وهم بمأوى في إحدى الليالي: "ثم رأينا المأوى وقد بدأت تنيره أشعة القمر فتنهدت طويلا وطفت بعيني فألفيت "مس إيفانس" منكمشة بجواري تدور برأسها الدقيق حولها، وعيناها لامتعان كما تلمع الماسة المصقولة والشيخ "عاد ينظر أمامه نظرا تائها مسترسلا في أحلامه. أما مجاعص فقد كوم نفسه وراح في سبات عميق! ".
وأخيرا دعنا من هفوات الكاتب كقوله عن نرجيلة الأستاذ كنعان ليلة كانوا ينصتون إلى المعلومات التي استطاع الشيخ عاد أن يجمعها عن القصر، ولا تستمع إلى دعواه أنه "انبعث بمائها هدير عال، كأنما هي أيضا تطالبه "تطالب الشيخ عاد" أن يروي لنا حكاية هذه الفاجعة، فاجعة يوسف الصافي".. فهذا ليس صحيحا وما سمعنا أن نرجيلة تهدر مطالبة بقص حكاية، هذا ظن تافه لا ندري كيف وقع فيه تيمور الدقيق الحس الصادق الذوق، ودعنا من العبارات المحفوظة التي أمقتها؛ لأنه لم يعد لها لون وقد أكلها التحات حتى أصبحت لا تدل إلا على الكسل العقلي الذي يحجم عن البحث عن العبارة الدقيقة، وذلك أمثال "يقلب له الدهر يوما ظهر المجن" "ص٤٨" "ولا حياة لمن تنادي" فهي أيضا -على تفاوت في النسب- عبارة بالية، ثم انظر في كل ما بقي، ترَ أسلوبا دقيقا لرجل يعرف أسرار اللغة ويحسن استخدامها. "أصبح عند بعض الناس خرافة ليس لها وجود، وعند بعض آخرين، مكانا تعمره الشياطين"، وتأمل في قوله: بعض الناس.. وبعض آخرين، فهو لم يقل "البعض الآخر" حتى لا يفيد تعميما لا يريده. وأنس لتيمور ابن اللغوي تيمور باشا الجمع "أميال" "ص٥٥" بدلا من "ميول" الدارجة الجميلة ثم تأمل في الصمت "الرازح" "ص٦٥" و"شحيح البغلتين"و"ما عتمت أن غشيني النعاس" "ص٨"، "جسمي يشجب دما" "ص٨٢" و"خطين من الدموع يتهاديان على خديه" و"كلمة صفاء المنقوشة في الصخر الأملس تتدفق عليها مياه الينبوع فتدعها تختلج حروفها كأن لها قلبا حيا ينبض" "ص١٢١" و"نار المدفأة تتلاعب على سقف المأوى في أشكال بشعة، وذلك في ليلة هاجت فيها نفس الراوي وتألمت وسمع فيها عواء حسبه صدى "لصوت نفسه العليلة المضطربة" ثم أطال التحديق "بنظرة الشيخ عاد الثابتة" وقد بلغ من ثباتها أن حملت الراوي على أن يصدع بأمر الشيخ رغم ما في أمره في مجازفة خطرة، ثم الشعلة "التي لاحت بقاع البئر كأنها بصيص ثقاب" "ص١٣٦" وأخيرا تصور "اليأس يعشش في نفسي" "ص١٤٩". أليست هذه كلها أمارة الدقة عند كاتب يعرف كيف يختار ألفاظه ويرسم صوره، كما يعرف فن القصة وأصولها. محمود تيمور كاتب واقعي، كاتب ممتاز، إنني لا أكتم محبتي لأدب هذا الكاتب.
стр. 37
دعاء الكروان ١ ومشاكلة الواقع:
"دعاء الكروان" قصة يمهد نصفها الأول للنصف الأخير، تبدأ بمأساة وتنتهي بزواج، وبين الحادثتين جرائم ولوحات، منها ما يمت إلى القصة بسبب قوي، ومنها ما يتراخى به ذلك السبب وإن لم يعدم القيمة الذاتية.
رجل معوج الخلق في بيئة بدوية، يقع بالشرك في إحدى مغامراته فيقتله من اعتدى على شرفهم، ويخلف زوجة وبنتين يطردهن أهلهن دفعا للعار، فيذهبن ليعملن خادمات بإحدى مدن الريف الصغيرة: آمنة إحدى البنتين بمنزل المأمور، وهنادي أختها عند مهندس الري، وتسقط هنادي فتسير الأم ببنتيها إلى بلد آخر، حيث ينزلن ضيوفا بدوار العمدة، ومن هنا ترسل الأم إلى أخيها خبرا مع إحدى النساء اللاتي يأتين إلى السوق، فيسرع الأخ بالمجيء، ويعلم الأخ بسقوط الفتاة، فيتركهن ليعد في الطريق حفرة يدفن فيها هنادي التي صمم على قتلها في طريق العودة. وتتم الجريمة، كما دبرها تاركة في خيال آمنة أثرا عنيفا، ينتهي بها إلى الهذيان عند وصولهم، وقد استحالت عليها الحياة حتى لم تجد مفرا من أن تغادر البلدة من جديدة بمجرد أن تماسكت قواها. وينتهي بها المسير إلى بيت الأمور، حيث كانت أول الأمر، وهنالك تعلم أن المهندس قد استبدل بأختها فتاة أخرى، فتثور حفيظتها، وتود لو وجدت سبيلا إلى الانتقام، وكانت للمأمور بنت -خديجة- في سن آمنة، وحدث أن خطبت خديجة للمهندس، وإذا بآمنة تسوقها غرائز غامضة إلى عرقلة هذا الزواج، فتخبر أم الفتاة بما كان بين المهندس وهنادي، وبذلك تصل إلى ما تريد، وبعد عدة مناورات ينتهي الأمر بآمنة إلى العمل ببيت المهندس نفسه، وهنا ينشب صراع قوي دفين بين الخادمة وسيدها، ولا تزال الخادمة تلعب بالسيد، راغبة متمنعة، حتى يقع في حبها، وينتقل المهندس إلى القاهرة، حيث يعقد بينهما الزواج.
وهذا هو هيكل القصة العام. وهو في هذا التلخيص يبدو متسقا موحدا، ولكن الكتاب عند القراءة يشعرنا بوجود وحدات تكاد تكون قائمة بذاتها، ومن بينها ما
стр. 38
يمكن حذفه دون أن يضطرب السياق، فهناك دعاء الكروان، وهو دعاء شعري جميل، تردده آمنة في المواقف الحاسمة، قد هيأ لها المؤلف حضور هذا الطائر كلما اشتد أمر. وهناك وصف الليالي التي أمضتها الأم وبنتاها عند العمدة، وفي هذا الجزء أشياء يمكن أن تستقيم القصة بدونها، كالحديث عن خضرة ونفيسة، فهما وإن تكونا نموذجين لبعض نساء الريف، إلا أنهما لا تلعبان في حوادث الرواية أي دور، وكذلك الأمر في حادثة قتل شيخ الخفراء التي تحلق بهذا الجزء دون أن نتبين لقصصها وجها واضحا، وهناك منظر القتل الذي نجح المؤلف في تصويره، وحلمنا على الإحساس بفظاعته، ثم تصوير هذيان آمنة، وهذا جزء يضعف تأثيره ما فيه من إسراف. وأخيرا تأتي قصة آمنة مع المهندس. ولعل هذا الجزء هو خير ما في الرواية؛ لما فيه من فهم عميق لحقائق النفوس، وبخاصة نفوس النساء.
وإنه وإن تكن وحدة القصة من الأسس المهمة في كل عمل فني، إلا أننا نستطيع أن ننظر إلى تلك الوحدة نظرة واسعة، فلا نردها إلى وقائع الرواية، واتصال بعضها ببعض فحسب؛ بل نمدها إلى الهدف النهائي الذي يقصد إليه كل كاتب، وهو التصوير والتأثير، فالقصاص بتصويره للبيئة التي يحيا فيها أبطاله يعيننا على فهم نفوسهم، وهو بقصصه لطرف من حوادث العنف التي يأتونها يخلق جوا يمهد لما سيقع في القصة ذاتها، وعلى هذا النحو نستطيع أن نفهم ما ساق إلينا المؤلف من أجزاء لم نتبين رابطاتها المباشرة بالقصة.
ولكننا على العكس من ذلك لا نستطيع التسامح فيما يجب أن يتوفر لكل قصة جديدة من مشاكلة للواقع L'illusion du reel، وتلك المشاكلة لا نراها متوفرة في كل أجزاء القصة التي بين أيدينا، وذلك لسببين كبيرين؛ أولهما: طغيان المؤلف على شخصياته، وثانيهما: تحجر أسلوبه في طابع خاص يعرفه الجميع.
لنأخذ مثلا دعاء الكروان: "لبيك! لبيك أيها الطائر العزيز! ما زلت ساهرة أرقب قدومك وأنتظر نداءك، وما كان ينبغي لي أن أنام حتى أحس قربك وأسمع صوتك وأستجيب لدعائك. ألم أتعود هذا منذ أكثر من عشرين عاما!.. لبيك لبيك! أيها الطائر العزيز! ما أحب صوتك إلى نفسي إذا جثم الليل، وهدأ الكون، ونامت الحياة، وانطلقت الأرواح في هذا السكون المظلم، أمنة لا تخاف، صامتة لا تسمع" هذا لا ريب شعر ساحر ما أظن نغماته تفارق الخيال عما قريب.. ألفاظ مجنحة خفيفة عذبة. ولكم من مرة يعود الطائر فتلقاه آمنة بنفس الحديث. ويستمع القارئ لدعائها فكأنما يأوي إلى واحة ظليلة أو يلقى صديقا قديما.
стр. 39
ولكن دعنا نصم آذاننا قليلا عن سحره لنتساءل عن قائله: أهو حقيقة آمنة، وهي مهما حدثنا الكاتب عن تلقيها العلم مع خديجة عاما بعد عام حتى ألمت باللغة الفرنسية ذاتها، لا نظنها قادرة على أن تدعو الكروان هذا الدعاء الجميل؟
يقول المؤلف الفرنسي المعروف بومارشيه في مقدمة روايته فيجاور: "في إحدى الليالي ونحن بالمسرح قال لي رجل عظيم الذكاء وإن كان يسرف في ادخاره: أرجوك أن تشرح لي لماذا نجد في روايتك كل تلك الجمل المهلهلة التي ليست من أسلوبك؟
- من أسلوبي يا سيدي؟ لو شاء النحس أن يكون لي أسلوب لحاولت أن أنساه عندما أكتب مسرحية، وأنا لا أعرف أتفه طعما من تلك المسرحيات التي نرى فيها كل شيء جميلا ورديا، كل شيء هو المؤلف نفسه كيفما كان، عندما يتملكني موضوعي أستدعي شخصياتي وأضع كلا في مكانه، وأنا لا أعرف ماذا يقولون، وإنما يعنيني ما سيفعلون وعندما يأخذون في الحركة أكتب ما يملونه عليَّ إملاء سريعا، واثقا من أنهم لن يخدعوني. فلنأخذ إذن في فحص أفكارهم لا في البحث عما إذا كان من واجبي أن أعيرهم أسلوبي".
ونحن وإن كنا نقدر ما في أقوال بومارشيه من إسراف أدبي، وندرك أنه ليس من الممكن أن يترك المؤلف أشخاصه يتحدثون كل بلغته وإلا لأسمعوه العجب، ومن بين أبطال القصة التي بين أيدينا مثلا السيد والخادم والقاهري والبدوي والصعيدي والبحراوي، إلا أنه مما لا شك فيه أن في أقوال بومارشيه جانبا كبيرا من الصحة. وأنه لمن واجب القصاص أن يحتال فيوهمنا بأنه قصته واقعية ليكون تأثرنا أتم. ومن وسائل هذا الإيهام -إن لم يكن من أهم وسائله- تنوع الأسلوب وطبيعته وعدم طغيان المؤلف على شخصياته، وفي "ليالي العمدة" أدلة واضحة على صحة ما نقول، فقد وصف الكاتب مثلا موقف آمنة من أختها التي كتمت عنها خبر سقوطها، فأخذت تحتال لتعرف السر دون أن تنجح، وفيما هما في جوف الليل رأت آمنة أختها واقفة حزينة يائسة، فنهضت إلى جوارها "ومست كتفها مسا رفيقا" وهذا حسن، ولكن المؤلف يأبَى إلا أن يضيف تلك الجملة الرصينة المضحكة "لا تراعي" مع أن "لا تخافي" هي الجملة الواجبة.
ولقد نتج عن عدم اكتفاء الكاتب بتدوين ما تملي عليه شخصياته -كما كان يفعل بومارشيه- أن ظهر تنافر واضح في الأسلوب في بعض المواضع، ففي نفس "الليالي" نرى زنوبة "دلالة" البلدة تدعو آمنة إلى أن تقص عليها سبب حزنها، وذلك لما يبدو عليها من أنها "قارحة، ليس في عينها ملحا". ومع ذلك نجد إلى
стр. 40
جانب تلك الجملة الشعبية الدالة جملة أخرى لزنوبة نفسها هي "أرى على وجهك شيئا يشبه القحة". وكيف يمكن أن تعبر زنوبة تعبيرا فيه كل هذا التحفظ البلاغي والتخفيف في الحكم "شيئا يشبه القحة" هذا أسلوب المؤلف، وزنوبة بريئة منه. ولقد كنا نفضل بدلا من هذا التنافر أن يترجم الكاتب إلى اللغة الفصحى ما يريد من تعابير الشعب، ولقد دل على أنه يملك تلك القدرة، فأنطق زنوبة بقولها للأم وبنتيها في معرض التحدي "ما أنتن أولاء بيننا منذ أمس ولا سمعنا لَكُنَّ صوتا ولا عرفنا من أمركن شيئا"، ولا ريب في أن تعبيره "ما أنتن أولاء" إن هو إلا تعريب للاصطلاح العامي الشديد "وانتوا إيه يا ادلعدي".
ولو أن أسلوب الكاتب كان بطبيعته قريبا من لغة الواقع لهان الأمر، ولكنه أسلوب فني مصنوع، له خصائصه الثابتة، ونحن نترك الآن جانبا ما في هذا الأسلوب من جمال لنقف عندما يعيبه كأسلوب قصصي، وأوضح تلك العيوب أمران:
١- عدم الدقة والتحديد الناتجين إما عن عدم اختيار اللفظ المعبر، وإما عن استعمال أشباه الجمل.
٢- الإسراف الذي نراه أوضح ما يكون في إشباع المعنى أو الإحساس، أو في الصياغة اللفظية التي تلجأ إلى المفاعيل المطلقة على نحو ملحوظ، وفي هذه العيوب ما يبعد به عن مشاكلة الواقع التي رأينا يها مبدأ صارما لا يمكن التسامح فيه.
خذ مثلا حديث الدجالة نفيسة مع آمنة وهي توصيها بأن تذهب إلى قرية قريبة؛ حيث مقام أحد الأولياء، وحيث توجد امرأة لها "قرين" من الجن يستطيع أن يأتي بالأعاجيب، ترى المؤلف الذي يعرف من أسماء الأعلام الشيء الكثير، بل والنادر "كملزمة" اسما للأم، ولا يخصص هذا الولي باسم بل يقول: سيدنا "فلان"، ولا يخصص المرأة بل يقول دار "فلانة"، وفي هذا ما يضعف من الإيهام بالواقع.
ولقد كان يستطيع أن يقول: سيدنا "محمد" ومنزل الشيخة "فاطمة" أو أي اسمين آخرين حتى يوهمنا بأن كل هذا قد حدث فعلا. وكذلك الأمر في استخدامه لأشباه الجمل بدلا من الألفاظ الدقيقة، كتعبيره عن "الشوكة والسكينة" بقوله: "هذه الأدوات التي يعرفها أهل المدن خاصة، بل يعرفها المترفون من أهل المدن خاصة"، وتعبيره عن القطار بـ"هذا الشيء المروع المخيف الغريب، الذي يبعث في الجو شررا ونارا وصوتا ضخما عريضا وصفيرا عاليا نحيفا. والذين يركبونه يستعينون به على أسفارهم، كما يستعين أهل البادية والريف بالإبل حينا وبالحمير حينا آخر وبالأقدام في أكثر الأحيان". هذا مع أن المؤلف يعرف كيف يتصنع السذاجة البالغة
стр. 41
أحيانا، كوصفه لدهشة آمنة عندما سمعت اللغة الفرنسية لأول مرة وتساؤلها كيف يمكن أن تكون هناك لغة غير ما تعرف من لهجة مصر ولهجة الريف ولجهة البدو، حتى لكأنها لم تسمع قط "خرستو" بقال "الناصية" يتكلم اليونانية.
وأما الإسراف فذلك ما يطالعك في أكثر من موقف من مواقف القصة؛ حيث ترى الكاتب يسرف في اللفظ فيذيب الإحساس ويذهب بالتأثير، انظر مثلا إلى هذه المقابلات اللفظية: فصوتها مضطرب "ممزق" "يتمزق" له قلبي كلما ذكرته، وانظر إلى المفعولات المطلقة في قوله: "فهزت جسمها هزا، ثم انهمرت دموعها انهمارا، ثم احتبس صوتها فإذا هي تضطرب اضطربا عميقا". ونحن نفهم المفعولات المطلقة التي تصحبها صفات تحدد من الحدث. وأما تلك التي لا يقصد منها إلى غير التأكيد أو المبالغة فأكبر الظن أن ما قد يساوقها من موسيقى لا يكفي لتبريرها.
وإسراف الكاتب لا يقف عند الأسلوب، بل كثيرا ما يمتد إلى الإحساس ذاته يبسطه حتى يشف. تقول آمنة في وصف مواساتها لأختها بدوار العمدة: "وأنا أجثو إلى جانبها وأضمها إليَّ وأقبلها وأحاول أن أرد إليها الهدوء والأمن وسكون النفس ما وسعني ذلك، حتى إذا مضى وقت غير قصير سكن جسمها بعد اضطراب وانطلقت أنفاسها بعد احتباس، ومضت دموعها تنهمر وآوت إلى ذراعي كأنها طفل قد استسلم إلى أمه الرءوم، واطمأن رأسها إلى كتفي، وقضت كذلك لحظة ما نسيت ولن أنسى عذوبتها.." ولكن أية عذوبة لن تنساها آمنة؟! والأختان في موقف يثير الألم المر. والذي نعرفه عند كبار الكتاب هو الإيجاز في المواقف الحرجة. وأنا أذكر لفلوبير أمثلة عديدة لهذه المواقف. منها قوله في "قلب ساذج" عن أم ماتت ابنتها: "وسارت الجنازة وصعدت مدام أوبان إلى العربة وأرخت الستائر السود" تاركا لنا أن نتصور مبلغ الحزن الذي أخفته تلك الستائر، ومنها قوله عن القديس جوليان الذي قتل أمه وأباه خطأ فلبس مسوح الرهبان: "وسارت الجنازة وكنت ترى رجلا في مسوح راهب يتبع الموكب من مسافة بعيدة منكس الرأس".
وكذلك موقف آمنة وأختها، فقد كنا ننتظر من المؤلف أن يتكفي بأن يشعرنا بما أضنى الأخت المنكوبة من إعياء: "فألقت برأسها إلى كتف أختها" ثم يتركنا نتصور الباقي. وباستطاعة القارئ أن يقارن كذلك بين وصف المؤلف لهذيان آمنة ووصف فلوبير أيضا لسان جوليان ويكفيه ليدرك ما ندعو إليه من وجوب الاعتدال والتركيز أن يوازن بين "ينبوع الدماء"، الذي رأته آمنة في هذيانها و"نقط الدم الصغيرة" التي رآها جوليان تقطر من فراش أبويه عند قتله لهما فلازمته أشباحهما أنَّى ذهب.
стр. 42
ومن غريب الأمر أن نرى المؤلف الذي نأخذ عليه هذا الإسراف يعرف كيف يقتصد، فترى الأسلوب الخاطف والحركة الدراماتيكية السريعة، وإذا بك مأخوذ بما تشهد، وقد علقت أنفاسك، على نحو ما تلقى من كبار الكتاب، ولعل وصفه لمقتل هنادي أن يكون من أقوى تلك المواقف وأنجحها.
ولا تقف عدم مشاكلة الواقع عند أسلوب المؤلف أو طغيان شخصيته؛ بل يمتد إلى بعض وقائع القصة وإلى الطريقة الفنية التي اختارها الكاتب لقصته.
ففي الواقع منذ البدء نلاحظ شيئا غير طبيعي، وهو طرد الأم وبنتيهما محوا للعار بعد قتل عائلهن في مغامرة أخلاقية، أي عار؟ ذلك ما لا نعلمه. والعار لا يلحق في هذه البيئات غير النساء، وما نظن بدو الريف يطردون نساءهم، وعرفهم أن يقتلن المذنبات منهن، وهؤلاء لم يرتكبن إثما؛ ولهذا كنا نفضل أن يحمل المؤلف الأم وبنتيها على الهجرة سعيا وراء الرزق أو ضيقا بالحياة، وأما أن يطردهن أهلن "ويخرجوهن إخراجا" فذلك ما لا عهد لنا به.
وأما عن الطريقة الفنية في القصص فقد اختار الكاتب أن يسوق الرواية على لسان آمنة، وهذه طريقة لا غبار عليها ولكن على شرط أن يأتي القصص طبيعيا مسايرا لنفسية من يقص، ولقد سبق أن رأينا كيف أنه من غير المعقول أن يصدر دعاء الكروان عن آمنة، ونضيف إلى ذلك مثلا آخر واضحا لما اضطر إليه الكاتب من الخروج على ما اشترطنا لكي يصل من التحليل النفسي إلى ما يريد. فآمنة هي التي تحلل شعورها نحو المهندس ونتتبع مراحله، وهي من وضوح الرؤية والجرأة على الحق النفسي بحيث لا نظن صدور مثل هذا التحليل عن فتاة في ثقافتها وطبيعتها النفسية، بل لا نظن أن كثيرا من الفلاسفة أنفسهم يستطيعون أن يجابهوا حقائقهم النفسية في هذه الصراحة والقوة؛ ولهذا نظن أنه ربما كان من الأفضل لو غير الكاتب طريقته في هذا الجزء ليسلم من النقد.
ومع ذلك فنحن حريصون على أن نؤيد ما سبق أن قلناه من أن هذا الجزء من الرواية يعد بلا ريب من خير ما كتب كتابنا. وأروع ما فيه ذلك التدريج المحكم في الكشف عن نفسية الفتاة وتطور شعورها تطورا غامضا غير محسوس من رغبة في الانتقام إلى غيرة خفية فحب للاستطلاع ثم اهتمام فاحتيال حتى إذا وصلت إلى ما تريد من معاشرة المهندس أخذت غرائزها تتلون بشتى المواضعات الاجتماعية التي تخفي حقائق النفس. إن في تاريخ هذا الحب الذي يجهل نفسه ولا يزال يراوغ ويداور حتى يتضح لوثيقة إنسانية عظيمة القدر.
стр. 43
زهرة العمر وحياتنا الثقافية:
١- حمل إلى البريد أمس الكتاب الجديد لتوفيق الحكيم، وهو عبارة عن مجموعة "رسائل حقيقية" كتبت بالفرنسية في ذلك العهد الذي يسمونه "زهرة العمر" وهي موجهة إلى المسيو أندريه، الذي جاء وصفه في "عصفور من الشرق". وقد بدأ الصديقان يتراسلان بعد مغادرة أندريه باريس للعمل في مصانع "ليل" بشمال فرنسا، واستمرت المراسلة إلى ما بعد عودة الحكيم إلى مصر والتحاقه بالسلك القضائي، ثم انقطعت بينهما الرسائل والأخبار وانتهى كل شيء، وجرفهما تيار الحياة كلا في واديه١.
وأما موضوع الرسائل فحياة توفيق الحكيم حياته الفنية: جهاده في تحصيل الثقافة من منابعها الحقة، ومحاولاته في سبيل الخلق الفني، وخواطره في قيمة ما يعمل، وخصائص ما ينتج، ولمحات كثيرة عميقة عن التربية الفنية، ووسائل تلك التربية من تفكير وفن وأدب ورثناها عن الغرب والشرق.
لقد انشرح صدري بهذا الكتاب. وأنا بعد لست بغافل عما يمكن أن يكون في هذا الانشراح من عامل الأثرة، فلقد مرت بي أيام شديدة الشبه بما يقص الحكيم، وفي النفس إيمان بكثير من القيم التي أفنى الكاتب في سبيلها زهرة حياته.
والناقد مهما حاول أن ينحي نفسه عما ينقد لا بد مستجيب لتلك النفس الآمرة في الجهر والخفاء، ولكنني مع ذلك قد أدركت في وضوح أن هذا الكتاب أوسع أفقا وأعمق أثرا من حياة الحكيم وما يشابهها من حيوات. إنه مرحلة من مراحل حياتنا الروحية الثقافية، مرحلة أعتقد أنه سيعيننا على اجتيازها، لا بمادتها، فالأمم لا ينقلها كتاب، مهما غزر تفكيره، بل بتوجيهه، سيجتاز تلك المرحلة من قادة الفكر عندنا من يؤمنون بصدق هذا التوجيه ثم يسايرون خطاه.
стр. 44
وذلك مع تحفظات أبدأ بها لأخلص بعد ذلك إلى قيمة هذا الكتاب الخطيرة. وأولها ما ألاحظ من رهبة الحكيم للحياة، وانطوائه على نفسه، وهو رجل داخلي "لم يتح لي لحظة من لحظات حياتي أن أحزن لحزن الطبيعة، وأبتسم لابتسامها؛ وذلك لأن ما عندي من أزمات داخلية قد شغل قلبي دائما عن الطبيعة، إن عيني مصوبتان دائما إلى أعماق قلبي".
وهذا في الحق ليس إلا جانبا من ظاهرة عامة عند الحكيم، فمن البين أن في نفسه شهوة مسيطرة، هي شهوة الفن، وهذه الشهوة هي مصدر ما يجد من قلق وشك وآلام، ولقد اتفق أن ألقى بنفسه إلى أوربا، وهو المرن التفكير، المفتح النوافذ السلس القياد، السريع التأثر، الوديع المزاج، فإذا بآيات الفنون والآداب تملك عليه أمره ملكا تاما فلا يعود يرى غيرها، وكان في هذا موضع الخطر، فإن المعرفة غير المباشرة من كتب ومحاضرات ومتاحف لم تلبث أن طغت في نفسه على المعرفة المباشرة، فهو يحدثنا أنه كان يفضل البقاء في باريس مكبا على القراءة والتحصيل على أن يصاحب إخوانه المصريين إلى شاطئ بحر أو قمة جبل. وهو يحلل سر أعراضه عن "ساشا" وغيرها -فيما أظن- من فتيات باستغراقه في تغذية نفسه بألوان الفنون. وهكذا تولدت في قلبه رهبة من الحياة التي أصبح يخشى أن تصرفه عن هدفه، فصدف عنه وسائل المعرفة المباشرة من مغامرة في المجتمع، وسياحة في بقاع الأرض، وتقليب البصر في مناظر الجمال والقبح التي نستطيع أن نلاحظها بكل مكان، إذا استطعنا أن ننتزع أنفسنا من انطوائها الداخلي لنشرها في الخارج، على أن نستردها بعد ذلك، أوفر غنى وأرهف نفاذا، ولقد كنا نفهم عندئذ أن يتجه الحكيم اتجاها روحيا صوفيا خالصا، ولكنه لم يفعل؛ وذلك لأن معدن نفسه فيما يبدو لم يخلق للتصوف.
الحكيم مفكر، مفكر في الحياة: حياته وحياتنا، ولكن تفكيره لم ينهض على الملاحظة المباشرة، قارن بينه وبين بلزاك مثلا، تدرك الفرق الواضح لساعتك: بلزاك يفكر بحواسه، أما الحكيم فبعقله، ولا أدل على ذلك من أن تراه يعالج كبرى المسائل الإنسانية علاج من لم تمسه عن قرب استمع إليه يقول عن الحب، هذا اللفظ الخطير الذي لن يبليه ابتذال؛ لأنه جوهر الحياة -جوهر الشباب على الأقل: "يخيل إليَّ أن الحب في هذا العالم عضو سوف يتمكن العلم الحديث من بتره واستئصاله دون أن تخسر الإنسانية شيئا كبيرًا". وفي موضع آخر: "وإنك لنعرف أن للحب مقاما كبيرا عندي في الحياة، في كل حياة، وربما كان الحب هو الشيء الوحيد الجميل الذي نعيش به ومن أجله نحن البشر". ما سر هذا التناقض؟ أو ما
стр. 45
تراه في صدور الرأيين عن العقل؟ أما لحياة فتسخر من كل ذلك. فالحياة لا تعرف الفروض العقلية ومهارة التفكير، الحياة سيل ذو اتجاه واحد١.
هذا المنحى العقلي هو ما سبق أن أوضحته في نقدي لبجماليون، وإنه لمما يشجيني من توفيق الحكيم أن روحه المدركة قد رأت ما رأيت وعبرت عنه في قوة ووضوح "صدقت يا أندريه في قولك: إني أصلح أن أكون رياضيا، وإن أفكاري وتصرفاتي تكاد تسير على طريقة هندسية أو حسابية أو جبرية. هذا صحيح، ولا أدري كيف اهتديت إلى ذلك! أنا مع الأسف كذلك. وهذا ما سوف يهدم كل عمل مسرحي أو فني أحاول إنشاءه، إن إسقاطي الحياة والعواطف كما هي، وكما يراها ويحسها دهماء الناس، وركوني إلى الطريقة الرياضية في تعريف أفكاري وتأملاتي لمصيبة كبرى، وإليك دليلا آخر في قطعة "اللحم" التي أرسلتها إليك. إنك ولا شك لم تجد فيها أية صورة تنطبق على الحياة وعواطف الحياة، ولكن قد وجدتها متمشية مع العقل والمنطق الذي تقتضيه فروض خاصة أنشأتها أنا في البداية، تلك هي الرياضة: فرض وعقل ومنطق. التصوير الحديث أخرج من حسابه العواطف البشرية وجعل أساسه الهندسة والمنطق العقلي الواعي وغير الواعي، والموسيقى الحديثة أيضا.. يا للبلاء! إني أحب الفن الحديث وأقلده أحيانا وأخشاه وأخشى منه على نفسي.."٢.
ودع عنك شك الكاتب في قيمة ما عمل، فهذا الشك لا تعرفه غير النفوس الكبيرة، ودع عنك جهره بهذا الشك، فذلك ما لا يستطيعه إلى الناجحون، ثم انظر معي إلى نمو الروح الهندسية esprit ed geometrie ما يسميها بسكال، عند كتابنا، وطغيانها على ما يسميه نفس الكاتب الفرنسي "روح الدقة" esprit de finesse، ثم ابحث عن أسباب ذلك، أوما ترى أن سيطرة الشهوة العقلية -شهوة المعرفة غير المباشرة- وما استتبع ذلك من انصرافه عن الحياة، وضيقه بها، كما تشهد الصفحات التي يبرم فيها الكاتب من احتكاكه بالمجرمين في حياته القضائية -كانت من أهم الأسباب الموجهة؟ الحكيم سجين نفسه، سجين عقله.
ولقد حاول كاتبنا الذكي أن يرى في بنائه لموضوعه وتصريفه للحوار أسلوبه الخاص، ولكننا نلاحظ ما سبق أن وضحناه، وهو أن بناءه لقصصه ومسرحياته رائدة دائما الفكر، والحياة لسوء الحظ أشد نفورا من أن تنطوي تحت خط من خطوط العقل. والشخصية الروائية -مهما آمنا بالجبر الداخلي لا بد ممزقة- في الحياة كل منهج مرسوم. أولا ترى إلى كاتب كدستيوفسكي كيف تتدفق بعض
стр. 46
رواياته -"العبيط" مثلا- كما يتدفق سيل الحياة لا يحده شاطئ ولا يسجنه مهد. والحكيم كرجل تفكير لم يعد يرى للصورة جمالا يعتد به، فاللغة عنده "أداة يسيرة لنقل الأفكار النبيلة"١.
والأسلوب عنده هو روح الكاتب وشخصيته ومنهجه في التأليف، وهذا حق ولكنه ليس كل الحق، فهناك أيضا فن العبارة، وما ينبغي أن تدفعنا ثورتنا المشروعة على أدب اللفظ الذي أفسد حياتنا الروحية قرونا طويلة إلى تحطيم ذلك الفن، فالسجع والتكلف الأجوف -كما عهدناهما- لا يقدحان في المبدأ العام الذي تنهض على أساسه جميع الفنون وأعني به فن الأداء، ونحن لا نقول كما قال مذهب من المذاهب الحديثة: إن اللغة كمقاطع الرخام يصاغ منها الأدب، كما تنحت التماثيل، ولكننا نؤمن - ويجب أن نؤمن- أن الكثير من الأفكار الرائعة والأحاسيس العميقة تفقد من جمالها إن لم تفقده كله، إذا عريت عن جمال الصور، بل إن التفكير والإحساس كثيرا ما يضيعان إذا عجزنا عن إسكانهما اللفظ الدال، وكم من كتاب يحدثنا عن موضع الصعوبة في الخلق الفني الإنساني، فنجده في الاحتيال على الفكر أو الإحساس حتى يطمئن إلى اللفظ، وليس من شك في أن سر الخلود في الكثير من عيون الأدب يرجع جانب كبير منه إلى خصائص الصياغة، ولا أدل على ما نقول من استحالة ترجمة الشعر الخالص٢.
وهكذا نستطيع أن نجمل التحفظات التي نراها:
١- عدم الإمعان في الحياة طلبا للمعرفة المباشرة.
٢- شدة وطأة التفكير الرياضي وعدم تنمية روح الدقة التي ترى التفاصيل والمفارقات وتحرص عليها لدلالتها الإنسانية لا لتأييدها لفكرة عامة أو اتجاه مسيطر.
٣- عدم الإيمان بجمال الصياغة والشكل Le culte de la forme مع أنه إيمان بالجمال المطلق، ولنذكر قول أفلاطون: "لو صيغت الحقيقة امرأة لأحبها جميع الناس".
هذه هي مواضع نقدي للكتاب وصاحب الكتاب. حرصت على البدء بها لأني أقدر مبلغ الأثر الذي سيحدثه هذا الكتاب في النفوس، كما أقدر قوة كاتبه، وقد خشيت أن يحتاج المؤلف القراء فيما هو محق فيه وغير محق، ولا شك في أن القارئ عندما يقرأ الكتاب -وهذا ما أرجوه أن يفعله- سيحس بإيمان كاتبه إيمانا
стр. 47
لا يدفع، إيمانا مخلصا من نفس مخلصة، ثم كم فيه من ضياء! كم فيه من فهم عميق سليم لمعنى الثقافة الإنسانية!
هذا الكتاب سيمثل -كما قلت- مرحلة من مراحل حياتنا الروحية والثقافية، وذلك ما سأبينه. وأما ما سبق فلست أتجه به لغير ملكة النقد عند القارئ، وهناك ملكة أخرى هي التي أدعو القارئ إلى أن يتناول بها هذا الكتاب، تلك هي ملكة الفهم بل ملكة المشاركة في الحس والإيمان.
٢- "قد تسألني أليس في مصر طبقة من المستنرين؟ نعم في مصر بيئة مستنيرة. فيها كثيرون عاشوا في أوربا وعرفوا الثقافة الأوربية، وفيهم من يعرف الفن الأوربي ويتكلم عن المصورين والتصوير، ومن يتكلم من برامس وباخ وهاندل، ولكن من النادر أن تجد بين هؤلاء من عرف أن الثقافة العقلية الحقيقة شيء والكلام فيها شيء آخر، وقليل من هؤلاء من أدرك أن الثقافة العقلية وحدها ليست كل شيء. الثقافة الكاملة شيء أوسع من ذلك بكثير. إن هؤلاء المتكلمين في الموسيقى والتصوير والفنون يعرفونها برءوسهم ولا يدركونها بحواسهم. إن المطلوب للثقافة ليس مجرد المعرفة، بل الإحساس والتذوق والتغذي بمختلف الفنون. ما قيمة الكلام عن بيتهوفن إذا كانت أعماله لا تهز نفسك هزا؟! وما معنى الحديث عن رفاييل، أو فلمنج أو روباننس أو بوتشيللي إذا كانت صورهم لا تعمر رءوسنا ليل نهار، وتحدث ألوانهم وأصباغهم في نفوسنا الأحداث؟! الثقافة ليست كلاما نملأ به الرءوس، ولكنها يقظة الملكات كلها والحواس إذا سلمت بقولي هذا فلا أبالغ إذا قلت لك: إنه ليس في مصر عدد أصباع اليدين من المثقفين ... " "ص١٢٣".
هذه الحقائق الكبيرة هي الدرس النهائي الذي تتمخض عنه "زهرة العمر". ولكي ندرك معناه البعيد يجب أن نحدد المرحلة التي وصلنا إليها اليوم، وأن نتبين العناصر المكونة لثقافتنا الحالية، والأمر واضح، فهناك منبعان كبيران لتفكيرنا الحالي، بل لحياتنا الروحية كلها.
وأما المنبع الأول فهو بعثنا لثقافة العرب في عصورها الأولى، فمصر المعاصرة ليست استمرارا لمصر الإسلامية، وهذا أمر لا يحتاج إلى دليل، فأجيالنا الناشئة أكثر معرفة وتغذية -اليوم- بامرئ القيس وجرير والبحتري مثلا منها بالبوصيري والبهاء زهير بن نباتة المصري. ونحن أكثر قراءة
стр. 48
للأغاني والأمالي منا لنهاية الأرب أو صبح الأعشى.
نعم أن مصر الإسلامية قد آوت الثقافة العربية يوم فرت من وجه المغول، ولكنها كانت ثقافة فاترة منحلة سطحية. ولقد كان في ظروف مصر السياسية والاجتماعية ما زاد تلك الثقافة ضعفا، حتى أصبحت إما دراسات وحواشي وتعليقات وتصانيف، أو أدبا إنشائيا متكلفا لفظيا لا تدب فيه الحياة إلا بمقدار. والذي لا شك فيه أننا لم ننتعش إلا عندما بدأت حركة البعث للقديم. ولعل البارودي أن يكون أول ثمرة لذلك البعث إن لم يكن رائده بمختاراته وديوانه، وذلك في مجال اللغة وفن الشعر، كما أن جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده قد جددا من شباب الإسلام بدعوتهما إلى الرجوع إلى التقاليد الصحيحة والعدول عن الخرافات التي كانت قد أوشكت أن تقضي على حياتنا الروحية.
لقد حدث في مصر في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، ما يشبه إلى حد ما حركة البعث العلمي التي ازدهرت بأوربا في القرن التاسع عشر، حدث رجوع إلى القديم وبعث له، وكما أحيا الأوربيون تراث روما وأثينا كذلك أخذنا نحن نحيي تراث مكة والمدينة ودمشق وبغداد، وكذلك الأمر في المجال الروحي، فحركة جمال الدين الأفغاني والأستاذ الإمام قد صدرت عن روح شديدة الشبه بالروح التي صدر عنها لوثر وكلفن وزونجلي. هذا هو المنبع الأول نشير إليه ولكنه ليس موضع حديثنا اليوم.
وإنما نريد أن نتمهل عند المنبع الثاني الذي ينقلنا كتاب الحكيم إلى مرحلة جديدة من مراحله، ونعني به المنبع الأوربي الغربي، والملاحظ في تاريخنا الطويل أن مصر كانت بؤرة للثقافة اليونانية لمدة عشرة قرون كاملة "من ٣٣٠ق. م-٦٤٠م" أعني مدة البطالسة والرومان وبيزنطة، وهذا زمن طويل حتى في حياة الأمم.
ومن المعلوم أنه خلال تلك المدة كلها كانت لغة الثقافة والإدارة هي اللغة الإغريقية، وأن اللغة اللاتينية لم تستعمل إلا في الجيش. ومراسلات الحاكم مع الإمبراطور أيام الحكم الروماني. ولقد كان لنا أن ننتظر انتشار الثقافة الإغريقية بمصر بين المصريين، ومع ذلك فإن شيئا من هذا لم يحدث، فمصر لم تصبح إغريقية في يوم ما، كما أصبحت فيما بعد عربية بسرعة مدهشة، فلقد ظل المصريون بعيدين عن الإغريق، ظلوا يتكلمون اللغة المصرية ويكتبون الكتابة الديموتيقية، كما ظلوا متمكسين بدينهم وثقافتهم الموروثة، وهم لم يتخلوا عن شيء من خصائصهم الروحية إلا أمام المسيحية، ولا غرابة في ذلك، فلقد كان الشعب المصري طوال هذا الزمن في بؤس مادي وبؤس روحي
стр. 49
بالغ الفقر، ولقد كان المصريون يبغضون الإغريق والرومان قدر بغض هؤلاء لهم، ولم يحدث قط أن امتزج الشعبان، كما امتزج المصريون والعرب فيما بعد.
وفي الحق إنها الظاهرة عجيبة، فألف عام كانت كفيلة بأن تبذر بذور الثقافة اليونانية في بلادنا، ولكننا لا نجد أثرا لتلك البذور، ولقد انقضى ذلك الزمن بفتح العرب لمصر، وإذا بنا نرى الدواوين تعرَّب بعد ستة وستين عاما فقط من هذا الفتح، وسرعان ما اختفت اللغة الإغريقية بل واللغة المصرية، وأصبحت مصر بلدا عربيا وإسلاميا. ولكنه إذا كانت مصر لم تتأثر باللغة الإغريقية عن طريق مباشرة، فإنها لا ريب قد ورثت هذا الأثر فيما ورثت هذا من ثقافة العرب، ومن المعلوم أن العرب قد نقلوا فلسفة اليونان وبخاصة فلسفة أرسطو ودرسوها، بل نموها ثم أعادوها إلى أوربا خلال القرون الوسطى.
ورثت مصر إذن الفلسفة الإغريقية مع ما ورثت من تراث عربي، ولكنها لم تضف إلى هذا التراث خلقا جديدا يعتد به. فليس لدينا فلاسفة مصريون، نذكرهم مع الفاربي أو ابن رشد أو الغزالي.
والأمر في الأدب كالأمر في الفلسفة، فأدبنا المصري العربي قد انفصل عن التفكير الإنساني؛ بل الحياة الإنسانية بمعناها العميق.
ولقد استمرات تلك الحالة إلى سنة ١٧٩٨، وتلك سنة خطيرة في تاريخنا السياسي والروحي معا؛ وذلك لأننا خرجنا فيها عن وحدتنا وابتدأنا نتصل بأوربا ونفتح نوافذنا على العالم الحي. لقد كان للحملة الفرنسية في حياتنا من هذه الناحية أبلغ الأثر. ولا شك في أنها كانت من الأسباب التي وجهت نظر محمد علي إلى الغرب عامة وفرنسا بنوع خاص، فأوفد إليها البعثات، وكانت حركة مباركة في الترجمة، نهض بها رفاعة الطهطاوي وتلاميذه في مدرسة الألسن، ولقد استمرت تلك الحركة إلى يومنا هذا، بل لعلها أخذت في التزايد، كما انتشرت معرفة اللغات الأجنبية بيننا حتى رأينا من شعرائنا وكتابنا من يجيدها كشوقي وإسماعيل صبري وغيرهما؛ ولكنه بالرغم من ذلك لم تتغير حياتنا الروحية الثقافية حتى السنوات الأخيرة تغيرا يذكر، والسبب في ذلك هو أن اتصالنا بأوربا قد تم على نحو ما اتصل العباسيون بالثقافة الإغريقية، فالذي استطعنا أخذه إنما هو التفكير الأوربي، وأما الأدب وغيره من الفنون فذلك ما لم نستطع أن نتمثله، والذي لا شك فيه أن التفكير المجرد لا يكفي لأن يكون منبعا لثقافة جديدة دائمة التدفق. والأدب والفن على العكس من ذلك خليقان بأن يفجرا في النفس ينابيع جديدة؛ وذلك لأن تمثلهما معناه تمثل نوع جديد
стр. 50
من الحياة، وليس أدل على ذلك مما نجده من صعوبة في ذلك التمثل، ونحن على ثقة من أن العباسيين لو أنهم استطاعوا نقل الأدب اليوناني وهضمه لتغير التاريخ الثقافي للعرب. ولكن كيف كانوا يستطيعون ذلك، وهم لم يقروا على غير أرسطو من الفلاسفة؟! فأفلاطون نفسه لم يعرفوه معرفة عميقة، وذلك لسبب بيِّن هو أن فلسفة أفلاطون فلسفة حيوية شعرية، من دعائمها الصور والأساطير، وتلك أشياء كانت بعيدة عن محيط العرب العقلي والشعوري، وأما أرسطو فيمثل الروح الرياضية، روح التفكير المجرد الذي يستطيع كل عقل أن يدركه.
ونحن في عصرنا الحاضر نستطيع أن نجاري التفكير الأوربي أو أن نضيف إليه إضافات حقيقية إذا اكتفينا بنقل هذا التفكير؛ وذلك لأن الفكرة التي تبنى على فكرة أخرى لا تلبث أن تنحل متعثرة في فتات المنطق، وإنما التفكير الخصب هو الذي نستمده من الحياة ونبنيه على الواقع، وعلى هذا لا يكون لنا بد إذا أردنا أن نجدد حياتنا الروحية من أن نغير من مقومات تلك الحياة واتجاهاتها وقيمها، وهذا لن يكون إلا إذا تغذينا بالآداب والفنون الأوربية من تصوير ونحت وموسيقى.
هذا الغذاء الروحي الجديد هو ما يدعونا إليه توفيق الحكيم في "زهرة العمر"، وهو بهذا يدعونا إلى مرحلة جديدة من مراحل حياتنا الروحية. ونحن لا ريب ندرك ما في هذا من مشقة، فثمة طبائع متأصلة وعادات راسخة واتجاهات نفسية عميقة، تنهض في سبيل تلك الدعوة، ونحن لا نجهل أيضا أن كافة النفوس ليست في مرونة نفس الحكيم وغيره من النفر القليل الذين أفادوا من إقامتهم بأوربا إفادة حقيقة، ومن حولنا عشرات منهم بل مئات ممن قضوا السنوات الطوال بالغرب، ثم عادوا وقد تكون برءوسهم نظريات كثيرة وآراء لا تُحصى، ولكنهم لم يتمثلوا الحياة الأوربية والإحساس الأوربي والثقافة الأوربية بمعناها الصحيح، هذه كلها صعوبات لا شك فيها، ولكننا مع ذلك غير يائسين من الوصول إلى حالة خير من حالتنا الراهنة، وأنا على تمام الثقة من أن كتاب الحكيم سيثير في نفوس قرائه تشوقا حارا للثقافة الحقيقية، وبخاصة في نفوس الشباب الذين لا يزالون في دور التكوين، وهذا هو سر انشراح صدري للكتاب.
والذي أحرص عليه في خاتمة هذا النقد هو ألا يضيق القارئ نفسا بما يحس من تبرم الكاتب بحياتنا المصرية الراهنة، فتلك حالة نفسية قد يصعب فهمها على من لم ينفذ من الثقافة الأوربية إلى مثل ما نفذ إليه الحكيم، ولكنني أؤكد -عن خبرة- أن تبرم الحكيم له ما يبرره. وما ينبغي أن نطلبه إلى الكاتب إنما هو الإخلاص والإيمان بما يقول إيمانا قلبيا. والحكيم هو ذلك الكاتب.
стр. 51
الأدب المهموس
الشعر المهموس " أخي" لميخائيل نعيمة
"أخي" لميخائيل نعيمة
...
الأدب المهموس:
١- الشعر المهموس:
"أخي" لميخائيل نعيمة:
أظن أنه قد حان الحين لنوضح ما نبغي من تلك الألفاظ العامة التي كررناها غير مرة طالبين إلى شعرائنا وكُتَّابنا أن يأخذوا بها إذا أرادوا أن يسموا نفوسنا، نريد أدبا مهموسا أليفا إنسانيا، وها نحن اليوم نعرض نموذجا له.
الهمس في الشعر ليس معناه الضعف، فالشاعر القوي هو الذي يهمس فتحس صوته خارجا من أعماق نفسه في نغمات حارة، ولكنه غير الخطابة التي تغلب على شعرنا فتفسده؛ إذ تبعد به عن النفس، عن الصدق، عن الدنو من القلوب. الهمس ليس معناه الارتجال فيتغنى الطبع في غير جهد ولا إحكام صناعة، وإنما هو إحساس بتأثير عناصر اللغة واستخدام تلك العناصر في تحريك النفوس وشفائها مما تجد، وهذا في الغالب لا يكون من الشاعر عن وعي بما يفعل، إنما هي غريزته المستنيرة ما تزال به حتى يقع على ما يريد. الهمس ليس معناه قصر الأدب أو الشعر على المشاعر الشخصية، فالأديب الإنساني يحدثك عن أي شيء يهمس به، فيثير فؤادك، ولو كان موضوع حديثه ملابسات لا تمت إليك بسبب.
دعنا ننظر في "أخي" قصيدة ميخائيل نعيمة، فعنده سنجد ما نريد، كنوزا لا مثيل لها في لغتنا، كنوزا تثبت في المقارنة لأروع شعر أوربي.
قصيدة وطنية قيلت في أواخر الحرب الماضية أو بعدها، فهي إذن مما نسميه أدب الملابسات الذي كثيرا ما نتناقش في إمكان اعتباره أدبا خالدا أم لا، وفي فنائه بانقضاء ظروفه أم بقائه بعدها، بل في طبيعة هذا البقاء، أهو على نحو ما تبقى الوثائق التاريخية مغبرة في دار المحفوظات أم كأدب دائم الحياة دائم الهز للنفوس.
أخي؟ إن ضج بعد الحرب غربي بأعماله
وقدس ذكر من ماتوا وعظم بطش أبطاله
فلا تهزج لمن سادوا ولا تشمت بمن دانا
стр. 52
بل اركع صامتا مثلي بقلب خاشع دام
... لنبكي حظ موتانا
نفس مرسل وموسيقى متصلة، فالمقطوعة وَحْدَة تمهد لخاتمتها، وفي هذا ما يشبع النفس، ألا ترى كيف يعدك للصورة التي يدعوك إلى مشاركته فيها! إذا ضج الغربي بأعماله وقدس موتاه وعظم أبطاله فلا تهزج للمنتصر، ولا تشمت بالمنهزم؛ لأنه لا فضل لك في هذا ولا ذاك، وما أنت بشيء، وأنت أحق بأن تحزن، وأجدر بأن يخشع قلبك فتركع صامتا لتبكي موتاك، أية ألفة في الجو، وأية قوة في إعداده؟
"أخي" فأنا إذن شريكه في الإنسانية، وأنا قريب منه وهو قريب مني، ومتى قربت استطاع أن يهمس لأنني سأسمعه، وسيشجيني صوته الرقيق القوي المباشر، وهو ينقل إلى قوة إحساسه بفضل قدرته على اختيار اللفظ الذي يستنفد الإحساس "إن ضج غربي بأعماله" والضجيج لفظ بالغ القوة لجرس حروفه وقوة إيحائه، وهو يضج "بأعماله" لا "بالمبالغات الكاذبة". الغربي "يقدس ذكر من ماتوا" وهذه ألفاظ لينة جميلة مؤثرة غنية فيها قدسية الدين، فيها نبل الوفاء، فيها جلال الموت. مشاعر شتى تجتمع إلى النفس ثروة رائعة, وهو "يعظم بطش أبطاله".
أي قوة في تتابع هذه الحروف المطبقة ظاء ثم طاء وطاء. أعد هذه الجملة على سمعك ثم أنصت إلى قوتها التي تملأ فمك، كما تملأ الأذن، ثم إن التعظيم غير التحية أو التبجيل، والبطش غير الشجاعة أو الإقدام. البطش شيء يصعق وهو يدعوني إلى "ألا أهزج لمن سادوا". والهزج غير الفرح الهزج غناء، والسيادة لفظ حبيب إلى النفس مثال تهفو إليه؛ ولهذا فهو يحركها وله فيها أصداء مدوية "ولا تشمت بمن دانا" والشماتة شعور خسيس تركز في هذا اللفظ لكثرة مروره بنفوسنا جميعا، لفظ يحمل شحنة من الإحساس، وما أحقرها شماتة تلك التي نستشعرها لمن دان! نعم ما أحقر أن نشمت من جثة هامدة! بل ما لي أضعف من قوة الشاعر. وفي قوله: "من دانا" ما يثيرني فوق ما تثيرني الجثث والأشلاء؟ لأن "من دانا" قد ذل، والذل أشق على النفس من الموت، والموت كرامة إذا لم يكن بد من الهوان.
ليس لي إذن أن أهزج لمن ساد، أو أن أشمت بمن دان، وإنما علي أن أركع مثل الشاعر، صامتا بقلب خاشع دام لنبكي حظ موتانا. وهذه نغمات دينية. ونحن بشر تستطيع أقلامنا أو ألسنتنا أو عقولنا أن تهذي كما تشاء، وأما قلوبنا فمؤمنة، واللهفة إلى الله لا تكاد تفارقنا حتى تعود إليها، وبخاصة إذا قست
стр. 53
علينا الحياة أو قسونا نحن على أنفسنا، وها نحن اليوم يقودنا الألم إلى كنف الله، الغربي يقدس ذكر موتاه ويعظم بطش أبطاله، فما لي أنا أهزج لمن ساد وأشمت بمن دان وما أنا بشيء؟ وإنه لعزيز على كل نفس ألا تكون شيئا، وما أخلقني عندئذ أن ألتمس رحمة ربي أنا وأخي الذي يجمعني به الألم الإنساني المشترك، ذلك الذي لا يعرف وطنا ولا قومية. ونحن سنركع صامتين، خاشعة قلوبنا الدامية، أنصت إلى كل هذه الكلمات! أنصت إليها واستشعر جلالها! استشعره بقلبك ثم تصور الصورة وما فيها من جمال التصوف ورهبة الدين ونبل الخشوع الصامت الدامي. سنركع صامتين لأن الله سيعمر قلوبنا، وقد خلت إلا منه، صامتين لأن خشوع الموت سيلمؤنا رهبة وهو بعد موت قد حرم حتى العزاء، موت يدمي القلوب ويعقد اللسان؛ لأن إخواننا لم يصيبوا مجدا ولا رفعوا للوطن ذكرا، الموت محنة فكيف به إذا لم يخلف عزاء؟! كيف به إذا لم يرفع من قلب أو يخلد أثرا؟! تعالَ إذن بنكِ حظ موتانا، حظهم المؤلم التعس المحزن.
هذا هو الشعر الذي لا أعرف كيف أصفه؟ فيه غنى صادر عما تحمل الألفاظ من إحساسات دقيقة صادقة قريبة من نفوسنا، أليفة إليها، إحساسات ركزناها منذ أجيال، عزة الغربي المجاهد الشجاع اليقظ، ثم ألمنا وقد أصبحنا لا نجد أمامنا سوى الركوع خاشعين والبكاء في صمت على إخواننا المهدرين، وتتزاوج المشاعر المختلفة فتزداد قوة، أولا ترى كيف أن ضجيج الغربي بأعماله وتقديسه لذكر موتاه وتعظيمه لبطش أبطاله قد زاد من حزننا مرارة؟ وأخيرا فيه الموسيقى: الشعر من "الوافر" ولكنه متصل باتصال الإحساس حتى لا أكاد أرى فيه ذلك الإيقاع rythme الذي يفسد الكثير من موسيقى شعرنا عندما تستقل الأبيات: موسيقاه مما يسميه الأوربيون ترنيما melodie وفي هذا ما يماشي الحزن المتصل والألم الخشوع:
أخي إن عاد بعد الحرب جندي لأوطانه
وألقى جسمه المنهوك في أحضان خلانه
فلا تطلب إذا ما عدت للأوطان خلانا
لأن الجوع لم يترك لنا صحبا نناجيهم
... سوى أشباح موتانا
وها نحن من جديد أنا وأخي، نشهد الجندي يعود إلى أوطانه، ومن اغترب يعرف معنى هذه العودة، فما بالك إذا كانت عودة ستنقذك من مخالب الموت؟
стр. 54
والجندي يعود مكللا بعزة النصر، فيلقي جسمه "المنهوك" في "أحضان خلانه"، لست أدري ما مصدر التأثير في البيت، أهو في هذه المدات الثلاث: "منهوك - أحضان - خلان" التي توحي بالتأسي والراحة والحنان، أم هو في إلقاء المنهوك جسمه بين أحضان خلانه؟ جسم منهوك "يلقي" بين الأحضان، أي صدق في العبارة؟ وأي صدق في التأثير؟ ثم أي تجسيم الصورة التي نكاد نراها؟ وأما نحن فسنعود من الحرب منهوكين، كما يعود كل الجند، ولكننا لن نلقى خلانا تتلقانا أحضانهم، وأنَّى لنا بهم والجوع لم يترك لنا صحبا نناجيهم سوى أشباح موتانا؟ أبعد هذا نختلف في حقيقة الشعر، ونروح نهذي بفحولة العبارة وجدة المعنى، وإشراق الديباجة؟ أبعد هذا نتخبط في معنى الأدب، فيذهب البعض إلى أنه الحث على مكارم الأخلاق والعدل الاجتماعي وإصلاح النظم، ويذهب آخرون إلى أنه الأفكار العظيمة والتفكير الكبير والصنعة المدهشة والأسلوب الفني!!
أخي! إن عاد يحرث أرضه الفلاح أو يزرع
ويبني بعد طول الهجر كوخا هذه المدفع
فقد جفت سواقينا وهد الذل مأوانا
ولم يترك لنا الأعداء غرسا في أراضينا
... سوى أجياف موتانا
أية بساطة في التصوير؟ وأي قرب من واقع الحياة؟ تلك التي تعضني وتعضك: حياة الفلاح الذي يحرث ويزرع بعد أن يبني "كوخه" من جديد؛ وأما نحن فقد "جفت سواقينا"! عبارة ساذجة، ولكن كم لها في النفس من أثر. سواقينا التي ألفناها. سواقينا العزيزة التي خلفها لنا الآباء. لقد "هد الذل مأوانا" ثلاثة ألفاظ قوية نافذة جبارة، لا تستطيع أن تستبدل بأي منها غيره دون أن تفسد الشعر وتذهب بقوته، "هد الذل مأوانا" فهو لم يهدمه، والهدم شيء مبتذل. "هد" لفظ موجز مركز موحٍ مصور. وهو قد هد مأوانا، فلم يهد بيتنا ولا دارنا ولا منزلنا ولا قريتنا بل ولا وطننا، هد مأوانا الذي نحتمي به ونستر خلف جدرانه آلامنا، ثم ما الذي هد هذا المأوى؟ إن الحرب لم تهده، وإلا لبنيناه من جديد، كما سيبني فلاح الغرب كوخه، هده الذل، لفظ دال ثقيل، ثقيل كالصخر، لفظ بغيض مخيف مثير، هد الذل مأوانا، ولم يترك لنا الأعداء غرسا في أراضينا غير أجياف موتانا، وما آلمه من غرس! تلك الجثث الهامدة، التي ترقد تحت التراب في غير مجد ولا عزاء.
أخي! قد تم ما لو لم نشأه نحن ما تما
стр. 55
وقد عم البلاء ولو أردنا نحن ما عما
فلا تندب فأذن الغير لا تصغى لشكوانا
بل اتبعني لنحفر خندقا بالرفش والمعول
... نواري فيه موتانا
ودع عنك ما في قوله: "تم ما لو لم" فهذه أربعة أو خمسة مقاطع متلاحقة منفصلة كثيرة الميمات صعبة النطق في انسجام، ثم انظر فيما دون ذلك "فالبلاء قد عم" ألفاظ قوية تعبر عن إحساس قوي، وما ينبغي لنا أن نندب وإلا أضفنا الحمق إلى الألم، ومتى أنصتت أذن الغير إلى شكوى الناس، وبخاصة إذا كان هؤلاء الناس ممن لا يهمهم أمرنا؟ وإذن فليس لي إلا أن آخذ الرفش والمعول، وأن أتبع أخي الذي يدعوني في أسى إلى أن نواري موتانا، من منا لا يرى هذه الصورة المحزنة؟ من منا لا يحس بدعوة الأخ لأخيه؛ كي يتبعه وقد سار إلى الجثث الملقاة في العراء في خطى متناقلة، معوله على كتفه وأخوه من خلفه واجم النفس حزين الفؤاد؟
والشاعر لا يكتفي بالأموات؛ بل يهم بضم الأحياء إليهم، وقد تهيأ الجو وحميت الأنفاس فإذا به في القمة. تأتي القصيدة في وحدة موسيقية نفسية تنتظم مقطوعات موحدة لا يزال بعضها يكمل البعض، تنمو بنمو الإحساس المتصاعد إلى الأشباح حتى تستقر نفس الشاعر:
أخي! من نحن، لا وطن ولا أهل ولا جار
إذا نمنا، إذا قمنا، ردانا الخزي والعار
لقد خمت بنا الدنيا كما خمت بموتانا
فهات الرفش واتبعني لنحفر خندقا آخر
... نواري فيه أحيانا
وهذه هي المقطوعة الأخيرة التي بلغت غاية الألم. ولكني لست أدري هل توحي إلى القارئ بما توحي به إليَّ أم لا؟ إني أحس فيها إثارة لهمتي وتحريكا لمعاني العزة في نفسي. فأنا لا أومن بأن الدنيا قد خمت بنا، كما خمت بموتانا، وأنا لا أرضى أن أواري التراب حيا. إن في هذه النغمات ما يلهب وطنيتي بل إنسانيتي، وهكذا تنتهي القصيدة إلى هذا الدرس النبيل، والشاعر بعد لم يعظ ولم يشد بالوطنية، ولا دعاني إلى شيء من تلك المعاني الضخمة التي نتشدق بها، وإنما أشعرني ببؤسي و"ما لي وطن ولا أهل ولا جار" وما أرتدي أن نمت أو قمت غير رداء الخزي والعار. لقد هم الشاعر بأن يدفنني حيا، فنفرت عزتي وهاجت شجوني. إنني أقوى نفسا وأعز جانبا، وأحمى شجاعة وإن كانت قد أدركت بؤسي، بل ربما لأنني قد أدركت مدى ذلك البؤس.
والآن أليس هذا هو الشعر المهموس الذي ندعو إليه؟ أليس هذا هو الشعر الإنساني الذي نهتز لنغماته؟ إن بينه وبين الكثير من شعراء مصر قرونا، وإنه لمن الظلم أن يرتفع بعد ذلك بصوت يحاول أن ينكر على هؤلاء الشعراء -نعمية وإخوانه بالمهجر- أنهم هم الآن شعراء اللغة العربية، وأن شعرهم هو الذي سيصيب الخلود.
стр. 56
" يا نفس" لنسيب عريضة:
حاولنا أن ندل على ما في قصيدة ميخائيل نعيمة "أخي" من عناصر إنسانية نعتقد أنها كفيلة بأن تضمن لها الخلود بين الناس كافة رغم ما قيلت من ملابسات خاصة، وها هي قصيدة أخرى لنسيب عريضة تخللها؛ لأنها تحرك عدة مسائل لا بد من أن نجلوها بضرب المثل: منها الغموض والوضوح، ومنها مشكلة العبارة وما يأخذه البعض ظلما على شعراء المهجر من هلهلة النسيج، ثم إن فيها إشارات كثيرة إلى نظريات فلسفية معروفة، ومع ذلك استطاع الشاعر بقوة إحساسه وروعة صوره أن ينجو بها عن استواء الأفكار المجردة، وأخيرا فيها ما يمكننا من معالجة العناصر الموسيقية في الشعر العربي وكيفية استخدامها.
القصيدة حديث يخاطب به الشاعر نفسه:
يانفس ما لك والأنين؟ ... تتألمين وتؤلمين؟!!
عذبت قلبي بالحنين ... وكتمته ما تقصدين
وها نحن منذ المقطوعة الأولى في جو شعري. وننظر في السؤال "يا نفس مالك والأنين؟ " فلا ندري أهو عتاب أم لوم أم شفقة؟! وهي تتألم وتؤلم على نحو لا نعلمه، ولكننا نحس بصدق الشاعر، وهي تعذب القلب بالحنين وتكتمه ما تقصد، حنين إلى المجهول. ومن عجب أن تكتم النفس ما تجهل! ثم هل هي غير القلب؟ هل هي تعارضه؟ أسئلة لا محل لإلقائها، وما يجوز أن نبحث لها عن حلول توضحها، وإلا ضاع جمال الشعر، حالة نفسية غامضة لا نستطيع إداركها بعقولنا؛ لأنها أعمق من أن تجتلى وأغنى من أن تنثر، نفس تشع.
стр. 57
قد نام أرباب الغرام ... وتدثروا لحف السلام
وأبيت يا نفس المنام ... أفأنت وحدك تشعرين!
الليل مر على سواك ... أفما دهاهم ما دهاك!
فلمَ التمرد والعراك؟ ... ما سور جسمي بالمتين
وبذا نسير إلى قلب الفكرة الفلسفية التي ترى الجسم سجنا للنفس: فكرة إغريقية قديمة، ومع هذا تكسبها الحركة خفة الشعر، "الليل مر على سواك" تقرير يعقبه "أفما دهاهم ما دهاك؟ " استفهام لا نستطيع أن ندرك معناه، وإن كان في السؤال الآخر: "فلم التمرد والعراك؟ " ما يشعر بأنه إنكاري، وأخيرا تأتي القافلة "ما سور جسمي بالمتين" منفية مؤكدة في قمة يقف عندها النفس ويطمئن السيل الموسيقي، وهكذا بالمرور من الخبر إلى الإنشاء ثم العودة إلى الخبر، قد استطاع الشاعر أن يخلق تلك الحركة التي تحاكي ما بنفسه من اضطراب.
وتنصت إلى الموسيقى، فإذا هي أجمل ما في القصيدة، وفي الحق أن شعراء المهجر قد جددوا موسيقى الشعر العربي تجديدا يستحق أن نطيل فيه النظر، نحن الآن إزاء بحر تقليدي "مجزوء الكامل"، ولكن انظر كيف استخدمه الشاعر. فالوحدة لم تعد البيت بل المقطوعة "قد نام ... تشعرين"، وفي كل مقطوعة نجد أربعة أشطر، الثلاثة الأول يقفي بعضها البعض، وأما الشطر الرابع الذي نسميه "القافلة" فيقفي القوافل الأخرى، وعلى هذا النحو تطرد القصيدة، كل وحدة تتكون إذن من ثماني تفاعيل تسيل إلى أن توقفها القافلة النونية الساكنة، ثم تعود فتستأنف سيرها في المقطوعة التالية إلى أن تقف. وكان من دقة إحساس الشاعر أن وقع على الكامل المتساوي التفاعيل؛ وذلك لأن الإضمار "إسكان الثاني المتحرك"، ليس في الحقيقة زحافا، وهو لا ينقص شيئا من كم التفعيلة، وإنما يستبدل مقطعين قصيرين "متفاعلن" بمقطع واحد مغلق "متفاعلن" يبلغ في الكم مبلغ المقطعين الآخرين، وبهذا لا يتغير في التفعيلة المزحفة غير الإيقاع بسبب التسكين، وأما طول التفعيلة فيظل ثابتا. وإذا ذكرنا أن الإضمار هو الزحاف الكثير الدخول على الكامل. وأن الطي "حذف الرابع الساكن" لا يكاد يجتمع إلى الإضمار إلا في التفعيلة الأولى من الشطر الثاني. وأنه في تلك الحالة يغلب أن يعوضه الترفيل "زيادة مقطع في تفعيلة القافية" إذا ذكرنا كل ذلك أدركنا أن هذا البحر من البحور المتساوية التفاعيل على نحو مطرد. والكامل والوافر هما البحران الوحيدان اللذان تنطبق عليهما تلك الصفة، ولربما كان في
стр. 58
ذلك سبب لتسمية الخليل لهما بهذين الاسمين، ونضيف أننا لم نعثر بطي في القصيدة التي ندرسها الآن، وإذا صحت ملاحظتنا وضح السر في إيحاء هذا الوزن بالاطراد، وكل اطراد يلائم الإضناء والحيرة اللذين يزيدهما وضوحا طول المقطوعة، وهي لا تقف عند سكون القافلة إلا لتعود من جديد، كأمواج البحر التي تتحطم تباعا مرتدة عند صخر الشاطئ، وهذا يماشي بناء القصيدة المكونة من فروض متتابعة وموجات نفسية متجددة. وهذه وتلك يطول نفسها ويطرد، ثم تفنى ليعود غيرها إلى الظهور. توفيق رائع إلى الملائمة بين موسيقى الشعر وموسيقى الإحساس، بين الصياغة ونفس الشاعر ثم إن الاطراد هنا لا ينتهي إلى الفقر والإملال كما يحدث أحيانًا، فقد عرف الشاعر كيف يتجنبه بالحركة الشعرية، ثم بتقسيمه لتفاعيله الثمانية إلى أربع وحدات، ثلاث منها تفصل وتجمع بينها القوافي، ثم يأتي سكون القافلة فيفصل ويجمع بين وحدات القصيدة كلها.
وننظر في اللفظ فتعرض لنا مشكلة طالما أثرناها في مصر هي أخذنا على شعراء المهجر ما نسميه ضعف العربية في الأسلوب، وهذه تهمة يجب أن نقلع عنها؛ لأنني كلما أمعنت النظر في ألفاظهم وتراكيبهم لم أجد لها مثيلا في شعرنا الحديث، من حيث الدقة والقدرة على إثارة الإحساس، نعم قد يخطئون في النحو أو الصرف، ولكن هذه في نظري أشياء نادرة لها نظائرها عند أكبر الكُتَّاب، وإلى اليوم لا يزال الفرنسيون يضربون المثل بفولتير في الخطأ في الإملاء، وإنما يعيب الأسلوب عدم التحديد أو العجز عن الإيحاء، وتلك عيوب لا وجود لها في شعرهم، أما استخدامهم للألفاظ المألوفة فلست أرى فيه موضع ضعف بل قوة؛ وذلك لأن الألفاظ المألوفة -ولا أقول المبتذلة- هي التي تستطيع في الغالب أن تستنفد إحساس الشاعر، كما أنها أقدر من الألفاظ المهجورة على دفع مشاعرنا إلى التداعي، وقد كثر استعمالنا لها في الحياة، فتحددت معانيها، وتلونت بلون نفوسنا، فحملت شحنة عاطفية، وهذه صفات من أولى خصائص الأسلوب الشعري، بل أسلوب الأدب بوجه عام، وها نحن نسمع عريضة يقول: "أفما دهاهم ما دهاك؟ " فندرك "الداهية" التي لها وقع متميز في نفوسنا:
أطلقت نوحك للظلام ... إياك يسمعك الأنام
فيظن زفرتك النيام ... بوق النشور ليوم دين
وهذا بلا ريب إسراف في الصور، لا ننكر أنه قلق، وأن نغماته أقوى من الهمس،
стр. 59
فيه مبالغة تخرجنا عن الألفة، ونحن لا نكاد نتصور كيف يصف نوح النفس إلى أن يكون "بوق النشور ليوم الدين"، ولا نرى ضرورة لهذا العنف في التعبير، ولكن هذا قليل.
يا نفس ما لك في اضطراب ... كفريسة بين الذئاب
هلا رجعت إلى الصواب ... وبدلت ريبك باليقين؟
أحمامة بين الرياح ... قد ساقها القدر المتاح
فابتل بالمطر الجناح ... يا نفس ما لك ترجفين
أسئلة متدفقة توحي بما في نفس الشاعر من حيرة، وصور جميلة دالة. النفس المضطربة كفريسة بين الذئاب، النفس التي ترجف كحمامة بين الرياح قد بل المطر جناحها. وفي اختيار الألفاظ ذوق دقيق ودليل واضح على أن الشاعر يرى ما يقول. وهل أدل على تلك الرؤية الشعرية من أن نراه بعد أن يصف حالات النفس يلتفت إليها فجأة فيخاطبها وكأنها قد تجسمت أمامه فريسة تضطرب بين الذئاب أو حمامة بللها المطر وسط الرياح:
أوما لحزنك من براح ... حتى ولو أزف الصباح
يا ليت سرك لي مباح ... لأعي صدى ما قد تعين
والشاعر لا يحس في وضوح بغير حزنه، وأما السر في ذلك فتراه يتساءل عنه وهو بعد لا يعلم أتعرفه نفسه أم لا، أولا تراه يقول: "لأعي صدى ما قد تعين"؟ فهي قد تعي شيئا وهو -إذا أباحت له سرها- لن يتسطيع أن يعي منه غير الصدى:
أسبتك أرواح القتام ... فأرتك ما خلف اللثام
فطمعت فيما لا يرام ... يا نفس كم ذا تطمحين؟!!
وهنا ندخل في سلسلة من الفروض الشعرية، يريد بها الشاعر أن يحاول الفهم، وهو في الحق يكاد يكون يائسا منه، وإنما هو إحساس نفس قلقة تطمع فيما لا يرام، وكأني بها قد استشرفت يوما أسرار الوجود. ثم كم في التفاته "يا نفس كم ذا تطمحين؟!! " من نفاذ يصل إلى القلوب:
أصعدت في ركب النزوع ... حتى وصلت إلى الربوع
فأتاك أمر بالرجوع ... أعلى هبوطك تأسفين؟!
وتلك نغمات أفلاطون الشعرية الجميلة يوم حدثنا عن هبوط النفس من عالم المثل الذي لن تستطيع أن تغالب الحنين إليه. ولكم جرت بذلك أنفاس الشعراء منذ
стр. 60
"هبطت إليك من المحل الأرفع" إلى "الإنسان ملك هوى، فما يزال يذكر السماء". منذ ابن سينا إلى لامرتين:
أم شاقك الذكر القديم ... ذكر الحمى قبل السديم
فوقفت في سجن الأديم ... نحو الحمى تتلفتين
أأضعت فكرا في الفضاء ... فتبعته فوق الهواء
فنأى وغلغل في العلاء ... فرجعت ثكلى تندبين
أسلكت في طرق الخيال ... دربا يقود إلى المحال
فحطمت رحلك عند آل ... يمتص ري الصادرين
فروض لا شك من تصورات العقل، ومع ذلك تنجو بها الصور من البرود. فالنفس تطل من سجنها نحو الحمى "متلفتة" في لهفة، وهي تحلق في الهواء، كمن يبحث عن مفقود لا يجده، فتعود حزينة ""ثكلى تندب" مسرفة مبتذلة" وهي تسلك في عالم الخيال "طرق لفظة نثرية" دربا يقود إلى المحال، ثم تحط رحالها عند سراب "يمتص ري الصادرين"، وهذه صورة بالغة الجمال والقوة، فالسراب الذي وصلت إليه لم يكتف بأن أسفر عن خلاء، بل سلبها ما تملك وامتص ريها، فصدرت عنه أشد ظمأ منها عند الورود:
فنسيت قصدك والطلاب ... ووقفت يذهلك السراب
وهرقت فضلات الوطاب ... طمعا بماء تأملين
استقصاء للصورة واستمرار فيها، وهو مذهب قديم عند كبار الشعراء؛ إذ نراه من أهم خصائص شعر هوميروس الذي يشبه البشر بأوراق الخريف في إحدى أغانيه، فيرى في تساقطها ما يحكي فناءنا، ثم يتابع التشبيه، فيذكر نهوض الأجيال بعضها في أعقاب بعض، كما تخلف الأوراق غيرها.. وهو واضح عند بعض شعرائنا كذي الرمة الذي يصف إشعال النار، فيستقصي المراحل ويتابع الصورة، وكابن الرومي الذي يضرب المثل بوصفه لصانع الرقاقة. ومع ذلك فثمة مفارقات، فوصف ذي الرمة لإشعال النار، ووصف ابن الرومي لدحو الرقاقة حرص على التفاصيل التي تتمم اللوحة وتكسبها غنى الواقع، وأما استمرار هوميروس أو استمرار عريضة الآن فهو في خدمة الفكرة أو الإحساس، وهذا أسلوب في الكتابة له جماله:
حتى إذا اشتد الأوام ... والآل أسفر عن ركام
غيبت رأسك كالنعام ... في رمل قلبي تحفرين
стр. 61
وهكذا تأتي الصورة الجميلة الدالة، ينتزعها الشاعر من معطيات حواسه المباشرة، فتكسو الفكرة بأغشية الشعر، وتنشر أمامنا مناظر يدركها الخيال؛ بل تهتز لها النفس.
وتنتقل إلى فرض آخر يودعه الشاعر صورًا جديدة:
أعشقت مثلك في السماء ... أختا تحن إلى اللقاء
فجلست في سجن الرجاء ... نحو الأعالي تنظرين
وهنا نلمس الإغراب ونلمس المعاني البعيدة والصورة المقتسرة "فالجلوس في سجن الرجاء" ليس من الشعر القريب الحبيب إلى النفس، ولكن لنعد عن ذلك إلى ما يليه:
لوحت باليد والرداء ... لتراك لكن لا رجاء
لم تدر أنك في كساء ... قد حيك من ماء وطين
وننظر فإذا بالصورة الجميلة المألوفة "لوحت باليد والرداء" تتجسم أمام أبصارنا، وبذلك ترفع من سقطة البيت السابق، وأما الكساء الذي يحاك من ماء وطين فصورة بعيدة، وأصدق الصور ما كانت ممكنة في الواقع إن لم تنتزع منه فعلا:
أتحول دونكما حياة ... لو كان يبلوها الإله
لبكى على بشر براه ... رحما يصارعها الجنين
وهذا استمرار لفكرة النفس السجينة التي لو بلا الله أمرها لأخذته بأصحابها الشفقة فبكى. النفس في الجسم تصارعه كالجنين في الرحم، معنى بعيد وصورة بعيدة وإن لم تخلُ من قوة.
يا نفس أنت لك الخلود ... ومصير جسمي للحود
سيعيث عيثك فيه دود ... فعلامَ لا تترفقين؟
والآن تنتهي الأفكار الفلسفية وما جرَّت الشاعر إليه من صور بعضها قوي موفق وبعضها مقتسر بعيد؛ وذلك لما في طبيعة شعر الفكرة من مجازفة خطرة لم يسلم منها أحد من الشعراء فيما أعتقد، حتى ولو كان الشاعر شيلي أو فليري.
ولكننا لا نكاد نصل إلى الإحساس الخالص والصور التي تصاغ للعبارة عنه حتى نرى في نسيب عريضة شاعرًا كبيرًا.
يا نفس هل لك في النضال ... فالجسم أعياه الوصال
حملته ثقل الجبال ... ورذلته لا تحفلين
стр. 62
عطش وجوع واشتياق ... أسف وحزن واحتراق
يا ويح عيشي هل تطاق ... نزعات نفس لا تلين
ونمر من الإحساس إلى الصور العاطفية فيبلغ الشاعر قمة المجد.
والقلب واأسفى عليه ... كالطفل يبسط لي يديه
هلا مددت يدا إليه ... كالأمهات إلى البنين؟
ها هو الشاعر قد انطلقت نفسه وتحركت حياته كلها، ونسيب عريضة من أولئك المجاهدين الذين نزحوا إلى العالم الجديد يجالدون في سبيل الحياة، وفي قسوة تلك المجالدة ما لا يترك لهم راحة ولا سبيل إلى الأخذ من لذات الوجود بنصيب. مأساة خليقة بأن تنطقهم بأنبل الشعر، ونسمعه فإذا هو كخير ما نعرف من شعر رومانتيكي، لا شعر أولئك الشعراء الصغار الذين اتخذوامن الرومانتيكية مذهبا أدبيا يتصنعون فيه النجيب، بل كبارهم الذين صدروا عن حالات نفسه صادقة.
ثم أي بساطة مؤثرة في هذه الصورة الجميلة: صورة القلب الذي يبسط يديه كالطفل، والشاعر الذي يرجو نفسه المأخوذة بروعة الجهاد والتحليق في عالم المثل "أن تمد إليه يدا كالأمهات إلى البنين" صورة ساذجة ولكن كم فيها من إنسانية! كم فيها من جمال! كم فيها من قرب إلى النفوس!
وتستمر الصورة:
غذيته مر الفطام ... وحرمته ذوق الغرام
وصنعت شيخا من غلام ... يحبو علي باب السنين
ومن منا لا تهزه هذه الصورة الأخيرة: صورة الغلام الذي يحبو على باب السنين ولما يلج أبوابها وقد جعلت منه النفس القاسية شيخا.
فغدا كحفار القبور ... يئد العواصف في الصدور
ويبيت يهتف بالثبور ... يشكو إليك وتشمتين
وهنا يجب أن نقف عند البيت الأول، فالغلام قد أصبح كحفار القبور، وهذا تشبيه يقبض النفس ويهز كيانها والحفار يئد العواصف. يئدها، وإذن فهي لا تكاد تنمو بل لا تكاد تظهر حتى يسارع بها إلى الدفن حية، والعواصف شيء قوي مدو؛ لأنها شهوات القلب المكبوت الذي يهم بالانفجار كلما طال به الضيق. أليس في وأد العواصف قوة الشعر؟ وهو يئدها في الصدور.
أعمى تطاعنه الشجون ... وجراحه صارت عيون
стр. 63
وبها يرى سبل المنون ... فيسير سير الظافرين
ولقد يكون في مطاعنة الشجون واستحالة الجراح عيونا يسير بها الشاعر في سبل المنون سير الظافرين -الذي يعتبرون الموت غنيمة- من القوة ما يكاد يمس المبالغة البعيدة أو تكلف الأداء، ولكننا مع ذلك لا ننفر من الصورة.
حتى إذا اقترب المراد ... تطلى رؤاه بالسواد
فيعود أعمى لا يقاد ... إلا بعكاز الحنين
وهو رغم إحساسه بالظفر لا يلبث عندما يصل إلى نهاية الشوط أن يضطرب بصره فتطلى رؤاه بالسواد، وقد عاوده ضعف البشر فإذا به يقاد بعكاز الحنين. وهذه حقائق نفسية صادقة رغم ما حولها من ضباب الشعر، وفي طرق أدائها بساطة جميلة وبخاصة في "عكاز الحنين" يتكئ عليه متحسسا سبيله، ونحن إذا جمعنا بين هذه المقطوعة وسابقتها استطعنا أن نفهم إسرافه في الأولى؛ إذ ندرك ما يرمي من إظهار المكابرة التي تموه ما فينا من ضعف.
يتلمس النور البعيد ... بأنامل الفكر الشريد
ويسيل من فمه النشيد ... سيل الدماء من الطعين
في البيت الأول صورة دالة، صورة الشاعر وهو يتلمس النور البعيد بأنامل الفكر الشريد، تجسيم جميل يرتكز في "الأنامل التي تتلمس". وفي البيت الثاني يتحدث الشاعر عن نشيده، ولكنه غير حديث شعرائنا عن قصائدهم الخطابية القيمة، فالنشيد يسيل من فمه، كما تسيل الدماء من الطعين، يسيل لأن الشاعر يتألم، لا لأنه يريد أن يخلع الخلود على عباد الله، أو لأن الآلهة قد اختصته بملكة الشعر.
أرايت بيت العكبوت ... وذبابة فيه تموت
رقصت على نغم السكوت ... ألما فلم يغن الطنين
فكذاك في شرك الرجاء ... قلبي يلذ له الغناء
وما ذاك شدوا بل رثاء ... يبكي به الأمل الدفين
وبذا يحدثنا عما نحسه في نشيده: صوت الألم، ورثاء يبكي به الأمل الدفين. وأخيرا نعود إلى الفكرة فإذا بالروح تصعد.
يا نفس إن حم القضاء ... ورجعت أنت إلى السماء
وعلى قميصك من دما ... قلبي فماذا تصنعين؟
ضحيت قلبي للوصول ... وهرعت تبغين المثول
стр. 64
فإذا دعيت إلى الدخول ... فبأي عين تنظرين؟
وتعود الصور -وقد بعدنا عن حياتنا الأرضية- فترفع من استواء الفكرة -كما قلنا- "فالدم على قميص النفس"، و"العين التي ستنظر بها إذا دعيت إلى الدخول أمام الله"، كل هذه صورة قريبة تزيد من روحانية هذه الخاتمة الجميلة، وتقوي من إحساسنا بذلك الصراع العنيف الذي يدور بنفس الشاعر وقد ألقت به الحياة إلى الجهاد المستمر.
والآن قد يتساءل القارئ: لِمَ استطاع شعراء المهجر ما لم يستطعه غيرهم؟ جوابي هو: لأنهم قد يكونون من بلاد تحرك مناظرها الجبلية من الخيال ما لا تحركه السهول، ومن جنس١ يشهد له التاريخ بالنزوع إلى المغامرة والتوثب، ثم إن غربتهم بأمريكا وكفاحهم ومن أجل الحياة قد أرهف حسهم وقوَّى من نفوسهم.
وأخيرًا -وهذا هو السبب المهم- لأنهم قوم مثقفون، قد أمعنوا النظر في الثقافات الغربية التي لا غنى لنا اليوم عنها، وعرفوا كيف يستفيدون منها بعد أن هضموها في لغاتها الأصلية، فهم إذن ليسوا كأولئك الذين يسرفون في في الغرور عن جهل وكسل، ظانين أن الأدب في متناول كل إنسان، وأن كلام منظوم شعر. الثقافة هي التي تشع في ألفاظ هؤلاء الشعراء، وإنك لتقرأ الجملة لهم فتحس أن خلفها ثروة من التفكير والإحساس.
стр. 65
٢- النثر المهموس:
" أمي" لأمين مشرق:
بلغني أن أمين مشرق قد قتلته سيارة بأمريكا فحزنت، وراجعت نفسي في سر ذلك الحزن، وهذا رجل ما رأيته قط، ولا حدثني عنه أحد؛ وإنما هي مصادفات الحياة ساقتني وأنا أطالب إلى كتاب به مختارات لشعراء المهجر، فتحت لنغماتهم نفسي، واصطحبت الكتاب إلى أوربا سنوات، وعدت بكتابي القديم كما ذهبت به، وإن تكن جلدته قد ضاعت وأوراقه الأولى قد تآكلت، وأصبحت لا أعرف له عنوانا ولكنني أفزع إليه كلما ضاق الصدر أو عض ألم، فأجد بين صفحاته من عبير الروح ما يحيي الإيمان.
أمين مشرق بين من يضمهم كتابي، له فيه صفحات من الشعر والنثر، كما آنست من وحشتي ورفعت من قلبي، أنه صديق قديم.
لقد سبق أن تحدثت عن "الشعر المهموس" فتساءل نفر عن موضع الهمس من الأدب، ولكنني عندما أستمع لهؤلاء الشعراء لا أفكر في الأدب، أنهم يضعوننا أمام الحياة، ويسرون في همس صادق عميق، وهذا "نسيب عريضة" صاحب "يا نفس" التي خالفني في جمالها البعض، أعود أنصت إليه يهدهد طفله في "ترنيمة سرير" حزينة بموسيقاها المطردة:
ظلام الويل قد جنا ... وبوق الهم قد رنا
فنم يا طفل لا يهنا ... غنى بات شعبانا
قتام اليأس غطانا ... فنم لا عين ترعانا
إذا ما صبحنا حانا ... حسبنا الصبح أكفانا
ألا يا هم يكفينا ... لقد جفت مآقينا
لو أن الدمع يغذونا ... أكلنا بعض بلوانا
أنصت، فتجيش النفس كهذا البحر الذي تتلاطم أمواجه خلف أذني "في الإسكندرية"، ومن عجب أن تثيرنا تلك الموسيقى المطردة الهادئة١ التي لم يدرك
стр. 66
الطفل سواها، وقد رنحته "الترنيمة" فنام، ولكنها قدرة الشاعر كقدرة الطبيعة، أولا ترى إلى البحر كيف يزيدنا صخبه إحساسا بالصمت ما أنصتنا إليه؟ موسيقى هادئة تحرك القلب، وصخب بحر يشيع به الصمت. إنني أخشى أن يكون التناقض كامنا في الحياة والوجود، ثم أي قوة في نفس الشاعر؟ نعم، "لا يهمنا غني بات شبعانا" عندما يبيت طفلي جائعا، دعاء بالنقمة، ولكن كم فيه من إنسانية، دعاء قوي لا يدفع أو يرد السيل إلى منابعه، وتتهافت النفس فإذا بالرجل يئن من قتام اليأس، وكأنه استوحش فود لو ترعاه عين، وهكذا يجتمع الضعف إلى الثورة، ولكنها نفوس صادقة، خيوط من الضياء والظلمة، ومن يدرينا لعلها عين الله، حيث يسوق ضعفنا البشري فنتعلق بشعاع، وإذا برحمته تمدنا بقوة ما لها أن تنفد، وإذا لاح الصبح "حسبنا الصبح أكفانا" هنا يصل الحزن من النفس إلا الأعماق، انظر كيف اجتمعت لذلك الحزن آياته: "ظلام الويل" و"قتام اليأس" ليست إلا مراحل تقود إلى "أكفان الصباح" قد تقول: ما لي وهذا الغم كله؟ ولكن الشاعر لم يكتب لك ولا لغيرك من ضيقي الخيال، لقد كتب لنفسه أولا، ثم لمن يستطيعون الإحساس معه.
لو آن الدمع يغذونا ... أكلنا بعض بلوانا
لست أدري بأي صفة أخص شاعرا يقول بيتا كهذا. لكن تأمل قليلا في فرضة: لو أن الدمع يغذونا أكلنا بعض بلوانا أنا وطفلي الجائع فما نملك غير البكاء. ولكنه لم يقل: لو أن الدمع يغذونا لأكلناه، ولو أنه فعل لظل رغم قوته دون تلك القدرة الخارقة. أي محنة أقسى من أن يعز على الرجل حتى التغذي ببلواه؟!
جددت ذكر الشعر المهموس؛ لأنني رأيت أن خصائصه ليست وقفا على الشعر. هناك أيضا نثر صادق كالأسرار يتهامس بها الناس، تسمعه فيخيل إليك أنه آت من أعماق الحياة، مثله كمثل نواقيس تلك المدينة التي جرت إحدى أساطير بريتانيا الفرنسية -فيما يحدث رينان- أن المياه قد ابتلعتها، ولكنها لم تسكت أجراس كنائسها التي تدق من حين إلى حين، وبخاصة عندما يستجم البحر فيسقط أهل الشاطئ نغماته المقدسة.
من هذا النثر مناجاة "مشرق" لأمه، وقد قست به الغربة:
"يا علة كياني ورفيقة أحزاني، يا رجائي في شدتي وعزائي في شقوتي، يا لذتي في حياتي وراحتي في مماتي، يا حافظة عهدي ومطية سهدي وهادية رشدي، يا ضاحكة فوق لحدي. أمي، وما أحلاك يا أمي!.
إذا تركني أهلي فأنت لا تتركيني، وإن ابتعد عني أحبابي فأنت لا تبتعدين،
стр. 67
وإن نقمت على الحياة جميعها فأنت تصفحين وترحمين، أنت يا مسكنة وجعي وألمي، ومبيدة بؤسي وهمي، أنت وما أصفاك يا أمي!
قد غبت عنك يا أمي، فغاب عن عيني وجهك الباسم بملامحه الرقيقة الرزينة، ومعانيه الدقيقة الحنونة، وتراكمت على رأسي هموم الحياة بضجيجها الهائل، فضعضعت فكري، وزلزلت قلبي، وتقاذفتني أمواج المتاعب والشقاء، فغرت في لجج طامية وظلمات داجية، وبعينين غشي عليهما الرعب نظرت من أعماق قنوطي فرأيت وجهك اللطيف الثابت يبتسم إلى من الأقاصي البعيدة، فبكيت وبكيت وصرخت: يا أمي!
آه! ما أقسى الغربة وما أمر الوحشة! قد كرهت البقاء يا أمي، واشتاقت نفسي إلى ماضيها الأمين، قد كرهت التمشي بين القصور الفخمة وروائح العطور الفائحة من التماثيل المتخطرة في "برودواي" واشتاقت حواسي إلى رائحة الأمومة المتنشرة من "فسطانك" العتيق، فقد كرهت "نيويورك" وكرهت "أمريكا" وكرهت العالم، ولم يبقَ في الحياة إلاك، إلاك يا أمي.
في المساء عندما أنطرح على فراشي الخشن القاسي، أذكر يديك اللطيفتين الناعمتين، وفي الليل لما تمتزج أفكاري بأبخرة الأحلام أشعر بقديمك الصغيرتين، تنقران الأرض حول سريري، وفي الصباح أفتح عيني لأراك، فلا أرى غير جدران غرفتي السوداء، ولأسمعك، فلا أسمع غير أصوات الغرباء، وفي النهار أمشي بين النساء مفتشا متسائلا: أيتها النساء هل رأيتن أمي؟
جراء الكلاب تجلس في أحضان أمهاتها، وفراخ الدجاج تحتمي تحت أجنحة أمهاتها، وغصون الأشجار تبقى معانقة أمهاتها، وأنا -أنا وحدي- بعيد عنك، مشوق إليك يا أمي.
إذا مت! يا أمي، إذا قتلني وجدي ودفنت آمالي في هذه الأرض القاسية الغريبة، فاجلسي عند الغروب قرب غابة السنديان واصغي! هناك روحي امتزجت بنسمات الغابة وأشجارها يرتلن بهدوء متمايلات مرددات: يا أمي! يا أمي! يا أمي! ".
هذه أنفاس "أمين مشرق" أعيد قراءتها، ثم أستشعر ما فيها من حرارة ونبل. أوما تحس بروح جميلة يحزنك أن مات صاحبها، مات بعيدا عن "غابة السنديان"! وأي قرار أجمل من "أمي يتردد من حين إلى حين، فكأنك تلقى واحات بصحراء محرقة، واحات ناعمات الظلال: ما أحلاك يا أمي! ما أصفاك يا أمي!
стр. 68
وصرخت يا أمي، هل رأيتن أمي؟ إني مشوق إليك يا أمي.. كم تسكن النفس إلى هذا القرار! وماذا يذكر عن أمه؟ يذكر فتات الحياة التي عرف كبار الشعراء كيف يلتقطونها بأنامل ورعة. يذكر يديها اللطيفتين الناعمتين، ووقع قدميها الصغيرتين حول سريره. يذكر "فسطانها" العتيق وبيتهم الصغير المنفرد، ومن قبل ما حز في نفس "كوبر" أن كانت أمه إلى مهده في ظلام الليل تغطيه خوفا من أن يصيبه برد. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تحركنا؛ لأنها نسيج الحياة، نسيجها الحقيقي. وبهذه التوافه عبر المرهوبون من الأدباء عن أكبر المشاعر. وموضع الإعجاز هو أن نقول الأشياء الكبيرة بألفاظ صغيرة. ولا تحسبن أن هذا أمر هين، فليس أشق من أن نلاحظ ما نراه كل يوم.
وبعد، فهناك شعر صادق جميل، وهناك نثر صادق جميل، سميتهما مهموسين لأعبر عما يثيره التعبير الفرنسي a mi voix الذي نستطيع ترجمته حرفيا بـ" نصف الملفوظ" والمعنى في نفسي ليس واضحا تمام الوضوح؛ لأنه في الحق إحساس أكثر منه معنى، وإنما أستطيع أن أوحي للقارئ بشيء منه إن قلت: إنني أقصد إلى ذلك الأدب الذي سلم من الروح الخطابية التي غلبت على شعرنا التقليدي منذ المتنبي، وتلك روح إن لم تواتها القوة التي امتلكها كبار أصحاب تلك النزعة كالمتنبي وهيجو، ثم تلك الموسيقى الرنانة التي تنزل بالنفس الدوار، فيأخذنا ما يشبه الثمل، فنطرب دون أن نتمهل في إدراك معنى أو تحقيق صورة، أقول: إن تلك النزعة إذا خلت من هاتين الخاصيتين: قوة النفس وموسيقى اللفظ أفسدت الشعر. هذا من الناحية السلبية، الشعر المهموس لا خطابة فيه، وأما من الناحية الإيجابية فهو أدب يصاغ من الحياة وكأنه قطع منها، فيه ما في الحياة من تفاهة ونبل، فيه ما فيها من عظمة وحقارة، فيه ما فيها من ضوء وظلام، أدب حياة، والحياة شيء أليف، شيء قريب مني ومنكم، تلقاها فتتعرف إليها للحظتك، وتستمع إلى سرها فتصدقه؛ لأن قلبك قد أحس في غموض بذلك السر، وجاء الشاعر يهمس إلى فيبصرك بمكانه، لهذا تهتز مشاعرك.
لست أدري أأفصحت أم لا، ولكني في الحق أعتمد على نفاذ روح القارئ؛ لأني يائس من أن أحمل إليه ما في نفسي حملا تاما؛ ولهذا أترك له دائما مشاطرتي التفكير والإحساس. عليه أن يصل ما أقطع، وأن يفصل ما أجمل، وأن يضفي على الإشارة ما خلفها، عليه أن يجهد كما أجهد، وإلا أصبح عبثا ما نكتب، إنه عندئذ
стр. 69
لن يعمق نفسا، لن يشق خيالا، لن يشحذ ذهنا، لكل أن يرجع إلى نفسه، فهي منبع المعرفة منبعها الوحيد، وما أنا وغيري إلا سبل تسوق كلا إلى نفسه.
أدباء المهجر يردونني إلى تلك النفس التي نعتز بها، ولهذا أحبهم، وأنا بعد لا أبرئ نفسي من التأثر بالأدب الغربي الذي تأثر به هؤلاء الأدباء، ولكني أرجو مخلصا أن يأخذ المثقفون منا ثقافة شرقية غالبة أنفسهم بالإمعان في ذلك الأدب، فإنهم سيجدون فيه عناصر إنسانية تمسنا جميعا، شرقيين وغربيين، بل إن فيه خير ما في الشرق، فيه تلك اللهفة الروحية التي وجهت أجدادنا منذ آلاف السنين إلى رحمة الله، فيه مزيج عجيب من القوة والضعف، ذلك المزيج الذي عنه تصدر عظمة مزاجنا الشرقي. وأما خروجه على بعض موضوعاتنا الشعرية، وأما تأبيه على لغة الشعر التقليدية، وأما ركونه إلى التعبير المباشر القوي فتلك حسنات، أو أقل إنها الطريق الوحيد الذي لم يكن بد للأدب العربي الحديث من ابتهاجه؛ لكي يفلت من الصنعة إلى الصدق؛ لكي يرتد إلى الحياة.
يجب أن نطرب للجمال، يجب أن نؤمن بالصدق، وشعراء المهجر يعرفون الصدق والجمال.
стр. 70
حول ترنيمة السرير:
أرسل الأستاذ عزمي يوسف كلمة إلى "الثقافة" عن نسبة "ترنيمة السرير" إلى "نسب عريضة"، وهو يذكر أنها لإلياس فرحات، ولكنني راجعت كتابي القديم "ص٢١٤" فوجدتها لنسيب عريضة، كما ذكرتها في مقالي، وقد ظهر لي أن كتابي هو أيضا "بلاغة العرب في القرن العشرين"، وهو نفس المرجع الذي رجع إليه الأستاذ عزمي يوسف، ولعل تفسير ذلك التناقض في اختلاف الطبعات، ولقد اتفق أن لاقيت الأستاذ محيي الدين رضا المحرر بجريدة المقطم وناشر "بلاغة العرب في القرن العشرين" وسألته في نسبة "الترنيمة" فأخبرني أنها لنسيب عريضة، ووعدني بأن يخبرنا عن المجلة التي أخذ منها "الترنيمة" وهي إحدى المجلات التي تصدرها الجالية العربية بأمريكا.
وأنا شاكر للأستاذ عزمي يوسف إحساسه الرقيق.
والترنيمة طويلة لم أذكر منها إلا الأبيات الستة الأولى، ولقد راعني ما أثاره مقالي عن الهمس في الأدب من جدل، ولكنني ما زلت عندما أومن به، وأنا بعد لا أدعي أنني قلب صلد لا يستشعر الحنان، وأنا فقير كغيري إلى الكثير من الرحمة -على الأقل رحمة الله- ومع ذلك أرفض القول بأن أدب المهجر ضعيف منهوك، أين إذن نجد قوة النفس؟ أين نجد القدرة على الانفعال؟ أين نجد توثب ووميض العقول؟ أين نجد نبض الحياة؟! ليست القوت مكابرة باطلة، ليست القوة حياء كاذبا، القوة ليست نفاقا اجتماعيا.
قالوا: إن الصدق في الأدب هو مقياسه الوحيد، وهذا قول بدائي. الأدب أعمق من الصدق، الأدب ليس تصويرا للواقع ولا تسقطا لأصداء الحياة، الأدب خلق للصدق.
ظلام الليل قد أطفا ... نجوما تجذب الطرفا
فما للطفل لا يغفى ... أيبغي اليوم ألحانا
وللنظر فيما يحمل البيت الأول من صدق نراه عاريا عنه؛ وذلك لما هو واضح من أن ظلام الليل لا يطفئ النجوم بل يزيدها تلألؤا، ومع ذلك أي صدق نفسي في
стр. 71
ذلك البيت الرائع! وهذا رجل نشر الحزن بنفسه ظلاما لم يلبث أن غشي بصره، فللنجوم أن تتلألأ دون أن يرى لها بريقا:
من الألحان لا أدري ... سوى أنشودة الصبر
أغنيها من القهر ... لطفل بات جوعانا
هؤلاء قوم ليسوا ضعافا، إنهم يسمون الأشياء بأسمائها، قوم لا ترهبهم الألفاظ، يتغنى الشاعر "من القهر" لجوع طفله، ولكن مَنْ منا لا يحس أن هذا القهر ليس يأسا وإنما هو استجمام للتوثب؟ من منا لا يحس بنفس الشاعر العاتية متحفزة خلف هذا القهر الإنساني؟! ليس الأدب ألفاظا، الأدب روح لا تدري من أين تطالعك، روح لا تدركها إلا الأرواح!
ملاك الرب في الحلم ... يناجي الطفل كالأم
يناديه من النجم ... ألا نم! وقتنا حانا
قلت فيما سبق: إن شعراء المهجر يصدرون عن قلب فيه لهفة إلى الله، ولو أنني قلت: إنهم متصوفون لما عدوت الحق، فالتصوف ليس إلا وقدة في الإحساس، كل شعور قوي تصوف مهما كان موضوع ذلك الشعور؛ ولهذا نرى الناس يقتتلون في غير مقتل حول تصوف شاعر كالخيام: أمادي هو أم روحي؟ وهل خمره خمر الدنان أم خمر الروح؟ والأمر بعد سواء، الخيام روح حارة، وكذلك الأمر عند شعراء المهجر. أين منهم فتور أغلب شعرائنا؟ أين منهم فقرنا الروحي؟ أين منهم ضعف نفوسنا؟ أين منهم نفاقنا الخلقي؟! أنظر إلى شاعرنا كيف يجمع بين القيم الإنسانية في ملاك الرب الذي يناجي الطفل كالأم، أليس حنان الأم نفسا من روح الله؟ أوما تراه يشبه الهمس؟! الفن اختيار، وهؤلاء الشعراء يعرفون كيف يختارون التفاصيل الدالة الغنية بفيضها الإنساني.
يناجيه بأيام ... سيأتي خيرها طام
سيروي ماؤها الظامي ... ويشفي النور عميانا
وفي شفاء النور للعميان ما يعزز فهمنا لإطفاء ظلمة الليل لنجوم السماء، ثم ما القول في هذا الأمل الباسم؟ عيجب أمر هؤلاء الشعراء! يبتسمون للأمل، ومع ذلك تهزنا ابتسامتهم! وكأني بها تبعث الحزن في النفس، وهي بعد ابتسامة تشرق وسط الظلام، ابتسامة يحوطها الحزن، أولا ترى معي شاعرنا وهو يشد على نفسه فيعزيها بأيام سعيدة؟ إنني أحس بالجهد في تلك الابتسامة الرائعة، وبعد ذلك يقول قائل: إن أدبهم ضعيف، وإننا في حاجة إلى أدب طروب قوي. ومن يستطيع أن
стр. 72
يدلني على قوة تصدر عن الطرب؟ الطرب شيء مبتذل لم نره قط مادة لأدب قوي، وهو بعد لا يحرك النفوس. الأدب عزاء عن الحياة، والعزاء قوة، الشعر في العالم كله ضيق بالحياة وعلاج لها، ولكنه ليس يأسا، فاليأس صمت، وموضع الإعجاز هو أن يدفعك ذلك الضيق إلى متسع الوجود، هو أن تشفي الشكوى من الألم.
وبعد ذلك بأبيات:
أصوتي ذاك قد غنى ... أقلبي ذاك قد أنا؟
كفى ندبا١ كفى حزنا ... فقلب الطفل ما لانا
هزيز الريح ما يسمع ... وندب الروح ما أسمع
كلانا منصت يخشع ... إلى الأصوات حيرانا
ظلام الليل قد أطبق ... فنم يا طفل لا تقلق
يعود النور والرونق ... إذا ما الله أبقانا
هذا هو الهمس الذي لا أدري كيف يتهم بالضعف؟! وأنا بعد أحس فيه قوة لا أجدها في نفوس معظم شعرائها، والأمر ليس من الشاق تفسيره، فنحن قوم لصيقون بالأرض، قوم يؤثرون الاستكانة على المغامرة. لقد طوفت في الكثير من بقاع الأرض فلم أرَ مصريا يجالد غريبا على الحياة، وعدت إلى مصر ودرت ببصري فلم أرَ إلا مظلوما خاضعا لظالمه، أو متألما يخشى أن يشكو ألمه، رأيت ضعف النفاق، في كل مكان أرى رجالا قليلي الشبه بالرجال، فمن أين تأتينا القوة؟ نحن قوم لا يجسر أحدنا أن يرفع بصره إلى من يظنه أقوى منه، فكيف بنا نحدق في الحياة التي تصعق من يناهضها؟!
نحن قوم متزمتون يظنون النفاق الاجتماعي فضيلة، قوم حسيون، إذا تغزلنا جاء غزلنا إما إسفافا في الخضوع وإما "طرطشة" في العاطفة، قوم تعوزهم القوة المتماسكة، نحن قوم كثيرو الادعاء عن جهل، نكابر الغربيين، وندعي الدعاوى العريضة الباطلة، ونزج بالقومية وما إليها لتغطي جهلنا المريع، مَنْ مِنْ أدبائنا أو شعرائنا يعرف أن من واجب الأديب أن يكون مثقفا ثقافة منظمة عميقة مهضومة؟ من منهم يدرك أن الأدب ليس خلقا من العدم؟
هذه بعض الأمراض النفسية التي تفسد أدبنا، ولهذا أوثر شعر المهجر، ولقد عللت إيثاري بما في ذلك الشعر من همس، وحاولت أما استطعت أن أوضح
стр. 73
معنى ذلك الهمس، فقال البعض: إنني أتعصب لنوع من الأدب يستجيب له مزاجي الخاص. ولكن الأمر ليس أمر تعصب، كما أنه ليس ضيقا في النفس يمنعها عن الإصغاء لغيره من الأدب، وإنما هو إيمان بروح إنسانية قوية أحسها في ذلك الأدب، روح نافذة موحية. ومن عجب أن نقول: إن الشعر الخطابي إذا خلا من موسيقى اللفظ وقوة النفس اللذين نجدهما عند المتنبي في الشرق وهيجو في الغرب مثلا -أفسدت الخطابة الشعر، ثم يأتي من يقول: إننا لا نطرب لشعر المتنبي.
الشاعر العظيم هو من ينجح في أن يهزك، وهو قد يستطيع ذلك بضخامة موسيقاه كما قد يستطيعه برقتها، وأما أولئك الذين تقرأ لهم فلا ينبض منك حس، ولا يهتز قلب، فلست أدري من أين يأتيهم الشعر، ولقد تصفحت مثلا "أعاصير مغرب" فعجبت لمن يجرءون على تسميتها شعرا، وهي نثرية في مادتها، نثرية في أسلوبها، نثيرية في روحها، ونثريتها بعد مبتذلة سميكة، حتى الإحساس فيها شيء لا يطمئن إليه النفس.
الأدب الجيد لا بد أن يلونه الإحساس، وصاحب "أعاصير مغرب" من الكُتَّاب الذين قد تبهرك مهارتهم العقلية في التخريج، ولكنني لا أذكر -إلا في النادر الذي لا يذكر- أنه قدا ستطاع يوما أن يحرك في نفسي إحساسا، فكيف له يقول الشعر؟ وكيف يجوز لنا أن نقارن شعرا "كالأعاصير" ونحوها بشعر المهجر الحي؟
أنا لا أريد أن أملي ذوقي على أحد، ولكنني أحاول أن أبصر بالقيم الإنسانية التي يجب أن يتجه إليها أدبنا إذا أردنا أن نلحق بغيرنا، بدلا من الجمود على الباطل الذي نحن فيه.
стр. 74
الشعر الخطابي:
يريد الأستاذ السيد قطب أن يجعل ما سميته الهمس في الشعر نوعا من الأدب يتميز بالإحساس الذي يغذيه، فهو شعر الحنين أو "الحنية" كما يقول، وهو يحذر القراء من آرائي لخضوعها لطبع خاص أقرب إلى المرض منه إلى الصحة، ولكنني بحمد الله لست مريضا، ولا أذكر أني مرضت يوما ما، وأنا على العكس سليم الجسم صُلْب البناء متمتع بكل قواي الجسمية والعقلية، وشخصي بعد ليس موضع الحديث، والهمس في الشعر ليس "الحنية" ولا هو خاص بنوع من الإحساس، وإنما هو مذهب في الفن، مذهب عام لا يتقيد بمادة.
أما تحذير القراء من آرائي فهذا ما أدعو إليه أنا أيضا؛ لأنني أمقت مبدأ "السلطة" Principe duatorite، وأعرف ما أصاب الإنسانية من أضراره المميتة خلال القرون الوسطى، يوم كان الناس يؤمنون بآراء أرسطو؛ لأنها صادرة عن المعلم الأول، لا لما تقوم عليه من بينات، ونحن في الشرق أحوج ما نكون إلى تحطيم هذا المبدأ الذي يشل عقول الناس فتستسلم لآراء هذا أو ذاك والأمر في المسائل الفنية أشد خطورة؛ وذلك لأن الأذواق لم تتكون بعد بسبب واضح هو جهلنا بالآداب الأجنبية أو معرفتنا بها معرفة أضر من الجهل بها، وليس من سبيل إطلاقا إلى الادعاء بأن أدبنا العربي يكفي لتكوين ذوق أدبي صحيح.
وإذن فأنا أريد أن أملي ذوقي على أحد؛ وذلك لأن الذوق وإن يكن من أعمق ملكاتنا البشرية في إدراك مواضع الجمال والقبح، إلا أنه لا يمكن أن يصبح وسيلة مشروعة للمعرفة التي تصح لدى الغير، إلا إذا علل بأسباب عقلية وفنية ونفسية تستطيع أن توحي بمثل ما نحس به، وإلا أصبح ما نقول ادعاء كاذبا إن لم يكن نصبا.
ولقد حاولت تمييز "الشعر المهموس" بمعارضته "بالشعر الخطابي" ولكنني فيما يظهر لا أزال محتاجا إلى مزيد من الإيضاح، وهأنا اليوم أتناول قصيدة للأستاذ محمود حسن إسماعيل، وجدتها مصادفة في عدد ٧ من يونية سنة ١٩٤٣ من الرسالة بعنوان "حصاد القمر".
стр. 75
الأستاذ محمود حسن إسماعيل يذكرني دائما بالمتنبي، ففي شعره رنين قوي تجده في بسطة أوزانه وضخامة ألفاظه بل في بعض صوره الشعرية المجتلبة على نفس النحو الذي كان المتنبي يصطنعه أحيانا متتلمذا لأبي تمام، ولكني أبادر فأقرر أن شعر المتنبي غير شعر محمود إسماعيل في معدنه النفسي وفي رؤيته الشعرية.
شعر المتنبي كشعر محمود إسماعيل من النوع الخطابي؛ ولكن شاعر الحمدانيين كان شاعرا كبيرا، وأما صاحب -هكذا أغنى- فشاعر يعيبه أمران خطيران:
١- أولهما أن للمتنبي نفس قوية عاتية متماسكة، عاطفة المتنبي مغلقة مركزة عميقة؛ ولهذا قلما تلوح كاذبة، عاطفة المتنبي نار داخلية لا تراها وإن ألهبت اللفظ أو أوقدت الصورة. وأما إحساس محمود حسن إسماعيل فمفضوح، ويأبى شاعرنا إلا أن يزيده افتضاحا بقصاصات النثر التي يعلقها فوق قصائده وفي هذا ابتذال، للنفس عن نفرة، عاطفة محمود حسن إسماعيل "مطرطشة" حتى لتلوح "سرابا عاطفيا" Pathetic fallacy كما يقول نقاد الإنجليز.
٢- ثانيهما اضطراب الرؤية الشعرية Vision Poetique عند محمود إسماعيل، بل إنني لأخشى ألا يكون له حقل شعري على الاطلاق، وهذا أمر يتضح لمن يراجع صوره في أية قصيدة من قصائده، فإنه لا بد واجد بينها من التنافر ما يقطع بأنه لا يرى الأشياء رؤية شعرية صحيحة. تراه يجمع بين صور لا يمكن أن تكون وحدة للموصوف، ولو أنه حرص على الرؤية الشعرية الصادقة لرأيت التجانس الذي يعوزه، وأنا بعد أرجح أنه يلتمس الصور من ذاكرته لا مما يراه ببصره أو يدركه بحسه.
ونحن عندما لا نجد لدى الشاعر العاطفة المتماسكة والرؤية الشعرية لا نستطيع أن نحكم بتفوق فنه؛ وذلك لأن الرنين الخطابي مهما بلغت قوته لا يمكن أن يسمو بالشعر. فلغيري إذن أن يعجب بقوة أسر محمود إسماعيل واستحصاء لفظه وغرابة صوره، وأما أنا فما دمت لا أستطيع أن أدرك ببصري حقيقة ما يصف ولا أن أسكن إلى نوع إحساسه، فإنني لا أتردد في رفض شعره وتفضيل "نعيمة" أو "عريضة" عليه وذلك لصدق شعراء المهجر في فنهم.
وأنا بعد مؤمن بأن محمود حسن إسماعيل يستطيع أن يصبح شاعرا كبيرا؛ وذلك لأنه يملك هبتين لا شك فيهما:
١- أولاهما روح الشعر، روح غفل ولكنها قوة من قوى الطبيعة، قوة تحتاج إلى