرى أن كل عدو قد سلط وأن كل نصير قد غاب، تنكير المتعدد أفاد الإطلاق، والأمر في تنكير "مقادير وأمور" يشبه تنكير "دهر" فهو يخصصهما بالشاعر ويجعلها وقفا عليه، وإذن فنحن أمام معان مختلفة وألوان نفسية متباينة ندرك بعضها بعقولنا ونحس ألطفها بقلوبنا، وهذا الإحساس هو أساس الذوق عند ناقدنا العظيم.
وتسوق فكرة النظم عبد القاهر إلى تخطي الإعراب والجملة البسيطة إلى الجملة المركبة فيكتب فصلا "في النظم يتحد في الوضع ويدق في الصنع" قال: "واعلم أن مما هو أصل في أن يدق النظر ويغمض المسلك في توخي المعاني التي عرفت، أن تتحد أجزاء الكلام ويدخل بعضها في بعض ويشتد ارتباط ثان منها بأول، وأن يحتاج في الجملة إلى أن تضعها في النفس وضعا واحدا، وأن يكون حالك فيها حال الباني يضع بيمينه هاهنا في حال ما يضع بيساره هناك، نعم وفي حال ما يبصر مكان ثالث ورابع يضعهما بعد الأولين. وليس لما شأنه أن يجيء على هذا الوصف حد يحصره وقانون يحيط به، فإنه يجيء على وجوه شتى وأنحاء مختلفة، فمن ذلك أن تزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء معا كقول البحتري:
إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر
ونوع آخر قول كثير:
стр. 158
وإني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت عما بيننا وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت
و ... و ... إلخ".
ومن البين أن عبد القاهر في هذه الملاحظات قد أحس بوجود الجمل المركبة التي تشمل عدة معان بعضها قيود لبعض أو متممات. ويا ليت اللاحقين له ساروا في هذا السبيل! ولو أنهم فعلوا لاستقام فهمنا لممكنات لغتنا، ولعرفنا مثلا الطرق التي لدينا للتعبير عن الأزمنة المطلقة والأزمنة النسبية في الجملة الأصلية وفي الجمل التبعية التي تلقاها في اللغات الأوربية والتي نحتال فنعبر عنها في لغتنا بكافة الحيل غير واعين بما نفعل.
ومع ذلك فعبد القاهر لم ينظر إلى هذا المركبات إلا من حيث الجودة، فهو يرى في اجتماع تلك المعاني بعضها إلى بعض إعجازا من الشعراء، وهو لا يعنى بدراسة نحوهنا قدر عنايته بنقدها نقدا أدبيا، ومرد ذلك النقد وفيصله هو الذوق، الذوق الذي يحس ثم تأتي المعرفة فتعلل ما يمكن تعليله، ولقد يخطئ رغم استقامة الذوق.
والآن نستطيع أن نفهم كيف أن عبد القاهر -كما قلنا في أول مقال عنه- قد ابتدأ بنظرية فلسفية في اللغة ثم انتهى إلى الذوق الشخصي الذي هو مرجعنا الأخير في دراسة الأدب، ويجب أن يظل ذلك المرجع. وإنك لتقرأ كل ما كتبه عن الإسناد وعن التقديم والتأخير وعن الفصل والوصل وتمعن في أمثلته فتجد إحساسه الأدبي سابقا دائما لعقله ومعرفته، بحيث يخيل إلينا أن هذا الرجل إنما صدر في آرائه عن خبرة طويلة بنصوص الأدب العربي، وقد وهبه الله حسا صادقا أعمله في تلك النصوص، ثم أطال التفكير في إحساساته فإذا به يهتدي إلى كل تلك الحقائق التي وإن يكن في تفكير اليونان القدماء ما يماشيها، كما أن علم اللسان الحديث يؤيدها ويوضحها، فالفضل الأكبر في الوقوع عليها لمواهب عبد القاهر الفطرية، ونظريته -كما قلت- ليس لها من القيمة ما لتطبيقاته، فهنالك يظهر ذوقه العربي السليم، ذلك الذوق الذي لا يمكن أن يغني عنه في الأدب شيء. وما نظرية عبد القاهر في رمزية اللغة ورد المعاني إلى النظم، وما منهجه في نقد النصوص نقدا موضوعيا إلا مراحل تنتهي به إلى الذوق الذي يدرك الدقائق ويحس "بما تحيط به المعرفة ولا تؤديه الصفة"١.
стр. 159
خلط بين القيم:
يقول ديهامل: "إن دليل الصحة هو أن لا يفكر الفرد في جسمه، فهو يتخد كل يوم بعض الاحتياطات الأولية، وبذا تتم عنايته، فيأكل ويشرب ويغتسل ويغدو إلى أعماله، فهل تراه من ساعة إلى ساعة ومن دقيقة إلى أخرى يتساءل في لهفة عن حركة بنكرياسه أو غدده الكلوية؟ أبدا. بل إن هناك مجالا للأمل في أن يجهل حتى اسمها وحتى موضعها من الجسم، فإذا أحسن بمعدته دل ذلك على أن هذه المعدة ليست في حالة جيدة".
وما يصدق على صحة الجسم يصدق على اتزان الهيئة الاجتماعية وسلامة بنائها، فعندما نسمع أصواتا ترتفع من كل جانب تنادينا بأن نضع الأدب في خدمة الحياة الراهنة ومعالجة مشاكلها، وأن تقف أقلامنا على الحديث عن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وعندما نرى كل محاولاتنا في توسيع أفق الفكر أو إرهاف الحس توصف بأنها "هراء مسخته رغبة المهارة وخلبته صفة البراعة وحب الظهور، حتى انحط عن بعض ألعاب التسلية. أو صار وسيلة للكسب ومطية لخدمة الأغراض الخاصة ... إلخ"، مما تفضل فجاد به صاحب مقال، "ما بعد المنهج الفقهي" عندما يحدث كل ذلك لا نملك إلا أن نصيح في عزم وقوة بأن الهيئة الاجتماعية التي نعيش بينها مريضة، وأن واجبنا وواجب كل من يستطيع شيئا في هذا السبيل أن يعلم لتشخيص الداء والتماس الدواء.
أما أننا نعيش في هيئة اجتماعية مريضة، فذلك ما لا يقبل الشك، وفي وفرة ما يكتب اليوم عن حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية أكبر دليل على ذلك المرض، وإنه لمن الواجب -كما قلت- أن نلتمس العلاج، والآفة الكبرى التي لا بد من تسليط الضوء عليها هي آفة الخلط بين القيم.
في المقالة التي أناقشها الآن خلط بين أشياء لم تفهم، فالكاتب قد خلط بين الأدب وغيره من مواضيع الكتابة كالسياسة والاجتماع والاقتصاد كما خلط بين الأدب ومنهج دراسة الأدب.
خلط الكتاب بين الأدب وغيره من الأبحاث، ومصدر الخلط في تفكيره إنما أتاه
стр. 160
كما أتى غيره ممن تلقاهم وتسمعهم بكل سبيل، من معرفته معرفة ناقصة مبتسرة ببعض الجمل التي أذاعها المبسطون بأوربا كعبارة أرنولد عن الأدب أنه "نقد للحياة" وعبارة كارل ماركس عن فلسفة التاريخ "بمادية التاريخ" أي تحكم نظم الاقتصاد في تطور التاريخ، ورسم الخطة لذلك التطور، وأما أن يتمهل كاتبنا في فهم ما يعنيه أرنولد "بنقد الحياة". وأما أن يمعن النظر في العوامل الإنسانية غير المادية التي لا تقل أثرا عن النظم الاقتصادية في السيطرة على سيرة التاريخ، فذلك ما لا يريده كاتبنا، ولعله لا يستطيعه.
لقد أصبحت عبارة "نقد الحياة" Criticism of life عند كاتبنا مرادفة "للاهتمام البارز بالحياة وأنباء الحياة"، و"إدراك ما للنظم الاقتصادية من المؤثرات الأولى في حياة الناس والجماعات روحيا ونفسيا ومعنويا"، وبذلك يوفق -فيما يظن- بين نظرية أرنولد في الأدب، ونظرية ماركس في فلسفة التاريخ، ويكون حتما على الأدب أن يكون همه الأول مثلا الحديث عن الصناعة بمصر وما تبشر به نشأتها من نمو الوعي السياسي عند طبقة العمال، وعن توزيع الثورة في مصر وطرق إعادة ذلك التوزيع على أساس جديد، وما شاكل ذلك.
وإما أن يتحدث الأدب عن حياتنا النفسية، وإما أن يمد الأدب من آفاق تفكيرنا، وإما أن يرهف الأدب إحساسنا، وإما أن نحاول بعث ماضينا، أو نشر الثقافة الحرة، فكل هذا هراء وادعاء وحذلقة، ولو صح هذا لوجب أن نوفر جهدنا على الصحف الحزبية اليومية نبشر فيها بهذا المذهب أو ذاك.
والداء بعد أعمق من كل ذلك، فهناك خلط مخيف بين الثقافة الحرة والتفكير العلمي، هناك عدد من الناس يظنون أننا لسنا بحاجة إلى الثقافة الحرة؛ لأن هذه الثقافة لا يحتاجها إلا المرهفون المنعمون الأغنياء، وما نحتاجه نحن إنما هو التفكير العملي أي التفكير السياسي الذي يخفف بالحلول التي يدعو إليها، والتي قد ينجح في تنفيذها؛ من فقر البؤساء والمحرومين والمظلومين، وكاتب هذه السطور ليس بغافل عن البؤس والجهل والمرض، ولا عن فتك الأوبئة بمواطنينا، ولقد سبق له أن تحدث عن ذلك في "الثقافة" بعنوان "بؤسنا المادي" ولكنه يرفض الخلط بين الأشياء، ويرى في هذا الخلط جهلا مخيفا يجب أن يحاربه بكل قوته.
مثل من يزعمون أن الثقافة الحرة ترف لا نفع من ورائه كمثل من يقول للدول المحاربة: إن من واجبك أن تغلقي جامعاتك ومعاملك؛ لأنك لست في حاجة إلى التفكير الخالص. بل في حاجة إلى مصانع للذخيرة والمؤن، وناصح كهذا لا يدل
стр. 161
بنصيحته تلك على فهم عميق، فإن الجامعات والمعامل هي التي تفتح المصانع، واليوم الذي يتوقف فيه التفكير الخالص عن العمل، ستتوقف فيه المصانع؛ لأن هذه إنما تطبق التفكير الخالص الذي يبدو للجهلاء بعيد الصلة بالإنتاج المادي.
وكذلك الأمر في الأدب الخالص، فهو الذي يشحذ إدراك كاتبنا فيستطيع أن يصف التفكير الحر بأنه "هراء" وهو الذي يرهف حسه فيجعله يقدر بؤس غيره، بل هو الذي يحمله على الوعي بما هو فيه من بؤس، هو ونحن والجميع، وعندما يقف الأدب عن تقديس المعاني الخالدة من خير وجمال لن يستمع أحد لصيحات كاتبنا ولو صاغها قوية قوة كتاب "رأس المال".
ثم أي فائدة في أن نعيد ما قلناه وقاله غيرنا مئات المرات. في مصر ظلم اجتماعي في توزيع الثروات، بل في توزيع الحقوق حتى القانوني منها، وهذا ما يعرفه الصغير والكبير، في مصر إلى جانب الظلم الاجتماعي فقر عام، لا سبيل إلى علاجه بغير تعزيز الصناعة في مصر، وجهل لن يبدده إلا علم صحيح. في مصر مرض لن يقضى عليه ما لم تعالج عقلية الأطباء. في مصر أدواء كثيرة نعرفها جميعا ونعرف طرق علاجها، ولكن العلاج لن يجدي إلا إذا أعدنا التربية الخلقية لمن يقومون على ذلك العلاج، وأي نتيجة لكتابتي وكتابة غيري في كل ذلك. الأمر لا يحتاج إلى كتابة وإنما يحتاج إلى عمل، يحتاج إلى تنظيم أحزاب، وهذا ليس من شأني كرجل قد قبل أن يقف نفسه -الآن- على نشر الثقافة في حدود قدرته.
واجبي إذن هو أن أقول لكاتب المقال: إن نقد الحياة ليس معناه ما ذكرت، وإنما معناه "فهم الحياة" أي فهم النفس البشرية، ذلك الفهم الذي يغضبك أن توفر عليه قلمنا، وكل ما تكتب ليس له غاية غير هذا الفهم، سواء أكان عن خوالج نفسية أو طرائق لغوية أو موضوعات نموذجية، أو آلام وآمال خاصة.
ونحن مطمئنون إلى أن جهدنا لن يضيع سدى إذا وصلنا إلى شيء مما نريد.
وأكبر دليل على أن أرنولد لم يقصد من "نقد الحياة" إلى ما ذكرت هو أن الرجل قد أنفق جهدا كبيرا في إقناع معاصريه بضرورة دراسة القدماء وبخاصة الإغريق مما تستطيع أن تتبينه من "مقدمته" لقصائده ومن "مقالاته في النقد"، وهو يفعل ذلك لإيمانه بأن القدماء قد فهموا من النفس البشرية جانبا كبيرا، وأنهم قد صاغوا ما فهموا في جمال لا نعرف أفعل منه في تهذيب النفوس.
وأما عما نراه في تفاهة التوافر على دراسة الجاحظ وقدامة والعسكري
стр. 162
والجرجاني فأمر عجب، إن حاولنا بعث تراثنا القديم قال أمثالك: هذا هراء، وإن حاولنا نقل التراث الغربي قلتم: هؤلاء مترجمون، فماذا تريدوننا أن نفعل؟ أظن أنه الصمت.
هناك شيء يجب أن نقوله: وهو أننا اليوم في مرحلة يجب أن تتوفر فيها كل الجهود على أمرين١ نشر الكتب العربية القديمة ودراستها وبعثها٣ نقل التراث الأوربي عن سبيل الترجمة، ومن الواجب أن يفهم الجميع أن النشر والترجمة هما أشرف عمل وأنبل نشاط نستطيع التوفر عليه الآن، بل أقول: إنه من الضروري أن نعرف معنى التواضع والأمانة العقلية وروح العلم الصحيح، وأن نشرب أنفسنا بالوطنية، فنعمل مخلصين لمصلحة بلادنا بنشر تراثنا القديم ونقل التراث الغربي كاملين، فعندئذ يحق لنا أن نفخر بعملنا، وأن نعتز بمجهودنا إذ نكون قد مهدنا لنهضة وطننا نهضة حقيقية لا كتلك التي تخدعك اليوم، وما هي إلا بهرج زائف ونصب عقلي.
أي نفع لبلادنا بل لأنفسنا في أن ندعي أن التأليف ويكون عملنا هو عدم أمانة في الترجمة، نترجم ما يسهل علينا فهمه ونهمل ما يشق، ثم ننثر حول النص الأوربي شيئا من هذياننا الشخصي، وبعد ذلك نعدي أننا قد ألفنا كتبا. ومن يستطيع في هذا البلد أن يدرك أصالتك -إن كانت لك أصالة- وأنت تتكلم عن نصوص ومؤلفين ومؤلفات مجهولة من الجميع.
إن كان صاحب المقال حريصا على موضوع أدبي علمي يكتب فيها فيصيب من ورائه المجد، فأنا أدله على ذلك الموضوع الذي لا يقل أهمية عن المسائل الاقتصادية. وذلك هو أن يحمل الحكومة على إنشاء وزارة للنشر والترجمة، لا تقل ميزانيتها عن ميزانية أكبر وزارة، وأن يكون عملها، نشر الكتب العربية القديمة، وترجمة عيون الأدب والفلسفة والتاريخ والجغرافيا والكيمياء ... إلخ الموجودة الآن بالعالم العربي.
عندئذ سأومن بأن كل مشاكلنا ستحل، وأن أفراد الشعب سيجدون تلك الحلول ويملونها على حاكميهم، فإن لم يستطع كاتبنا أن يقوم بحملة كهذه رجوته أن يتركنا الأستاذ خف الله، وأنا نقتتل رغم صادقتنا الشخصية حول منهج الأدب وحقائق اللغة، فمن يدرينا لعل الهنات وأن تخصب نفسنا أو تشق خيالا أو تهذب ذوقا.
стр. 163
مناقشات لغوية:
اللغة والتعريب:
تحركني كلمة الأديب زكريا إبراهيم إلى الرد؛ لأنها تتناول مسألتين جوهريتين: أولهما مسألة الخطأ والصواب بمناسبة "عثرت به" و"عثرت عليه"١، وثانيهما مسألة تعريب الأسماء الأعجمية.
فأما عن "عثرت به" فقد قلت: إن المعنى الذي أريد التعبير عنه هو العثور بالشيء أي ملاقاته اتفاقا، ولم أرد "العثور عليه" أي الاطلاع الذي يدل على علم ومعرفة وبحث وجهبذة لا أدعيها.
والذي يدهشني هو تفضل هؤلاء العلماء بلفت نظري إلى مختار الصحاح ودوائر المعارف وتراكيب اللغة الإنجليزية، وهذه كلها مراجع ما كنت أحلم بوجودها!
والعلماء الكبار أمثال الكرملي وزكريا إبراهيم لا ريب يعلمون أن لغات العالم كلها مجازات ميتة، وأن تلك المجازات رغم موتها تحتفظ دائما بشيء من معناها الحقيقي، فأنا عندما أقول "عثرت بالشيء" مفسرا بقولي "وقعت عليه" يكون معنى ذلك أنني اطلعت عليه ولكن مصادفة كما يعثر حافر الجواد بأحد الكنوز. وبذلك أعبر عن المعنى الذي في نفسي تعبيرا لا تحققه "على" بما تفيده من قصد إلى غاية وسعي لبلوغها.
ثم إن مسألة الصحة والخطأ في اللغات أصبحت مسألة تافهة لا يحرص عليها في غير مجال التعليم المدرسي، وأما العلم فقد تقدم وأصبحت المناهج تاريخية فترى العلماء اليوم لا يقررون الخطأ والصواب في اللغات. وإنما يستقرئون الاستعمالات عند كبار الكتاب ويفسرون ما يطرأ على اللغة من تطور. ومن الغريب أن نظل نحن متردين في طرق التفكير التي تخلص منها العالم
стр. 164
المتحضرة منذ أكثر من قرن. فاللغة العامية ذاتها ليست مجموعة أخطاء، وإنما هي تطور عادي مألوف في كل اللغات. واللغة الفرنسية والإيطالية كذلك ليستا أخطاء في اللغة اللاتينية.
إذن فكلام الأب الكرملي وكلام زكريا إبراهيم حذلقة تافهة ومماحكات لا علاقة لها بمناهج البحث في اللغات التي لم تعد تقريرية Dogmatique في شيء.
وأما عنصر الثبات في اللغة وهو ما يطالب به الأديب زكريا حتى لا يصير الأمر فوضى، فذلك ما لا أستطيع أنا أن أدخله في اللغة بل ولا المجمع اللغوي نفسه، عنصر الثبات هو استعمال كبار الكتاب لمفردات اللغة وتراكيبها، ثم قراءة مؤلفات كبار الكتاب في المدارس والجامعات لتشيع تلك الاستعمالات، وكل محاولة غير هذه السبيل لن تجدي شيئا.
اللغة كائن حي لا يقنن له، وأكبر دليل على صحة ما أقول هو أن المجمع اللغوي لم يستطع شيئا في هذا الباب ولن يستطيع. وأنا أشكر الأديب زكريا إبراهيم إذ نبهني ونبه زملائي أساتذة الجامعة إلى وجوب ترجمة أسماء الأعلام كما ينطق بها أهلها، فهذا لا ريب مبدأ سليم، ولكن على شرط أن نعرف كيف كان ينطق بها أولئك الأهل، ونحن لسوء الحظ لا نعرف ذلك دائما. ولقد ثار الأديب زكريا على أساتذة الجامعة وثار الأب الكرملي؛ لأننا نعرب أحيانا عن الإنجليزية والفرنسية، مع أنني أستطيع أن أؤكد لهذين العالمين الفاضلين أننا نعرف مبادئ اللغات الأندوأوربية وبخاصة اللاتينية واليونانية، ولكننا مع ذلك نؤثر أن نعرب عن اللغات الحديثة؛ لأننا لسنا على ثقة من نطق هاتين اللغتين، وهما لغتان ميتتان، والعلماء مختلفون في نطقهما إلى الآن أشد الاختلاف. وأنا وإن كنت لا أريد أن أدخل هنا في التفاصيل إلا أنني أضرب لذلك مثلا باسم الخطيب الروماني Cicero فهذا الاسم ينطقه اليوم علماء الإنسانيات الإيطاليون "شيشرو" وكأنه لفظ من ألفاظ اللغة الإيطالية الحديثة والفرنسيون ينطقونه "سيسرو" والإنجليز "كيكرو" فأيها أصح؟
نعم لقد قامت في السنين الأخيرة دعوة كان من أكبر زعمائها العالم الفرنسي ماروزو marouzeau تدعو إلى محاولة النطق نطقا تاريخيا أي نطقا يقارب النطق القديم يستنتجونه من بعض الكتابات الصوتية القديمة ومن العناصر الموسيقية في الشعر ومن نتائج علم الأصوات التاريخي وتطور نطق الحروف المختلفة، كما يستعينون بآراء العالم إرزم ومحاولاته في هذه السبيل. أقول: إن ذلك كله قد كان،
стр. 165
ولكن هذه المحاولات لم تنجح. ولا يزال علماء كل بلد في أوربا ينطقون اللاتينية واليونانية كأنهما من لغاتهم. وإذن فنحن حتى في هاتين اللغتين مضطرون إلى أن نتخير نطقا نأخذه عن علماء أحد هذه البلاد وذلك إلى أن يستقر النطق التاريخي Reconstituee على أسس ثابتة مقبولة من الجميع.
ويزيد الأمر تعقيدا أن تعريب الأسماء لا يمكن أن يكون وفقا لقرارات يصدرها المجمع الغوي أو الأستاذان الكرملي وزكريا إبراهيم، وإنما الأمر أمر استعمال: استعمال كبار الكتاب الذين لهم من الشهرة ما يجعل تعريبهم يذيع بين الناس.
خذ لذلك مثلا ما استقر عليه العرف في فرنسا منذ القرن السابع عشر، تجد أن أسماء الأعلام الشهيرة التي تتداولها الألسن قد أعطيت صيغة فرنسية؛ ولذلك يقولون: فرجيل وهومير وسوفوكل وأوربيد وأشيل، وأما الأسماء التي لا ترد إلا على ألسنة الخواص من العلماء فقد تركت لها صيغتها اللاتينية أو اليونانية؛ ولذلك يقولون: كورنيليوس وإنيكوس وبيون وموسكوس ومن إليهم.
وإذن فالأمر أعقد مما ظن الأديب زكريا إبراهيم. وأساتذة الجامعة يؤلمهم أن يبلبلوا أذهان القراء. ولكن ما الحيلة والمسائل معقدة؟ أليس من الأجدى علينا وعليكم أن تتركونا نتحسس السبل ونجاهد حتى نصل إلى تعريب سهل قريب مستساغ نرجو معه أن تنتشر الألفاظ التي نفضلها فتنحل المشاكل ويرتفع اللبس؟ ثم أليس من الخير أن نعرب عن إحدى اللغات والمنتشرة في بلادنا بدلا من التعريب عن لغات قديمة لا يعدو من يعرفها من مواطنينا الذين نكتب لهم الأصابع؟
стр. 166
عثرت به وعثرت عليه ١:
لم يكن عزمي أن أرد على زكريا أفندي إبراهيم؛ لأن المناقشة لم تكن بيني وبينه، وإنما فعلت لأنني رأيته قد أثار مسألتين حسبت في إيضاحهما فائدة لعامة القراء. وقد اعتمدت في تأييد استعمالي "لعثرت به" على مبادئ لغوية عامة لم يقتصر العلم بها على الباحثين في عالم اللسان بل سبقهم إليها ولحقهم الفلاسفة وكافة المفكرين. فاللغات -كما قلت- مجازات ميتة في الكثير من مفرداتها، فنحن عندما نقول بالفرنسية مثلا abimer بمعنى "أتلف" نستعمل مجازا ميتا لم يعد يحس به أحد؛ وذلك لأن معنى هذا الفعل الاشتقاقي في اللغة الفرنسية هو "يلقى في هاوية" "هاوية: abime" وكذلك الأمر في اللغة العربية، فالرفعة والسمو والانحطاط مثلا، كل هذه الألفاظ كانت معانيها الأولى حسية، ثم ماتت تلك المعاني وأصبحنا نستعمل تلك الألفاظ في الدلالة على الصفات المعنوية المعروفة، وهكذا مما لا حصر له في كافة اللغات. ولقد كانت هذه الحقيقة من الأسس التي بنى عليها الفلاسفة الإنجليز أصحاب المذهب الحسي في المعرفة ومنابعها مذهبهم، وإذا لاحظوا أن معظم ألفاظ اللغة كانت في الأصل تدل على معان تدركها الحواس ثم انتقلت إلى المعنويات.
وعلى هذا يتضح لنا أن عثر في معناها الأصلي لم تكن تفيد الاطلاع مصادفة أو عن بحث في شيء. وإنما أفادت هذين المعنيين تجوزا، وحروف الجر في كافة اللغات من أدوات نقل المعنى، ومن ثم عندما نقول عثر بي أو عثر على، يجب أن نحدد المفارقات بين الاستعمالين تبعا لدلالة حرفي الجر ومنحاهما في نقل المعنى.
ولذي لا شك فيه أننا نقول: "عثر الجواد بحجر" ونكون بذلك في حدود المعنى الحقيقي؛ بحيث إذا تجوزنا أو قلنا عثرت بفكرة نكون أقرب ما يكون إلى مضمون المعنى الحقيقي أيضا. ومن الواضح أن في ذلك المعنى ما يدل على المصادفة؛
стр. 167
لأن الجواد لا يبحث عن حجر ليعثر به. وأما عندما نقول: عثرت على فكرة، فالحس اللغوي يبصرنا بأننا هنا قد بعدنا عن المعنى الحقيقي وما يحمل من دلالة المصادفة؛ لأنه على الأقل يتضمن العثور بالفكرة ثم الوقوع عليها. وليس من الضروري أن نعثر بالشيء ثم نقع عليه إذ قد يفلت منا، فالعثور على الشيء فيه معنى إيجابي هو ما أحسست ولا أزال أحس فيه بمدلول البحث.
وأيا ما يكون الأمر فأنا بعد لا أرى مانعا ما دام المجاز قد مات في عثر وأصبح الفعل يدل على الاطلاع في الاستعمالين من أن نقصد "بعثر بـ ... " إلى الاطلاع مصادفة "وعثر على" إلى الاطلاع عن بحث. واللغة -كما قلت- كائن حي من الواجب أن نغذيه باستمرار بأن ننوع من طرق الأداء فيه كما نحدد من تلك الطرق على نحو ما نشاهد في لغات الأمم المتحضرة كلها١.
стр. 168
حول أصول النشر:
كتاب قوانين الدواوين "١ ":
١- منذ سنين اعتدت أن أسمع من الدكتور عزيز سوريال عطية، أستاذ تاريخ العصور الوسطى الأوربية بجامعة الإسكندرية، وعدا بأنه سينشر كتابا عربيا يأخذ فيه بأصول النشر العلمية -كما وضعها الألمان أنفسهم- أخذا دقيقا يجب أن يحتذى؛ ولهذا نشطت همتي إلى الاطلاع على كتاب "قوانين الدواوين" للأسعد بن مماتي الوزير الأيوبي المتوفَّى سنة ٦٠٦هـ-١٢٠٥م، وقد نشره أخيرًا الأستاذ الفاضل، وطبعته الجمعية الزراعية بإشارة المغفول له الأمير عمر طوسون.
وإنه وإن كان يحلو لي أم أمتدح كل جهد، وبخاصة جهدا يبدو في النشر الذي أعلم ما فيه من مشقة لا يقدرها جمهور المثقفين قدرها الحق، إلا أنني لا أستطيع أن أقر الدكتور سوريال على المبادئ التي صدر عنها، وكنت أتوقع منه أكثر مما يعرض علينا اليوم. ولما كانت قواعد النشر من المسائل الجوهريرة في حياتنا العلمية الراهنة، ونحن على أبواب نهضة إحدى دعائمها الأساسية نشر تراثنا العربي القديم، فإنني لا أرى بُدا من مناقشة هذه المبادئ على نحو مفصل، حتى نستقر على ما يجب أن نأخذ به فيما نريد نشره.
اعتمد الدكتور سوريال في نشر الكتاب على أمرين:
١- المصادر المباشرة، وهي مخطوطات الكتاب، وقد أخبرنا في مقدمته بما جمع منه.
٢- المصادر غير المباشرة، وهي الفقرات التي أخذها المؤلفون اللاحقون عن ابن مماتي وأوردوها في كتبهم في معرض الاستشهاد أو الاستدلال، هذه المصادر لم يدرسها الناشر في مقدمته ولا حدد قيمتها، ولكنه انتفع بها فعلا في بعض هوامشه، وإن يكن انتفاعا ناقصا كما سنرى.
إلى هنا نقر الناشر؛ إذ من البديهي أننا لا نملك غير هذين المصدرين للنشر، وذلك مع التحفظ الذي أوردناه عن عدم دراسته للمصادر غير المباشرة دراسة
стр. 169
عامة في مقدمته، ولكننا نخالفه في طريقة انتفاعه بهذين المصدرين، ومن ثم نخالفه في كل شيء، ولتوضيح الخلاف نتحدث عن كل مصدر.
المصادر المباشرة وأنواعها:
ليس من شك في أن أول عمل للناشر هو جميع المخطوطات المختلفة، وهذه عملية مادية تنتهي بحيازة تلك المخطوطات أو استنساخها أو تصويرها، وبعد ذلك تبدأ عملية "تسلسل المخطوطات" "filliatoin des textes" وهذه العلمية هي الأساس الأول لكل نشر علمي صحيح؛ وذلك لأن واجب الناشر أن يميز بين ثلاثة أنواع من المخطوطات:
١- تحريرات الكتاب المختلفة "versions" وذلك لما هو معروف من أن كثيرا من المؤلفين يعودون إلى كتبهم بالتعديل والتنقيح، والزيادة والنقص، فمن واجب الناشر أن يميز بين التحريرات المختلفة للكتاب الواحد، وأن يسلسلها سلسلة زمنية ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وفي اللغة الفرنسية مثل رائع لمثل هذا العمل الجليل، وهو ما فعله الأستاذ فيلي Villey في نشره لمقالات الفيلسوف مونتين Montaigne.
٢- مجموعات الكتاب المختلفة recensins، ونعني بها تلك الحالات التي لا يصل إلينا فيها الكتاب كما حرره مؤلفه، إما لأنه لم يكتبه هو بنفسه بل ألفه شفويا، وهذه حالة الملاحم القديمة كملاحم هوميروس التي لم تدون إلا بعد موت الشاعر بقرون، وحالة الشعر العربي القديم كالمعلقات وغيرها، وإما لأن الكتاب لم تصلنا منه إلا مختصرات يتفاوت بعضها عن بعض طولا وقصرا. وفي هذه الحالات من واجب الناشر أن يميز بين كل مجموعة.
٣- النسخ المختلفة "copies" وهذه من الواجب أن نميز بين ما هو منها بخط المؤلف وما هو بخط الناسخ. ونسخ النساخ نميز بين ما هو منها نسخ التحريرات والمجموعات المختلفة وما هو نسخ عن نسخ واحد ثم نسلسلها تاريخيا ما استطعنا.
والدكتور سوريال قد كانت لديه كل الوسائل ليقيم "تسلسل المخطوطات" على أصح نحو. ولقد فطن إلى شيء يشبه هذا التسلسل. ولكنه استخدمه استخداما غريبا، فهو يقسم مخطوطاته إلى ثلاثة أقسام: يضع في القسم الأول منها مخطوطات مكاتب غوطة، واستانبول، والقاهرة، وفي الثاني مخطوطي باريس
стр. 170
ولندرة، وفي الثلاث مخطوطي الأزهر ومعهد دمياط. وهو ينبهنا إلى أن نسخ القسم الأول ترجع إلى أصل أقدم من الأصل الذي أخذ عنه ناسخو المجموعة الثانية، بدليل ما ورد في مقدمة نصوص القسم الأول من الإشارة إلى الدولة الملكية الناصرية السلطانية الصلاحية بينما يشير الكاتب في نسخة لندرة إلى الدولة العزيزية. وإذن فأصل القسم الأول من عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي "٥٦٤-٥٨٩هـ/ ١١٦٩-١١٩٣م"، وأصل القسم الثاني جاء في عهد خليفته الملك العزيز عماد الدين "٥٨٩-٥٩٥هـ/ ١١٩٣-١١٩٨".
وهذه النصوص قاطعة في أن ابن مماتي قد حرر كتابه مرتين: مرة لصلاح الدين، ومرة للعز عماد الدين، ونستطيع أن نضيف إليها نصوصا أخرى تقطع بنفس الحقيقة، منها أن المؤلف في طبعة الدكتور سوريال يقول ص٣٤٥ متحدثا عن صلاح الدين: "ورد كتاب كريم ناصري بأن.. افعل كذا وكذا" بينما يقول في نفس الصدد في طبعة الوطن، فإنه كان ورد علي كتاب كريم من السلطان رضى الله عنه، وسقى عهده، وروض لحده، بأن أفعل كذا وكذا. وهذا يدل -كما هو واضح- على أن ابن مماتي قد حرر كتابه كما قلنا مرتين: مرة وصلاح الدين حي، ومرة بعد موته، كما يدل على أن طبعة الوطن مأخوذة من نسخة من القسم الثاني أو ما يماثلها.
وإذن من المؤكد أن كتاب "قوانين الدواوين" قد حرر مرتين، وفي هذه الحالة ما هو التحرير الذي يجب على الناشر أن يعتمد عليه أولًا؟ أليس من البدهي أن يكون اعتماده على التحرير الأخير الذي نقحه المؤلف كما يرى، أو على الأقل، أما يجب على الناشر ألا يغفل هذا التحرير إذا فضل التحرير الأول وبصرنا بأسباب هذا التفضيل؟! ومع ذلك يخبرنا الدكتور سوريال بأنه قد اعتمد بنوع خاص على نسخة من مكتبة غوطة؛ لأنها -فيما يرجح- "أقدم عهدا من بقية المخطوطات الأخرى". وهذا سبب عجيب للتفضيل، فالقدم في النسخ يأخذ به العلماء عندما تكون تلك النسخ عن تحرير واحد للكتاب، وأما عندما تكون لدينا نسخ عن تحريرين مختلفين، فمن الواجب كما يجمع العلماء أن نأخذ بالنسخ المخطوطة عن التحرير الأخير، أو على الأقل أن نجمع بينهما كما قلنا.
ولقد كان لتصرفات الناشر على هذا النحو غير المقبول نتائج خطيرة على النص، ولو أنه اهتم بمخطوطات القسم الثاني اهتمامه بمخطوط غوطة لتجنب تلك النتائج التي يؤسف لها، لقد كان باستطاعته أن يتدراك كل شيء لو أنه
стр. 171
لم يحتقر طبعة الوطن المأخوذة عن القسم الثاني كما فعل في مقدمته، وإليك مثالين لما نشير إليه:
المستخدمون وعددهم: في الباب الثالث من طبعة الوطن "ص١٠" يتحدث المؤلف عن المستخدمين من حملة الأقلام، فيذكر أن عددهم ثمانية عشر، وأما في طبعة الدكتور سوريال فيقول نفس المؤلف في الباب الثامن "٢٩٨" المقابل للباب الثالث في الطبعة السابقة: إن "المستخدمين من حملة الأقلام لا يتجاوزون سبعة عشر رجلا". ومع أن الدكتور سوريال قد أخبرنا في مقدمته أنه قد "أثبت في الحواشي جميع الاختلافات" "ص٤١" ومع أنه قد أثقل حواشيه بأشياء كثيرة تافهة لا نرى ضرورة لها، إلا أنه لم يثبت هذا الاختلاف الخطير، مع أنه طبعة الوطن قد أوردت بالفعل اسم المستخدم الثامن عشر، وهو الضامن، وعرفته في خمسة أسطر بآخر الفصل "ص١٠".
حراج البهنسة: يستطيع القارئ أن يراجع ما ورد في طبعة الوطن "ص١٧" عن هذا الحراج وما ورد عنه في طبعة الدكتور سوريال "ص٢٥٤"؛ ليرى أن نص الطبعة الأولى أطول بعدة أسطر من نص الطبعة الثانية، ومع ذلك لم يثبت الناشر حديث هذا الاختلاف الجوهري في حواشيه، مع أنه أثبت ما لا يحصى مما يسميه العلماء "محار النسخ" "coquilles des copistes" ويهملونه بالإجماع.
ونحن بعد لا نريد أن نسهب في التفاصيل، مكتفين بأن نتخذ مما فعله الدكتور سوريال مثلا نضعه أمام الناشرين، معتقدين أنهم سيقروننا جميعا على أهمية ما سميناه، كما يسميه علماء الغرب، "تسلسل المخطوطات" ووضعها في مواضعها تبعا للنظام الذي بسطناه، فهذا العمل هو مفتاح النشر، وهو السبيل الوحيد لتجنب ما أشرنا إليه من خطر على ما ننشر.
المصادر غير المباشرة:
قلنا: إن الدكتور سوريال قد استخدم المصادر غير المباشرة في بعض حواشيه، وإن لم يدرسها في مقدمته كما كنا نتوقع، ومع ذلك فقد كان من واجبه أن يستخدم تلك المصادر في تصحيح النص استخداما أوسع وأكمل مما فعل؛ فمن المعروف أن المقريزي والقلقشندي قد أخذا الكثير من كتاب "قوانين الدواوين لابن مماتي". ولما كانت مخطوطات ابن مماتي مضطربة في غير موضع كما يقول الناشر، فقد كان حتما عليه أن يجهد نفسه في البحث عن جميع
стр. 172
ما نقله هذان المؤلفان عن ابن مماتي ليكون عمله عملا علميا بمعنى الكلمة وله في علماء الغرب بل والشرق أسوة حسنة. ولو أنه فعل لما رأيناه يكتفي بنسخ بعض الفقرات في طبعته وتركها كما هي غير مفهومة ولا قابلة للفهم، مع أن عمل النشر الأول هو أن يقدم إلينا نصا يمكن فهمه، وبهذا فقط يتميز الناشر عن الناسخ، خذ لذلك مثلا في "ص٨٢" وقال: وأمرت غلاما لي، أحضر لي من فكاهين "كذا" القاهرة الورد، والنرجس، والبنفسج، والياسمين، والحرير "كذا" الذين يسمى المنثور، والمرسين، والريحان، والسوسان، والطلع، والبلح، والجمار، والخيار، والبطيخ الأخضر، والباقلا، والتفاح، والفقوس، والأترنج، والنارنج، والأسيا، والليمون ... إلخ. ولو أنه رجع إلى صبح الأعشى "ج٣ ص٣٠٩" لاستغنى عن "كذا" أو اثنتين مما يورد هنا.
والكتاب كله مليء بـ"كذا" والحمد لله كما سنرى، فقد قال صاحب الصبح: "قال المهذب بن مماتي في قوانين الدواوين: بعثت غلاما لي ليحضر من فكاهي القاهرة ما وجد بها من أنواع الفاكهة والرياحين، فأحضر لي منها الورد، والنرجس، والبنفسج، والياسمين، والمنثور، والمارسين ... إلخ". ومع ذلك لم يشر الناشر إلى هذا النص لا في المتن ولا في الهوامش.
من هنا نرى أن الناشر الفاصل لم يبذل ما كنا ننتظره من جهد في خدمة النص بفضل المصادر غير المباشرة، وإذا أضفنا هذا التقصير إلى ما رأينا في حديثنا عن المصادر غير المباشرة، أدركنا أن طبعة الدكتور سوريال لا تزال في الواقع محتاجة إلى نشر أصح من نشرها الحالي.
وكل هذا بفرض أن الناشر قد بذل ما يجب من جهد في قراءة النص قراءة صحيحة، حتى يعتبر عمله نشرا لا نسخا. ولكن كيف يكون الحكم إذا لاحظنا أن الناشر الفاضل قد انتهج في نشره خطة لم نسمع أن أحدا قال بها، فترك النص كما هو، وذلك فيما يقول: "محافظة منه على أسلوبه الأثري"، وهذا قول لا نقبله أصلا، ولا بد لإيضاحه من حديث آخر.
стр. 173
كتاب قوانين الدواوين "٢ ":
تحدثنا فيما سبق عن مصادر النشر مباشرة وغير مباشرة، واليوم نخطو إلى المرحلة التالية وهي قراءة النص، ثم نختم المقال بالحديث عن الروح العلمية التي يجب أن تسود فيما ننشر أو نؤلف.
قراءة النص:
لا شك أن الهدف الأخير لكل ناشر هو أن يقرأ النص قراءة تمكن القارئ من فهمه. ومن المعلوم أن الواجب العلمي يقضي بألا يتصرف الناشر في النص على نحو يحيله عن أصله ويجعله مماشيا لما قد يظنه هو فهما صحيحا، ومع ذلك فالعلماء لا يجمعون على وجوب احترام النص احتراما مقدسا، إلا في حالة واحدة هي حالة وصوله إلينا بخط المؤلف؛ إذ إنه لا يجوز لنا عندئذ أن نتناول النص بأي إصلاح؛ لأن الأخطاء ذاتها تكون عندئذ عظيمة الدلالة على درجة ثقافة المؤلف في اللغة أو في موضوع الكتاب. وأما فيما عدا هذه الحالة فنحن إزاء نسخ يتحمل ناسخوها عادة جزءا كبيرا مما فيها من أخطاء، ويكون من واجب الناشر حتى يكون عمله نشرا لا نسخا جديدا، أن يصلح من أخطاء هؤلاء النساخ، وسبيله إلى ذلك ألا يكتفي كما فعل الدكتور سوريال بالاعتماد على نسخة أو مجموعة من النسخ مهملا إلى حد كبير ما عداها، بل يقابل بين كل المخطوطات التي لديه، بعد أن يقيم تسلسلها كما وضحنا في المقال السابق، وبعد أن يحصي القراءات المختلفة لكل جملة أو جزء من الجملة، يكون من واجبه أن يفاضل بين تلك القراءات.
وهنا لا بد أن نشير إلى نوعين من القراءات Variantes وهما اللذان يسميها العلماء بالقراءة السهلة "Lection facillis باللاتينية" والقراءة الصعبة Lection defficillis ويجب على الناشر ألا يسارع إلى قبول القراءة السهلة، فكثيرا ما تكون من تحريف الناسخ الذي عجز عن فهم القراءة السهلة، فكثيرا ما تكون من تحريف الناسخ الذي عجز عن فهم ما ينسخ فأحاله إلى شيء يفهمه هو وكل هذا على فرض وجود قراءتين كلتاهما فهمها ممكن، فإذا استعصى الفهم وجب على الناشر أن نلجأ إلى ما يسميه العلماء بالتخمينات Conjectuires وله عندئذ أن يثبت تخميناته في المتن بين قوسين أو أن يودعها في الهوامش. ونحن نكرر أن هذه التخمينات لا نلجأ إليها إلا بعد استقصاء كل القراءات والعجز عن فهمها كلها، وكثيرا ما لجأ العلماء إلى تخمينات أثبتت صحتها مخطوطات اكتشفت بعد النشر. وحق التخمين بل واجبه لم نرَ أحدا من ناشري النصوص، وبخاصة النصوص القديمة -كالنصوص اليونانية والعربية- يماري فيه؛ إذ لا مفر للناشر من أن يعطينا -كما قلنا- نصا يمكن فهمه.
هذه هي الأصول العلمية للنشر كما عرفناها من أساتذتنا، وأما ما يزعمه الدكتور سوريال من نشره للنص بأخطائه "محافظة على أسلوبه الأثري" فهذا شيء لم نسمع به. والذي نعلمه أن التماثيل الأثرية ذاتها لا يحجم علماء الآثار
стр. 174
عن ترميمها الضروري حتى لا تنهار. ولإصلاح النص في الحدود التي بيناها فيما سبق لا بد للناشر من نوعين من المعلومات:
١- معرفة لغة الكتاب معرفة فقهية.
٢- معرفة مادة الكتاب معرفة تخصص.
ونحن على تمام الثقة من أنه إذا امتلك هذين النوعين من المعرفة لن يحتاج إلى نشر الكتاب بأخطائه محافظة على أسلوبه الأثري.
ونحن مع احترامنا للأستاذ سوريال ومع اعترافنا بما أدى من خدمات لتاريخ العصور الوسطى في الغرب. ونلاحظ لسوء الحظ أنه لا يمتلك نوعي المعرفة اللذين أشرنا إليهما فيما سبق. ولا أدل على عدم تمكنه من اللغة العربية من أنه حتى في نسخه لترجمة ابن مماتي عن معجم ياقوت قد أخطأ في عشرات المواضع. ولنضرب لذلك أمثلة: "قوله ص٩: قد تتوق فيها وأجيد، وصوابها تُفُوِّق فيهما وأجيد، وص١٤ إحدى عشرة مرة: وصوابها إحدى عشرة مرة، وص١٦: حُباب الحميا، وصوابها حَباب الحميا"، ثم كل تلك الأخطاء الواردة فيما ينقل من أشعار ابن مماتي، والتي لا يستقيم الوزن دونها إصلاحها، كقوله ص١٧:
ورأى أن يرسل الأسهم بالبرد فراشا
وصوابه بالبرد. وقوله ص١٧ أيضا:
وأنست الصبي الصبا وأذكرت جهنما
وصوابه: وأنست الصبا الصبا.
وقوله ص١٨:
قل لي أنهاك ... عن مجيئك نهاك
وصوابه عن مجيك. وأمثال ذلك كثير.
وأما عن عدم إلمامه بموضوع الكتاب إلمام تخصص؛ فذلك ما يقوله الأستاذ الفاضل نفسه في مقدمته، حيث تقرأ ص٤٣: "ولكننا لم نتعرض للشرح والتعليق على الموضوعات الفنية التي تصدى لها المؤلف.. معتمدين على الأخصائيين في إصدار مباحثهم في صدد مختلف الموضوعات في ملاحق خاصة".
ولعمري إذا كان المؤلف لا يجيد اللغة العربية، ولا هو متخصص في تاريخ العصور الوسطى في الشرق. فلماذا إذن يحرص على نشر هذ الكتاب؟! وقد كانت النتيجة أنه لم يستطع أن يعطينا نصا يمكن فهمه، ومن الواضح أننا لا نطالبه بأن يضع التعليقات الفنية في هوامش طبعته، فمن العلماء من يفضلون نشر تلك التعليقات في ملحقات خاصة، ولعله يرى هذا الرأي، ولكننا نجزم بأن نشر أي كتاب نشرا صحيحا لا يمكن بغير البحث عما يعالج من موضوعات فنية، وفهم
стр. 175
هذه الموضوعات فهما صحيحا. ومن الثابت أن العلماء الذين ينشرون تعليقاتهم الفنية في ملحقات خاصة يضعون تلك التعليقات أثناء نشرهم الكتاب، حتى إذا فرغوا من النشر، فرغوا من التعليقات في نفس الوقت، وما إصدارها في ملاحق أو إيداعها الهوامش إلا مسألة شكلية. للعلماء أن يتخيروا منها ما يشاءون.
ونحن لا نريد أن نتتبع ما في الكتاب من جمل وعبارات غير مفهومة. فهذا أمر يطول. كما لا نريد أن نجادل فيما يعتبر أخطاء لغوية قد يرى الناشر أنها ترجع إلى المؤلف، وقد نرى نحن أنها ترجع إلى الناسخ، وفي الواقع لا سبيل إلى الترجيح إلا بعد جهد، وقلما نتفق، وإنما نقف عند بعض الأمثلة التي لا تقبل جدلا؛ فمن ذلك مثلا كلمة "مركوش" ص٣٣٩، ٣٤٠ التي وردت في نسخة غواطة على هذا النحو، وفي طبعة الوطن بالرسم "بركوش". ولقد لاحظ الناشر نفسه في ص٣٤٠ هامش ١٠ أن نقط شين الكلمة ساقطة من نسخة غواطة، ولو أنه كان ملما بموضعه، وقد كان درس أسماء السفن التي كانت تستخدم في الحروب الصليبية لاستنتج في سهولة أن صحة اللفظ هي "بركوس" "انظر "الفتح القدسي" للعماد الأصفهاني بالقاهرة ١٣٢١هـ ص٢٣٨" إذا ورد هذا اللفظ في صيغة الجمع براكيس. ومفردها كما هو واضح بركوس، كما ذكرها أبو شامة صاحب "الروضتين في أخبار الدولتين", القاهرة ١٢٨٧هـ ص٢٣٨"؛ إذ ورد هذا اللفظ في صيغة الجمع براكيس، ومفردها كما هو واضح بركوس، كما ذكرها أبو شامة صاحب "الروضتين في أخبار الدولتين" "القاهرة ١٢٨٧هـ ج٢ ص١٨٧". ولقد كان من السهل على الدكتور سوريال الذي كتب في تاريخ الحروب الصليبية أن يفطن إلى أن الكثير من الأسماء التي أطلقها العرب على السفن في تلك الحروب أسماء أوربية الأصل مثل الجلاسة "من الإيطالية Galeazza"، والشلندي "من الفرنسية Chaland"، والغليون "من الإيطالية Galeone"، وبركوس "من الإيطالية Barque" والفرنسية وغير ذلك كثير.
ومن الأمثلة الأخرى على عدم الإلمام بالموضوع، أن الناشر الفاضل قد نقل عن دوزى في فهرست الألفاظ والمصطلحات المستعصية ص٥٤، تحت كلمة خزانة البنود قوله: "ويعني بها أيضا سجن"، وليس هذا صحيحا. وكان من واجب الناشر أن يصلح خطأ دوزى. فخزانة البنود بمعناها اللغوي لا تؤدي هذا المعنى إطلاقا، ولكنه حدث تاريخيا أن وجد مكان بهذا الاسم، وغير استعماله وأصبح سجنا "راجع خطط المقريزي الطبعة الأهلية ج٣، ص٣١٥ حيث يقول عن خزانة البنود: وكانت أولا في الدولة الفاطمية خزانة من جملة خزائن القصر يعمل فيها السلاح ... ثم إنها احترقت في سنة إحدى وستين وأربعمائة، فعملت بعد حريقها سجنا يسجن فيه الأمراء والأعيان إلى أن انقرضت الدولة الفاطمية، فأقرها ملوك بني أيوب سجنا".
стр. 176
ونكتفي بهذين المثلين الواضحين للتدليل على ما يستهدف له الناشر من أخطاء، عندما يكون غير مختص بموضوع الكتاب الذي ينشر، كما رأيناه يستهدف للأخطاء اللغوية التي لا شك فيها ولا مفر من إصلاحها، عندما يكون إلمامه باللغة قاصرا.
الآن ننتقل إلى المسألة الأخيرة التي نريد أن نتحدث عنها، وهي الروح العلمية، وأكبر ظننا أن جميع القراء سيقروننا على مبدأين كبيرين يجب أن يتصف بهما العالم أولهما التواضع، وثانيهما إعطاء كل ذي حق حقه من الزملاء المعاصرين والعلماء السابقين على السواء.
فأما عن التواضع فإنه لمما يؤسفنا أن نلاحظ أن الدكتور سوريال كان أحرص مما يجب على إظهار مجهوده وقيادة القارئ إليه قسرا. وفي الكتاب أدلة يلمسها القارئ في يسر، فالناشر مثلا يقول في مقدمته عن حياة المؤلف: وأول شيء يدهش الباحث في أمرها هو خلو أغلب كتب التاريخ الأدبي من الكلام فيها والعلم بها، حتى أن "دائرة المعارف الإسلامية" المنشورة بمدينة ليدن نفسها -وهي أعظم الموسوعات في تاريخ الدراسات الإسلامية- لم تحو شيئا عن ابن مماتي؛ لهذا توجهنا إلى التنقيب في المراجع القديمة من كتب الطبقات. ووفقنا في النهاية إلى العثور على شذرات عن حياته في "وفيات الأعيان" لابن خلكان، وفي "عقد الجمان" للعيني، وفي "المواعظ والاعتبارات" للمقريزي، ولكن كل هذا لا يقارن بما ورد عن سيرته في كتاب "إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، من تصنيف ياقوت الرومي لناشره المرحوم الأستاذ س. مرجوليوث". ومن الغريب حقا أن يشير الناشر إلى "التنقيب" وإلى "التوفيق إلى العثور في النهاية" على ترجمة لابن مماتي، مع أنه وارد في معجم ياقوت، وهذا المعجم في متناول الأيدي، وخصوصا بعد طبعة الدكتور فريد رفاعي، وهي أول ما يتجه إليه كل باحث عن التراجم، ثم نرى الناشر ينقل ترجمة ابن مماتي عن ياقوت وعن ابن خلكان إحداهما في إثر الأخرى، ونتساءل عما يدعوه إلى ذلك، وكتابا ياقوت وابن خلكان يملآن المكاتب، وهلا يرى الناشر الفاضل أننا نطمع في خير مما فعل؟ نطمع في دراسة نقدية تحليلية لهذه النصوص. واستنباط ما تجمع عليه من حقائق، مع الاكتفاء بالإشارة إلى المكان أو إيراد ما يستدل به من النصوص.
وكما يبتدئ الكتاب بهذه الروح المسرفة في إظهار الجهد حيث لا جهد، كذلك ينتهي الكتاب لسوء الحظ، فقد أورد في نهايته ثبتا سماه فهرس الاصطلاحات والألفاظ المستعصية، وننظر في هذا الفهرس فنجد إما ألفاظا أساء الناشر
стр. 177
قراءتها مثل كلمة "مركوش" السابقة الذكر، التي يثبتها الناشر مردفا إياها بقوله: نوع من المراكب، وإما ألفاظا أوضح معناها الدكتور محمد مصطفى زيادة، في فهرس الاصطلاحات الذي أثبته في الجزء الثالث من السلوك للمقريزي، وإما ألفاظا نقل الناشر معناها عن دوزى أولين، فما الذي يدعوه إذن إلى تسميتها بالمستعصية؟ وما هو جهده في تفسيرها؟ ولقد كنا ننتظر منه على الأقل أن يصحح دوزى أو يكمله ولو بالنص الذي ينشره اليوم. ولنضرب لذلك مثلا كلمة شلندي، فقد نقل عن دوزى أنه "نوع من المراكب لنقل البضائع والأمتعة"، مع أن ابن مماتي نفسه في ص٣٤٠ يعرفه بقوله: "وأما الشلندي فإنه مركب مسقف تقاتل الغزاة على ظهر" معنى هذا أنه مركب حربي، ولقد كان من واجب الناشر أن يشير إلى مناقضة ابن مماتي لدوزى، وأن يفسر هذا التناقض على وجه من الوجهين الممكنين.
فالشلندي، إما أن يكون مركبا مسقفا يستخدم للبضائع أو في الحرب لرمي الرماة على السواء، وفي هذه الحالة يوفق بين دوزى وابن مماتي، وإما أن يكون استخدامه مقصورا على البضائع أو الحرب، وفي هذه الحالة يكون من واجبه أن يرجح بين زعمي الرجلين، وأن يورد أسباب ترجيحه. ولكنه لسوء الحظ لم يفعل هذا ولا ذاك، ومع ذلك يسمى فهرسه بفهرس الألفاظ المستعصية!
وأخيرا يبقى المبدأ الثاني وهو مبدأ إعطاء كل ذي حق حقه. وإنما نثير هذا لأن الناشر ينبئنا هو نفسه في ألفاظ -أحيانا واضحة وأحيانا غير واضحة- أنه قد استعان بالأستاذ محمد بك رمزي المعروف باشتغاله بجغرافية مصر التاريخية. ولقد كان اعتماده على رمزي بك فيما يظهر كبيرا، وبخاصة في الباب الثالث من الكتاب "في ذكر جملة أعمال مصر وتفصيل نواحيها"، وهذا الجزء يشغل مائة وعشرين صفحة تقريبا من متن الكتاب الذي يقع في ٣٨٠ص، أي ثلث الكتاب تقريبا، ودليل اعتماده عليه قوله أنه قد اعتمد على نشر هذا الباب بنوع خاص على مخطوطتي الأزهر ومعهد دمياط، وأنه قد استخدم هذين المخطوطين عن نسختين نقلهما رمزي بك بيده؛ إذ الأصول مودعة الآن خزائن لا يسهل الوصول إليها. وإذا كان الأستاذ رمزي بك قد نقل هذين المخطوطين فهو لم يكتف بمجرد النقل، بل أعمل في قراءتهما قراءة صحيحة كل جهده، وقد ظهر هذا الجهد في تصحيح هذا الجزء من الكتاب بنوع خاص تصحيحا لم يتوافر للأجزاء الأخرى. وإنه ليحلو لنا أن نثبت أن الأمير عمر طوسون قد اعترف لرمزي بك بجهده المشكور، فقال في تقديمه للكتاب: "وقد راجع الباب الثالث وهو الخاص بتقويم
стр. 178
البلدان وصوب تحريفه، حضرة الأستاذ محمد بك رمزي، وبذل في ذلك جهدا يستحق عليه الشكر والتقدير. وأما الدكتور سوريال فقد قال: "ولما كان الباب الثالث يحتاج إلى عناية خاصة في تحقيق الأسماء الصحيحة لنواحي القطر المصري وإثباتها في النص دون غيرها، فقد راجعناه مع حضرة محمد رمزي بك مراجعة دقيقة، واستفدنا منه في الوصول إلى ضبط الكثير من الأسماء الغامضة أو المحرفة في مختلف الأصول"، ومن الواضح أن عبارة الناشر الفاضل لا تطابق تماما عبارة عمر طوسون، ولقد صرنا نطمع من الناشر الفاضل لا أن يعترف بجهد رمزي بك اعترافا صريحا كاملا فحسب؛ بل أن يضع اسمه على غلاف الكتاب مع اسمه هو. وذلك لا لأن الجزء الخاص بتقويم البلدان يشغل ثلث الكتاب فحسب؛ بل لأنه أصح أجزاء الكتاب نشرا، بدليل أن الناشر قد اعترف هو نفسه بأنه قد استطاع أن يثبت في متنه الأسماء الصحيحة دون غيرها، وهذا شيء لم يوفق إليه في أجزاء الكتاب الأخرى، مع أن من بين تلك الأجزاء ما هو مجرد سرد لأنواع من الزراعات والمكاييل والمقاييس والأشهر وما إلى ذلك. وفي استطاعة القارئ أن يراجع هوامش هذا الجزء ليرى إلى أي حد قد استفاد الناشر من مجهودات رمزي بك. مستدلا على كفاية هذا العالم الفاضل بما أثبته الناشر أخذا عن بحث رمزي بك المنشور فيه.
Memoires de L.htm'institut francais. T. LXVLLL Melanges.
Maspero. vol. LLL.P. ٢٧٣-٣٢١ Le Caire. ١٩٥٣.
Rectifications a l'ouvrage e d E.Amelineau: Geographie de l'Egypte al' Epoque Copte".
أي "تصويبات في كتاب المسيو أميلينو عن جغرافية مصر في العصر القبطي". ثم بحوالي سبعة وعشرين هامشا ذكر الدكتور سوريال أنها من تحقيقات رمزي بك.
ونجمل ملاحظتنا على طبعة الدكتور سوريال بأن روحها العلمية ليست سليمة. وأن أصول النشر فيها لم تراع، وبخاصة في إقامة تسلسل المخطوطات. وفي الأخذ بالمبادئ الصحيحة في قراءة النص، وبذل ما تتطلبه هذه القراءة من جهود. وأما ما أوردنا من أمثلة وتفاصيل فنرجو القارئ ألا يعتبرها على أي نحو استقصاء لما في الكتاب من أخطاء، وإنما سقناها تأييدا للقواعد العامة التي أوردناها، وهي بيت القصيد فيما كتبنا١.
стр. 179
أوزان الشعر
الشعر الأوروبي
...
أوزان الشعر:
١- الشعر الأوربي:
يخيل إلَيَّ أننا قد وصلنا الآن إلى مرحلة من نمو ثقافتنا يجب عندها أن نأخذ أنفسنا بالصرامة فيما نكتب، فلا نتحدث إلا عن بينة تامة، وتحقيق لما نقول، بعد أن نكون قد عمقنا الفهم، وإلا فسنظل نوهم ونتوهم أنا نعرف شيئا نافعا، ونحن في الواقع نضرب شرقا بغرب.
وهنا مسائل لا يكفي للحديث عنها أن نقرأها في كتاب إنجليزي أو فرنسي ثم ننقلها إلى قرائنا حسبما نظن أننا قد فهمناها. هذا لا ينبغي. ونأخذ اليوم لتلك المسائل مثلا من "أوزان الشعر". كما تحدث عنها الأستاذ دريني خشبة فيما يحشد في "الرسالة" من أحاديث.
يريد الأستاذ أن يميز بين العروض الإنجليزي وغيره من الأعاريض الأوربية، وبين العروض العربي، فيقول: "وبحسبنا هنا أن نذكر أن العروض الإنجليزي، بل كل أنواع العروض في اللغات الأوربية، إنما أساسها التفعيلة the foot، وليس أساسها الأبحر كما في العروض العربي". وهذا قول لا معنى له إطلاقا؛ لأن جميع أنواع الشعر، الشرقي والغربي على السواء، تتكون من تفاعيل يجتمع بعضها إلى بعض فتكون الأبحر، والشعر العربي في هذا كغيره من الأشعار، وإنما التبس الأمر على الأستاذ؛ لأنه رأى الأبحر في الإنجليزية تسمى باسم التفعيلة المكونة لها فيقولون lambic meter ... إلخ. وأما في العربية فقد وضعوا لها أسماء أخرى كالطويل والبسيط وغيرها، وإذا كانت في الشعر العربي أبحر متجاوبة التفاعيل كالطويل والبسيط مثلا حيث نجد التفعيل الأول يساوي الرابع، فإن هناك أيضا أبحرا متساوية التفاعيل كالمتدارك والرجز والهزج والكامل وغيرها، وهذه كان من الممكن أن تسمى بأسماء تفاعيلها، فالمسألة مسألة مواضعة، وإذا كانت في الشعر العربي زحافات وعلل فإن الشعر الأوربي أيضا فيه ما يسمونه بالإحلال Substitution فتراهم يضعون مقطعا اسبونديا محل مقطع داكتيلي أو مقطع
стр. 180
إيامبي، وفي الشعر الأوربي والعربي معا لا يغير هذا الإحلال من اسم التفعيل الأصلي. وإذن فكل الأشعار من هذه الناحية لا تختلف في شيء.
وإنما تتميز الأشعار ببينية التفاعيل، وهنا نلاحظ أن الأستاذ خشبة لم يدرك بأذنه حقيقة الشعر الإنجليزي، وكان السبب في ذلك اعتماده في أرجح على قواميس اللغة الإنجليزية، فقد قرأ في أحد كتب العروض الإنجليزي أن هناك شعرا تتكون تفاعيله من الإيامب، وشعرا تتكون تفاعيله من الداكتيل ... إلخ. ومما يجده القارئ في هامش مقاله، وبحث في القاموس فوجد أن الإيامب عبارة عن وحدة من مقطعين، أولهما قصير والثاني طويل وهكذا، وفاته أن هذه التعاريف لا تنطبق على الشعر الإنجليزي بسهولة، وإنما هي خاصة بالأشعار اليونانية واللاتينية، ففي هاتين اللغتين تتميز المقاطع بعضها عن بعض بالطول والقصر، وأما اللغة الإنجليزية واللغة الألمانية فتتميز مقاطعهما قبل كل شيء بالارتكاز الصوتي stress، فهناك مقاطع تنطق بضغط وأخرى بغير ضغط، وعلى هذا يكون الإيامب وحدة من مقطع لا يحمل ارتكازا وآخر يحمله، ومن ثم لا يكون الشعر الإنجليزي شعرا كميا بل شعر ارتكاز stressed، وهذا هو الرأي المعتمد.
وفي موضع آخر يقول الأستاذ: "ويفضل بعض الشعراء البحر الإسكندري نسبة إلى الإسكندر الأكبر والقصائد التي نظمت فيه من هذا البحر. ويؤثر شعراء المأساة الفرنسيون النظم من هذا البحر إطلاقا، وهو يتكون من اثني عشر مقطعا: ست تفعيلات إيامبية كل تفعيل من مقطعين". وهذا القول أيضا يدل على أنواع من عدم الدقة، بل ومن الخطأ البين، فعدم الدقة نجدها في شرح سبب تسمية هذا البحر، فهو ليس نسبة إلى الإسكندر الأكبر بل نسبة إلى رواية بالذات كتبت في القرن الثاني عشر بفرنسا "عن الإسكندر الأكبر le Roman d'alexandre" استعمل فيها لأول مرة هذا البحر بدلا من الأبحر الأقصر منه التي كانت مستعملة في القرون الوسطى. أما الخطأ ففي ظن الأستاذ أن البحر الإسكندري في الشعر الفرنسي يتكون من ست تفعيلات إيامبية كل تفعيل من مقطعين، فهذا لا وجود له في الشعر الفرنسي، ومن المعلوم أن اللغة الفرنسية قد فقدت منذ قرون الكم، فلم تعد هناك مقطاع طويلة ومقاطع قصيرة إلا في حالات نادرة في أواخر الكلمات مثل age.
ومن المسلم به عند الفرنسييين وعند جميع من كتبوا عن الشعر الفرنسي أن هذا الشعر لا علاقة له بكم المقاطع.
٢- الارتكاز، فألفاظ اللغة الفرنسية لم تعد تحمل ارتكازا stress وإنما يوجد ارتكاز في أواخر الجمل. فكل جملة فرنسية أو شبه جملة تنتهي بارتكاز نحس أنه ارتكاز شدة وارتفاع معا إلا في حالة الوقف، فإنه يعتبر ارتكاز شدة فحسب.