بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمات:
ترجمة مؤلف "المقدمة الحضرمية " ١:
هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر بافضل الحضرمي. قال في "النور السافر": ولد سنة خمسين وثمانمائة "٨٥٠هـ" وارتحل لطلب العلم إلى عدن وغيرها، وأخذ عن الإمامين محمد بن أحمد بافضل, وعبد الله بن أحمد مخرمة، ولازم الثاني، وتخرج به، وانتفع به كثيرًا، وأخذ أيضًا عن البرهان بن ظهيرة، وتميز واشتهر ذكره، وبعد صيته، وأثنى عليه الأئمة من مشايخه وغيرهم، وكان حريًّا بذلك.
وكان إمامًا، عالمًا، عاملًا، عابدًا، ناسكًا، ورعًا، زاهدًا، شريف النفس، كريمًا سخيًّا مفضالا، كثير الصدقة، حسن الطريقة, لين الجانب، صبورًا على تعليم العلم، متواضعًا، حسن الخلق، لطيف الطباع، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، له حرمة وافرة عند الملوك وغيرهم، حافظًا أوقاته لا يرى إلا في تدريس علم أو مطالعة كتاب أو اشتغال بعبادة وذكر.
ولي التدريس بجامع الشحر وانتصب فيها للاشتغال والفتوى، وصار عمدة القطر، وانتهت إليه رئاسة الفقه في جميع تلك النواحي، ولم يزل على ذلك حتى توفي يوم الأحد خامس شهر رمضان سنة ٩١٨هـ٢، ودفن في طرف بلد الشحر من جهة الشمال في موضع موات، وهو أول من دفن هناك، ودفن الناس إلى جانبه، حتى صارت مقبرة كبيرة انتهى.
له مؤلفات كثيرة، نذكر منها:
المقدمة الحضرمية؛ وهو الكتاب الذي بين أيدينا
- الحجج القواطع في الواصل والقاطع.
- الفتاوى.
- رسالة في علم الفلك.
- لوامع الأنوار في فضل القائم بالأسحار.
стр. 2
ترجمة ابن حجر الهيتمي مؤلف "المنهاج القويم " ١:
قال ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب في وفيات سنة ٩٧٣هـ:
وفيها: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن علي ابن حجر -نسبة على ما قيل إلى جد من أجداده كان ملازمًا للصمت فشبه بالحجر- الهيتمي السعدي الأنصاري الشافعي الإمام العلامة البحر الزاخر.
ولد في رجب سنة تسع وتسعمائة في محلة أبي الهيتم من إقليم الغربية بمصر المنسوب إليها، ومات أبوه وهو صغير، فكفله الإمامان الكاملان شمس الدين بن أبي الحمائل، وشمس الدين الشناوي، ثم إن الشمس الشناوي نقله من محلة أبي الهيتم إلى مقام سيدي أحمد البدوي، فقرأ هناك في مبادئ العلوم، ثم نقله في سنة أربع وعشرين إلى جامع الأزهر، فأخذ عن علماء مصر، وكان قد حفظ القرآن العظيم في صغره.
وممن أخذ عنه شيخ الإسلام القاضي زكريا، والشيخ عبد الحق السنباطي، والشمس المشهدي، والشمس السمهودي، والأمين الغمري، والشهاب الرملي، والطبلاوي، وأبو الحسن البكري، والشمس اللقاني الضيروطي، والشهاب ابن النجار الحنبلي، والشهاب ابن الصائغ في آخرين.
وأذن له بالإفتاء والتدريس وعمره دون العشرين، وبرع في علوم كثيرة من التفسير، والحديث، والكلام، والفقه، أصولا وفروعًا، والفرائض، والحساب، والنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، والمنطق، والتصوف.
ومن محفوظاته "المنهاج الفرعي". ومقروءاته لا يمكن حصرها، وأما إجازات المشايخ له فكثيرة جدًّا استوعبها في "معجم مشايخه". وقدم إلى مكة في آخر سنة ثلاث وثلاثين، فحج وجاور بها، ثم عاد إلى مصر، ثم حج بعياله في آخر سنة سبع وثلاثين، ثم حج سنة أربعين، وجاور من ذلك الوقت بمكة، وأقام بها يدرس ويفتي ويؤلف.
стр. 3
ومن مؤلفاته "شرح المشكاة" و"شرح المنهاج" وشرحان على "الإرشاد" و"شرح الهمزية البوصيرية" و"شرح الأربعين النواوية" و"الصواعق المحرقة" و"كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع" و"الزواجر عن اقتراف الكبائر" و"نصيحة الملوك" وشرح مختصر الفقيه عبد الله بافضل الحاج المسمى "المنهج القويم في مسائل التعليم" و"الأحكام في قواطع الإسلام" و"شرح العباب" المسمى بـ"الإيعاب" و"تحذير الثقات عن أكل الكفتة والقات", وشرح قطعة صالحة من "ألفية ابن مالك" و"شرح مختصر أبي الحسن البكري" في الفقه، و"شرح مختصر الروض" و"مناقب أبي حنيفة" وغير ذلك.
وأخذ عنه من لا يحصى كثرة، وازدحم الناس على الأخذ عنه، وافتخروا بالانتساب إليه، وممن أخذ عنه مشافهة شيخ مشايخنا البرهان بن الأحدب.
وبالجملة فقد كان شيخ الإسلام خاتمة العلماء الأعلام، بحرًا لا تكدره الدلاء، إمام الحرمين كما أجمع عليه الملأ، كوكبًا سيارًا في منهاج سماء الساري، يهتدي به المهتدون تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] ، واحد العصر، وثاني القطر، وثالث الشمس والبدر، أقسمت المشكلات ألا تتضح إلا لديه وأكدت المعضلات أليتها أن تنجلي إلا عليه، لا سيما وفي الحجاز عليها قد حجر، ولا عجب فإنه المسمى بابن حجر، وتوفي رحمه الله تعالى بمكة في رجب، ودفن بالمعلاة في تربة الطبريين، وانتهى.
وترجم له عمر رضا كحالة في معجم المؤلفين، فقال: أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن محمد بن علي ابن حجر الهيتمي، السعدي الأنصاري الشافعي "شهاب الدين، أبو العباس" فقيه مشارك في أنواع من العلوم، ولد في محلة أبي الهيتم من إقليم الغربية بمصر في رجب سنة ٩٠٩هـ وتوفي بمكة سنة ٩٧٣هـ١.
من مؤلفاته الكثيرة: تحفة المحتاج لشرح المنهاج للنووي في فروع الفقه الشافعي بمجلدين، مبلغ الأرب في فضل العرب، الصواعق المحرقة لإخوان الابتداع والضلال والزندقة، معدن اليواقيت الملتمعة في مناقب الأئمة الأربعة، تحرير المقال في آداب وأحكام وفوائد يحتاج إليها مؤدبو الأطفال، المنح المكية في شرح الهمزية للبوصيري، كنه أمراد في شرح بانت سعاد، الإعلام بقواطع الإسلام، الفتاوى الهيتمية "الفتاوى الحديثية"، شرح تحفة المحتاج، الإمداد في شرح الإرشاد، أشرف الوسائل إلى فهم
стр. 4
الشمائل، القول المختصر في علامات المهدي المنتظر، المطالب في صلة الأقارب، تحفة المزوار إلى قبر المختار "الجوهر المنظم في زيارة القبر المعظم المكرم"، الفتح المبين في شرح الأربعين للنووي، كنز الناظر في مختصر الزواجر، خلافة الأئمة الأربعة "تاريخ الخلفاء الراشدين"، الإيضاح والبيان لما جاء في ليلتي الرغائب والنصف من شعبان، الزواجر، النعمة الكبرى على العالم بدولة سيد بني آدم، الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود.
стр. 5
خطبة الكتاب
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي فرض علينا تعلم شرائع الإسلام، ومعرفة صحيح المعاملة وفاسدها
ــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وأصحابه الذين خصصتهم بمعرفتك وأيدتهم ببرهانك.
وبعد؛ فقد سألني بعض الصلحاء أن أضع شرحًا لطيفًا على مقدمة الإمام المحقق الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن بافضل الحضرمي نفعنا الله بعلومه وبركته فأجبته إلى ذلك ملتمسًا منه ومن غيره أن يمدني بدعواته الصالحة، وسائلًا من فضل مولانا أن يعم النفع به، وأن يبلغني كل مأمول بسببه، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأقوى سبب للفوز بشهوده في جنات النعيم آمين.
قال المؤلف ﵀: "بسم الله" أي أبتدئ أو أفتتح أو أؤلف متلبسًا أو مستعينًا أو متبركًا باسم الله إذ لا اعتداد بما لم يصدر باسمه تعالى، والاسم مشتق من السمو وهو العلو، والله علم على الذات الواجب الوجود لذاته المستحق لجميع الكمالات وهو عربي مشتق من "أَلِهَ" إذا تحير لتحير الخلق في كنه ذاته تعالى وتقدس وهو الاسم الأعظم وعدم الاستجابة لأكثر الناس مع الدعاء به لعدم استجماعهم لشرائط الدعاء، ولم يسم به غير الله قط، "الرحمن" هو صفة في الأصل بمعنى كثير الرحمة جدًّا ثم غلب على البالغ في الرحمة والإنعام بحيث لم يسم به غيره تعالى، وتسمية أهل اليمامة مسيلمة١ تعنت في الكفر، "الرحيم" أي ذي الرحمة الكثيرة فالرحمن أبلغ منه، وأتى به إشارة إلى أن ما دل عليه من دقائق الرحمة وإن ذكر بعد ما دل على جلائلها الذي هو المقصود الأعظم مقصود أيضًا لئلا يتوهم أنه غير ملتفت إليه فلا يسأل ولا يعطي، وكلاهما مشتق من الرحمة وهي عطف وميل روحاني غايته الإنعام، فهي لاستحالتها في حقه تعالى مجاز إما عن نفس الإنعام فتكون صفة فعل، أو عن إرادته فتكون صفة ذات، وكذا سائر أسمائه تعالى المستحيل معناها في حقه المراد بها غايتها.
"الحمد" أي كل ثناء بجميل سواء كان من مقابلة نعمة أم لا ثابت ومملوك ومستحق، "لله" وأردف التسمية بالحمد اقتداء بأسلوب الكتاب العزيز وعملا بما صح من قوله ﷺ : "كل
стр. 6
لتعريف الحلال والحرام، وجعل مآل من علم ذلك وعمل به الخلود في دار السلام،
ــ
أمر ذي بال": أي حال يهتم به "لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم" ١ وفي رواية: "أقطع" ٢ وفي أخرى "أبتر" ٣: أي قليل البركة، وفي رواية: "ببسم الله الرحمن الرحيم" ٤، وفي أخرى: "بذكر الله" ٥ وبها يتبين أن المراد البداءة بأي ذكر كان، وقرن الحمد بالجلالة إشارة إلى أنه يستحقه لذاته لا بواسطة شيء آخر وآثر كغيره الحمد على الشكر؛ لأن الحمد يعم الفضائل وهي الصفات التي لا يتعدى آثرها للغير والفواضل وهي الصفات المتعدية والشكر يختص بالأخيرة، "الذي فرض" أي أوجب "علينا" معشر الأمة إيجابًا عينيًّا٦ لا رخصة في تركه "تعلم" ما نحتاج إليه لمباشرتنا لأسبابه، فالعبادات يجب على كل مكلف تعلم ما يكثر وقوعه من شروطها وأركانها فوزًا في الفوري وموسعًا في الموسع كالحج والمعاملة والمناكحة وغيرها، لا يجب تعلم ذلك فيه إلا على من أراد التلبس به، فمن أراد أن يتزوج مثلا امرأة ثانية لا يحل له حتى يتعلم غالب أحكام القسم ونحوه وعلى هذا فقس، أما الإيجاب على الكفاية بمعنى أنه إذا قام به البعض سقط عن الباقين فيعم سائر "شرائع الإسلام" وما يتوقف معرفتها أو كمالها عليه كالنحو وغيره، والشرائع جمع شريعة وهي لغة مشرعة الماء٧ وشرعًا ما شرعه الله لعباده من الأحكام، فالإضافة بيانية أو بمعنى اللام وهو أولى إذ الإسلام هو الانقياد والاستسلام وتعرف الشريعة أيضًا بأنها وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما يصلح معاشهم ومعادهم، "و" تعلم "معرفة" جميع أحكام "صحيح المعاملة" والمناكحة والجناية وما يتعلق بكل "وفاسدها" وإنما وجب على الكافة ذلك عينًا أو كفاية "لتعريف" أي معرفة "الحلال" الشامل للواجب والمندوب والمباح والمكروه وخلاف الأولى "والحرام" حتى يفعل الحلال ويجتنب الحرام، وفي نسخة "من الحرام" أي لتمييز الحلال الطيب من الحرام الخبيث، "وجعل مآل" أي عاقبة "من علم ذلك وعمل به الخلود في دار السلام" على أسرّ حال وأهنئه من غير كدر يصيبه في قبره وما بعده، بخلاف من لم يعلم ذلك لتركه الواجب أو علمه ولم يعمل به فإن إسلامه وإن كان متكفلا له بالخلود أيضًا في دار
стр. 7
وجعل مصير من خالفه وعصاه دار الانتقام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المان بالنعم الجسام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث رحمة للأنام صلى الله
ــ
السلام وهي الجنة إلا أنه قد يكون بعد مزيد عذاب ومؤاخذة: "وجعل مصير" أي رجوع أو قرار "من خالفه وعصاه" عطف تفسير "دار الانتقام" وهي النار دائمًا إن كانت مخالفته في الكفر وإلا فمعنى كونها مصيره أن يستحق ذلك إن لم يعف عنه.
"وأشهد" أي أعلم وأبين "أن لا إله" أي لا معبود بحق في الوجود "إلا الله وحده لا شريك له" في ذاته ولا في وصف من صفاته, "المان" أي المتفضل على عباده المؤمنين من المن والمنة النعمة الثقيلة ولا يحمد إلا في حقه تعالى لأنه المتفضل بما يملكه حقيقة وغيره لا ملك له معه فلم يناسبه المن به, "بالنعم" جمع وهي اللذة التي تحمد عاقبتها، ومن ثم لم يكن لله نعمة على كافر وإنما ملاذه استدراج "الجسام" أي العظام. "وأشهد أن" سيدنا "محمدًا" وهو علم موضوع لمن كثرت خصاله الحميدة، وسمي به نبينا بإلهام من الله لجده١ بذلك ليطابق اسمه صفته. "عبده" قدمه لأنه أكمل أوصافه، ولذا خص بالذكر في أشرف مقامات كماله ﷺ نحو: ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِه﴾ [الفرقان: ١] ، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] ، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩] ، لاسيما ليلة المعراج المتكفلة بغايات الكمالات المفاضة عليه ﷺ في تلك الليلة وما بعدها، و"رسوله" هو إنسان ذكر حر أوحى إليه بشرع وأمر بتبليغه وإن لم يكن له كتاب ولا نسخ لشرع من قبله وآثره على النبي لأنه أفضل، لكن قال ابن عبد السلام: نبوة الرسول أفضل من رسالته لتعلقها بالله تعالى وتعلق الرسالة بالخلق وفيه نظر بينته في غير هذا الكتاب، "المبعوث رحمة للأنام" أي الخلق، أما كونه رحمة للخق فدل عليه الكتاب٢ والسنة ٣ والإجماع، ومعنى كونه رحمة للكافر أنه لا يعاجل بالعقوبة والأخذ بغتة كما وقع لأمم من قبله، وأما كونه مبعوثًا للخلق بناء على تعلق قوله للأنام بقوله المبعوث فهو ما ذكره بعض المحققين لخبر صحيح٤ يدل له وهو اللائق بعلو مقامه ﷺ ، وقد بينت في بعض الفتاوى أن الأصح أنه ﷺ مرسل للملائكة بما فيه مقنع
стр. 8
وسلم عليه وعلى آله وصحبه البررة الكرام.
وبعد؛ فهذا مختصر لا بد لكل مسلم من معرفته أو معرفة مثله فيتعين الاهتمام به وإشاعته، فأسأل الله الكريم أن ينفع به وأن يجعل جمعي له خالصًا لوجهه الكريم.
ــ
لمن تدبره "صلى الله وسلم عليه" من الصلاة وهي الرحمة المقرونة بتعظيم ويختص لفظها بالأنبياء والملائكة فلا يقال لغيرهم إلا تبعًا. و"على آله" هم أقاربه المؤمنون من بني هاشم والمطلب، وقد يراد بهم في مقام الصلاة كل مؤمن لخبر ضعيف فيه، "وصحبه" اسم جمع لصاحب وهو من اجتمع بالنبي ﷺ ولو لحظة وإن لم يره ولم يرو عنه مؤمنًا ومات على الإيمان "البررة" جمع بار وهو من غلبت عليه أعمال البر "الكرام" جمع كريم والمراد به هنا من خرج عن نفسه وماله لله تعالى وكل الصحابة كذلك رضوان الله عليهم أجمعين.
و"بعد" كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر، وكان ﷺ وأصحابه يأتون بأصلها وهو "أما بعد" في خطبهم لذلك، ولكون أصلها ذلك لزم الفاء في حيزها والأصل مهما يكن من شيء بعد الحمدلة الصلاة على النبي ﷺ "فهذا" المؤلف الحاضر في الذهن "مختصر" قل لفظه وكثر معناه "لا بد" أي لا غنى "لكل مسلم" يحتاج إلى معرفة ما هو مضطر إليه من العبادات محتاج إليه من المعاملات "من" معرفته أو من "معرفة مثله" ليكون على بصيرة من أمره وبينة من ربه وإلا ركب متن عمياء وخبط خبط عشواء "فيتعين" حينئذ عليك أيها الراغب في الخير "الاهتمام به" أي بهذا المختصر أو مثله حفظًا وفهمًا وكتابة، "و" عليك أيضًا "إشاعته" في البلدان ليكون لك نصيب من الأجر إذ الدال على هدى كفاعله١، وليس المطلوب منك الإيصال للهدى فإن الهدى هدى الله وحده وحينئذ "فأنا أسأل الله الكريم أن ينفع به" فإنه لا يخيب من اعتمد عليه ولجأ في مهماته إليه "وأن يجعل جمعي له" من متفرقات الكتب "خالصًا لوجهه" أي ذاته "الكريم" أي المتفضل على من شاء بما شاء إنه جواد حليم رءوف رحيم.
стр. 9
باب أحكام الطهارة
مدخل
...
"باب أحكام الطهارة":
لا يصح رفع الحديث ولا إزالة النجس إلا بما يسمى ماء، فإن تغير طعمه أو لونه أو ريحه تغيرًا فاحشًا بحيث لا يسمى ماء مطلقًا بمخالط طاهر يستغني الماء عنه لم تصح الطهارة
ــ
باب أحكام الطهارة:
وهي لغة الخلوص من الدنس الحسي والمعنوي كالعيب١ وشرعًا ما توقف على حصوله إباحة كالغسلة الأولى أو ثواب مجرد كالغسلة الثانية والثالثة والوضوء المجدد والغسل المسنونين.
"لا يصح" ولا يحل "رفع الحدث" الأصغر, وهو ما أوجب الوضوء والأكبر وهو ما أوجب الغسل "ولا إزالة النجس" المخفف وهو بول الصبي الآتي ذكره والمغلظ وهو نجاسة نحو الكلب والمتوسط وهو ما عداهما من سائر النجاسات الآتية ولا فعل طهارة سلس ولا طهارة مسنونة "إلا بما" علم أو ظن كونه ماء مطلقًا وهو ما "يسمى ماء" من غير قيد لازم بالنسبة للعالم بحاله كماء البحر وما ينعقد منه الملح وينحل إليه نحو البرد الذي استهلك فيه الخليط والمترشح من بخار الماء الطهور المغلي والمتغير بما لا غنى عنه أو بمجاوره لأنه يسمى ماء لغة وعرفًا وما بباطن دود الماء وهو المسمى بالزلال٢ لأنه ليس بحيوان وما جمع من ندى وليس نفس دابة في البحر، ودليل الحصر المذكور في الحدث آية التيمم٣ والإجماع، وفي الخبث ما صح من أمره ﷺ بغسله وفي غيرهما القياس عليهما، وخرج بالمطلق المذكور المائع كالخل والجامد كالتراب في التيمم والنجاسة المغلظة والحجر في الاستنجاء وأدوية الدباغ ونحو ماء الزعفران مما قيد بلازم فلا يرفع حدثًا ولا يزيل نجسًا ولا يستعمل في طهر غيرهما "فإن تغير" حسًّا "طعمه" وحده "أو لونه" وحده "أو ريحه" وحده "تغيرًا فاحشًا" بأن سلب إطلاق اسم الماء عنه حتى صار "بحيث لا يسمى ماء مطلقًا" وإنما يسمى ماء مقيدًا كماء الورد أو استجد له اسم آخر كالمرقة مثلًا وكان ذلك التغير "بمخالط" مخالف للماء في صفاته أو واحدة منها وهو ما لا يمكن فصله "طاهر يستغني الماء عنه" بأن لا يشق صونه عنه ككافور رخو وقطران يختلطان بالماء وثمر وإن كان شجره نابتًا في الماء "لم تصح الطهارة به" لأنه ليس عاريًا عن القيود والإضافات فلا
стр. 10
به، والتغير التقديري كالتغير الحسي، فلو وقع فيه ماء ورد لا رائحة له قدر مخالفًا له بأوسط الصفات، ولا يضر تغير يسير لا يمنع اسم الماء، ولا يضر تغير بمكث وتراب وطحلب وما في مقره وممره ولا بمجاور كعود ودهن ولا بملح مائي ولا بورق تناثر من الشجر.
ــ
يلحق بمورد النص العري١عنها. "والتغير التقديري كالتغير الحسي، فلو وقع فيه" أي الماء ما يوافقه في صفاته ومنه "ماء ورد لا رائحة له" سواء أوقع في ماء كثير أم قليل والماء المستعمل لكن إن وقع في ماء قليل لأن المستعمل إذا كثر طهر فأولى إذا وقع في الكثير "قدر مخالفًا له" للماء "بأوسط الصفات" كطعم الرمان ولون العصير وريح اللاذن٢ فإن غير بفرضه في صفة سلب الطهورية, وإن كان عند فرض المخالفة في غير تلك الصفة لا يغير وذلك لأن لموافقته لا يغيره فاعتبر بغيره كالحكمية. "ولا يضر تغير يسير" وهو ما "لا يمنع اسم الماء" وإن كان بمخالط يستغنى لأنه ﷺ توضأ من قصعة فيها أثر عجين٣، "ولا يضر تغير بمكث" لتعذر الاحتراز عنه "وتراب" طهور وإن قلنا إنه مخالط لأنه يوافق الماء في الطهورية بخلاف النجس والمستعمل "وطحلب" لم يطرح ولو متفتتًا لعسر الاحتراز عنه وهو نبت أخضر يعلو الماء فإن طرح ضر إن كان متفتتًا وإلا فلا "وما في مقره وممره" من نحو نورة٤ وزرنيخ٥ ولو مطبوخين وطين لم يكثر تغير الماء به بحيث صار لا يجري بطبعه لذلك "ولا بمجاور" وهو ما يمكن فصله "كعود ودهن" ولو مطيبين ومنه البخور وإن كثر وظهر في الريح وغيره لأن الحاصل بذلك مجرد تروح فهو كما لو تغير بجيفة على الشط، ومنه أيضًا ما أغلى فيه نحو بر وتمر بحيث لم يعلم انفصال عين مخالطة فيه بأن لم يصل إلى حد بحيث يحدث له اسم كالمرقة. "ولا بملح مائي" لانعقاده من عين الماء كالثلج بخلاف الملح الجبلي فيضر التغير به ما لم يكن بمقر الماء أو ممره، وكالملح المائي متغير بخليط لا يؤثر فلا يضر صبه على غير متغير وإن غيره كثيرًا, لأنه طهور "ولا بورق تناثر" بنفسه "من الشجر" ولو ربيعًا بخلاف المطروح للاستغناء عنه ولا يضر تغييره بالثمر إن تناثر بنفسه، ولو شك على التغير يسير أو كثير فكاليسير، أو هل زاد التغير للكثير لم يطهر للأصل فيهما، أو هل هو من مخالط أو غيره، أو هل المغير مخالط أو مجاور، لم يؤثر.
стр. 11
فصل: "في الماء المكروه "
стр. 12
فصل: "في الماء المستعمل "
لا تصح الطهارة بالماء المستعمل القليل في رفع الحدث وإزالة النجس، فلو أدخل
ــ
فصل: في الماء المستعمل
"لا تصح الطهارة بالماء المستعمل" هو ما أزيل به مانع من رفع حدث ولو حدث صبي لا يميز بناء على اشتراط طهره لصحة الطواف به, وهو المعتمد وإزالة خبث ولو معفوًّا عنه، وكذا ما لا رفع كطهر دائم الحدث وحنفي لم ينو وغسل ميت وكتابية من حيض أو نفاس المتوضيء يده في الماء القليل بعد غسل وجهه غير ناو للاغتراف صار الماء الباقي مستعملا، والمستعمل في طهر مسنون كالغسلة الثانية والثالثة تصح الطهارة به.
стр. 13
فصل: "في الماء النجس ونحو ه"
ينجس الماء القليل وغيره من المائعات بملاقاة النجاسة، ويستثنى من ذلك مسائل:
ــ
لتحل لحليلها المسلم، ونحو مجنونة غسلها حليلها لذلك وذلك لأنه حصل باستعماله زوال المنع من نحو الصلاة فانتقل المنع إليه، كما أن الغسالة لما أثرت في المحل تأثرت، وإنما يؤثر الاستعمال في الماء "القليل" بخلاف الكثير وهو القلتان١ فإنه لا يؤثر الاستعمال فيه بل لو جمع المستعمل حتى بلغ قلتين صار طهورًا، وإنما يؤثر في القليل إن انفصل عن العضو المستعمل فيه ولو حكمًا؛ لأن جاوز ماء يده منكبه أو رجله ركبته، نعم لا يضر الانفصال من بدن الجنب إلا إذا كان إلى محل لا يغلب فيه التقاذف كأن انفصل من الرأس إلى نحو القدم بخلافه إلى نحو الصدر، وعلم مما تقرر أنه لا تصح الطهارة بالمستعمل "في رفع الحدث و" لا "إزالة النجس" ولا في غيرهما "فإذا أدخل المتوضئ يده" اليمنى أو اليسرى أو جزأ منهما وإن قل "في الماء القليل بعد غسل وجهه" ثلاثًا سواء قصد التثليث أو أطلق أو واحدة إن قصد ترك التثليث "غير ناو للاغتراف" سواء قصد غسلهما عن الحدث أم أطلق "صار الماء الباقي مستعملا" وإن لم تنفصل يده عنه لانتقال المنع إليه ومع ذلك له أن يحركها فيه ثلاثًا وتحصل له سنة التثليث، وله أن يغسل بقية يده بما فيها وإن صار ما اغترف منه مستعملا, لأن ماءها لم ينفصل عنها وإدخال الجنب شيئًا من بدنه بعد النية بلا نية اغتراف منه يصير الماء مستعملا أيضًا، ولو انغمس في ماء قليل ثم بعد انغماسه نوى رفع الجنابة ارتفعت، وله إذا أحدث أو أجنب ثانيًا وهو في الماء أن يرفع به الحدث المتجدد؛ لأنه لم ينفصل عن الماء فصورة الاستعمال باقية، وكذا لو انغمس محدث في ماء قليل ثم نوى فإن حدث جميع أعضائه يرتفع على المعتمد، ولو كان ببدنه خبث بمحلين فمر الماء بأعلاهما ثم بأسفلهما طهرا معًا كما لو نزل من عضو جنب إلى محل عليه خبث فأزاله بلا تغير "والمستعمل في طهر مسنون كالغسلة الثانية والثالثة" والوضوء المجدد والغسل المسنون "تصح الطهارة به" لأنه لم ينتقل إليه مانع٢.
فصل: في الماء النجس ونحوه
"ينجس الماء القليل" وهو ما ينقص عن القلتين بأكثر من رطلين "وغيره من المائعات" وإن كثر وبلغ قلالا كثيرة "بملاقاة النجاسة" وإن لم يتغير لمفهوم ما صح من قوله ﷺ : "إذا بلغ
стр. 14
ما لا يدركه الطرف، وميتة لا دم لها سائل إلا إن غيرت أو طرحت وفم هرة تنجس ثم غابت واحتمل ولوغها في ماء كثير، وكذلك الصبي إذا تنجس ثم غاب واحتملت طهارته،
ــ
الماء قلتين لم يحمل خبثًا" ١ إذ مفهومه أن ما دونهما يحمل الخبث: أي يتأثر به ولا يدفعه وفارق كثير المائع كثير الماء بأن حفظ كثير المائع لا يشق "ويستثنى من ذلك مسائل" لا ينجس فيها قليل الماء ولا كثير غيره وقليله بملاقاة النجاسة: منها "ما لا يدركه الطرف" أي البصر المعتدل فإنه لا يؤثر إن كان من غير مغلظ وقل عرفًا, ولم يغير ولو تغيرًا قليلا ولم يحصل بفعله لمشقة الاحتراز عنه, ولو كان بمواضع متفرقة ولو اجتمع لرؤى لم يعف عنه.
"و" منها "ميتة لا دم لها سائل" عند شق عضو منها في حياتها ويلحق شاذ الجنس بغالبه، وما شك في سيل دمه له حكم ما يتحقق عدم سيلان دمه ولا يجرح خلافًا للغزالي وذلك كزنبور وعقرب ووزغ٢ ونمل ونحل وبق وقراد٣ وقمل وبرغوث وخنفساء٤ وذباب لما صح من أمره ﷺ بغمسه فيما وقع فيه؛ لأنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء٥ وغمسه يفضي لموته كثيرًا، فلو نجس لما أمر به وقيس به سائر ما لا يسيل دمه فيعفى عنها "إلا إن غيرت" ما وقعت فيه ولو تغيرًا قليلا, فلا عفو إذ لا مشقة، ولو زال تغير نحو المائع بها طهر على احتمال فيه "أو طرحت", وهي ميتة وليس نشؤها منه، أما إذا طرحت وهي حية فإنها لا تنجس وإن ماتت، وكذا لو طرحت ميتة ونشؤها منه كما اقتضاه كلام الشيخين لكن خالفهما كثيرون ولعل المصنف تبعهم "و" منها "فم هرة تنجس ثم غاب واحتمل" ولو على بعد "ولوغها في ماء" جار أو راكد "كثير وكذلك الصبي إذا تنجس ثم غاب واحتملت طهارته" ومثلهما كل حيوان طاهر وإن لم يعم اختلاطه بالناس، فإذا عاد وولغ في ماء قليل أو مائع لم ينجسه وإن كان الأصل بقاء فمه على النجاسة لأن احتمال الطهر قوي أصل طهارة نحو الماء فلم يؤثر فيه أصل بقاء النجاسة إذ لا يلزم منها التنجيس مع اعتضاد أصل الطهر بظاهر فكان أقوى، ولا يضر في احتمال طهر فم الهرة كونها تلعقه بلسانها لأن الماء يرد على جوانب فمها فيطهره كوروده على
стр. 15
والقليل من دخان النجاسة واليسير من الشعر النجس واليسير من غبار السرجين ولا ينجس غبار السرجين أعضاءه الرطبة، وإذا كان الماء قلتين فلا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلا إن تغير طعمه أو لونه أو ريحه ولو تغيرًا يسيرًا، فإن زال تغيره بنفسه أو بماء طهر أو بمسك أو كدورة تراب فلا، والجاري كالراكد والقلتان خمسمائة رطلبالبغدادي تقريبًا فلا يضر
ــ
جوانب الإناء المتنجس، أما إذا لم يكن ذلك فإنه ينجس ما ولغ فيه. "و" منها "القليل من دخان النجاسة" والمتنجس ومثله البخار إن تصاعد بواسطة نار بخلاف المتصاعد لا بواسطة نار كبخار الكنيف١ والريح الخارجة من الشخص وإن كانت ثيابه رطبة فإنه طاهر. "و" منها "اليسير من الشعر النجس" لغير الراكب والكثير منه للراكب. "و" منها اليسير من غبار السرجين"٢ ونحوه "ولا ينجس غبار السرجين أعضاءه" ولا ثيابه "الرطبة" كما لا ينجس ما وقع فيه وذلك لمشقة الاحتراز عن جميع ذلك، ولذلك عفى أيضًا عن منفذ غير الآدمي إذا وقع في الماء مثلا سواء غلب وقوع فيه أم لا بشرط أن لا يطرأ عليه نجاسة أجنبية وعما يحمله نحو الذباب، وعما يبقى من قليل الدم على اللحم والعظم، وعن قليل بول وروث ما نشؤه من الماء والمرجع في القلة والكثرة العرف، وشرط العفو عن ذلك أن لا يغير وأن لا يكون من مغلظ وأن لا يحصل بقصد، قيل: ويعفى عن جرة٣ البعير وفم ما يجتر إذا التقم أخلاف أمه وفم صبي تنجس وإن لم يغب وذرق٤ الطيور في الماء وإن لم تكن من طيوره وبعر فأرة عم الابتلاء بها، وبعر شاة وقع في اللبن حال الحلب، وما يبقى في نحو الكرش إذا شقت تنقيته منه، وفي أكثر ذلك نظر ومخالفة لكلامهم.
"وإذا كان الماء قلتين فلا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلا إن تغير طعمه" وحده "أو لونه" وحده "أو ريحه" وحده "ولو" كان "تغيرًا يسيرًا" لفحش النجاسة، ومن ثم فرض النجس المتصل به الموافق له في الصفات كبول منقطع الرائحة بأشدها كلون الحبر وريح المسك وطعم الخل، فإن كان بحيث يغيره أدنى تغير تنجس وخرج بوقوعها فيه تغيره برائحة جيفة على الشط فلا يضر "فإن زال تغيره" الحسي أو التقديري "بنفسه" لنحو طول مكث وهبوب ريح "أو بماء" ضم إليه ولو متنجسًا أو نبع فيه أو نقص منه وبقي قلتان "طهر" لانتفاء علة التنجيس وهي التغير، ولا يضر عوده بعد زواله حيث خلا عن نجس جامد، "أو" زال "بمسك أو كدورة تراب" أو نحوهما "فلا" يطهر لأن الظاهر استتار وصف النجاسة به لا زواله، وأفهم تعبيره بكدورة أن الماء لو صفا منها ولا تغير به طهر ولو وقع النجس في كثير متغير بما لا يضر قدر زواله، فإن فرض تغيره بهذه النجاسة تنجس وإلا فلا، "و" الماء "الجاري" وهو ما نقصان رطلين ويضر نقصان أكثر وقدرهما بالمساحة في المربع ذراع وربع طولًا وعرضًا وعمقًا وفي المدور كالبئر ذراعان عمقًا وذراع عرضًا، وتحرم الطهارة بالماء المسبل للشرب.
стр. 16
فصل: "في الاجتهاد "
إذا اشتبه عليه طاهر بمتنجس اجتهد وتطهر بما ظن طهارته بعلامة ولو أعمى وإذا
ــ
اندفع في صبب١ أو مستو من الأرض وإلا فهو راكد "كالراكد" فإن كان قلتين لم ينجس إلا بالتغير أو أقل تنجس بمجرد ملاقاة النجس غير المعفو عنه، نعم الجاري وإن تواصل حسًا فهو منفصل حكمًا إذ كل جرية طالبة لما أمامها هاربة مما وراءها فاعتبر تقوي أجزاء الجرية الواحدة بعضها ببعض وهي لما يرتفع وينخفض بين حافتي النهر من الماء عند تموجه تحقيقًا أو تقديرًا، أما الجريات فلا يتقوى بعضها ببعض، فلو وقعت فيه نجاسة وجرت بجرية فموضع الجرية المتنجس بها نجس، وللمارة بعدها حكم غسالة النجاسة وإن لم تجر بجريه فكل جرية تمر عليها دون قلتين تكون نجسة وإن امتد النهر فراسخ إلى أن يجتمع فيه قلتان في محل، وبه يلغز فيقال لنا ماء بلغ آلافًا من القلال وهو نجس مع أنه ليس بمتغير "والقلتان خمسمائة رطل بالبغدادي" وبالمصري أربعمائة وستة وأربعون رطلًا٢ "تقريبًا" لا تحديدًا "فلا يضر نقصان رطلين" فأقل "ويضر نقصان أكثر" من رطلين على ما في الروضة "وقدرهما بالمساحة في المربع٣ ذراع وربع" بذراع اليد المعتدلة "طولًا وعرضًا وعمقًا" إذ كل ربع ذراع يسع أربعة أرطال بغدادية ومجموع ذلك مائة وخمسة وعشرين ربعًا في خمسة أرباع بسط العمق "وفي المدور كالبئر ذراعان عمقًا" بذراع النجار وهو بذراع اليد المعتدلة قيل ذراع وربع تقريبًا وقيل ذراع ونصف "وذراع عرضًا" وهو ما بين حائطي البئر من سائر الجوانب، وسبب اختلاف المربع والمدور مذكور في المطولات، "وتحرم الطهارة" وغيرها من سائر وجوه الاستعمالات ما عدا الماء "بالماء المسبل للشرب" لكن تصح الطهارة به، ويجب التيمم بحضرته، ومثله ما جهل حاله سواء دلت القرينة على أنه مسبل للشرب كالخوابي الموضوعة في الطرق أو لا كالصهاريج، ويحرم حمل شيء من المسبل إلى غير محله ما لم يضطر إليه.
فصل في الاجتهاد:
وهو كالتحري: بذل المجهود في تحصيل المقصود.
"إذا اشتبه عليه طاهر" من ماء أو تراب أو غيرهما "بمتنجس" أو طهور بمستعمل "اجتهد" أخبره بتنجيسه ثقة وبين السبب أو أطلق وكان فقيهًا موافقًا اعتمده.
стр. 17
فصل: "في الأواني "
ويحرم استعمال أواني الذهب والفضة إلا لضرورة واتخاذها ولو إناء صغيرًا
ــ
وجوبًا إن ضاق الوقت ولم يجد غير ذلك الماء أو التراب أو اضطر إلى تناول المتنجس وجوازًا فيما عدا ذلك، "وتطهر بما ظن طهارته" واستعمله لأن التطهر شرط من شروط الصلاة، وحل التناول والاستعمال والتوصل إلى ذلك ممكن بالاجتهاد فوجب عند الاشتباه إن تعين طريقًا كما مر، وللاجتهاد شروط أربعة: أحدها: أن يكون لكل من المشتبهين أصل في التطهير والحل، فلو اشتبه ماء بماء ورد أو طاهر بنجس العين فلا اجتهاد بل يتوضأ بالماء وماء الورد بكل مرة. ثانيها: أن يكون للعلامة فيه مجال فلا يجوز الاجتهاد إلا بعلامة كتغير أحد الإناءين ونقصه واضطرابه وقرب نحو كلب أو رشاش منه لإفادة غلبة الظن حينئذ بخلاف ما إذا لم يكن فيه محال كما لو اختلطت محرمة بنسوة: ثالثها: ظهور العلامة فإن لم يظهر لم يعمل به سواء الأعمى والبصير، ولا يشترط في إدراكها البصر بل يتحرى من وقع له الاشتباه، "ولو" كان "أعمى" فإن له طريقًا في التوصل إلى المقصود كسماع صوت ونقص ماء واعوجاج الإناء واضطراب عطائه فإن لم يظهر له شيء قلد، فإن لم يجد من يقلده أو اختلف عليه مقلدوه تيمم والبصير لا يقلد بل يتيمم، وشرط صحة التيمم إتلاف الماءين لأن أحدهما طهور بيقين والتيمم لا يصح مع وجوده، رابعها: تعدد المشتبه وبقاء المشتبهين فلا اجتهاد في واحد ابتداء ولا انتهاء، ويجب عليه إعادة الاجتهاد لكل طهور ولو مجددًا وإن لم يكفه لوجوب استعمال الناقص، ثم إن وافق اجتهاده الأول فذلك وإلا أتلفهما ثم تيمم "وإذا أخبره بتنجيسه" أي أحد الإناءين "ثقة" ولو عدل رواية كامرأة وعبد "وبين السبب أو أطلق أو كان فقيها موافقًا" للمخبر في باب تنجس المياه "اعتمده" وجوبًا بخلاف ما إذا أطلق وهو عامي أو مخالف فلا يعتمده، وخرج بالثقة الصبي والمجنون والفاسق والكافر فلا يقبل خبرهم إلا إن كان من غير المجانين ولو بلغ عدد التواتر، ومن يخبر عن فعل نفسه فهو مقبول مطلقًا.
فصل في الأواني:
"ويحرم" على المكلف ولو أنثى "استعمال أواني الذهب والفضة" في الطهارة وغيرها لنفسه أو لغيره ولو صغيرًا كسقيه في مسعط فضة لما صح من النهي عن الأكل والشرب فيهما مع اقترانه بالوعيد الشديد١، وقيس بهما سائر وجوه الاستعمال كالاحتواء على
стр. 18
كمكحلة وما ضبب بالذهب، ولا يحرم ما ضبب بالفضة إلا ضبة كبيرة للزينة، ويحل المموه بهما إذا لم يحصل منه شيء بالعرض على النار.
ــ
مجمرة١ وشم رائحتها من قرب بحيث يصير عرفًا متطيبًا بها "إلا لضرورة" بأن لم يجد غيرها "و" يحرم "اتخاذها" لأنه يجر إلى استعمالها المحرم كآلة اللهو المحرمة "ولو" كان مستعملًا "إناء صغيرًا" جدا حتى ساوى الضبة٢ المباحة "كـ"ـمرود٣ و"مكحلة"٤, وخلال٥ لعموم النهي عن الإناء "و" يحرم استعمال "ما ضبب بالذهب" مطلقًا أو طليت ضبة به بحيث يتحصل منه شيء بالعرض على النار وإن صغرت الضبة وكان لحاجة لأن الخيلاء فيه أشد. "ولا يحرم ما ضبب بالفضة إلا ضبة كبيرة للزينة" وحدها أو مع الحاجة فتحرم لما فيها من السرف والخيلاء بخلاف الصغيرة لزينة أو الكبيرة لحاجة والصغيرة لحاجة فإنها تحل وإن لمعت من بعد أو كانت بمحل الشرب أو استوعبت جزأ من الإناء لانتفاء الخيلاء مع الكراهة في الأولين وضابط الصغر والكبر العرف ولو شك في الكبر فالأصل الإباحة، والمراد بالحاجة الغرض المتعلق بالتضبيب سوى التزيين كإصلاح كسر وشد وتوثق، "ويحل" الإناء "المموه بهما" أي بالذهب والفضة "إذا لم يحصل شيء منه بالعرض على النار" وإلا حرم أما إناء الذهب والفضة إذا غشي بنحاس أو نحوه بحيث ستره فإنه يحل لأن علة التحريم العين مع الخيلاء وهما موجودان في الأول دون الثاني٦ هذا في الاستدامة. أما فعل التمويه والاستئجار له فحرام مطلقًا حتى في الكعبة، ولو فتح فاه للمطر النازل من ميزابها لم يحرم وإن مسه الفم على الأوجه لأنه لا يعد مستعملًا له، وتحل حلقة الإناء ورأسه وسلسلته ولو من فضة لانفصالها عنه مع أنه لا تسمى إناء، ولا ينافي هذا قولهم يحل الاستنجاء بالنقد لأن محله في قطعة لم تطبع ولم تهيأ له وإلا حرم الاستنجاء بها أيضًا، وخرج بأواني الذهب والفضة سائر الأواني ولو من جواهر نفيسة فيحل استعمالها لأن الفقراء يجهلونها فلا تنكسر قلوبهم برؤيتها، نعم يحرم استعمال الإناء النجس في غير جاف وماء كثير لأنه ينجسه.
стр. 19
فصل: "في خصال الفطرة "
يسن السواك في كل حال ويتأكد للوضوء والصلاة لكل إحرام وإرادة قراءة القرآن والحديث والذكر واصفرار الأسنان ودخول البيت والقيام من النوم وإرادة النوم ولكل حال يتغير فيه الفم، ويكره للصائم بعد الزوال ويحصل بكل خشن لا أصبعه والأراك أولى ثم
ــ
فصل: في خصال الفطرة
"يسن السواك في كل حال" للأحاديث الكثيرة الشهيرة١، ولو أكل نجسًا وجب إزالة دسومته بسواك أو غيره "ويتأكد للوضوء و" التيمم لخبر فيه٢ ويتأكد عند إرادة "الصلاة لكل إحرام" ولو لنفل وسجدة تلاوة أو شكر وإن كان فاقد الطهورين ولم يتغير فمه واستاك للوضوء وقرب الفصل للخبر الصحيح: "ركعتان بسواك خير من سبعين ركعة بغير سواك" ٣، ويظهر أنه لو خشي تنجس فمه لم يندب لها وأنه لو تذكر فيها أنه تركه تداركه بفعل قليل، "و" عند "إرادة قراءة القرآن والحديث والذكر" وكذا كل عمل شرعي ويكون قبل الاستعاذة. و"اصفرار الأسنان "يعني تغيرها وإن لم يتغير فمه "و" عند "دخول البيت" أي المنزل ويصح أن يراد به الكعبة إذ يتأكد لدخول كل مسجد "و" عند "القيام من النوم" لأنه يورث التغير، "و" عند "إرادة النوم" لأنه يخفف التغير الناشئ منه، "و" يتأكد أيضًا "لكل حال يتغير فيه الفم" وعند كل طواف وخطبة وأكل وبعد الوتر وفي السحر وللصائم قبل أوان الخلوف وعند الاحتضار؛ لأنه يسهل طلوع الروح، ويسن التخلل قبل السواك وبعده ومن أثار الطعام، "ويكره للصائم بعد الزوال" وإن احتاج إليه لتغير حدث في فمه من غير الصوم كأن نام أو أكل ذا ريح كريه ناسيًا لأنه يزيل الخلوف المطلوب إبقاؤه فإنه عند الله أطيب من ريح المسك٤ ولو لم يتعاط مفطرًا
стр. 20
النخل، ويستحب أن يستاك بيابس ندي بالماء وأن يستاك عرضًا إلا في اللسان وأن يدهن غبًا ويكتحل وترًا ويقص الشارب ويقلم الظفر وينتف الإبط ويزيل شعر العانة ويسرح
ــ
يتولد منه تغير الفم ليلًا كره له السواك من بعد الفجر لأنه يزيل الخلوف الناشئ من الصوم دون غيره، "ويحصل" فضله "بكل خشن" ولو نحو أشنان١ بخلافه بنحو ماء الغاسول٢، وإن نقى الأسنان وأزال القلح٣ لأنه لا يسمى سواكًا "لا أصبعه" المتصلة به وإن كان خشنة لأنها لا تسمى سواكًا لأنها جزء منه، أما أصبع غيره أو أصبعه المنفصلة عنه فتجزئ إن كان خشنة وإن وجب دفنها فورًا، "والأراك أولى ثم النخل" ثم ذو الريح ثم الطيب ثم اليابس المندى بالماء ثم العود ولا يكره بسواك الغير إذا أذن وإلا حرم.
و"يستحب" إذا لم يجد سواكًا رطبًا أو لم يرد الاستياك به "أن يستاك بيابس ندي بالماء" لا بغيره لأن في الماء من التنظيف المقصود ما ليس في غيره. "وأن يستاك عرضًا" أي في عرض الأسنان ظاهرها وباطنها لحديث مرسل فيه، ويكره طولًا لأنه قد يدمي اللثة ويفسدها "إلا في اللسان" فيسن فيه طولًا لحديث فيه٤ ويكره بمبرد ومع الكراهة يحصل له أصل السنة، ويسن كونه باليد اليمنى وإن كان لإزالة تغير لأن اليد لا تباشره، وأن يبدأ بجانب فمه الأيمن ويذهب إلى الوسط ثم الأيسر ويذهب إليه "و" يستحب "أن يدهن غبًا" أي وقتًا بعد وقت "و" أن "يكتحل وترًا" ثلاثة في العين اليمنى ثم ثلاثة في اليسرى "و" أن "يقص الشارب" حتى تبين حمرة الشفة بيانًا ظاهرًا ولا يزيد على ذلك، وهذا هو المراد بإحفاء الشوارب الوارد في الحديث٥ كما قال النووي، واختار بعض المتأخرين أن حلقه سنة أيضًا لحديث فيه٦ "و" أن "يقلم الظفر" والأفضل أن يبدأ بسبابة يده اليمنى ثم الوسطى فالبنصر
стр. 21
اللحية ويخضب الشيب بحمرة أو صفرة والمزوجة يديها ورجليها بالحناء، ويكره القزع ونتف الشيب ونتف اللحية والمشي في نعل واحد والانتعال قائمًا
ــ
فالخنصر فالإبهام فخنصر اليسرى فالبنصر فالوسطى فالسبابة فالإبهام، أما رجلاه فيقلمهما كما يخللهما في الوضوء. "و"أن "ينتف الإبط" ويحصل أصل السنة بحلقه هذا إن قدر على النتف وإلا فالحلق أفضل. "و" أن "يزيل شعر العانة" والأولى للذكر حلقه وللمرأة نتفه ولا يؤخر ما ذكر عن وقت الحاجة ويكره كراهة شديدة تأخيرها عن أربعين يومًا، ويسن أيضًا غسل البراجم وهي عقد طهور الأصابع وإزالة وسخ معاطف الأذن والأنف وسائر البدن "و" أن "يسرح اللحية و" أن "يخضب الشيب بحمرة أو صفرة" للاتباع ويحرم السواد إلا لإرهاب الكفار كغاز "و" أن تخضب المرأة "المزوجة يديها ورجليها بالحناء" إن كان زوجها يحب ذلك، ويسن البداءة في كل ذلك باليمنى، أما غيرها فلا يندب لها ذلك بل يحرم عليها الخضب بالسواد وتطريف الأصابع وتحمير الوجنة إن كانت خلية أو لم يأذن حليلها، وكذا يحرم عليها وصل شعرها بشعر نجس أو بشعر آدمي مطلقًا، وكذا بالطاهر على الخلية والمزوجة والمملوكة بغير إذن حليلها والوشر وهو تحديد أطراف الأسنان وتفريقها كالوصل بشعر طاهر ولا بأس بتصفيف الطرر١ وتسوية الأصداغ، "ويكره القزع" وهو حلق بعض الرأس للنهي عنه٢ ولا بأس بحلق جميعه لمن لا يخف عليه تعهده وتركه لمن يخف عليه ولو خشي من تركه مشقة سن له حلقه وفرقه سنة "ونتف الشيب" لأنه نور بل قال في المجموع٣ ولو قيل بتحريمه لم يبعد ونص عليه في الأم٤ "ونتف اللحية" إيثارًا للمرودة وطليها بالكبريت استعجالا للشيخوخة وتصفيفها طاقة فوق طاقة تحسينًا والزيادة فيها والنقص منها بالزيادة في شعر العذارين من الصدغين أو أخذ بعض العذار في حلق الرأس، ونتف جانبي العنفقة وتركها شعثة إظهارًا لقلة المبالاة بنفسه والنظر في بياضها وسوادها إعجابًا وافتخارًا، ولا بأس بترك سباليه وهما طرفا الشارب، "و" ويكره بلا عذر "المشي في نعل واحد" للنهي الصحيح عنه٥، والمعنى فيه أن مشيه يختل بذلك، وقيل لما فيه من ترك العدل
стр. 22
فصل: "في الوضوء "
فروض الوضوء ستة:
الأول: نية رفع الحدث أو الطهارة للصلاة أو نحو ذلك عند غسل الوجه وينوي
ــ
بين الرجلين وكالنعل الخف ونحوه. "والانتعال قائمًا" للنهي الصحيح عنه١ أيضًا ولأنه يخشى منه سقوطه، وإطالة العذبة٢ والثوب والإزار عن الكعبين لا للخيلاء وإلا حرم، ولبس الخشن لغير غرض شرعي خلاف الأولى، ويسن أن يبدأ بيمينه لبسًا وبيساره خلعًا وأن يخلع نعليه إذا جلس وأن يجعلهما وراءه أو بجنبه إلا لعذر كخوف عليهما، وأن يطوي ثيابه ذاكرًا اسم الله، وأن يجعل عذبته بين كتفيه وكمه إلى رسغه، وللمرأة إرسال ثوبها على الأرض ذراعًا، ولا يكره إرسال العذبة ولا عدمه.
فصل: في الوضوء
وهو معقول المعنى وفرض مع الصلاة على الأوجه قبل الهجرة بسنة وهو من خصائص هذه الأمة بالنسبة لبقية الأمم لا لأنبيائهم، وموجبه الحدث وإرادة فعل ما يتوقف عليه، وكذا يقال في الغسل.
"وفروض الوضوء ستة" الأول: النية لما صح من قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" ٣ أي إنما صحتها بالنية فتجب إما "نية رفع حدث" أي رفع حكمه وإن نوى بعض أحداثه كأن نام وبال فنوى رفع حدث النوم لا البول لأن الحدث لا يتجزأ فإذا ارتفع بعضه ارتفع كله، وكذا لو نوى غير رفع حدثه كأن نام فنوى رفع حدث البول لكن بشرط أن يكون غالطًا وإلا كان متلاعبًا "أو" نية "الطهارة للصلاة" أو نحوهما أو الطهارة عن الحدث، ولا يكفي فيه نية الطهارة فقط ولا الطهارة الواجبة على الأوجه "أو" نية "نحو ذلك" كنية أداء الوضوء أو فرضه أو الوضوء وإنما لم تصح نية الغسل؛ لأنه قد يكون عادة بخلاف الوضوء، وكنية استباحة مفتقر إلى الوضوء كالصلاة وإن لم يدخل وقتها كالعيد في رجب وطواف وإن كان في الهند مثلا.
стр. 23
سلس البول ونحوه استباحة فرض الصلاة وإن توضأ للسنة نوى استباحة الصلاة.
الثاني: غسل الوجه وحده ما بين منابت شعر رأسه ومقبل ذقنه وما بين أذنيه فمنه الغمم والهدب والحاجب والعذار والعنفقة بشرًا وشعرًا وإن كثف وشعر اللحية وشعر
ــ
ولا يعتد بالنية إلا إن كانت "عند غسل الوجه" فإن غسل جزأ منه قبلها لغا فإذا قرنها بجزء بعده كان الذي قارنها وهو أوله ووجب إعادة غسل ما تقدم عليها ثم المتوضئ إما سليم وإما سلس فالسليم يصح وضوؤه بجميع النيات السابقة بخلاف السلس. "و" من ثم "ينوي سلس البول ونحوه" كالمذي١ والودي٢ "استباحة فرض الصلاة" أو غيرها من النيات السابقة لا رفع الحديث والطهخارة عنه لأن حدثه لا يرتفع ويستبيح السلس بذلك ما يستبيحه المتيمم مما يأتي وإنما تلزمه نية استباحة الفرض إن توضأ لفرض. "وإن توضأ لسنة نوى استباحة الصلاة" ولو نوى المتوضئ مع نية الوضوء تبردًا أو تنظفًا كفى، لكن إن نوى ذلك في الأثناء اشترط أن يكون ذاكرًا لنية الوضوء وإلا لم يصح ما بعدها لوجود الصارف، وكذا لو بقي رجلاه مثلا فسقط في نهر لم يرتفع حدثهما إلا إن كان ذاكرًا لها، بخلاف ما لو غسلهما فإنه يرتفع مطلقًا ولا يقطع نية الاغتراف حكم النية السابقة وإن عزبت٣ لأنها لمصلحة الطهارة لصونها ماؤها عن الاستعمال، ومتى شرك بين عبادة وغيرها لم يثب مطلقًا عن ابن عبد السلام٤، وعند الغزالي٥ إن غلب باعث الآخرة أثيب وإلا فلا، وكلام المجموع وغيره في الحج يؤيده.
الفرض "الثاني: غسل" ظاهر "الوجه" أي انغساله وكذا يقال في سائر الأعضاء للآية٦ "وحده" طولا "ما بين منابت شعر رأسه" أي ما من شأنه ذلك "و" "مقبل ذقنه و" عرضًا "ما بين أذنيه فمنه الغمم" وهو ما ينبت عليه الشعر من جبهة الأغم إذ لا عبرة بنباته في غير
стр. 24
العارض إن خف غسل ظاهره وباطنه وإن كثف غسل ظاهره، ويستحب تخليل اللحية الكثة بأصابعه من أسفل.
الثالث: غسل اليدين مع المرفقين وما عليهما.
الرابع: مسح شيء من بشرة الرأس أو شعره في حده.
ــ
محله كما لا عبرة بانحسار شعر الناصية. "و" منه "الهدب والحاجب والعذار" وهو الشعر النابت على العظم الناتئ بقرب الأذن ومنه البياض الذي بينه وبين الأذن "والعنفقة" فيجب غسل جميع الوجه الشامل لما ذكره وغيره "بشرًا" حتى ما يظهر من حمرة الشفتين مع إطباق الفم وما يظهر من أنف المجدوع لا غير "وشعرًا" ظاهرًا وباطنًا "وإن كثف" لأن كثافته نادرة، نعم ما خرج عن حد الوجه لا يجب غسل باطنه إن كثف، ويجب غسل جزء من ملاقي الوجه من سائر الجوانب إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وكذا يزيد أدنى زيادة في اليدين والرجلين، وأفاد كلامه أن ما أقبل من اللحيين من الوجه دون النزعتين وهما بياضان يكتنفان الناصية ودون موضع الصلع وهو ما بينهما إذا انحسر عنه الشعر ودون موضع التحذيف وهو ما ينبت عليه الشعر من ابتداء العذار والنزعة ودون وتد الأذن لكن يسن غسل جميع ذلك وأن يأخذ الماء بيديه جميعًا للاتباع وما مر في الشعر محله في غير اللحية والعارض. "وشعر اللحية" الإضافة فيه بيانية إذ اللحية الشعر النابت بمجتمع اللحيين. "وشعر العارض" الإفاضة فيه كذلك إذ هو الشعر الذي بين اللحية والعذار "إن خف" بأن كانت البشرة ترى من خلاله في مجلس التخاطب "غسل ظاهره وباطنه" سواء أخرج عن حد الوجه أم لا، "وإن كثف" بأن لم تر منه البشرة كذلك "غسل ظاهره" ولا يجب غسل باطنه للمشقة إن كان من رجل، فإن كان من امرأة أو خنثى غسل باطنه مطلقًا، ولو خف البعض وكثف البعض فلكل حكمه إن تميز وإلا وجب غسل الكل، ولو خلق له وجهان غسلهما أو رأسان مسح بعض أحدهما؛ لأن كلا منهما يسمى وجهًا ورأسًا. "ويستحب تخليل اللحية الكثة" وغيرها مما لا يجب غسل باطنه "بأصابعه" اليمنى "من أسفل" للاتباع.
"الثالث: غسل اليدين مع المرفقين" للآية والمرفق مجتمع عظم الساعد والعضد فإن أبين الساعد وجب غسل رأس عظم العضد. "و" يجب غسلهما مع غسل "ما عليهما" من شعر وإن كثف وأظفار وإن طالت كيد نبتت بمحل الفرض وسلعة١ وباطن ثقب أو شق فيه، نعم إن كان لهما غور في اللحم لم يجب إلا غسل ما ظهر منهما، وكذا يقال في سائر الأعضاء، ولو خلق له يدان واشتبهت الزائدة بالأصلية وجب غسلهما.
"الرابع: مسح شيء" وإن قل "من بشرة الرأس" كالبياض الذي وراء الأذن. "أو" من
стр. 25
الخامس: غسل الرجلين مع الكعبين وشقوقهما.
السادس: الترتيب، فلو غطس صح وضوءه وإن لم يمكث وتجب الموالاة في وضوء دائم الحدث واستصحاب النية حكمًا.
ــ
"شعره" أو من شعرة منه للآية مع ما صح من مسحه ﷺ بناصيته وعلى عمامته١, وإنما يجزئ مسح شعر الرأس إن كان داخلًا "في حده" بحيث لا يخرج الممسوح عن الرأس بالمد من جهة نزوله من أي جانب كان ويجزئ غسله وبله بلا كراهة وليس الأذنان منه وخبر: "الأذنان من الرأس"٢ ضعيف.
"الخامس: غسل الرجلين مع الكعبين" للآية وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم "و" مع "شقوقهما" وغيرهما مما هو في اليدين ويجب إزالة ما يذاب في الشق من نحو شمع.
"السادس: الترتيب" كما ذكر لأنه ﷺ لم يتوضأ إلا مرتبًا، فلو قدم عضوًا على محله لم يعتد به، ولو غسل أربعة أعضائه معًا ارتفع حدث وجهه فقط ويكفي وجود الترتيب تقديرًا "فلو غطس" ناويًا ولو في ماء قليل كما مر "صح وضوؤه وإن لم يمكث" زمنًا يمكن فيه الترتيب أو أغفل لمعة٣ من غير أعضاء الوضوء لحصوله تقديرًا في أوقات لطيفة لا تظهر في الحس وخرج بغطس ما لو غسل أسافله قبل أعاليه فإنه لا يجزئ لعدم الترتيب حسًا حينئذ ويسقط وجوبه عن محدث أجنب، ومن ثم لو غسل جنب ما سوى أعضاء الوضوء ثم أحدث لم يجب ترتيبها، "وتجب الموالاة في وضوء دائم الحدث" فيجب عليه أن يوالي بين الاستنجاء والتحفظ وبينهما وبين الوضوء وبين أفعاله وبينه وبين الصلاة تخفيفًا للحدث ما أمكن، "و" يجب في كل وضوء "استصحاب النية حكمًا" ولا يتركها قبل تمام الوضوء بأن لا يأتي بما ينافيها كردة أو قطع وإلا احتاج إلى استئنافها، وإذا أحدث في أثناء الوضوء أو قطعه أثيب على الماضي إن كان لعذر وإلا فلا.
стр. 26
فصل: "في سنن الوضوء "
وسننه السواك، ثم التسمية مقرونة بالنية مع أول غسل الكفين والتلفظ بالنية واستصحابها، فإن ترك التسمية في أوله ولو عمدًا أتى بها قبل فراغه فيقول: بسم الله أوله وآخره كما في الأكل والشرب ثم غسل الكفين، فإن لم يتيقن طهرهما كره غمسهما في الماء القليل ومائع قبل غسلهما ثلاث مرات ثم المضمضة ثم الاستنشاق، والأفضل الجمع
ــ
فصل: في سنن الوضوء
والسنة والتطوع والمندوب والنفل والحسن والمرغب فيه ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه.
"وسننه" كثيرة ذكر المصنف بعضها فمنها: "السواك" لما مر وينوي به سنة الوضوء بناء على ما مشى عليه المصنف تبعًا لجماعة من أنه قبل التسمية، والمعتمد أن محله بعد غسل الكفين وقبل المضمضة فحينئذ لا يحتاج لنية إن نوى عند التسمية لشمول النية له كغيره. "ثم التسمية" لما صح من قوله ﷺ : "توضؤوا باسم الله" ١ أي قائلين ذلك وخبر: "لا وضوء لمن لم يسم الله" ٢ محمول على الكمال وأقلها باسم الله وأكملها بسم الله الرحمن الرحيم، والسنة أن يأتي بالبسملة "مقرونة بالنية مع أول غسل الكفين" فينوي معها غسل الكفين بأن يقرنها بها عند أول غسلهما ثم يتلفظ بها سرًا عقيب التسمية، فالمراد بتقديم النية على غسل الكفين تقديمها على الفراغ منه. "و" منها "التلفظ بالنية" عقيب التسمية كما تقرر وعند غسل الوجه إن أخرها إليه ليساعد اللسان القلب. "واستصحابها" بقلبه من أول وضوئه إلى آخره لما فيه من مزيد الحضور المطلوب في العبادة ومر أن استصحابها حكمًا شرط. "فإن ترك التسمية في أوله" أي الوضوء "ولو عمدًا أتى بها قبل فراغه فيقول بسم الله في أوله وآخره كما" يسن الإتيان بها "في" أثناء "الأكل والشرب" إذا تركها أولهما ولو عمدًا لأمره ﷺ بذلك، لكن الوارد في حديث الترمذي وغيره "أوله وآخره" بإسقاط "في" أما في فراغ الوضوء فلا يأتي بها وكذا بعد فراغ الأكل والشرب على الأوجه، "ثم" بعد التسمية المقرونة بالنية "غسل الكفين" إلى الكوعين وإن لم يقم من النوم ولا أراد إدخالهما الإناء ولا شك في طهرهما والأفضل غسلهما معًا، ومر أن المراد بتقديم النية المقرونة بالتسمية على غسلهما الذي أشار إليه المصنف ثم تقديمها على الفراغ منه، "فإن لم يتيقن طهرهما" بأن تردد فيه على السواء أو لا "كره" له "غمسهما في الماء القليل" دون الكثير "و" في "مائع" وإن كثر "قبل غسلهما ثلاث مرات"
стр. 27
بثلاث غرفات يتمضمض من كل غرفة ثم يستنشق بباقيها والمبالغة فيهما لغير الصائم وتثليث كل من الغسل والمسح والتخليل ويأخذ الشاك باليقين، ومسح جميع الرأس، فإن
ــ
سواء أقام من نوم أم لا لما صح من نهيه ﷺ المستيقظ عن غمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا١، وعلله بأنه لا يدري أين باتت يده الدال على أن المقتضي للغسل التردد في نجاسة اليد بسبب النوم لاستجمارهم بالحجر وألحق به التردد بغيره، ولا تزول الكراهة إلا بالغسل ثلاثا كما أفهمه كلام المصنف كالحديث وإن تيقنت الطهارة بالأولى لذكر الثلاث في الحديث، أما إذا تيقن ظهرهما أو كان الماء قلتين أو أكثر فهو مخير إن شاء قدم الغسل على الغمس أو أخره عنه، وهذه الثلاثة هي المندوبة أول الوضوء لكن يسن تقديمها عند التردد على الغمس. "ثم المضمضة ثم الاستنشاق" للاتباع ويحصل أقلهما بإصال الماء إلى الفم والأنف والجمع بينهما أفضل من الفصل لأن روايته صحيحة٢ ويحصل بغرفة واحدة يتمضمض منها ثلاثا ثم يستنشق منها ثلاثا "والأفضل الجمع" بينهما "بثلاث غرفات يتمضمض من كل غرفة ثم يستنشق بباقيها" لما صح من أمره ﷺ بذلك، ويحصل أصل السنة بالفصل بأن يتمضمض بثلاث غرفات ثم يستنشق بثلاث غرفات أو يتمضمض ثلاثا من غرفة ثم يستنشق ثلاثا من غرفة وهذه أفضل وإن كانت الأولى أنظف، وأفهم عطفه بـ"ثم" أن الترتيب بين غسل الكفين والمضمضة والاستنشاق مستحق لا مستحب فما تقدم عن محله لغو، فلو أتى بالاستنشاق مع المضمضة أوقدمه عليها أو اقتصر عليه لم يحسب، ولو قدمها على غسل الكفين حسب دونهما على المعتمد. "و" الأفضل "المبالغة فيهما" بأن يبالغ بالماء في المضمضة إلى أقصى الحنك ووجهي الأسنان واللثات مع إمرار الأصبح اليسرى على ذلك وفي الاستنشاق بتصعيد النفس إلى الخيشوم من غير استقصاء لئلا يصير سعوطا مع إدخال الأصبع اليسرى ليزيل ما فيه من أذى هذا "لغير الصائم" أما الصائم فتكره له المبالغة فيهما خشية الإفطار "وتثليث كل من الغسل والمسح والتخليل" والدلك والسواك والذكر كالتسمية والدعاء للاتباع في أكثر ذلك. "ويأخذ الشاك باليقين" وجوبا في الواجب وندبا في المندوب، فلو شك في استيعاب عضو وجب عليه استيعابه، أو هل غسل يده ثلاثا أو اثنتين جعله اثنتين
стр. 28
لم يرد نزع ما على رأسه مسح جزأ من الرأس ثم تممه على الساتر ثلاثا ثم مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما بماء جديد وصماخيه بماء جديد، وتخليل أصابع اليدين بالتشبيك، وأصابع الرجلين بخنصر اليد اليسرى من أسفل خنصر اليمنى إلى خنصر اليسرى والتتابع
ــ
وغسل ثالثة ولا نظر إلى احتمال زيادة رابعة وهي مكروهة لأنها لا تكره إلا إن تحقق أنها رابعة، ويجب ترك التثليث كسائر السنن لضيق الوقت وقلة الماء واحتياج إلى الفاضل لعطش محترم، ويسن ترك ذلك لإدراك جماعة ما لم يرج جماعة أخرى، والتثليث في مسح الخف والعمامة والجبيرة خلاف الأولى "ومسح جميع الرأس" للاتباع والذي يقع فرضا هو القدر المجزئ فقط، والأكل وضع مسبحتيه على مقدم رأسه وإبهاميه على صدغيه ثم يذهب بهما معا ما عدا الإبهامين لقفاه ثم يرد إن كان له شعر ينقلب ولا يحسب الرد مرة ثانية هذا إن لم يكن على رأسه عمامة أو نحوها. "فإن" كان و"لم يرد نزع ما على رأسه" وإن سهل "مسح جزأ من الرأس" والأولى أن يكون الناصية "ثم تممه" أي المسح "على الساتر" وقوله "ثلاثا" إن أراد به أن يمسح الجزء الذي من الرأس ثلاثا فصحيح أو أنه يمسح الساتر ثلاثا فضعيف لما مر من أن التثليث فيه خلاف الأولى لأنه خلاف الاتباع. "ثم" السنة بعد مسح الرأس "مسح" جميع "الأذنين ظاهرهما وباطنهما" والأفضل مسحهما "بماء جديد" فلا يكفي ببلل المرة الأولى من الرأس. "و" مسح "صماخيه" وهما خرقا الأذنين والأفضل أن يكون "بماء جديد" غير ماء الرأس والأذنين، فلو مسحهما بمائهما حصل أصل السنة كما لو مسحهما أو الأذنين بماء ثانية الرأس أو ثالثته، والأحب في كيفية مسحهما مع الصماخين أن يمسح برأس مسبحتيه صماخيه وبباطن أنملتيهما باطن الأذنين ومعطفهما ويمر إبهاميه على ظاهرهما ثم يلصق كفيه مبلولتين بهما استظهارا. "ويسن" غسلهما مع الوجه ومسحهما مع الرأس و"تخليل أصابع اليدين" والرجلين لما صح من الأمر به١ والأولى كونه في أصابع اليدين "بالتشبيك" لحصول المقصود بسرعة وسهولة وإنما يكره لمن بالمسجد ينتظر الصلاة "و" في "أصابع الرجلين بخنصر اليد اليسرى" أو اليمنى كما في المجموع والأولى أن يبدأ "من أسفل خنصر" الرجل "اليمنى" ويستمر على التوالي "إلى خنصر" الرجل "اليسرى" لما في ذلك من السهولة مع المحافظة على التيامن ومحل ندبه حيث وصل الماء بدونه وإلا وجب، نعم إن التحمت أصابعه حرم فتقها. "والتتابع" بين أفعال وضوئه بأن يشرع في تطهير كل عضو قبل جفاف ما قبله مع اعتدال الهواء والمزاج والزمان والمكان ويقدر الممسوح مغسولا وذلك للاتباع.
стр. 29
والتيامن وإطالة غرته وتحجيله وترك الاستعانة بالصب إلا لعذر، والنفض والتنشيف بثوب إلا لحر أو برد أو خوف نجاسة وتحريك الخاتم والبداءة بأعلى الوجه والبداءة في اليد
ــ
"والتيامن" أي تقديم اليمنى على اليسرى للأقطع ونحوه في كل الأعضاء ولغيره في يديه ورجليه فقط ولو لابس خف لأنه ﷺ "كان يحب التيامن في شأنه كله"١ مما هو من باب التكريم كتسريح شعر وطهور واكتحال وحلق ونتف إبط وقص شارب ولبس نحو نعل وثوب وتقليم ظفر ومصافحة وأخذ وإعطاء، ويكره ترك التيامن، "وإطالة غرته وتحجيله" لأمره ﷺ بذلك٢ ويحصلان بغسل أدنى زيادة على الواجب, وغاية تطويل الغرة أن يستوعب صفحتي عنقه ومقدم رأسه وتطويل التحجيل أن يستوعب عضديه وساقيه ويسن وإن ذهب محل الفرض من اليدين والرجلين، "وترك الاستعانة بالصب" عليه "إلا لعذر" لأنها ترفه لا يليق بحال المتعبد فهي خلاف الأولى وإن لم يطلبها أو كان المعين كافرًا لا مكروهة، نعم إن قصد بها تعليم المعين لم يكره فيما يظهر وهي في إحضار الماء مباحة وفي غسل الأعضاء بلا عذر مكروهة وتجب على العاجز ولو بأجرة مثل إن فضلت عما يعتبر في زكاة الفطر وإلا صلى بالتيمم وأعاد "و" ترك "النفض" لأنه كالتبري من العبادة فهو خلاف الأولى لا مباح على المعتمد. "و" ترك "التنشيف بثوب إلا لحر أو برد أو خوف نجاسة" بلا عذر وإن لم يبالغ فيه لأنه ﷺ أتى بمنديل بعد غسله من الجنابة فرده٣ ويتأكد سنة في الميت وإذا خرج عقب الوضوء في هبوب ريح بنجس أو آلمه شدة نحو برد أو كان يتيمم، وكأن المصنف تبع في قوله بثوب قول مجلى الأولى تركه بنحو ذيله أو طرف ثوبه لكنه مردود لأنه ﷺ فعله بهما٤، والأولى وقوف
стр. 30
والرجل بالأصابع، فإن صب عليه غيره بدأ بالمرافق والكعب ودلك العضو ومسح الساقين والاستقبال ووضع الإناء عن يمينه إن كان واسعًا، وأن لا ينقص ماؤه عن مد، وأن لا يتكلم في جميع وضوءه إلا لمصلحة، ولا يلطم وجهه بالماء ولا يمسح الرقبة
ــ
حامل المنشفة على اليمين والمعين على اليسار لأنه الأمكن "و" يسن "تحريك الخاتم" لأنه أبلغ في إيصال الماء إلى ما تحته فإن لم يصل إلا بالتحريك وجب "والبداءة بأعلى الوجه" للاتباع ولكونه أشرف.
"والبداءة في" غسل "اليد والرجل" أي كل يد ورجل "بالأصابع" إن صب على نفسه "فإن صب عليه غيره بدأ بالمرفق والكعب" هذا ما في الروضة، لكن المعتمد ما في المجموع وغيره من أن الأولى البداءة بالأصابع مطلقًا فيجري الماء على يده ويدير كفه الآخر عليها مجريًا للماء بها إلى مرفقه وكذا في الرجل ولا يكتفي بجريان الماء بطبعه، "ودلك العضو" مع غسله أو عقبه بأن يمر يده عليه خروجًا من خلاف من أوجبه، ويسن أن يصب على رجليه بيمينه ويدلك بيساره وأن يتعهد نحو العقب لا سيما في الشتاء، "ومسح الساقين" بسبابتيه شقيهما إن لم يكن بهما نحو رمص١ وإلا وجب وهما طرفا العين الذي يلي الأنف والمراد بهما هنا ما يشمل اللحاظ وهو الطرف الآخر، "والاستقبال" للقبلة في جميع وضوئه لأنها أشرف الجهات. "ووضع الإناء عن يمينه إن كان واسعًا" بحيث يغترف منه فإن كان يصب به وضعه عن يساره لأن ذلك أمكن فيهما، "وأن لا ينقص ماؤه" أي الوضوء "عن مد" للاتباع فيجزئ بدونه حيث أسبغ وصح "أنه ﷺ توضأ بثلثي مد"٢, هذا فيمن بدنه كبدنه ﷺ اعتدالا وليونة وإلا زاد أو نقص بالنسبة. "وأن لا يتكلم في جميع وضوئه إلا لمصلحة" كأمر بمعروف ونهي عن منكر وتعليم جاهل وقد يجب كأن رأى نحو أعمى يقع في بئر "و" أن "لا يلطم" بكسر الطاء "وجهه بالماء" ولعل الخبر فيه لبيان الجواز وإن أخذ منه ابن حبان٣ ندب ذلك "و" أن "لا يمسح الرقبة" لأنه لم يثبت فيه شيء بل قال النووي٤ إنه بدعة، وخبر: "مسح
стр. 31
وأن يقول بعده: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين واجعلني من عبادك الصالحين سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، ولا بأس بالدعاء عند الأعضاء.
ــ
الرقبة أمان من الغل"١ موضوع لكنه متعقب بأن الخبر ليس بموضوع. "وأن يقول بعده" أي الوضوء وهو مستقبل القبلة رافعًا بصره إلى السماء: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله, اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين واجعلني من عبادك الصالحين سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت, أستغفرك وأتوب إليك", وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وهذا الذكر أحاديثه صحيحة٢ فتتأكد المحافظة عليه، ومنها أن من قال: "أشهد" إلى "رسوله" فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء٣، وأن من قال: سبحانك إلخ كتب له في رق أي بفتح الراء ثم طبع بطابع بفتح الباء وكسرها فلم يكسر أي لم يتطرق إليه إبطال إلى يوم القيامة. "ولا بأس بالدعاء عند الأعضاء" أي أنه مباح لا سنة وإن ورد في طرق ضعيفة لأنها كلها ساقطة إذ لا تخلو عن كذاب أو متهم بالكذب أو بالوضع، وشرط العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال أن يشتد ضعفه كما صرح به السبكي، ومن ثم قال النووي: لا أصل لدعاء الأعضاء ومنه عند غسل الكفين: اللهم احفظ يدي من معاصيك كلها، وعند المضمضة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وعند الاستنشاق: اللهم أرحني رائحة الجنة، وعند غسل الوجه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وعند غسل اليد اليمنى: اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابًا يسيرًا، وعند اليسرى: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري، وعند مسح الرأس: اللهم حرم شعري وبشري على النار، وعند مسح الأذنين: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وعند غسل الرجلين: اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزول فيه الأقدام.
стр. 32
فصل: "في مكروهات الوضوء "
يكره الإسراف في الصب فيه وتخليل اللحية الكثة للمحرم والزيادة على الثلاث والاستعانة بمن يغسل أعضاءه إلا لعذر.
فصل: في مكروهات الوضوء
"يكره الإسراف في الصب فيه" ولو على الشط ومحله في غير الموقوف وإلا فهو حرام، ويكره ترك تخليل اللحية الكثة لغير المحرم "وتخليل اللحية الكثة للمحرم" لئلا يتساقط منها شعر وهذا ضعيف والمعتمد أنه يسن تخليلها حتى للمحرم لكن برفق "و" يكره "الزيادة على الثلاث" المحققة بنية الوضوء والنقص عنها؛ لأنه ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: "هكذا الوضوء فمن زاد على هذا الوضوء أو نقص فقد أساء وظلم" ١ أي أخطأ طريق السنة في الأمرين، وقد يطلق الظلم على غير المحرم إذ هو وضع الشيء في غير محله. "و" تكره "الاستعانة بمن يغسل أعضاءه إلا لعذر" كما مر وبالصب لغير عذر كما مر وترك التيامن، ويظهر أن كل سنة اختلف في وجوبها يكره تركها، وبه صرح الإمام في غسل الجمعة، بل وقياس قولهم يكره ترك التيامن وتخليل اللحية الكثة أن كل سنة تأكد طلبها يكره تركها.
стр. 33
فصل: "في شروط الوضوء وبعضها شروط النية "
شروط الوضوء والغسل: الإسلام والتمييز والنقاء من الحيض والنفاس وعما يمنع وصول الماء إلى البشرة والعلم بفرضيته وأن لا يعتقد فرضًا معينًا من فروضه سنة والماء
ــ
فصل: في شروط الوضوء وبعضها شروط النية
والشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، والمراد به هنا ما هو خارج الماهية وبالركن ما هو بداخلها.
"شروط الوضوء والغسل الإسلام" لأنه عبادة يحتاج لنية والكافر ليس من أهلها ومر صحة غسل الكافر من حيض أو نفاس لكن لا مطلقًا بل لحل وطئها, ومن ثم لو أسلمت لزمها إعادته. "والتمييز" في غير الطفل للطواف لما مر أول الطهارة لأن غير المميز لا تصح عبادته فعلم أن هذين شرطان لكل عبادة. "والنقاء من الحيض والنفاس" لمنافاتهما له نعم أغسال الحج ونحوها تسن للحائض والنفساء وهذا شرط عبادة تحتاج للطهارة. "و" النقاء "عما بمنع وصول الماء إلى البشرة" كدهن جامد بخلاف الجاري، وكوسخ تحت الأظفار خلافًا الطهور وإزالة النجاسة العينية وأن لا يكون على العضو ما يغير الماء وأن لا يعلق نيته وأن يجري الماء على العضو ودخول الوقت لدائم الحدث والموالاة.
стр. 34
فصل: "في المسج على الخفين "
...
فصل: "في المسح على الخفين"
ويجوز المسح على الخفين بدلا من غسل الرجلين في الوضوء، وشرط جواز المسح أن يلبسه بعد طهارة كاملة، وأن يكون الخف طاهرًا قويًّا يمكن تتابع المشي عليه
ــ
للغزالي، وكغبار على البدن وبخلاف العرق المتجمد عليه لأنه كالجزء منه, ومن ثم نقض مسه "والعلم بفرضيته" في الجملة؛ لأن الجاهل بها غير متمكن من الجزم بالنية "وأن لا يعتقد فرضًا معينًا من فروضه سنة", فيصح وضوء وغسل من اعتقد أن جميع مطلوباته فروض أو بعضها فرض وبعضها سنة ولم يقصد بفرض معين النفلية، وكذا يقال في الصلاة ونحوها. "والماء الطهور" أو ظن أنه طهور، فلو تطهر بماء لم يظن طهوريته لم يصح طهره به وإن بان أنه طهور "وإزالة النجاسة العينية وأن لا يكون على العضو ما يغير الماء وأن لا يعلق نيته" فإن قال: نويت الوضوء إن شاء الله لم يصح إن قصد التعليق أو أطلق بخلاف ما إذا قصد التبرك، "وأن يجري الماء على العضو ودخول الوقت لدائم الحدث" أو ظن دخوله وتقديم استنجائه وتحفظ١ احتيج إليه "والموالاة" ومرت كاستصحاب النية حكمًا المعبر عنه بفقد الصارف.
فصل: في المسح على الخفين
وأحاديثه شهيرة٢ قيل: بل متواترة حتى يكفر بها جاحده.
"ويجوز المسح على الخفين بدلا عن غسل الرجلين في الوضوء" وقد يسن كما إذا تركه رغبة في السنة لإيثاره الغسل الأفضل أو شك في جوازه وكان ممن يقتدي به أو وجد في نفسه كراهيته، وكذا في سائر الرخص أو خاف فوت الجماعة وقد يجب إذا أحدث وهو لابسه ومعه ماء يكفي المسح فقط أو توقف عليه إدراك نحو عرفة أو الرمي أو طواف الوداع أو الجمعة إن لزمته أو الوقت أو إنقاذ أسير، وخرج بالرجلين مسح خف واحدة وغسل أخرى فلا يجوز بخلاف مسح واحدة لنحو أقطع وبالوضوء الغسل وإزالة النجاسة فلا يجوز فيهما "وشرط جواز المسح" على كل من الخفين "أن يلبسه بعد طهارة" من وضوء أو غسل أو تيمم لا لفقد الماء "كاملة" بأن لا يبقى من بدنه لمعة بلا طهارة فلا يجزئ لبسه قبل كماله؛ لأنه ﷺ لم
стр. 35
لذ١لمسافر في الحاجة ساترًا لمحل الغسل لا من الأعلى مانعًا لنفوذ الماء من غير الخرز والشق وينزعه المقيم بعد يوم وليلة، والمسافر سفر قصر بعد ثلاثة أيام بلياليها، وابتداء المدة فيهما من الحدث بعد اللبس، فإن مسح خفيه حضرًا ثم سافر أو عكس أتم مسح
ــ
يرخص فيه إلا بعده، والعبرة باستقرار القدمين، فلو غسل رجلا ولبس خفها ثم الأخرى ولبس خفها أمر بنزع الأولى من موضع القدم وردها ويجزئ غسلهما في الخف قبل قرارهما ويضر الحدث قبله. "و" شرطه "أن يكون الخف طاهرًا" ولو مغصوبًا وذهبًا فإن كان نجس العين أو متنجسًا بما لا يعفى عنه لم يجز مسحه مطلقًا لا للصلاة ولا لغيرها لعدم إمكانها مع كونها الأصل وغيرها تبع لها أو بمعفو عنه، فإذا مسح محل النجاسة فكذلك وإلا استباح به الصلاة وغيرها، وأن يكون "قويًّا يمكن" ولو بمشقة "تتابع المشي عليه" وإن كان لابسه مقعدًا ثم الواجب بالنسبة "للمسافر" والمقيم أن يكون بحيث يمكن التردد فيه بلا نعل "في الحاجة" التي تقع مدة لبسه وهي ثلاثة أيام ولياليها للمسافر ويوم وليلة للمقيم فلا يجزئ نحو رقيق يتخرق بالمشي عن قرب. وأن يكون "ساترًا لمحل الغسل" وهو القدم بكعبيه ولو زجاجًا شفافًا مشقوقًا شد بالعري١ ويشترط الستر من كل الجوانب "لا من الأعلى" عكس ستر العورة لأن الخف يلبس من أسفل ويتخذ لستره بخلاف القميص فيهما وأن يكون "مانعا لنفوذ الماء" لو صب عليه فالعبرة بماء الغسل فلا يجزئ نحو منسوج لا صفاقة٢ له والمعتبر منعه لذلك "من غير" مواضع "الخرز" لا "الشق" ويمسح لابسه في غير سفر قصر مقيمًا كان أو مسافرًا سفرًا قصيرًا أو طويلا لا يبيح القصر يومًا وليلة، وفي سفر القصر له أن يمسح خفيه فيه ثلاثة أيام بلياليها كاملة سواء تقدم بعض الليالي على الأيام أم تأخر "و" حينئذ فيشترط في جواز المسح لمدة ثانية أن "ينزعه المقيم" ونحوه "بعد يوم وليلة والمسافر سفر قصر بعد ثلاثة أيام بلياليها أو ابتداء المدة فيهما من" نهاية "الحديث بعد اللبس" لأن وقت المسح يدخل به فاعتبرت مدته منه "فإن مسح خفيه" أو أحدهما "حضرا ثم سافر أو عكس" أي مسح سفرا ثم أقام "أتم مسح مقيم" تغليبًا للحضر لأنه الأصل فيقتصر في الأول على يوم وليلة، وكذا في الثاني إن أقام قبل مضيهما وإلا انتهت المدة بمجرد إقامته وأجزأه ما مضى وإن زاد على مدة المقيم لأن الإقامة إنما يؤثر في المستقبل، ويشترط أيضًا أن لا يحصل له حديث أكبر وإلا لزمه النزع وإن أمكنه غسل رجليه في ساق الخف، وأن لا يشك في المدة، وأن لا تنحل العرى٣، وإن لم يظهر شيء من محل الفرض، ثم إن كان بطهارة المسح لزمه غسل قدميه مقيم، ويسن مسح أعلاه وأسفله عقبه خطوطًا مرة والواجب مسح أدنى شيء من ظاهر أعلاه.
стр. 36
فصل: "في نواقض الوضوء "
نواقض الوضوء أربعة:
الأول: الخارج من أحد السبيلين إلا المني.
ــ
فقط. "ويسن مسح أعلاه وأسفله وعقبه" وحرفه وكونه "خطوطًا" مفرجًا أصابعه بأن يضع يسراه تحت عقبه ويمناه على ظهر الأصابع ثم يمر مفرجًا أصابعه هذه إلى آخر ساقه وتلك أطراف أصابعه، ويسن أن يكون مسحه "مرة" لما مر أن تثليثه خلاف الأولى. "والواجب" من ذلك "مسح أدنى شيء من ظاهر أعلاه" نظير ما مر في مسح الرأس، فلو مسح باطنه أو اقتصر على أسفله أو عقبه أو حرفه لم يجزه إذا لم يرد الاقتصار إلا على الأعلى.
فصل: في نواقض الوضوء
"نواقض الوضوء" أي ما ينتهي به "أربعة" لا غير "الأول: الخارج من أحد السبيلين" يعني خروج شيء من قبله أو دبره على أي صفة كان ولو نحو عود ودودة أخرجت رأسها وإن رجعت وريح ولو من قبل ودم باسور١ داخل الدبر لا خارج عنه لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِط﴾ ، وهو محل قضاء الحاجة سمى باسمه الخارج للمجاورة، وصح الأمر بالوضوء من المذي٢، وأن المصلي إذا سمع صوتًا أو وجد ريحًا أي علم بوجوده ينصرف من صلاته٣ وقيس بذلك كل خارج "إلا المني" أي مني الشخص بنفسه فلا ينقض إن خرج منه أولًا لأنه أوجب أعظم الأمرين وهو الغسل، بخلاف ما إذا خرج منه مني غيره أو نفسه بعد استدخاله فإنه ينقض، والأوجه أنه لو رأى على ذكره بللا لم ينتقض وضوؤه إلا إذا لم يحتمل طروه من خارج، وأن الولد الجاف ينقض لأن فيه شيئًا من مني الرجل، وخروج مني الغير ينقض كما تقرر.
стр. 37
الثاني: زوال العقل بجنون أو إغماء أو نوم إلا النوم قاعدًا ممكنًا مقعده.
الثالث: التقاء بشرتي الرجل والمرأة وينتقض اللامس والملموس ولا ينقض صغير أو صغيرة لا يشتهي ولا ينقض شعر وسن وظفر ومحرم وبنسب أو رضاع أو مصاهرة.
الرابع: مس قبل الآدمي أو حلقة دبره بباطن الكف ولا ينتقض الممسوس وينقض
ــ
"الثاني: زوال العقل" أي التمييز إما بارتفاعه "بجنون أو" انغماره بنحو صرع أو سكر أو "إغماء" ولو ممكنًا "أو" استتاره بسبب "نوم" لخبر: "فمن نام فليتوضأ" ١ وخرج بذلك النعاس، ومن علاماته سماع كلام لا يفهمه وأوائل نشوة السكر لبقاء الشعور معهما "إلا النوم" الصادر من المتوضئ حال كونه "قاعدًا ممكنًا مقعده" من مقره كأرض وظهر دابة سائرة وإن كان مستندًا إلى شيء بحيث لو زال لسقط للأمن حينئذ من خروج شيء، أما غير الممكن فينتقض وضوؤه وإن كان مستقرًا ومثله ممكن نحيف لا يحس بخروج الخارج، وممكن انتبه بعد أن زالت أليتاه عن مقره يقينًا بخلاف ما لو شك في ذلك أو في أنه كان ممكنًا أم لا أو أنه نعس وإن رأى رؤيا.
"الثالث: التقاء بشرتي الرجل" ولو ممسوحًا٢ "والمرأة" ولو ميتة عمدًا أو سهوًا ولو بعضو أشل أو زائد لقوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] أي لمستم كما في قراءة، واللمس الجس باليد وغيرها، والمعنى في النقض به أنه مظنة التلذذ المثير للشهوة التي لا تليق بحال المتطهر والبشرة ظاهر الجلد وأراد بها ما يشمل اللحم كلحم الأسنان وخرج بما ذكره التقاء بشرتي ذكرين وإن كان أحدهما أمرد حسنًا أو أنثيين أو خنثيين أو خنثى مع غيره أو ذكر وأنثى بحائل٣ وإن رق ولو بشهوة. "وينتقض اللامس والملموس" أي وضوؤهما لاشتراكهما في لذة اللمس "ولا ينقض صغير أو صغيرة" إن كان كل منهما بحيث "لا يشتهي" عرفًا غالبًا لذوي الطباع السليمة، فلا يتقيد بابن سبع سنين أو أكثر لاختلافه باختلاف الصغار والصغيرات وذلك لانتفاء مظنة الشهوة حينئذ بخلاف عجوز شوهاء أو شيخ هرم استصحابًا لما كان ولأنهما مظنتها٤ في الجملة إذ لكل ساقطة لاقطة. "ولا ينقض شعر وسن وظفر" إذ لا يلتذ بلمسها "و" لا ينقض "محرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة" كأم الزوجة لانتفاء مظنة الشهوة وخرج بالمحرم المحرمة باختلاف دين أو لعان أو وطء شبهة ما لم يطرأ عليه تحريم مصاهرة أو رضاع، ولو اشتبهت محرمة بأجنبيات ولو غير محصورات فلا نقض.
"الرابع: مس قبل الآدمي أو حلقة دبره" من نفسه أو غيره ولو سهوًا وإن كان أشل أو
стр. 38
فصل: "فيما يحرم بالحدث "
يحرم بالحدث الصلاة ونحوها، والطواف، وحمل المصحف ومس ورقه وحواشيه
ــ
زائدًا على سنن الأصلي أو مشتبهًا به لما صح من قوله ﷺ : "من مس ذكره" وفي رواية: "ذكرًا فليتوضأ" ١ والناقض من الدبر ملتقى المنفذ، ومن قبل المرأة ملتقى شفريها على المنفذ لا ما وراءهما كمحل ختانها وإنما ينقض المس "بباطن الكف" الأصلية ولو شلاء والمشتبهة بها والزائدة العاملة أي التي على سنن الأصلية لما صح من قوله ﷺ : "إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب فليتوضأ" ٢ والإفضاء باليد المس بباطن الكف ولأنه هو مظنة التلذذ وهو الراحة وبطون الأصابع. "ولا ينتقض الممسوس" لأنه لا هتك منه "وينقض فرج الميت والصغير" لشمول الاسم له "ومحل الجب"٣ كله لا الثقبة فقط, لأنه أصل الذكر "والذكر المقطوع" وبعضه إن سمى بعض ذكر بخلاف الجلدة المقطوعة في الختان، وكالذكر القبل والدبر إن بقي اسمهما بعد قطعهما. "ولا ينقض فرج البهيمة" لأنه لا يشتهي ولذا جاز كشفه والنظر إليه، "ولا المس برأس الأصابع وما بينها" وحرفها وحرف الكف نعم المنحرف الذي يلي الكف من حرفه ورؤوسها وهو ما بعده موضع الاستواء منها ينقض.
فصل: فيما يحرم بالحدث
والمراد به الأصغر عند الإطلاق.
"ويحرم بالحدث الصلاة" إجماعًا "ونحوها" كسجدة تلاوة وشكر وخطبة جمعة وصلاة جنازة. "والطواف", ولو نفلا لأنه صلاة كما في الحديث٤ "وحمل المصحف ومس ورقه وحواشيه وجلده" المتصل به لا المنفصل عنه، وإنما حرم الاستنجاء به وإن انفصل لأنه أفحش وجلده وخريطته وعلاقته وصندوقه وما كتب لدرس قرآن ولو بخرقة، ويحل حمله في أمتعة لا بقصده وفي تفسير أكثر منه وقلب ورقه بعود، ولا يمنع الصبي المميز من حمله ومسه للدراسة، ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بني على يقينه.
стр. 39
فصل: "فيما يندب له الوضوء "
يستحب الوضوء من الفصد والحجامة والرعاف والنعاس والنوم قاعدًا ممكنًا
ــ
وذلك لقول تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ، أي المتطهرون وهو خبر بمعنى النهي، وصح أنه ﷺ قال: "لا يمس المصحف إلا طاهر" ١, "و" يحرم أيضًا حمل ومس "خريطته"٢ وهو فيها "وعلاقته وصندوقه" وهو فيه لأنها منسوبة إليه كالجلد "و" حمل ومس "ما كتب لدرس قرآن ولو بخرقة" لشبهه بالمصحف بخلاف ما كتب لا للدراسة كالتمائم وما على النقد لأنه لم يقصد به المقصود من القرآن فلم تجر عليه أحكامه. "ويحل حمله في أمتعة لا بقصده" أي معها بل ومع متاع واحد بقصد المتاع وحده أو لا بقصد شيء إذ لا يحل حمله بالتعظيم حينئذ، بخلاف ما إذا قصد المصحف وحده أو مع غيره، ويجري هذا التفصيل في حمل حامل المصحف على الأوجه ولو فقد الماء والتراب ومسلمًا ثقة جاز بل وجب حمله مع الحدث إن خاف عليه كافرًا أو تنجسًا أو ضياعًا وما يجب التيمم إن قدر عليه. "و" يحل حمله "في تفسير أكثر منه" بخلاف ما إذا استويا أو كان القرآن أكثر. "و" يحل "قلب ورقه بعود" ما لم تنفصل الورقة عن محلها وتصير محمولة على العود وكتابة ما لم يمس المكتوب. "ولا يمنع الصبي المميز" ولو جنبًا "من حمله ومسه للدراسة" لحاجة تعلمه ومشقة استمراره متطهرًا، أما غير المميز فيحرم تمكينه منه، وكذا لو لم يكن له غرض متعلق بالدراسة وإن قصد التبرك، "ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على يقينه" وهو الطهارة في الأولى والحدث في الثانية لأنه الأصل، والمراد بالشك هنا وفي معظم أبواب الفقه التردد مع استواء ورجحان.
فصل: فيما يندب له الوضوء
"يستحب الوضوء من الفصد والحجامة والرعاف و" من "النعاس و" من "النوم قاعدًا مقعدته، والقيء والقهقهة في الصلاة وأكل ما مسته النار وأكل لحم الجزور والشك في الحدث، ومن الغيبة والنميمة والكذب والشتم والكلام القبيح والغضب، ولإرادة النوم، ولقراءة القرآن والحديث والذكر والجلوس في المسجد والمرور فيه ودراسة العلم وزيارة القبور، ومن حمل الميت ومسه.
стр. 40
فصل: "في آداب قاضي الحاجة "
يستحب لقاضي الحاجة بولا أو غائطًا أن يلبس نعليه ويستر رأسه ويأخذ أحجار الاستنجاء، ويقدم يساره عند الدخول ويمناه عند الخروج، وكذا يفعل في الصحراء ولا
ــ
ممكنًا مقعدته" من "القيء و" من "القهقهة في الصلاة و" من "أكل ما مسته النار و" من أكل "لحم الجزور و" من "الشك في الحدث" للخروج من خلاف من قال: إن هذه تنقض أخذًا من الأحاديث الواردة في ذلك، لكن أعلها أصحابنا بأن بعضها ضعيف وبعضها منسوخ لكن قوي في المجموع من حيث الدليل النقض بأكل لحم الجزور، ويسن الوضوء أيضًا من كل ما اختلف في النقض به كمس الأمرد ونحو الشعر. "و" يسن أيضًا "من الغيبة والنميمة والكذب والشتم" سائر "الكلام القبيح" لخبر فيه ولأن الوضوء يكفر الخطايا كما ثبت في الأحاديث، "و" من "الغضب" لأنه يطفئه "ولإرادة النوم" للاتباع وعند اليقظة. "ولقراءة القرآن والحديث" وسماعهما "والذكر" ليكون على أكمل حال "والجلوس في المسجد والمرور فيه" تعظيمًا له "ودراسة العلم" الشرعي وسماعه وكتابته وحمله تعظيمًا له "وزيارة القبور ومن حمل الميت ومسه" لاستقذاره وجماع وإنشاد شعر واستغراق ضحك وخوف وقص نحو شارب وحلق عانة ورأس ولجنب أراد نحو أكل أو جماع وللمعيان إذا أصاب بالعين، قال بعضهم ولما ورد فيه حديث وإن لم يذكروه كشرب ألبان الإبل ومس الكافر والصنم والأبرص.
فصل: في آداب قاضي الحاجة
"يستحب لقاضي الحاجة" أي لمريدها "بولا" كانت "أو غائطًا أن يلبس نعليه و" أن "يستر رأسه" للاتباع، روي مرسلا وهو كالضعيف والموقوف يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقًا "و" أن "يأخذ" مريد الاستنجاء بالحجر "أحجار الاستنجاء" لما صح من الأمر به١