← Адаб

Адаб · id 9971

في الميزان الجديد

محمد مندور

Полный текст (191 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ذلك البيت الرائع! وهذا رجل نشر الحزن بنفسه ظلاما لم يلبث أن غشي بصره، فللنجوم أن تتلألأ دون أن يرى لها بريقا: من الألحان لا أدري ... سوى أنشودة الصبر أغنيها من القهر ... لطفل بات جوعانا هؤلاء قوم ليسوا ضعافا، إنهم يسمون الأشياء بأسمائها، قوم لا ترهبهم الألفاظ، يتغنى الشاعر "من القهر" لجوع طفله، ولكن مَنْ منا لا يحس أن هذا القهر ليس يأسا وإنما هو استجمام للتوثب؟ من منا لا يحس بنفس الشاعر العاتية متحفزة خلف هذا القهر الإنساني؟! ليس الأدب ألفاظا، الأدب روح لا تدري من أين تطالعك، روح لا تدركها إلا الأرواح! ملاك الرب في الحلم ... يناجي الطفل كالأم يناديه من النجم ... ألا نم! وقتنا حانا قلت فيما سبق: إن شعراء المهجر يصدرون عن قلب فيه لهفة إلى الله، ولو أنني قلت: إنهم متصوفون لما عدوت الحق، فالتصوف ليس إلا وقدة في الإحساس، كل شعور قوي تصوف مهما كان موضوع ذلك الشعور؛ ولهذا نرى الناس يقتتلون في غير مقتل حول تصوف شاعر كالخيام: أمادي هو أم روحي؟ وهل خمره خمر الدنان أم خمر الروح؟ والأمر بعد سواء، الخيام روح حارة، وكذلك الأمر عند شعراء المهجر. أين منهم فتور أغلب شعرائنا؟ أين منهم فقرنا الروحي؟ أين منهم ضعف نفوسنا؟ أين منهم نفاقنا الخلقي؟! أنظر إلى شاعرنا كيف يجمع بين القيم الإنسانية في ملاك الرب الذي يناجي الطفل كالأم، أليس حنان الأم نفسا من روح الله؟ أوما تراه يشبه الهمس؟! الفن اختيار، وهؤلاء الشعراء يعرفون كيف يختارون التفاصيل الدالة الغنية بفيضها الإنساني. يناجيه بأيام ... سيأتي خيرها طام سيروي ماؤها الظامي ... ويشفي النور عميانا وفي شفاء النور للعميان ما يعزز فهمنا لإطفاء ظلمة الليل لنجوم السماء، ثم ما القول في هذا الأمل الباسم؟ عيجب أمر هؤلاء الشعراء! يبتسمون للأمل، ومع ذلك تهزنا ابتسامتهم! وكأني بها تبعث الحزن في النفس، وهي بعد ابتسامة تشرق وسط الظلام، ابتسامة يحوطها الحزن، أولا ترى معي شاعرنا وهو يشد على نفسه فيعزيها بأيام سعيدة؟ إنني أحس بالجهد في تلك الابتسامة الرائعة، وبعد ذلك يقول قائل: إن أدبهم ضعيف، وإننا في حاجة إلى أدب طروب قوي. ومن يستطيع أن

стр. 72

يدلني على قوة تصدر عن الطرب؟ الطرب شيء مبتذل لم نره قط مادة لأدب قوي، وهو بعد لا يحرك النفوس. الأدب عزاء عن الحياة، والعزاء قوة، الشعر في العالم كله ضيق بالحياة وعلاج لها، ولكنه ليس يأسا، فاليأس صمت، وموضع الإعجاز هو أن يدفعك ذلك الضيق إلى متسع الوجود، هو أن تشفي الشكوى من الألم. وبعد ذلك بأبيات: أصوتي ذاك قد غنى ... أقلبي ذاك قد أنا؟ كفى ندبا١ كفى حزنا ... فقلب الطفل ما لانا هزيز الريح ما يسمع ... وندب الروح ما أسمع كلانا منصت يخشع ... إلى الأصوات حيرانا ظلام الليل قد أطبق ... فنم يا طفل لا تقلق يعود النور والرونق ... إذا ما الله أبقانا هذا هو الهمس الذي لا أدري كيف يتهم بالضعف؟! وأنا بعد أحس فيه قوة لا أجدها في نفوس معظم شعرائها، والأمر ليس من الشاق تفسيره، فنحن قوم لصيقون بالأرض، قوم يؤثرون الاستكانة على المغامرة. لقد طوفت في الكثير من بقاع الأرض فلم أرَ مصريا يجالد غريبا على الحياة، وعدت إلى مصر ودرت ببصري فلم أرَ إلا مظلوما خاضعا لظالمه، أو متألما يخشى أن يشكو ألمه، رأيت ضعف النفاق، في كل مكان أرى رجالا قليلي الشبه بالرجال، فمن أين تأتينا القوة؟ نحن قوم لا يجسر أحدنا أن يرفع بصره إلى من يظنه أقوى منه، فكيف بنا نحدق في الحياة التي تصعق من يناهضها؟! نحن قوم متزمتون يظنون النفاق الاجتماعي فضيلة، قوم حسيون، إذا تغزلنا جاء غزلنا إما إسفافا في الخضوع وإما "طرطشة" في العاطفة، قوم تعوزهم القوة المتماسكة، نحن قوم كثيرو الادعاء عن جهل، نكابر الغربيين، وندعي الدعاوى العريضة الباطلة، ونزج بالقومية وما إليها لتغطي جهلنا المريع، مَنْ مِنْ أدبائنا أو شعرائنا يعرف أن من واجب الأديب أن يكون مثقفا ثقافة منظمة عميقة مهضومة؟ من منهم يدرك أن الأدب ليس خلقا من العدم؟ هذه بعض الأمراض النفسية التي تفسد أدبنا، ولهذا أوثر شعر المهجر، ولقد عللت إيثاري بما في ذلك الشعر من همس، وحاولت أما استطعت أن أوضح

стр. 73

معنى ذلك الهمس، فقال البعض: إنني أتعصب لنوع من الأدب يستجيب له مزاجي الخاص. ولكن الأمر ليس أمر تعصب، كما أنه ليس ضيقا في النفس يمنعها عن الإصغاء لغيره من الأدب، وإنما هو إيمان بروح إنسانية قوية أحسها في ذلك الأدب، روح نافذة موحية. ومن عجب أن نقول: إن الشعر الخطابي إذا خلا من موسيقى اللفظ وقوة النفس اللذين نجدهما عند المتنبي في الشرق وهيجو في الغرب مثلا -أفسدت الخطابة الشعر، ثم يأتي من يقول: إننا لا نطرب لشعر المتنبي. الشاعر العظيم هو من ينجح في أن يهزك، وهو قد يستطيع ذلك بضخامة موسيقاه كما قد يستطيعه برقتها، وأما أولئك الذين تقرأ لهم فلا ينبض منك حس، ولا يهتز قلب، فلست أدري من أين يأتيهم الشعر، ولقد تصفحت مثلا "أعاصير مغرب" فعجبت لمن يجرءون على تسميتها شعرا، وهي نثرية في مادتها، نثرية في أسلوبها، نثيرية في روحها، ونثريتها بعد مبتذلة سميكة، حتى الإحساس فيها شيء لا يطمئن إليه النفس. الأدب الجيد لا بد أن يلونه الإحساس، وصاحب "أعاصير مغرب" من الكُتَّاب الذين قد تبهرك مهارتهم العقلية في التخريج، ولكنني لا أذكر -إلا في النادر الذي لا يذكر- أنه قدا ستطاع يوما أن يحرك في نفسي إحساسا، فكيف له يقول الشعر؟ وكيف يجوز لنا أن نقارن شعرا "كالأعاصير" ونحوها بشعر المهجر الحي؟ أنا لا أريد أن أملي ذوقي على أحد، ولكنني أحاول أن أبصر بالقيم الإنسانية التي يجب أن يتجه إليها أدبنا إذا أردنا أن نلحق بغيرنا، بدلا من الجمود على الباطل الذي نحن فيه.

стр. 74

الشعر الخطابي: يريد الأستاذ السيد قطب أن يجعل ما سميته الهمس في الشعر نوعا من الأدب يتميز بالإحساس الذي يغذيه، فهو شعر الحنين أو "الحنية" كما يقول، وهو يحذر القراء من آرائي لخضوعها لطبع خاص أقرب إلى المرض منه إلى الصحة، ولكنني بحمد الله لست مريضا، ولا أذكر أني مرضت يوما ما، وأنا على العكس سليم الجسم صُلْب البناء متمتع بكل قواي الجسمية والعقلية، وشخصي بعد ليس موضع الحديث، والهمس في الشعر ليس "الحنية" ولا هو خاص بنوع من الإحساس، وإنما هو مذهب في الفن، مذهب عام لا يتقيد بمادة. أما تحذير القراء من آرائي فهذا ما أدعو إليه أنا أيضا؛ لأنني أمقت مبدأ "السلطة" Principe duatorite، وأعرف ما أصاب الإنسانية من أضراره المميتة خلال القرون الوسطى، يوم كان الناس يؤمنون بآراء أرسطو؛ لأنها صادرة عن المعلم الأول، لا لما تقوم عليه من بينات، ونحن في الشرق أحوج ما نكون إلى تحطيم هذا المبدأ الذي يشل عقول الناس فتستسلم لآراء هذا أو ذاك والأمر في المسائل الفنية أشد خطورة؛ وذلك لأن الأذواق لم تتكون بعد بسبب واضح هو جهلنا بالآداب الأجنبية أو معرفتنا بها معرفة أضر من الجهل بها، وليس من سبيل إطلاقا إلى الادعاء بأن أدبنا العربي يكفي لتكوين ذوق أدبي صحيح. وإذن فأنا أريد أن أملي ذوقي على أحد؛ وذلك لأن الذوق وإن يكن من أعمق ملكاتنا البشرية في إدراك مواضع الجمال والقبح، إلا أنه لا يمكن أن يصبح وسيلة مشروعة للمعرفة التي تصح لدى الغير، إلا إذا علل بأسباب عقلية وفنية ونفسية تستطيع أن توحي بمثل ما نحس به، وإلا أصبح ما نقول ادعاء كاذبا إن لم يكن نصبا. ولقد حاولت تمييز "الشعر المهموس" بمعارضته "بالشعر الخطابي" ولكنني فيما يظهر لا أزال محتاجا إلى مزيد من الإيضاح، وهأنا اليوم أتناول قصيدة للأستاذ محمود حسن إسماعيل، وجدتها مصادفة في عدد ٧ من يونية سنة ١٩٤٣ من الرسالة بعنوان "حصاد القمر".

стр. 75

الأستاذ محمود حسن إسماعيل يذكرني دائما بالمتنبي، ففي شعره رنين قوي تجده في بسطة أوزانه وضخامة ألفاظه بل في بعض صوره الشعرية المجتلبة على نفس النحو الذي كان المتنبي يصطنعه أحيانا متتلمذا لأبي تمام، ولكني أبادر فأقرر أن شعر المتنبي غير شعر محمود إسماعيل في معدنه النفسي وفي رؤيته الشعرية. شعر المتنبي كشعر محمود إسماعيل من النوع الخطابي؛ ولكن شاعر الحمدانيين كان شاعرا كبيرا، وأما صاحب -هكذا أغنى- فشاعر يعيبه أمران خطيران: ١- أولهما أن للمتنبي نفس قوية عاتية متماسكة، عاطفة المتنبي مغلقة مركزة عميقة؛ ولهذا قلما تلوح كاذبة، عاطفة المتنبي نار داخلية لا تراها وإن ألهبت اللفظ أو أوقدت الصورة. وأما إحساس محمود حسن إسماعيل فمفضوح، ويأبى شاعرنا إلا أن يزيده افتضاحا بقصاصات النثر التي يعلقها فوق قصائده وفي هذا ابتذال، للنفس عن نفرة، عاطفة محمود حسن إسماعيل "مطرطشة" حتى لتلوح "سرابا عاطفيا" Pathetic fallacy كما يقول نقاد الإنجليز. ٢- ثانيهما اضطراب الرؤية الشعرية Vision Poetique عند محمود إسماعيل، بل إنني لأخشى ألا يكون له حقل شعري على الاطلاق، وهذا أمر يتضح لمن يراجع صوره في أية قصيدة من قصائده، فإنه لا بد واجد بينها من التنافر ما يقطع بأنه لا يرى الأشياء رؤية شعرية صحيحة. تراه يجمع بين صور لا يمكن أن تكون وحدة للموصوف، ولو أنه حرص على الرؤية الشعرية الصادقة لرأيت التجانس الذي يعوزه، وأنا بعد أرجح أنه يلتمس الصور من ذاكرته لا مما يراه ببصره أو يدركه بحسه. ونحن عندما لا نجد لدى الشاعر العاطفة المتماسكة والرؤية الشعرية لا نستطيع أن نحكم بتفوق فنه؛ وذلك لأن الرنين الخطابي مهما بلغت قوته لا يمكن أن يسمو بالشعر. فلغيري إذن أن يعجب بقوة أسر محمود إسماعيل واستحصاء لفظه وغرابة صوره، وأما أنا فما دمت لا أستطيع أن أدرك ببصري حقيقة ما يصف ولا أن أسكن إلى نوع إحساسه، فإنني لا أتردد في رفض شعره وتفضيل "نعيمة" أو "عريضة" عليه وذلك لصدق شعراء المهجر في فنهم. وأنا بعد مؤمن بأن محمود حسن إسماعيل يستطيع أن يصبح شاعرا كبيرا؛ وذلك لأنه يملك هبتين لا شك فيهما: ١- أولاهما روح الشعر، روح غفل ولكنها قوة من قوى الطبيعة، قوة تحتاج إلى

стр. 76

التثقيف الصحيح. ولو جاز لي أن آمل من هذا الشاعر الإصغاء إلى موضعي النقض الكبيرين اللذين أشرت إليهما فيما سبق لرجوت أن نجد فيه شاعرا يعتز به عصرنا. ٢- وثانيهما قدرته على الانفعال، وفي هذا ما يلهب الحس، فيدرك المرء بقلبه ما لا تدركه العقول، وما يحتاج إليه محمود إسماعيل لاستغلال قدرته إنما هو نوع من النظام يركز به إحساسه ويرد ما فيه من فضول. ثم إنني أريد أن يطمئن الأستاذ قطب أن أحكامي على أدباء المهجر ليست سريعة ولا هي عن جهل، فقد قرأت الكثير مما كتب وإن لم أتحدث عنه، وأمر اشتغالي بالدكتوراه حدث عارض لم يستوعب قط كل وقتي، وأنا لا زالت عند رأيي في أدب الحكيم ومحمود طه وغيرهما مع تحفظ واحد هو أنني اقتصرت في مقالاتي على كتب بعينها ليكون النقد موضعيا ومن ثم منتجا. ولقد قرأت لكل كاتب معظم كتبه الأخرى فوجدت الخصائص التي ذكرتها واضحة، وإن تكن ثمة اتجاهات أخرى تحتاج إلى علاج خاص كتصوير الحكيم لبعض الشخصيات تصويرا ناجحا في "عودة الروح". وكاستخدامه الهيومر في "أهل الفن" ولكنه أدبه، كما قلت: أدب فكرة في جملته. وكذلك الأمر في حديثي اليوم عن محمود إسماعيل هذا الحديث الذي لا أبغي من ورائه لجاجة؛ وإنما أبغي الخير، خير الشاعر وخير أدبنا الجديد، فأحكامي عنه تستند إلى قراءة شبه شاملة لما كتب، وإن كنت سأكتفي اليوم بنقد قصيدة واحدة من قصائده حرصا على الدقة. القصيدة كما يقول الشاعر في بطاقته: "وحي سياحة قمرية في ليلة من ليالي الحصاد" وها هو شاعرنا يبدأ بوصف الحقل: "سيان في جفنه الإغفاء والسهر" وإذن فنحن في حالة هيام شعري تستوي فيه اليقظة والنوم، نحن إن أردت في حلم يقظة "نعسان يحلم والأضواء ساهدة" وهذا لا ريب جو الإلهام الشعري، ولكنه جو قد قيد الشاعر؛ ونحن لا يعنينا منه صدقه أو تصنعه، فالشاعر يدعونا إلى هذا الجو وقد أعاننا على أن نحيط أنفسنا به لنخلق فيها جوا مشابها، وننظر مع الشاعر فماذا نرى؟ نرى أن السنابل قد نامت واستيقظ القمر فإذا بنا أمام مقابلة مصنوعة؛ لأننا لا نرى نوم السنابل بوضوح ولا يقظة القمر، القمر الذي ينشر الأحلام، وهذا يسلمنا إلى ملاحظة عامة خطيرة على شعر محمود إسماعيل وهي مصدر ما فيه من تنافر وأعني بها "تشخيصه" للأشياء، والتشخيص لا ريب

стр. 77

من وسائل الفن القوية، ولكنه لا يمكن أن يكون مجرد عبث أو مهارة، بل من الواجب أن تمليه الأشياء إملاء يقربه الفن وقد مسه بجناحه، فإذا به كالحقائق، والفن إلى حد بعيد إيهام بالخلق، خلق واقع شعري، فهل نجح الشاعر في ذلك؟ إنني أنظر فأرى "قلب النسيم ولهان ينفطر للأضواء" و"السنا قد مال جاثيا" و"نخلة قد أطرقت بتلعة" وظل النخلة كأنه "مضطهد" ثم أرى "الدوح نشوانا" ومع ذلك يدعونا الشاعر إلى أن نخشع إن مررنا بالدوح النشوان: ما هذا التنافر؟ "لماذا ينفطر قلب النسيم ولهًا بالأضواء" أهذا تجسيم لإحساس الشاعر؟ أهو تصوير لرقة النسيم تصويرا مجتلبا؟ ولماذا "يجثو السنا" وهو "يحنو" على الشاعر "وينساب" إليه من السماء؟ ثم إن الجو كله جو أحلام هادئة.. فيها لا ريب حزن خفيف melancholie ومع ذلك فجأة نرى الدوح نشوانا. وكل هذا تخبط في الرؤية الشعرية أو انعدام لها، ومن عجب أن تجد وسط هذا التنافر البيت الرائع بتصويره: إن هب نسم بها خيلت ذوائبها ... أنا ملا مرعشات هزها الكبر وأن يجاور هذا التصوير الجميل تشبيهه لظل النخلة "بمضطهد" وأغصان الدوح بأشباح قافلة، غاب عنها الرفيقان "الركب والسفر" وقد نزل على الدوح ضيفان "الليل والقدر" ليتم الازدواج الكاذب: الليل والقدر والركب والسفر. أما الليل فنستطيع أن نفهمه، ولكن ما شأن القدر هنا؟ وما الرأي في "غياب السفر" كناية عن ثبات الدوح وعدم تحركه؟ قد يكون في غياب الركب ما يشعر بالوحشة؛ ولكنني في الحق لا أدرك العبارة عن السكون بغياب السفر. والأغصان "مبهورة ذاهلة" ولكنها مع ذلك قد تكون "منتعشة بشجو الرياح" وما أريد أن أدركه هو وضع تلك الأغصان، كيف كانت أو كيف رآها الشاعر "ذاهلة أم منتعشة"؟ إنني لا أطيق ما يلقيه الشاعر في نفسي من عجز عن إدراك ما رأى. ثم إن القمر "هيمان يحمل وجد الليل أضلعه" وقديما قاتل النقاد أبا تمام لقوله "ماء الملام" وثار به الآمدي إذ وصف حمرة الخدين بـ"ملطومة الخدين بالورد" فماذا يقول المسكين الآمدي لو سمع محمود إسماعيل يتحدث عن "أضلع القمر"؟! وأنا لا أريد أن أطيل، فقد أبنت بالأمثلة السابقة عما أريد من "الرؤية الشعرية". وأما "طرطشة" العاطفة فليست واضحة في هذه القصيدة الوصفية وضوحها في قصائده العاطفية وهي كثيرة بديوانه "هكذا أغنى"، ومع ذلك

стр. 78

نجد في هذه القصيدة أيضا كثيرا من "التأوه" و"والآهات" و"الكبد" و"كبدي" و"ياكبدا" وما إليها. انظر مثلا إلى قوله يخاطب القمر: قلب كقلبك مجروح، وقوله لنفس المخاطب: "إن العذاب الذي أضناك في كبدي"، ثم حدثني عما تستطيع أن ترى من جروح في قلب القمر الهادئ البارد الحالم الحزين حزنا رقيقا لا يعرف الدماء، ثم ما هذا الضنى الآخذ بكيد الشاعر؟ وكيف يوحي به القمر؟ أليس هذا إسرافا معيبا ووضعا لإحساس في غير موضع؟ "الله أكبر يابن النيل يا كبدا" أوما نحس بنفرة نفسية من "يا كبدا" هذه؟ كيف تخاطب القمر "يا كبدا"؟ وبعد فأنا لا أدري كيف يجوز لنا أن نضع هذا الفن الذي نردده اليوم في مستوى فن شعراء المهجر المرهف القوي المباشر؟ كيف نقارن هذا الضجيج بمهمسهم الفني؟ وأما عن النثر فما أظن القراء في حاجة إلى أن أدلهم على أن رثاء أحد الشبان لأمه الذي أورده الأستاذ قطب لا يمكن بحال من الأحوال أن يقارن "بأمي" لأمين مشرق. فرثاء الشاب المذكور لا إيقاع فيه ولا نبل في الإحساس ولا توفيق في اختيار التفاصيل، وكيف تريد من شاب يؤلمه من موت أمه أنهم لم يعودوا يعرفون "بأسرة" أن يصل في فن الكتابة إلى مشرق الذي يذكر "فستانها العتيق" و"يديها اللطيفتين" ووقع قدميها حول سريره، وغابة السنديان، وما إلى ذلك من فتات الحياة التي يعرف كبار الشعراء -كما قلت- كيف يلتقطونها بأنامل ورعة، فيصلون من التأثير في نفوسنا إلى ما لا تصل إليه "الأبواق والطبول".

стр. 79

إيضاح أخير: الحنية: قلت: إنني لا أحب اللجاجة فكيف إذا انقلبت مزيجا من المهاترة والمغالطة وها هو الأستاذ سيد قطب يعود إلى "مزاجي" الخاص فيدعي أن آثر شخصية لدي من شخصيات القصص التي حللتها في سلسلة النماذج البشرية هي شخصية "فيلسيتيه" للكاتب الفرنسي "فلوبير" وذلك لما بها من "حنية"، كما يقول! ولكنني لم أوثر شخصية على أخرى إلا أن يريد الأستاذ قطب حملي على ذلك الإيثار و"فيلسيتيه" بعد ليست النموذج الوحيد الذي تحدثت عنه، فثمت "فوست" يمثل الإقبال على الحياة والهم إلى المعرفة عن سبيل المغامرات، و"دون كيشوت"، والمجالد للبشر، رغم إخفاقه. و"هملت" العقل النافذ نفاذا يشل الإرادة. و"جوليان سوريل" الثائر على مواضعات الحياة الاجتماعية. و"ألست" الناقم على البشر انحلال أخلاقهم. و"فيجارو" المنتقم من الحياة بالسخرية. "وإبراهيم الكاتب" الذي تعلق بالحياة حتى مجها. "وجفروش" الطفل الباسم عن جسارة قلب، وغيرهم ممن لا صلة لهم "بالحنية" والمزاج الخاص. لقد حللت هذه النماذج مظهرا ما فيها، وهي عندي سواء، فلا محل إذن لمغالطة الأستاذ قطب وإصراره على زعمه أني لا أوثر إلا لونا واحدا من الإحساس. ويأبى الأستاذ قطب إلا أن يضيف إلى المغالطة المهاترة بحيث لا أرى بدا من أن تكون هذه الكلمة آخر حديث لي في هذا الموضوع. يرى الأستاذ قطب أن نوع الإحساس الذي أوثره في زعمه خاص بالنساء وبذوي الأمزجة الخاصة، وأنا لا يرهبني أن يكون إحساسي على هذا النحو. ويعصمني من تلك الرهبة جهل نفضته عن نفسي، وبربرية لا يزال يسدر فيها الفطريون من الناس. لقد سمع الأستاذ قطب أستاذه العقاد يكتب مقالات يثبت فيها أن المرأة غير الرجل، وأن بينهما اختلافا سحيقا في الطبيعة، وسمع الحمقى من الرجال

стр. 80

يزدرون المرأة ويعتبرونها سبة أن يشبه الرجل المرأة في شيء، فلم يرَ سبيلا للمهاترة خيرا من أن يرد إحساسي إلى المرأة وإلى ذوي الأمزجة الخاصة. وأنا أحب أن يعلم الأستاذ قطب، وأن ينقل إلى الأستاذ الكبير العقاد أن الحياة البشرية ليست من البساطة بحيث يظنان، وليس بصحيح أن بين الرجل والمرأة اختلافا حاسما في الطبيعة، وقديما زعم اليونان -وزعمهم حق- أن الآلهة عند خلقها للبشر لم تخلق الرجل والمرأة دفعة واحدة. بل خلقت أعضاء مختلفة، ثم جمعت بين تلك الأعضاء لتسوي الرجل والمرأة كيفما اتفق، وهي لسوء الحظ أو حسنه لم تحرص على نقاء الرجل من عنصر المرأة أو نقاء المرأة من عنصر الرجل، ولهذه الخرافة الرمزية دلالتها، فليست هناك امرأة كاملة الأنوثة، وليس هناك رجل كامل الرجولة، ومن يدعي ذلك إنما يصدر عن عقل باطن أمرضته سخافات العقلية الاجتماعية التي نحيا بينها. واليونان لا ريب كانوا في خرافتهم هذه أنبه مني ومن العقاد، وطبعا من الأستاذ قطب، وإنه لمن الحمق أن نحاول تنقص الرجل برد إحدى أحاسيسه إلى المرأة، والشعوب المتحضرة ترى على العكس من ذلك أن في إحساس الرجل كالمرأة موضع فخار لكبار رجال الفن والأدب، ولعل الأستاذ قطب قد سمع من العقاد أن رينان قد وصف بأعظم الصفات كفنان عندما قيل عنه: "إنه يفكر كرجل، ويحس كامرأة، ويتصرف كطفل". الفتات: وأما فتات الحياة "التي يعرف كبار الأدباء كيف يلتقطونها بأنامل ورعة" فالظاهر أن الأستاذ قطب لم يدرك ما أردته منها. وهأنا أبسط القول. والأستاذ قطب لا بد قد فهم عن الأستاذ الكبير العقاد أن كل فن اختيار للتفاصيل الدالة، فالمصور يختار من الألوان والأضواء وتفاصيل المنظر أقدر الجزئيات على الإيحاء، وكلما سما الفنان في فنه ورهف في وسائله عرف كيف يختار تلك الجزئيات الصغيرة، وليس ثمة علاقة بين "فتات الحياة" التي يختارها "وضخامة الإحساس" الذي يريد أن يثيره، فالإحساس من الواجب طبعا أن يكون قويا، وموضع الإعجاز هو أن يثير الفنان هذا الإحساس القوي "بالفتات" التي لن يدركها الأستاذ قطب، بل إن جميع المثقفين في حقائق الفن والأدب ليعلمون لخبرتهم الطويلة بكافة الفنون في العالم المتمدين -أن إثارة الإحساسات القوية

стр. 81

لا يمكن أن تكون بغير فتات الحياة الأليفة الوثيقة الصلة بالبشر، وأما الطنطنة، وأما تضخيم التوافه، وأما عجيج الألفاظ، وأما التبجح بالقوة الجوفاء، فهذه وسائل العجز والادعاء والجهل. أضرب للأستاذ قطب مثلا بسيطا أختاره من السينما لنبعد عن الأدب العسير الفهم. في إحدى الأفلام أراد مؤلف القصة أن يحمل المشاهدين على إدراك ضيق بطل الرواية لطول انتصاره أمرا يهمه فلم ينطقه بخطبة، ولم يعبث بملامحه ولم يحمله على تمزيق ملابسه أو شد شعره، بل ولا على الصياح في أجواز الفضاء، بل عرض على الشاشة بطلنا وأمامه منفضة سجاير خالية، ثم غير المنظر وعرض الرجل في نفس الجلسة، وأمامه المنفضة وقد امتلأت بأعقاب السجاير حتى فاضت، هذه المنفضة المليئة بأعقاب السجاير لا شك من فتات الحياة بل من هناتها، ولكن أوما يرى الأستاذ قطب أنها وسيلة قوية من وسائل الأداء، وأنها قد حملتنا على إدراك نفسية البطل إدراكا لن تبلغه قصيدة طويلة من قصائد الأستاذ قطب؟ هذه هي فتات الحياة التي يجب أن نعرف قدرها في الفن، ولكننا قوم فطريون، نظن الفن ألوانا فاقعة وضجيجا خاويا، نعم يا أستاذ قطب أنا أوثر "الأطياف الباهتة" لأنها نسيج كل فن رفيع، وأما الأطياف الزاهية فلا تسر غير البدائيين من الناس، أولا ترى إلى زنوج إفريقيا كيف يستهويهم الأحمر القاني والأصفر الكركم؟ وأعود فأكرر أننا في سبيل الحديث عن طرق الأداء في الفن، وأما قوة الإحساس المثار فلا دخل لها بالفتات، إلا أن يكون هذا الفتات مبعث ذلك الإحساس القوي. وأما إنني أستطيع أن أستقل بالمشاعر الضخمة وبالفحولة والجهارة أو لا أستطيع، فهذه دعوى لا أحب أن أناقشاها لأنها صغيرة، ولسنا في مجال مبارزة. وأنحدر إليها، ورحم الله من قال: "أسرع الناس إلى القتال أقلهم حياء من الفرار". ونحن نناقش مسائل فنية يدور حولها الأستاذ قطب -يدور من الخارج. مختارات الأستاذ قطب: قلت: إنني أحب المتنبي وأرى فيه شاعرا كبيرا، ويأبى الأستاذ قطب إلى أن

стр. 82

يقول ويكرر: إنني لا أحبه، وهو يقرن العقاد إلى المتنبي، وفي هذا ظلم للمتنبي وللعقاد، فالمتنبي شاعر والعقاد لا شأن له بالشعر، ولا أدل على ذلك من مختارات قطب نفسها. لقد أتى الأستاذ قطب بنموذج للنثر المصري الجيد "رثاء أحد الشبان لأمه" والشاب صاحب الرثاء هو الأستاذ قطب نفسه، واحتجاج الإنسان بنثره الخاص شيء سمج، وأمعن في السماجة أن يتحدث المرء عن نفسه في مناقشة الغير فيدعي أن في نثره "معاني كبيرة وأحاسيس عميقة". هذا الأسلوب ليس من آداب المناقشة؛ ولهذا أهمل نثر الأستاذ قطب كله وأترك له مهمة الحديث عن نفسه. وأما مختاراته الشعرية فهي أولا لشاعر مصري كبير، وثانيا لشاعر من شعراء الشباب المصريين، فأما شاعر الشباب فهو أيضا الأستاذ قطب ولهذا أهمله وأهمل شعره؛ لأنني لا أطيق هذه الصفاقة، ثم إنني لا أرى من اللياقة أن أناقش أشعار التلميذ، بينما لدي أشعار الأستاذ نفسه، لدي أشعار المصري الكبير العقاد. فالشعر له والأستاذ قطب في ركابه. ولنأخذ من الصورة الشعرية التي أوردها الأستاذ قطب للشاعر الكبير العقاد قصيدته "الكون جميل" "الرسالة عدد ٥٢٠" قال الشاعر: صفحة الجو على الزر ... قاء كالحد الصقيل لمعة الشمس كعين ... لمعت نحو خليل رجفه الزهر كجسم ... هزه الشوق الدخيل حيث يممت مروج ... وعلى البعد نخيل قل ولا تحفل بشيء ... إنما الكون جميل وقال الأستاذ قطب معلقا على جمال هذه الأبيات: إن فيها ألفة، وإنه يكاد يلمح الشاعر "متسع الحدق مفغور الفم وهو ينشق بل يلتهم ما في الطبيعة" وأنا لا أدري أي ذوق أدبي ذلك الذي يحمل الناقد على تصوير الشاعر "متسع الحدق مفغور الفم". وهل يستطيع القارئ أن يتصور هذه الصورة القبيحة دون أن يملكه الاشمئزاز والضحك؟ تصور شاعرًا مفتوح العينين فاغر الفم! هذه صورة أبله لا صورة شاعر! ثم أين الجمال في هذه الأبيات؟ ما هذه الصفحة؟ أهي الأثير؟ وهل هي غير الزرقاء؟ وهبها كانت غيرها أهي

стр. 83

كالخد؟ هذا الفضاء الرحب، الفضاء المترامي الذي تسبح فيه الروح فلا تنتهي إلى غاية، هذا الفضاء خد؟ وكيف تصقل الأثير، الأثير اللين الشفاف الخفيف؟ لمعة الشمس كعين ... لمعت نحو خليل هل يرى القارئ عين الحبيب وهي تلمع نحو الخليل فتشبه لمعة الشم؟ لا بد أنها عين حمراء تقدح الشرر وترسل اللهيب! رجفه الزهر كجسم ... هزه الشوق الدخيل أنا أعلم أن الدخيل معناه الطفيلي. أهو الشوق الطفيلي؟ أهو الشوق الداخلي؟ وهل ترى الجسم يهتز كرجفة الزهر؟ لو أن الهزة كانت في القلب لقلت شاعر يشارك الطبيعة بإحساسه ولكنه الجسم كله. يخيل إليَّ أنني أرى فيلا يهتز بجوار وردة تتمايل على غصنها. حيث يممت مروج ... وعلى البعد نخيل مرج ونخيل لا تخصيص فيها ولا اختيار، أين الفن في يممت نحو المروج وعلى البعد نخيل؟ وهذا نثر لا روح فيه. وأما غاية العجب فتأخذك من قوله: قل ولا تحفل بشيء ... إنما الكون جميل تسمع قل ولا تحفل بشيء، فتتنبه حواسك، ويستيقظ إحساسك. ويصحو عقلك لهذا التحدي القوي وتلك الشجاعة النادرة، وتحسب أن الشاعر سيخرج على قانون من قوانين الوجود أو على حقيقة من الحقائق الإنسانية الثابتة، ثم ننظر فإذا به لا يأتيك بغير هذه الجملة المبتذلة "إنما الكون جميل". وأنت تتساءل عن سر هذا القصر وذلك التأكيد فلا تهتدي إلى شيء. ها هو شعر الشاعر الكبير، فما بالك بشعر الشاعر الصغير؟

стр. 84

٣- الهمس في الأناشيد: تحدثنا في مقالات سابقة عن الهمس في الشعر والنثر، وكانت مناقشات يمجها الذوق الخلقي، فقد أرى البعض في رفاهة الحس ولطافة الروح أنوثة، ورددنا بأن ذلك ليس وقفا على النساء؛ إذ من الواضح أن الله لم يقصر بعض الصفات على جنس دون جنس، وإنما نحن بإزاء نسب، وكنت أظن أن الحديث كله دائر على الرجولة والأنوثة من الناحية النفسية، وأما عن الناحيتين الأخلاقية والاجتماعية. فذلك ما لم يخطر لي ببال في مجادلة رجال يتصدون لتثقيف الجماهير، وكم كانت دهشتي عندما رأيت كاتبا يذهب إلى أبعد من الرجولة الأخلاقية والاجتماعية، فيدعي "أني أفخر بمشابهة المرأة في تكوينها" مع أنه يعرف معنى كلامي حق المعرفة، بدليل أنه قد فطن هو نفسه منذ سبعة عشر عاما فيما يقول إلي: "أن حب تاجور أقرب إلى عطف الأنوثة ورحمة الأمومة. فإن فاصل الجنس ليس من المناعة والجسم بالمكان الذي يتوهمه أكثر الناس"، وأنا لم أقل غير هذا. فالحديث -كما قلت- لم يعد الناحية النفسية، ومع ذلك يسف الكاتب فيعتقد أنه قد وصل مني إلى شيء عندما قال: "إنني أفخر بمشابهة المرأة في تكوينها"! وأكبر ظني أن الإنسانية كلها مجمعة على أن "أنوثة" قادة البشر من "كبار الرجال" الذين وصفوا بتلك الصفة مثل تاجور، ورينان ولامرتين، وشنييه، وغيرهم، خير من "رجولة" صاحبنا وأذنابه أولئك مخلدون حباهم الله تفكير الرجال وإحساس النساء وسذاجة الأطفال، وهؤلاء لا تسمع منهم إلا صلفا وغرورا ومهاترة مخزية. ولنترك هذا الحديث الذي ينزل بالقلوب إلى آخر يرتفع بها، وأمامي الآن نشيد من الشعر اللبناني تذكرته إذ جاءني خطاب يخبرني بوفاة فؤاد البعلبكي، أحد الطلاب اللبنانيين بجامعة فؤاد، ولكم طربنا أساتذة وطلبة لصوت هذا الراحل الكريم وهو يتغنى به من جوقة من إخوانه، تعاودني هذه الذكرى فيزداد حزني لوفاة ذلك الشاب الرقيق الصوت، الأنيق السمت، العزيز النفس، الطيب الخلق، ألا يرحمه الله! وأتلمس سر طربنا لهذا الشعر، فأرى فيه إلى جانب الأنغام خاصيتين

стр. 85

هامتين يكملان معي الهمس في نفس ذلك المعنى الذي لا بد من الوصول إلى رفع كل لبس عنه حتى يسفر، فيتحقق ما نرجوه من توجيه شعرنا الحديث تلك الوجهة التي ندعو إليها بإيمان يزيده رسوخا أنه نبع عن إحساس لن يمل العقل البحث عن تعليله وإيضاحه. فأما أولى الخاصيتين، فهي ظاهرة الحب بل العشق، والحب ليس وقفا على الغزل الجنسي كا قد يظن، فلغته من الناحية النفسية هي المنفذ الصادق لكل شعور حار، ومن عجب أن يفطن نقاد العرب أنفسهم إلى هذه الحقيقة الكبيرة فيحسون بلغة العشق عند أكبر شعراء العرب الخطابيين نفسه، وهو المتنبي، فيقول الثعالبي في "اليتيمة": إن المتنبي ققد خاطب الممدوح بمثل مخاطبة المحبوب، وإنه قد استعمل ألفاظ الغزل والنسيب في أوصاف الحرب والجد، وهو يرى في هذا مذهبا تفرد به شاعر الحمدانيين. وهذا حق، وإن يكن الثعالبي لم يستطع تعليل تلك الظاهرة؛ لأن النقد العربي بجملته لم يحاول أن يصل بين نفسية الشاعر وشعره، وذلك لسبب واضح، هو أنه يتضج إلا في العصر العباسي، وهو العصر الذي لم يعد يعبر فيه الشاعر التقليدي عن الحياة، وأصبح يرسف في محاكاة القديم، حتى لم يعد فضل للمحدثين في غير تجويد العبارة عن المعاني المطروقة والتفنن في "البديع". وجارى النقد الشعر فأصبح نقدا فنيا بحتا، ومن هنا لا ندهش عندما نرى الثعالبي يعلل استخدام المتنبي للغة الحب في غير الغزل بأن ذلك كان "اقتدارًا منه وتبحرا في الألفاظ والمعاني". ثم يضيف سببا آخر هو "رغبة الشاعر في رفع رأسه غن درجة الشعراء، والسمو بها إلى مماثلة الملوك"، وهذه الأسباب وإن تكن صحيحة إلا أنها لا تكفي، بل لعلها تعدو السبب الحقيقي الذي نجده في طبيعة المتنبي النفسية وفي ملابسات حياته، فقد كان الرجل قوي الانفعال سريع التأثر، زخرت نفسه بشتى المشاعر ففاضت في لغة الحب. ولقد أحب سيف الدولة حبا حقيقيا؛ إذ رأى فيه رجلا شهما كريما، وزاده حبا له كونه عربيا في زمن غلب فيه الأعاجم وسيطروا على العرب في كل مكان، إلا في حلب حيث كان يرابض الحمداني يحمي الثغور ضد الروم، ثم يخضع القبائل الثائرة، ويتبع النصر بالعفو عنهم ليضمهم إلى جانبه في دفاعه المجيد ضد أمراء بيزنطة أعداء العرب جميعا، ولقد ترك الشاعر أمير حلب مغضبا، ومكث في مصر عند أعداء بني حمدان أربع سنوات، ثم عاد إلى العراق، ومع ذلك لم يهج قط صديقه

стр. 86

الحبيب، ولا عدا في ذكره له حد العتاب الذي تفاوت لينا وشدة بتفاوت حالات الشاعر النفيسة، بل قد رأيناه يرثي أخته خولة رثاء مؤثرا يدل على حزن حقيقي ومشاطرة لأخيها في ألمه، ودعاه سيف الدولة إلى أن يعود إلى جواره فاعتذر، ومع ذلك لم يكتم فرحة بخطاب تلك الدعوة الكريمة التي أتته من صديقه القديم، ولقد عبر عن حزنه لفراق ذلك الصديق غير مرة في شعر صادق جميل مؤثر، وبخاصة أثناء إقامته بمصر: كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا حببتك قلبي قبل حبك من نأى ... وقد كان غدَّارا فكن أنت وافيا خُلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا وقوله من قصيدة أخرى: أغالب فيك الشوق والشوق أغلب ... وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب أما تغلط الأيام فِيَّ بأن أرى ... بغيضا تنائي أو حبيبا تُقرب وقوله: أود من الأيام ما لا توده ... وأشكو إليها بيننا وهي جنده أبى خلق الدنيا حبيبا تديمه ... فما طلبي منها حبيبا ترده أحب إذن شاعرنا سيف الدولة حبا حقيقيا، وحزن لفراقه حزنا موجعا: ما لي أكتم حبا قد برى جسدي ... وتدعي حب سيف الدولة الأمم إن كان يجمعنا حب لغرته ... فليت أنا بقدر الحب نقتسم يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم وكذلك قوله: يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم ... إلخ، مما يفيض غراما أو ما يشبه الغرام، وألف الشاعر تلك اللغة، فظهرت في مدحه لغير سيف الدولة، ككافور في قوله: "وما أنا بالباغي على الحب رشوة ... " وقوله: ولو لم يكن في مصر ما سرت نحوها ... بقلب المشوق المتسهام المتيم وابن العميد بقوله: تفضلت الأيام بالجمع بيننا ... فلما حمدنا لم تدمنا على الحمد فجد لي بقلبي إن رحلت فإنني ... مخلف قلبي عند من فضله عندي

стр. 87

وعضد الدولة بقوله: أروح وقد ختمت على فؤادي ... بحبك أن يحل به سواكا فلو أني استطعت حفظت طرفي ... فلم أبصر به حتى أراكا ولتعليل تلك اللغة في مخاطبة قوم لم يكن المتنبي يحبهم حبه الصادق لأمير حلب، يجب أن نفطن إلى حقائق نفسية أخرى عن الشاعر، وأخص تلك الحقائق اثنتان: الطموح والسذاجة، فالطموح من طبيعته أن يخلط بين الغايات والوسائل، فترى صاحبه يجب كل وسيلة إلى الغاية التي يستهدف، وكأن الغاية قد اختلطت بالوسيلة، وإذا اجتمعت السذاجة إلى الطموح -كما حدث عند المتنبي- لم يكن غريبا أن يحب الرجال الذين رأى فيهم كل وسائل إلى غاياته، وأن يسرف في هذا الحب عندما تخيل إليه سذاجته أن غاياته المحبوبة قد تحققت أو أصبحت في حكم المتحققة، ولعل في بيته الشهير: وكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب وما يمثل نفسية الرجل الطموح خير تمثيل، فهو لا يحب إلا من يولي الجميل ولا يرى الطيب إلا حيث ينبت العز. وحن الآن لا نناقش قيمة هذا الإحساس من الناحية الأخلاقية، ولكننا نقرر حقيقة نفسية ثابتة، نجدها عند النفوس المندفعة الطموحة الساذجة في الغالب، والمتنبي من بينها. وينتهي بنا هذا التحليل السريع إلى نقطة البدء، وهي مقدرة المتنبي على الانفعال، وبهذه المقدرة نعلل استخدامه لغة العشق أيضا في الكلام على الحر كقوله: أعلى الممالك ما يبني على الأسل ... والطعن عند محبيهن كالقُبَل وقوله: شجاع كأن الحرب عاشقة له ... إذا زارها فدته بالخيل والرجل فأنت ترى الطعن عنده كالقبل، وترى الحرب عاشقة للشجاع، وأمثال ذلك كثير في شعره. هذه هي الظاهرة التي لاحظها الثعالبي وقد عللناها بما نراه متمشيا مع نفسية الشاعر، وهي بعد لا تقف عند المدح أو الفروسية، بل تكاد تمتد إلى معظم شعره. والقراء لا ريب يذكرون نظرية صديقنا الباحث العميق محمود شاكر، وهي التي يزعم فيها أن المتنبي قد أحب خولة حب غرام. ومن أكبر أدلته على ذلك ما في رثائه من حرارة الألم، ونحن وإن كنا غير واثقين من صحة هذا الفرض، إلا أننا مغتبطين إلى الظاهرة العامة التي لاحظها صاحب اليتيمة وأمَّنا عليها، فالمتنبي -ككل شاعر كبير- غني بنغمات الحب.

стр. 88

والحب هو الذي يمس نفوسنا عندما نستمع إلى أناشيد لبنان، وفي هذا تختلف أناشيدنا في جملتها عن أناشيدهم. فنحن نصدر، إما عن زهو كقولنا: "بلادك يا مصر بلاد الأسود" أو نحن "زوابع من نار في قوة الإعصار، في عزمه الجبار، كنا على الدنيا فنا" "نحن السيوف المشروعات". وإما أن ندعو إلى حروب كحروب دون كيشوت نحو: "يا قاعد في دارك والعالم في نار، ما تحمل سلاحك وتحمي الديار" أو "يا فرحتي، في الحرب حاخدم أمتي" بلغتها المخنثة السمجة التي يصدعنا بها الراديو المصري المشئوم صباح مساء. وإما أن نستلهم "خضرة" الشجاعة في لغة لا أعرف لثقلها مثيلا: "مين زيك عندي يا خضرة١.. ما تجودي علي بنظرة.. وأنا رايح الميدان". وما إلى ذلك من استجداء لا يشعر بالحاجة إليه جندي حقيقي، يعرف أن البطولة الفذة ستجعل منه معقد أنظار "خضرات" الأرض جميعا، وما هكذا تكون الأناشيد وإنما تكون شعرًا، والشعر إحساس بجمال الوطن وحب لذلك الجمال. والأناشيد لا تحرك النفوس إلا بقدر ما فيها من تفاصيل حقيقية قادرة على استحضار صورة الوطن أمام الخيال. ثم التغني بتلك التفاصيل غناء مهموسا نافذا حارا، ومن هذا النوع "نشيد العروبة" الذي نريد أن نتحدث عنه. عليك مني السلام ... يا أرض أجدادي ففيك طاب المقام ... وطاب إنشادي وهذان البيتان هما القرار الذي تردده الجوقة، وقوام الإحساس فيه ربط الوطن بمستقر الأجداد، ثم طيب المقام به ونشوة الانتماء إليه. وتأتي المقطوعة الأولى: عشقت فيك السمر ... وبهجة النادي عشقت ضوء القمر ... والكوكب الهادي والليل لما اعتكر ... والنهر والوادي والفجر لما انتشر ... بأرض أجدادي وهذا شعر سهل قريب، ولكن تحس بلغة الحب تتقد بين مقاطعة، وكأن السمر وضوء القمر، والكوكب الهادي، والليل لما اعتكر، والنهر والوادي، والفجر لما انتشر ليست من الظواهر الشائعة بين البشر، بل شيء خاص، خاص بأرض أجدادي، يخيل إلَيَّ أن هذه الأشياء كلها غيرها في البقاع المغايرة للوطن الذي

стр. 89

يتغنى به الشاعر، هناك شيء من التخصيص لا أدري من أين أتى، فهو يجري في المقطوعة كلها، يجري في الإحساس الصادق بالجمال، يجري في يسر العبارة، يجري في "فيك" بعد "عشقت" الأولى وفي "باء" "بأرض أجدادي" بعد "والفجر لما انتشر" يجري في موسيقى اللفظ، وحرارة القلب. ويعود القرار: عليك مني السلام ... إلخ، ثم تأتي المقطوعة الثانية ولعلها أجمل ما في النشيد: أهوى عيون العسل ... أهوى سواقيها أهوى ثلوج الجبل ... ذابت لآليها سالت كدمع المقل ... سبحان مجريها ضاعت كرمز الأمل ... بأرض أجدادي وهنا يجتمع الإحساس بالجمال الخاص، بالجمال الدال على وطن بعينه، الجبال ذات الثلوج تذوب كاللآلئ يجتمع إلى لوعة النفس، لوعة فيها روحية التصوف. سالت الثلوج كدمع المقل، سالت سبحان مجريها، ضاعت كرمز الأمل. ثروة روحية في تلك المعاني التي بلون بعضها وقد تدفقت في وحدة نفسية بالغة العمق! انظر إلى نار الوطنية تئج في تشبيه ثلوج الجبل الجميل كاللؤلؤ يدمع المقل، انظر إلى التصوف الديني في سبحان مجريها، انظر إلى العتاب القوي المثير للهمم في "ضاعت كرمز الأمل". ويعود القرار مرة ثالثة، ثم تصل إلى المقطوعة الأخيرة: يا قوم هذا الوطن ... نفسي تناجيه فعالجوا في المحن ... جراح أهلية إن تهجروه فمن ... في الخطب يحميه ياما أحيلي السكن ... في أرض أجدادي أوما يفعل هذا العتاب في النفس أكثر مما تفعل ألفاظنا الضخمة ونداءاتنا الغليظة المسرفة؟ فالنفس تناجي هذا الوطن، وقد نزلت به محن جرحت أهليه، هلا عالجتموها! وهأنتم تهاجرون التماسا لسعة الحياة، ولكن أما للوطن أن يلتمس فيكم حماته؟! هذا الوطن الجميل "ياما أحيلي السكن في أرض أجدادي"! عتبا فيه إغراء قوي حتى العبارة عذبة جميلة مؤثرة "ياما أحيلي السكن"، ياما أحيلاه في أرض أجدادي! هذا هو سحر الألفاظ، سحر مستمد من القلوب. ذلك هو شعر الأناشيد الذي يخاطب النفس فيحركها؛ لأنه يقوم على الإحساس

стр. 90

بجمال الوطن كما قلنا، على عشق هذا الجمال١، وأما الوطنية، وأما استنهاض العزائم، وأما الدعوة إلى الفداء، فكل تلك معانٍ لا يمسها الشاعر بظاهر اللفظ إلا في رفق يشبه الحياء، ولكن لكم نحسها قوية دامغة في حرارة النغمة، ولطف الإحساس، ونفاذ العبارة! وهذا هو سر الشعر، هوا لهمس إن أردت أن تعرف ما نقصد بذلك اللفظ الذي كأنه سر مغلق. وبعد، فأنا أخشى أن يكون مصدر ما في أشعارنا من غلظ ضعف في الحاسة الفنية، حاسة الإحساس بالجمال، ثم نقص في القدرة الحقيقية على الحب بمعناه الإنساني الصحيح، ويزيد هذا الخوف في نفسي وضوحا ما ألاحظه من أن شعبنا لا يفطن إلى شيء اسمه جمال في شجرة أو نهر، فجر أو غسق، وإنما يعرف ذلك من سمع منا أو تعلم أن هناك شيئا بهذا الاسم، وأن الله لم يخلق الأشياء لما فيها من نفع مادي للإنسان فحسب، بل خلقها أيضا لمعانٍ روحية، سل مثلا فلاحا عن جمال شيء، تحس لساعتك أنك تخاطبه عن أمر خلا منه ذهنه على الإطلاق! وليس لذلك سبب غير الجهل. فالإحساس بالجمال ذاته لا بد أن يوقظه العلم، واللبنانيون أكثر اتصالا منا بثقافة الغرب؛ ولذلك نضح إحساسهم، ورهفت أذواقهم، ونضجت نفوسهم، ومن هنا ترانا ندعو جاهدين إلى نقل الثقافة الغربية إن كنا نريد نهضة حقيقية، وما النهضة إلا نوع من الحياة لا أفكار تردد أو نظريات تسرد.

стр. 91

الأدب عسر لا يسر ١: منذ عودتي من أوربا بعد السنين الطويلة التي قضيتها بها وأنا أرسل للثقافة المقال تلو المقال فتنشر القليل وتمسك الكثير بحجة أن فيما أكتب عموضا وكثرة استطراد وإشارات إلى بعض الآداب الأجنبية، لا يستطيع القارئ المصري فهم معناها وقد خلا ذهنه مما تفترضه معلوما لديه من أسس الثروة العقلية التي يملكها مثقفو القوم في أوربا. والرأي عندها أنه من واجبنا أن نلحظ القارئ ونقدم إليه ما يتناسب وثقافته في وضوح وجلاء، وفي هذا إهدار لكل القيم، فالماء الوشل لا يعرف إلا لونا واحدا تتفق عليه كل الأبصار، ونحن نحرص على أن نترك له عمقه حتى تتهيأ له من تكافئ طبقاته تلك الألوان المتباينة تباين ما يلقى عليه من ضوء أو تنعكس فيه من ألوان السماء، وفي نفسي -إذ أقول ذلك- صور لبحيرة Bourget في جبال السفوا بفرنسا، فهناك تتغير ألوان مياهها بتغير حالات الجو وساعات النهار، فطورا تنحدر الأضواء عما يحيطها من جبال شامخة لتنتهي إلى صفحة الماء وكأنها مأخذ آلة مصورة تجتمع إليها الأشعة، فإذا بشدة البريق تلهينا عن لون مياهها، فكان البريق لونا، وطورا يخف الضوء بما انتشر فوقه من ظلال، وإذا بالماء في زرقة قاتمة أو خفيفة كالعين المبصرة. وكثيرا ما تعبس السماء فلا ترى إلا ما يشبه النحاس علاه الصدأ، وفي ذلك من الجلال مثل ما نحسه بإزاء أثر قديم قد كساه الزمن بذلك الطلاء القاتم، الذي يخلع على ما يكسوه من نبل القدم، ما يأخذ بكل نفسي صادقة الحس، وعلى شاكلة تلك البحيرة أود أن لو كان كل مقال، أود أن نترك له عمقه حتى لا يجد فيه كل قرئ ما يجد الآخر. والنفوس متباينة وبحكم هذا التباين نفسه لن نستطيع أن نقدم لكل منها ما تبغي، فالسبيل إلى تغذية النفوس بالحق والجمال لا يمكن أن يكون بغير ترك احتمالات لا حد لها ترقد تحت ألفاظنا فتلتقط منها كل نفس ما تريد. وحسبما كان لونها الدائم أو الموقوت، ونحن بعد ذلك لا نكتب لنسكب ما في نفوسنا في أنفس الغير، وإنما لنعين كل نفس على الوعي بمكنونها؛ إذ النفوس عامرة بكل حق وجمال، والمقال الجيد هو ما يأخذ بتلك النفوس إلى حيث يستقر منها ذلك الحق وذلك الجمال.

стр. 92

يخيل إليَّ أن الطبيعة البشرية كقطعة الرخام حلَّتها الطبيعة بأجمل "التجازيع" ولكنها مختفية كما هو الأمر في الرخام، ولكي تظهر تلك التجازيع لا بد لها من محك يذهب بالطبقة السطحية التي تخفيها. وهذا المحك في الطبيعة البشرية هو الحياة، فنحن إذ نكتب لا نفعل ذلك إلا لأن الحياة قد كشفت لنا عما في طبيعتنا من "تجازيع" نطلع الغير عليها لتعينهم على اكتشاف ما اكتشفنا، فيجدون في أنفسهم ما وجدنا، ذلك أنه وإن تكن تجاربنا الخاصة لن تغني الغير عن التجربة الذاتية، إلا أنه ما من شك في أن حياتنا الروحية خاضعة لقانون عام هو قانون "ادخار الطاقة" فالرواية التمثيلية نراها فتشفى النفس من غريزة مكبوتة أو أمل مكتوم، وكأننا أحيينا تلك الغريزة وحققنا ذلك الأمل، وهكذا تحل المشاهدة وما يصاحبها من مساهمة خيالية محل المزاولة الفعلية، وبهذا نجنب أنفسنا التجربة المباشرة، وندخر ما في جهدنا من طاقة، والأمر في الرواية كغيره في كل أثر أدبي أو فني. وإذن فنحن نكتب لنساعد الغير على اكتشاف نفسه، ونحن نريحه بتجاربنا من المزاولة الفعلية، وخلاصة تجاربنا في أكثر الأحيان ليست من الوضوح بحيث يُظن إلا أن تكون تجارب مدعاة. فالحياة لسوء حظنا أعمق من أن تسلم إلينا أسرارها. والخلق الأدبي ليس خلقا عقليا بل خلق حواس، فليس لرجل الفن أن ينتظر حتى تأخذ الصور الحسية عنده دلالتها العقلية، وإلا حكمنا عليه ببعد طبيعته عن إمكان ذلك الخلق، وإنما هو يأخذها عند نبعها، قبل أن تصل إلى نفسه فتسقط في الميدان العقلي الذي يشترك فيه جميع الناس، وكيف نستطيع أن ندعي الخلق بما هو شائع بين البشر؟ ومن هذه الصورة الحسية نصوغ ما نعرضه على القارئ وقد شاطرنا صفة الإنسانية واثقين أنه واجد في نفسه ما يماثلها. ونحن بعد ذلك لا نعرض عليه ما في نفوسنا من حب أو ألم تطفلا منا وزجا له فيما لا يعنيه ليضيق بنا نفسا، بل لإيماننا بأنه يحب ويألم كما نحب ونألم، والواقع أنه ليس هناك أي خلق أدبي يسند إلى حادثة بذاتها، فالكاتب للغزل لا يتغنى بامرأة بعينها بالغا حبه لها ما بلغ، وإنما أقصى ما يستطيع أن يفعل هو أن يحضرها إلى نفسه ليخلق جوا يستطيع بفضل ما يشيع فيه من حرارة أن ينفذ إلى صميم النفس البشرية إطلاقا. والفنان يعرف أنه صائر إلى الفناء، وهو منذ نشأته يحس أن في نفسه رسالة لا بد من أدائها، وهمه الأول هو تحديد تلك الرسالة وقد شاعت في نفسه غامضة، فليس لإنسان أن يزيده نصبا وقد شد عزمه لجمع ما انتثر من تلك الرسالة، ولا أن يطالبه بتأديتها دفعة واحدة، فلو أنه استطاع لما توانى، وإنما لنا وعلينا أن نمهله متلقين ما يحمل لنا من فتات، مقدرين له جهده، عالمين أنه خير للإنسانية أن تؤدي نفس واحدة رسالتها ولو نقطة نقطة من أن يملأ الناس آلاف الصفحات المستعارة.

стр. 93

هذا هو الأديب كما أظنه. وأما من يدعون الأدب بغير رسالة تطرب بها نفوسهم فتلك أرواح خلقت خطأ كما خلق أكثر الناس بغير سبب، ولا مبرر، إلا إتلاف الحياة على من يستحق الحياة. رأيت بمسرح الأديون بباريس رواية لإبسن lpsen هي رواية "بيرجنت" Pyr Gynt موضوعها خيالي استقاه المؤلف من أساطير البلاد الشمالية، ووضع لبعض أجزائها الموسيقى جريج Greeg ما زاد في دلالتها من ألحان، والذكرى التي علقت بنفسي منها هي ذكرى أحد أشخاصها الوهميين، وقد سار على المسرح وبذراعه سلة وبيده الأخرى "مجراف" وقد أخذ يجرف من يلقاه من الناس الذين خلقوا خطأ، يلقيهم بالسلة ليعود خلقهم من جديد رحمة بهم وبغيرهم ممن يشاركون في صفة الإنسانية. وكلما فكرت في أمر الأدب أو الفن عندنا عاودتني تلك الذكرى، وبودي لو ساقت هذا الرجل قدماه إلى بلادنا. فما أشك أنه واجد ما يملأ أضعاف سلته. فالأدب عندنا يزجيه فراغ أو احتيال على العيش، وفي هذا امتهان لحياتنا لا حد له، وهو إن سعى إلى غاية جاءت غايته حقيرة، فمن قائل: إنه منبر وعظ سبيل إرشاد، ومن قائل: إنه مصري أو يجب أن يكون مصريا، والكل يجمع على ضرورة تيسيره لكافة الناس حتى نكسب من ورائه المال. وأنا بعد أعلم أننا بوجه عام لم نزل في حالة فطرية حيث تقاس الأشياء بما تعود به من نفع مادي أو معنوي مباشر، وأنه لا بد لنا من زمن حتى نصل إلى تفدير الحق والجمال في ذاتهما. ولكن أما لنا أن نحاول بسط أجنحتنا؟ وشباب هذه الأمة يحتفز نشاطا، فما له لا يأخذ عدته، فيبحث وينقب عما نشير إليه، يغني بتفاصيله نفسه؟ فرجاؤنا إلى الشباب اليقظ أن يرجع إلى ما يشير إليه الكاتب، فيستوعبه ليرى أثره العام في نفسه، وليذكر مثل هذا الشاب أن الثقافة الحقيقية "هي ما يبقى في النفس بعد أن نسى ما حصلنا"، وهذه الثقافة هي ما نحاول أن نمده بها، وإن يكن ذلك غير منغنيه عن الرجوع بنفسه إلى كتب البسط، فمهمتنا ليست في ذلك، وإنما هي في تعليمه كيف يجد نفسه. الأدب عسر لا يسر، وما ينبغي أن يكون غير ذلك، على أنك مجازي بغير ريب عن جهدك، فسترى أمامك عوالم لم تحلم بها من قبل، وسيأتي يوم يخيل إليك فيه بمجرج نظرة -أنك تشق الحجب فترى في النفوس ما تكنه من جمال أو قبح، كما سترى خلف الأشياء ما فيها من حق أو باطل، وأي كسب يعدل كسبا كهذا؟ وأي معنى للحياة بغير الفطنة إلى أسرارها وغاياتها؟

стр. 94

مناهج النقد - تطبيقها على أبي العلاء الأدب ومناهج النقد النقد الذاتي والنقد الموضوعي ... الأدب ومناهج النقد: البحث عن الحقائق في الإنسانيات شاقٌّ؛ لما هو واضح من أن مثل المرء عندما يحاول فهم نفسه كمثل العين تبغي رؤية نفسها، والنفوس بها وحدات قل أن تتشابه في غير جوانبها العامة التي لا تعني الأدب في شيء، ومثلها في ذلك مثل كل الكائنات، فأنا أعرف شجرة الزيتون أو شجرة الرمان، وأما مطلق شجرة فهذا ما لا أكاد أدركه، وبالمثل أعرف شكسبير أوجيته، وأما مطلق رجل فذلك ما لا وجود له في الواقع؛ بحيث يخيل إلَيَّ أن في تفكيرنا فسادا أصيلا، مصدره ذلك التجريد الذي مكنتنا منه ألفاظ اللغات. ولهذا أراني دائما شديد الحذر من كل تعميم، فقد أستطيع أن أطمئن إلى تصوير أديب ما لنفسية ما في رواية ما، ولكني أرفض أن أثق بما يقوله الفلاسفة أو علماء النفس عن الإنسان إطلاقا أو ملكة من ملكاته؛ لأني أحس دائما أن حديثهم لا يلقى حقيقة أي نفس ممن أرى حولي. وإذا صح أن النفوس وحدات غير متشابهة في خصائصها المميزة، وأن التجريد حيلة عقلية، وضح ما في البحث عن حقيقة الأدب وقيمه الفنية من صعوبات. النقد الذاتي والنقد الموضوعي: يقرأ الناقد القصيدة من الشعر ثم يتساءل عن رأيه فيها، وإذا به يصدر ألوانا من الأحكام يسمون بعضها "قيمية" وهي ما تدور حول الجودة وعدمها، في سلم للقيم يضعه كل ناقد لنفسه، وبعضها "واقعية" يستمدها من حقيقة ما ينقد، كوصفه للقصيدة بأنها شعر عقلي أو عاطفي أو حسي، وأحكامه في كلتا الحالتين إما أن تكون مطلقة وإما أن تكون نسبية، أي مردودة إلى ملابسات القصيدة، من حالة نفسية لقائلها أو ظروف خاصة بعصره أو ضرورة لموضوع الشعر، أو ما شاكل ذلك مما ينقل الحكم من الإطلاق إلى النسبية. فإذا كان رأيك عن "قيمة" القصيدة كانت أحكامك "مطلقة" جاء نقدك -فيما يقولون- نقدا ذاتيا، وإلا فهو موضوعي.

стр. 95

وهذا قول يبدو سليم المنطق، ولكنك ما تكاد تمعن النظر حتى تحس بوهنه؛ وذلك لأن كل حكم قيمي لا بد راجع إلى حكم واقعي، فالناقد الذي يحتمي وراء ما يسميه ذوقه الخاص إنما يحيلك في حقيقة الأمر على مجموعة من الآراء السابقة المقررة، التي تبلورت في نفسه بوعي منه أو على غير وعي، بحيث نستطيع أن نقول: إن الذوق ما هو إلا راسب من رواسب العقل الخفية. يقسم ابن قتيبة الشعر -مثلا- إلى أربعة أضرب: ضرب حسن لفظه وجاد معناه، وضرب حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى، وضرب جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه، وضرب تأخر معناه وتأخر لفظه. وفي تلك التقاسيم والألفاظ ما يدل على أحكامه قيمية، بدليل قوله "حسن" "جاد" "وحلا" و"قصر" "وتأخر"، وهي أحكام مطلقة إذا لم يعلقها على توافق بين لفظ ومعنى أو بين قائل ومقول أو بين الشاعر وعصره، فهو إذن ناقد ذاتي. ومع ذلك ما تكاد تمعن البصر حتى ترى أن أحكامه القيمية هذه تستند إلى حكمين تقريرين سابقين هما اللذان أملياها: ١-أولهما أن اللفظ في خدمة المعنى، وأن المعنى الواحد يمكن أن يعبر عنه بألفاظ مختلفة يحلو بعضها ويقصر الآخر. ٢- ثانيهما أنه لا بد لكل بيت من الشعر من معنى. ولنناقش هذين الرأيين. فأما اللفظ في خدمة المعنى أو للعبارة عنه فنظر جزئي هو الذي تلف ذوق ابن قتيبة على غير وعي منه، بل هو إحدى تلك المسلمات التي أفسدت الكثير من أدبنا العربي ومن نقد نقادنا؛ وذلك لوجوب التمييز بين نوعين من الأساليب: ١- الأسلوب العقلي الذي نستخدمه في العلم والتاريخ والفلسفة وأدب الفكرة إن صح أن يسمى ذلك أدبا. وعلى هذا الأسلوب تصدق وجهة نظر ابن قتيبة؛ إذ اللفظ عندئذ لا يقصد منه إلى غير العبارة عن المعنى، بل نحن نذهب إلى أبعد مما ذهب إليه العرب، فنقول: إن المعنى الواحد لا يمكن أن يعبر عنه إلا بلفظ واحد، فاللغات لا تعرف -ولا يجب أن تعرف- الترادف. وأمر الألفاظ كأمر الجمل، فالكاتب الحق هو الذي لا يطمئن حتى يقع على الجملة الدقيقة التي تحمل ما في نفسه حملا أمينا كاملا، بحيث تصبح العبارة كجسم حتى لا يمكن أن ينتقص منه أو يزداد عليه شيء. والتحدث عندئذ عن العلاقة بين اللفظ والمعنى كالتحدث عن شفرتي مقص، والتساؤل عن جودة أحدهما

стр. 96

كالتساؤل عن أي الشفرتين أقطع، وإنما لك أن تحكم على المعنى المعبر فتقبله كرأي مصيب أو ترفضه كرأي باطل. ٢- الأسلوب الفني: وهذا هو أسلوب الأدب بمعناه الضيق كما يفهمه الأوربيون؛ بل هو الأدب ذاته إذا سلمنا -كما سنرى- أن الأدب "هو العبارة الفنية عن موقف إنساني في عبارة موحية". واللفظ عندئذ لا يستخدم للعبارة عن المعنى، بلب يقصد لذاته؛ إذ هو في نفسه خلق فني، فمن اليسير مثلا أن نقول: "إن وقت الظهيرة قد حان" فنؤدي المعنى الذي نريد أن ننقله: إلى السامع، ومع ذلك يقول الأعشى: "وقد انتعلت المطي ظلالها" للعبارة عن نفس المعنى، فنحس لساعتنا أن عبارته فنية: "وسارت الإبل في الصحراء عائدة من الحج" كما يقول ابن قتيبة وكما يريد أن يفهم من قول الشاعر: "وسالت بأعناق المطي الأباطح". ولكن عبارة الشاعر عبارة فنية قصد منها إلى نشر ذلك المنظر الجليل، أمام أبصارنا، منظر الإبل قادمة من مكة متراصة متتابعة في مفاوز الصحراء، وكأن أعناقها أمواج سيل يتدفق. وكذلك يستطيع مؤرخ أن يقول: إن العرب أنهكوا الفرس. وأما الأعشى فيقول: إنهم ترقوهم "وقد حسوا بعد من أنفاسهم جرعا"، ولقد نصف الصحراء بأنها جرداء تمل عابريها، وأما الشاعر فيقول: "وغبراء يقتات الأحاديث ركبها" وفي هذه الأمثلة الأربعة أربعة أفعال: "انتعل" و"سال" و"حسا" و"اقتات"، وهي أمارة الفن في العبارة، ولها وظيفتان: أولاهما: أنها تعبر عن المعنى عبارة حسية؛ لأن كلا منها يحمل صورة تدركها الحواس، فالإبل تنتعل الظل، وأعناق المطي تسيل في الصحراء، والفرس يجرعون أنفاسهم، والركب يقتات الأحاديث، وهذه خاصة من أهم خصائص الأسلوب الفني، وأعني به أن "تصاغ العبارة من معطيات الحواس"، وذلك على خلاف الأسلوب العقلي؛ حيث تكثر المعاني المجردة والألفاظ المجردة التي إن حملت صورة فصورة عامة كتلك التي نجدها في معظم تلك الألفاظ التي أصبحت "مجازات ميتة" أمثال: الرفعة، الانحطاط، التي لم يعد أحد يفكر فيما اشتقت منه من "رفع" و"حط". ووظيفتها الأخرى أنها تربط بين عوالم الحس المختلفة، فتحررنا مما اضطرانا إليه ضعف عقلنا من تقاسيم مفتعلة؛ وذلك لأنه ليس من الصحيح أن كل حاسة من حواسنا قد ذهبت بطائفة من المدركات، ولا أدل على ذلك من أننا

стр. 97

نستطيع أن ندرك الفجر، وأن نحس بنداه في نفوسنا بطرق شتى من حواسنا، عن طريق الأذن عندما نسمع لحنا موحيا، وعن طريق البصر إذا ما رأينا أول أشعته رؤية مباشرة أو في لوحة فنان، بل إن من النحاتين من استطاع أن يحمل الحجر وقعه في النفس، بأن مثل فتاة تخلع عنها غلائل النوم، وإلى ساقها طائر يبسط جناحيه البليلين، والشعراء بدورهم يصلون إلى ما يصل إليه كل هؤلاء، عندما يحدثنا أحدهم عن بزوغه وقد لاحت بالآفاق "أصابعه الوردية" بما فيها من رقة وصفاء. وإذا صح أن معطيات الحواس تتلاقى في النفس التي تكون كلا لا يعرف تقاسيم العقل، استطعنا أن نفهم معنى الخلق الفني عند الشعراء؛ إذا كثيرا ما يكون بفضل إمكان تبادل الحواس صورها إمكانا نفسيا لا شك فيه، فهذا شاعر إنجليزي يطيل التحديق في ضوء المصباح فيقول: "إنه أخذ ينظر إلى الصمت في جوف الضياء"، وذلك آخر فرنسي يتحدث عن أزهار الربيع التي ترسل عطرها إلى السماء كما يرتفع البخور إلى قباب الكنائس، فترى الأول وقد تمثل الصمت شجا يرى، بينما بعثت نشوة الربيع بالآخر ما يشبه إيمان اليافع في قوته، فرأى الطبيعة معبدا تحوطه آفاق السماء وكأن عطر الزهر بخور، ومن الشعراء من يذكر "شربه" "للون" الشمس السائل، ومنهم من "يرى" ضوء أمسية الخريف في نعومة اللؤلؤ. بل إن منهم من تتلاقى في عبارته وحدة النفس بوحدة الوجود على حد قول بودلير: "إن الأشياء تفكر خلاله كما يفكر خلاله"، وذلك عندما تأخذه نشوة الأحلام، فإذا بذاتيته قد امحت لتخلط بما يحوطه من جلال الطبيعة، ولكم من مرة نستمع إلى "همس" الرياح، فنفهم أنفسنا بصور الأشياء، كما نخلع على الطبيعة معاني الإنسان، ولكن تهزنا كلمة كيتس. "عندما يأتي إلى جواري عصفور ينقر الحصى يخيل إليَّ أني أنقر معه وأني أشاطره حياته". وفي هاتين الوظيفتين ما يساعد على إيضاح تعريفنا للأدب بمعناه الصحيح "إنه العبارة الفنية عن موقف إنساني، عبارة موحية"؛ إذ من البين أن كل أدب هو قبل كل شيء صياغة لموقف إنساني، وأن بين الأمرين رابطة وثيقة؛ إذ في تلك الصياغة يتركز موقف الكاتب مما أمامه من عالم النفس أو عالم الطبيعة، وفي الصيغة التي يختار ينساب ذلك العنصر الشخصي الذي يميز الأدب عن التفكير المجرد، فهو يضيف إلى موضوع مشاهدته عنصرا من نفسه أو يتلقى منه عنصرا،

стр. 98

ومن تمازج العنصرين تخرج الصور التي تحقق وحدته النفسية أو تصل بينه وبين العالم الخارجي. ولتلك الصور قدرة على الإيحاء لا يمكن أن يصل إليها أي تعبير مجرد؛ وذلك لأنه من الثابت أن العبارة الحسية أغنى بقوة رمزها، وما قد يرقد تحتها من احتمالات أو ما تستدعي من إحساسات وخواطر، من العبارة المجردة التي لا تمتلك عادة غير محمولها المحدد. وهذا هو الأدب؛ إذ فيه عناصره الثلاثة: ١- عبارة فنية. ٢- موقف إنساني. ٣- قوة إيحاء. وقد اتحدت تلك العناصر في وحدة متينة هي وحدة الفن! وأمر الصياغة في الأدب الفني ليس أمرا شكليا، كما ظن معظم نقاد العرب، فهو ليس أمر مجازات أو تشبيهات تتعلق بظواهر الأشياء، أو تستخدم لإيضاح المعنى أو تقويته، بل أمر الخلق الفني في صميم حقيقته النفسية، كما وضحنا، فالشاعر الذي يشرب لون الشمس أو يحس به في نعومة اللؤلؤ، لا يقصد إلى تجميل معنى أو تنميق عبارة، وإنما يخلق قيمة فنية، لها أصولها في نفسه، ومن هنا يتمايز الكتاب بطرق صياغتهم، وأدق ما يكون ذلك التمايز في موسيقى كل منهم، والذي لا شك فيه أن لكل نفس موسيقاها الداخلية، وأن الأسلوب هو مرآة تلك الموسيقى، وأن الكاتب الأصيل العميق هو من تحس بموسيقاه دون أن تستطيع إدراكها. والأمر بعد كثيرا ما يعدو الكتاب إلى الشعوب في حدود ما يتشابه فيه أفراد الشعب الواحد، وذلك بنوع خاص في الحكم والأمثال الشعبية؛ ولهذا ترى العربي يحدثك عن "إهداء التمر إلى هجر"، والإنجليزي عن "حمل الفحم إلى نيو كاسل"، والمصري الشعبي عن "بيع المية في حارة الساقين"، وتلك عبارة فنية مختلفة لأداء معنى واحد هو "إعطاء الشيء لمن لا حاجة له به". إلى شيء من كل هذه الحقائق لم يفطن ابن قتيبة، فجاء ينقد الشعر في ألفاظه ومعاينة بما يحسبه البعض ذوقا خاصا، وهو في حقيقة رأي سابق مقرر عن خدمة اللفظ للمعنى وإمكان العبارة عن المعنى الواحد بألفاظ مختلفة يحلو بعض ويقصر البعض كما يقول دون فهم منه ولا تفصيل لأنواع الأساليب وطرق العبارة، مما أفسد الكثير من أحكامه.

стр. 99

مشكلة المعنى: وكما يرجع ذوق ابن قتيبة إلى رأي في العلاقة بين اللفظ والمعنى، كذلك يستند إلى إحدى المسلمات الأخرى، وهي ضرورة حمل البيت لمعنى من المعاني. وبمراجعة الأمثلة التي أوردها يخيل إليَّ أنه يقصد بالمعنى أحد أمرين: ١- فكرة. ٢- معنى أخلاقيا. فأما الفكرة فبدليل أنه ينتقد الأبيات الآتية لخلوها فيما يقول من كل معنى مفيد: ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح وشدت على حدب المطايا رحالنا ... ولا ينظر الغادي الذي هو رائح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح إذ من الواضح أن هذه الأبيات الجميلة التي نثرها ابن قتيبة بقوله: "ولما قطعنا أيام منى واستلمنا الأركان وعالينا إبلنا الانضاء، ومضى الناس لا ينتظر الغادي الرائح، ابتدأنا في الحديث، وسارت المطي في الأباطح" لا تحمل أية فكرة، وإنما هي قصص فني رائع، سبقنا الجرجاني في "دلائل الإعجاز" إلى إظهار ما بها من صور أخاذة، وخصوصا في الشطر الأخير "وسالت بأعناق المطي الأباطح". ونستطيع أن نضيف إلى ذلك أن الآداب الأوربية الحديثة قد شهدت مذهبا قويا في أواخر القرن التاسع عشر، مذهب أمثال Hreedia هرديا و Goutier جوتييه ممن يقولون بالفن للفن، ويجعلون من أسس مذهبهم نظرتهم إلى اللغة نظرة المثالين إلى مقاطع الرخام، أولئك ينتزعون من اللغة صورا وهؤلاء تماثيل، مع ذلك لم يجرؤ أحد أن يقدح في أدبهم أو يخرجه من فنون الشعر لخلوه من المعاني، وقد رأينا أي دور تلعبه الصور في حياتنا النفسية التي تعذيها كل الفنون، كما رأينا في الأمثلة التي سقناها من الأعشى وغيره تفاهة ما بها من معنى تفاهة لم تنل مما بها من قيم فنية. وأما تطلبه لمعنى أخلاقي فواضح من إعجابه بأمثال قول القائل: والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع

стр. 100

هذه النظرة -نظرة الفقيه ابن قتيبة- بدورها نظرة ضيقة؛ إذ من الواضح أن مادة الشعر ليست المعاني الأخلاقية، كما أنها ليست الأفكار، وأن من أجوده ما يمكن أن يكون مجرد تصوير فني، كما أن منه ما لا يعدو مجرد الرمز لحالة نفسية رمزا بالغ الأثر قوي الإيحاء؛ لأنه عميق الصدق على شخصيته، ولعلني لا أعرف لذلك مثلا خيرا من قول شاعرنا العربي الدقيق الحس ذي الرمة، وقد حط رحاله بمنزل الحبيبة وتفقدها فلم يجدها: عشية ما لي حيلة غير أنني ... بلقط الحصى والخط في الترب مولع أخط وأمحو الخط ثم أعيده ... بكفي والغربان في الدار وقع فأي معنى يريد ابن قتيبة من هذه الصور الجميلة الصادقة، صورة شاعر أصابه الحزن بالذهول، فجلس إلى الأرض منهكا يائسا يخط ويمحو الخط بأصابع شرد عنها اللب، فأخذت تعبث بالرمال، وفي الغربان الواقعة بالدار ما يملأ الجو أسى ولوعة. وهل أصدق من هذا وصفا؟ وهل أقوى منه على إيحاء؟ ولعله صدقه في تناهي بساطته. وهكذا يظهر لنا ما في نظرة ابن قتيبة من ضيق عندما يتطلب معنى في كل بيت من الشعر. كما ظهر لنا فساد رأيه في العلاقة بين اللفظ والمعنى، وفي هذا تفسير لضعف ما يسمونه ذوق هذا الناقد. والأمر عند ابن قتيبة كالأمر عند غيره ممن نسمي منهجهم بالمنهج الذاتي، فأحكامهم القيمية تستند دائما إلى أحكام واقعية؛ بحيث نستطيع أن نخلص من هذا المقال بالنتيجة التي سبق أن عبرنا بأن الذوق ليس في الحقيقة إلا راسبا من رواسب العقل الخفية، وأن كل نقد ذاتي هو في حقيقته نقد تقريري.

стр. 101

أبو العلاء والنقد: لعل أبا العلاء من أكثر من تناوله النقاد بالدرس من بين شعراء ومفكري اللغة العربية. وما نريد اليوم أن نعرض للأبحاث التاريخية التي درات حوله كأبحاث نيكلسون ومرجوليوث وسلمون وفون كريمر والراجا كوتي، فتلك تستند إلى مناهج في البحث التاريخي، أكثر اعتمادها على الأدلة النقلية، وهي كتب علمية، نصيب الأدب أو النقد الأدبي منها محدودة، وهي وإن تكن غنية بالتفاصيل التي لا بد لمن يريد الحديث عن أبي العلاء من الإلمام بها، إلا أنها لا تغني عن ضرورة تخطيها إلى الفهم العام لنفسية أبي العلاء فهما لا يستقيم نقد بدونه، بل إنه لمن الواضح أن أمثال تلك الأبحاث قد تميت أبا العلاء بدلا بما يفيدون من تجارب الغير، ينفذون إليها ويضيفون إلى حيثيتهم الخاصة، التي لا يمكن أن تتسع لكل أنواع التجارب البشرية، وتلك مهمة الأدب الأساسية، إذا فقدها لم يعد لوجوده معنى إلا أن يكون ضربا من العبث بالأفكار والألفاظ، يلهو به الناس أو يلهون الغير. وإذن فالنقد التاريخي تمهيد للنقد الأدبي، تمهيد لازم، ولكنه لا يجوز أن نقف عنده وإلا كنا كمن يجمع المواد الأولية ثم لا يقيم البناء، وأنا بعد لا أجهل فضل هؤلاء الباحثين الذين يتوفرون على الكشف عن وقائع الحقائق، كما أدرك مدى النشوة العقلية التي يجدونها في شق الحجب عما نجهل من تفاصيل، بل أعلم أن الأبحاث التاريخية ما ينتهي برد العناصر المستقاة عند الشاعر أو الكاتب إلى أصولها التي استمدت منها، وبذا تبصرنا بما عندهم من أصالة، ولكني في الحق شديد الحذر من كل تلك الأبحاث، ولا أكاد أطمئن إلى نتائجها من الناحية الإنسانية؛ وذلك لأني لا أفهم الأدب -كما قلت في مقالي السابق- إلا على أنه تعبير فني عن تجارب بشرية، والكاتب أو الشاعر لا يواجه الناس أو الأشياء وفي نفسه عناصر أصيلة ومستقرة، وإنما يواجههم بنفس مجتمعة موحدة كقطرة من المياه لا تمايز بين ذراتها، وإنه لينفعل بالأشياء والناس كما تتردد الأصداء في أنحاء بناء تام. وإن كانت للأديب صفة نفسية فهي على ما أرجح تلك الوحدة التي تختلط فيها الأفكار بالمشاعر والإحساسات حتى أن في خياله فكرا وفي شعوره نظرًا.

стр. 102

ونحن إذ نترك النقد التاريخي إلى النقد الأدبي لا نلبث أن نعثر بأنواع من النقد التقريري الذي لا أحسبه أقل خطرا على الأدب الحي من سابقه، وهنا لا بد من التمييز بين نوعين متباينين من النقد الأدبي. فهناك نقد الشعراء والكُتَّاب الذين نادوا بمذاهب معينة في الأدب أو الفن، هذا نوع من النقد نسميه إنشائيا ولا نعرض له بتأييد ولا تجريح، وإنما يكون مجال الحديث عنه إذا واجهنا ما يدعو إليه، فنقبله أو نرفضه تبعا لما نبغي من الأدب. فلشاتوبريان مثلا أن يفضل وحي المسيحية في نظره إلى الطبيعة على وحي أساطير اليونان، وله أن يقول: إن المسيحية قد ردت إلى الطبيعة ما بها من صمت عميق يحنو على النفس فيرفعها إلى الله، بينما ملأ اليونان حنايا الطبيعة بآلهة وربات استقرت بكل غابة وكل نبع وكل جبل وكل يم، حتى لم تعد الطبيعة معبدا مقدسا، بل حظيرة لكائنات غريبة، ولهيجو أن يدعو إلى الرومانتزم، ولغيره أن يدعو إلى غير الرومانتزم من المذاهب المعروفة في أوربا، والتي نرجو أن تنشأ عندنا يوما ما جماعات تدعو إلى مثلها وتقتتل في سبيلها عن إيمان. وهناك نقد الأدباء والمفكرين الذي نسميه وصفيا؛ لأنه يتناول التراث الأدبي الذي خلفه الكتاب والشعراء السابقون والمعاصرون، وكل نقد من هذا النوع نقد تقرير، كما رأينا في المقال السابق، وهنا نصل إلى مشكلة النقد الأساسية. وذلك لأنه من حقنا أن نتساءل: هل من الممكن أن نستقري مما بين أيدينا من أمهات المؤلفات الأدبية أصولا عامة للأدب على نحو ما استقرى النحويون قواعد اللغة من الاستعمال، أو استقرى الفلاسفة المنطق من مقولات اللغة؟ وهبنا استقرينا أصولا كهذه أتراها متحكمة فيما ينتج الأدباء اليوم أو سينتجون في الغد على نحو ما تتحكم قواعد اللغة أو المنطق في تعبيرنا أو تفكيرنا؟ وهل من الخير للأدب أن نقبل هذا القياس؟ بل هل من الممكن أن نقبله؟ والواقع أن لدينا طائفة من المبادئ قد استقراها النقاد بالفعل في كل فرع من فروع الأدب، ومرد الكل إلى أرسطو في كتابيه عن "الشعر" و"الخطابة" ولكنه لسوء الحظ قد حدث في الأدب ما حدث في اللغة؛ إذ جنح الناس إلى اتخاذ تلك المبادئ -التي كانت في الأصل مجرد ملاحظات- كقواعد آمرة على نحو ما نفعل في قواعد اللغة؛ إذ نحاول أن نتخذ عنانا يثني عن كل تطور، فيه لا شك إثراء للغة، كما أنه في طبائع الأشياء باعتبار اللغة أداة يستخدمها أحياء دائمو التقدم أو على الأقل التغير. هنا يظهر سخف أصول النقد المدعاة. ولكن ذلك لا يذهب بكل قيمته، فنحن

стр. 103

لا نستطيع أن نتجاهل كل ما جرى عليه كبار الكتاب، كما لا نستطيع أن نتجاهل كل قواعد اللغة وإلا كنا جهلة، نخفي جهلنا وكسلنا خلف حرية باطلة ندعيها، فنفسد حياتنا بالعبث بأداة تفاهمنا وإدخال الاضطراب في أصولها. بل نحن نذهب إلى أبعد من ذلك، فنرى في تلك الأصول الأدبية عونا على الخلق وادخارًا للطاقة، ولا أدل على ذلك من أن الشعر نفسه -وهو أخص ما تمتاز به الآداب- هو أكثر فنونها خضوعا للقواعد. ولكم من شاعر يحدثك عما وقع عليه من صور رائعة، أو عبارات دالة بفضل ضرورة القافية مثلا أو استقامة الوزن! وإذن فهناك قواعد تؤيدها أمهات الآثار الأدبية التي خلفها كبار الأدباء، ولؤلاء من القداسة ما يحملنا على احترام ما صدروا عنه من أصول، ولا معدل لنا أردنا أن نصل إلى مثل ما وصلوا إليه عن أن نهتدي بهم، ولكن على شريطة أن نميز بين عنصرين في الأدب: ١- عنصر التجربة البشرية. ٢- عنصر الصياغة، ننظر فيها على ضوء الأصول الأدبية. وأنا أميز بين التجربة البشرية وصياغتها وبالصدر حرج؛ وذلك لأننا مضطرون إلى التمييز اضطرارًا وإن كان الواقع أن بين العنصرين تداخلا قويا، يكاد يكون وحدة في كثير من الأحيان. فالعنصر الشخصي الذي يميز كل أدب عن غيره من مظاهر نشاطنا الروحي كثيرا ما يكون في الصياغة. ومع هذا يجب أن نفهم التجربة البشرية في ذاتها، وهذا الفهم ليس بالهين؛ إذ الأمر بين الكاتب والقارئ أشبه ما يكون بأمر الأواني المستطرقة. فنحن لا نفهم عن الغير إلا إذا اتصلت نفوسهم بنفوسنا، وفهمنا محدود بقدرتنا على الاستجابة، بل كثيرا ما نخطئ فهم ما نقرأ لأننا نحمله فوق ما تستطيع أن توحي به ألفاظه، أو نرى فيه ما لم يخطر ببال قائله، إن لم نجد بمعاينة وفق هوانا حتى لكأننا نقرأ ما برءوسنا لا ما تقع عليه أعيننا. وفي كل هذا ولا ريب إثراء للآثار الأدبية، ولكنه أيضا موضع خطر قد يبلغ أحيانا مبلغ السفسطة الباطلة، وهذه مشكلة تستحق أن نقف عندها قليلا. وفي الحق أني لا أعرف أصدق من كلمة للأديب الإنجليزي إيليوت "Eliot" يقول فيها: "إنه لم يؤثر في الآداب القديمة شيء قدر ما أثرت الآداب الحديثة"، وتلك ظاهرة عمت على الشرق والغرب، ففي فرنسا مثلا رأينا ناقدا كبيرا برونتيير "Brunetiere" يطبق نظرية التطور اللاحقة على الأدب السابق، فيحاول أن يثبت أن أنواعه المختلفة

стр. 104

قد صدر بعضها عن بعض، كما صدر وهم دارون الإنسان عن القرد فيقول: إن مادة الشعر الرومانتيكي هي مادة الخطابة الدينية في القرن السابع عشر؛ لما شاهده من حديث الشعراء الرومانتيكي عن بؤس الحياة وفنائها المستمر وما شاكل ذلك، في نغمة حارة تشبه من قريب أو بعيد نغمة الخطابة، والأمر عندنا أخطر. فها هو الأستاذ العقاد يقحم النظريات الفلسفية التي تقوم كمذاهب ذات أسس نظرية عميقة شاملة في ميدان الأدب، فيكتب فصولا طويلة ليدلل على أن أبا العلاء قال بالاشتراكية أو ببقاء الأصلح وما إلى ذلك، مما قد يدل على براعة الناقد، ولكنه لا يغني شيئا عن فهمنا لنفسية أبي العلاء ومأساته التي صدر عنها في كل ما كتب من شعر إحساس أو فكرة. ولقد يلقي الأستاذ أمين الخولي محاضرات عامة عن أبي العلاء، فيأتي الجزء الأول منها مستندا إلى مسلمات غير ثابتة، فهو يفترض أن المفكر الحق هو من يسير في حياته وفق تفكيره، وأبو العلاء لم يفعل ذلك، وإذن فهو ليس مفكرا حقيقيا. وهذا قول مردود لما هو معروف عن تاريخ الفلاسفة، أمثال بيكون وسينيك مثلا من تناقض واضح بين حياتهم وتفكيرهم، ولما هو ثابت بداهة من أننا لا نسير في الحياة بعقولنا، بل بقوى دفينة، أغلبها عضوي المصدر، ولكم من مرة نأتي الشر ونحن نعلم أنه شر ولا نستطيع أن نمسك عنه. وهو يحرر قوائم بتناقض أبي العلاء في كل نواحي المعرفة وسبلها، ثم يخلص من ذلك في النصف الثاني من بحثه إلى أن كل ما كتبه أبو العلاء إن هو إلا خواطر شاعر، وأن مصدر تناقضه هو "مركب نقص" قال به فرويد منذ سنين فلم يأتِ بجديد، وإنما أسرف فيما كانت تعلم الإنسانية من حق منذ قرون، وعممه واتخذ منه مذهبا، وأتى الأستاذ الخولي فطبقه على أبي العلاء، فياعجبا! ولم يدفع هذا المركب أبا العلاء إلى اعتزال الحياة، بينما دفع بشارا مثلا إلى المغامرة فيها باستهتار لم نعهده حتى في المبصرين؟ وللدكتور طه حسين كتابان عن أبي العلاء: أولهما "ذكرى أبي العلاء" وهو كتاب طه حسين الشاب الذي كان لا يزال في حماسته الأولى لمناهج البحث العلمي وأقسام الفلسفة، وهو يعد قريب عهد بالثقافة الأزهرية التي تحرص على محفوظها تستعيره لأداء ما تريد لجمال ما تسشهد به من منقول نثرا كان أو شعرا، في هذا ما يدعو إلى الانصراف عن مجاراة فكرتنا الأصلية لنمهد للشاهد، فهو منذ المقالة الأولى يريد أن يلم بعصر أبي العلاء -وفقا لمناهج

стр. 105

البحث الحديث- "إلمامة الطغرائي بالجزع، تلك التي تمناها لتنقع غالته وتشفي علته، ولتثلج فؤاده، وتفيض على نفسه العافية والسلام". لعل إلمامة بالجزع ثانية ... يدب منها نسيم البرء في عللي وهو يلم به إلمامة مهما تكن قليلة قصيرة المدى فهي شاملة الخير موفورة النفع عظيمة الغناء. ألما بمي قبل أن تطرح النوى ... بنا مطرحا أو قبل بين يزيلها فإن لا يكن إلا تعلل ساعة ... قليلا فإني نافع لي قليلها وهذا كلام جميل وشعر جميل، يدل على ذوق أدبي مرهف، ولكنه ليس من مقتضيات مناهج البحث الحديثة، وما نترك الجزء الأول من الكتاب الذي يلم فيه المؤلف بعصر أبي العلاء وتاريخ حياة أبي العلاء لنصل إلى فلسفة أبي العلاء وشعر أبي العلاء حتى نجد طائفة من التقاسيم المدرسية التي تقف عند الشكل دون أن تمس الصميم، فهو يدرس شعره في أبواب من مدح وفخر ووصف ورثاء ونسيب ودرعيات ولزوميات، ثم ينتقل إلى نثره بما فيه من نقد وسخرية وخيال ومهارة لغوية. فيتحدث عنه حديثا موجزا غير واف، حتى إذا انتهى إلى فلسفته اصطنع لدراستها تقسيم المسلمين للفلسفة إلى أربعة أقسام: القسم الأول: الفلسفة الطبيعية أو العلم الأدنى، والثاني: الفلسفة الرياضية أو العلم الأوسط، والثالث: الفلسفة الإلهية أو العلم الأعلى، والرابع: الفلسفة العملية. ثم يتحدث عن كل تلك الأقسام عند العلاء فيورد شعره في المادة والزمان والمكان وتناهي الأبعاد، ثم الله والجبر والروح والتناسخ والجن والملائكة والنبوات والبعث وأصل الإنسان والغرائز والدنيا والعدم والزواج والمرأة والسياسة والاقتصاد والحيوان والعزلة. وما نظن دراسة كهذه نستطيع أن تنتهي إلى فهم أبي العلاء، ذلك الفهم الرائع الذي انتهى إليه نفس المؤلف في كتابه الآخر الذي ألفه حديثا، وقد تمت خبرته واتسعت آفاقه، كتاب "مع أبي العلاء في سجنه"، ولكم يخيل إلينا أن كتاب "ذكرى أبي العلاء" أشبه ما يكون بقطعة من الأثاث، تامة التركيب معدة الأدراج أتى المؤلف فملأها، مع أن أبا العلاء لم يكد يثبت على رأي، وإن ثبت فعلى إحساسه بالألم، ولكن طغيان المعرفة الأولى بالفلسفة هو الذي وجه المؤلف تلك الوجهة المدرسية الشكلية. ونحن بعد ذلك لا نجد في هذا الكتاب عن رسالة الغفران العظيمة الخطر في أدبنا العربي شيئا يذكر، لا عن وحدة تأليفها، ولا عن فكرتها وروحها، ولا عن

стр. 106

طرق الأداء فيها، وأما الكتاب الثاني لنفس المؤلف فهو فيما أعتقد خير ما كتب عن أبي العلاء؛ وذلك لأنه لا يقف عند التفاصيل والأقسام المدرسية التي تفسد وحدة أبي العلاء، بل يتناوله كتجربة بشرية، يقصها بأسلوب جميل ووسائل روائية تغرينا بالقراءة، ولكننا هنا نقع على خطر آخر؛ وذلك لأن المؤلف لم يكد يخلص من طغيان النظرة التعليمية التي ظهرت في أوائل حياته، حتى ضرب في آفاق الثقافة الأوربية، يحاول في إيمان أن يدخلها في مجرى تفكيرنا، وهذا اتجاه نافع نحن في أشد الحاجة إليه، ولكن على أن نستخدمه في حذر، ولا نسرف في الركون إليه، وأوضح ما يظهر هذا الإسراف في مقارنات المؤلف، ومن هنا لا بد من الوقوف عند هذه الناحية لما لها من عظيم التأثير في توجيه أدبنا الحديث، ولما لهذا المنهج من خطورة. وأول ما نلاحظ هو عدم التفرقة بين البحث عن المؤثرات وبين إقامة المقارنات، فهو عندما يعرض للمقارنة بين الشاعر اللاتيني لوكريس وأبي العلاء، ينكر طبعا أن يكون أبو العلاء قد عرف لوكريس أو سمع به، ولكنه يعود فيقرر أن لوكريس لم يكن إلا تلميذا لأبيقور، ويقرر أن العرب قد عرفوا فلسفة أبيقور، وإذن من المعقول أن يكون هناك تشابه بين لوكريس وأبي العلاء وهو يتلمس هذا الشبه في مسائل جزئية وأفكار، في أدب أبي العلاء ما يؤيدها وفيه ما ينقاضها؛ لما هو معروف من أن أبا العلاء لم يثبت قط على رأي، ونحن لم نعرف كيف تأثر أبو العلاء بالفلسفة الأبيقورية، ونحن نعجب من مقارنة لوكريس بأبي العلاء؛ لما هو معروف من أن للوكريس فلسفة ثابتة مستقرة متماسكة الأجزاء، فلسفة تقريرية في كل مشكلة عرض لها، بينما أبو العلاء رجل ابتلاه الله بمحنة بلبلت أفكاره فلم يؤمن بغير "النعمى والبؤس" وما عدا ذلك فكل شعره ونثره من وحي الساعة ووفقا لحالته النفسية التي لم يترك لها الألم اطرادًا، فالمقارنة بينهما لا يمكن أن نتعقد، بل إن ما أورده المؤلف من اتفاق على بعض الجزئيات يخيل إلينا إنه غير ثابت. ولنضرب مثلا بالعلة الغائية "ص٢٣٢ وما بعدها" فالمؤلف يقول عن لوكريس: إنه ينكر العلة الغائية؛ إذ إن الأعضاء -كما يقول لوكريس- "قد أوجدت غايتها ولم توجد هي لتحقيق هذه الغايات"، ومع ذلك نجد في الكتاب السادس من "طبائع الأشياء" للوكريس في الأبيات "١٠٢٣ وما بعده" ما ترجمته: "عند كل كائن إحساس بما يستطيع أن يستخدم فيه ملكاته، فالعجل الصغير حتى قبل أن تبرز قرونه بجبهته إذا استثير يحاول استخدامها فيهدد خصمه ويطارده وقد حنى رأسه، وكذلك صغار الفهود والأسود تدافع عن نفسها بمخالبها وأنيابها قبل أن تنمو لها مخالب وأنياب،

стр. 107

وأما الطيور بكل أنواعها فتراها تركن إلى ريش أجنحتها طالبة إليها عونا لم تقوَ عليه بعد". ونحن لا نناقش نظرية أبيقور على العموم، ولكن أليس من الواضح أن عبارات لوكريس هذه تدل على وجود العلة الغائية، وعلى أن تلك العلة هي سبب خلق الأعضاء لا العكس؟ والمؤلف يستدل على إنكار أبي العلاء للعلة الغائية بقوله في الفصول والغايات: "يقدر ربنا أن يجعل الإنسان ينظر بقديمه ويسمع الأصوات بيده وتكون بنانه مجاري دمعه، ويجد الطعم بأذنه ويشم الروائح بمنكبه ويمشي إلى الغرض على هامته". ولست أرى هنا دخلا للعلة الغائية التي تربط بين العضو ووظيفته، وإنما هنا حديث عن قدرة الله الذي كان يستطيع لو أراد سبحانه أن يجعل من أبي العلاء مبصرا. وفي القرآن ما يمكن أن يوحى بمثله ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ... ﴾ ... إلخ. فما العلاقة هنا بين أبي العلاء وفلسفة أبيقور أو لوكريس؟ وهل هناك نفع من وراء هذه المقارنة أو داع إليها أو حقيقة لها؟ والمؤلف يبني على ذلك نتائج كثيرة تدل على مهارة في التفكير والعرض، ولكني أخشى ألا تلاقي حقيقة أبي العلاء النفسية، كما لا تلاقي حقيقة فلسفة لوكريس أو روحه. وهناك بعد اتجاه عند نقادنا طالما حير اللب، فهم دائما يحاولون البحث عن أوجه شبه في مقارناتهم، وهذا اتجاه خاطئ، فالنفوس لا يمكن أن تتشابه، بل إن نفس الفكرة يعبر عنها أديبان فتكتسب من لون نفسيهما ومن الروابط بعوالم الحس والنفس الأخرى ما يجعلها أصيلة عند كل أديب منهما، على نحو ما تتكون أحاديثنا المختلفة من نفس ألفاظ اللغة الشائعة بيننا، بل على نحو ما تتكون تلك ذاتها من الحروف الهجائية المحصورة العدد، ومع ذلك تتنوع أفكارنا إلى غير حد كما تتنوع ألفاظ اللغة رغم انحصار وحداتها المكونة. وهناك عدة أبحاث حول أبي العلاء صادرة عن نفس هذا الاتجاه، منها مقارنة حامد الصواف في كتابه عن عمر الخيام بين عمر وأبي العلاء، ومقارنة قسطاكي حمصي في كتابه "منهل الوراد في علم الانتقاد" بين دانتي وأبي العلاء، ومقارنة الأستاذ على أدهم في مجلة "الهلال" بين أبي العلاء وشوبنهور. وكل تلك الأبحاث على اختلافها في الإصابة بعيدة فيما أحسب عن الحقيقة النفسية الثابتة وعن تمايز النفوس تمايزا لا يمكن أن ينال منه -بخاصة في النفوس الأصيلة- أي وحدة في الجنس أو الزمان أو المكان أو الثقافة، أو غير ذلك مما زعمه "تين" وغير "تين" من النقاد الشكليين، الذين فهموا كل شيء غير أصالة النفوس، واختلاف طرق انفعالها بما يحيطها من ناس وأشياء، بل بما يدور في حناياها من حس أو شعور أو فكر.

стр. 108

أبو العلاء ورسالة الغفران: رسالة الغفران مجموعة من أصداء محنة أبي العلاء؛ بحيث لا يمكن فهمها ما لم ننفذ إلى معنى تلك التجربة البشرية التي عاشها أبو العلاء، وأن ندرك نتائجها الخطيرة في إحساسه وتفكيره، وفهم تلك التجربة على وجهها الصحيح وهو أهم عمل للناقد؛ وذلك لأن التفسير والبحث عن العوامل التي أثرت في حياة الكاتب أو الشاعر لا يمكن أن ينتهي إلى شيء نهائي، فقد يبصرنا العلماء بما في حياة أبي العلاء من مؤثرات، ومع ذلك يظل دائما شيء لا يمكن تفسيره، هو أصالة الأديب التي تتلخص في كيفية انفعاله بتلك المؤثرات، وهذا هو السبب في أن نرى ناقدا كالدكتور طه حسين يعرض لما كان من تفاوت أثر المحنة عند أبي العلاء وبشار، فلا يجد تعليلا غير ما يسميه "غريزة أبي العلاء الوحشية"، ومن الواضح أن هذا التفسير لا يغني لما فيه من دور؛ إذ ما نريد أن نفهمه هو سبب تلك الوحشية التي تميز بها. وإذن فمحاولة الفهم خير من محاولة التفسير، وعلى أساس هذا الفهم يستقيم النقد أو يعوج، والذي لا شك فيه أن الكثير من النقد الوصفي لم ينجح في أداء رسالته لعجز أصحابه عن كل فهم صحيح لنفوس من ينقدون، بله روح العصر أو الأدب الذي يعرضون له. فالمرء لا يستطيع أن يتذوق الأدب اليوناني مثلا ما لم يبدأ فيخلق لنفسه روحا يونانية قديمة بقراءة ما خلفوا من آثار أدبية وتاريخية، حتى يتشبع بروحهم، فتتداعى خواطره وإحساساته على نحو ما كانت تتداعى عندهم. والأمر كذلك في أدبنا العربي القديم، فالناقد ذو الخيال القادر على تصور حياة العرب والإحساس بها قدرة الممثل الجيد على أن يحيا الدور الذي يلعب يستطيع أن يدرك ما في بكاء الديار عند هؤلاء القوم الرحل من جمال وصدق لا أعرف لهما مثيلا في أدبنا، ومع ذلك كم نرى من أحمق يسخر من هذا البكاء، بل كم من ناقد لا يرى فيه إلا مجرد تمهيد لأغراض الشعر عند العرب، وهذا نظر فقير لحقائق العربي النفسية، أو قل قصور عن فهم تجارب الغير.

стр. 109

والواقع أن النقد ليس بالمهمة الهينة، ولا هو في مقدور كل إنسان؛ إذ لا بد لمن يريد أن يحاوله أن يكون غنيا بتجارب الحياة غنى يذهب بما في النفس من جمود، بحيث تستطيع أن تخرج من محيطها لتعيش بالخيال في محيط جديد، وهذا يحتاج إلى مرونة نفسية لا تكتسب إلا بإحدى أمرين: إما بالتجارب المباشرة، وإما بالمران الطويل على فهم تجارب الغير كما يقصها الأدباء. ولقد ضرب النقاد عندنا في فهم روح أبي العلاء كل مضرب. وفي الجزء الثالث من رسالة الغفران طبعة الأستاذ كامل الكيلاني آراء عديدة لكثير من كبار مفكرينا وأدبائنا، ولكنهم في الغالب لم يخضعوا أنفسهم لمنطوق أدبه، بل أتاه كل منهم بفكرة سابقة في مسألة من المسائل التي يثيرها، وهذا موضع الداء عندنا وأكبر دليل على أننا لا نزال بعيدين عن النضج الأدبي المنشود، الذي يخضع للفن وينتزع منه مدلوله بدلا من أن يملي عليه رأيا كونته لنا من قبل ثقافتنا الإسلامية أو مطالعتنا في كتب الأوربيين. فبين يدي الآن رأي للأستاذ عبد الوهاب النجار، يقرر فيه أن أبا العلاء "كان متين الدين قوي اليقين، وأنه كان شديد الوطأة على منتحلي التقوى المتظاهرين بالدين والتصوف"، وأنه "لم يقصد بالدين هزؤا ولا سخرية، وإنما هو شيء جر إليه الخيال الشعري وأملاه حب الإغراب في التصوير". ومن الواضح أن رحمة الله واسعة وأن أبا العلاء في غير حاجة إلى هذا الدفاع قدر حاجتنا نحن إلى فهم محنة ذلك الرجل ومشاركته إياها لنثري ونفيد، وكذلك الأمر في رأي ذلك المفكر الروحي الأستاذ فريد وجدي، فهو يصدر فيه عن فكرة سابقة عن حقيقة الإيمان يحاول أن يطبقها على أبي العلاء دون أن يبصرنا بكيفية استقرائه لها من أدبه، فهي كالقالب يريد أن يصب فيه إيمان أبي العلاء أراد أبو العلاء أو لم يرد، وذلك حيث يقول: "إذا كان التدين هو الخضوع لصورة ذهنية تنتحل صفات علوية منتزعة من الصفات البشرية، والتأمل في الرذائل خوفا من عقاب، والتحلي بالفضائل طمعا في ثواب، والتقليد في العبادات والمعاملات، وإهمال أحكام العقل والنظر، والجمود على حالة نفسية لا تتغير، والاستعصاء على ناموس الترقي، قلنا: إذا كان التدين هو تقمص هذه الروح فإن أبا العلاء لم يكن متدينا، ولكن إذا كان التدين -على ما نفهمه اليوم من معنى الإسلام- هو محو كل صورة ذهنية وتعريض صفحتي العقل والقلب للوجود المطلق رجاء أن ترتسم عليها الحقيقة تحميها الشكوك من عبث الخيالات، والثورة على كل تقليد يناقض بداهة

стр. 110

العقل، وعلى كل نظام لا يوافق سنن الطبيعة، واستشعار الروعة من المجهول الضخم الذي يحيط بنا من كل مكان، والترفع عن الدنايا؛ لأنها لا تتفق وكرامة الإنسان، وإحالة الحاجات البدنية إلى أدنى حدودها، قلنا: إذا كان التدين هو هذا، فإن أبا العلاء كان من أعمق الناس تدينا. وهذا كلام جميل، ولكنه لا يتفق مع روح الإسلام ولا مع روح أي دين آخر؛ لأن الدي تصديق وشعائر، كما هو حالة نفسية ومبادئ أخلاقية، وهو لا يتفق مع نفسية أبا العلاء، وإنما هو فهم خاص للأستاذ وجدي يريد أن يمليه على أبي العلاء. والأمر أغرب في الخصومة التي نشبت بين الدكتور طه حسين والأستاذ العقاد. والعقاد يبدأ فيؤكد -فيما يعلم- أن فكرة أبي العلاء في هذه الرحلة إلى العالم الآخر لم يسبقه إليها أحد غير لوسيان في محاوراته في الأولمب والهاوية. وهذا قول عجيب يدخل في سلسلة تأكيدات الأستاذ العقاد التي لا حصر لها في كل ما كتب، والتي كثيرا ما تدهشنا لجرأتها. ففكرة الرحلة إلى العالم الآخر قديمة قدم الإنسانية، عرفها اليونان قبل لوسيان، وعرفها العرب قبل أبي العلاء. والكل يعلم ما في أساطير اليونان من وصف لنزول أورفيوس إلى العالم الآخر ليسترد منه زوجته أوريديس، والكل يعلم وصف هوميروس رحلة أوليس، ووصف فرجيلوس شاعر الإنيادة لرحلة إنيوس بذلك العالم، كما نعلم جميعا أشعار المتصوفة في أحلام يقظتهم ونومهم ومن تلك الرحلات الرائع الجميل، كوصف الحارث بن أسد المحاسبي في "التوهم" الذي نشره المستشرق الدكتور أربري، وصدر له الأستاذ أحمد أمين بك، وفي عصر مقارب لعصر أبي العلاء كتب ابن شهيد رسالة "التوابع والزوابع" المنشورة بكتاب "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" "ج١ ص٢١٠" وهي شديدة الشبه برسالة الغفران، ومع ذلك يؤكد العقاد أن فكرة رسالة الغفران لم يسبق أبا العلاء إليها غير لوسيان "؟ " وهو يخلص من ذلك إلى الحكم على الرسالة بأنها "نمط وحدها في آدابنا العربية، وأسلوب شائق، وفن طريف، وفكرة لبقة، وفذلكة جامعة لأشتات من نكات النحو واللغة، وأما أن ينظر إليها كأنها نفحة من نفحات الوحي الشعري على مثال ما نعرف من القصائد الكبرى التي يفتن في تمثيلها الشعراء، والقصص التي يخترعونها اختراعا، أو ينظر إليها كأنها عمل من أعمال توليد الصور والباس المعاني المجردة لباس المدركات المحسوسة، فليس ذلك حقا". وهذا كلام غريب يستند إلى مسلمات لا يعلم من سلم بها. وما نعلم أن الأرض قد أنجبت كُتَّابا يخترعون القصص اختراعا، كما لا نظن
следующие страницы →