فصل: "في الكفن "
وأقل الكفن ثوب ساتر للعورة، ويسن للرجل ثلاث لفائف وللمرأة خمسة: إزار ثم
ــ
ولم يصل الماء إلى أصوله إلا بها وجبت إزالته، أما المحرم إذا مات قبل تحلله الأول فيجب أن يبقى أثر إحرامه فلا يجوز أن يفعل به شيء مما يحرم على المحرم بخلاف المعتدة عن وفاة لأن تحريم نحو الطيب عليها إنما كان للتفجع وقد زال بالموت. "والأولى بغسل الرجل الرجال" فيقدمون حتى على الزوجة وأولاهم به أولاهم بالصلاة عليه، نعم الأفقه هنا أولى من الأسن، والأولى بعد الرجال الأقارب الرجال الأجانب ثم الزوجة وإن نكحت غيره ثم النساء المحارم.
"و" الأولى "بالمرأة" أن يغسلها "النساء" لكن الأولى منهن ذات المحرمية وهي من لو فرضت ذكرًا حرم تناكحهما، وتقدم نحو العمة على نحو الخالة فإن لم تكن ذات محرمية قدمت القربى فالقربى ثم ذات الولاء ثم محارم الرضاع ثم محارم المصاهرة ثم الأجنبيات، والحائض كغيرها إذ لا كراهة في تغسيلها ثم بعد النساء الزوج وإن نكح أختها أو أربعًا سواها، ويندب أن يتقي المس بخرقة يلفها على يديه ثم رجال المحارم بترتيبهم الآتي في الصلاة، وشرط المقدم الحرية والاتحاد في الدين وعدم القتل المانع للإرث، وعدم العداوة والصبا والفسق، ويغسل السيد أمته ولو مكاتبة وأم ولد حيث لم تكن مزوجة ولا معتدة أو مستبرأة١ ولا مشتركة٢ ولا مبعضة٣ وإلا امتنع عليه تغسيلها، وليس لأمة تغسيل سيدها لانتقال ملكه عنها، ولكن من الرجال والنساء تغسيل صغير وصغيرة لم يبلغا حد الشهوة، وتغسيل الخنثى الذي لا محرم له للحاجة ولضعف الشهوة بالموت وبه فارق حرمة نظر الفريقين له وهو حي. "وحيث تعذر غسله" بأن أدى إلى تهريه يمم وجوبًا بخلاف ما إذا أدى إلى إسراع فساده بعد الدفن فإنه يغسل. "أو لم يحضر" في المرأة "إلا" رجل "أجنبي أو" في الرجل إلا امرأة "أجنبية يمم" وجوبًا أيضًا لحرمة النظر حينئذ إلى شيء من بدن الميت.
فصل: في الكفن
"وأقل الكفن" الواجب "ثوب" لحصول الستر به، فلا يكفي ما يصف البشرة مع وجود غيره لا في الرجل ولا في المرأة، ويجب كونه مما يباح له لبسه في الحياة كالحرير للمرأة وغير المكلف بخلافه للبالغ، ولا يكتفي بالطين هنا عند وجود غيره ولو حشيشًا لما فيه من
стр. 212
قميص ثم خمار ثم لفافتان والبياض والمغسول والقطن أفضل، ويبخر بعود، والأفضل أن
ــ
الإزراء بالميت، ولا يجوز التكفين في متنجس بما لا يعفى عنه عند وجود طاهر غير حرير ونحوه، أما الطاهر الحرير ونحوه فيقدم عليه المتنجس، ولو تعذر الثوب وجب الحشيش ثم الطين ويكفي بالنسبة لحق الله تعالى ثوب "ساتر للعورة" فقط وهو في الذكر ما بين السرة والركبة، وفي المرأة ولو أمة والخنثى غير الوجه والكفين، أما بالنسبة لحق الميت فيجب ثوب يعم به جميع البدن لا رأس المحرم ووجه المحرمة تكريمًا له وسترًا لما يعرض من التغير، فالحاصل أن من خلف مالا وسترت عورته ولم يوص بترك الزائد سقط الحرج عن الأمة ويقي حرج ترك الزائد على الورثة، بخلاف ما إذا انتفى ذلك، ومن ثم جاز للميت منع الزائد بأن يوصي بستر عورته فقط لأنه حقه، وليس له الإيصاء بترك التكفين من أصله لأنه حق الله تعالى، ولغريم استغرق دينه التركة منع الزائد على الأقل وإن رضي به الورثة لأنه أحوج إلى براءة ذمته من التجمل، ومن ثم لم يكن للوارث المنع من ثلاث لفائف لأن المنفعة تعود له لا للميت وله المنع من الزائد على ثلاثة ولو في المرأة.
"ويسن للرجل ثلاث لفائف" يستر كل منها جميع البدن لما صح أنه ﷺ كفن فيها١، وكالرجل غيره إذا كفن في ثلاثة فالأفضل أن تكون لفائف. "و" يسن "للمرأة" والخنثى "خمسة: إزار" يشد عليها وهو ما يستر العورة "ثم" بعد شد الإزار يندب "قميص" يجعل فوقه "ثم" بعد لبس القميص يندب "خمار" يغطي به الرأس "ثم" بعد ذلك يندب "لفافتان" تلف فيهما للاتباع٢ في الأنثى وقيس بها الخنثى احتياطًا للستر. "والبياض" أفضل من غيره لما صح من الأمر به٣، "والمغسول" أفضل من الجديد لأن مآله للبلى، والمراد بإحسان الكفن في خبر مسلم٤ بياضه
стр. 213
يحمل الجنازة خمسة، والمشي قدامها بقربها، والإسراع بها، ويكره اللغط فيها، واتباعها بنار واتباع النساء.
ــ
ونظافته وسبوغه١ وكثافته لا ارتفاعه إذ تكره المبالغة فيه للنهي عنه٢، نعم إن كان الوارث محجورًا عليه أو غائبًا حرمت المغالاة فيه من التركة. "و" الثوب "القطن أفضل" من غيره كما قاله البغوي لأن كفنه ﷺ كان كذلك٣. "ويبخر" ندبًا الكفن لغير المحرم، ويندب أن يبخر ثلاثًا وأن يكون التبخير "بعود" وأن يكون العود غير مطيب بالمسك ثم بعد تبخيره تبسط أحسن اللفائف وأوسعها ويذر عليه حنوط ويبسط فوقه الثاني ويذر عليه الحنوط ثم الثالث كذلك لئلا يسرع بلاها من بلل يصيبها، ثم يوضع الميت على الثالث برفق مستلقيًا على قفاه، ثم يلصق بجميع منافذه مواضع السجود منه قطن حليج٤ مع كافور وحنوط دفعًا للهوام عن ذلك٥ ويدس القطن بين أليتيه ويكره إدخاله باطنه إلا لعله يخالف خروج شيء بسببها، ثم يلف عليه الثوب الذي يليه فيضم منه شقه الأيسر على شقه الأيمن ثم الأيمن على الأيسر ثم يلف الثاني كذلك ثم الثالث كذلك ثم تربط الأكفان ثم تحل في القبر، والتكفين يجب على من كان عليه نفقته حيًا كزوجته غير الناشزة والصغيرة وخادمتها وإن كانت موسرة رجعية أو بائنًا حاملًا، نعم يجب على الأب تجهيز ولده الكبير، وعلى السيد تجهيز مكاتبه وإن لم يلزمهما نفقتهما حيين، وليس على الولد تجهيز زوجة أبيه وإن لزمه نفقتها حية وإنما يجب عليه تكفين الغير بثوب يعم فقط، نعم تحرم الزيادة عليه إن كفن من بيت المال أو مما وقف للتكفين.
واعلم أن حمل الجنازة من وظيفة الرجال ولا دناءة فيه، ويحرم بهيئة مزرية كحمله في غرارة٦ أو قفة أو بهيئة يخشى سقوطه منها، والحمل بين العمودين أفضل من التربيع٧ إن أريد الاقتصار على أحدهما، وكيفية الأول٨ أن يحمله ثلاثة يضع أحدهم الخشبتين المقدمتين على عاتقيه ويأخذ اثنان بالمؤخرتين. "والأفضل أن يحمل الجنازة" عند عجز
стр. 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المتقدم عن حمل المقدمتين كما ذكر "خمسة" بأن يعينه اثنان فيضع كل واحد منهما واحدة من المقدمتين على عاتقه والثلاثة الباقون على الكيفية السابقة فحاملوها بلا عجز ثلاثة وبه خمسة فإن عجزوا فسبعة أو تسعة أو أكثر أوتار بحسب الحاجة، والتربيع أن يحمله أربعة كل واحد بعمود فإن عجزوا فستة أو ثمانية أو أكثر أشفاعًا بحسب الحاجة، ويكره الاقتصار على واحد أو اثنين إلا في الطفل، والجمع بين الكيفيتين بأن يحمل تارة بالهيئة الأولى وتارة بالهيئة الثانية أفضل من الاقتصار على إحداهما. "و" يندب لكل مشيع قادر "المشي" للاتباع١ ويكره لغير المعذور بنحو مرض ركوبه في ذهابه معها دون رجوعه، ويندب حتى للراكب المشي "قدامها" وكونه "بقربها" بحيث يراها إن التفت للاتباع "و" يندب "الإسراع بها" بين المشي المعتاد والخبب٢ إن لم يضره لما صح من الأمر به٣ ولو خيف عليه تغير زيد في الإسراع ويندب ستر المرأة بشيء كالخيمة، ويتأكد تشييع الجنازة للرجال، ويندب مكثهم إلى أن يدفن. "ويكره اللغط فيها" بالتحدث في أمور الدنيا بل السنة الفكر في الموت وما بعده. ويكره القيام لمن مرت به ولم يرد الذهاب معها والأمر به٤ منسوخ٥. "و" يكره "اتباعها بنار" ولو في مجمرة وأن يحمي عند القبر. "و" يكره "اتباع النساء" للجنازة إن لم يتضمن حرامًا وإلا حرم، وعليه يحمل ما ورد مما يدل على التحريم.
стр. 215
فصل: "في أركان الصلاة على الميت وما يتلعق بها "
...
فصل: "في أركان الصلاة على الميت وما يتعلق بها"
أركان صلاة الميت سبعة: الأول: النية كغيرها.
الثاني: أربع تكبيرات.
الثالث: قراءة الفاتحة.
الرابع: القيام للقادر.
الخامس: الصلاة على النبي ﷺ بعد الثانية.
السادس: الدعاء للميت بعد الثالثة.
ــ
فصل: في أركان الصلاة على الميت وما يتعلق بها
"أركان صلاة الميت سبعة. الأول: النية كغيرها" فيجب فيها ما يجب في نية سائر الفروض، فمن ذلك النية بالتكبيرة الأولى والتعرض للفرضية وإن لم يقل فرض كفاية، وعلى المأموم نية الاقتداء أو نحوه، ولا يجب تعيين الميت ولا معرفته بل الواجب أدنى تمييز كقصد من صلى عليه الإمام.
"الثاني" من الأركان: "أربع تكبيرات" منها تكبيرة الإحرام للاتباع١ ولا يضر الزيادة عليها سواء الخمس وما فوقها.
"الثالث: قراءة الفاتحة" لعموم خبر: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"٢ ولا تتعين في الأولى كما أفهمه كلام المصنف بل تجزئ في الثانية أو غيرها على تناقض فيه.
"الرابع: القيام للقادر" عليه بخلاف العاجز عنه فيقعد ثم يضطجع ثم يستلقي كما في سائر الصلوات المفروضة.
"الخامس: الصلاة على النبي ﷺ بعد" التكبيرة "الثانية" لفعل السلف والخلف.
"السادس: الدعاء للميت" بخصوصه ولو طفلا فيما يظهر كـ:"اللهم اغفر له" أو "اللهم ارحمه" أو نحو ذلك "بعد" التكبيرة "الثالثة" لفعل من ذكر ولما صح من قوله ﷺ : "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" ٣.
стр. 216
السابع: السلام.
ويسن رفع يديه في التكبيرات، والإسرار والتعوذ دون الاستفتاح ويشترط فيها شروط الصلاة، ويصلي على الغائب والمدفون من كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم الموت إلا على النبي ﷺ ، وأولى الناس بالصلاة عليه عصباته، ثم ذوو الأرحام. ولا
ــ
"السابع السلام" كغيرها في جميع ما مر في صفة الصلاة، ويجب أن يكون بعد الرابعة ولا يجب فيها ذكر لكن يسن تطويل الدعاء فيها. "ويسن رفع يديه" حذو منكبيه "في" كل من "التكبيرات" ووضع يديه بين كل تكبيرتين تحت صدره "والإسرار" للقراءة ولو ليلا لما صح عن أبي أمامة ﵁ أن ذلك من السنة١ "والتعوذ" للفاتحة لأنه من سننها ولا تطويل فيه "دون الاستفتاح" والسورة وإن صلى على غائب؛ لأن مبناها على التخفيف ما أمكن. "ويشترط فيها شروط الصلاة" لأنها صلاة، ويشترط أيضًا تقدم غسل الميت أو تيممه بشرطه لا تكفينه لكن تكره الصلاة عليه قبل التكفين "ويصلي" جوازًا من يأتي "على الغائب" من عمارة البلد أو سورها. "و" على "المدفون" في البلد لما صح أنه ﷺ صلى على النجاشي بالمدينة يوم موته بالحبشة فخرج بهم إلى المصلى وصف بهم وكبر أربع تكبيرات وذلك في رجب سنة تسع، وأنه صلى على القبر. وإنما يصلي على من ذكر "من كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم الموت" أي وقته لأن غيره متنفل وهذه لا يتنفل بها فتمتنع على الكافر والحائض وقت الموت وعلى من بلغ أو أفاق بعده وقبل الغسل "إلا النبي ﷺ " فلا تجوز الصلاة على قبره كسائر قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام للعنه ﷺ اليهود والنصارى لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد٢ ولأنا لم نكن أهلًا للفرض وقت موتهم. "وأولى الناس بالصلاة عليه" أي الميت "عصباته" لأنهم أقرب وأشفق فيكون دعاؤهم أقرب للإجابة، ويقدم منهم الأقرب كالأب ثم أبيه وإن علا لأن الأصول أشفق ثم الابن ثم ابنه وإن سفل ثم الأخ الشقيق ثم لأب ثم ابن الأخ الشقيق ثم ابن الأخ لأب ثم عم ثم ابن العم كذلك وهكذا، ولو اجتمع ابنا عم أحدهما أخ لأم قدم لترجحه بقرابة الأم وإن لم يكن لها دخل هنا. "ثم ذوو الأرحام" الأقرب فالأقرب فيقدم
стр. 217
يغسل الشهيد، ولا يصلى عليه وهو من مات في قتال الكفار بسببه، ولا على السقط إلا إذا ظهرت أمارات الحياة كالاختلاج، ويغسل إن بلغ أربعة أشهر.
ــ
أبو الأم ثم بنو البنات على ما في الذخائر١ ثم الأخ للأم ثم الخال ثم العم للأم، ولا حق هنا للوالي ولا لإمام المسجد وكذا لا حق للزوج أو السيد إن وجد أحد من الأقارب وإلا قدم على الأجانب، ولا لامرأة مع ذكر وإلا قدمت بترتيب الذكر السابق، ولا لقاتل وعدو ونحو صبي، ولو استوى اثنان في درجة قدم العدل الأسن في الإسلام على أفقه منه بخلاف ما مر في سائر الصلوات لأن الغرض هنا الدعاء ودعا الأسن أقرب إلى الإجابة، ويقدم العدل الحر الأبعد على القن الأقرب والأفقه والأسن لأنه أليق بالإمامة لأنها ولاية فإن استووا في جميع ما ذكر وغيره كنظافة الثوب والبدن وتشاحوا٢ قدم واحد بقرعة، ولو أوصى الميت بالصلاة لغير المقدم وإن كان صالحا لغا٣ لأنها حق القريب كالإرث.
"ولا يغسل الشهيد" ولو حائضًا مثلا "ولا يصلى عليه" أي يحرم غسله والصلاة عليه لما صح: "أنه ﷺ أمر في قتلى أحد بدفنهم بثيابهم ولو يغسلهم ولم يصل عليهم"٤ وحكمة ذلك إبقاء أثر الشهادة عليهم والتعظيم لهم باستغنائهم عن دعاء غيرهم. "وهو" أي الشهيد الذي لا يغسل ولا يصلى عليه "من مات في قتال الكفار" أو كافر واحد ولم يبق فيه حياة مستقرة "بسببه" ولو برمح٥ دابة لنا أو لهم أو سلاحه أو سلاح مسلم آخر خطأ أو تردى بوهدة٦ أو جبل أو جُهِلَ ما مات به وإن لم يكن به أثر دم لأن الظاهر أن موته بسبب القتال، بخلاف ما لو مات بغير سببه أو جرح فيه ومات به وبقي بعد انقضائه حياة مستقرة فإنه ليس له حكم السبب فيما ذكر وإن قطع بموته بعد، كمن مات فجأة فيه أو بمرض أو قتله أهل البغي أو اغتاله مسلم مطلقًا أو كافر في غير قتال، ويجب أن يزال عنه نجس غير دم وإن حصل بسبب الشهادة ودم حصل بغير سببها وإن أدت إزالة ذلك إلى إزالة دمها لأنه ليس من أثر العبادة، ويندب أن ينزع عنه آلة الحرب ونحوها، وأن يكفن في ثيابه الملطخة بالدم. "ولا" يصلى "على السقط" أي تحرم الصلاة عليه "إلا إذا ظهرت أمارات الحياة" بصياح أو غيره "كالاختلاج" بعد انفصاله فيجب حينئذ غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه لتيقن حياته أو ظهور أماراتها، وصح: "إذا استهل الصبي ورث وصلي عليه" ٧. "ويغسل" ويكفن ويدفن وجوبًا.
стр. 218
فصل: "في الدفن "
وأقل الدفن حفرة تكتم رائحته وتحرسه من السباع، وأكمله قامة وبسطة وذلك أربعة أذرع ونصف، ويحرم نبشه قبل بلاء إلا لضرورة.
ــ
"إن بلغ أربعة أشهر" أي مائة وعشرين يومًا حد نفخ الروح فيه ولم تظهر فيه أمارة حياة، ولا تجوز الصلاة عليه لأن نحو الغسل أوسع بابًا منها إذ الذمي يفعل به ما ذكر إلا الصلاة، أما إذا لم يبلغ الأربعة فلا يجب فيه شيء من ذلك لكن يندب أو يوارى بخرقة وأن يدفن.
فصل: في الدفن
ويجب تقديم الصلاة عليه. "وأقل الدفن حفرة تكتم رائحته وتحرسه من السباع" لأن حكمة الدفن صونه عن انتهاك جسمه وانتشار رائحته المستلزم للتأذي بها واستقذار جيفته، فاشترطت حفرة تمنعهما، ومن ثم لم تكف الفساقي١ وإن منعت الوحش لأنها لا تكتم الريح، وخرج بالحفرة ما لو وضع على وجه الأرض وبني عليه ما يمنعهما٢ فإنه لا يكفي إلا إن تعذر الحفر كما لو مات بسفينة والساحل بعيد أو به مانع فيجب غسله وتكفينه والصلاة عليه، ثم يجعل بين لوحين ثم يلقى في البحر، ويجوز أن يثقل لينزل إلى القرار. "وأكمله" قبر واسع لما صح من أمره ﷺ بذلك٣ وضابط ارتفاعه الأكمل "قامة وبسطة" أي قدرهما من معتدل الخلقة "وذلك أربعة أذرع ونصف" بذراع اليد وهي نحو ثلاثة أذرع ونصف بالذراع المعتدل المعهود. "ويحرم نبشه" أي القبر "قبل بلاء" الميت لإدخال ميت آخر أو لغير ذلك احترامًا لصاحبه "إلا لضرورة" كأن دفن بلا طهارة أو لغير القبلة أو في ثوب مغصوب أو أرض مغصوبة أو سقط في القبر متمول٤ فيجب النبش لحصول الستر المقصود من الكفن وحرمة الحرير لحق الله تعالى، ولو ابتلع مال غيره وجب النبش وشق جوفه إن طلب المالك، وكذا يجب شق جوف من ماتت وفيه٥ جنين وجبت حياته، وينبش أيضًا إن لحقه بعد الدفن نحو نداوة أو سيل أو دفن كافر بالحرم أو احتيج لمشاهدته للتعليق على صفة فيه أو لكون القائف٦ يلحقه بأحد المتنازعين فيه.
стр. 219
باب كتاب الزكاة
مدخل
...
كتاب: الزكاة
لا تجب الزكاة إلا على الحر المسلم غير الجنين وذلك في أنواع: الأول النعم، ففي كل خمس من الإبل إلى عشرين شاة جذعة، أو جذع ضأن له سنة، أو ثنية معزٍ أو
ــ
كتاب: الزكاة
وهي لغة: التطهير والإصلاح والنماء والمدح، وشرعًا: اسم لما يخرج عن مال أو بدن على وجه مخصوص وهي أحد أركان الإسلام، ومن ثم يكفر جاحدها على الإطلاق أو في القدر المجمع عليه، ويقاتل الممتنع من أدائها وتؤخذ منه وإن لم يقاتل قهرًا.
"لا تجب الزكاة إلا على الحر" ولو مبعضًا ملك ببعضه الحر نصابًا بخلاف الرقيق لأنه لا يملك وإن ملكه سيده ولا زكاة على مكاتب لضعف ملكه ولا على سيده لأنه ليس مالكًا له "المسلم" ولو غير مكلف كالصبي والمجنون للخبر الصحيح فرضها على المسلمين والمراد بلزومها لغير المكلف أنها تلزم في ماله حتى يلزم الولي الذي يعتقد وجوبها في مال المولي إخراجها من ماله، أما الكافر فلا يلزمه إخراجها ولو بعد الإسلام، لكنه إذا مات على كفره طولب بها في الآخرة وعوقب عليها كسائر الواجبات، ويوقف الأمر في مال المرتد، فإن مات مرتدًا بان أن لا مال له من حينها وإلا أخرج الواجب في الردة وقبلها. "غير الجنين" فلا زكاة في المال الموقوف١ لأنه لا ثقة بوجوده فضلا عن حياته، ويشترط أيضًا كون المالك معينًا، فلا زكاة في ريع موقوف على نحو الفقراء والمساجد كما يأتي لعدم تعين المالك، بخلاف الموقوف على معين واحد أو جماعة، وتجب على من ذكر بالشروط الآتية وإن كان عليه ديون بقدر ما في يده أو أكثر. "وذلك" أي وجب الزكاة "في أنواع" خمسة أو ستة لأنها إما زكاة بدن وهي زكاة الفطر، وإما زكاة مال وهي إما متعلقة بالعين وهي زكاة النعم والمعشرات والنقدين والركاز٢ والمعدن، وإما متعلقة بالقيمة وهي زكاة التجارة.
"الأول: النعم" وهي الإبل والبقر والغنم الإنسية فلا يجب في غيرها حتى المتولد منها ومن غيرها بخلاف المتولد بينها كالمتولد بين الإبل والبقر فالواجب فيه زكاة أخف أبويه، ولوجوبها شروط منها النصاب. "ففي كل خمس من الإبل إلى عشرين" منها "شاة" والمراد بها "جذعة أو جذع ضأن له سنة" أو أجذع قبل تمامها "أو ثنية معز أو ثني له سنتان" كاملتان وإنما أجزأ الذكر هنا لصدق اسم الشاة به في الخبر٣ إذ تاؤها للوحدة لا للتأنيث، وشرط الشاة هنا
стр. 220
ثني له سنتان، وفي خمس وعشرين بنت مخاص لها سنة، أو ابن لبون له سنتان إن فقدها، وفي ست وثلاثين بنت لبون لها سنتان، وفي ست وأربعين حقة لها ثلاث، وفي إحدى وستين جذعة لها أربع، وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان، وفي مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، وفي مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون، ثم في كل أربعون بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ومن فقد واجبة صعد إلى أعلى منه، وأخذ شاتين كالأضحية، أو عشرين درهمًا إسلامية، أو نزل إلى أسفل منه وأعطى بخيرته شاتين أو عشرين درهمًا.
ــ
أن تكون من غنم البلد أو مثلها أو أعلى منها قيمة وأن تكون صحيحة وإن كانت إبله مراضًا، وعلم من كلامه أنه يجب في العشر شاتان وفي الخمسة عشر ثلاث شياه وفي العشرين أربع. "وفي خمس وعشرين بنت مخاض" وهي ما "لها سنة" كاملة سميت بذلك لأن أمها آن لها أن تحمل مرة أخرى فتصير من المخاض أي الحوامل وتجزئ في أقل من خمس وعشرين وإن زادت قيمة الشياه عليها "أو ابن لبون" ولو خنثى وهو ما "له سنتان" وإنما يجزئ "إن فقدها" أي بنت المخاض بأن لم يملكها أو ملكها معيبة أو مغصوبة وعجز عن تخليصها أو مرهونة بمؤجل، ولا فرق بين أن تساوي قيمة ابن اللبون قيمة بنت المخاض أو لا، ولا يكلف تحصيلها بشراء أو غيره، ويجزئ ما فوق ابن اللبون كالحق بالأولى لا ابن المخاض لأنه لا جابر فيه بخلاف ابن اللبون وما فوقه لأن فضل السن يجبر فضل الأنوثة، ولو كانت عنده بنت مخاض كريمة لم يجز ابن اللبون لقدرته عليها ولا يكلفها إلا إن كانت إبله كلها كرامًا ولا يكلف عن الحوامل حاملا. "وفي ست وثلاثين" من الإبل "بنت لبون" هي التي تم "لها سنتان" سميت بذلك لأن أمها آن لها أن تضع ثانيًا وتصير ذات لبن "وفي ست وأربعين حقة" وهي التي تم "لها ثلاث" من السنين سميت بذلك لأنها استحقت الركوب أو طروق الفحل. "وفي إحدى وستين جذعة" بالذال المعجمة وهي التي تم "لها أربع" من السنين سميت بذلك لأنها أجذعت مقدم أسنانها أي أسقطته "وفي ست وسبعين بنتا لبون وفي إحدى وتسعين حقتان" وكذا في مائة وعشرين وبعض واحدة. "وفي مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون وفي مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون ثم في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة" والحاصل أن بنات اللبون الثلاث تجب في مائة وإحدى وعشرين وتستمر إلى مائة وثلاثين فيتغير الواجب، فيجب حينئذ في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، ففي المائة والثلاثين ما ذكر، وفي مائة وأربعين بنت لبون وحقتان، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق وهكذا، والأصل في جميع ما مر كتاب أبي بكر الصديق ﵁ الذي كتبه لأنس لما وجهه إلى البحرين على الزكاة١. "ومن فقد واجبه" كأن فقد بنت اللبون وعند ست وثلاثون فإن شاء حصلها وإن شاء "صعد إلى أعلى منه" بدرجة كالحقة "وأخذ" جبرانًا أعني "شاتين كالأضحية" يعني يجزئان
стр. 221
فصل: "في واجب البقر "
وفي ثلاثين من البقر تبيع له سنة أو تبيعة، وفي أربعين مسنة لها سنتان، وفي ستين تبيعان، ثم في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة.
ــ
في الأضحية بأن يكون لكل من الضائنتين سنة، أو لكل من الماعزتين سنتان وتجزئ ضائنة لها سنة وماعزة لها سنتان "أو عشرين درهمًا" نقرة١ خالصة "إسلامية" وهي المراد بالدراهم الشرعية حيث أطلقت، نعم إن لم يجدها أو غلبت المغشوشة أجزأ منها ما يكون فيه من النقرة قدر الواجب، ولا يجوز شاة وعشرة دراهم إلا إن كان الأخذ هو المالك ورضي بذلك والخيرة فيه للمعطي وهي الساعي. "أو نزل إلى أسفل منه" أي من الواجب بدرجة كبنت مخاض في المثال المذكور. "وأعطى بخيرته" جبرانًا أعني "شاتين أو عشرين درهمًا" وإنما كان المدار على خيرة المعطي من المالك أو الساعي لظاهر خبر أنس الذي في البخاري٢ وغيره ومصرفه بيت المال فإن تعذر فمن مالهم٣، وعلى الساعي العمل بالمصلحة لهم في دفعة وأخذه، ولا يجوز أن يصعد درجتين بجبرانهما مع إمكان درجة في تلك الجهة لعدم الحاجة إليهما، بخلاف ما إذا تعذرت الجهة القربى في جهة المخرجة فقط كأن لم يجد من وجبت عليه الحقة إلا بنت مخاض حيث أراد النزول، أو من لزمته بنت اللبون إلا جذعة أراد الصعود، وكذا يقال في حال الصعود بأكثر من درجتين، نعم له صعود درجتين مطلقًا إذا قنع بجبران واحد ولا يصعد له من بإبله عيب لأنه٤ للتفاوت بين السليمتين وهو فوق التفاوت بين المعيبتين.
فصل: في واجب البقر
ولا شيء فيها حتى تبلغ الثلاثين "وفي ثلاثين من البقر تبيع" ذكر وهو ما "له سنة" كاملة سمي تبيعًا لأنه يتبع أمه "أو تبيعة" أنثى وهي بنت سنة كاملة أيضًا وهذا أحد المواضع التي يجزئ فيها الذكر لكن الأنثى أفضل. "وفي أربعين" منها "مسنة" وهي ما "لها سنتان" كاملتان سميت بذلك لتكامل أسنانها وذلك لما صح عن معاذ ﵁ أن النبي ﷺ أمره بذلك لما بعثه إلى اليمن٥. "وفي ستين تبيعان ثم" يختلف الواجب بكل عشر فيجب "في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة" ففي مائة وعشرين ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة وقس على ذلك، وليس هنا ولا في زكاة الغنم صعود ولا نزول بجبران.
стр. 222
فصل: "في زكاة الغنم "
وفي أربعين شاة شاة، إلى مائة وإحدى وعشرين فشاتان، وفي مائتين وواحدة ثلاث، وفي أربعمائة أربع، ثم في كل مائةٍ شاةٌ.
ــ
فصل: في زكاة الغنم
ولا شيء حتى تبلغ أربعين "وفي أربعين شاة شاة" ويستمر ذلك "إلى مائة وإحدى وعشرين فشاتان" فيها وما دونها كمائة وعشرين وبعض شاة فيها شاة واحدة. "وفي مائتين وواحدة" من الشياه "ثلاث" منها "وفي أربعمائة أربع" منها "ثم في كل مائة" من الضأن "شاة" جذعة منه وهي ما لها سنة، ومن المعز شاة ثنية منه وهي ما لها سنتان للخبر الصحيح١ بجميع ما ذكر، ولا يجزئ نوع عن آخر إلا برعاية القيمة.
стр. 223
فصل: "في بعض ما يتعلق بما مر "
ولا يجوز أخذ المعيب من ذلك إلا إذا كانت نعمه معيبة كلها، وكذلك المراض، ولا يجوز أخذ الذكر إلا فيما تقدم وإلا إذا كانت كلها ذكورًا، ولا أخذ الصغير إلا إذا كانت صغارًا، ولو اشترك اثنان من أهل الزكاة في نصاب وجبت عليهما الزكاة.
ــ
فصل: في بعض ما يتعلق بما مر
"ولا يجوز أخذ المعيب من ذلك" أي جميع ما مر وذلك للخبر الصحيح: "ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عور"٢ أي عيب والمراد به هنا عيب المبيع لا الأضحية لأن الزكاة يدخلها التقويم عند التقسيط فلا يعتبر فيها إلا ما يخل بالمالية. "إلا إذا كانت نعمه معيبة كلها" فيؤخذ منها حينئذ معيب ولا يكلف صحيحًا لأن فيه إضرارًا به. "وكذلك المراض" فلا يجوز أخذ المريض إلا إذا كانت نعمه كلها مريضة فيؤخذ منها مريض، ولا يكلف صحيحًا لذلك، ويجب أن يكون ذلك المعيب أو المريض متوسطًا جمعًا بين الحقين "ولا يجوز أخذ الذكر إلا فيما تقدم" في قوله: ففي كل خمس ... إلخ "وإلا إذا كانت كلها ذكورًا" فيخرج ذكرًا
стр. 224
فصل: "في شروط زكاة الماشية "
وشروط وجوب زكاة الماشية مضيٌّ حولٍ كاملٍ متوالٍ في ملكه، إلا في النتاج فيتبع
ــ
منها تسهيلا عليه لبناء الزكاة على التخفيف، لكنه يؤخذ من ست وثلاثين ابن لبون أكثر قيمة من ابن لبون يؤخذ من خمس وعشرين بالقسط لئلا يسوي بين النصابين. "ولا" يجوز "أخذ الصغير إلا إذا كانت" جميعها "صغارًا" بأن كانت في سن لا فرض فيه ويتصور بأن تموت الأمهات وقد تم حولها والنتاج صغار أو ملك نصابًا من صغار المعز وتم لها حول، ولا بد أن يكون المأخوذ من ست وثلاثين بعيرًا فصيلا فوق المأخوذ من خمس وعشرين، ومن ستة وأربعين فوق المأخوذ من ست وثلاثين وعلى هذا القياس، وإنما يجزئ الصغير إن كان من الجنس، وإلا كخمسة أبعرة صغار أخرج عنها شاة فلا يجزئ إلا ما يجزئ في الكبار، ومحل أخذ المعيب وما بعده حيث لم يكن في نعمه كامل وإلا بأن كانت كلها كوامل أو تنوعت إلى سليم ومعيب أو صحيح ومريض، أو ذكور وإناث أو كبير وصغير، والكامل فيها قدر الواجب أو أكثر فيؤخذ الكامل ولا يجزئ غيره، لكن مع اعتبار التقسيط١ بقدر ما في ماشيته من كامل وناقص، ففي أربعين شاة نصفها صحاح وقيمة كل صحيحة ديناران، وكل مريضة دينار يؤخذ صحيحة بنصف القيمتين وهو دينار ونصف وهكذا لو كان بعضها سليمًا وبعضها مريضًا مثلا. "ولو اشترك اثنان" أو أكثر "من أهل الزكاة" حولا كاملا "في نصاب" زكوي أو أكثر بشراء أو إرث أو غيرهما وهو من جنس واحد "وجبت عليهما الزكاة" قياسًا على خلطة الجوار٢ بل أولى بخلاف ما لو كان أحدهما ليس أهلا للزكاة كأن كان ذميًّا أو مكاتبًا أو جنينًا فإنه لا أثر لمشاركته، بل إن كان نصيب الأهل٣ نصابًا زكاه زكاة الانفراد وإلا فلا شيء عليه لأن من ليس أهلا للوجوب لا يمكن أن يكون ماله سببًا لتغيير زكاة غيره، وبخلاف ما لو كان مالهما معًا دون نصاب أو نصابًا واشتركا فيه أقل من حول أو كان من جنسين كبقر بغنم بخلاف ضأن بمعز مثلا٤، وتجب الزكاة أيضًا على مالكي نصاب أو أكثر وهما من أهل الزكاة إذا خلطاهما خلطة جوار حولا كاملا ولم يتميز في المشرب والمسرح والمرعى وغيرهما مما ذكر في المطولات.
فصل: في شروط زكاة الماشية
وبعضها شروط لزكاة غيرها أيضًا. "وشروط وجوب زكاة الماشية" النصاب وقد مر،
стр. 225
الأمهات في الحول، وأن تكون سائمة في كلأ مباح، وأن يكون كل السوم من المالك فلا زكاة فيما سامت بنفسها، أو أسامها غير المالك، وأن لا تكون عاملة في حرث ونحوه.
ــ
و"مضي حول كامل متوال في ملكه" لخبر أبي داود: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول"١ وعليه إجماع التابعين والفقهاء فمتى تخلل زوال الملك أثناءه بمعاوضة أو غيرها كأن بادل خمسًا من الإبل بخمس من نوعها أو باع النصاب أو وهبه ثم رده عليه ولو قبل القبض أو ورثه استأنف الحول لتجدد الملك ويكره وقيل يحرم، وعليه كثيرون أن يزيل ملكه عما تجب الزكاة في عينه بقصد رفع وجوب الزكاة لأنه فرار من القربة، ولا بد من مضي الحول كما ذكر في سائر النعم. "إلا في النتاج" بأن نتجت الماشية وهي نصاب في أثناء الحول وكان نتاجها يقتضي الزكاة من حيث العدد كأن نتج من مائة شاة وعشرين واحدة قبل تمام حولها بلحظة، ومن تسع وثلاثين بقرة واحدة كذلك، ومن خمس وثلاثين من الإبل واحدة كذلك. "فيتبع" النتاج المذكور "الأمهات في الحول" حتى يجب في المثل المذكور عند تمام حول الأصل شاتان في الأول ومسنة في الثاني وبنت لبون في الثالث، لأن المعنى في اشتراط الحول حصول النماء والنتاج نماء عظيم "وأن تكون" الماشية "سائمة" أي راعية "في كلأ مباح" كل الحول لما في الحديث الصحيح من التقييد بسائمة الغنم، وقيس بها سائمة الإبل والبقر واختصت السائمة بالزكاة لتوفر مؤنتها بالرعي في الكلأ المذكور، ومن ثم لو أمسيت في كلأ مملوك كانت معلوفة على الأوجه وإن قلت قيمته، بخلاف ما إذا لم يكن له قيمة فإنه كالكلأ المباح "وأن يكون كل السوم من المالك" بنفسه أو نائبه "فلا زكاة" في سائمة اعتلفت بنفسها أو علفها غاصبها أو مشتريها شراء فاسدًا القدر المؤثر أو ورثها ولم يعلم أنه ورثها إلا بعد الحول ولا "فيما" أي في معلوفة "سامت بنفسها أو أسامها غير المالك" كالغاصب أو المشتري شراء فاسدًا لعدم السوم من أصله ولعدم إسامة المالك أو نائبه، ولا في سائمة علفها المالك بنية قطع السوم لانتفاء الإسامة كل الحول أو اعتلفت بنفسها أو علفها المالك من غير نية قطع السوم قدرًا لولاه لأشرفت على الهلاك بأن كانت لا تعيش بدونه بلا ضرر بينٍ كثلاثة أيام فأكثر لانتفاء السوم مع كثرة المؤنة بخلاف ما دونها لقلة المؤنة فيه بالنسبة إلى نماء الماشية، ولا أثر لمجرد قصد العلف ولا للاعتلاف من مال حربي لا يضمن، والمتولد بين سائمة معلوفة كالأم فيضم إليها في الحول إن أسيمت وإلا فلا. "وأن لا تكون" السائمة "عاملة في حرث ونحوه" فالعاملة بالفعل لا بالقوة في ذلك ولو محرمًا لا زكاة فيها وإن أسيمت أو لم يؤخذ في مقابلة عملها أجرة للخبر الصحيح: "ليس في البقر العوامل شيء" ٢ وقيس بها غيرها، وشرط تأثير استعمالها أن يستمر ثلاثة أيام وأكثر وإلا لم يؤثر.
стр. 226
باب: زكاة النبات
لا تجب إلا في الأقوات، وهي من الثمار الرطب والعنب، ومن الحب الحنطة والشعير والأرز وسائر ما يقتات في حال الاختيار، ونصابُه خمسةُ أوسقٍ؛ كل وسقٍ:
ــ
باب: زكاة النبات
أي النابت.
"لا تجب" الزكاة الآتية "إلا في الأقوات" أي التي يقتات بها اختيارًا ولو نادرًا. "وهي من الثمار الرطب والعنب" دون غيرهما من سائر الثمار للخبر الصحيح: "فأما القثاء١ والبطيخ والرمان فعفو عفا عنه ﷺ ". "ومن الحب الحنطة والشعير والأرز" والذرة والدخن٢ والعدس والبسلاء٣ والحمص والباقلاء واللوبياء ويسمى الدجر٤ والجلبان٥ والماش٦ وهو نوع منه. "وسائر ما يقتات" أي ما يقوم به بدن الإنسان غالبًا "في حال الاختيار" فتجب الزكاة في الجميع لورودها في بعضه وألحق به الباقي، ووجه اختصاص الوجوب بما ذكر دون غيره مما لا يقتات كالزعفران والورس والعسل والقرطم٧ والترمس وحب الفجل والسمسم والبطيخ والكمثرى والرمان والزيتون وغيرها ومما يقتات لا في حال الاختيار كحب الغاسول٨ وحب الحنظل والحلبة؛ لأن الاقتيات به ضروري للحياة فوجب فيه حق لأرباب الضرورات. "ونصابه" أي المقتات المذكور تمرًا أو حبًّا "خمسة أوسق" تحديدًا فلا زكاة في أقل منها إلا في مسألة الخلطة السابقة لما صح من قوله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة" ٩, وقوله: "ليس في تمر ولا حب صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق" ١٠ "كل وسق ستون صاعًا" بالإجماع
стр. 227
ستون صاعًا، والصاع: أربعة أمداد، والمد: رطل وثلث بالبغدادي، ويعتبر ذلك بالكيل تمرًا أو زبيبًا إن تتمر أو تزبب، وإلا فرطبًا وعنبًا، ويعتبر الحب مصفى من التبن، ولا يكمل جنس بجنس، وتضم الأنواع بعضها إلى بعض، والعلس إلى الحنطة، ويخرج من كل بقسطه إن سهل وإلا أخرج من الوسط ولا يضم تمر عام إلى عام آخر، وكذلك الزرع، ويضم تمر العام وزرعه بعضه إلى بعض.
ــ
"والصاع أربعة أمداد والمد رطل وثلث بالبغدادي" فجملتها ألف وستمائة رطل بالبغدادي١، والأصح أنه مائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم فيكون بالرطل المصري٢ ألف رطل وأربعمائة رطل وثمانية وعشرين رطلا ونصف رطل ونصف أوقية وثلثها وسبعي درهم، وبالأردب المصري خمسة أرادب ونصف أردب وثلث أردب. "ويعتبر ذلك بالكيل" كما ذكره المصنف بالأوسق وذكرته بالأرادب والتقدير بالوزن إنما هو للاستظهار أو إذا وافق الكيل، فإن اختلفا فبلغ بالأرطال ما ذكره ولم يبلغ بالكيل خمسة أوسق لم تجب زكاته وفي عكسه عجب، واعتباره بما ذكر إنما يكون إذا كان "تمرًا أو زبيبًا إن تتمر أو تزبب وإلا" لا يتتمر ولا يتزبب بأن لم يأت منه تمر ولا زبيب جيدان في العادة أو كانت تطول مدة جفافه كسنة "فرطبًا وعنبًا" أي يؤخذ منه حال كونه رطبًا أو عنبًا؛ لأن ذلك وقت كماله فيكمل به نصاب ما يجف من ذلك "ويعتبر الحب" حال كونه "مصفى من" نحو "التبن" والقشر الذي لا يؤكل معه غالبًا وكل من الأرز والعلس٣ يدخر في قشره ولا يؤكل معه فلا يدخل في الحساب فنصابه عشرة أوسق، نعم إن حصلت الأوسق الخمسة من دون عشرة أوسق كسبعة اعتبرت دون العشرة، وتدخل قشرة الباقلاء والحمص والشعير وغيرها في الحساب وإن أزيلت تنعمًا.
"ولا يكمل جنس بجنس" فلا يضم أحدهما إلى الآخر لتكميل النصاب إجماعًا في التمر والزبيب وقياسًا في الحبوب. "وتضم الأنواع بعضها إلى بعض" ليكمل النصاب وإن اختلفت جودة ورداءة ولونًا وغيرها كبرني وصيحاني٤ من التمر "و" يضم "العلس" وهو قوت صنعاء اليمن وكل حبتين منه في كمامة٥ "إلى الحنطة" في إكمال النصاب؛ لأنه نوع منها بخلاف السلت٦ لأنه يشبهها لونًا والشعير طبعًا فكان جنسًا مستقلا فلا يضم إلى أحدهما. "ويخرج من كل" من الأنواع "بقسطه إن سهل" إذ لا ضرر "وإلا" يسهل "أخرج من الوسط" رعاية
стр. 228
فصل: "في واجب ما ذكر وما يتبعه "
وواجب ما شَرِبَ بغير مؤونة العشرُ وما سُقِيَ بمؤونة كالنواضح نصفُ العشرِ، وما
ــ
للجانبين فإن أخرج من الأعلى أو تكلف وأخرج من كل حصته جاز لأنه أتى بالواجب وزاد خيرًا في الأولى. "ولا يضم" في أكمل النصاب "تمر عام إلى" تمر عام آخر" وإن أطلع١ تمر العام الثاني قبل جداد٢ الأول، ومثلها الشجر الذي يثمر مرتين في عام بأن أثمر نخل أو كرم ثم قطع ثم أطلع ثانيًا في عامه فلا يضم أحدهما إلى الآخر لأن كل حمل كثمرة عام. "وكذلك الزرع" فلا يضم زرع عام إلى زرع عام آخر. "ويضم" في إكمال "ثمر العام" بأن أطلعت أنواعه في عام واحد وإن لم تقطع في عام واحد "وزرعه" بأن حصدت أنواعه المتفاصلة بأن اختلف أوقات بذرها عادة في عام واحد وإن لم يقع الزرعان في سنة "بعضه إلى بعض" إذ الحصاد هو المقصود وعنده يستقر الوجوب، والمراد بالعام فيما ذكر اثنا عشر شهرًا عربية، ولا فرق بين اتفاق واجب المضمومين واختلافه كأن سقي أحدهما بمؤونة والآخر بدونها.
فصل: في واجب ما ذكر وما يتبعه
"وواجب ما شرب بغير مؤونة" كالمسقى بنحو مطر أو نهر أو عين أو قناة أو ساقية حفرت من النهر وإن احتاجت لمؤونة "العشر، و" واجب "ما سقي بمؤونة كالنواضح"٣ والدواليب٤ وكالماء الذي اشتراه أو اتهبه٥ أو غصبه "نصف العشر" لما صح من قوله ﷺ : "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًّا العشر" ٦، وفي رواية: "الأنهار والغيم" ٧ أي المطر "وفيما سقي بالنضح نصف العشر"، وفي رواية: "بالسانية" ٨, والمعنى في ذلك كثرة المؤونة وخفتها، والعثري
стр. 229
سُقِيَ بهما سواء أو أشكل ثلاثة أرباعه وإلا فبقسطه، ولا تجب إلا ببدو الصلاح في الثمر، واشتداد الحب في الزرع، ويسن خرص الثمر على مالكه، وشرط الخارص أن يكون ذكرًا مسلمًا حرًّا عدلًا عارفًا، ويضمن المالك الواجب في ذمته ويقبل ثم يتصرف في جميع الثمر.
ــ
بفتح المثلثة ما سقي بالسيل الجاري إليه في حفر والسانية والنضح ما يسقى عليه من بعير ونحوه. "و" واجب "ما سقي بهما" أي المؤونة ودونها "سواء" بأن كان النصف بهذا والنصف بهذا "أو أشكل" مقدار ما سقي به منهما إن سقي بالمطر والنضح وجهل نفع كل منهما باعتبار المدة "ثلاثة أرباعه" أما في الأولى فعملا بواجبهما، ومن ثم لو كان ثلثاه بمطر وثلثه بدولاب وجب خمسة أسداس العشر وفي عكسه ثلثا العشر، وأما في الثانية فلئلا يلزم التحكم، فإن علم تفاوتهما بلا تعيين فقد علمنا نقص الواجب عن العشر وزيادته على نصفه فيؤخذ المتيقن ويوقف الباقي إلى البيان، ويصدق المالك فيما سقي به منهما فإن اتهمه الساعي حلفه ندبًا. "وإلا" بأن سقي بهما متفاوتًا وعلم "فبقسطه" أي كل منهما ويكون التقسيط على حسب النشوّ والنماء في الزرع والثمر باعتبار المدة وإن كان السقي بالآخر أكثر عددًا لا على عدد السقيات لأن النشوّ هو المقصود ورب سقية أنفع من سقيات، فلو كانت مدة إدراكه ثمانية أشهر واحتاج في ستة أشهر زمن الشتاء والربيع إلى سقيتين فسقي بالمطر وفي شهرين في زمن الصيف إلى ثلاث سقيات فسقي بالنضح وجب ثلاثة أرباع العشر لهما وربع نصفه للثلاث.
"ولا تجب" الزكاة "إلا ببدوّ الصلاح في" كل "الثمر" أو بعضه في ملكه بأن يظهر فيه مبادي النضج والحلاوة والتلوُّن "واشتداد الحب" كله أو بعضه في ملكه أيضًا "في الزرع" فحينئذ تجب الزكاة فيهما لأنهما قد صارا قوتين وقبلهما كانا من الخضروات١ والبسر٢ وألحق البعض بالكل قياسًا على البيع.
"ويسنّ" للإمام أو نائبه "خرص٣ الثمر" الشامل للرطب والعنب "على مالكه" بعد بدو الصلاح لما صح "أنه ﷺ أمر بخرص العنب كما يخرص التمر"٤ وحكمته الرفق بالمالك والمستحق، ولا خرص في الحب لاستتاره ولا في الثمر قبل بدو الصلاح لكثرة العاهات حينئذ، فلو فقد الحاكم جاز للمالك أن يحكم عدلين عارفين يخرصان عليه لينتقل الحق إلى الذمة ويتصرف في الثمرة كما يأتي "وشرط الخارص أن يكون ذكرًا مسلمًا حرًّا عدلا" لأن الخرص إخبار وولاية وانتفاء وصف مما ذكر يمنع قبول الخبر والولاية ويكفي خارص واحد،
стр. 230
باب: زكاة النقد
وزكاتُه ربع العشر ولو من معدن ونصاب عشرون مثقالا خالصة، والمثقال أربعة وعشرون قيراطًا، ونصاب الفضة مائتا درهم إسلامي والدرهم سبعة عشر قيراطًا إلا خُمْسَ قيراطٍ وما زاد على ذلك فبحسابه، ولا شيء في المغشوش حتى يبلغ خالصه
ــ
ولو اختلف خارصان وقف إلى البيان، ويشترط كون الخارص "عارفًا" بالخرص لأن الجاهل بالشيء ليس من أهل الاجتهاد فيه، ويجب أن يعم جميع الثمر والعنب ولا يترك للمالك شيئًا وأن ينظر جميع الشجر شجرة شجرة ويقدر ثمرتها وهو الأحوط أو ثمرة كل نوع رطبًا ثم يابسًا لأن الأرطاب تتفاوت، وإذا خرص وأراد نقل الحق إلى ذمة المالك لينفذ تصرفه في الجميع فلا بد أن يكون مأذونًا له من الإمام أو الساعي في التضمين. "و" أنه "يضمن المالك" القدر "الواجب" عليه من المخروص تضمينًا صريحًا "في ذمته" كأن يقول: ضمنتك نصيب المستحقين من الرطب بكذا تمرًا. "ويقبل" المالك ذلك التضمين صريحًا أيضًا فحينئذ ينتقل الحق إلى ذمته. "ثم يتصرف في جميع الثمر" بيعًا وأكلا وغيرهما لانقطاع تعلق المستحقين عن العين، فإن انتفى الخرص أو التضمين أو القبول لم ينفذ تصرفه إلا فيما عدا الواجب شائعًا.
باب: زكاة النقد
الذهب والفضة ولو غير مضروبين.
"وزكاته ربع العشر ولو" حصل "من معدن" وهو المكان الذي خلق الله فيه الجواهر لما صح من قوله ﷺ : "وفي الرقة" أي الفضة "ربع العشر" ١, وخرج بهما سائر الجواهر وغيرها، والفرق أنهما معدان للنماء كالماشية السائمة بخلاف غيرهما. "ونصاب الذهب عشرون مثقالا خالصة" بوزن مكة تحديدًا، وإن لم يساو نصاب الفضة الآتي لرداءته لما صح من قوله ﷺ : "ليس في أقل من عشرين مثقالا شيء وفي عشرين نصف دينار" ٢, "والمثقال أربعة وعشرون قيراطًا" وهو اثنان وسبعون حبة من الشعير المعتدل الذي لم يقشر وقطع من طرفيه ما دق وطال ولم يختلف جاهلية ولا إسلامًا. "ونصاب الفضة مائتا درهم إسلامي والدرهم" الإسلامي "سبعة عشر قيراطًا إلا خُمْس قيراط" فيكون خمسين حبة وخُمْسي حبة فهو ستة
стр. 231
نصابًا، ولا في الحلي إن لم يقصد كنزه، ويشترط الحول في النقد، وفي الركاز الخُمُسُ،
ــ
دوانق إذ الدانق ثمان حبات وخُمسا حبة ومتى زيد عليه ثلاث أسباعه كان مثقالا ومتى نقص من المثقال ثلاثة أعشاره كان درهمًا، فكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وكل عشرة مثاقيل أربعة عشر درهمًا وسبعان. "وما زاد" منهما "على ذلك" ولو بعض حبة "فبحسابه" إذ لا وقص١ في النقدين كالمعشرات لإمكان التجزي بلا ضرر بخلاف المواشي، وخرج بالعشرين والمائتين ما نقص عنهما ولو ببعض حبة ولو في بعض الموازين، وإن راج رواج التام فلا زكاة فيه للخبر السابق٢، وصح أيضًا: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" ٣، ولا يكمل جنس بآخر ويكمل النوع بالنوع من الجنس الواحد وإن اختلفا جودة ورداءة، ويؤخذ من كل نوع بالقسط إن سهل وإلا فمن الوسط، ولا يجزئ رديء ومكسور عن جيد وصحيح بخلاف عكسه. "ولا شيء من المغشوش" من الذهب والفضة "حتى يبلغ خالصه نصابًا" فحينئذ يخرج خالصًا أو مغشوشًا خالصة قدر الزكاة ويكون متطوعًا بالغش، ولا يجوز إخراج المغشوش إذ لا يجوز له التبرع بمخالطه، ومحله إن نقصت قيمة السبك إن احتيج إليه عن قيمة الغش وإلا جاز إخراجه، ويصدق المالك في قدر خالص المغشوش ويحلف إن اتهم ندبًا، وتصح المعاملة بالمغشوش معينة وفي الذمة وإن لم يعلم عيارها، ولو ملك نصابًا في يده نصفه ونصفه الباقي مغصوب أو مؤجل زكى النصف الذي بيده حالا لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
"ولا" شيء "في الحلي المباح" أي غير الحرام والمكروه؛ لأنه معد لاستعمال مباح كعوامل المواشي هذا "إن لم يقصد كنزه" سواء اتخذه بلا قصد أو بقصد أن يستعمله استعمالا مباحًا أو بقصد أن يؤجره أو يعيره لمن يحل له استعماله، وخرج بالمباح ما حرم لعينه كالأواني أو بالقصد كقصد الرجل أن يلبس أو يلبس رجلا حلي امرأة أو أن تلبس امرأة حلي رجل كسيف وعكسه أو بغير ذلك كتبر مغصوب صيغ حليًّا، وكحلي نساء بالغن في الإسراف فيه وما كره استعماله كضبة الإناء الكبيرة للحاجة أو الصغيرة للزينة وما اتخذ بنية كنزه فتجب الزكاة في ذلك كله، أما في المحرّم فبالإجماع، وأما في المكروه فبالقياس عليه، وأما في نية الكنز فلأنه صرفه بها عن الاستعمال فصار مستغنى عنه كالدراهم المضروبة، ولو ملكه بإرث
стр. 232
ولا حول فيه ولا في المعدن، وشرط الركاز أن يكون نقدًا نصابًا من دفن الجاهلية في موات أو ملكٍ أحياهُ.
ــ
ثم مضت عليه أحوال ثم علم به لزمه زكاته، وكذا لو مضت عليه وهو متكسر ولم يقصد إصلاحه بأن قصد جعله تبرًا أو دراهم أو كنزه أو لم يقصد شيئًا أو أحوج انكساره إلى سبك وصوغ وإن قصدهما فتجب زكاته وينعقد حوله من حين انكساره؛ لأنه غير مستعمل ولا معد للاستعمال، أما إذا قصد عنه علمه بانكساره إصلاحه, وأمكن بالالتحام من غير سبك وصوغ أو مضي حول, ولم يقصد إصلاحه ثم قصده بعد ذلك فلا زكاة فيه مطلقًا في الأولى, وإن دارت عليه أحوال ولا بعد الحول الأول في الثانية لبقاء صورته، ولا أثر لتكسر لا يمنع الاستعمال فلا زكاة فيه وإن لم ينو إصلاحه.
"ويشترط الحول في" وجوب زكاة "النقد" للخبر السابق١ "وفي الركاز" أي المركوز وهو المدفون الآتي. "الخمس" للخبر الصحيح فيه٢ بذلك؛ ولأنه لا مؤونة فيه بخلاف المعدن "ولا حول" يشترط فيه ولا "في المعدن" لأنه إنما يشترط لتحصيل النماء فيه, وكل منهما نماء في نفسه "وشرط الركاز أن يكون نقدًا" أي ذهبًا أو فضة مضروبًا أو غير مضروب، وأن يكون "نصابًا" وهو عشرون مثقالا في الذهب ومائتا درهم في الفضة, ويكفي بلوغه نصابًا ولو بضمه إلى مال آخر له، فإن كان دون نصاب من الذهب والفضة أو نصابًا من غيرهما لم يجب, فهي شيء لأنه مال يستفاد من الأرض فاختص بما تجب الزكاة فيه قدرًا ونوعًا كالمعدن، وأن يكون "من دفن الجاهلية" الذي قبل مبعثه ﷺ وقد وجده أهل الزكاة "في موات" بدار الإسلام وإن لم يحيه ولا أقطعه أو بدار الحرب وإن كانوا يذبون عنه. "أو" في "ملك أحياه" من الموات سواء وجده بالحفر أو بإظهار السيل أو بانهيار الأرض أو بغير ذلك أو في قلاع عادية من دار الإسلام وقد عمرت في الجاهلية، ويشترط أن لا يعلم أن مالكه بلغته الدعوة وعائد وإلا فهو فيء. وخرج بما ذكر ما وجد بطريق نافذ أو مسجد وما دفنه مسلم أو ذمي أو معاهد بموات، أو وجد عليه ضرب الإسلام بأن كان عليه أو على ما معه قرآن أو اسم ملك من ملوك الإسلام فإنه لقطة إن لم يعرف مالكه، وكذا لو شك في أنه إسلامي أو جاهل كالتبر والأواني، أو ظهر وشك في أنه ظهر بسيل ونحوه أو لا.
стр. 233
فصل: "في زكاة التجارة "
وفي التجارة ربع العشر، وشروطها ستة:
الأول: العروض دون النقد.
الثاني: نية التجارة.
الثالث: اقتران النية بالتملك.
الرابع: أن يكون التملك بمعاوضة.
الخامس: أن لا يَنِضَّ ناقصًا بنقده في أثناء الحول.
ــ
فصل: في زكاة التجارة
وهو تقليب المال بالمعاوضة لغرض الربح.
"وفي" مال "التجارة" الذي لا زكاة في عينه لولا التجارة كالخيل والرقيق والمتولد بين أحد النعم وغيره وغيرها من سائر العروض وما يتولد منها من نتاج وثمرة وغيرهما. "ربع العشر" اتفاقًا كما في النقدين لأنه يقوم بهما.
"وشروطها" أي التجارة حتى تجب الزكاة في مالها "ستة، الأول: العروض" التي لا تجب الزكاة في عينها لولا التجارة "دون النقد" لأن الزكاة تجب في عينه كما مر.
"الثاني: نية التجارة، الثالث: اقتران النية" المذكورة "بالتملك" أي بأول عقده لينضم قصده التجارة إلى فعلها، نعم لا يحتاج إلى تجديدها في كل تصرف.
"الرابع: أن يكون التملك بمعاوضة" محضة وهي التي تفسد بفساد العوض كالبيع والهبة بثواب والإجارة لنفسه أو ما استأجره أو غير محضة كالصداق وعوض الخلع وصلح الدم، بخلاف ما ملكه بغير معاوضة كالإرث والهبة بلا ثواب والصيد, وما اقترضه أو ملكه بإقالة, أو رد بعيب فلا زكاة فيه وإن اقترن به نية التجارة؛ لأنه لا يعد من أسبابها لانتفاء المعاوضة، ولو اشترى لها صبغًا ليصبغ به أو دباغًا ليدبغ به للناس صار مال تجارة فتلزمه زكاته بعد مضي حوله، وإن لم يبق عين نحو الصبغ عنده عامًا أو صابونًا أو ملحًا ليغسل أو يعجن به لهم لم يصر كذلك؛ لأنه يستهلك فلا يقع مسلمًا إليهم.
"الخامس: أن لا ينض" مال التجارة حال كونه "ناقصًا" عن النصاب بنقده الذي يقوم به في أثناء الحول فمتى نض١ "بنقده" ناقصًا عن النصاب "في أثناء الحول" كأن
стр. 234
السادس: أن لا يقصد القنية في أثناء الحول. وواجبها ربع عشر القيمة، ويقوم بجنس رأس المال، أو بنقد البلد إن ملكه بعرض، ولا يشترط كونه نصابًا إلا في آخر الحول.
ــ
اشترى عرضًا بنصاب ذهب أم دونه ثم باعه أثناء الحول بتسعة عشر مثقالا انقطع حول التجارة لتحقق نقص النصاب حسابًا للتنضيض، بخلاف ما لو نض بنقد لا يقوم به كأن باعه في هذا المثال وخمسين درهمًا فضة أو نض بنقد يقوم به وهو نصاب أو أكثر فإنه لا ينقطع، كما لو باعه بعرض لاستوائهما في عدم التقويم بهما والمبادلة لا تقطع حول التجارة.
"السادس: أن لا يقصد القنية" بمال التجارة "في أثناء الحول" فمتى قصد بشيء معين من مالها ذلك ولو لاستعمال محرم انقطع حول التجارة فيحتاج إلى تجديد قصد مقارن للتصرف، بخلاف مجرد الاستعمال بلا نية قنية فإنه لا يؤثر، وإنما أثر مجرد نية القنية دون مجرد التجارة لأن القنية هي الإمساك للانتفاع وقد اقترنت نيتها به فأثرت بخلاف التجارة, فإنها تقليب المال كما مر ولم يوجد حتى تكون نيتها مقترنة به. "وواجبها ربع عشر القيمة" لا العروض لأنها متعلقة كما دل عليه قول عمر رضي الله تعالى عنه لمن يبيع الأدم: "قوّمه وأد زكاته", والمراد ربع عشر القيمة آخر الحول؛ لأنه وقت الوجوب كما يأتي، فلو أخر الإخراج بعد التمكين منه فنقصت ضمن ما نقص لتقصيره بخلافه قبله، وإن زادت ولو قبل التمكن أو بعد الإتلاف فلا شيء عليه.
"ويقوّم" مال التجارة حتى يؤخذ ربع عشر قيمته "بحبس رأس المال" الذي اشترى العرض به نصابًا كان أو بعضه وإن لم يملك باقيه ولو أبطله السلطان أو لم يكن هو الغالب أنه أصل ما بيده وأقرب إليه من نقد البلد, فإذا لم يبلغ به نصابًا فلا زكاة وإن بلغ بغيره، "أو" يقوّم "بنقد البلد" الغالب دراهم كان أو دنانير "إن ملكه بعرض" للقنية أو بنحو خلع أو نكاح أو بنقد ونسي أو جهل جنسه، فإذا حال عليه الحول بمحل فيه نقد قوّم بنقده جريًا على قاعدة التقويم كما في الإتلاف ونحوه أو بمحل لا نقد فيه اعتبر أقرب البلاد إليه، ولو ساوى نصابًا بغالب زكي، وإن لم يساوره بغيره أو ساواه بغير لم يزكَ، فإن غلب نقدان وتم بأحدهما نصابًا قوّم به أو بكل منهما تخير "ولا يشترط كونه" أي مال التجارة يبلغ "نصابًا إلا في آخر الحول" فمتى بلغه آخره وجبت زكاته وإلا فلا، سواء اشتراه بنصاب أو بدونه، وسواء باعه بعد التقويم بنصاب أو بدونه، لأن آخر الحول وقت الوجوب فقطع النظر عما سواه لاضطراب القيم.
стр. 235
فصل: "في زكاة الفطر "
وتجب زكاة الفطر بشروطٍ: إدراكُ غروب الشمس ليلة العيد، وأن يكون مسلمًا، وأن يكون ما يخرجُه فاضلا عن مؤونته ومؤونة من عليه مؤونته ليلة العيد ويومه وعن دست ثوب يليق به، ومسكن وخادم يحتاج إليه، وتجب عمن في نفقته من المسلمين من
ــ
فصل في زكاة الفطر:
والأصل فيها قبل الإجماع الأخبار الصحيحة الشهيرة١، والمشهور أنها وجبت كرمضان في السنة الثانية من الهجرة والخلاف فيها شاذ منكر فلا ينافي حكاية الإجماع المذكور.
"وتجب زكاة الفطر بشروط" منها "إدراك" وقت وجوبها بأن يكون حيًّا بالصفات الآتية عند "غروب الشمس ليلة العيد" بأن يدرك آخر جزء من رمضان وأول جزء من شوال لإضافتها إلى الفطر في الخبر، وأيضًا فالوجوب نشأ من الصوم والفطر منه فكان لكل منهما دخل فيه فأسند إليهما دون أحدهما لئلا يلزم التحكم، فلا تجب بما يحدث بعد الغروب من ولد ونكاح وإسلام وغنى وملك قنّ، ولا تسقط بما يحدث بعده من نحو موت ومزيل ملك كعتق وطلاق ولو بائنًا أو ارتداد وغنى قريب ولو قبل التمكن من الأداء لتقررها وقت الوجوب، نعم إن تلف المال قبل التمكن سقطت كما في زكاة المال. "و" منها "أن يكون" المخرِجُ "مسلمًا" فلا تجب على كافر أي في الدنيا كما مر أول الباب؛ لأنها طهرة وهو ليس من أهلها وهذا بالنسبة لنفسه، أما مسلم عليه مؤونته فيلزمه إخراجها عنه، ويجزئه إخراجها بلا نية هذا في الكافر الأصلي، أما المرتد فإن عاد إلى الإسلام وجبت فطرة نفسه أيضًا وإلا فلا، وأن يكون حرًّا أو مبعضًا، فلا تجب على رقيق ولو مكاتبًا لضعف ملكه وإنما لم تلزم سيده في الكتابة الصحيحة لأنه معه كالأجنبي، فعلم أنه لا يلزم الرقيق فطرة زوجته وإن لزمه نفقتها في كسبه بل إن كانت أمة فعلى سيدها أو حرة فسيأتي "و" منها "أن يكون" المخرج عن نفسه أو ممونه موسرًا بأن يكون "ما يخرجه فاضلا عن مؤونته ومؤونة من" تجب "عليه مؤونته ليلة العيد ويومه" لأن مؤونته ومؤونة ممونه في هذا الزمن ضرورية فاعتبر الفضل عنها، وإنما لم يعتبر زيادة على اليوم والليلة المذكورين لعدم ضبط ما وراءهما. "و" فاضلا "عن دست٢ ثوب" له أو لممونه "يليق به" أي بكل منهما منصبًا ومروءة ومنه قميص وسراويل وعمامة ومكعب٣ وما يحتاج إليه من زيادة
стр. 236
زوجة وولد ووالد ومملوك، والواجب صاع سليم من العيب من غالب قوت البلد، وإن
ــ
للبرد والتجمل وغير ذلك مما يترك للمفلس؛ لأن ذلك يبقى للمدين والفطرة ليست بأشد من الدين. "و" عن "مسكن" له أو لممونه "و" عن "خادم" له أو لممونه "يحتاج" كل منهما "إليه" أي إلى ما ذكر من المسكن والخادم ويليقان بهما قياسًا على الكفارة, ولأنهما من الحوائج المهمة كالثوب فإن كانا نفيسين يمكن إبدالهما بلائقين ويخرج التفاوت لزمه ذلك وإن كانا مألوفين والحاجة للمسكن واضحة، وللعبد تعم الحاجة لأجل منصب من ذكر أو ضعفه لا لأجل عمله في ماشيته أو أرضه، بل يبيع في الفطرة العبد المحتاج إليه فيهما، والحاجة إلى ما ذكر تمنع تعلق الوجوب ابتداء، وأما إذا وجد فلا ترفعه، فإذا تعلقت الفطرة بالذمة صارت دينًا فيباع فيها نحو المسكن والخادم، وهل يعتبر الفضل عما عليه من الدين الذي لله أو للآدمي؟ فيه تناقض والمعتمد أن الدين يمنع الوجوب، فإذا لم يكن المخرج فاضلا عنه لم تلزمه فطرة. "و" كما تجب الفطرة عن نفسه كذلك "تجب" عليه "عمن في نفقته" وقت غروب الشمس ليلة العيد "من المسلمين" فلا تجب فطرة الكافر وإن وجبت نفقته لقوله في الخبر: "من المسلمين"١ ولأنها طهر للصائم من اللغو والرفث كما ورد٢ والكافر ليس من أهلها ومحله في الكافر الأصلي، أما الرقيق المرتد فتجب فطرته إن عاد إلى الإسلام "من زوجه" ولو رجعية وبائن حامل ولو أمة لوجوب نفقتهما بخلاف البائن غير الحامل ولو لزمه إخدام زوجته، فإن أخدمها أمتها لزمه فطرتها أيضًا أو أجنبية فلا، وفي معناها من صحبتها لتخدمها بنفقتها بإذنه، ولا تجب فطرة ناشزة بخلاف التي حيل بينها وبين الزوج، ولا فطرة زوجة أب ومستولدته وإن وجبت نفقتهما لأنها لازمة للأب مع إعساره فيتحملها الولد بخلاف الفطرة، ولو أعسر الزود بأن كان قنًّا أو حرًّا ليس معه ما يفضل عما مر لم يلزم زوجته الحرة فطرتها وإن كانت غنية، لكن يسن لها إخراجها خروجًا من الخلاف، وإنما لزمت سيد أمة مزوجة بمعسر حر أو عبد لكمال تسليم الحرة نفسها بخلاف الأمة إذ لسيدها أن يسافر بها ويستخدمها.
"و" من "ولد" وإن سفل "ووالد" وإن علا لعجزهما بخلاف الولد الغني والوالد الغني أو القادر على الكسب إذ لا تجب نفقتهما حينئذ. "ومملوك" ومنه المكاتب كتابة فاسدة والمدبر والمعلق عتقه بصفة وأما الولد والمرهون والجاني والمؤجر والموصي بمنفعته والآبق وإن انقطع خبره والمغصوب فتجب فطرتهم في الحال كما تجب نفقتهم، ولأن الأصل فيمن انقطع خبره بقاء حياته، ولا تجب فطرة من وجبت نفقتها في باب المال أو على المسلمين وقن بيت المال
стр. 237
قدر على بعضه فقط أخرجه، ويجوز إخراجها في رمضان، ويسن قبل صلاة العيد، ويحرم تأخيرها عن يومه.
ــ
والمملوك للمسجد والموقوف عليه والموقوف ولو على معين وإن وجبت نفقتهم.
"والواجب، على كل رأس "صاع" وهو قدحان بالمصري إلا سبعي مد تقريبًا هذا فيما يكال، أما ما لا يكال أصلًا كالأقط١ الجبن فمعياره الوزن، فيعتبر فيه الصاع بالوزن لا بالكيل وهو خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، وأربعة أرطال ونصف وربع رطل وسبع أوقية بالمصري، وإنما يجزئ صاع "سليم من العيب" فلا يجزئ المعيب بنحو غش أو سوس أو قدم غير طعمه أو لونه أو ريحه ولا أقط فيه ملح يعيبه وإن لم يفسد جوهره، فإن لم يعبه وجب بلوغ خالصه صاعًا ولا يحسب الملح في الكيل ويجب كونه "من غالب قوت البلد" سواء المعشر كالحب والتمر والزبيب وغيره كالأقط واللبن والجبن بشرط أن يكون في كل منها زبدة لثبوت بعض المعشر والأقط في الأخبار وقيس بهما الباقي، أما المخيض والسمن واللحم والدقيق والسويق والأقوات التي لا زكاة فيها والأقط واللبن والجبن المنزوعة الزبد فلا يجزئ شيء منها وإن كان قوت البلد لأنه ليس في معنى ما نص عليه، والعبرة في ذلك بغالب قوت محل المؤدي عنه لا المؤدي لأنها وجبت عليه ابتداء ثم يتحملها المؤدي، فلا يجزئ من غير غالب قوت محل المؤدي عنه ولا من غالب قوت محل المؤدي أو قوته لتشوف النفوس إلى الغالب في ذلك المحل، ومن ثم وجب صرف الفطرة لفقراء بلد المؤدي عنه لا بلد المؤدي، فلو كان الرقيق أو الزوجة مثلا ببلد والسيد أو الزوج ببلد آخر صرفت من غالب قوت بلد الرقيق أو الزوجة على مستحقي بلديهما لا بلد السيد أو الزوج، ويختلف الغالب باختلاف النواحي والأزمان، والعبرة بغالب قوت البلد في غالب السنة لا بغالب وقت الوجوب، ويجزئ الأعلى في الاقتيات وإن كان أنقص في القيمة عن الأدنى فيه ولا عكس، فالتمر أعلى اقتياتًا من الزبيب والشعير أعلى منهما. "وإن قدر على بعضه" أي الصاع "فقط" أي دون باقيه "أخرجه" وجوبًا للخبر الصحيح: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" ٢ ومحافظة على الواجب بقدر الإمكان وعند الضيق يجب أن يقدم نفسه ثم زوجته؛ لأن نفقتهما آكد ثم ولده الصغير ثم أباه وإن علا ولو من قبل الأم ثم أمه، وإنما قدمت الأم في النفقة لأنها للحاجة والأم أحوج، وأما الفطرة فللتطهير والشرف والأب أولى بهذا لأنه منسوب إليه ويشرف بشرفه.
"ويجوز" للمالك دون الولي تعجيل الزكاة في الفطرة بعد دخول رمضان فيجزئ "إخراجها" ولو "في" أول ليلة من "رمضان" لانعقاد السبب الأول إذ هي تجب بسببين رمضان
стр. 238
فصل: "في النية في الزكاة وفي تعجيلها "
وتجب النية فينوي: هذا زكاة مالي ونحو ذلك، ويجوز تعجيلها قبل الحول،
ــ
والفطرة منه فجاز تقديمها على أحدهما دون تقديمها عليهما كزكاة المال وسيأتي شرط إجزاء المعجل.
"ويسن" إخراج الفطرة نهارًا وكونه بعد فجر يوم الفطر و"قبل صلاة العيد" إن فعلت أول النهار كما هو الغالب وأولى للأمر به قبل الخروج في الصحيحين١، فإن أخرت الصلاة سن المبادرة بالأداء أول النهار توسعة على المستحقين وانتظار نحو القريب والجار أفضل في زكاة المال فيأتي مثله هنا ما لم يؤخرها عن يوم الفطر. "ويحرم تأخيرها عن يومه" بلا عذر كغيبة ماله أو المستحقين؛ لأن القصد إغناؤهم عن الطلب فيه لكونه يوم سرور ومن ثم ورد: "أغنوهم عن طواف هذا اليوم" ٢ ويلزمه القضاء فورًا إن أخر بلا عذر.
فصل: في النية في الزكاة وفي تعجيلها
"وتجب النية" بالقلب ولا يشترط النطق بها ولا يجزئ وحده كما في الصلاة وغيرها "فينوي" المزكي "هذا زكاة مالي" ولو بدون الفرض؛ لأنها لا تكون إلا فرضًا بخلاف الصلاة والصدقة لكن الأفضل ذكر الفرضية معها. "ونحو ذلك" كهذا فرض صدقة مالي أو صدقة مالي المفروضة، وكذا فرض الصدقة أو الصدقة المفروضة على الأوجه، بخلاف صدقة المال فقط؛ لأنها قد تكون نافلة, وفرض المال؛ لأنه قد يكون كفارة ونذرًا، ويجوز تقديم النية على الدفع بشرط أن تقارن عزل الزكاة أو إعطاءها للوكيل أو بعده وقبل التفرقة كما تجزئ بعد العزل وقبل التفرقة وإن لم تقارن أحدهما، ويجوز تفويضها للوكيل إن كان من أهلها بأن يكون مسلمًا مكلفًا، أما نحو الصبي والكافر فيجوز توكيله في أدائها لكن بشرط أن يعين له المدفوع إليه، ويتعين نية الوكيل إن دفع من ماله بإذن المالك، وتجب نية الولي في زكاة الصبي والمجنون والسفيه وإلا ضمنها لتقصيره ولو دفعها المزكي للإمام بلا نية لم تجزئه نية الإمام، ومتى امتنع من دفعها أخذها الإمام أو نائبه منه قهرًا، ثم إن نوى الممتنع عند الأخذ منه أجزأه وإلا وجب على الآخذ النية فإن ترك أثم ولم يجزئ المالك.
"ويجوز" للمالك دون الولي كما مر "تعجيلها" أي الزكاة في الحول "قبل" آخر "الحول" وبعد انعقاده بأن يكمل النصاب في السائمة والنقدين دون عروض التجارة لما صح أنه ﷺ
стр. 239
وشرط إجزاء المعجل أن يبقى المالك أهلا للوجوب إلى آخر الحول، وأن يكون القابض في آخر الحول مستحقًّا، وإذا لم يجزئه استرد إن علم القابض أنها زكاة معجلة.
ــ
أرخض في التعجيل للعباس١ وهو مرسل٢ لكن عضد بورود معناه في الصحيحين، وقول جمع من الصحابة ﵃ بخلاف ما لو عجل عن معلوفة سيسيمها, أو عن دون نصاب فإنه لا يجزئ مطلقًا، وإنما يجوز التعجيل لعام فقط، وفي الثمار بعد بدو الصلاح، وفي الزروع بعد اشتداد الحب، ولا يجوز قبل ذلك؛ لأنه لم يظهر ما يمكن معرفة مقداره تحقيقًا ولا ظنًّا.
"وشرط إجزاء المعجل" هنا وفيما مر في زكاة الفطر "أن يبقى المالك أهلا للوجوب إلى آخر الحول" في الحوالي ودخول شوال في الفطرة. "وأن يكون القابض في آخر الحول" أو عند دخول شوال "مستحقًّا" والمالك المعجل عنه باقيًا، فإن مات المالك أو القابض قبل ذلك أو ارتد القابض أو غاب أو استغنى بمال غير المعجل كزكاة أخرى ولو معجلة أخذها بعد الأولى، أو نقص النصاب أو زال عن ملكه وليس مال تجارة لم يجزئه المعجل لخروجه عن الأهلية عند الوجوب، ولا يضر عروض مانع في المستحق زال قبل الحول، وكذا لو لم يعلم استحقاقه أو حياته. "وإذا لم يجزئه" المعجل لفوات شرط مما ذكر أو لتلف النصاب الذي عجل عنه كله أو بعضه "استرد" من القابض "إن علم القابض" عند القبض أو بعده "أنها زكاة معجلة" ولو بقول المالك له: هذه زكاتي المعجلة كما لو عجل أجرة الدار ثم انهدمت في أثناء المدة، نعم لو قال: هذه زكاتي المعجلة فإن لم تقع زكاة فهي نافلة لم تسترد، ولو اختلف المالك والقابض في مثبت الاسترداد كعلم القابض بالتعجيل صدق القابض بيمينه؛ لأن الأصل عدم الاسترداد، وإذا رد المعجل لم يلزمه رد زيادته المنفصلة ولو حكمًا كاللبن في الضرع والصوف على الظهر، ولا أرش لنقص صفة حدث بيده قبل حدوث سبب الرجوع والقابض والمالك أهلان للزكاة لحدوثهما في ملك المستحق فلا يطالب بشيء منهما.
تتمة: إذا حال الحول على المال الزكوي وجبت الزكاة وإن لم يتمكن من الأداء فابتداء الحول الثاني من تمام الأول لا من التمكن، ويجب عند آخر الحول أداء الزكاة على الفور إذا تمكن بأن حضر المال والمستحق وخلا المالك من مهم ديني أو دنيوي، فإن أخر الأداء بعد التمكن ضمن قدر الزكاة وإن تلف المال وله انتظار قريب وإن بعد وجار وأحوج ما لم يكن هنا من يتضرر بالجوع أو العري فيحرم التأخير مطلقًا؛ لأن دفع ضرره فرض فلا يجوز تركه
стр. 240
فصل: "في قسمة الزكاة على مستحقيها "
ويجب صرف الزكاة إلى الموجودين من الأصناف الثمانية وهم الفقراء،
ــ
لفضيلة، ومع جواز التأخير لذلك يضمن ما تلف في مدة التأخير أيضًا، أما ما تلف قبل التمكن فلا يضمنه بل يقسط قسطه، وتتعلق الزكاة بالمال تعلق شركة، فالمستحق شريك للمالك بقدر الواجب إن كان من الجنس وإلا فبقدر قيمته فيمتنع عليه بيع القدر المذكور ورهنه، فإذا باع النصاب أو بعضه أو رهنه بعد تمام الحول صح إلا في قدر الزكاة. نعم مال التجارة يجوز بيعه ورهنه؛ لأنه متعلقهما القيمة لا العين، ومن له دين حل وقدر على استيفائه بأن كان على مليء حاضر باذل أو جاحد وعليه بينة أو يعلمه القاضي أو على غيره١ وقبضه لزمه إخراج زكاته حتى للأحوال الماضية لوجوبها فيه، كما تجب في الضال والمغصوب والمرهون والغائب وما اشتراه وتم حوله قبل القبض أو حبس عنه بأسر ونحوه لملك النصاب وحولان الحول, لكن لا يجب الإخراج من ذلك إلا عند عود المغصوب والضال وإمكان السير للغائب مع الوصول إليه فيخرجها حينئذ عن جميع الأحوال الماضية.
فصل: في قسمة الزكاة على مستحقيها
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية. "ويجب صرف الزكاة إلى الموجودين من الأصناف الثمانية"٢, فإن وجدوا كلهم بمحل الزكاة وجب الصرف إليهم، ولا يجوز أن يحرم بعض الأصناف، فإن فقد بعضهم أو بعض آحاد الصنف ردت حصة من فقد الفاضل عن كفاية بعضهم على بقية الأصناف، ونصيب المفقود من آحاد الصنف على بقية ذلك الصنف، ولا ينقل شيء من ذلك إلى غيرهم لانحصار الاستحقاق فيهم، ومحله إذا نقص نصيبهم عن كفايتهم وإلا نقل إلى ذلك الصنف، أما لو عدمت الأصناف كلهم في البلد أو فضل عنهم شيء فإن الكل في الأولى والفاضل في الثابتة ينقل إلى جنس مستحقه بأقرب بلد إلى الزكاة، فعلم أنه لا يجوز للمالك ولا يجزئه نقل الزكاة مع وجود مستحقيها بموضع المال حال الوجوب عنه إلى غيره وإن قربت المسافة؛ لأن ذلك يوحش أصناف البلد بعد امتداد أطماعهم إليها.
"وهم: الفقراء" والفقير من ليس له زوج ولا أصل ولا فرع تكفيه نفقته ولا مال ولا كسب يقع موقعًا من كفايته مطعمًا وملبسًا ومسكنًا، كمن يحتاج إلى عشرة ولا يجد إلا ثلاثة، وإن كان صحيحًا يسأل الناس، أو كان له مسكن وثوب يتجمل به وعبد يخدمه وإن تعدد ما يحتاجه من ذلك، ولا أثر لقدرته على كسب حرام أو غيره لائق بمروءته، ومن ثم أفتى
стр. 241
والمساكين، والغارمون، وأبناء السبيل وهم المسافرون، أو المريدون للسفر المباح
ــ
الغزالي بأن لأرباب البيوت الذين لم تجر عادتهم بالكسب أخذ الزكاة، ويعطى من غاب ماله بمسافة القصر، قال القفال١: بشرط أن لا يجد من يقرضه أو بأجل إلى حضوره أو حلوله لا من دينه قدر ماله إلا إن صرفه في الدين، وللمكفي بنفقة قريبه الأخذ من باقي السهام٢ إن كان من أهلها حتى ممن تلزمه نفقته ولو لم تكتف الزوجة بنفقة زوجها أعطيت من سهم المساكين، ويسن لها أن تعطي زوجها المستحق من زكاتها.
"و" الصنف الثاني: "المساكين" والمسكين من له ما يسد مسدًّا من حاجته بملك أو كسب حلال لائق ولكنه لا يكفيه٣ كمن يحتاج إلى عشرة وعنده ثمانية لا تكفيه الكفاية اللائقة بحاله من مطعم وملبس ومسكن وغيرها مما مر وإن ملك أكثر من نصاب، والعبرة في عدم كفايته وكفاية الفقير بالعمر الغالب بناء على الأصح أنهما يعطيان كفاية ذلك، ولا يمنع الفقر والمسكنة اشتغاله عن كسب يحسنه بحفظ القرآن أو بالفقه أو التفسير أو الحديث أو ما كان آلة لذلك, وكان يتأتى منه ذلك فيعطى ليتفرغ لتحصيله لعموم نفعه وتعديه٤, وكونه فرض كفاية، ومن ثم لم يعط المشتغل بنوافل العبادات وملازمة الخلوات؛ لأن نفعه قاصر على نفسه، ولا يمنعهما أيضًا كتب المشتغل بما ذكر إن احتاجت للتكسب كالمؤدب والمدرس بأجرة أو القيام بفرض من نحو إفتاء وتدريس من غير أجرة؛ لأن ذلك من الحاجات المهمة، وكذلك كتب من يطبب نفسه أو غيره، وكتب الوعظ إن كان في البلد واعظ، بخلاف كتب التواريخ المشتملة على وقائع دون تراجم الرجال ونحوها، وكتب الشعر الخالي عن نحو الرقائق والمواعظ ومن له عقار ينقص دخله عن كفايته يعطى تمامها، ومن نذر صوم الدهر ولم يمكنه أن يكتسب مع الصوم كفاية جاز له الأخذ، وكذا من يكتسب كفايته لكنه يحتاج للنكاح فله أخذ ما ينكح به؛ لأنه من تمام كفايته.
"و" الصنف الثالث: الغارمون" أي المدينون وهم أنواع: الأول: من استدان لدفع فتنة بين متنازعين فيعطى ما استدانه لذلك وإن كان غنيًّا بنقد أو غيره لعموم نفعه. الثاني: من استدان لقرى ضيف أو عمارة مسجد وقنطرة وفك أسير ونحوها من المصالح العامة فيعطى ما استدانه وإن كان غنيًّا لكن بغير نقد، والثالث: من استدان لنفسه لطاعة أو مباح أو لمعصية وصرفه في
стр. 242
المحتاجون. والعاملون عليها، والمؤلفة وهم: ضعفاء النية في الإسلام، وشريف في قومه يتوقع بإعطائه إسلام نظرائه. والغزاة الذكور المتطوعون، والمكاتبون كتابة صحيحة،
ــ
مباح أو لمباح وصرفه في معصية إن عرف قصد الإباحة أو لا لكن لا نصدقه فيه١ أو لمعصية وصرفه فيها لكنه تاب وغلب على الظن صدقه في توبته فيعطى في هذه الأحوال كلها قدر دينه إن حل وعجز عن وفائه، وثم إن لم يكن معه شيء أعطي الكل، وإلا فإن كان بحيث لو قضى دينه مما معه تمسكن ترك له مما معه ما يكفيه وأعطي ما يقضي به باقي دينه. والرابع: الضامن فيعطى إن أعسر وحل المضمون وكان ضامنًا لمعسر أو لموسر لا يرجع هو عليه كأن ضمنه بغير إذنه ومن قضى دينه بقرض استحق بخلاف من مات وإن لم يخلف وفاءه.
فرع: دفع زكاته لمديونه بشرط أن يردها له عن دينه لم يجز ولا يصح قضاء الدين بها، فإن نويا ذلك بلا شرط لم يضر، وكذا إن وعده المدين بلا شرط ولا يلزمه الوفاء بالوعد، ولو قال لمدينه: اقض ديني وأرده لك زكاة فأعطاه بريء من الدين ولا يلزم إعطاءه، ولو قال لمدينه: جعلت ديني عليك زكاة لم يجز بل لا بد من قبضه منه ثم دفعه له عن الزكاة إن شاء.
"و" الصنف الرابع: "أبناء السبيل" أي الطريق سموا بذلك لملازمتهم لها "وهم المسافرون أو المريدون للسفر المباح المحتاجون" بأن لم يكن معهم ما يكفيهم في سفرهم، فمن سافر كذلك ولو لنزهة أو كان غريبًا مجتازًا بمحل الزكاة أعطي وإن كان كسوبًا جميع كفاية سفره لا ما زاد بسبب السفر فقط ذهابًا, وإن لم يكن له مال أو ما يوصله إلى محل ماله وإيابًا إن قصد الرجوع ويعطى ما يحمله إن عجز عن المشي أو طال سفره وما يحمل عليه زاده ومتاعه إن عجز عن حملها بخلاف المسافر سفر معصية ما لم يتب أولا لمقصد صحيح كالهائم.
"و" الصنف الخامس: "العاملون عليها" ومنهم الساعي الذي يبعثه الإمام لأخذ الزكوات وبعثه واجب وشرطه فقه بما فوض إليه، ومنها أن يكون مسلمًا مكلفًا حرًّا عدلا بصيرًا ذكرًا؛ لأنه نوع ولاية والكاتب والقاسم والحاشر الذي يجمع أرباب الأموال والعريف الذي يعرف أرباب الاستحقاق والحاسب والحافظ والجندي والجابي ويزاد فيهما بقدر الحاجة وليس منهم الإمام والوالي والقاضي بل رزقهم في خمس الخمس، والذي يستحقه العامل أجرة مثل عمله فقط، فإن استؤجر بأكثر من ذلك بطلت الإجارة والزائد من سهمه على أجرته يرجع للأصناف.
"و" الصنف السادس: "المؤلفة" قلوبهم "وهم" أصناف: الأول: "ضعفاء النية في الإسلام" فيعطون ليقوى إسلامهم. "و" الثاني: شريف في قومه" مسلم "يتوقع بإعطائه إسلام نظرائه" والثالث: مسلم مقيم بثغر من ثغورنا ليكفينا شر من يليه من الكفار ومانعي الزكاة، والرابع، من يكفينا شر البغاة، والخامس، من يجبي الصدقات من قوم يتعذر إرسال ساع
стр. 243
وأقل ذلك ثلاثة من كل صنف إلا إذا انحصروا ووفت الزكاة بحاجتهم، وإلا العامل فإنه يجوز أن يكون واحدًا.
ــ
إليهم وإن لم يمنعوا، وشرط إعطاء المؤلف بأقسامه احتياجنا إليه لا كونه ذكرًا على المعتمد، ولا يعطى من الزكاة كافر لا لتأليف ولا لغيره، نعم يجوز أن يكون الكتاب والحمال والحفاظ ونحوهم كفارًا مستأجرين من سهم العامل؛ لأن ذلك أجرة لا زكاة.
"و" الصنف السابع: "الغزاة الذكور المتطوعون" بالجهاد بأن لم يكن لهم رزق في الفيء وهم المراد بسبيل الله في الآية١ فيعطى كل منهم وإن كان غنيًّا كفايته وكفاية ممونه إلى أن يرجع من نفقة وكسوة ذهابًا وإيابًا وإقامة في الثغر ونحوه إلى الفتح وإن طالت إقامته مع فرس إن كان يقاتل فارسًا، ومع ما يحمله في سفره إن عجز عن المشي أو طال السفر وما يحمل زاده ومتاعه إن لم يطق حملهما، أما المرتزق فلا يعطى من الزكاة مطلقًا فإن اضطررنا إليه أعانه أغنياؤنا من أموالهم لا من الزكاة.
"و" الصنف الثامن: "المكاتبون كتابة صحيحة" وهم المراد بالرقاب في الآية بخلاف فاسد الكتابة؛ لأنها غير لازمة من جهة السيد، وإنما يعطي صحيحها إن عجز عن الوفاء وإن كان كسوبًا فيعطى ولو بغير إذن سيده، أو يعطى سيده بإذنه قدر دينه الذي عجز عنه ولو قبل حلول النجوم٢، ويرد ما أعطيه من الزكاة بزوائده المتصلة إن رق بأن عجز نفسه لعدم حصول العتق أو أعتقه سيده تبرعًا أو بإبرائه أو بأداء غيره عنه أو أدائه هو من مال آخر لعدم حصول المقصود به، ويصدق بلا يمين مدعي فقر أو مسكنه أو عجز عن كسب لا في تلف مال عرف وولد إلا بإخبار عدلين أو عدل أو اشتهار بين الناس، ومدعي ضعف نية لا بقية أصناف المؤلفة إلا بذلك ومدعي إرادة غزو، ويكفي تصديق سيد مكاتب ودائن غارم أو الإخبار أو الاشتهار المذكور، وشرط الآخذ من هذه الأصناف الإسلام والحرية، وأن لا يكون هاشميًّا ولا مطلبيًّا ولا مولى لهم وإن انقطع خمس الخمس عنهم، ولا يعطى أحد بوصفين في حالة واحدة بخلاف ما لو أخذ فقير غارم بالغرم فأعطاه غريمه فإنه يعطى بالفقر.
"وأقل" من يعطى من كل صنف من "ذلك" إذا فرق المالك بنفسه أو وكيله "ثلاثة من كل صنف" عملا بأقل الجمع في غير الأخيرين في الآية وبالقياس عليه فيهما، وتجب التسوية بين الأصناف وإن تفاوتت حاجاتهم لا بين آحاد الصنف فله أن يعطى الثمن كله لفقير إلا أقل متمول فيعطيه لفقيرين آخرين، فإن أعطى واحدًا الكل وثم غيره من ذلك الصنف غرم للآخرين أقل متمول من ماله. "إلا إذا انحصروا" في آحاد يسهل عادة ضبطهم ومعرفة عددهم
стр. 244
فصل: "في صدقة التطوع "
والأفضل الإسرار بصدقة التطوع بخلاف الزكاة، والتصدق على القريب الأقرب، والزوج، ثم الأبعد ثم محارم الرضاع، ثم المصاهرة، ثم الولاء، ثم الجار، وعلى
ــ
ولم يزيدوا على ثلاثة من كل صنف أو زادوا عليها. "ووفت الزكاة بحاجتهم" فإنه يلزم المالك الاستيعاب، ولا يجوز له الاقتصار على ثلاث إذ لا مشقة في الاستيعاب حينئذ، وفيما إذا انحصر كل صنف أو بعض الأصناف في ثلاثة فأقل وقت الوجوب يستحقونها في الأولى، وما يخص المحصورين في الثانية من وقت الوجوب فلا يضرهم حدوث غنى أو غيبة أو موت لأحدهم بل حقهم باق بحاله فيدفع نصيب الميت لوارثه وإن كان هو المزكي، ولا يشاركهم قادم عليهم ولا غائب عنهم وقت الوجوب، فإن زادوا على ثلاثة لم يملكوا إلا بالقسمة إلا العامل فإنه يملك بالعمل. "وإلا العامل فإنه يجوز أن يكون واحدًا" إذا حصل به الغرض بل إذا استغنى عن الواحد بأن فرق المالك بنفسه سقط سهم العامل.
فصل: في صدقة التطوع
وهي سنة مؤكدة للأحاديث الكثيرة الشهيرة١، وقد تحرم كأن يعلم من آخذها أنه يصرفها في معصية، وقد تجب كأن وجد مضطرًا ومعه ما يطعمه فاضلًا عنه. "والأفضل الإسرار بصدقة التطوع" لأنه ﷺ عد من السبعة الذين يستظلون بالعرش من أخفى صدقته حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه٢، نعم إن أظهرها مقتدى به ليقتدى به ولم يقصد رياء ولا سمعة ولا تأذى به الآخذ كان الإظهار أفضل "بخلاف الزكاة" فإن إظهارها للإمام أفضل مطلقًا وكذا للمالك في الأموال الباطنة٣. "و" الأفضل "التصدق على القريب" لأنه أولى من الأجنبي والأفضل تقديم "الأقرب" فالأقرب من المحارم وإن لزمته نفقتهم "والزوج" أو الزوجة فهما في درجة الأقرب "ثم" بعد الأقرب والزوجين الأفضل تقديم "الأبعد" من الأقارب ويقدم منهم الأقرب فالأقرب رحمًا. "ثم" بعد سائر الأقارب الأفضل تقديم "محارم الرضاع ثم المصاهرة ثم الولاء" من الجانبين ثم
стр. 245
العدو، وأهل الخير المحتاجين، وفي الأزمنة الفاضلة كالجمعة، والأماكن الفاضلة، وعند الأمور المهمة كالغزو والكسوف والمرض، وفي الحج وبما يحبه وبطيب نفس وبشر، ولا يحل التصدق بما يحتاج إليه لنفقته أو نفقة من عليه نفقته في يومه وليلته، أو لدين لا يرجو له وفاء، ويستحب بما فضل عن حاجته إذا لم يشق عليه الصبر على الضيق، ويكره
ــ
من جانب "ثم" الأفضل تقديم "الجار" فهو أولى حتى من القريب لكن بشرط أن تكون دار القريب بمحل لا يجوز نقل زكاة المتصدق إليه وإلا قدم على الجار الأجنبي وإن بعدت داره١. "و" الأفضل الصدقة "على العدو" القريب أو الأجنبي والأشد عداوة أولى لما فيه من التأليف وكسر النفس٢. "و" على أهل "الخير المحتاجين" فهما أولى من غيرهما وإن اختص الغير بقرب أو نحوه. "و" الأفضل تحري الصدقة "في سائر "الأزمنة الفاضلة كالجمعة" ورمضان سيما عشره الأواخر وعشر ذي الحجة وأيام العيد. "والأماكن الفاضلة" كمكة والمدينة وليس المراد أن من أراد التصدق في المفضول يسن تأخيره إلى الفاضل بل إنه إذا كان في الفاضل تتأكد له الصدقة وكثرتها فيه اغتنامًا لعظيم ثوابه والأفضل تحريها. "و" الاستكثار منها "عند الأمور المهمة كالغزو والكسوف والمرض وفي الحج" والسفر لأنها أرجى لقضاء الحاجات وتفريج الكروب ومن ثم سنت عقب كل معصية. "و" الأفضل أن يتصدق "بما يحبه" لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون﴾ [آل عمران: ٩٢] ، وتكره الصدقة برديء وجد غيرها وبما فيه شبهة ولا يأنف من التصدق بالقليل، ويسن أن يتصدق بثوبه إذا لبس جديدًا غيره، وليس من التصدق بالرديء ومثله ما اعتيد من التصدق بالفلوس دون الفضة. "و" أن يكون تصدقه مقرونًا "بطيب نفس وبشر" لما فيه من تكثير الأجر وجبر القلب وبالبسملة وبإعطاء الفقير الصدقة من يده وبعدم الطمع في الدعاء منه فإن دعا له سن أن يرد عليه لئلا ينقص أجر الصدقة.
"ولا يحل التصدق بما يحتاج إليه لنفقته أو نفقة من عليه نفقته في يومه وليلته" لما صح من قوله ﷺ : "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول" ٣ وإطعام الأنصاري قوت صبيانه لمن نزل به ضيافة لا صدقة والضيافة لتأكدها ووجوبها عند أحمد لا يشترط فيها الفضل عن العيال. "أو" بما يحتاج إليه "لدين لا يرجو له وفاء" لأن أداءه واجب لحق الآدمي فلا يجوز
стр. 246
أن يأخذ صدقته ممن أخذ منه ببيع أو غيره، ويحرم السؤال على الغني بمال أو كسب، والمن بالصدقة يحبطها، وتتأكد بالماء والمنيحة.
ــ
تفويته أو تأخيره بسبب التطوع بالصدقة، ومحله إن لم يغلب على ظنه وفاؤه من جهة أخرى ظاهرة ولم يحصل بذلك تأخيره عن أدائه الواجب فورًا بمطالبة أو غيرها، ومحل ما ذكر في نفسه ما لم يصبر على الإضافة، ومن ثم قالوا يحرم إيثار عطشان آخر بالماء فإن صبر جاز، ومن ثم قالوا: يجوز للمضطر أن يؤثر على نفسه مضطرًا آخر مسلمًا. "ويستحب" التصدق "بما" أي بجميع ما "فضل عن حاجته" وحاجة ممونه يومه وليلته "إذا لم يشق عليه" ولا عليهم "الصبر على الضيق" وإلا كره، وعلى هذا التفصيل حملت الأخبار المختلفة الظاهر كخبر: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" ١ وخبر تصدق أبي بكر ﵁ بجميع ماله والتصدق ببعض الفاضل عن حاجته مسنون مطلقًا وحيث حرمت الصدقة بشيء لم يملكه الآخذ. "ويكره" للإنسان "أن يأخذ صدقته" أو نحوها من زكاة أو كفارة "ممن أخذ منه" شيئًا على سبيل الصدقة سواء الأخذ من المتصدق عليه "ببيع أو غيره" لأن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه كما في الحديث٢، وخرج بقوله "يأخذ" المشعر بالاختيار ما لو ورثها فلا يكره له التصرف فيها، وبقوله "ممن أخذ منه" ما لو أخذها من غيره فإنه لا يكره، ولو بعث لفقير شيئًا لم يزل ملكه عنه فإن لم يوجد أو لم يقبل من التصدق سن أن يتصدق به على غيره ولا يعود فيه. "ويحرم السؤال على الغني بمال أو كسب" وكذا إظهار الفاقة وأن يسأل وعليه حملوا خبر الذي مات من أهل الصفة وترك دينارين فقال النبي ﷺ : "كيتان من نار" ٣، ويكره له التعرض لها بدون إظهار فاقة، أما أخذها بلا تعرض ولا إظهار فاقة فخلاف السنة. "والمن بالصدقة" حرام "يحبطها" أي يمنع ثوابها للآية٤. "وتتأكد بالماء" لخبر: "أي الصدقة أفضل؟ قال: الماء"٥ ومحله فيما يظهر إن كان الاحتياج إليه أكثر منه إلى الطعام وإلا فهو أفضل. "والمنيحة" وهي الشاة اللبون ونحوها بأن يعطيها لمحتاج يشرب لبنها ما دامت لبونًا ثم يردها إليه لما في ذلك من مزيد البر والإحسان.
стр. 247
باب كتاب الصيام
مدخل
...
كتاب: الصيام
يجب صوم رمضان باستكمال شعبان ثلاثين أو برؤية عدل الهلال، وإذا رؤي الهلال
ــ
كتاب: الصيام
وهو لغة: الإمساك. وشرعًا: الإمساك عن المفطر على وجه مخصوص، وفرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة.
"ويجب صوم رمضان باستكمال شعبان ثلاثين" يومًا إن كانت السماء مطبقة بالغيم. "أو برؤية عدل" واحد "الهلال" إذا شهد بها عند القاضي بلفظ الشهادة ولو بنحو: أشهد أني رأيت الهلال فلا يكفي أن يقول غدًا من رمضان، ولا يشترط تقدم دعوى بل أن يكون عدل شهادة، فلا يكفي عبد وامرأة لكن لا يشترط فيه العدالة الباطنة وهي التي يرجع فيها إلى قول المزكين بل يكفي كونه مستورًا؛ ودليل الاكتفاء بواحد ما صح عن ابن عمر ﵄: "أخبرت رسول الله ﷺ أني رأيت الهلال فصام وأمر الناس بصيامه"١ والمعنى في ثبوته بواحد دون غيره من المشهور الاحتياط للصوم ومن ثم لم يكتف بواحد إلا بالنسبة للصوم وتوابعه كالتراويح والاعتكاف والعمرة المعلقين بدخول رمضان بخلاف غير الصوم وتوابعه فلا يحل دين مؤجل به ولا يقع ما علق به من نحو طلاق وعتق، نعم يثبت ذلك في حق الرائي ولذلك يلزمه الصوم وإن كان فاسقًا، وكذا يلزم من أخبره فاسق أنه رآه واعتقد صدقه، ولا يجوز العمل بقول المنجم والحاسب لكن لهما العمل باعتقادهما، ولكن لا يجزئهما صومهما عن فرضهما، وبحث الأذرعي الاكتفاء برؤية القناديل المعلقة بالمنائر ليلة أول رمضان، وقياسه الاكتفاء بذلك أيضًا حيث اطردت العادة بتعليقها في البلد المرئية فيها فجر ليلة العيد حيث اعتقد من رآها أن غدًا عيد، ثم رأيت جمعًا بحثوه أيضًا، ولا عبرة بقول من قال أخبرني النبي ﷺ في النوم أن غدًا من رمضان فلا يجوز بالإجماع العمل بقضية منامه لا في الصوم ولا في غيره.
"وإذا رئي الهلال ببلد لزم" الصوم "من وافق مطلعهم مطلعه" لأن الرؤية تختلف باختلاف المناظر وعروض البلدان فكان اعتبارهما أولى كما في طلوع الفجر والزوال وغروبها، أما إذا اختلفت المطالع فلا يجب الصوم على من اختلف مطلعه لبعده، وكذا لو شك في اتفاقها، ولا يمكن اختلافها في دون أربعة وعشرين فرسخًا، ولو سافر من بلد الرؤية إلى بلد تخالفه في المطلع ولم ير أهله الهلال وافقهم في الصوم فيمسك معهم وإن كان معيدًا
стр. 248
ببلد لزم من وافق مطلعهم مطلعة، ولصحة الصوم شروط:
الأول: النية لكل يوم. ويجب التبييت في الفرض دون النفل، فتجزئه نيته قبل الزوال، ويجب التعيين أيضًا دون الفرضية في الفرض.
ــ
لأنه بالانتقال إليهم صار منهم، وكذا لو جرت سفينة صائم إلى بلد فوجدهم معيدين فإنه يفطر معهم لذلك، ولا قضاء عليه إلا إن صام ثمانية وعشرين يومًا، ولا أثر لرؤية الهلال نهارًا ولو قبل الزوال.
"ولصحة الصوم شروط: الأول النية" لخبر: "إنما الأعمال بالنيات" ١ ومر الكلام عليها وإنما تجب بالقلب ويسن التلفظ بها وتجب في الفرض والنفل "لكل يوم" لظاهر الخبر الآتي٢ ولأن كل يوم عبادة مستقلة، فلو نوى أول ليلة من رمضان صوم الشهر كله لم يكف لغير اليوم الأول لكن ينبغي له ذلك ليحصل له ثواب صوم رمضان إن نسي النية في بعض أيامه عند القائل بأن ذلك يكفي "ويجب التبييت في الفرض" بأن يوقع نيته ليلًا لما صح من قوله ﷺ : "من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له" ٣ وهو محمول على الفرض بقرينة الخبر الآتي في النفل٤، ولا يضر وقوع مناف كأكل وجماع بعد النية ولا تجزئ مقارنتها للفجر ولا إن شك عندهما في أنها متقدمة على الفجر أو لا خلاف ما لو نوى ثم شك أطلع الفجر أم لا، أو شك نهارًا هل نوى ليلًا ثم تذكر ولو بعد مضي أكثر النهار بخلاف ما لو مضى ولم يتذكر "دون النفل" فلا يجب التبييت فيه "فتجزئه نيته قبل الزوال" لما صح أنه ﷺ قال لعائشة: "هل عندكم من غداء؟ " قالت: لا. قال: "فإني إذن أصوم" ٥, ولا بد من اجتماع شرائط الصوم من الفجر للحكم عليه بأنه صائم من أول النهار حتى يثاب على جميعه إذ صومه لا يتبعض، ولو أصبح ولم ينو صومًا ثم تمضمض ولم يبالغ فسبق ماء المضمضة إلى جوفه ثم نوى صوم صح، وكذا كل ما لا يبطل به الصوم. "ويجب التعيين أيضًا" للمنوي من فرض كرمضان أو نذر أو كفارة ومن نفل له سبب كصوم الاستسقاء بغير أمر الإمام أو مؤقت كصوم يوم الاثنين وعرفة وعاشوراء وأيام البيض، لكن معنى وجوب التعيين في النفل المذكور بقسميه أنه بالنسبة لحيازة الثواب المخصوص لا أن الصحة متوقفة عليه، ولو كان عليه قضاء رمضانين أو صوم نذر أو كفارة عن
стр. 249
الثاني: الإمساك عن الجماع عمدًا، وعن الاستمناء.
الثالث: الإمساك عن الاستقاءة، ولا يضر تقيؤه بغير اختياره.
ــ
جهات مختلفة فنوى صوم غد عن رمضان أو صوم نذر وكفارة جاز وإن لم يعين عن قضاء أيهما في الأول ولا نوعه في الثاني لأن كله جنس واحد "دون" نية "الفريضة في" صوم "الفرض" فإنها لا تجب لأن صوم رمضان من البالغ لا يقع إلا فرضًا، بخلاف الصلاة فإن المعادة وإن كانت جمعة نفل، وعلم من كلامه أن أقل النية في رمضان أن ينوي صوم غد عن رمضان، والأكمل أن ينوي صوم غد عن أداء فرض رمضان هذه السنة لله تعالى لتتميز عن أضدادها، ولو تسحر ليصوم أو شرب لدفع العطش نهارًا أو امتنع من نحو الأكل خوف الفجر ذلك إن خطر بباله الصوم بالصفات التي يشترط التعرض لها لتضمن كل منها قصد الصوم، وكذا لو تسحر ليتقوى على الصوم وخطر بباله ذلك.
"الثاني: الإمساك عن الجماع" فيفطر به وإن لم ينزل إجماعًا بشرط أن يصدر من واضح "عمدًا" مع العلم بتحريمه ومع كونه مختارًا "وعن الاستمناء" يعني وعن تعمد الإنزال بلمس لما ينقض لمسه الوضوء أو استمناء بيده أو بيد حليلته؛ لأنه إذا أفطر بالجماع بلا إنزال فبالإنزال بمباشرة فيها نوع شهوة أولى، أما الإنزال بنحو فكر ونظم وضم امرأة بحائل وإن رق فلا يفطر به وإن تكررت الثلاثة بشهوة إذ لا مباشرة كالاحتلام لكن يحرم تكريرها، وإن لم ينزل كالتقبيل في الفم أو غيره لمن لم يملك نفسه من جماع أو إنزال لأن فيه تعريضًا لإفساد العبادة بخلاف ما إذا ملكها معه فإن تركه أولى، ولا يفطر بلمس ما لا ينقض لمسه كلمس عضو مبان١ وإن اتصل، ولو حك ذكره لعارض سوداء أو حكة فأنزل لم يفطر لتولده من مباشرة مباحة، ولو قبلها ثم فارقها ساعة ثم أنزل فإن كانت الشهوة مستصحبة والذكر قائمًا حتى أنزل أفطر وإلا فلا، ولا يضر إمناء الخنثى المشكل ولا وطؤه بأحد فرجيه لاحتمال زيادته، وخرج بما مر الناسي والجاهل والمعذور لقرب إسلامه أو نشئه ببادية بعيدة عن العلماء والمكره فلا يفطرون بالجماع ونحوه لعذرهم.
"الثالث: الإمساك عن الاستقاءة" فيفطر من استدعى القيء عامدًا عالمًا مختارًا وإن لم يعد منه شيء إلى جوفه لأنه مفطر لعينه لا لعود شيء منه. "ولا يضر تقيؤه" نسيانًا ولا جهلًا إن عذر به ولا "بغير اختياره" لما صح من قوله ﷺ : "من ذرعه القيء -أي غلبه- وهو صائم فليس عليه قضاء ومن استقاء فليقض" ٢.
стр. 250
الرابع: الإمساك عن دخول عين جوفًا كباطن الأذن والإحليل بشرط دخوله من منفذ مفتوح، ولا يضر تشرب المسام بالدهن والكحل والاغتسال، فإن أكل أو شرب ناسيًا أو جاهلًا قليلًا أو كثيرًا لم يفطر، ولا يعذر الجاهل إلا إن قرب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية
ــ
"الرابع: الإمساك عن دخول عين" وإن قلت كسمسمة أو لم تؤكل عادة كحصاة من الظاهر في منفذ مفتوح مع تعمده دخولها واختياره والعلم بأنه مفطر إلى ما يسمى "جوفًا كباطن الأذن والإحليل" وهو مخرج البول من الذكر واللبن من الثدي فإذا أدخل في شيء من ذلك شيئًا فوصل إلى الباطن أفطر، وإن كان لا ينفذ منه إلى الدماغ في الأولى ولم يجاوز الداخل فيه الحشفة أو الحلمة في الثانية لوصوله إلى جوف وكخريطة١ دماغ وصل إليها دواء من مأمومة٢ وإن لم يصل إلى باطنها وكجوف وصل إليه طعنه من نفسه أو غيره بإذنه ولا يضر وصوله لمخ ساقه لأنه ليس بجوف أو وصل إليه دواء من جائفة٣ أو حقنة أو سعوط، وإن لم تصل إلى باطن الأمعاء أو الدماغ إذ ما وراء الخيشوم وهو أقصى الأنف جوف وإنما يفطر بالواصل إلى الحلق إن وصل إلى الباطن منه شيء، ومخرج الهمزة والهاء باطن ومخرج الخاء المعجمة والحاء المهملة ظاهر، ثم داخل الفم إلى منتهى المهملة والأنف إلى منتهى الخيشوم له حكم الظاهر في الإفطار باستخراج القيء إليه أو ابتلاعه النخامة منه، وفي عدم الإفطار بدخول شيء فيه وإن أمسكه، وفي أنه إذا تنجس وجب غسله، وله حكم الباطن في عدم الإفطار بابتلاع الريق منه وفي سقوط غسله عن الجنب وفارق وجوب غسل النجاسة عنه بأنها أفحش وأندر فضيق فيها ما لم يضيق في الجنابة، وإنما يفطر بإدخال ما ذكر إلى الجوف "بشرط دخوله" إليه "من منفذ مفتوح" كما تقرر "و" من ثم "لا يضر تشرب المسام" بتثليث الميم وهي ثقب البدن "بالدهن والكحل والاغتسال" فلا يفطر بذلك وإن وصل جوفه لأنه لما لم يصل من منفذ مفتوح كان في حيز العفو ولا كراهة في ذلك لكنه خلاف الأولى، وإنما يفطر بما مر إن علم وتعمد واختار. "فإن أكل أو شرب ناسيًا" للصوم "أو جاهلًا" بأن ذلك مفطر أو مكرهًا على الأكل مثلًا "قليلًا" كان المأكول أو المشروب "أو كثيرًا لم يفطر" لعموم خبر الصحيحين: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب" وفي رواية: "وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" ٤