فصل: "في نواقض الوضوء "
نواقض الوضوء أربعة:
الأول: الخارج من أحد السبيلين إلا المني.
ــ
فقط. "ويسن مسح أعلاه وأسفله وعقبه" وحرفه وكونه "خطوطًا" مفرجًا أصابعه بأن يضع يسراه تحت عقبه ويمناه على ظهر الأصابع ثم يمر مفرجًا أصابعه هذه إلى آخر ساقه وتلك أطراف أصابعه، ويسن أن يكون مسحه "مرة" لما مر أن تثليثه خلاف الأولى. "والواجب" من ذلك "مسح أدنى شيء من ظاهر أعلاه" نظير ما مر في مسح الرأس، فلو مسح باطنه أو اقتصر على أسفله أو عقبه أو حرفه لم يجزه إذا لم يرد الاقتصار إلا على الأعلى.
فصل: في نواقض الوضوء
"نواقض الوضوء" أي ما ينتهي به "أربعة" لا غير "الأول: الخارج من أحد السبيلين" يعني خروج شيء من قبله أو دبره على أي صفة كان ولو نحو عود ودودة أخرجت رأسها وإن رجعت وريح ولو من قبل ودم باسور١ داخل الدبر لا خارج عنه لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِط﴾ ، وهو محل قضاء الحاجة سمى باسمه الخارج للمجاورة، وصح الأمر بالوضوء من المذي٢، وأن المصلي إذا سمع صوتًا أو وجد ريحًا أي علم بوجوده ينصرف من صلاته٣ وقيس بذلك كل خارج "إلا المني" أي مني الشخص بنفسه فلا ينقض إن خرج منه أولًا لأنه أوجب أعظم الأمرين وهو الغسل، بخلاف ما إذا خرج منه مني غيره أو نفسه بعد استدخاله فإنه ينقض، والأوجه أنه لو رأى على ذكره بللا لم ينتقض وضوؤه إلا إذا لم يحتمل طروه من خارج، وأن الولد الجاف ينقض لأن فيه شيئًا من مني الرجل، وخروج مني الغير ينقض كما تقرر.
стр. 37
الثاني: زوال العقل بجنون أو إغماء أو نوم إلا النوم قاعدًا ممكنًا مقعده.
الثالث: التقاء بشرتي الرجل والمرأة وينتقض اللامس والملموس ولا ينقض صغير أو صغيرة لا يشتهي ولا ينقض شعر وسن وظفر ومحرم وبنسب أو رضاع أو مصاهرة.
الرابع: مس قبل الآدمي أو حلقة دبره بباطن الكف ولا ينتقض الممسوس وينقض
ــ
"الثاني: زوال العقل" أي التمييز إما بارتفاعه "بجنون أو" انغماره بنحو صرع أو سكر أو "إغماء" ولو ممكنًا "أو" استتاره بسبب "نوم" لخبر: "فمن نام فليتوضأ" ١ وخرج بذلك النعاس، ومن علاماته سماع كلام لا يفهمه وأوائل نشوة السكر لبقاء الشعور معهما "إلا النوم" الصادر من المتوضئ حال كونه "قاعدًا ممكنًا مقعده" من مقره كأرض وظهر دابة سائرة وإن كان مستندًا إلى شيء بحيث لو زال لسقط للأمن حينئذ من خروج شيء، أما غير الممكن فينتقض وضوؤه وإن كان مستقرًا ومثله ممكن نحيف لا يحس بخروج الخارج، وممكن انتبه بعد أن زالت أليتاه عن مقره يقينًا بخلاف ما لو شك في ذلك أو في أنه كان ممكنًا أم لا أو أنه نعس وإن رأى رؤيا.
"الثالث: التقاء بشرتي الرجل" ولو ممسوحًا٢ "والمرأة" ولو ميتة عمدًا أو سهوًا ولو بعضو أشل أو زائد لقوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] أي لمستم كما في قراءة، واللمس الجس باليد وغيرها، والمعنى في النقض به أنه مظنة التلذذ المثير للشهوة التي لا تليق بحال المتطهر والبشرة ظاهر الجلد وأراد بها ما يشمل اللحم كلحم الأسنان وخرج بما ذكره التقاء بشرتي ذكرين وإن كان أحدهما أمرد حسنًا أو أنثيين أو خنثيين أو خنثى مع غيره أو ذكر وأنثى بحائل٣ وإن رق ولو بشهوة. "وينتقض اللامس والملموس" أي وضوؤهما لاشتراكهما في لذة اللمس "ولا ينقض صغير أو صغيرة" إن كان كل منهما بحيث "لا يشتهي" عرفًا غالبًا لذوي الطباع السليمة، فلا يتقيد بابن سبع سنين أو أكثر لاختلافه باختلاف الصغار والصغيرات وذلك لانتفاء مظنة الشهوة حينئذ بخلاف عجوز شوهاء أو شيخ هرم استصحابًا لما كان ولأنهما مظنتها٤ في الجملة إذ لكل ساقطة لاقطة. "ولا ينقض شعر وسن وظفر" إذ لا يلتذ بلمسها "و" لا ينقض "محرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة" كأم الزوجة لانتفاء مظنة الشهوة وخرج بالمحرم المحرمة باختلاف دين أو لعان أو وطء شبهة ما لم يطرأ عليه تحريم مصاهرة أو رضاع، ولو اشتبهت محرمة بأجنبيات ولو غير محصورات فلا نقض.
"الرابع: مس قبل الآدمي أو حلقة دبره" من نفسه أو غيره ولو سهوًا وإن كان أشل أو
стр. 38
فصل: "فيما يحرم بالحدث "
يحرم بالحدث الصلاة ونحوها، والطواف، وحمل المصحف ومس ورقه وحواشيه
ــ
زائدًا على سنن الأصلي أو مشتبهًا به لما صح من قوله ﷺ : "من مس ذكره" وفي رواية: "ذكرًا فليتوضأ" ١ والناقض من الدبر ملتقى المنفذ، ومن قبل المرأة ملتقى شفريها على المنفذ لا ما وراءهما كمحل ختانها وإنما ينقض المس "بباطن الكف" الأصلية ولو شلاء والمشتبهة بها والزائدة العاملة أي التي على سنن الأصلية لما صح من قوله ﷺ : "إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب فليتوضأ" ٢ والإفضاء باليد المس بباطن الكف ولأنه هو مظنة التلذذ وهو الراحة وبطون الأصابع. "ولا ينتقض الممسوس" لأنه لا هتك منه "وينقض فرج الميت والصغير" لشمول الاسم له "ومحل الجب"٣ كله لا الثقبة فقط, لأنه أصل الذكر "والذكر المقطوع" وبعضه إن سمى بعض ذكر بخلاف الجلدة المقطوعة في الختان، وكالذكر القبل والدبر إن بقي اسمهما بعد قطعهما. "ولا ينقض فرج البهيمة" لأنه لا يشتهي ولذا جاز كشفه والنظر إليه، "ولا المس برأس الأصابع وما بينها" وحرفها وحرف الكف نعم المنحرف الذي يلي الكف من حرفه ورؤوسها وهو ما بعده موضع الاستواء منها ينقض.
فصل: فيما يحرم بالحدث
والمراد به الأصغر عند الإطلاق.
"ويحرم بالحدث الصلاة" إجماعًا "ونحوها" كسجدة تلاوة وشكر وخطبة جمعة وصلاة جنازة. "والطواف", ولو نفلا لأنه صلاة كما في الحديث٤ "وحمل المصحف ومس ورقه وحواشيه وجلده" المتصل به لا المنفصل عنه، وإنما حرم الاستنجاء به وإن انفصل لأنه أفحش وجلده وخريطته وعلاقته وصندوقه وما كتب لدرس قرآن ولو بخرقة، ويحل حمله في أمتعة لا بقصده وفي تفسير أكثر منه وقلب ورقه بعود، ولا يمنع الصبي المميز من حمله ومسه للدراسة، ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بني على يقينه.
стр. 39
فصل: "فيما يندب له الوضوء "
يستحب الوضوء من الفصد والحجامة والرعاف والنعاس والنوم قاعدًا ممكنًا
ــ
وذلك لقول تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ، أي المتطهرون وهو خبر بمعنى النهي، وصح أنه ﷺ قال: "لا يمس المصحف إلا طاهر" ١, "و" يحرم أيضًا حمل ومس "خريطته"٢ وهو فيها "وعلاقته وصندوقه" وهو فيه لأنها منسوبة إليه كالجلد "و" حمل ومس "ما كتب لدرس قرآن ولو بخرقة" لشبهه بالمصحف بخلاف ما كتب لا للدراسة كالتمائم وما على النقد لأنه لم يقصد به المقصود من القرآن فلم تجر عليه أحكامه. "ويحل حمله في أمتعة لا بقصده" أي معها بل ومع متاع واحد بقصد المتاع وحده أو لا بقصد شيء إذ لا يحل حمله بالتعظيم حينئذ، بخلاف ما إذا قصد المصحف وحده أو مع غيره، ويجري هذا التفصيل في حمل حامل المصحف على الأوجه ولو فقد الماء والتراب ومسلمًا ثقة جاز بل وجب حمله مع الحدث إن خاف عليه كافرًا أو تنجسًا أو ضياعًا وما يجب التيمم إن قدر عليه. "و" يحل حمله "في تفسير أكثر منه" بخلاف ما إذا استويا أو كان القرآن أكثر. "و" يحل "قلب ورقه بعود" ما لم تنفصل الورقة عن محلها وتصير محمولة على العود وكتابة ما لم يمس المكتوب. "ولا يمنع الصبي المميز" ولو جنبًا "من حمله ومسه للدراسة" لحاجة تعلمه ومشقة استمراره متطهرًا، أما غير المميز فيحرم تمكينه منه، وكذا لو لم يكن له غرض متعلق بالدراسة وإن قصد التبرك، "ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على يقينه" وهو الطهارة في الأولى والحدث في الثانية لأنه الأصل، والمراد بالشك هنا وفي معظم أبواب الفقه التردد مع استواء ورجحان.
فصل: فيما يندب له الوضوء
"يستحب الوضوء من الفصد والحجامة والرعاف و" من "النعاس و" من "النوم قاعدًا مقعدته، والقيء والقهقهة في الصلاة وأكل ما مسته النار وأكل لحم الجزور والشك في الحدث، ومن الغيبة والنميمة والكذب والشتم والكلام القبيح والغضب، ولإرادة النوم، ولقراءة القرآن والحديث والذكر والجلوس في المسجد والمرور فيه ودراسة العلم وزيارة القبور، ومن حمل الميت ومسه.
стр. 40
فصل: "في آداب قاضي الحاجة "
يستحب لقاضي الحاجة بولا أو غائطًا أن يلبس نعليه ويستر رأسه ويأخذ أحجار الاستنجاء، ويقدم يساره عند الدخول ويمناه عند الخروج، وكذا يفعل في الصحراء ولا
ــ
ممكنًا مقعدته" من "القيء و" من "القهقهة في الصلاة و" من "أكل ما مسته النار و" من أكل "لحم الجزور و" من "الشك في الحدث" للخروج من خلاف من قال: إن هذه تنقض أخذًا من الأحاديث الواردة في ذلك، لكن أعلها أصحابنا بأن بعضها ضعيف وبعضها منسوخ لكن قوي في المجموع من حيث الدليل النقض بأكل لحم الجزور، ويسن الوضوء أيضًا من كل ما اختلف في النقض به كمس الأمرد ونحو الشعر. "و" يسن أيضًا "من الغيبة والنميمة والكذب والشتم" سائر "الكلام القبيح" لخبر فيه ولأن الوضوء يكفر الخطايا كما ثبت في الأحاديث، "و" من "الغضب" لأنه يطفئه "ولإرادة النوم" للاتباع وعند اليقظة. "ولقراءة القرآن والحديث" وسماعهما "والذكر" ليكون على أكمل حال "والجلوس في المسجد والمرور فيه" تعظيمًا له "ودراسة العلم" الشرعي وسماعه وكتابته وحمله تعظيمًا له "وزيارة القبور ومن حمل الميت ومسه" لاستقذاره وجماع وإنشاد شعر واستغراق ضحك وخوف وقص نحو شارب وحلق عانة ورأس ولجنب أراد نحو أكل أو جماع وللمعيان إذا أصاب بالعين، قال بعضهم ولما ورد فيه حديث وإن لم يذكروه كشرب ألبان الإبل ومس الكافر والصنم والأبرص.
فصل: في آداب قاضي الحاجة
"يستحب لقاضي الحاجة" أي لمريدها "بولا" كانت "أو غائطًا أن يلبس نعليه و" أن "يستر رأسه" للاتباع، روي مرسلا وهو كالضعيف والموقوف يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقًا "و" أن "يأخذ" مريد الاستنجاء بالحجر "أحجار الاستنجاء" لما صح من الأمر به١
стр. 41
يحمل ذكر الله تعالى، ويعتمد على يساره ويبعد ويستتر، ولا يبول في ماء راكد وقليل جار ولا في جحر، ولا في مهب ريح، ولا في طريق، وتحت شجرة مثمرة يؤكل ثمرها،
ــ
وحذرًا من الانتشار١ إذا طلب بعد فراغه ويندب أيضًا إعداد الماء "و" أن "يقدم يساره" أو بدلها "عند الدخول" ولو لخلاء جديد وإن لم يرد قضاء حاجة "ويمناه" أو بدلها "عند الخروج" عكس المسجد إذ اليسرى للأذى واليمنى لغيره وكالخلاء في ذلك السوق ومحل المعصية ومنه محل الصاغة والحمام والمستحم. "وكذا يفعل في الصحراء" فيقدم يساره عند وصوله لمحل قضائها لأنه يصير مستقذرًا بإرادة قضائها به ويمناه عند مفارقته. "و" أن "لا يحمل ذكر الله تعالى" أي مكتوب ذكره ومثله كل اسم معظم ولو مشتركًا كالعزيز والكريم ومحمد وأحمد إن قصد به المعظم أو دلت على ذلك قرينة، ومن المعظم جميع الملائكة وحمل ذلك مكروه، واختار الأذرعي٢ تحريم إدخال المصحف الخلاء بلا ضرورة إجلالا له وتكريمًا، ولو تختم في يساره بما عليه معظم٣ وجب نزعه عند الاستنجاء لحرمة تنجيسه ولو غفل عن تنحية ما ذكر حتى دخل الخلاء غيبه ندبًا، "و" أن "يعتمد" ولو قائمًا "على يساره" وينصب يمناه بأن يضع أصابعها على الأرض ويرفع باقيها لأن ذلك أسهل لخروج الخارج مع أنه المناسب."و" أن "يبعد" ولو في البول بالصحراء وغيرها إن كان ثم غيره إلى حيث لا يسمع لخارجه صوت ولا يشم له ريح فإن لم يفعل سن لهم الإبعاد عنه إلى ذلك وسن له أيضًا أن يغيب شخصه ما أمكن. "و" أن "يستتر" عن العيون بشيء طوله ثلثا ذراع فأكثر وقد قرب منه ثلاثة أذرع فأقل ولو بنحو ذيله، ولا بد أن يكون للساتر هنا عرض يمنع رؤية عورته أو بأن يكون بيتًا لا يعسر تسقيفه ومحل ذلك حيث لم يكن ثم من لا يغض بصره عن عورته ممن يحرم عليه نظرها وإلا وجب الستر مطلقًا. "و" أن "لا يبول" ولا يتغوط "في ماء راكد" وإن كثر ما لم يستبحر٤ بحيث لا تعافه نفس ألبتة لما صح من نهيه ﷺ عنه فيه٥ "و" لا في ماء "قليل جار" قياسًا على الراكد وإنما كره ذلك ولم يحرم وإن كان فيه إتلاف عليه وعلى غيره لإمكان طهره بالمكاثرة، أما الكثير الجاري فلا يكره فيه اتفاقًا لكن لاأولى اجتنابه، ثم قضاء
стр. 42
ولا يتكلم إلا لضرورة، ولا يستنجي بالماء في موضعه وأن يستبرئ من البول ويقول عند دخوله، بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، وعند خروجه: غفرانك الحمد
ــ
الحاجة في الماء ليلا مكروه مطلقًا لما قيل إنه بالليل مأوى الجن، والكلام في المباح فالمسبل١ والمملوك يحرم ذلك فيه مطلقًا ويكره بقرب الماء. "و" أن "لا" يبول ولا يتغوط "في حجر" وهو الثقب المستدير المراد به ما يشمل السرب وهو المستطيل لما صح من نهيه ﷺ عن البول في الحجر٢ ولأنه مأوى الجن ولأنه ربما أذاه حيوان به أو تأذى به. "و" أن "لا" يبول ولا يتغوط مائعًا "في مهب ريح" أي محل هبوبها وقت هبوبها ومنه المراحيض المشتركة بل يستدبرها في البول ويستقبلها في الغائط لئلا يترشش. "و" أن "لا" يبول ولا يتغوط "في طريق" ومحل جلوس الناس كالظل في الصيف والشمس في الشتاء لما صح من قوله ﷺ : "اتقوا اللعانين" ٣ وفسرهما بالتخلي في طريق الناس ومجالسهم سيما بذلك لأنهما يجلبان اللعن كثيرًا عادة، وفي رواية "الملاعن الثلاث"٤ وفسر الثالث بالبراز في الموارد وكراهة ذلك هو المعتمد وقيل يحرم. "و" لا يقضي حاجته "تحت شجرة مثمرة" أي من شأنها ذلك ولو مباحة وفي غير وقت الثمرة صيانة لها عن التلويث عند الوقوع فتعافها الأنفس، ومنه يؤخذ ما بحثه المصنف من أن شرطها أن تكون مما "يؤكل ثمرها" إلا أن يقال: الأنفس تعاف الانتفاع بالمتنجس أيضًا فحينئذ لا فرق، ولو كان يأتي تحتها ماء يزيل ذلك قبل الثمرة فلا كراهة. "و" أن "لا يتكلم" حال خروج الخارج بذكر ولا غيره لما صح من النهي عنه فيكره "إلا لضرورة" فيجوز بل يجب إن خشي من السكوت لحوق ضرر له أو لغيره، واختار الأذرعي تحريم قراءة القرآن. "و" أن "لا يستنجي بالماء في موضعه" بل ينتقل عنه لئلا يصيبه الرشاش فينجسه، ومن ثم لو كان في متخذ له٥ لم ينتقل لفقد العلة. "وأن يستبرئ من البول" بعد انقطاعه بنحو مشي ونتر ذكر بلطف ولا يجذبه وتنحنح وغيره مما يظن به من عادته أنه لم يبق بمجرى البول ما يخاف خروجه لئلا يتنجس به وإنما لم يجب لأن الظاهر عدم عوده لكن اختار جمع وجوبه. "و" أن "يقول عند دخوله" بمعنى وصوله محل قضاء حاجته "بسم الله" اي أتحصن من الشياطين "اللهم إني أعوذ" أي أعتصم "بك من الخبث" بضم الخاء مع ضم الباء أو سكونها جمع خبيث وهم ذكران الشياطين "والخبائث" جمع خبيثة وهن إناثهم للاتباع في ذلك، وإنما قدم القارئ التعوذ لأن البسملة من القرآن المأمور بالاستعاذة له. "و"
стр. 43
لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني، ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ويحرم ذلك إن لم يكن بينه وبينها ساتر، أو بعد عنه أكثر من ثلاثة أذرع أو كان الستر أقل من ثلثي ذراع إلا في المواضع المعدة لذلك، ومن آدابه أن لا يستقبل الشمس والقمر ولا يرفع ثوبه حتى
ــ
يقول "عند خروجه" بمعنى انصرافه منه: "غفرانك" منصوب على أنه مصدر بدل من اللفظ بفعله أو مفعول به "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني" للاتباع، وحكمة سؤال المغفرة إما تركه الذكر بلسانه أو خوف التقصير في شكر هذه النعمة العظيمة أعني نعمة الإطعام فالهضم فتسهيل الخروج، ومن ثم قال الشيخ نصر١: يكرر غفرانك مرتين والمحب الطبري٢ يكرر ثلاثًا. "و" أن "لا يستقبل" بقبله أو دبره "القبلة" أي الكعبة أو بيت المقدس "ولا يستدبرها" حال قضاء حاجته حيث استتر بمرتفع ثلثي ذراع فأكثر وقد قرب منه ثلاثة أذرع فأقل فإن فعل كره له ذلك لما صح من النهي عنه فيهما٣. "ويحرم ذلك" أي استقبال الكعبة واستدبارها بفرجه حال قضاء حاجته. "إن لم يكن بينه وبينها ساتر أو" كان ولكن "بعد عنه أكثر من ثلاثة أذرع" بذراع الآدمي المعتدل. "أو كان الساتر أقل من ثلثي ذراع" تعظيمًا للقبلة، بخلاف ما إذا كان بينه وبينها ساتر مرتفع ثلثي ذراع فأكثر وقد قرب منه ثلاثة أذرع فأقل: وإن لم يكن له عرض فإنه لا يحرم لأنه لم يخل بتعظيمها حينئذ ويحصل الستر بإرخاء ذيله، وهذا التفصيل جمع به الشافعي رضي الله تعالى عنه بين الأحاديث الصحيحة الدالة على التحريم تراة وعلى الإباحة أخرى، ولا فرق في ذلك بين من في الصحراء وغيره ومن في مكان يعسر تسقيفه أو لا. "إلا في المواضع المعدة لذلك" فإن الاستقبال والاستدبار فيها مباح مطلقًا لكنه خلاف الأفضل حيث أمكن الميل عن القبلة بلا مشقة، ولا استقبلها بالساتر المذكور جاز وإن كان دبره مكشوفًا على المعتمد، ولو اشتبهت القبلة وجب الاجتهاد حيث لا سترة، ويأتي هنا جميع ما ذكروه فيمن يجتهد في القبلة للصلاة، ولو هبت ريح عن يمين القبلة ويسارها جاز
стр. 44
يدنو من الأرض، ولا يبول في مكان صلب، ولا ينظر إلى السماء ولا إلى فرجه ولا إلى ما يخرج منه، ولا يعبث بيده، وأن يسبل ثوبه قبل انتصابه، ويحرم البول في المسجد ولو في إناء وعلى القبر ويكره عند القبر وقائمًا إلا لعذر وفي متحدث الناس فإذا عطس حمد الله بقلبه
ــ
الاستقبال والاستدبار، فإن تعارضا وجب الاستدبار لأن الاستقبال أفحش، ولا يكره استقبالها باستنجاء أو جماع أو إخراج ريح أو فصد١ أو حجامة٢. "ومن آدابه" أي قاضي الحاجة "أن لا يستقبل الشمس و" لا "القمر" تعظيمًا لهما لأنهما من آيات الله الباهرة فيكره ذلك بخلاف استدبارهما لأن الاستقبال أفحش، "و" أن "لا يرفع ثوبه" دفعة واحدة بل شيئًا فشيئًا "حتى يدنو" أي يقرب "من الأرض" فينتهي الرفع حينئذ محافظة على الستر ما أمكن، نعم إن خشي تنجسه كشفه بقدر حاجته وله كشفه دفعة واحدة إذا كان خاليًا. "و" أن "لا يبول" ولا يتغوط مائعًا "في مكان صلب" لئلا يترشش فإن لم يجد غيره دقه بحجر ونحوه. "و" أن "لا ينظر إلى السماء ولا إلى فرجه ولا إلى ما يخرج منه ولا يعبث بيده" ولا يلتفت يمينًا ولا شمالا ولا يستاك لأن ذلك كله لا يليق بحاله، ولا يطيل قعوده لأنه يورث الباسور، "وأن يسبل ثوبه" شيئًا فشيئًا "قبل انتصابه" كما مر، "ويحرم البول" ونحوه "في المسجد ولو في إناء" لأن ذلك لا يصلح له كما في خبر مسلم٣ أي لمزيد استقذاره بخلاف الفصد فيه في الإناء لأن الدم أخف ولذا عفى عن قليله وكثيره بشرطه، "و" يحرم ذلك "على القبر" المحترم "ويكره عند القبر" المحترم احترامًا له. "و" يكره البول والغائط "قائمًا إلا لعذر" لأنه خلاف الأكثر من أحواله ﷺ ، أما مع العذر كاستشفاء أو فقد محل يصلح للجلوس أو خشية خروج شيء من السبيل الآخر لو جلس أو كون البول أحرقه فلم يتمكن من الجلوس فمباح وعليه أو على بيان الجواز يحمل بوله ﷺ قائمًا لما أتى سباطة٤ قوم٥. "و" يكره ذلك "في متحدث الناس" كما
стр. 45
فصل: "في الاستنجاء "
يجب الاستنجاء من كل رطب خارج من أحد السبيلين بالماء أو بالحجر، أو جامد طاهر قالع غير محترم، ويسن الجمع بينهما ولو بجامد متنجس دون ثلاث مسحات، فإن اقتصر على أحدهما فالأفضل الماء وشرط الحجر أن لا يجف النجس ولا ينتقل، ولا يطرأ
ــ
مر بدليله نعم إن كانوا يجتمعون على معصية فلا بأس بقضاء الحاجة في متحدثهم تنفيرًا لهم، ومر أنه يكره له أن يتكلم حال قضاء حاجته. "فإن عطس" حينئذ "حمد الله" تعالى "بقلبه" ولا يحرك لسانه.
فصل: في الاستنجاء
"يجب" لا على الفور بل عند خشية تنجس غير محله وعند إرادة نحو الصلاة "الاستنجاء من كل رطب خارج من أحد السبيلين" ولو نادرًا كدم "بالماء" على الأصل "أو بالحجر" لما صح من قوله ﷺ : "وليستنج بثلاثة أحجار" وخرج بالرطب الريح وإن كان المحل رطبًا ونحو البعرة الجافة فلا يجب الاستنجاء من ذلك لكنه يسن من نحو البعرة وبأحد السبيلين الثقبة المنفتحة وقبلا المشكل أو أحدهما أو ذكران اشتبها فيتعين الماء كأقلف١ وصل بوله إلى جلدته، وليس المراد بالحجر خصوصه بل هو "أو" ما في معناه من كل "جامد طاهر" لا نجس ولا متنجس لأنه لا يصلح لإزالة النجاسة "قالع" لا ما لا يقلع لملاسته أو لزوجته أو تناثر أجزائه كالتراب "غير محترم" ومنه كتب التوراة والإنجيل إن علم تبديلهما وخليا عن اسم معظم، وجلد دبغ وجلد حوت كبير جف بحيث لو بل لم يلن على الأوجه بخلاف المحترم ككتب العلم الشرعي وآلته كالمنطق الموجود اليوم وجلدها المتصل بها بخلاف جلد المصحف فإنه محترم مطلقًا والمطعوم ولو عظمًا وإن حرق، وجزء آدمي محترم ولو منفصلا وجزء حيوان متصل به ولو فأرة على الأوجه، ويجزئ الحجر بعد المحترم وغير القالع ما لم ينقلا النجاسة. "ويسن" في القبل والدبر "الجمع بينهما" بأن يقدم الجامد ثم الماء ليزول العين ثم الأثر فتقل ملابسة النجاسة، وبه يعلم ما نقل عن الغزالي من أنه تحصل سنة الجمع "ولو بجامد متنجس" وما بحثه الإسنوي٢ من حصولها أيضًا بعدد "دون ثلاث مسحات فإن اقتصر على أحدهما فالأفضل الماء" لأنه يزيل العين والأثر. "وشرط" إجزاء
стр. 46
نجس آخر ولا يجاوز صفحته وحشفته ولا يصيبه ماء، وأن يكون بثلاث مسحات، فإن لم ينق المحل وجب الإنقاء، ويسن الإيتار، ويسن استيعاب المحل بالحجر، والاستنجاء باليسار، والاعتماد على الوسطى في الدبر إن استنجى بالماء، وتقديم الماء للقبل وتقديمه على الوضوء، ودلك يده بالأرض ثم يغسلها بعده ونضح فرجه وإزاره وأن يقول بعده: اللهم طهر قلبي من النفاق وحصن فرجي من الفواحش.
ــ
"الحجر" لمن اقتصر عليه "أن لا يجف النجس" الخارج لأن الحجر لا يزيله حينئذ "و" أن "لا ينتقل" عن الموضع الذي استقر فيه عند الخروج لأنه حينئذ يطرأ على المحل نجاسة لا بسبب الخروج. "و" أن "لا يطرأ عليه نجس" أجنبي "آخر" ولو من الخارج كرشاشه لأن مورد النص الخارج والأجنبي ليس في معناه. "و" أن "لا يجاوز" الخارج "صفحته" في الغائط وهو ما ينضم من الأليتين عند القيام. "وحشفته" أو قدرها من مقطوعها في البول، وأن لا يدخل بول المرأة مدخل الذكر لأن مجاوزة ما ذكرنا نادرة جدًا فلا يلحق بما تعم به البلوى ولو تقطع الخارج تعين في المنفصل الماء وإن لم يجاوز ما ذكره. "و" أن "لا تصيبه ماء" غير مطهر له وإن كان طهورًا أو مائع آخر بعد الاستجمار أو قبله لتنجسهما، وكالمائع ما لو استنجى بحجر رطب أو كان المحل مترطبًا بماء ولا عرق على الأوجه. "وأن يكون بثلاث مسحات" وإن أنقى بدونها للنهي الصحيح عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار١ ويحصل ذلك ولو بأطراف حجر. "فإن لم ينق المحل" بالثلاث "وجب الإنقاء" بالزيادة عليها إلى أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء أو صغار الخزف. و"يسن الإيتار" إن حصل الإنقاء بشفع لما صح من أمره ﷺ به٢. "ويسن استيعاب المحل بالحجر" أي بكل حجر من الثلاث بأن يبدأ بالأول من مقدم الصفحة اليمنى ويديره برفق إلى محل ابتدائه وبالثاني من مقدم اليسرى ويديره كذلك ويمر الثالث على صحفتيه ومسربته٣ جميعًا، ويسن وضع الحجر على موضع ويديره برفق ولا يضر النقل الحاصل من عدم الإدارة، وظاهر كلامه ككلام الشيخين أنه لا يجب المحل بكل مسحة من الثلاث، وفيه كلام بينته في شرح الإرشاد٤ بما حاصله أن في كلامهم شبه
стр. 47
فصل: "في موجب الغسل "
موجبات الغسل: الموت والحيض، والنفاس والولادة ولو علقة ومضغة وبلا
ــ
تعارض، فرجح جمع متأخرون الوجوب رعاية للمدرك وآخرون عدمه أخذًا بظواهر كلامهم، "و" يسن "الاستنجاء باليسار" للاتباع ويكره باليمنى، وقيل يحرم لصحة النهي عن الاستنجاء بها١. "و" يسن "الاعتماد على" الأصبع "الوسطى في الدبر إن استنجى بالماء" لأنه أمكن ولا يتعرض للباطن وهو ما لا يصل الماء إليه لأنه منبع الوسواس، نعم يسن للبكر أن تدخل أصبعها في الثقب الذي للفرج لتغسله. "و" يسن لمن يستنجي بالماء "تقديم الماء للقبل" لأنه لو قدم الدبر ربما عاد إليه النجس عند غسل القبل وبالحجر تقديم الدبر. "و" يسن "تقديمه" أي الاستنجاء "على الوضوء" إن كان غير سلس وإلا وجب عليه ذلك. "و" يسن للمستنجي "دلك يده بالأرض" أو نحوهما "ثم يغسلها" ويكون ذلك أعنى الدلك ثم الغسل "بعده" أي الاستنجاء للاتباع. "و" يسن له بعده "نضح فرجه وإزاره" من داخله دفعًا للوسواس. "و" يسن "أن يقول بعده: اللهم طهر قلبي من النفاق وحسن فرجي من الفواحش" لمناسبته الحال، ويكفي غلبة ظن زوال النجاسة وشم ريحها من اليد ينجسها دون المحل ما لم يشمها من محل ملاق له فيما يظهر، ولا يسن له شم يده وليحذر من ضم شرج مقعدته بل يسترخي قليلا لبقاء النجاسة في تضاعيفه، ولو سال عرق المستنجي بالحجر فإن جاوز صفحته وحشفته لزمه غسل المجاوز وإلا فلا.
فصل: في موجب الغسل
وهو بالفتح والضم والأول أفصح وأشهر، وقد يقال بالضم لماء الغسل، وبالكسر اسم لنحو سدر اغتسل به.
"موجبات الغسل" خمسة: أحدها: "الموت" لمسلم غير شهيد كما يعلم مما سنذكره في الجنائز. "و" ثانيها: "الحيض. و" ثالثها: "النفاس" مع الانقطاع ونحو القيام إلى الصلاة
стр. 48
رطوبة والجنابة وتحصل بخروج المني، ويعرف بتدفقه أو لذة بخروجه، أو ريح عجين رطبًا أو ريح بياض بيض جافًا، وبإيلاج الحشفة أو قدرها في فرج ولو دبرًا، أو فرج ميت أو بهيمة ولو مع حائل كثيف، وبرؤية المني في ثوبه أو فراش لا ينام فيه غيره، ويحرم بالجنابة ما يحرم بالحدث، ومكث في المسجد وتردد فيه لغير عذر، وقراءة القرآن بقصد القراءة.
ــ
إجماعًا. "و" رابعها: "الولادة ولو علقة ومضغة وبلا رطوبة" لأن كلا منهما مني منعقد. "و" خامسها: "الجنابة وتحصل" إما "بخروج المني" إجماعًا أي مني الشخص نفسه أول مرة من مخرج معتاد ومن فرجي المشكل١ مطلقًا ومن تحت صلب٢ الرجل وترائب٣ المرأة إن كان مستحكمًا بأن لا يخرج لنحو مرض وانسد الأصلي وإن لم يجاوز فرج المرأة بأن وصل لما يجب غسله ولو خرج من غير قصد أو كان الخارج منيه منها بعد غسلها إن قضت شهوتها بذلك الجماع بأن تكون بالغة مختارة مستيقظة اعتبارًا للمظنة كالنوم إذ يغلب على الظن اختلاط منيها به حينئذ ولا أثر لنزوله لقصبة الذكر. "ويعرف" المني سواء كان من رجل أو امرأة "بتدفقه" أي خروجه على دفعات قال تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارقك ٦] ، "أو لذة بخروجه" وإن لم يتدفق ويلزمهما فتور الذكر وانكسار الشهوة غالبًا "أو ريح٤ عجين" أو طلع حال كون المني "رطبًا أو ريح بياض بيض" حال كون المني "جافًا" وإن لم يتدفق ولا التلذ به كأن خرج ما بقي منه بعد الغسل فإن فقدت هذه الخواص الثلاث فلا غسل ولا أثر لنحو الثخانة والبياض في مني الرجل والرقة والاصفرار في مني المرأة وجودًا ولا فقدًا. "و" إما "بإيلاج الحشفة أو قدرها" من فاقد ولو كانت من مبان "في فرج ولو دبرًا أو فرج ميت أو بهيمة" ولو سمكة وإن لم يشته ولا حصل إنزال ولا انتشار لا قصد ولا اختيار. "ولو مع حائل كثيف" لخبر مسلم: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل وإن لم ينزل" ٥ وخبر: "إنما الماء من الماء" ٦، منسوخ وذكر الختانين جرى على الغالب هذا كله في ذكر الواضح وفرجه، أما الخنثى فلا غسل بإيلاج ذكره عليه ولا على المولج فيه مطلقًا ولا بإيلاج واضح في قبله لاحتمال الزيادة. "و" تحصل الجنابة أيضًا "بـ"ـسبب "رؤية المني في ثوبه" الذي لا يلبسه غيره. "أو فراش لا ينام فيه غيره" ممن يحتمل أن له منيًّا لعدم احتمال كونه من غيره حينئذ وإن كان بظاهر الثوب ويلزمه إعادة كل صلاة لا يحتمل حدوثه بعدها. "ويحرم
стр. 49
فصل: "فص صفات الغسل "
...
فصل: "في صفات الغسل"
وأقل الغسل نية رفع الجنابة أو فرض الغسل أو رفع الحدث، واستيعاب جميع
ــ
بالجنابة ما يحرم بالحدث" وقد مر "ومكث" المسلم "في المسجد" ورحبته وهوائه وجناح بجداره وإن كان كله في هواء الشارع وبقعة وقف بعضها مسجدًا شائعًا لقوله ﷺ : "لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" ١ حسنه ابن القطان٢. "وتردد فيه" أو في نحوه مما ذكر لأنه يشبه المكث بخلاف العبور، نعم هو خلاف الأولى إلا لعذر كقرب ومحل حرمة المكث والتردد إذا كانا "لغير العذر" فإن كانا لعذر كأن احتلم فأغلق عليه باب المسجد أو خاف من الخروج على تلف نحو مال جاز له المكث للضرورة ويجب عليه التيمم ويحرم بتراب المسجد وهو الداخل في وقفه، أما الكافر فلا يمنع من المكث فيه لأنه لا يعتقد حرمته. "و" يحرم على المسلم أيضًا "قراءة القرآن" بلسانه ولو لحرف منه "بقصد القراءة" وحدها أو مع غيرها لقوله ﷺ : "لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن" ٣، حسنه المنذري٤ أما إذا لم يقصدها بأن قصد ذكره أو موعظته أو حكمه كالبسملة أو أطلق فلا يحرم لأنه لا يكون قرآنًا إلا بالقصد، نعم يجب قراءة الفاتحة في صلاة جنب فقد الطهورين لضرورة توقف صحة الصلاة عليها.
فصل: في صفات الغسل
"وأقل الغسل" الواجب "نية رفع الجنابة" في الجنب والحيض والنفاس في الحائض والنفساء أي رفع حكم ذلك أو استباحة ما يتوقف على الغسل. "أو فرض الغسل" أو الغسل المفروض أو الواجب أو أداء الغسل. "أو رفع الحدث" أو الحدث الأكبر أو عن جميع البدن وهو أفضل من الإطلاق أو الطهارة للصلاة في حق الجنب وما بعده٥ لتعرضه للمقصود في غير رفع الحدث، وإلا استلزم رفع المطلق رفع المقيد فيها، ولا يكفي نية مطلق الغسل كما مر في
стр. 50
شعره وبشره، ويجب قرن النية بأول مغسول.
وسننه: الاستقبال: والتسمية مقرونة بالنية، وغسل الكفين، ورفع الأذى، ثم الوضوء، ثم تعهد مواضع الانعطاف، وتخليل أصول الشعر ثلاثًا بيده المبلولة ثم الإفاضة على رأسه، ثم على شقه الأيمن ثم الأيسر والتكرار ثلاثًا، والدلك في كل مرة واستصحاب النية، وأن لا ينقص ماؤه عن صاع، وأن تتبع المرأة غير معتدة الوفاة أثر الدم بمسك ثم بطيب ثم بطين، فإن لم تجد ذلك فالماء كافٍ، وأن لا يغتسل من خروج المني قبل البول، ويسن الذكر المأثور بعد الفراغ، وترك الاستعانة.
ــ
الوضوء. "واستيعاب جميع شعره" وظفره ظاهرًا وباطنًا وإن كثف. "و" جميع ظاهر "بشره" حتى ما ظهر من نحو صماخ الأذن وأنف جدع وشقوق لا غور١ لها وإلا فكما في الوضوء ومن فرج بكر أو ثيب إذا قعدت لقضاء حاجتها وما تحت قلفة الأقلف، فلا يجب غسل باطن عقد الشعر وباطن فم وأنف وفرج وعين وشعر نبت بها أو بالأنف، نعم يجب نقض الضفائر إذا لم يصل الماء إلى باطن الشعر إلا به. "ويجب قرن النية بأول مغسول" فلو نوى بعد غسل جزء وجب إعادة غسله. "وسننه" كثيرة منها "الاستقبال والتسمية مقرونة بالنية وغسل الكفين" كالوضوء فيهما، نعم يسن لمن يغتسل من نحو إبريق أن يقرن النية بغسل محل الاستنجاء بعد فراغه منه لأنه قد يغفل عنه أو يحتاج إلى المس فينتقض وضوؤه. "و" منها "رفع الأذى" الطاهر كمني ومخاط والنجس الحكمي وإن كفى لهما غسلة. "ثم" بعد إزالته "الوضوء" الكامل للاتباع فتأخيره أو بعضه عن الغسل خلاف الأفضل، وينوي به سنة الغسل إن تجردت جنابته عن الحدث الأصغر وإلا نوى به رفع الحدث الأصغر. "ثم" بعد الوضوء "تعهد مواضع الانعطاف" كالأذن وطبقات البطن والموق٢ واللحاظ وتحت المقبل من الأنف والأذن "وتخليل أصول الشعر ثلاثًا بيده المبلولة" بأن يدخل أصابعه العشرة في الماء ثم في الشعر ليشرب بها أصوله لأن هذا وما قبله أقرب إلى الثقة بوصول الماء، وأبعد عن الإسراف فيه. "ثم الإفاضة على رأسه" للاتباع، ولا يسن فيها البداءة بالأيمن، ويظهر أن محله إن كفى ما يفيضه على كل رأسه وإلا فالبداءة بالأيمن أولى كالأقطع الذي لا يتأتى منه إفاضة، "ثم على شقه الأيمن" المقدم منه ثم المؤخر "ثم" على "الأيسر" كذلك "والتكرار" لجميع ذلك "ثلاثًا والدلك في كل مرة" من الثلاث لما تصله يده. "واستصحاب النية" ذكرًا كالوضوء في جميع ذلك. "و" أن "لا ينقص ماؤه عن صاع" في معتدل لأنه ﷺ كان يغتسل بالصاع٣، فإن نقص وأسبغ كفى، أما غير المعتدل
стр. 51
فصل: "في مكروهاته "
ويكره الإسراف في الصب، والغسل والوضوء في الماء الراكد، والزيادة على الثلاث، وترك المضمضة والاستنشاق، ويكره للجنب الأكل والشرب والنوم والجماع قبل غسل الفرج والوضوء، وكذا منقطعة الحيض والنفاس.
ــ
فينقص ويزيد ما يليق بحاله. "وأن تتبع المرأة" ولو بكرًا أو خلية "غير معتدة الوفاة" والمحرمة "أثر الدم" الذي هو حيض أو نفاس "بمسك" بأن تجعله بعد غسلها بنحو قطنة وتدخلها إلى ما يجب غسله من فرجها لما صح من أمره ﷺ به١ مع تفسير عائشة له بذلك، وحكمته تطييب المحل لا سرعة العلوق ويكره تركه، أما معتدة الوفاة والمحرمة فيمتنع عليها استعمال الطيب، نعم يسن للمحدة تطييب المحل بقليل قسط أو ظفار٢. "ثم" إن لم تجد مسكًا يسن "بطيب" غيره "ثم" إن لم تجد طيبًا سن "بطين فإن لم تجد ذلك فالماء كاف" في دفع الكراهة. "و" لمن خرج منه مني الغسل قبل البول لكن السنة "أن لا يغتسل من خروج المني قبل البول" لئلا يخرج بعده شيء "ويسن الذكر المأثور" وهو ما مر عقب الوضوء "بعد الفراغ" من الغسل "وترك الاستعانة" والتنشيف كالوضوء.
فصل: في مكروهاته
"ويكره الإسراف في الصب" للغسل نظير ما مر في الوضوء بقيده "و" يكره "الغسل والوضوء في الماء الراكد" ولو كان كثيرًا أو بئرًا معينة لما صح من نهيه ﷺ عن الغسل فيه، وقيس به الوضوء بجامع خشية الاستقذار والاختلاف في طهوريته، وبه يعلم أن الكلام في غير المستبحر الذي لا يتقذر بذلك بوجه ولا خلاف في طهوريته وإن فعل فيه ذلك، وأنه لا فرق بين الوضوء عن حدث أصغر أو أكبر. "و" يكره "الزيادة على الثلاث" كالوضوء بقيده السابق فيه "وترك المضمضة والاستنشاق" للخلاف في وجوبهما فيه كالوضوء. "ويكره للجنب الأكل
стр. 52
باب: النجاسة وإزالتها
وهي: الخمر ولو محترمة، والنبيذ، والكلب، والخنزير وما تولد من أحدهما والميتة إلا الآدمي والسمك والجراد، والدم والقيح والقيء والروث، والبول والمذي
ــ
والشرب والنوم والجماع قبل غسل الفرج والوضوء لما صح من الأمر به في الجماع١ وللاتباع في البقية إلا الشرب فمقيس على الأكل، "وكذا منقطعة الحيض والنفاس" فيكره لها ذلك كالجنب بل أولى.
باب: النجاسة وإزالتها
"وهي" لغة كل مستقذر، وشرعًا بالحد مستقذر يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص، وبالعد كل مسكر مائع أصالة ومنه "الخمر" وهي المتخذة من عصير العنب "ولو محترمة" وهي ما عصر بقصد الخلية٢ أو لا بقصد، ومن ثم لم تجب إراقتها بخلاف ما لو عصر بقصد الخمرية تجب إراقته فورًا ويعتبر تغيير القصد قبل التخمر "والنبيذ" وهو المتخذ من عصير نحو الزبيب للإجماع في الخمر وللأحاديث الصحيحة الصريحة في غيرها، أما الجامد فطاهر منه الحشيشة والأفيون وجوز الطيب والعنبر والزعفران فيحرم تناول القدر المسكر من كل ما ذكر كما صرحوا به. "والكلب" ولو معلمًا لما صح من أمره ﷺ بالتسبيع من ولوغه وبإراقة ما ولغ فيه٣، "والخنزير" لأنه أسوأ حالا من الكلب إذ لا يقتنى بحال. "وما تولد من أحدهما" مع حيوان طاهر ولو آدميًا تغليبًا للنجس, "والميتة" بجميع أجزائها وإن لم يكن لها دم سائل وهي مازالت حياتها لا بزكاة شرعية بالنص٤ والإجماع "إلا الآدمي" ولو كافرًا؛ لما صح من قوله ﷺ : "إن المؤمن لا ينجس حيًّا ولا ميتًا" ٥ والتعبير بالمؤمن للغالب أو للشرف إذ لا قائل بالفرق. "والسمك والجراد" للخبر الصحيح: "أحل لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد
стр. 53
والودي، والماء المتغير السائل من فم النائم، ومني الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما، ولبن ما لا يؤكل لحمه إلا الآدمي والعلقة والمضغة ورطوبة الفرج فطاهرات
ــ
والكبد والطحال" ١، "و" من النجاسات "الدم" وإن تحلب من كبد أو نحو سمك أو بقي على نحو العظام لكنه معفو عنه لقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ ، أي سائلًا بخلاف غيره كالكبد والعلقة. "والقيح والقيء" وإن لم يتغير "والروث" بالمثلثة كالبول، نعم لو راثت أو قاءت بهيمة حبًّا صحيحًا صلبًا بحيث لو زرع نبت كان متنجسًا لا نجسًا، "والبول" للأمر بصب الماء عليه٢ "والمذي" بسكون المعجمة للأمر بغسل الذكر أي رأسه منه وهو ماء أصفر رقيق غالبًا يخرج عند ثوران الشهوة ويشترك فيه الرجل والمرأة. "والودي" بسكون المهملة كالبول وهو ماء أبيض ثخين غالبًا يخرج عقب البول. "والماء المتغير السائل من فم النائم" إن تحقق كونه من المعدة بخلاف غيره لكن الأولى غسل ما يحتمل كونه منها ولو ابتلي بالأول شخص عفي عنه. "ومني الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما" ومن غيره لأنه الأصل. "ولبن ما لا يؤكل لحمه" كالأتان "إلا الآدمي" وإلا مني الحيوان غير الكلب والخنزير وما تولد من أحدهما. "والعلقة" وهي دم غليظ "والمضغة" وهي لحمة صغيرة "ورطوبة الفرج" وهي ماء أبيض متردد بين المذي والعرق من الحيوان الطاهر ولبن المأكول ولو ذكرًا صغيرًا ميتًا وإنفحته٣ إن أخذت منه بعد ذبحه ولم يطعم غير لبن ولو نجسًا ومترشح كل حيوان طاهر كعرق ولعاب وبلغم إلا المتيقن خروجه من المعدة وماء قروح ونفط٤ لم يتغير والبيض ولو من ميتة إن كان متصلبًا وبزر القز والمسك وفأرته ٥ المنفصلة في حياته أو بعد ذكاته والزباد٦ لا ما فيه من شعر السنور البري نعم يعفى عن قليله عرفًا، والعنبر وهو نبت بحري وإن ابتلعه حوت ما لم يستحل. "فطاهرات" للنصوص الصحيحة في أكثرها وقياسًا في باقيها ولو تحقق خروج رطوبة الفرج من باطنه كانت نجسة، وإنما لم ينجس ذكر
стр. 54
والجزء المنفصل من الحيوان كميتته، إلا شعر المأكول وريشه وصوفه ووبره فطاهرات، ولا يطهر شيء من النجاسات إلا ثلاثة أشياء: الخمر من إنائها إذا صارت خلا بنفسها والجلد المتنجس بالموت، ويطهر بالدبغ ظاهره وباطنه وما صار حيوانًا.
ــ
المجامع إذا وطئ من استنجت بماء أو حجر ولم يتحقق إصابة البول للذكر ولا لمدخله لعدم تحقق خروجها من الباطن، ويجوز أكل بيض غير المأكول حيث لا ضرر فيه. "والجزء المنفصل من الحيوان كميتته" طهارة ونجاسة فيدخل نحو الآدمي ومشيمته طاهرة بخلافهما من نحو الفرس للخبر الصحيح: "ما قطع من حي فهو ميت"١، "إلا شعر" الحيوان "المأكول وريشه وصوفه ووبره" إذا لم يعلم إبانته بعد موته "فطاهرات" لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا﴾ ، الآية: ولو انفصل من مأكول حي جزء عليه شعر فهما نجسان وخرج بما ذكره القرن والظلف والظفر فهي نجسة. "ولا يطهر شيء من النجاسات" بالاستحالة "إلا ثلاثة أشياء" أحدها "الخمر" ولو غير محترمة فتطهر وإن فتح رأسها أو نقلت من محلها أو تخللت لا بفعل فاعل "مع إنائها" ولو نحو خزف جديد تبعًا لها للضرورة "إذا صارت" أي استحالت" "خلا بنفسها " أي بلا مصاحبة عين لزوال علة النجاسة وهي الإسكار، أما إذا تخللت بمصاحبة عين نجسة وإن نزعت قبل التخلل أو طاهرة استمرت إليه أو لم تستمر لكن تحلل منها شيء فلا تطهر إذ النجس يقبل التنجس في الأولى، ولتنجسها بعد تخللها بالعين التي تنجست بها في الثانية، وكالخمر فيما ذكر النبيذ على المعتمد. "و" ثانيها "الجلد المتنجس بالموت" بأن لم يكن من نحو كلب "و" إن كان من غير المأكول "يطهر بالدبغ" والاندباغ "ظاهره" وهو ما لاقاه الدباغ "وباطنه" وهو ما لم يلاقه بشرط أن ينقى من الرطوبات المعفنة له بحيث لا يعود إليه النتن والفساد لو نقع في الماء لما صح من قوله ﷺ : "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" ٢ وإنما تحصل التنقية المذكورة بحريف ولو نجسًا كذرق حمام لا بنحو شمس وتراب وخرج بالجلد الشعر نعم يطهر قليله تبعًا كإناء الخمر ثم هو بعد الاندباغ كثوب متنجس فلا بد لنحو الصلاة فيه وعليه من تطهيره. "و" ثالثها "ما صار حيوانًا" كالميتة إذا صارت دودًا لحدوث الحياة وهو وإن لم يكن متولدًا منها لكنه متولد من عفوناتها وهي نجسة، ولا يصح التمثيل بدم بيضة صارت فرخًا لأنه حينئذ كالمني إذ هو أصل حيوان طاهر، وخرج بحيوان ما صار رمادًا أو ملحًا مثلا فلا يطهر.
стр. 55
فصل: "في إزالة النجاسة"
إذا تنجس شيء بملاقاة كلب أو فرعه مع الرطوبة غسل سبعًا مع مزج إحداهن بالتراب الطهور، والأفضل أن يكون في الأولى، ثم في غير الأخيرة، والخنزير كالكلب، وما تنجس ببول صبي لم يطعم إلا اللبن ينضح بالماء وما تنجس بغير ذلك، فإن كانت
ــ
فصل: في إزالة النجاسة
"إذا تنجس شيء" جامد ولو نفيسًا يفسده التراب "بملاقاة" شيء من "كلب أو فرعه" ولو لعابه "مع الرطوبة" في إحداهما "غسل سبعًا مع مزج إحداهن" سواء الأولى والأخيرة وغيرهما "بالتراب الطهور" لخبر: "طهور إناء إحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات إحداهن بالبطحاء" ١ وفي رواية: "أولاهن" ٢, وهي لبيان الأفضل كما يأتي. وفي أخرى: "السابعة"٣ وهي لبيان أقل الإجزاء. وفي أخرى: "الثامنة"٤ أي بأن يصاحب السابعة، وإنما يعتبر السبع بعد زوال العين فمزيلها وإن تعدد واحدة ويكتفي بها وإن تعدد الولوغ أو كانت معه نجاسة آخرى وغمسه في ماء كثير مع تحريكه سبعًا أو مرور سبع جرات عليه كغسله سبعًا، والواجب من التراب ما يكدر الماء ويصل بواسطته إلى جميع أجزاء المحل كماء كدر ظهر أثره فيه، ولا يجب المزج قبل الوضع بل يكفي سبق التراب ولو مع رطوبة المحل لأن الطهور الوارد باق على طهوريته، ولا يجب التراب في تطهير أرض ترابية إذ لا معنى لتتريب التراب وخرج به نحو صابون وسحاقة خزف وبالطهور مختلط بنحو دقيق وإن قل ومستعمل للنص على التراب المنصرف للطهور وغيره لا يقوم مقامه. "والأفضل أن يكون" التراب "في الأولى ثم في غير الأخيرة" لعدم احتياجه حينئذ إلى تتريب ما يصيبه بعد التي فيها التراب. "والخنزير كالكلب" فيما ذكر قياسًا عليه بل أولى. "وما تنجس ببول صبي لم يطعم" بفتح أوله أي لم يتناول قبل الحولين "إلا اللبن" أو غيره للتحنيك أو للتداوي أو التبرك "ينضح" أي يرش "بالماء" حتى يعم موضعه ويغلب عليه وإن لم يغسل للاتباع فخرج غير البول وبول الأنثى
стр. 56
عينية وجبت إزالة عينه وطعمه ولونه وريحه، ولا يضر بقاء لون أو ريح عسر زواله ويضر بقاؤهما أو الطعم وحده، وإن لم يكن للنجاسة عين كفي جري الماء عليها، ويشترط ورود الماء القليل، والغسالة القليلة طاهرة ما لم تتغير وقد طهر المحل.
ــ
والخنثى وأكله أو شربه للتغذي ورضاعه بعد حولين فلا يكفي نضحه بل لا بد من غسله وهو تعميم المحل مع السيلان لخبر: "يرش من بول الغلام ويغسل من بول الجارية" ١، ولأن الابتلاء بحمل الذكر أكثر والخنثى يحتمل كونه أنثى.
"وما تنجس بغير ذلك" من سائر النجاسات السابقة وغيرها "فإن كانت" نجاسة "عينية" وهي التي تدرك بإحدى الحواس "وجبت إزالة عينه و" لا تحصل إلا بإزالة "طعمه ولونه وريحه" ويجب نحو صابون وذلك إن توقفت الإزالة عليه، "ولا يضر بقاء لون أو ريح عسر زواله" كلون الصبغ بأن صفت غسالته ولم يبق إلا أثر محض وكريح الخمر للمشقة.
"ويضر بقاؤهما" بمحل واحد وإن عسر زوالهما. "أو" بقاء "الطعم وحده" لسهولة إزالته وعسرها نادر ويعرف بقاؤه فيما إذا دميت لثته أو غلب على ظنه زواله فيجوز له ذوق المحل استظهارًا. "وإن لم يكن للنجاسة عين" كبول جف ولم يدرك له طعم ولا لون ولا ريح "كفى جري الماء عليها" مرة من غير اشتراط نية وفيما مر لأنها من باب التروك "ويشترط ورود الماء القليل" على المحل لقوته وإلا تنجس بخلاف الكثير.
"والغسالة القليلة" المنفصلة "طاهرة" غير مطهرة "ما لم تتغير" بطعم أو لون أو ريح ولم يزد وزنها باعتبار ما يأخذه الثوب من الماء ويعطيه من الوسخ الطاهر "وقد طهر المحل" بخلاف ما إذا تغيرت أو زاد وزنها أو لم يطهر المحل فهي نجسة كالمحل؛ لأن البلل الباقي فيه بعضها والماء القليل لا يتبعض طهارة ونجاسة ولا نظر لانتقال النجاسة إليه لأن الماء قهرها فأعدمها فعلم أنها كالمحل مطلقًا فحيث حكم بطهارته حكم بطهارتها وحيث لا فلا، فلو وضع ثوبًا في إجانة٢ وفيه دم معفو عنه وصب الماء عليه تنجس بملاقاته لأن دم نحو البراغيث لا يزول بالصب فلا بد بعد زواله من صب ماء طهور وهذا مما يغفل عنه أكثر الناس، وتجب المبالغة في الغرغرة عند غسل فمه المتنجس ويحرم ابتلاع نحو طعام قبل ذلك.
стр. 57
باب التيمم
مدخل
...
باب: التيمم
يتيمم المحدث والجنب لفقد الماء والبرد، والمرض، فإن تيقن فقد الماء تيمم بلا طلب، وإن توهم الماء أو ظنه أو شك فيه فتش في منزله وعند رفقته، وتردد قدر حد الغوث، وقدره بعضهم بغلوة سهم، فإن لم يجد ماء تيمم، وإن تيقن وجود الماء وجب طلبه في حد القرب -وهو ستة آلاف خطوة- فإن كان فوق حد القرب تيمم، والأفضل تأخير الصلاة إن تيقن وصول الماء آخر الوقت، ولا يجب طلبه في حد الغوث وحد
ــ
باب: التيمم
هو لغة: القصد، وشرعًا: إيصال التراب إلى الوجه واليدين بشرائط تأتي، وفرض سنة أربع أو ست، وهو من خصائصنا. "يتيمم المحدث والجنب" ومأمور بطهر مسنون من وضوء أو غسل "لفقد الماء والبرد والمرض" هذه أسبابه من حيث الجملة، وأما تفصيلها "فإن تيقن" المسافر أو غيره "فقد الماء تيمم بلا طلب" لأنه حينئذ عبق "وإن توهم الماء أو ظنه أو شك فيه" وجب عليه طلبه لكن لا يصح إلا بعد تيقن دخول الوقت، نعم يصح تقديم الأذان عليه وإنما يحصل إن "فتش" عليه بنفسه أو مأذونه الثقة ولو عبدًا أو امرأة وإن كان واحدًا عن جمع "وفي منزله وعند رفقته" المنسوبين إليه إن جوز بذلهم ولو بأن ينادي فيهم: من عنده ماء يجود به ولو بالثمن "وتردد" يمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا "قدر حد الغوث" وجوبًا وهو ما يلحقه فيه غوث الرفقة مع ما هم عليه من التشاغل والتفاوض في الأقوال "وقدره بعضهم" كالرافعي١ "بغلوة سهم" أي غاية رميه ومراده تقريب ما مر، وليس المراد بذلك أنه يدور الحد المذكور لما فيه من عظيم الضرر والمشقة بل أن يصعد مرتفعًا بقربه، ثم ينظر حواليه إن كان بغير مستو وإلا نظر في الجهات الأربع قدر الحد المذكور، ويخص مواضع الخضرة والطير بمزيد نظر "فإن" تردد و"لم يجد ماء تيمم وإن تيقن وجود الماء وجب طلبه في حد القرب" وهو ما يقصده النازلون لنحو احتطاب واحتشاش، قال محمد بن يحيى٢: ولعله يقرب من نصف فرسخ "وهو" نحو "ستة آلاف خطوة" إذ الفرسخ ثلاثة أميال والميل أربعة آلاف خطوة فنصفه ما ذكر "فإن كان" الماء "فوق حد القرب تيمم" ولم يجب قصده للمشقة "والأفضل تأخير الصلاة إن تيقن وصول الماء" يعني وجوده أو القدرة على القيام أو ساتر العورة أو الجماعة "آخر الوقت" أي قبل أن يبقى منه ما يسع تلك الصلاة بالوضوء ومقدماتها لفضيلة الصلاة
стр. 58
القرب إلا إذا أمن نفسًا ومالًا وانقطاعًا عن الرفقة، وخروج الوقت، فإن وجد ماء لا يكفيه وجب استعماله ثم يتيمم، ويجب شراؤه بثمن مثله إن لم يحتج إليه لدين مستغرق، أو
ــ
بالوضوء والقيام والسترة والجماعة عليها بضد ذلك، وسواء في الأولى منزله وغيره على الأوجه خلافًا للماوردي١، ولو كان إذا قدم التيمم صلى في جماعة، وإذا أخر صلى بالوضوء منفردًا فالتقديم أفضل، ولو صلى بالتيمم أوله وبالوضوء آخره فهو الأكمل، أما إذا لم يتيقن ذلك فالتقديم أفضل. "ولا يجب طلبه" أي الماء "في حد الغوث وحد القرب" السابقين "إلا إذا أمن نفسًا" محترمة وجميع أجزائها "ومالًا" له أو لغيره وإن قل ما لم يكن قدرًا يجب بذله في تحصيل الماء ثمنًا أو أجرة في مسألة التيقن فلا يعتبر الأمن عليه لأنه ذاهب على كل تقدير، ومثله الاختصاص وإن كثر بخلافه في غير صورة التيقن فإن يعتبر الأمن على المال والاختصاص مطلقًا. "و" أمن "انقطاعًا عن الرفقة" وإن لم يستوحش وفارق الجمعة بأنها لا بدل لها "و" أمن "خروج الوقت" فلو خاف فواته لو قصده من أوله أو من حين نزوله جاز له التيمم بخلاف ما لو وجده وخاف فوت الوقت لو توضأ أو غسل النجاسة به؛ لأنه غير فاقد، وبخلاف المقيم فإنه لا يجوز له التيمم وإن خاف فوت الوقت لو سعى إلى الماء لأنه لا بد له من القضاء. "فإن وجد" المحدث أو الجنب "ماء" صالحًا للغسل "لا يكفيه" لطهره "وجب" عليه "استعماله" إذ الميسور لا يسقط بالمعسور وللخبر الصحيح: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" ٢، "ثم" بعد استعماله في بعض أعضاء الجنب أي بعض شاء وفي وجه المحدث وما يليه "يتيمم" عن الباقي، ولا يجوز له تقديم التيمم على استعماله لأنه معه ماء طاهرًا بيقين، أما ما لا يصلح إلا للمسح كثلج أو برد أو ماء لا يمكن أن يسيل لقلته لم يؤمر المحدث باستعماله في مسح الرأس لفقد الترتيب، ويجب أيضًا استعمال تراب ناقص، "ويجب" بعد دخول الوقت لا قبله "شراؤه" أي الماء ولو ناقضًا للطهارة واستئجار نحو دلو يحتاج إليه "بثمن" أو أجرة "مثله" في ذلك المكان والزمان، فلو طلب مالكه زيادة فلسٍ لم يجب لكنه أفضل، ومحل ذلك حيث لم ينته الأمر إلى شراء الماء لسد الرمق وإلا لم يجب لأن الشربة حينئذ قد تساوي دنانير، نعم إن بذل منه ذلك نسيئة بزيادة لائقة بمثل تلك النسيئة عرفًا وكان موسرًا بمال غائب إلى أجل يبلغه موضع ماله ولو غير وطنه لزمه القبول إذ لا ضرر عليه فيه وإنما يجب الشراء أو الاستئجار بعوض المثل "إن لم يحتج إليه لدين مستغرق" ولو
стр. 59
مئونة سفره، أو نفقة حيوان محترم ولو في المستقبل، ويجب طلب هبة الماء واستعارة دلو دون اتهاب ثمنه، ولو كان معه ماء يحتاج إليه لعطش حيوان محترم ولو في المستقبل وجب التيمم، ولا يتيمم للمرض إلا إذا خاف من استعمال الماء على نفس أو منفعة عضو أو طول المرض أو حدوث شين قبيح في عضو ظاهر، ولا يتيمم للبرد إلا إذا لم تنفع
ــ
مؤجلا ومستغرق صفة كاشفة إذ من لازم الحجة للدين أو يكون مستغرقًا "أو مئونة سفره" المباح ذهابًا وإيابًا "أو نفقة حيوان محترم ولو في المستقبل" ممن تلزم نفقته وإن لم يكن معه ومن رقيقه وحيوان معه ولو لغيره إن عدم نفقته، والمراد بالنفقة المئونة لتشمل حتى الملبوس والأثاث الذي لا بد منه وأجرة التداوي والمركوب، وكذا المسكن والخدام المحتاج إليهما لأن هذه الأشياء لا بدل لها بخلاف الماء، وخرج بالمحترم وهو ما حرم قتله نحو المرتد والحربي والزاني المحصن وتارك الصلاة بشرطه والخنزير والكلب العقور لا الذي لا منفعة فيه ولا ضرر بل هو محترم. "ويجب طلب هبة الماء" وقرضه وقبولهما لغلبة المسامحة فيه فالمنة فيه حقيرة "واستعارة" نحو "دلو" ورشاء١ مما يتوقف عليه القدرة على الماء أي طلب عاريته وقبولها وإن زادت قيمته على ثمن مثل الماء إذ لا تعظم المنة فيها والأصل عدم تلف المستعار، ولو امتنع من سؤال ذلك أو قبوله لم يصح تيممه ما دام قادرًا عليه "دون اتهاب ثمنه" أي الماء أو أجرة اتهاب نحو الدلو أو اقتراضه لعظم المنة في ذلك ولو من نحو أب أو ابن وإن كان قابل المقترض موسرًا بمال غائب وسائر العورة كالدلو فيما ذكر ولو لم يجد إلا ما يكفيه للماء أو الستر قدمه وإن لم يستر سوى السوءتين لدوام نفعه، ومن ثم وجب على السيد أن يشتريه لمملوكه دون ماء طهارته في السفر "ولو كان معه ماء يحتاج إليه لعطش حيوان محترم" من نفسه أو غيره ولو من أهل قافلته وإن كبرت ولم تنسب إليه. "ولو" كان "في المستقبل" وإن ظن وجود الماء "وجب التيمم" وحرم الطهارة بالماء دفعًا للضرر الناجز٢ أو المتوقع وضبطه كضبط المرض الآتي ولا يكلف الطهر به ثم شربه لأن النفس تعافه بخلاف دابته بل لو كان معه نجس وطاهر سقاها النجس وتطهر بالطاهر، ولا يجوز ادخار الماء لطبخ وبل كعك قدبر على أكله يابسًا على المنقول فيهما وكالاحتياج للماء لذلك الاحتياج لبيعه لطعم المحترم أو لنحو دين عليه أو لغسل نجاسة، ولو جد العاصي بسفره ماء فاحتاج إليه للعطش لم يجز له التيمم اتفاقًا, وكذلك لو كان به قروح وخاف من استعماله لأنه قادر على التوبة وواجد للماء، "ولا يتيمم للمرض" أي لأجله حاصلا كان أو متوقعًا "إلا إذا خاف من استعمال الماء على نفس" أو عضو "أو منفعة عضو" أن يتلف "أو" خاف "طول" مدة "المرض"
стр. 60
تدفئة أعضائه، ولم يجد ما يسخن به الماء، وخاف على منفعة عضو أو حدوث الشين المذكور، وإن خاف من استعمال الماء في بعض بدنه غسل الصحيح، وتيمم عن الجريح في الوجه واليدين، فإن كان جنبًا قدم ما شاء، وإن كان محدثًا تيمم عن الجريح وقت غسل العليل، ثم إن كان عليه جبيرة نزعها وجوبًا، فإن خاف من نزعها غسل الصحيح ومسح عليها، وتيمم عما تحتها في الوجه واليدين، ويجب عليه القضاء إذا وضع الجبيرة على غير طهر، أو كانت في الوجه واليدين، ويقضي إذا تيمم للبرد أو تيمم لفقد الماء في الحضر، والمسافر العاصي بسفره.
ــ
وإن لم يزد أو زيادته وإن لم يبطئ "أو" خاف "حدوث شين١ قبيح" أي فاحش كتغير لون ونحول واستحشاف٢ وثغرة٣ تبقى ولحمة تزيد لإطلاق المرض في الآية وضرر نحو الشين المذكور وما قبله فوق ضرر الزيادة اليسيرة على ثمن مثل الماء وإنما يؤثر إن كان "في عضو ظاهر" وهو ما لا يعد كشفه هتكًا للمروءة بأن يبدو في المهنة غالبًا والباطن بخلافه، واحترز بفاحش عن اليسير ولو على عضو ظاهر كأثر جدري وسواد قليل، وعن الفاحش بعضو باطن فلا أثر لخوف ذلك إذ ليس فيهما كثير ضرر، ولا نظر لكون المتطهر قد يكون رقيقًا فتنقص قيمته بذلك نقصًا فاحشًا لأن ذلك متوهم غير متحقق، ويعتمد في خوف ما ذكر قول عدل رواية أو نفسه إن عرف، وكذا لو لم يعرف ولا أخبره من ذكر وخاف ما مر لكنه يعيد إذا برأ. "ولا يتيمم للبرد" أي لأجله "إلا إذا لم تنفع تدفئة أعضائه" للضرر "ولم يجد ما يسخن به الماء" من إناء وحطب ونار "وخاف على منفعة عضو" له "أو حدوث الشين المذكور" للضرر حينئذ، أما إذا نفعته التدفئة أو جد ما يسخن به أو لم يخف ما ذكر فإنه لا يتيمم إذ لا ضرر حينئذ. والحاصل أنه حيث خاف محذور البرد أو مرض حاصل أو متوقع جاز له التيمم وحيث فلا فلا.
"وإن خاف من استعمال الماء" لنحو جرح "في بعض بدنه غسل الصحيح" ثم يتلطف بوضع خرقة مبلولة بقرب العليل فإن تعذر أمسه ماء بلا إفاضة "وتيمم عن الجريح" تيممًا كاملا بأن يكون "في الوجه واليدين" وإن كان الجرح في غيرهما لئلا يخلو العضو عن طهارة، ويجب أن يمر التراب عليه إن كان بمحل التيمم ولا يجب مسحه بالماء وإن لم يضره لأن واجبه الغسل، فلو تعذر فلا فائدة في المسح عليه ولا ترتيب بين التيمم وغسل الصحيح لكن يجب أن يكون وقت غسل الصحيح. "فإن كان جنبًا" يعني محدثًا حدثًا أكبر "قدم ما شاء" منهما إذ لا ترتيب عليه. "وإن كان محدثًا" حدثًا أصغر "تيمم عن الجريح وقت غسل" العضو "العليل" ولم ينتقل عن كل عضو حتى يكمله غسلًا ومسحًا وتيممًا عملًا بقضية الترتيب، فإن كانت العلة بيده وجب تقديم التيمم والمسح على مسح الرأس وتأخيرهما عن غسل الوجه وله تقديمهما إلى غسل الصحيح وهو الأولى ليزيل الماء أثر التراب وتأخيرهما عنه وتوسيطه
стр. 61
فصل: "في شروط التيمم "
شروط التيمم عشرة: أن يكون بتراب، وأن يكون طاهرًا، وأن لا يكون مستعملا،
ــ
بينهما، إذ العضو الواحد لا ترتيب فيه أو بوجهه ويده فتيممان، فإن عمت أعضاءه الأربعة فتيمم واحد، فإن بقي من الرأس شيء وجب ثلاث تيممات، ولا فرق في التيمم وغسل الصحيح المذكورين بين أن يكون بالجرح جبيرة أو لا. "ثم إن كان عليه جبيرة" وهي ألوح تهيأ للكسر والانخلاع تجعل على محله والمراد بها هنا الساتر لتشمل نحو اللصوق وعصابة نحو الفصد "نزعها" وغسل ما تحتها من الصحيح "وجوبًا فإن خاف من نزعها" محذورًا مما مر "غسل الصحيح" حتى ما تحت أطرافها إن أمكن ويتلطف كما مر "ومسح عليها" جميعها بماء إلى أن تبرأ بدلًا عما تحتها من الصحيح لا بتراب لأنه ضعيف فلا يؤثر من فوق حائل والماء يؤثر من ورائه في نحو مسح الخف، ولو ترشح الساتر بنحو دم امتنع المسح عليه حتى يجعل عليه ساترًا آخر لا ينفذ إليه الرشح "وتيمم عما تحتها" من الجريح تيممًا كاملًا "في الوجه واليدين ويجب عليه القضاء إذا وضع الجبيرة" أي الساتر "على غير طهر" وتعذر نزعه لفوات شرط الستر من الوضع على طهر كالخف "أو كانت في الوجه واليدين" وإن وضعت على طهر لنقص البدل والمبدل "ويقضي" وجوبًا أيضًا "إذا تيمم" في الحضر أو السفر "للبرد" لندرة فقد ما يسخن به أو يتدثر به "أو" إذا "تيمم لفقد الماء" وقد ندر فقده في محل التيمم وإن غلب في محل الصلاة بخلاف ما إذا غلب فقده أو استوى الأمران مسافرًا كان أو مقيمًا، إذ العبرة بندرة الفقد وعدمها لا بالسفر والإقامة، فقول المصنف كغيره "في الحضر" جرى على الغالب من ندرة الفقد في السفر وعدمها في الحضر. "و" يقضي المتيمم "المسافر العاصي بسفره" كآبق وناشزة لأن إسقاط القضاء من المتيمم بسبب السفر الذي لا يندر فيه فقد الماء رخصة فلا تناط بسفر المعصية بخلاف العاصي بإقامته.
فصل: في شروط التيمم
"شروط التيمم" أي ما لا بد منه فيه "عشرة" بل أكثر. الأول: "أن يكون بتراب" على أي لون كان كالمدر١والسبخ٢ وغيرهما حتى ما يداوى به وغبار رمل خشن لا ناعم ومشوي
стр. 62
وأن لا يخالطه دقيق ونحوه وأن يقصده فلو سفته الريح فردده لم يكفه، وأن يمسح وجهه ويديه بضربتين، وأن يزيل النجاسة أولا، وأن يجتهد في القبلة قبله، وأن يقع بعد دخول الوقت، وأن يتيمم لكل فرض عيني.
ــ
بقي اسمه. "و" الثاني: "أن يكون طاهرًا" قال الله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ، قال ابن عباس ﵄ وغيره: ترابًا طاهرًا. "و" الثالث "أن لا يكون مستعملا" كالماء بل أولى وهو ما بقي بمحل التيمم أو تناثر بعد مسه العضو وإن لم يعرض عنه. "و" الرابع: "أن لا يخالطه دقيق ونحوه" وإن قل الخليط لأنه يمنع وصول التراب للعضو. "و" الخامس: "أن يقصده" أي التراب بأن ينقله إلى العضو الممسوح ولو بفعل غيره بإذنه أو يتمعك١ بوجهه أو يديه في الأرض لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] ، أي اقصدوه. "فلو" انتفى النقل كأن "سفته"٢ أي التراب "الريح عليه" عند وقوفه فيها ولو بقصد ذلك على عضو تيممه "فردده" عليه ونوى "لم يكفه" ذلك لانتفاء القصد بانتفاء المحقق له لأنه لم يقصد التراب وإنما التراب أتاه. "و" السادس: "أن يمسح وجهه ويديه بضربتين" وإن أمكن بضربة بخرقة٣ لخبر أبي داود والحاكم وإن كان فيهما مقال. "و" السابع: "أن يزيل النجاسة أولا" فلو تيمم قبل إزالتها لم يجز على المعتمد سواء نجاسة محل النحو وغيرها لأنه للإباحة ولا إباحة مع المانع فأشبه التيمم قبل الوقت بخلاف ما لو تيمم عاريًا وعنده سترة لأن ستر العورة أخف من إزالة الخبث ولهذا لا إعادة على العاري بخلاف ذي الخبث. "و" الثامن "أن يجتهد في القبلة قبله" فلو تيمم قبل الاجتهاد فيها لم يصح على الأوجه ويفارق ستر العورة بما مر، وإما صح طهر المستحاضة قبله مع أنه للإباحة لأنه أقوى إذ الماء يرفع الحدث أصالة بخلاف التراب. "و" التاسع: "أن يقع" التيمم للصلاة التي يريد فعلها "بعد دخول الوقت" الذي يصح فعلها فيه لأنه طهارة ضرورة ولا ضرورة قبله فيتيمم للنافلة المطلقة فيما عدا وقت الكراهة وللصلاة على الميت بعد طهره وللاستسقاء بعد تجمع الناس وللفائتة بعد تذكرها. "و" العاشر: "أن يتيمم لكل فرض عيني" لأن التيمم طهارة ضرورة فيقدر بقدرها، نعم يجوز تمكين الحليل مرارًا وجمعه مع فرض بتيمم واحد للمشقة وله فعل الجنائز وإن كثرت مع فرض عيني لشبهها بالنافلة في جواز الترك وتعينها بانفراد المكلف عارض.
стр. 63
فصل: "في أركان التيمم "
فروض التيمم خمسة:
الأول: النقل.
الثاني: نية الاستباحة، ويجب قرنها بالضرب واستدامتها إلى مسح وجهه فإن نوى بتيممه استباحة الفرض صلى الفرض والنفل، أو استباحة النفل أو الصلاة أو صلاة الجنازة لم يصل به الفرض.
الثالث: مسح وجهه.
الرابع: مسح يديه إلى المرفقين.
الخامس: الترتيب بين المسحين.
وسننه: التسمية وتقديم اليمنى، ومسح أعلى وجهه، وتخفيف الغبار، والموالاة، وتفريق الأصابع عند الضرب ونزع الخاتم، ويجب نزعه في الضربة الثانية، ومن سننه إمرار اليد على العضو، ومسح العضد وعدم التكرار والاستقبال والشهادتان بعده، ومن لم يجد ماء ولا ترابًا صلى الفرض وحده وأعاد بالماء.
ــ
فصل: في أركان التيمم
"فروض التيمم" أي أركانه "خمسة: الأول النقل" للتراب إلى العضو كما مر بدليله "الثاني: نية الاستباحة" لم يتوقف على التيمم كمس المصحف وتمكين الحليل١ في حق نحو الحائض "ويجب قرنها بالضرب" يعني النقل أول الأركان "واستدامتها إلى مسح" شيء من "وجهه" فلو أحدث مع النقل أو بعده قبل المسح أو عزبت بينهما بطل النقل وعليه إعادته لأنه أول الأركان لكنه غير مقصود فاشترط استدامتها إلى المقصود. "فإن نوى بتيممه استباحة الفرض صلى الفرض والنفل" وإن لم يستبحه لأن استباحة الأعلى تبيح الأدنى ولا عكس "أو استباحة النفل أو الصلاة أو صلاة الجنازة لم يصل به الفرض" إذ هو أصل فلا يجعل تابعًا للنفل ولا لمطلق الصلاة إذ الأحوط بتنزيلها على النفل ولا لصلاة الجنازة لما مر أنها تشبه النفل أو استباحة ما عدا الصلاة كمس المصحف لم يستبحها فالمراتب ثلاث أعلاها الأولى ثم الثانية بأقسامها. "الثالث: مسح" ظاهر "وجهه" كما مر في الوضوء للآية٢ إلا أنه هنا لا يجب إيصال التراب إلى باطن الشعر وإن خف ومما يغفل عنه المقبل من أنفه على شفته. "الرابع: مسح يديه إلى المرفقين" للآية كالوضوء. "الخامس: الترتيب بين المسحين" لا النقلتين بأن يقدم ولو جنبًا مسح الوجه ثم اليدين كالوضوء. "وسننه" أي التيمم "التسمية" أوله ولو لنحو جنب. "وتقديم اليمنى" على اليسرى "و" تقديم "مسح أعلى وجهه" على أسفله كالوضوء في جميع ذلك "وتخفيف الغبار" من كفه الماسحة إن كثر لئلا يتشوه خلقه "والموالاة" فيه بتقدير
стр. 64
فصل: "في الحيض والاستحاضة والنفاس "
وأقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يومًا بلياليها، وغالبه ست أو سبع،
ــ
التراب ماء كالوضوء "وتفريق الأصابع عند الضرب" لأنه أبلغ في إثارة الغبار "ونزع الخاتم" في الضربة الأولى ليكون مسح الوجه بجميع اليد، "ويجب نزعه" أي الخاتم "في الضربة الثانية" عند المسح ليصل الغبار إلى محله ولا يكفي تحريكه لأنه لا يوصله إلى ما تحته بخلافه في الماء. "ومن سننه إمرار اليد على العضو" كالدلك في الوضوء، "ومسح العضو" كالوضوء أيضًا "وعدم التكرار" للمسح لأن المطلوب فيه تخفيف الغبار. "والاستقبال والشهادتان بعده" كالوضوء فيهما. "ومن لم يجد ماء ولا ترابًا صلى" وجوبًا "الفرض وحده" لحرمة الوقت وهي صلاة صحيحة فيبطلها ما يبطل غيرها بخلاف النفل إذ لا ضرورة إليه، "وأعاد بالماء" مطلقًا وبالتراب إن وجده بمحل يسقط به الفرض وإلا فلا فائدة في الإعادة به، ويجوز له فعل الجمعة بل يجب وإن وجب عليه قضاء الظهر.
فصل: في الحيض والاستحاضة والنفاس
الحيض لغة: السيلان. وشرعًا: دم جبلة١ يخرج من أقصى رحم المرأة في أوقات الصحة.
"وأقل" زمن "الحيض" تقطع الدم أو اتصل "يوم وليلة" أي قدرهما متصلًا وهو أربع وعشرون ساعة فما نقص عن ذلك فليس بحيض بخلاف ما بلغه عن الاتصال أو التفريق فإنه حيض وإن كان ماء أصفر أو كدرًا ليس على لون الدم لأنه أذى فشملته الآية٢. "وأكثره" زمنًا "خمسة عشر يومًا بلياليها" وإن لم يتصل "وغالبه ست أو سبع" كل ذلك باستقراء الإمام الشافعي ﵁ ومن وافقه إذ لا ضابط له لغة ولا شرعًا فرجع إلى المتعارف بالاستقراء، "ووقته" أي أقل سنة يتصور أن ترى الأنثى فيه حيضًا "بعد تسع سنين" قمرية ولو بالبلاد الباردة تقريبًا حتى إذا رأته قبل تمامها بدون ستة عشر يومًا كان حيضًا أو بأكثر كان دم فساد ولا آخر لسنه فما دامت حية فهو ممكن في حقها. "وأقل طهر" فاصل "بين الحيضتين خمسة عشر يومًا بلياليها" بالاستقراء أيضًا، وخرج بالحيضتين الطهر بين حيض ونفاس فإنه
стр. 65
ووقته بعد تسع سنين، وأقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يومًا بلياليها، ويحرم ما يحرم بالجنابة، ومرور المسجد إن خافت تلويثه، والصوم، والطلاق فيه، والاستمتاع بما بين السرة والركبة، ويجب عليها قضاء الصوم دون الصلاة.
ــ
يكون دون ذلك، فلو رأت حامل الدم ثم طهرت يومًا مثلا ثم ولدت فالدم بعد الولادة نفاس وقبلها حيض، ولو رأت النفاس ستين ثم طهرت يومًا مثلا ثم رأت الدم حيضًا على المعتمد. "ويحرم به" أي الحيض "ما يحرم بالجنابة" مما مر وزيادة على ذلك منها الطهارة بنية التعبد إلا في نحو أغسال الحج. "و" منها "مرور المسجد إن خافت تلويثه" صيانة له ومثلها كل ذي جراحة نضاحة فإن أمنته كره لها لغلظ حدثها وبه فارق ما مر في الجنب. "و" منها "الصوم" إجماعًا. "و" منها "الطلاق فيه" وإن لم تبذل له في مقابلته مالا لتضررها بطول مدة التبرص إذ ما بقي منه لا يحسب من العدة، ومن ثم لو كانت حاملا وكانت عدتها تنقضي بالحمل بأن يكون لاحقًا بالمطلق ولو احتمالا لم يحرم "والاستمتاع بما بين السرة والركبة" سواء بالوطء ومع حائل وهو كبيرة يكفر مستحله وغيره١ لا مع حائل لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ، وصح أنه ﷺ لما سئل عما يحل من الحائض قال: "ما فوق الإزار" ٢، وخص بمفهومه عموم خبر مسلم: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" ٣، ولم يعكس عملا بالأحوط لخبر: "من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه" ٤، وشمل تعبيره بالاستمتاع تبعًا للروضة٥ وغيرها النظر والمس بشهوة لا بغيرها، لكن عبر في التحقيق٦ وغيره بالمباشرة الشاملة للمس ولو بلا شهوة دون النظر ولو بشهوة، والأوجه ما أفاده كلام المصنف وغيره من أن التحريم منوط بالتمتع، وبحث الإسنوي أن تمتعها بما بين سرته وركبته كعكسه فيحرم واعترضه كثيرون بما فيه نظر، والذي يتجه أن له أن يلمس يدها بذكره لأنها تمتع بما فوق السرة والركبة، بخلاف ما إذا لمسته هي لتمتعها بما بين سرته وركبته فيحرم على كل تمكين الآخر مما يحرم عليه، وخرج بما بين السرة والركبة ما عداه ومنه السرة والركبة ويستمر تحريم ذلك عليهما إلى أن ينقطع وتغتسل أو تتيمم بشرطه، نعم الصوم
стр. 66
فصل: "في المستحاضة
والمستحاضة تغسل فرجها ثم تحشوه، إلا إذا أحرقها الدم، أو كانت صائمة، فإن لم يكفها تعصب بخرقة ثم تتوضأ، أو تتيمم في الوقت، وتبادر بالصلاة، وإن أخرت لغير مصلحة الصلاة استأنفت، وتجب الطهارة، وتجديد التعصيب لكل فرض، وسلس البول
ــ
والطلاق يحلان بمجرد الانقطاع "ويجب عليها" أي الحائض "قضاء الصوم" بأمر جديد "دون الصلاة" إجماعًا فيهما للمشقة في قضائها لتكررها دون قضائه.
فصل: في المستحاضة
والاستحاضة دم علة يخرج من عرق فمه في أدنى الرحم, وقيل هو المتصلة بدم الحيض خاصة وغيره دم فساد والخلاف لفظي.
"والمستحاضة" يجب عليها أمور منها "تغسل فرجها" عما فيه من النجاسة "ثم تحشوه" بنحو قطنة "إلا إذا" تأذت به كأن "أحرقها الدم" فحينئذ لا يلزمها "أو كانت صائمة" فحينئذ يلزمها ترك الحشو والاقتصار على الشد نهارًا رعاية لمصلحة الصوم، وإنما روعيت مصلحة الصلاة فيمن ابتلع بعض خيط قبل الفجر وطرفه خارج لأن المحذور هنا لا ينتفي بالكلية فإن الحشو يتنجس وهي حاملته بخلافه ثم "فإن لم يكفها" الحشوة لكثرة الدم وكان يندفع أو يقل بالعصب ولم تتأذ به "تعصب" بعد الحشو "بخرقة" مشقوقة الطرفين بأن تدخلها بين فخذيها وتلصقها بأعلى الفرج إلصاقًا جيدًا ثم تخرج طرفًا لجهة البطن وطرفًا لجهة الظهر وتربطها بنحو خرطقة تشدها بوسطها. "ثم تتوضأ أو تتيمم" عقب ذلك، ومر في الوضوء أنه يجب الموالاة في جميع ذلك وإنما يجوز لها فعل ذلك "في الوقت" لا قبله كالتيمم "وتبادر" وجوبًا عقب الطهر "بالصلاة" تقليلًا للحدث. "فإن أخرت لغير مصلحة الصلاة" كالأكل "استأنفت" جميع ما ذكر وجوبًا، وإن لم تزل العصابة عن محلها ولا ظهر الدم من جانبها لتكرر حدثها مع استغنائها عن احتماله بالمبادرة، أما إذا أخرت لمصلحة الصلاة كإجابة المؤذن والاجتهاد في القبلة وستر العورة وانتظار الجمعة والجماعة وغير ذلك من سائر الكمالات المطلوبة منها لأجل الصلاة فإنه لا يضر مراعاة لمصلحة الصلاة. "وتجب الطهارة وتجديد التعصيب" وغيره مما مر على الوجه السابق وإن لم يزل عن محله نظير ما مر "لكل فرض" عيني أو انتقاض طهر أو تأخير الصلاة عنه كما مر أو خروج دم بتقصير في نحو شد لما صح من أمره ﷺ لها١
стр. 67
وسلس المذي والودي مثلها، وأقل النفاس لحظة، وأكثره ستون يومًا، وغالبه أربعون يومًا، ويحرم به ما يحرم بالحيض.
ــ
بالوضوء لكل صلاة، ولها مع الفرض ما شاءت من النوافل "وسلس البول وسلس المذي والودي" ونحوها "مثلها" في جميع ما مر، نعم سلس المني يلزمه الغسل لكل فرض، ولو استمسك الحدث بالجلوس في الصلاة وجب بلا إعادة، ولا يجوز للسلس أن يعلق قارورة يقطر فيها بوله. "وأقل النفاس" وهو الدم الخارج بعد فراغ الرحم "لحظة" يعني لا حد لأقله بل ما وجد منه نفاس وإن قل "وأكثره ستون يومًا وغالبه أربعون يومًا" بالاستقراء، "ويحرم به ما يحرم بالحيض" مما مر قياسًا عليه.
تتمة: يجب على النساء أن يتعلمن ما يحتجن إليه من هذا الباب كغيره، فإن كان زوجها عالمًا لزمه تعليمها وإلا فلها الخروج ما لزمها تعلمه عينًا بل يجب ويحرم منعها إلا أن يسأل ويخبرها وهو ثقة وليس لها خروج إلى مجلس ذكر أو علم غير واجب عيني إلا برضاه.
стр. 68
باب الصلاة
مدخل
...
باب: الصلاة
تجب الصلاة على كل مسلم بالغ عاقل طاهر، فلا قضاء على كافر إلا المرتد، ولا على صبي ولا حائض ونفساء ولا مجنون إلا المرتد، ولا على مغمى عليه إلا السكران المتعدي بسكره، ويجب على الولي والسيد أمر الصبي المميز بها لسبع سنين، وضربه عليها لعشر، وإذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو المغمى عليه أو أسلم الكافر أو طهرت
ــ
باب: الصلاة
هي لغة: الدعاء. وشرعًا: أقوال وأفعال غالبًا مفتتحة بالتكبير المقترن بالنية مختتمة بالتسليم، وأصلها قبل الإجماع الآيات والأحاديث الشهيرة.
"تجب" الصلاة وجوبًا موسعًا إلى أن يبقى من وقتها ما يسعها مع مقدماتها إن احتاج إليها فيجوز تأخيرها إلى ذلك بشرط أن يعزم على الفعل فيه "على كل مسلم" بخلاف الكافر فإنه وإن كان مخاطبًا بها لكن في الآخرة ليترتب عقابها عليه لا في الدنيا لأنا نقره على تركها بنحو الجزية. "بالغ" لا صبي وإن لزم وليه أمره بها "عاقل" لا مجنون "طاهر" لا حائض ونفساء "فلا قضاء على كافر" أصلي أسلم ترغيبًا له في الإسلام "إلا المرتد" فعليه بعد الإسلام قضاء جميع ما فاته تغليظًا عليه "ولا" قضاء "على صبي" لعدم تكليفه وإن صحت منه "ولا حائض ونفساء" لأنهما مكلفان بتركها ومن ثم حرم عليهما قضاؤها وقيل: يكره. "ولا مجنون" لعدم تكليفه "إلا المرتد" فلزمه قضاؤها حتى أيام الجنون تغليظًا عليه. "ولا" قضاء "على" نحو "مغمى عليه" ومعتوه ومبرسم١ لعدم تكليفهم إلا المرتد فإنه يقضي مطلقًا كما علم مما مرّ و"إلا السكران المتعدي بسكره" فيلزمه قضاء الزمن الذي ينتهي إليه الشكر غالبًا دون ما زاد عليه من أيام الجنون ونحوه، وفارق المرتد بأن من جن في ردته مرتد في جنونه حكمًا، ومن جن في سكره ليس بسكران في دوام جنونه قطعًا، وإنما منع نحو الحيض القضاء ولو مع الردة لأن سقوط الصلاة عن الحائض عزيمة لأنها مكلفة بالترك، وعن نحو المجنون رخصة، والمرتد والسكران ليسا من أهلها وكذا لا قضاء باستعجال الحيض بخلاف استعجال الجنون، أما إذا لم يتعد بسكره كما إذا تناول شيئًا لا يعلم أنه مزيل للعقل فلا قضاء عليه كما مر في الإغماء لعذره. "ويجب على الولي" الأب أو الجد ثم الوصي أو القيم "والسيد" والملتقط والمودع والمستعير ونحوهم تعليم المميز أن النبي ﷺ ولد بمكة وبعث بها ومات بالمدينة ودفن فيها ثم "أمر" كلٍ من "الصبي المميز" والصبية المميزة "بها" أي بالصلاة بشروطها. "لسبع" أي بعد سبع من السنين وإن ميز قبلها, ولا بد مع صيغة الأمر من التهديد "وضربه" وضربها "عليها لعشر" أي بعد
стр. 69
الحائض أو النفساء قبل خروج الوقت ولو بتكبيرة التحرم وجب القضاء بشرط بقاء السلامة من الموانع بقدر ما يسع الطهارة والصلاة، ويجب قضاء ما قبلها إن جمعت معها بشرط السلامة من الموانع قدر الفرضين والطهارة، ولو جن أو حاضت أو أغمي عليه أول الوقت وجب القضاء إن مضى قدر الفرض مع الطهر إن لم يمكن تقديمه.
ــ
العشر لما صح من قوله ﷺ : "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر" ١ وحكمة ذلك التمرين على العبادة والتمييز أن يصير بحيث يأكل وحده ويشرب وحده ويستنجي وحده ويختلف باختلاف أحوال الصبيان فقد يحصل مع الخمس وقد لا يحصل إلا مع العشر، وعلى من ذكر أيضًا نهيه عن المحرمات حتى الصغائر وتعليمه الواجبات ونحوها وأمره بها كالسواك وحضور الجماعات وسائر الوظائف الدينية، ولا يسقط الأمر والضرب عمن ذكر إلا بالبلوغ مع الرشد، "وإذا" زال المانع السابق كأن "بلغ الصبي" أو الصبية "أو أفاق المجنون أو المغمى عليه أو أسلم الكافر أو طهرت الحائض أو النفساء قبل خروج الوقت ولو بتكبيرة التحرم" أي بقدر ما يسعها "وجب القضاء" لصلاة ذلك الوقت "بشرط بقاء السلامة من الموانع بقدر ما يسع الطهارة والصلاة" قياسًا على اقتداء المسافر بمتم في جزء من صلاته بجامع لزوم الإتمام ثم ولزوم القضاء هنا. "ويجب" أيضًا "قضاء ما قبلها إن جمعت معها" كالظهر مع العصر والمغرب مع العشاء لأن وقتها وقت لها حالة العذر فحالة الضرورة أولى، بخلاف ما يجمع معها كالعشاء مع الصبح وهي مع الظهر والعصر مع المغرب فلا تلزم وإنما تجب مع قبلية تجمع "بشرط" بقاء "السلامة من الموانع قدر الفرضين والطهارة" بأن يبقى بعد زوال العذر سالمًا من الموانع زمنًا يسع أخف ما يمكن كركعتين للمسافر القاصر، ولا بد أن يسع مع ذلك مؤداة وجبت عليه بخلاف ما لو أدرك ركعة آخر العصر مثلًا، وخلا من الموانع قدر ما يسعها وطهرها فعاد المانع بعد أن أدرك من وقت المغرب ما يسعها فإنه يتعين صرفه للمغرب وما فضل لا يكفي للعصر فلا تلزم هذا إن لم يشرع في العصر قبل الغروب وإلا تعين صرفه العصر لعدم تمكنه حينئذ من المغرب، ولو أدرك ما يسع العصر والمغرب مع الطهارة دون الظهر تعين صرفه للمغرب والعصر، وكذا يقال فيما لو أدرك آخر وقت العشاء، "ولو جن" البالغ "أو حاضت" أو نفست المرأة "أو أغمي عليه أول الوقت" أو أثناءه واستغرق المانع باقيه "وجب القضاء" لصلاة الوقت مع فرض قبلها إن صلح لجمعه معها "إن مضى قدر الفرض مع الطهر إن لم يمكن تقديمه" كتيمم وطهر سلس لأنه أدرك من وقتها ما يمكن فيه فعلها فلا تسقط بما طرأ بعده كما لو هلك النصاب بعد الحول وإمكان الأداء بخلاف الشروط التي يمكن تقديمها كوضوء الرفاهية فلا يشترك اتساع ما أدركه إلا للصلاة فقط لإمكان تقديم الطهر في الجملة، وإنما لم يؤثر هنا إدراك ما لا يسع
стр. 70
فصل: "في مواقيت الصلاة"
وأول وقت الظهر زوال الشمس، وآخره مصير ظل كل شيء مثله غير ظل الاستواء، ولها وقت فضيلة أوله ثم اختيار إلى آخره.
وأول وقت العصر إذا خرج وقت الظهر، وزاد قليلا، ولها أربعة أوقات: فضيلة
ــ
بخلاف نظيره آخر الوقت كما مر لإمكان البناء على ما أوقعه فيه بعد خروجه بخلافه هنا، ولا تجب الثانية هنا, وإن اتسع لها وقت الخلو من زمن الأولى كما أفهمه كلامه بخلاف عكسه السابق؛ لأن وقت الأولى لا يصلح للثانية إذا صلاهما جمعًا بخلاف العكس.
فصل: في مواقيت الصلاة
والأصل فيها حديث جبريل المشهور١.
"أول وقت الظهر زوال الشمس" وهو ميلها عن وسط السماء المسمى بلوغها إليه بحالة الاستواء إلى جهة المغرب في الظاهر لنا بزيادة الظل أو حدوثه لا نفس الميل فإنه يوجد قبل ظهوره لنا وليس هو أول الوقت. "وآخره مصير ظل كل شيء مثله غير ظل الاستواء" إن وجد، أما دخوله بالزوال فإجماع، وأما خروجه بالزيادة على ظل المثل فلحديث جبريل وغيره. "ولها" أي الظهر "وقت فضيلة أوله" على ما يأتي تحريره٢ "ثم" وقت "اختيار" ويمتد "إلى" أن يبقى ما يسعها من "آخره" على المعتمد ووقت عذر وهو وقت العصر لمن يجمع ووقت ضرورة بأن يزول المانع وقد بقي من الوقت قدر تكبيرة كما مر ووقت الفضيلة والحرمة والضرورة يجري في سائر الصلوات. "وأول وقت العصر إذا خرج وقت الظهر و" لا يظهر ذلك إلا إن "زاد" ظل الشيء على مثله "قليلا" وليست هذه الزيادة فاصلة بين الوقتين بل هي من وقت العصر لخبر مسلم: "وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم يحضر العصر" ٣،
стр. 71
أوله، واختيار إلى مصير الظل مثلين، ثم جواز إلى الاصفرار، ثم كراهة إلى آخره.
وأول المغرب بالغروب، ويبقى حتى يغيب الشفق الأحمر، وهو أول وقت العشاء.
ولها ثلاثة أوقات: وقت فضيلة أوله، ثم وقت اختيار إلى ثلث الليل، ثم وقت جواز إلى الفجر الصادق، وهو المنتشر ضوؤه معترضًا بالأفق، وهو أول وقت الصبح.
ولها أربعة أوقات: وقت فضيلة أوله، ثم اختيار إلى الإسفار، ثم جواز إلى الحمرة، ثم كراهة، ويكره تسمية المغرب عشاء والعشاء عتمة، ويكره النوم قبلها
ــ
وقوله ﷺ في خبر جبريل: "صلى بي الظهر حين كان ظله مثله" ١، أي فرغ منها حينئذ كما شرع في العصر في اليوم الأول حينئذ قاله الشافعي ﵁ نافيًا به اشتراكهما في وقت واحد المصرح بعدمه خبر مسلم السابق. "ولها أربعة أوقات" بل سبعة "فضيلة" يصح فيها وفيما عطف عليها الجر بدلا من أوقات والرفع بدلا من أربعة "أوله واختيار إلى مصير الظل مثلين" غير ظل الاستواء "ثم جواز" بلا كراهة "إلى الاصفرار ثم كراهة إلى آخره" أي إلى بقاء ما يسعها ووقت عذر ووقت ضرورة ووقت حرمة. "وأول" وقت "المغرب بالغروب" إجماعًا "ويبقى حتى يغيب الشفق الأحمر" كما في خبر مسلم٢، وخرج بالأحمر ما بعده من الأصفر ثم الأبيض ولها وقت فضيلة وحرمة وضرورة وعذر واختيار وهو وقت الفضيلة. "وهو" يعني غيبوبة الشفق الأحمر "أول وقت العشاء" للإجماع على دخوله بالشفق والأحمر هو المتبادر منه. "ولها ثلاثة أوقات" بل سبعة كالعصر "وقت فضيلة أوله ثم وقت اختيار إلى ثلث الليل" الأول "ثم وقت جواز" بلا كراهة إلى الفجر الكاذب ثم بكراهة إلى بقاء ما يسعها ثم وقت حرمة "إلى الفجر الصادق" ولها وقت ضرورة ووقت عذر "وهو" أي الفجر الصادق "المنتشر ضوؤه معترضًا بالأفق" أي نواحي السماء وقبله يطلع الكاذب مستطيلا ثم يذهب وتعقبه ظلمة "وهو" أي الفجر الصادق "أول وقت الصبح" لخبر مسلم" "وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس"٣، "ولها أربعة أوقات" بل ستة "وقت فضيلة أوله ثم اختيار إلى الإسفار ثم جواز" بلا كراهة "إلى الحمرة ثم كراهة" إلى أن يبقى ما يسعها ثم حرمة ولها وقت ضرورة. "ويكره تسمية المغرب عشاء والعشاء عتمة" للنهي الصحيح عنها. "ويكره النوم قبلها" ولو قبل دخول وقتها على الأوجه خشية الفوات وكالعشاء في هذه غيرها، نعم يحرم النوم الذي لم يغلب حيث توهم الفوات بعد دخول الوقت وكذا قبله على ما اعتمده كثيرون
стр. 72
بالبلد الحار لمن يصلي جماعة في موضع بعيد إلى حصول الظل، ولمن تيقن السترة آخر الوقت، ولمن تيقن الجماعة آخره، وكذا لو ظنها ولم يفحش التأخير، وللغيم حتى يتيقن الوقت أو يخاف الفوات، ومن صلى ركعة في الوقت فهي أداء أو دونها فقضاء، ويحرم تأخيرها إلى أن يقع بعضها خارجه.
ــ
وإقامة "حين دخل الوقت" أي عقب دخوله فلا يشترط تقدمها عليه بل لو أخر من هو متلبس بها بقدرها لم تفته الفضيلة على ما في الذخائر١ ولا يكلف العجلة على غير العادة بل يعتبر في حق كل أحد الوسط المعتدل من فعل نفسه ولا يضر التأخير لعذر آخر كخروج من محل تركه الصلاة فيه وسيأتي وكقليل أكل وكلام عرفًا، والحاصل أن كل تأخير فيه تحصيل كمال خلا عنه التقديم يكون أفضل. "و" من ذلك أنه "يسن التأخير عن أول الوقت للإبراد بالظهر لا الجمعة" وإنما يسن بشروط كونه "في الحر" الشديد وكونه "بالبلد الحار" وكونه "لمن يصلي جماعة" وكونها تقام "في موضع" مسجد أو غيره وكونهم يقصدون الذهاب إلى محل "بعيد" بأن يكون في مجيئه مشقة تذهب الخشوع أو كماله وكونهم يمشون إليها في الشمس لما صح من قوله ﷺ : "إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم" ٢ أي غليانها وانتشار لهبها دل بفحواه على أنه لا بد من الشروط المذكورة، فلا يسن الإبراد في غير شدة الحر ولو بقطر حار ولا في قطر بارد أو معتدل وإن اتفق فيه شدة حر ولا لمن يصلي منفردًا أو جماعة ببيت أو بمحل حضرة جماعة لا يأتيهم غيرهم أو يأتيهم من قرب أو من بعد لكن يجد ظلا يمشي فيه إذ ليس في ذلك كثير مشقة، وإذا سن الإبراد سن التأخير "إلى حصول الظل" الذي يقي غالب الجماعة من الشمس وغايته نصف الوقت. "و" منه أن يسن التأخير أيضًا "لمن" أي لعار "تيقن السترة آخر الوقت" لأن الصلاة بها أفضل "ولمن تيقن الجماعة آخره" أي بحيث يبقى ما يسعها لذلك. "وكذا لو ظنها ولو يفحش التأخير" عرفًا لذلك أيضًا فإن انتفى ما ذكر فالتقديم أفضل. "و" أن يسن أيضًا "للغيم" ونحوه مما يمنع العلم بدخول الوقت "حتى يتيقن الوقت" أي دخوله بأن تطلع الشمس مثلا فيراها أو يخبره بها ثقة. "أو" حتى يخاف الفوات "للصلاة. ومن صلى ركعة" من الصلاة "في الوقت فهي" أي الصلاة كلها "أداء أو" صلى "دونها فقضاء" لما صح من قوله ﷺ : "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" ٣
стр. 73
فصل: "في مواقيت الصلاة "
...
والحديث بعدها إلا في خير أو حاجة.
وأفضل الأعمال الصلاة أول الوقت، ويحصل ذلك بأن يشتغل بأسباب الصلاة حين دخل الوقت، ويسن التأخير عن أول الوقت للإبراد بالظهر لا الجمعة في الحر
ــ
لكن خالف في السبكي وغيره. "و" يكره "الحديث" وسائر الصنائع "بعدها" أي بعد فعلها ولو مجموعة جمع تقديم على ما زعمه ابن العماد١ خشية الفوات أيضًا "إلا في خير" كمذاكرة علم شرعي أو آلة له وإيناس ضيف وملاطفة زوجة. "أو حاجة" كمراجعة حساب لأن ذلك خير أو عذر ناجز فلا يترك لمفسدة متوهمة، وقد ورد: "كان النبي ﷺ يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل"٢. "وأفضل الأعمال" البدنية بعد الإسلام "الصلاة" ففرضها أفضل الفرائض ونفلها أفضل النوافل للأدلة الكثيرة في ذلك، وقيل الحج وقيل الطواف وقيل غير ذلك، وأفضل أحوال الصلاة المؤقتة من حيث الوقت مع عدم العذر أن توقع" أول الوقت" ولو عشاء لأن ذلك من المحافظة عليها المأمور بها في آية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ ، ولما صح أنه ﷺ سئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة لأول وقتها" ٣، ومن أنه كان يصلي العشاء لسقوط القمر ليلة ثالثة٤، ومن أن نساء المؤمنين كن ينقلبن بعد صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ ولا يعرفهن أحد من الغلس٥ فخبر: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" ٦، وخبر: "كان رسول الله ﷺ يحب أن يؤخر العشاء"٧ معارضان بذلك. "ويحصل ذلك" الفضل الذي في مقابلة التعجيل "بأن يشتغل" أول الوقت "بأسباب الصلاة" كطهر وستر وأذان
стр. 74
فصل: "في الاجتهاد في الوقت "
ومن جهل الوقت أخذ بخبر ثقة عن علم، أو أذان مؤذن واحد، أو صياح ديك مجرب فإن لم يجد اجتهد بقراءة أو حرفة أو نحو ذلك، ويتخير الأعمى بين تقليد ثقة والاجتهاد، فإن تيقن صلاته قبل الوقت قضاها، ويستحب المبادرة بقضاء الفائتة، وتقديمها على الحاضرة التي لا يخاف فوتها وإن خاف فوات الجماعة فيها، ويجب المبادرة بقضاء الفائتة إن فاتته بغير عذر.
ــ
أي مؤداة واختصت الركعة بذلك لاشتمالها على معظم أفعال الصلاة إذ معظم الباقي كالتكرار لها، فجعل ما بعد الوقت تابعًا لها بخلاف ما دونها، وثواب القضاء دون ثواب الأداء لا سيما إن عصي بالتأخير. "ويحرم تأخيرها إلى أن يقع بعضها" أي الصلاة ولو التسليمة الأولى "خارجة" أي الوقت وإن وقعت أداء نعم إن شرع فيها وقد بقي من وقتها ما يسعها ولم تكن جمعة فطولها بالقراءة ونحوها حتى خرج جاز له ذلك وإن لم يوقع ركعة منها في الوقت لأنه استغرقه بالعبادة.
فصل: في الاجتهاد في الوقت
"من جهل الوقت" لنحو غيم أو حبس ببيت مظلم "أخذ" وجوبًا "بخبر ثقة" ولو عدل رواية "يخبر عن علم" أي مشاهدة، وكإخباره أذان الثقة العارف بالمواقيت في الصحو فيمتنع معهما الاجتهاد لوجود النص، فإن فقد جاز له الاجتهاد وجاز له الأخذ إما بأذان مؤذنين كثروا وغلب على الظن إصابتهم "أو أذان مؤذن واحد" عدل عارف بالمواقيت في يوم غيم إذ لا يؤذن عادة إلا في الوقت "أو صياح ديك مجرب" بالإصابة للوقت أو بحسابه إن كان عارفًا به لغلبة الظن بجميع ذلك "فإن لم يجد" ما ذكر "اجتهد" وجوبًا "بقراءة أو حرفة" كخياطة "أو نحو ذلك" من كل ما يظن به دوله كورد، ويجوز الاجتهاد لمن لو صبر تيقن بل حتى للقادر على اليقين حالًا بنحو الخروج من بيت مظلم لرؤية الشمس لأن في الخروج إلى رؤيتها نوع مشقة وبه فارق ما مر في الخبر عن علم. "ويتخير الأعمى بين تقليد ثقة" عارف "والاجتهاد" لعجزه في الجملة وإنما امتنع عليه التقليد في الأواني عند عدم التحير لأن الاجتهاد هنا يستدعي أعمالًا مستغرقة للوقت ففيه مشقة ظاهرة بخلافه، ثم أما البصير القادر على الاجتهاد فلا يقلد مجتهدًا مثله، وإذا تحرى وصلى فإن لم يبن له الحال فلا شيء عليه لمضي صلاته على الصحة ظاهرًا وإن بان الحال ولو بخبر عدل رواية عن علم "فإن تيقن صلاته" وقعت "قبل الوقت قضاها" وجوبًا لوقوعها في غير وقتها سواء أعلم في الوقت أم بعده، وإن علم وقوعها فيه أو بعده فلا قضاء ولا إثم، أما إذا لم يجتهد وصلى فإنه يعيد وإن بان وقوعها في الوقت لتقصيره. "ويستحب المبادرة بقضاء الفائتة" بعذر كنوم أو نسيان تعجيلا لبراءة الذمة
стр. 75
فصل: "في الصلاة المحرمة من حيث الوقت "
تحرم الصلاة في غير حرم مكة وقت طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح، ووقت الاستواء إلا يوم الجمعة حتى تزول، ووقت الاصفرار حتى تغرب، وبعد صلاة الصبح حتى تطلع، وبعد صلاة العصر حتى تغرب، ولا يحرم ما له سبب غير متأخر عنها كفائتة
ــ
وللأمر بذلك في خبر الصحيحين١. "و" يستحب "تقديمها على الحاضرة التي لا يخاف فوتها وإن خاف فوات الجماعة فيها" أي الحاضرة على المعتمد خروجًا من خلاف من أوجب ذلك، ولا نظر لكون أحمد يوجب الجماعة عينًا لأنها عنده ليست شرطًا للصحة على الأصح بخلاف الترتيب عند من اشترطه فكانت رعاية خلافه أولى، أما إذا خاف فوتها ولو بخروج جزء منها عن الوقت فإنه يلزمه تقديم الحاضرة لحرمة إخراج بعضها عن الوقت. "ويجب المبادرة بقضاء الفائتة إن فاتته بغير عذر" تغليظًا عليه، ويجب عليه أيضًا أن يصرف لها سائر زمنه إلا ما يضطر لصرفه في تحصيل مؤنته ومؤنة من تلزمه مؤنته، ولا يجوز له أن ينتفل حتى تفرغ ذمته من جميع الفوائت التي تعدى بإخراجها عن وقتها.
فصل: في الصلاة المحرمة من حيث الوقت
"تحرم الصلاة" التي لا سبب لها أو لها سبب متأخر ولا تنعقد في "غير حرم مكة" في خمسة أوقات ثلاثة منها تتعلق بالزمان من غير نظر لمن صلى ولمن لم يصل واثنان يتعلقان بفعل صاحبة الوقت، فمن فعلها حرم عليه الصلاة الآتية ومن لا فلا ونعني بالثلاثة "وقت طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح" تقريبًا فيما يظهر لنا وإلا فالمسافة طويلة. "ووقت الاستواء إلا يوم الجمعة حتى تزول" ووقته وإن ضاق جدًا لكنه يسع التحرم. "ووقت الاصفرار" للشمس "حتى تغرب و" نعني بالاثنين "بعد" فعل "صلاة الصبح" لمن صلاها "حتى تطلع" الشمس "وبعد" فعل "صلاة العصر" ولو مجموعة في وقت الظهر "حتى تغرب" لما صح من النهي عن الصلاة في الأوقات الخمسة ومن استثناء حرم مكة بقوله ﷺ : "يا بني عبد