على المريض ونحوه إذا حضر وقت إقامتها، أو حضر في الوقت ولم يشق عليه الانتظار، ومن بلغه نداء صيت من طرف موضع الجمعة مع سكون الريح والصوت لا على مسافر سفرًا مباحًا طويلا أو قصيرًا، ويحرم السفر بعد الفجر إلا مع إمكانها في طريقه، أو توحش بتخلفه عن الرفقة، وتسن الجماعة في ظهر المعذورين ويخفونها إن خفي عذرهم، ومن صحت ظهره صحت جمعته، ومن وجبت عليه لا يصح إحرامه بالظهر قبل سلام الإمام، ويندب للراجي زوال عذره تأخير ظهره إلى اليأس من الجمعة.
ــ
منتنًا إلا إذا لم يقصد به إسقاطها وإلا لزمته، وصح أنه ﷺ قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض" ١ "وتجب" الجمعة "على المريض ونحوه" كالمعذور بالمطر "إذا حضر" محل إقامتها "وقت إقامتها" ولا يجوز له الانصراف إلا إن كان هناك مشقة لا تحتمل كمن به إسهال ظن انقطاعه فحضر, ثم عاد بعد تحرمه وعلم من نفسه أنه إن مكث جرى جوفه فله الانصراف لاضطراره إليه، وكذا لو زاد ضرره بطول صلاة الإمام "أو حضر في الوقت" أي بعد الزوال "ولم يشق عليه الانتظار" بأن لم يزد ضرره بذلك لأن المانع في حقه مشقة الحضور وبالحضور زال المانع، فإن تضرر بالانتظار أو لم يتضرر لكن حضر قبل الوقت فله الانصراف ولمن لا تلزمه لنحو رق الانصراف مطلقًا. "و" كما تجب على أهل محل إقامتها تجب على غيرهم وهم كل "من بلغه" نداء الجمعة لخبر: "الجمعة على من سمع النداء"٢ إسناده ضعيف لكن له شاهد بإسناد جيد. والمعتبر "نداء صيت" أي عالي الصوت يؤذن كعادته في علو الصوت وهو واقف على الأرض "من طرف موضع الجمعة" الذي يلي المكان الخارج عن موضعها "مع سكون الريح والصوت" واعتبر ما ذكر من الشروط لأنه عند وجودها لا مشقة عليه في الحضور بخلافه عند فقدها أو فقد بعضها، وتجب على من ذكر "لا على مسافر سفرًا مباحًا طويلا أو قصيرًا" بشرط أن يخرج من سور محلها أو عمرانه قبل الفجر. "ويحرم" على من لزمته الجمعة "السفر بعد الفجر" ولو لطاعة لأنها مضافة إلى اليوم وإن كان وقتها بالزوال، ولذا دخل وقت غسلها بالفجر ولزم بعيد الدار السعي قبل وقتها ليدركها فيه "إلا مع إمكانها في طريقه أو" إن "توحش" أي حصلت له وحشة "بتخلفه عن الرفقة" وإن لم يخف ضررًا على الأوجه أو إن خشي ضررًا على محترم له أو لغيره. "وتسن الجماعة في ظهر المعذورين" لعموم أدلتها "ويخفونها" ندبًا "إن خفي عذرهم" لئلا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام أو الجمعة، أما ظاهر العذر كالمرأة فيسن لها إظهارها لانتفاء التهمة. "ومن صحت ظهره" ممن لا تلزمه الجمعة "صحت جمعته" فيتخير
стр. 177
فصل: "للجمعة شروط زوائد "
للجمعة شروط زوائد:
الأول: وقت الظهر، فلا تقضى الجمعة فلو ضاق الوقت أحرموا بالظهر.
ــ
بين فعل ما شاء منهما لكن الجمعة أفضل لها لأنها صلاة أهل الكمال، نعم إن أحرم مع الإمام بالجمعة تعين عليه إتمامها فليس له أن يتمها ظهرًا بعد سلام الإمام لانعقادها عن فرضه. "ومن وجبت عليه" الجمعة "لا يصح إحرامه بالظهر قبل سلام الإمام" من الجمعة ولو بعد رفعه من ركوع الثانية لتوجه فرضها بناء على الأصح أنها الفرض الأصلي، وليست بدلًا عن الظهر وبعد سلام الإمام يلزمه فعل الظهر فورًا وإن كانت أواء لعصيانه بتفويت الجمعة فأشبه عصيانه بخروج الوقت، ولو تركها أهل بلد تلزمهم وصلوا الظهر لم تصح إلا إن ضاق الوقت عن أقل واجب الخطبتين والركعتين "ويندب للراجي زوال عذره" قبل فوات الجمعة كالعبد يرجو العتق والمريض يرجو الخفة١ "تأخير ظهره إلى اليأس من الجمعة" لما في تعجيل الظهر حينئذ من تفويت فرض أهل الكمال، فإن أيس من الجمعة بأن رفع الإمام رأسه من ركوعها الثاني فلا تأخير، وإنما لم يكن الفوات فيما مر بهذا بل بالسلام لأن الجمعة ثم لازمة له فلا ترتفع إلا بيقين بخلافه هنا، أما من لا يرجو زوال عذره كالمرأة فيسن له حيث عزم على أنه لا يصلي الجمعة الظهر أول الوقت ليحوز فضيلته.
فصل:
"للجمعة" أي لصحتها "شروط زوائد" على شروط غيرها "الأول: وقت الظهر" بأن تقع كلها مع خطبتيها فيه للاتباع رواه الشيخان٢. "فلا تقضي الجمعة" لأنه لم ينقل "فلو ضاق الوقت" عن أن يسعها مع خطبتيها أو شكوا هل بقي ما يسع ذلك أم لا "أحرموا بالظهر" وجوبًا لفوات الشرط، ولو مد الركعة الأولى حتى تحقق أنه لم يبق ما يسع الثانية أتم وانقلبت ظهرًا من الآن وإن لم يخرج الوقت، ولو خرج الوقت وهم فيها أتموها ظهرًا وجوبًا، ولا يشترط تجديد نية لأنهما صلاتا وقت واحد فجاز بناء أطولهما على أقصرهما كصلاة الحضر مع السفر، ويسر بالقراءة من حينئذ، ولا أثر للشك أثناءها في خروجه لأن الأصل بقاؤه٣، ولو قام المسبوق ليكمل فخرج الوقت انقلبت له ظهرًا أيضًا.
стр. 178
الثاني: أن تقام في خطة بلد أو قرية.
الثالث: أن لا يسبقها ولا يقارنها جمعة في تلك البلد أو القرية إلا لعسر الاجتماع.
الرابع: الجماعة وشروطها أربعون مسلمًا ذكرًا مكلفًا حرًّا متوطنًا لا يظعن إلا لحاجة
ــ
"الثاني" من الشروط: "أن تقام في خطة بلدة أو قرية" مبنية ولو بنحو قصب للاتباع، فلا تصح إلا في أبنية مجتمعة في العرف وإن لم تكن في مسجد وإن انهدمت وأقاموا لعمارتها ولو في غير مظال لأنها وطنهم، وبه فارق ما لو نزلوا مكانًا ليعمروه قرية فإن جمعتهم لا تصح فيه قبل البناء، ودخل في قوله خطة -وهي بكسر الخاء المعجمة أرض خط عليها أعلام للبناء فيها- الفضاء المعدودة من الأبنية المجتمعة بأن كان في محل منها لا تقصر فيه الصلاة وإن كان منفصلا عن الأبنية، بخلاف غير المعدود منها وهو ما يقصر فيه المسافر إذا وصله، وعليه يحمل قولهم: لو بنى أهل بلد مسجدهم خارجها لم يجز لهم إقامة الجمعة فيه لانفصاله وخرج بالبلد والقرية الخيام وإن استوطنها أهلها فلا جمعة عليهم.
"الثالث" من الشروط: "أن لا يسبقها ولا يقارنها جمعة في تلك البلاد أو القرية" للاتباع "إلا لعسر الاجتماع" في محل مسجد أو غيره منها فحينئذ يجوز تعددها بحسب الحاجة أما إذا سبقت واحدة مع عدم عسر الاجتماع فهي الصحيحة، وما بعدها باطل، وإما إذا تقارنتا فهما باطلتان، والعبرة في السبق والمقارنة بالراء من تكبيرة إحرام الإمام، فإن علم سبق وأشكل الحال أو علم السابق ثم نسي فالواجب الظهر على الجميع لالتباس الصحيحة بالفاسدة، وإن علمت المقارنة أو لم يعلم سبق ولا مقارنة أعيدت الجمعة إن اتسع الوقت لعدم وقوع جمعة مجزئة من خلاف من منع التعدد ولو لحاجة.
"الرابع" من الشروط: "الجماعة" فلا تصح بأربعين فرادى لأنه لم ينقل "وشروطها" أي الجماعة ليعتد بها في الجمعة "أربعون" بالإمام لأن الأمة أجمعوا على اشتراط العدد فيها وإلا صلى الظهر، ولا تصح الجمعة إلا بعدد ثبت فيه توقيف١ وقد ثبت جوازها بأربعين١ ولم تثبت صلاته ﷺ لها بأقل من أربعين فلا تجوز بأقل منه "مسلمًا ذكرًا مكلفًا" أي بالغًا عاقلًا "حرًا متوطنًا" ببلد الجمعة بأن يكون بحيث "لا يظعن" عن وطنه صيفًا ولا شتاء "إلا لحاجة" كتجارة وزيارة فلا تنعقد بأضداد من ذكر لنقصهم، ومنهم غير المتوطن كمن أقام على عزم عوده إلى بلده بعد مدة ولو طويلة كالمتفقهة٣
стр. 179
فإن نقصوا في الصلاة صارت ظهرًا، ويجوز كون إمامها عبدًا أو مسافرًا أو صبيًّا إن زاد على الأربعين.
الخامس: خطبتان قبل الصلاة، وفروضهما خمسة: حمد الله تعالى، والصلاة على
ــ
والمتوطن خارج بلد الجمعة وإن سمع النداء فلا تنعقد بهما، وفي صحة تقدم إحرام من لا تنعقد بهم على من تنعقد بهم اضطراب طويل، فينبغي لمن لا تنعقد به أن لا يحرم بها إلا بعد إحرام أربعين ممن تنعقد بهم. "فإن نقصوا" عن الأربعين بانفضاض أو غيره "في" الخطبة أو بينها وبين الصلاة أو في الركعة الأولى من "الصلاة" بطلت الخطبة في الأولتين والجمعة في الثالثة و"صارت ظهرًا" إلا أن أتموا على الفور بمن سمع أركان الخطبتين، فحينئذ يبني على ما مضى أو كان أحرم قبل الانفضاض من كمل العدد به وإن لم يسمع الخطبة لأنهم لما لحقوا والعدد تام صار حكمهم واحدًا، ولو تحرم تسعة وثلاثون لاحقون بعد رفع الإمام من ركوع الأولى ثم انفض الأربعون الذين أحرم بهم أو نقصوا فالجمعة باقية وإن لم يحضر اللاحقون الركعة الأولى لما مر، ولا يضر تباطؤ المأمومين بالإحرام بعد إحرام الإمام لكن بشرط تمكنهم من قراءة الفاتحة قبل ركوعه وإلا لم تنعقد الجمعة بهم، ولو كان في الأربعين أمي قصر في التعلم لم تصح جمعتهم لارتباط صحة صلاة بعضهم ببعض فصار كاقتداء القارئ بالأمي، ولو جهلوا كلهم الخطبة لم تصح الجمعة بخلاف ما إذا جهلها بعضهم، وعلم مما تقرر أن الجماعة هنا إنما تشترط في الركعة الأولى، فلو صلى بالأربعين ركعة ثم أحدث فأتم كل وحده أو فارقوه في الثانية وإن لم يحدث وأتموا منفردين أجزأتهم الجمعة، لكن يشترط بقاء العدد إلى السلام، فلو بطلت صلاة واحد من الأربعين حال انفرادهم في الركعة الثانية بطلت صلاة الجميع لتبين فساد صلاته من أولها فكأنه لم يحرم. "ويجوز كون إمامها عبدًا أو مسافرًا أو صبيًا" أو محدثًا ولم يبن حدثه إلا بعد الصلاة أو محرمًا برباعية كالعصر "إن زاد على الأربعين" ولا أثر لحدثه لأنه لا يمنع الجماعة ولا نيل فضلها فإن لم يكن زائدًا على الأربعين لم تنعقد الجمعة لانتفاء العدد المعتبر، ومثله ما لو بان كافرًا أو امرأة وإن زاد على الأربعين لأنهما ليسا أهلًا للإمامة بحلا، ولو بان حدث الأربعين صحت للإمام وللمتطهر تعبًا له وإن لم يكن الإمام زائدًا على الأربعين لأنه لم يكلف العلم بطهارتهم، بخلاف ما لو بان فيهم نحو عبد أو امرأة لسهولة الاطلاع على حاله.
"الخامس" من الشروط: "خطبتان قبل الصلاة" للاتباع١ وأخرت خطبتا نحو العيد
стр. 180
رسول الله ﷺ والوصية بالتقوى، وتجب هذه الثلاثة في الخطبتين. الرابع: قراءة آية مفهمة في إحداهما. الخامس: الدعاء للمؤمنين في الثانية، وشروطهما: القيام لمن قدر، وكونهما بالعربية وبعد الزوال والجلوس بينهما بالطمأنينة، وإسماع العدد الذي تنعقد به والولاء بينهما وبينهما والصلاة وطهارة الحدثين، وطهارة النجاسة والستر.
ــ
للاتباع أيضًا١. "وفروضهما" من حيث المجموع "خمسة: حمد الله تعالى" للاتباع٢ ويشترط كونه بلفظ الله ولفظ حمد وما اشتق منه كالحمد لله أو أحمد الله أو الله أحمد أو لله الحمد أو أنا حامد لله فخرج الحمد للرحمن والشكر لله ونحوهما فلا يكفي. "والصلاة على رسول الله ﷺ " ويتعين صيغتها كاللهم صل أو أصلي أو نصلي أو الصلاة والسلام على محمد أو أحمد أو الرسول أو النبي أو الحاشر أو الماحي أو العاقب أو البشير أو النذير فخرج سلم الله على محمد ورحم الله محمدًا وصلى الله عليه فلا يكفي على المعتمد خلافًا لمن وهم فيه وإن تقدم له ذكر يرجع إليه الضمير. "والوصية بالتقوى" للاتباع ولأنه المقصود الأعظم من الخطبة ولا يتعين لفظها بل يكفي أطيعوا الله أو اتقوا الله، ولا يكفي الاقتصار فيها على التحذير من غرور الدنيا وزخارفها لأن ذلك معلوم حتى عند الكافر، بل لا بد من الحث على الطاعة أو المنع من المعصية. "وتجب هذه" الأركان "الثلاثة في" كل من "الخطبتين" اتباعًا للسلف والخلف. "والرابع: قراءة آية مفهمة" للاتباع سواء آية الوعد والوعيد وغيرهما فلا يكفي شطر آية ولو طويلة ولا آية غير مفهمة نحو ثم نظر وتكفي ولو "في إحداهما" لأن الثابت القراءة في الخطبة دون تعين محلها، ويسن كونها بعد فراغ الأولى وقراءة ق في الأولى في كل جمعة للاتباع. "الخامس: الدعاء للمؤمنين" والمؤمنات بأخروي "في" الخطبة "الثانية" لاتباع السلف والخلف وإن اختص بالسامعين نحو رحمكم الله. "وشروطهما" أي شروط كل منهما "القيام لمن قدر" عليه للاتباع٣ فإن عجز عنه بالضابط السابق في صلاة الفرض خطب قاعدًا فإن عجز عن ذلك فمضطجعًا ويجوز الاقتداء به وإن لم يتبين عذره لأن الظاهر أنه معذور،
стр. 181
فصل: "في بعض سنن الخطبة وصلاة الجمعة "
تسن على منبر فإن لم يتيسر فعلى مرتفع، وأن يسلم عند دخوله وعند طلوعه، وإذا
ــ
فإن بانت قدرته لم يؤثر والأولى للعاجز الاستنابة. "وكونها بالعربية" وإن كان الكل أعجميين لاتباع السلف والخلف، فإن أمكن تعلمهما بها خوطب به جميع أهل البلد على الكفاية، وإن زادوا على الأربعين فإن لم يفعلوا عصوا ولا جمعة لهم بل يصلون الظهر، وفائدة الخطبة بها وإن لم يعرفها القوم العلم بالوعظ من حيث الجملة إذ الشرط سماعها لا فهم معناها، وإن لم يمكن تعلمها خطب واحد بلغته وإن لم يعرفها القوم فإن لم يحسن أحد منهم الترجمة فلا جمعة لهم بانتفاء شرطها. "و" كونهما "بعد الزوال" للاتباع١ "والجلوس بينهما" للاتباع٢ "بالطمأنينة" فيه وجوبًا كما في الجلوس بين السجدتين هذا في القائم إن أمكنه الجلوس وإلا فصل بسكتة، وكذا من يخطب جالسًا لعجزه فلا يكفيه الفصل بالاضطجاع، ويندب كون الجلوس ونحوه بقدر سورة الإخلاص "وإسماع العدد الذي تنعقد به" الجمعة بأن يرفع الخطيب صوته بأركانهما حتى يسمعها تسعة وثلاثون غيره كاملون فلا بد من الإسماع والسماع بالفعل لا بالقوة٣، ولو كان الخطيب أصم لم يشترط أن يسمع نفسه على الوجه وإن كان من الأربعين، ولا يشترط معرفة الخطيب معنى أركان الخطبة خلافًا للزركشي٤ "والولاء بينهما" أي بين كلمات كل من الخطبتين "وبينهما" وبين "الصلاة" للاتباع "وطهارة الحدثين" الأصغر والأكبر "وطهارة النجاسة" في الثوب والبدن والمكان "والستر" للعورة للاتباع كما في الصلاة فلو أحدث في الخطبة استأنفها وإن سبقه الحدث وقصر الفصل بخلاف ما لو أحدث بينهما وبين الصلاة وتطهر عن قرب لأنهما مع الصلاة عبادتان مستقلتان كما في الجمع بين الصلاتين، وأفهم كلامه أنه لا يشترط ترتيب الأركان الثلاثة ولا نية الخطبة ولا نية فرضيتها.
فصل: في بعض سنن الخطبة وصلاة الجمعة
"تسن" الخطبة "على منبر" للاتباع٥ "فإن لم يتيسر فعلى مرتفع" لأنه أبلغ في الإعلام،
стр. 182
أقبل عليهم، وأن يجلس حالة الأذان، وأن يقبل عليهم بوجهه، وأن تكون بليغة مفهومة قصيرة، وأن يعتمد على نحو عصا بيساره ويمناه بالمنبر، ويبادر بالنزول، ويكره التفاته والإشارة بيده، ودقة درج المنبر، ويقرأ في الأولى الجمعة، وفي الثانية المنافقين، أو سبح الأعلى، وفي الثانية الغاشية جهرًا.
ــ
فإن تعذر استند إلى خشبة أو نحوها. "وأن يسلم" الخطيب على الحاضرين "عند دخوله" المسجد لإقباله عليهم ولا يسن له فعل التحية. "و" أن يسلم ثانيًا على من "عند" المنبر قرب وصوله وإرادة "طلوعه" للاتباع "و" أن يسلم ثالثًا "إذا أقبل عليهم" للاتباع أيضًا "وأن يجلس" على المستراح "حالة الأذان" ليستريح من تعب الصعود وأن يؤذن بين يديه للاتباع "وأن يقبل عليهم بوجهه" ويستدبر القبلة للاتباع ولأنه اللائق بالمخاطبات، فإن استقبل أو استدبر كره، وأن يرفع صوته زيادة على الواجب للاتباع١ أيضًا، وأن لا يلتفت يمينًا ولا شمالا ولا يعبث بل يخشع كما في الصلاة. "وأن تكون" الخطبة "بليغة" لأن المبتذلة الركيكة لا تؤثر في القلوب "مفهومة" لكل الناس لأن الغريبة الوحشية لا ينتفع بها أكثرهم "قصيرة" يعني متوسطة بين الطويلة والقصيرة للاتباع رواه مسلم٢، ولا يعارضه خبره أيضًا المصرح بالأمر بقصرها وبإطالة الصلاة بأن ذلك علامة على الفقه٣ لأن القصر والطول من الأمور النسبية، فالمراد بإقصارها إقصارها عن الصلاة، وبإطالة الصلاة إطالتها على الخطبة، فعلم أن سن قراءة ق في الأولى لا ينافي كون الخطبة قصيرة أو متوسطة. "وأن يعتمد" الخطيب "على نحو عصا" أو سيف أو قوس "بيساره" للاتباع٤ وحكمته أن هذا الدين قام بالسلاح "و" تكون "يمناه" مشغولة "بالمنبر" إن لم يكن فيه نجاسة كعاج أو ذرق طير فإن لم يجد شيئًا من ذلك جعل اليمنى على اليسرى تحت صدره. "و" أن "يبادر بالنزول" ليبلغ المحراب مع فراغ المؤذن من الإمامة في تحقيق الموالاة ما أمكن بين الخطبة والصلاة. "ويكره" ما ابتدعه جهلة الخطباء
стр. 183
فصل: "في سنن الجمعة "
يسن الغسل لحاضرها، ووقته من الفجر، ويسن تأخيره إلى الرواح، والتبكير لغير
ــ
ومنه "التفاته" في الخطبة الثانية "والإشارة بيده" أو غيره "ودقة درج المنبر" في صعوده بنحو سيف أو رجله والدعاء إذا انتهى إلى المستراح قبل جلوسه عليه، والوقوف في كل مرقاة وقفة خفيفة يدعو فيها، ومبالغة الإسراع في الثانية، وخفض الصوت بها والمجازفة في وصف السلاطين عند الدعاء لهم، ومن البدع المنكرة كتب كثير أوراقًا يسمونها حفائظ آخر جمعة من رمضان حال الخطبة، بل قد يحرم كتابة ما لا يعرف معناه لأنه قد يكون دالا على كفر، "ويقرأ" ندبًا "في" الركعة "الأولى الجمعة وفي" الركعة "الثانية المنافقين" ولو صلى بغير المحصورين "أو" في الأولى "سبح الأعلى وفي الثانية الغاشية" للاتباع فيهما وقراءة الأوليين أولى كما يشير إليه كلامه فإن ترك الجمعة أو سبح في الأولى عمدًا أو لا وقرأ بدلهما المنافقين أو الغاشية قرأ الجمعة أو سبح في الثانية ولا يعيد ما قرأه في الأولى، وإن لم يقرأ في الأولى واحدة منهما جمع بينهما في الثانية لئلا تخلو صلاته عنهما، ويسن أن تكون قراءته في الركعتين "جهرًا" للاتباع.
فصل: في سنن الجمعة
"يسن الغسل لحاضرها" أي مريد حضورها وإن لم تجب عليه لأن الغسل للصلاة لا لليوم بخلاف العيد، وذلك لما صح من قوله ﷺ : "من أتى الجمعة من الرجال أو النساء فليغتسل ومن لم يأتها فليس عليه غسل" ١ ويكره تركه للخلاف في وجوبه وإن صح الحديث بخلافه وهو قوله ﷺ : "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل" ٢ "ووقته من الفجر" لأن الأخبار علقته باليوم. "ويسن تأخيره إلى الرواح" لأنه أفضى إلى الغرض من التنظيف ولا يبطله حديث ولا جنابة، ويندب لمن عجز عنه التيمم بنية الغسل بدلًا عنه إحرازًا لفضيلة العبادة وإن فات قصد النظافة كسائر الأغسال المسنونة. "و" يسن "التبكير" إلى المصلى ليأخذوا مجالسهم وينتظروا الصلاة للخبر الصحيح: "من اغتسل يوم الجمعة ثم
стр. 184
الإمام من طلوع الفجر، ولبس البيض، والتنظيف، والتطيب، والمشي بالسكينة،
ــ
راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة" ١, وفي رواية صحيحة: "وفي الرابعة دجاجة، وفي الخامسة عصفورًا وفي السادسة بيضة" ٢, وفي أخرى صحيحة أيضًا: "وفي الرابعة بطة، وفي الخامسة دجاجة وفي السادسة بيضة" ٣, وإنما يندب البكور "لغير الإمام" أما الإمام فيندب له التأخير إلى وقت الخطبة للاتباع والساعات المذكورة "من طلوع الفجر" والمراد بها ساعات النهار الفلكية وهو اثنتا عشر ساعة زمانية صيفًا وشتاء، والعبرة بخمس ساعات منها أو ست طال الزمان أو قصر، ويؤيده الخبر الصحيح وهو: "يوم الجمعة ثنتا عشر ساعة" ٤ إذ مقتضاه أن يومها لا يختلف فلتحمل على مقدار سدس بين الفجر والزوال لكن بدنة من جاء أول ساعة أكمل من بدنة من جاء آخرها، وبدنه المتوسط متوسطة، وكذا يقال في بقية الساعات، هذا هو المعتمد من اضطراب طويل في المسألة. "ولبس" الثياب "البيض" والأعلى منها آكد لمن صح من قوله ﷺ : "البسوا من ثيابكم البيض فإنها من خير ثيابكم" ٥ وما صبغ غزله قبل النسج أولى مما صبغ بعده، بل يكره المصبوغ بعده ولم يلبسه ﷺ ولبس الأول، ويندب للإمام أن يزيد في حسن الهيئة والعمة والارتداء. "والتنظيف" بحلق العانة ونتف الإبط وقص الشارب وتقليم الأظفار وبالسواك وإزالة الأوساخ والروائح الكريهة للاتباع٦ "والتطيب" وأفضله وهو المسك آكد للخبر الصحيح: "من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه ومس من طيب إن كان عنده ثم أتى ولم يتخط أعناق الناس ثم
стр. 185
والاشتغال بقراءة أو ذكر في طريقه وفي المسجد، والإنصات بترك الكلام والذكر للسامع، وبترك الكلام دون الذكر لغيره، ويكره الاحتباء فيها، وسلام الداخل لكن تجب إجابته،
ــ
صلى ما كتب له ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يخرج من صلاته كان كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها" ١.
"والمشي بالسكينة" للخبر الصحيح: "من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها" ٢ ومعنى غسل قيل جامع حليلته فألجأها إلى الغسل، إذ يسن له الجماع قبل ذهابه ليأمن أن يرى في طريقه ما يشغل قلبه، والأولى فيه أن معناها من غسل ثيابه وغسل رأسه ثم اغتسل لخبر أبي داود٣. وبكر بالتخفيف: خرج من باب بيته باكرًا وبالتشديد: أتى الصلاة أو وقتها وابتكر أي أدرك أول الخطبة، ومحل ندب ما ذكر ما لم يضق الوقت وإلا وجب إن لم يدرك الجمعة إلا به، ويكره عند اتساع الوقت العدو إليها كسائر العبادات. "والاشتغال بقراءة أو ذكر في طريقه وفي المسجد" ليحوز فضيلة ذلك "والإنصات" في الخطبة ليحصل الإصغاء إليها قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ ، أي الخطبة ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ، وإنما يحصل "بترك الكلام والذكر" بالنسبة "للسامع وبترك الكلام دون الذكر لغيره" أي لغير السامع إذ الأولى أن يشتغل بالتلاوة والذكر، وأفهم كلامه أن ندب الإنصات لا يختص بالأربعين بل سائر الحاضرين فيه سواء، أما الكلام فمكروه لخبر مسلم: "إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت" ٤, وإنما يحرم لأنه ﷺ لم ينكر على من كلمه وهو يخطب ولم يبن له وجوب السكوت، والأمر في الآية للندب ومعنى لغوت تركت الأدب جمعًا بين الأدلة، ولا يكره الكلام قبل الخطبة وبعدها وبين الخطبتين ولا كلام الداخل إلا إن اتخذ له مكانًا واستقر فيه. "ويكره الاحتباء" للحاضرين ما دام الخطيب "فيها"
стр. 186
ويستحب تشميت العاطس وقراءة سورة الكهف يومها وليلتها وإكثار الصلاة على النبي ﷺ فيهما، والدعاء في يومها وساعة الإجابة فيما بين جلوس الإمام للخطبة وسلامه،
ــ
أي الخطبة لما صح من النهي عنه١ ولأنه يجلب النوم. "و" كره "سلام الداخل" على الحاضرين كما في المجموع وغيره لأنهم مشغولين بما هو أهم منه. "لكن تجب إجابته" لأن عدم مشروعيته لعارض لا لذاته بخلافه على نحو قاضي الحاجة. "ويستحب" لكل من الحاضرين "تشميت العاطس" إذا حمد الله بأن يقول له: رحمك الله لعموم أدلته٢، وإنما لم يكره كسائر الكلام لأن سببه قهري، ولو عرض مهم ناجز كتعليم خير ونهي عن منكر وإنذار مهلك لم يكره الكلام بل قد يجب٣، ومر أنه يحرم على أحد الحاضرين بعد صعود الخطيب المنبر وجلوسه اشتغال بالصلاة وإن لم يسمع الخطبة.
"و" يسن "قراءة سورة الكهف" وإكثارها "يومها وليلتها" لما صح من قوله ﷺ : "من قرأها يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين" ٤ وورد "من قرأها ليلتها أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق" ٥, وقراءتها نهارًا آكد والأولى بعد صلاة الصبح مبادرة بالعبادة ما أمكن "وإكثار الصلاة على النبي ﷺ فيهما" أي في يومها وليلتها للأخبار الكثيرة الشهيرة في ذلك٦ "والدعاء في يومها" ليصادف ساعة الإجابة فإنها فيه كما ثبت في أحاديث كثيرة لكنها متعارضة في وقتها. "وساعة الإجابة" أرجاها أنها "فيما بين جلوس الإمام للخطبة وسلامه", كما رواه مسلم٧، والمراد أنها لا تخرج عن هذا الوقت لا أنها مستغرقة له لأنها لحظة لطيفة
стр. 187
يكره التخطي، ولا يكره لإمام، ومن بين فرجة والعظم إذا ألف موضعًا، ويحرم التشاغل عنها بعد الأذان الثاني، ويكره بعد الزوال، ولا تدرك الجمعة إلا بركعة، فإن أدركه بعد ركوع الثانية نواها جمعة وصلاها ظهرًا، وإذا أحدث الإمام في الجمعة أو غيرها استخلف مأمومًا موافقًا لصلاته، ويراعي المسبوق نظم إمامه ولا يلزمه تجديد نية القدوة.
ــ
وخبر: "التمسوها آخر ساعة بعد العصر" ١ قال في المجموع: يحتمل أنها متنقلة تكون مرة في وقت ومرة في آخر كما هو المختار في ليلة القدر. "ويكره" تنزيهًا وقيل تحريمًا وعليه كثيرون وهو المختار من حيث الدليل للأخبار الصحيحة الدالة عليه "التخطي" لما فيه من الإيذاء٢ "ولا يكره لإمام" لا يبلغ المنبر أو المحراب إلا به لاضطراره إليه، ومن ثم لو وجد طريقًا يبلغ لهما بدونه كره له "و" لا "من بين يديه فرجة" وبينه وبينها صف أو صفان لتقصير القوم بإخلائها لكن يسن له إن وجد غيرها أن لا يتخطى، فإن زاد في التخطي على الصفين ورجا أن يتقدموا إليها إذا أقيمت الصلاة كره لكثرة الأذى. "و" لا "المعظم" لعلم أو صلاح "إذا ألف موضعًا" من المسجد على ما قاله جمع لأن النفوس تسمح بتخطيه وفيه نظر، والذي يتجه الكراهة له كغيره بل تأخيره الحضور إلى الزحمة غاية في التقصير بالنسبة إليه فلم يسامح له في ذلك، ويحرم عليه أن يقيم أحدًا ليجلس مكانه بل يقول: تفسحوا أو توسعوا للأمر به٣، فإن قام الجالس باختياره وأجلس غيره فلا كراهة على الغير، نعم يكره للجالس ذلك إن انتقل إلى مكان أبعد لكراهة الإيثار بالقرب. "ويحرم" على من تلزمه الجمعة "التشاغل عنها" ببيع أو غيره "بعد" الشروع في "الأذان الثاني" بين يدي الخطيب لآية آخر الجمعة٤، وقيس بالبيع فيها كل شاغل أي ما شأنه ذلك ولا يبطل العقد وإن حرم لأنه لمعنى خارج ولو تبايع اثنان أحدهما تلزمه الجمعة إثمًا كما لو لعب الشافعي الشطرنج مع حنفي؛ نعم له نحو شراء ما يحتاجه كماء طهره ونحو البيع٥ وهو سائر إليها وفي المسجد. "ويكره" التشاغل بذلك "بعد الزوال" وقبل الأذان السابق لدخول وقت الوجوب نعم لا كراهة في نحو مكة مما يفحش فيه التأخير لما فيه من الضرر ومر أن بعيد الدار يلزمه السعي ولو قبل الوقت فيحرم عليه التشاغل بذلك من وقت وجوب السعي ولو قبل الوقت.
стр. 188
باب: صلاة الخوف
إذا التحم القتال المباح، أو اشتد الخوف، أو هرب هربًا مباحًا من حبس وعدو
ــ
"ولا تدرك الجمعة إلا بركعة" لما مر من أنه يشترط الجماعة وكونهم أربعين في جميع الركعة الأولى، فلو أدرك المسبوق ركوع الثانية واستمر معه إلى أن يسلم أتى بركعة بعد سلام الإمام جهرًا وتمت جمعته، ولو شك مدرك الركعة الثانية قبل سلام الإمام هل سجد معه أم لا سجد وأتمها جمعة أو بعد سلامه أتمها ظهرًا لأنه لم يدرك ركعة معه فعلم أنه لو أتى بركعته الثانية وعلم في تشهده ترك سجدة من الثانية سجدها ثم تشهد وسجد للسهو وهو مدرك للجمعة وإن علمها من الأولى أو شك فاتته الجمعة حصلت له ركعة من الظهر. "فإن أدركه بعد ركوع الثانية نواها جمعة" وجوبًا وإن كانت الظهر هو اللازمة له موافقة للإمام ولأن اليأس منها لا يحصل إلا بالسلام "وصلاها ظهرًا" لعدم إدراك ركعة مع الإمام. "وإذا أحدث الإمام" أو بطلت صلاته بغير الحدث "في الجمعة" استخلف هو أو أحد المأمومين: وجوبًا إن بطلت في الركعة الأولى ليدركوا الجمعة وندبًا إن بطلت في الثانية ليتموها جماعة، وإنما لم يجب الاستخلاف فيها لإدراكهم مع الإمام ركعة، وإذا استخلف فيها جاز لهم المتابعة والانفراد، ويشترط في خليفة الجمعة أن يكون مأمومًا وإن لم يحضر الخطبة ولا الركعة الأولى ثم الخليفة في الأولى يتم الجمعة، وكذا خليفة الثانية إن اقتدى في الأولى ثم أحدث الإمام في الثانية فاستخلفه بخلاف ما لو اقتدى في الثانية لأنه لم يدرك ركعة خلف إمام يكون تابعًا له في إدراك الجمعة وإنما أدركه وهو خليفة، نعم إن أدرك المسبوق الثانية خلفه أتمها جمعة لأنه صلى ركعة خلف من يراعي نظم صلاة الجمعة، أما غير المأموم فلا يجوز استخلافه في الجمعة لأنه يشبه إنشاء جمعة بعد أخرى وهو ممتنع. "أو" بطلت صلاة الإمام "في غيرها" من سائر الفروض والنوافل "استخلف" ندبًا مطلقًا الإمام أو غيره "مأمومًا" أو غيره لكن يشترط أن يكون "موافقًا لصلاته" أي الإمام ليمشي على نظمه كأن يستخلف في أولى الرباعية أو ثالثتها، بخلاف ما إذا استخلفه في ثانيتها أو رابعتها لأنه يحتاج إلى القيام وهم إلى الجلوس. "ويراعي" الخليفة "المسبوق نظم" صلاة "إمامه" لأنه التزمه بقيامه مقامه "و" من ثم "لا يلزمهم" أي المأمومين "تجديد نية القدوة" به والله أعلم.
باب: كيفية "صلاة الخوف"
من حيث إنه يحتمل في الصلاة عنده ما لا يحتمل فيها عند غيره ويتبعه بيان حكم اللباس، وقد جاءت بها الأحاديث على ستة عشر نوعًا اختار الشافعي ﵁ منها أنواعًا أربعة ذكر المصنف منها واحدًا لكثرة وقوعه فقال:
"إذا التحم القتال المباح" ولو مع باغ أو صائل عليه أو على غيره ولم يتمكنوا من
стр. 189
وسبع أو ذب عن ماله، عذر في ترك القبلة أو كثرة الأفعال والركوب والإيماء بالركوع والسجود أخفض ولا يعذر في الصياح.
ــ
تركه١ "أو اشتد الخوف" ولم يأمنوا أن يدركهم العدو ولو ولوا أو انقسموا "أو هرب هربًا مباحًا من حبس" بغير حق "وعدو" زاد على الضعف "وسبع" وسيل لم يجد معدلًا عنه وغريم لا يصدقه في دعوى إعساره ولا بينة معه أو من قاصد نفسه أو ماله أو حريمه، ومن مقتص رجا بهربه منه سكون غضبه حتى يعفو عنه. "أو ذب" ظالمًا "عن" نحو "ماله" أو حريمه أو مال الغير أو حريمه، ففي كل هذه الصور لا يباح إخراج الصلاة عن وقتها بل يصلي كيف أمكن عند ضيق الوقت "وعذر" حينئذ "في ترك القبلة" عند العجز عن الاستقبال بسبب العدو ونحوه سواء الراكب والماشي وحالة التحرم وغيرها للضرورة، ويعذر حينئذ أيضًا في استدبار الإمام التقدم عليه للضرورة. "أو" في "كثرة الأفعال" التي يحتاج إليها ابتداء كالطعنات والضربات المتوالية والعدو والإعداء٢. "و" في "الركوب" الذي احتاج إليه ابتداء وفي الأثناء كذلك لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] ، ولو أمن وهو راكب نزل فورًا وجوبًا وبنى إن لم يستدبر القبلة وإلا استأنف. "و" في "الإيماء بالركوع" والسجود عند العجز عنهما للضرورة. "و" يجب أن يكون "السجود أخفض" ليتميز عن الركوع، وفي حمل السلاح الملطخ بنجس لا يعفى عنه إذا احتاج إلى إمساكه وإن لم يضطر إليه لكن يجب عليه القضاء في هذه الأخيرة لندرة عذره. "ولا يعذر في الصياح" بل تبطل به الصلاة إذ لا ضرورة إليه بل السكوت أهيب، ولا يعذر أيضًا في النطق بلا صياح كما في الأم، وعلم من كلامه أنه يمتنع جميع ما ذكر على العاصي بنحو قتاله كبغاة وقطاع طريق أو هربه كأن لم يزد العدو على ضعفنا لأن الرخص لا تناط بالمعاصي، ولا يباح شيء من ذلك لطالب عدو خاف فوته لو صلى متمكنًا لأن الرخص إنما وردت في خوف فوت ما هو حاصل وهي لا تتجاوز محلها وهو المحصل، نعم إن خشي كره٣ عليه أو كمينًا أو انقطاعه عن رفقته جاز له لأنه خائف، ومن خاف فوت الوقوف بعرفة لو صلى متمكنًا وجب عليه تحصيل الوقوف وترك الصلاة في وقتها لأن قضاء الحج صعب بخلاف الصلاة.
стр. 190
فصل: "في اللباس"
يحرم الحرير والقز للذكر البالغ إلا لضرورة كجرب وحكة وقمل، ويحل المركب من حرير وغيره إن استويا في الوزن وإلباس الصبي الحرير، والذهب والفضة، والحرير
ــ
فصل: في اللباس
"يحرم الحرير والقز" وهو نوع منه لكنه أدون١ "للذكر" والخنثى "البالغ" العاقل أي عليه بسائر وجوه الاستعمالات كالتستر والتدثر لما صح عنه ﷺ من النهي عن لبسه وعن الجلوس عليه٢، وقيس بهما سائر وجوه الاستعمالات، ولأن فيه من معنى الخيلاء أنه يورث رفاهية وزينة وإبداء زي يليق بالنساء دون شهامة الرجال "إلا لضرورة" أو حاجة "كجرب وحكة" إن آذاه غيره ودفع حر وبرد شديدين "وقمل" فيحل استعماله لأجل ذلك حضرًا وسفرًا إن كان القمل لا يندفع بدونه ولا بأسهل منه للحاجة، ولأنه ﷺ أرخص فيه لعبد الرحمن بن عوف وللزبير لحكة كانت بهما٣ ويجوز بل يجب لبسه إذا لم يجد غيره ليستر عورته ولو في الخلوة، وللمحارب لبس ديباج لا يقي غيره وقايته، وكذا لمن فاجأه قتال بغتة فلم يمكنه طلب غير الحرير أو لم يجد غيره.
"ويحل المركب من حرير وغيره إن استويا في الوزن" أو كان الحرير أقل سواء زاد ظهور الحرير أو لا لأنه حينئذ لا يسمى حريرًا والأصل بخلاف ما أكثره حرير في الوزن لأنه حينئذ يسمى ثوب حرير، وخرج بالذكر المرأة فيحل لها سائر استعماله افتراشًا وغيره لما صح من قوله ﷺ : "حل لإناثهم" ٤ نعم يحرم عليها تزيين الجدران به وتعليق الستور على الأبواب ونحوها، وخرج بالبالغ الصبي وبالعاقل المجنون. "و" من ثم حل "إلباس الصبي" ولو مراهقًا والمجنون "الحرير و" حلي "الذهب والفضة" في يوم العيد وغيره إذ ليس لهما شهامة تنافي خنوثة ذلك ولأنهما غير مكلفين، وكاللبس هنا أيضًا سائر وجوه الاستعمال. "و"
стр. 191
للكعبة، وتطريف معتاد وتطريز وترقيع قدر أربع أصابع وحشو وخياطة به وخيط سبحة،
ــ
يحل "الحرير للكعبة" أي لسترها سواء الديباج وغيره لفعل السلف والخلف له وليس مثلها في ذلك سائر المساجد، ويكره تزيين مشاهد العلماء والصلحاء وسائر البيوت بالثياب لخبر مسلم١. ويحرم بالحرير والمصور. أما تزيين الكعبة بالذهب والفضة فحرام كما يشير إليه كلامهم "و" يحل للرجل والخنثى "تطريف معتاد" أي جعل ثوبه مسجفًا بالحرير بقدر العادة وإن جاوزت أربع أصابع لما صح "أنه ﷺ كان له جبة يلبسها له رقعة في طوقها من ديباج وفرجاها مكفوفان بالديباج"٢، و"أنه كان له جبة مسجفة الطوق، والكمين والفرجين بالديباج"٣، أما ما جاوز العادة فيحرم. "وتطريز وترقيع قدر أربع أصابع" مضمومة بخلاف ما إذا جاوزها لخبر مسلم: "نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع أصبع أو أصبعين أو ثلاث أو أربع"٤ ولو تعددت محالهما اشترط على الأوجه أن لا يزيد على طرازين كل طراز على كم، وأن كل طراز لا يزيد على إصبعين ليكون مجموعهما أربع أصابع، والتطريز جعل الطراز الذي هو حرير خالص مركبًا على الثوب، أما المطرز بالإبرة فكالمنسوج على الأوجه فإن زاد الحرير على وزن الثوب حرم وإلا فلا. "و" يحل "حشو" لنحو مخدة وجبة بالحرير ولبس ذلك المحشو واستعماله لأنه ليس ثوبًا منسوجًا ولا يعد صاحبه لابس حرير وبهذا فارق حرمة البطانة.
"و" يحل للرجل وغيره "خياطة به" لذلك "وخيط سبحة" كما في المجموع وليقة٥ الدواة لاستتارها بالحبر قاله الزركشي. وكيس المصحف قاله الفوراني٦، وكيس الدراهم وغطاء الكوز على ما زعمه الإسنوي، وخلع الحرير من الملوك على ما نقل عن الماوردي لا
стр. 192
والجلوس عليه فوق حائل، ويحرم على الرجل المزعفر والمعصفر، ويسن التختم بالفضة للرجل دون مثقال في الخنصر واليمنى أفضل، ويكره نزول الثوب من الكعبين، ويحرم للخيلاء، ويكره لبس الثياب الخشنة لغير غرض شرعي.
ــ
كتابة الصداق فيه ولو للمرأة على المعتمد ولا اتخاذه بلا لبس "و" حل لمن مر "الجلوس عليه فوق حائل" فرش عليه ولو خفيفًا مهلهل النسج لأنه لا يسمى في العرف مستعملا له.
"ويحرم على الرجل" والخنثى "المزعفر والمعصفر" كما في الروضة وغيرها من تصويب البيهقي١ وأطال فيه. وألحق جمع المورس٢ بالمزعفر٣ لكن ظاهر كلام الأكثرين حله، وحرم على الرجل وغيره استعمال جلد الفهد والنمر. "ويسن التختم بالفضة للرجل" ولو لغير ذي منصب للاتباع٤ والأولى أن يكون "دون مثقال" فإن بلغ مثقالًا وعده العرف إسرافًا حرم وإلا فلا على الأوجه، وخبر: "فلا يبلغه مثقالا"٥ ضعيف وإن حسنه بعض المتأخرين. ويسن كونه "في الخنصر" اليمنى أو اليسرى للاتباع٦. "و" لكن "اليمنى أفضل" لأن حديث لبسه فيها أصح كما قاله البخاري، ويكره لبسه في غير الخنصر وقيل يحرم واعتمده الأذرعي٧ ويجوز لبسه فيهما معًا وبفص وبدونه وجعله في باطن الكف أفضل ونقشه ولو بذكر ولا يكره ويكره تنزيهًا للرجل لبس فوق خاتمين، وللمرأة لبس أكثر من خلخالين، ويجوز التختم بنحو الحديد والنحاس والرصاص بلا كراهة وخبر: "ما لي أرى عليك حلية أهل النار" ٨ لرجل وجده لابسًا خاتم حديد ضعيف لكن حسنه بعضهم فالأولى
стр. 193
باب: صلاة العيدين
هي سنة، ووقتها بعد طلوع الشمس إلى الزوال، ويسن تأخيرها إلى الارتفاع وفعلها في المسجد إلا إذا ضاق وإحياء ليلتيهما بالعبادة، والغسل من نصف الليل، والتطيب
ــ
ترك ذلك، والسنة في الثوب والإزار للرجل أن يكون إلى نصف الساقين، ويجوز بلا كراهة إلى الكعبين، وفي العذبة١ أن تكون بين الكتفين، وفي الكم أن يكون إلى الرسغ وهو المفصل بين الكف والساعد. "ويكره نزول" ذلك عما ذكر ومنه نزول "الثوب" أو الإزار "من الكعبين" أي عنهما. "ويحرم" نزول ذلك عما ذكر فيه "للخيلاء" أي بقصده للوعيد الشديد الوارد فيه٢، وللمراة إرسال الثوب على الأرض إلى ذراع ويكره لها الزيادة على ذلك، وابتداء الذراع من الكعبين على الأقرب وإفراط توسعة الأكمام والثياب بدعة وسرف، نعم ما صار شعارًا للعلماء يندب لهم لبسه كما قال العز بن عبد السلام ليعرفوا بذلك فيسألوا وليطاعوا فيما عنه زجروا، ويسن أن يبدأ بيمينه لبسًا ويساره خلعًا، وأن يخلع نحو نعليه إذا جلس وأن يجعلهما وراءه أو بجنبه إلا لعذر، وأن يطوي ثيابه ذاكرًا اسم الله تعالى وإلا لبسها الشيطان كما ورد "ويكره لبس الثياب الخشنة لغير غرض شرعي" على ما قاله جمع لكن الذي اختاره٣ في المجموع أنه خلاف السنة ويقاس بذلك أكل الخشن.
باب: صلاة العيدين
الأصل فيها الإجماع وغيره، وأول عيد صلاه النبي ﷺ عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة ولم يتركها.
"هي سنة" مؤكدة على كل مكلف وإن لم تلزمه الجمعة فلا إثم ولا قتال بتركها، وتسن حتى للحاج بمنى لكن فرادى لا جماعة، "ووقتها بعد طلوع الشمس" أي يدخل بالطلوع ويبقى "إلى الزوال ويسن تأخيرها إلى الارتفاع" أي ارتفاع الشمس قدر رمح للاتباع وللخروج من خلاف من قال: إنما تدخل بارتفاعها. "و" يسن "فعلها في المسجد" لشرفه فإن صلى في الصحراء كره ويقف نحو الحيض ببابه "إلا إذا ضاق" عن الناس فالسنة فعلها في الصحراء
стр. 194
والتزين للقاعد والخارج وللكبار والصغار للمصلي وغيره، وخروج العجوز ببذلة بلا طيب، والبكور لغير الإمام، والمشي ذهابًا والرجوع بطريق آخر أقصر كما في سائر
ــ
للاتباع١، ويكره فعلها حينئذ في المسجد وكاتساعه حصول نحو مطر مانع من الصحراء، وتسن في مسجد مكة وبيت المقدس مطلقًا تبعًا للسلف والخلف. "و" يسن "إحياء ليلتيهما" أي ليلة عبد الفطر وعيد الأضحى "بالعبادة" من نحو صلاة وقراءة وذكر لما ورد بأسانيد ضعيفة: "من أحيا ليلة العيد أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب"٢ ويحصل ذلك بإحياء معظم الليل. "و" يسن "الغسل" لكل من العيدين للاتباع٣ وإن كان سنده ضعيفًا٤ ويدخل وقته "من نصف الليل"ليتسع الوقت لأهل السواد٥ الآتين إليه قبل الفجر لبعد خطتهم٦ والأفضل فعله بعد الفجر. "و" يسن "التطيب والتزين" بما مر٧ في الجمعة ومنه ليس أحسن ما عنده والأولى البياض إلا أن يكون غيره أحسن فهو أفضل، وفارق ندب البياض في الجمعة مطلقًا بأن القصد هنا إظهار التواضع، ويندب ذلك لكل أحد حتى "للقاعد" في بيته والخارج "إلى صلاة العيد" والكبار والصغار "للمصلي" منهم "غيره" بخلاف نظيره في الجمعة لا يفعله إلا مريد حضورها لما مر ثم. "و" يسن "خروج العجوز" لصلوات العيد والجماعات "ببذلة" أي في ثياب مهنتها وشغلها "بلا طيب" ويتنظفن بالماء، ويكره بالطيب والزينة كما يكره الحضور لذوات الهيئات ولو عجائز وللشابات وإن كن مبتذلات بل يصلين
стр. 195
العبادات، والإسراع في النحر، والتأخير في الفطر والأكل فيها قبلها وتمر، ووتر، ويكبر
ــ
في بيوتهن ولا بأس بجماعتهن ولا بأن تعظهن واحدة، ويندب لمن لا يخرج منهن التزين إظهارًا للسرور وإنما يجوز الخروج للحليلة بإذن حليلها. "و" يسن لقاصد صلاة العيد "البكور" إلى المصلى ليحصل فضيلة القرب إلى الإمام وانتظار الصلاة "لغير الإمام" أما الإمام فيسن له تأخير الحضور إلى إرادة التحرم للاتباع. "و" يسن "المشي" إلى المصلى إن قدر عليه "ذهابًا" أي في الذهاب للخبر الصحيح في الجمعة: "وأتوها وأنتم تمشون" ١، أما العاجز لبعد أو ضعف فيركب، وأما غيره فلا يسن له المشي راجعًا بل هو مخير بينه وبين الركوب، نعم إن تضرر الناس بركوبه لغير الزحمة كره إن خفّ الضرر وإلا حرم. "و" يسن لمصلي العيد "الرجوع" من المصلى "بطريق" أي في طريق "آخر" غير الذي ذهب فيه وأن يكون "أقصر" من طريق الذهاب "كما في سائر العبادات" لمن صح "أنه ﷺ كان يفعل ذلك في العيد"٢ إما لشهادة الطريقين له أو لتبرك أهلهما به أو لاستفتائه٣ فيهما أو لتصدقه على فقرائهما أو لإرادة غيظ المنافقين أو للتفاؤل بتغير الحال إلى المغفرة والرضا.
"و" يسن للإمام "الإسراع في" الخروج من صلاة عيد "النحر والتأخير" قليلًا "في" الخروج إلى صلاة عيد "الفطر" لما ورد مرسلًا من أمره ﷺ بذلك وليتسع الوقت بعد صلاة النحر للتضحية وقبل صلاة الفطر لإخراج الفطرة. "و" يسن "الأكل" والشرب "فيه" أي الفطر "قبلها" أي قبل الصلاة والإمساك في عيد النحر للاتباع٤ وليتميز اليومان عما قبلهما، ويسن الأكل من كبد الأضحية للاتباع٥. "و" يسن "تمر ووتر" أي أن يكون المأكول كذلك للاتباع٦، وصلاة العيد ركعتان وصفتهما في الشروط والأركان والسنن كغيرها لكنها
стр. 196
في الركعة الأولى قبل القراءة سبعًا يقينًا مع رفع اليدين بين الاستفتاح والتعوذ، وفي الثانية خمسًا، ولا يكبر المسبوق إلا ما أدرك، وقراءة ق واقتربت أو الأعلى والغاشية، ويقول بين كل تكبيرتين: "الباقيات الصالحات": سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر سرًا واضعًا يمناه على يسراه بينهما ثم خطب خطبتين يجلس قبلهما جلسة خفيفة ويذكر فيهما ما يليق، ويكبر في الأولى تسعًا وفي الثانية سبعًا ولاء.
ــ
امتازت عن غيرها بأمور تندب فيها. "و" منها أنه "يكبر" الإمام والمنفرد "في الركعة الأولى" ولو من المقضية "قبل القراءة" أي قراءة الفاتحة "سبعًا يقينًا" سوى تكبير الإحرام والركوع فإن شك أخذ بالأقل "مع رفع اليدين" في كل تكبيرة حذو منكبيه كما مر في صفة الصلاة ووقت السبع الفاصل "بين الاستفتاح والتعوذ" فإن فعلها بعد التعوذ حصل أصل السنة لبقاء وقتها بخلاف ما إذا شرع في الفاتحة عمدًا أو سهوًا أو جهلا بمحله١ أو شرح إمامه قبل أن يأتي بالتكبير أو يتمه فإنه يفوت ولا يأتي به للتلبس بفرض، ولو تداركه بعد الفاتحة سن له إعادتها أو بعد الركوع بأن ارتفع ليأتي به بطلت صلاته إن علم وتعمد. "وفي الثانية خمسًا" ويأتي فيها نظير ما تقرر في الأولى، والمأموم يوافق إمامه إن كبر ثلاثًا أو ستًّا فلا يزيد عليه ولا ينقص عنه ندبًا فيهما، ولو ترك إمامه التكبيرات لم يأت بها. "ولا يكبر المسبوق إلا ما أدرك" من التكبيرات مع الإمام، فلو اقتدى به في الأولى مثلًا ولم يبق من السبع إلا واحدة مثلًا كبرها معه ولا يزيد عليها ولو أدركه في أول الثانية كبر معه خمسًا وأتى في ثانيته بخمس أيضًا أن في قضاء ذلك ترك سنة أخرى. "و" يسن "قراءة ق" في الأولى وإن أم بجميع غير محصورين "واقتربت" في الثانية "أو الأعلى" في الأولى "والغاشية" في الثانية للاتباع "ويقول" ندبًا "بين كل التكبيرات" من السبع أو الخمس "الباقيات الصالحات" في قوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦] ، وهي عند ابن عباس وجماعة "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" ويسن أن يأتي بذلك "سرًّا" وأن يكون "واضعًا يمناه على يسراه" تحت صدره "بينهما" أي بين كل تكبيرتين كما يضعهما كذلك في حال القراءة كما مر في صفة الصلاة.
"ثم" بعد الصلاة "خطب" ندبًا ولو لمسافرين لا منفردًا للاتباع "خطبتين" كخطبتي الجمعة في الأركان والسنن دون الشروط فلا تجب هنا بل تسن، ويسن أن يسلم على من عند المنبر وأن يقبل على الناس بوجهه ثم يسلم عليهم ثم "يجلس قبلهما جلسة خفيفة" بمقدار الأذان في الجمعة "ويذكر فيهما" أي الخطبتين "ما يليق" بالحال فيتعرض لأحكام زكاة الفطر
стр. 197
فصل: "في توابع ما مر"
يكبر غير الحاج برفع الصوت إن كان رجلًا من غروب الشمس ليلتي العيدين في الطريق ونحوها، ويتأكد مع الزحمة ثلاث تكبيرات متواليات، ويزيد لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، وندب زيادة الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا، ويستمر إلى تحرم الإمام، ويكبر الحاج من ظهر يوم النحر إلى صبح آخر التشريق، ويكبر غيره من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر التشريق بعد صلاة كل فرض أو نفل أداء وقضاء وجنازة وإن نسي كبر إذا تذكر، ويكبر لرؤية النعم في الأيام المعلومات -وهي عشر ذي الحجة- ولو شهدوا قبل الزوال برؤية الهلال الليلة الماضية أفطرنا وصلينا العيد أو بعد الزوال وعدلوا قبل الغروب فاتت وتقضى، أو بعد الغروب صليت من الغد أداء.
ــ
في عيده ولأحكام الأضحية في عيدها للاتباع في بعض ذلك١ "ويكبر ندبًا" في الخطبة "الأولى" عند استفتاحها "تسعًا يقينًا متوالية إفرادًا، "وفي" الخطبة "الثانية" عند استفتاحها "سبعًا" كذلك "ولاء" لما ورد عن بعض التابعين بسند ضعيف أن ذلك في السنة والتكبيرات المذكورة مقدمة للخطبة لا منها.
فصل: في توابع ما مر
"يكبر غير الحاج" سواء الرجل والمرأة لكن "برفع الصوت إن كان رجلًا" إظهارًا لشعار العيد بخلاف المرأة والخنثى "من غروب الشمس ليلتي العيدين في الطريق ونحوها" من المنازل والمساجد والأسواق راكبًا وماشيًا وقائمًا وقاعدًا وفي غير ذلك من سائر الأحوال، "و" لكن "يتأكد مع الزحمة" وتغاير الأحوال فيما يظهر قياسًا على التلبية للحاج. وكيفية التكبير أن يكون "ثلاث تكبيرات متواليات" اتباعًا للسلف والخلف "ويزيد" بعد الثلاث "لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد وندب" أخذًا من كلام الأم "زيادة الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا" لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله والله أكبر "ويستمر" مكبرًا كذلك "إلى تحرم الإمام" أي نطقه بالراء من تكبيرة الإحرام بصلاة العيد، فإن صلى منفردًا فالعبرة بإحرامه، وتكبير ليلة عيد الفطر منصوص عليه في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ ، أي عدة صوم رمضان ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وليلة عيد النحر نقيس عليه ومن ثم كان الأول آكد. "ويكبر الحاج من ظهر يوم النحر إلى صبح آخر" أيام "التشريق"؛ لأن أول صلاة يصليها بعد تحلله الظهر وآخر صلاة يصليها بمنى قبل نفره الثاني الصبح أي من شأنه ذلك، فلا فرق بين أن يقدم التحلل على الصبح أو يؤخره
стр. 198
باب: صلاة الكسوف
هي سنة مؤكدة، وهي ركعتان، ويستحب زيادة قيامين وركوعين وتطويل القيامات،
ــ
عنه، ولا بين أن يكون بمنى أو غيرها، ولا بين أن ينفر النفر الأول أو الثاني قبل صلاة الظهر أو بعدها في جميع ذلك فيما يظهر، "ويكبر غيره" أي غير الحاج "من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر" أيام "التشريق" للاتباع وتكبير الحاج وغيره في الوقتين المذكورين يكون "بعد" أي عقب "صلاة كل فرض أو نفل أداء وقضاء وجنازة" ومنذورة "وإن نسي" التكبير عقب الصلاة "كبر إذا تذكر" وإن طال الزمان لأنه شعار للأيام لا تتمة للصلاة بخلاف سجود السهو "ويكبر" ندبًا "لرؤية النعم" أي عند رؤية شيء منها وهي الإبل والغنم "في الأيام المعلومات وهي عشر ذي الحجة" لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] ، "ولو شهدوا قبل الزوال" يوم الثلاثين بزمن يسع الاجتماع والصلاة كلها أو ركعة منها "برؤية الهلال الليلة الماضية أفطرنا وصلينا العيد" أداء أو قبل الزوال بزمن لا يسع ما ذكر "أو بعد الزوال وعدلوا قبل الغروب" قبلوا أيضًا وأفطرنا لقبول شهادتهم لكن الصلاة "فاتت" لخروج وقتها "وتقضى" في أي زمن أراد لما مر في صلاة النفل "أو" شهدوا "بعد الغروب" أو قبله وعدلوا بعده لم يقبلوا بالنسبة لصلاة العيد إذ لا فائدة في قبولهم إلا تركها فلم نصغ إلى شهادتهم ولذا "صليت من الغد أداء" وليس يوم الفطر أول يوم في شوال مطلقًا بل يوم فطر الناس، وكذا يوم النحر يوم يضحون ويوم عرفة يعرفون للحديث الصحيح١ بذلك، أما بالنسبة لنحو أجل وتعليق طلاق فتسمع شهادتهم مطلقًا.
باب: صلاة الكسوف للشمس والقمر
ويسميان خسوفين وكسوفين وقيل الكسوف للشمس والخسوف للقمر.
و"هي سنة مؤكدة" للاتباع٢ فإنه ﷺ فعلها: "وهي" على كيفيات أقلها
стр. 199
وتطويل الركعات والسجدات، والجهر في القمر، ثم يخطب الإمام خطبتين أو واحدة، ويحث فيهما على الخير، ويفوت الكسوف بالانجلاء وبغروب الشمس، والخسوف بالانجلاء وبطلوع الشمس، لا بالفجر ولا بغروبه خاسفًا، وإذا اجتمع صلوات خاف فواتها قدم الفرض ثم الجنازة ثم العيد ثم الكسوف، وإن وسع الوقت قدم الجنازة ثم الكسوف، ويصلون لنحو الزلازل والصواعق منفردين.
ــ
"ركعتان"١ كسنة الظهر "ويستحب" إذا أراد أدنى الكمال "زيادة قيامين وركوعين" بأن يجعل في كل ركعة قيامًا بعد الركعة بعد القيام للاتباع، ويسن أن يأتي بسمع الله لمن حمده ثم بربنا لك الحمد في كل اعتدال وإن كان يقرأ فيه كالاعتدال من قراءة الفاتحة كما مر "و" يسن إن أراد الأكمل "تطويل القيامات" فيقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة البقرة أو قدرها، وفي القيام الثاني بعد الفاتحة آل عمران أو قدرها، وفي الثالث بعد الفاتحة النساء أو قدرها، وفي الرابع بعد الفاتحة المائدة أو قدرها. "وتطويل الركعات والسجدات" للاتباع بأن يسبح في الأول منها قدر مائة آية من البقرة، وفي الثاني قدر ثمانين، وفي الثالث قدر سبعين، وفي الرابع قدر خمسين. "و" يسن "الجهر" بالقراءة "في" كسوف "القمر" والإسرار بها في كسوف الشمس لأنها نهارية والأولى ليلية. "ثم" بعد الصلاة "يخطب الإمام خطبتين" للاتباع كخطبة الجمعة في الأركان والسنن دون الشروط. "أو واحدة" على ما قاله جماعة أخذًا من نص البويطي٢ لكنه مردود بأن النص لا يفهم ذلك وبأن الأوجه أنه لابد من خطبتين. "وبحث فيهما على الخير" كالعتق والصدقة والتوبة والاستغفار ويحذرهم من الغفلة والتمادي في الغرور للاتباع في بعض ذلك والأمر به في الباقي "ويفوت الكسوف" أي صلاة كسوف الشمس "بالانجلاء" التام يقينًأ لأنه المقصود بالصلاة وقد حصل "وبغروب الشمس" كاسفة لعدم الانتفاع بها بعده "والخسوف" أي صلاة خسوف القمر٣ "بالانجلاء" التام يقينًا "وبطلوع الشمس" لذهاب سلطانه "لا بالفجر" لبقاء ظلمة الليل والانتفاع به "ولا بغروبه" قبل الفجر أو بعده وقبل طلوع الشمس "خاسفًا" كما لو استتر بغمام "وإذا اجتماع صلوات خافت فواتها قدم"
стр. 200
باب صلاة الاستقساء
مدخل
...
باب: صلاة الاستسقاء
ويسن الاستسقاء بالدعاء خلف الصلاة، ولو في خطبة الجمعة، والأفضل أن يأمر
ــ
الأخوف فوتًا ثم الآكد فيقدم "الفرض" العيني ولو منذورًا لتعينه وضيق وقته "ثم الجنازة" لما يخشى عليها من تغيير الميت١ بتأخيرها ومحله إن لم يخف انفجارها٢ لو قدم غيرها٣ وإلا وجب تقديمها مطلقًا ويكون اشتغاله بمواراتها عذرًا في إخراج الصلاة عن وقتها. "ثم العيد" لأن صلاته آكد من صلاة الكسوف. "ثم الكسوف" ولو اجتمع خسوف ووتر قدم الخسوف وإن تيقن فوت الوتر لأن صلاة الخسوف آكد. "وإن وسع الوقت" بأن أمن الفوات "قدم الجنازة" مطلقًا "ثم الكسوف" لكن يخففه فلا يزيد على نحو سورة الإخلاص بعد الفاتحة في كل قيام ثم الفرض أو العيد لكن تؤخر خطبة الكسوف عن الفرض، ثم إن اجتمع عيد وكسوف كفى لهما خطبتان بعد صلاتيهما بقصدهما ويذكر فيها أحكامهما وإن اجتمعا مع جمعة وصلاهما قبلها سقطت خطبتهما وخطب للجمعة بنيتها ولكن يتعرض فيهما باختصار لما يندب فيهما. "ويصلون" ندبًا ركعتين ككيفية الصلوات لا على هيئة صلاة الخسوف "لنحو الزلازل والصواعق" والريح الشديدة "منفردين" لئلا يكونوا غافلين لا جماعة لأنه لم يرد، ويسن الخروج إلى الصحراء وقت الزلزلة.
باب: صلاة الاستسقاء
هو لغة: طلب السقيا٤. وشرعًا طلب سقيا العباد من الله تعالى عند حاجتهم إليها، والأصل فيها قبل الإجماع الاتباع٥.
"ويسن" على التأكيد لمقيم ومسافر "الاستسقاء" ولو لجدب الغير المحتاج إليه ما لم يكن ذا بدعة أو ضلالة، ثم هو ثلاثة أنواع ثابتة بالأخبار الصحيحة٦ أدناها في الفضل أن يكون بالدعاء فرادى أو مجتمعين في أي وقت أرادوا وأوسطها أن يكون "بالدعاء خلف الصلاة ولو" نافلة و"في خطبة الجمعة" ونحوها لأنه عقب الصلاة أقرب إلى الإجابة. "والأفضل" من الأنواع
стр. 201
الإمام الناس بالبر وصم ثلاثة، ويخرجون في الرابع صيامًا إلى الصحراء بثياب البذلة متخشعين، وبالمشايخ والصبيان والبهائم بعد غسل وتنظيف، ويصلون ركعتين كالعيد بتكبيراته، ويخطب خطبتين أو واحدة وبعدها أفضل، وأستغفر الله بدل التكبير، ويدعو في الأولى جهرًا، ويستقبل القبلة بعد ثلث الخطبة الثانية، وحول الإمام والناس ثيابهم حينئذ، وبالغ فيها في الدعاء سرًّا وجهرًا ثم استقبل الناس.
ــ
الثلاثة هذا الأخير وهو "أن يأمر الإمام" بنفسه أو نائبه "الناس" سواء مريد الحضور وغيره "بالبر" من صدقة وعتق وغيرهما كالتوبة والخروج من المظالم لأن ذلك أرجى للإجابة. "و" يأمر المطيقين منهم بموالاة "صوم ثلاثة" من الأيام مع يوم الخروج لأن الصوم معين على الرياضة والخشوع وبأمر الإمام أو نائبه به يصير واجبًا امتثالًا له لأنه تعالى بطاعة أولي الأمر١، ويجب فيه٢ التبييت٣ لأنه فرض، ويجب على القادرين منهم امتثال كل ما يأمر به من نحو صدقة وعتق على ما رجحه الإسنوي وفيه كلام بينته في شرح الإرشاد٤. "ويخرجون" بعد صوم الثلاثة "في" اليوم "الرابع" حال كونهم "صيامًا" فيه كالذي قبله "إلى الصحراء" وإن كانوا بمكة أو بيت المقدس "بثياب البذلة" بموحدة مكسورة فمعجمة ساكنة وهي ما يلبس في حال مباشرة الإنسان الخدمة في بيته فلا يصحبون طيبًا ولا زينة للاتباع٥، ولأن هذا يوم مسألة واستكانة بخلاف العيد، ولا يلبسون الجديد من ثياب البذلة، ويسن كونهم "متخشعين" في مشيهم وجلوسهم وغيرهما للاتباع٦. "و" يخرجون "بالمشايخ" أي مع المشايخ "والصبيان" لأن دعاءهم أرجى للإجابة. "والبهائم" لخبر ضعيف٧ لكن له شاهد: "لولا شباب خشع وبهائم رتع وشيوخ ركع وأطفال رضع لصب عليكم العذاب صبًا"٨ وتقف معزولة عن الناس، ويكره إخراج الكفار ولو ذميين، معنا أو منفردين؛ لأنهم ربما كانوا سبب القحط، فإن خرجوا أمروا بالتمييز٩ عنا ولا ينفردوا بيوم وإنما يسن خروجهم "بعد غسل" لجميع أبدانهم "وتنظيف" بالماء والسواك وقطع الروائح الكريهة لئلا يتأذى بعضهم ببعض. "ويصلون" للاستسقاء "ركعتين
стр. 202
فصل: "في توابع ما مر "
ويسن أن يظهر غير عورته لأول مطر السنة، ويغتسل ويتوضأ في السيل، فإن لم
ــ
كالعيد بتكبيراته" أي كصلاته فيكبر سبعًا يقينًا أول الأولى وخمسًا كذلك أول الثانية ويرفع يديه، ويقف بين كل تكبيرتين قائلًا ما مر ولا تتأقت بوقت صلاة العيد لكنه أفضل. "ويخطب خطبتين" كخطبة العيد في الأركان والسنن دون الشروط. "أو واحدة" على ما مر في صلاة الكسوف. "و" كون الخطبة "بعدها" أي الصلاة "أفضل" لأنه الأكثر من فعله ﷺ "وأستغفر الله" تعالى في الخطبة "بدل التكبير" فيستغفر الله قبل الأولى تسعًا وقبل الثانية سبعًا ويكثر من الاستغفار حتى يكون هو أكثر دعائه. "ويدعو في" الخطبة "الأولى" والثانية "جهرًا" فالأولى أن يكثر من دعاء الكرب ومن قوله: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ومن الأدعية المأثورة في ذلك وهي مشهورة١. "ويستقبل" الخطيب "القبلة" للدعاء "بعد ثلث الخطبة الثانية" إن لم يستقبل له في الأولى وإلا لم يستقبل له في الثانية. "وحول الإمام والناس" في حال جلوسهم "ثيابهم" أي أرديتهم "حينئذ" أي حين استقباله القبلة بأن يجعل ما كان على كل جانب من الأيمن وعلى الأيسر ومن الأعلى والأسفل على الآخر وهذا في الرداء المربع، أما المثلث والمدور فليس فيهما إلا تحويل ما على الأيمن على الأيسر. "وبالغ فيها" أي في الثانية "في الدعاء سرًّا وجهرًا" ويسرون به إن أسر ويجهرون به إن جهر "ثم" بعد فراغه من الدعاء "استقبل الناس" بوجهه وحثهم على الطاعة وصلى وسلم على النبي ﷺ وقرأ آية أو آيتين ودعا للمؤمنين والمؤمنات وختم بقوله: أستغفر الله لي ولكم ويترك كل رداء أو نحوه محولا حتى ينزع ثيابه بعد وصوله منزله، ويسن لكل من حضر أن يستشفع سرًّا بخالص عمله وبأهل الصلاح سيما أقاربه ﵊.
فصل: في توابع ما مر
"ويسن" لكل أحد "أن" يبرز "ويظهر غير عورته لأول مطر السنة" ليصيبه للاتباع
стр. 203
يجمعهما فليتوضأ، ويسبح للرعد والبرق ولا يتبعه بصره، ويقول عند نزول المطر: اللهم صيبًا هنيئًا وسيبًا نافعًا، وبعده: مطرنا بفضل الله ورحمته. ويقول عند التضرر بكثرة المطر: اللهم حوالينا ولا علينا. ويكره سب الريح.
ــ
ولأنه حديث عهد بربه١ أي بتكوينه وتنزيله. "و" أن "يغتسل ويتوضأ في السيل" سواء سيل أول السنة وغيره. "فإن لم يجمعهما" فليغتسل, فإن لم يغتسل "فليتوضأ" ولا تشترط النية هنا لأن الحكمة فيه هي الحكمة فيما قبله. "و" أن يسبح للرعد" وهو ملك "والبرق" وهو أجنحته لقول ابن عباس ﵄ عن كعب ﵁: "من قال حين يسمع الرعد: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثًا عوفي من ذلك". "ولا يتبعه" أي البرق ومثله الرعد والمطر "بصره" خشية من أن يذهبه. "و" أن "يقول عند نزول المطر: اللهم صيبًا" وهو بتحتية مشددة المطر الكثير "هنيئًَا وسيبًا" أي عطاء "نافعًا" مرتين أو ثلاثًا للاتباع المأخوذ من ورود ذلك في أحاديث متفرقة، وأن يكثر من الدعاء والشكر حال نزول المطر. "و" يندب أن يقول بعده أي بعد نزوله "مطرنا بفضل الله ورحمته" ويكره مطرنا بنوء كذا٢ أي بوقت النجم الفلاني هذا إن لم يضف الأثر إليه وإلا كفر "و" أن يقول "عند التضرر بكثرة المطر" ودوام الغيم "اللهم حوالينا ولا علينا" اللهم على الآكام٣ والظراب٤ وبطون الأودية ومنابت الشجر، اللهم سقيا رحمة ولا سقيا عذاب ولا محق ولا بلاء ولا هدم ولا غرق "ويكره سب الريح" بل يسأل الله خيرها ويستعيذ به من شرها للاتباع٥.
стр. 204
فصل: "في تارك الصلاة "
من جحد وجوب المكتوبة كفر أو تركها كسلا أو الوضوء أو الجمعة وصلى الظهر فهو مسلم، ويجب قتله بالسيف بعد الاستتابة إن لم يتب.
ــ
فصل: في تارك الصلاة
"من جحد وجوب" الصلاة "المكتوبة" أي إحدى الخمس "كفر" لإنكار ما هو مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة. "أو تركها" بلفظ الماضي أي المكتوبة دون المنذورة ونحوها "كسلا أو" ترك "الوضوء" لها أو شرطًا آخر من شروطها إن أجمع عليه "أو" ترك "الجمعة و" إن "صلى الظهر" لأنه لا يتصور قضاؤها والظهر ليست بدلا عنها "فهو" مع ذلك "مسلم" لما في الحديث "إن الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه"١ والكافر لا يدخل تحت المشيئة ولا يعارضه خبر مسلم: "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة"٢, لأنه محمول على الجاحد أو على التغليظ. "و" مع كونه مسلمًا "يجب" على الإمام أو نائبه "قتله" ولو بصلاة واحدة لكن يشترط إخراجها عن وقت الضرورة فلا يقتله بترك الظهر حتى تغرب الشمس ولا بترك المغرب حتى يطلع الفجر، ويقتله في الصبح بطلوع الشمس وفي العصر بغروبها وفي العشاء بطلوع الفجر، فيطالب بأدائها إذا ضاق وقتها ويتوعد بالقتل إن أخرجها عن الوقت، فإذا خرج الوقت ضرب عنقه "بالسيف بعد الاستتابة إن لم يتب" قياسًا على ترك الشهادتين بجامع أن كلا٣ ركن للإسلام ولا يدخله نيابة ببدن ولا مال بخلاف بقية الأركان. والاستتابة مندوبة، وإنما وجبت استتابة المرتد لأن الردة تخلد في النار فوجب إنقاذه منها بخلاف ترك الصلاة، ويندب أن تكون استتابته حالا، ومن قتله في مدة الاستتابة أو قبلها أثم ولا ضمان عليه، ولو قال حين إرادة قتله صليتها في بيتي أو ذكر عذرًا ولو باطلا لم يقتل، نعم يجب أمره بها إن ذكر عذرًا باطلا، ومتى قال: تعمدت تركها بلا عذر قتل سواء قال لا أصليها أم سكت لتحقق جنايته بتعمد التأخير، ولا يقتل بفائتة إن فاتته بعذر مطلقًا أو بلا عذر وقال أصليها لتوبته بخلاف ما إذا لم يقل ذلك.
стр. 205
باب الجنائز
مدخل
...
باب: الجنائز
يستحب ذكر الموت بقلبه والإكثار منه والاستعداد له بالتوبة، والمريض أولى، ويسن عيادة المريض المسلم حتى الأرمد، والعدو والجار والكافر إن كان جارًا أو قريبًا غبًا ويخفف، ويدعو له بالعافية إن احتمل حياته، وإلا فيرغبه في توبة ووصية، ويحسن
ــ
باب: الجنائز
جمع جنازة بالفتح وبه١ وبالكسر للميت في النعش فإن لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش من جنزه إذا ستره به٢.
"يستحب" لكل أحد "ذكر الموت بقلبه" ولسانه "والإكثار منه" أي من ذكره بأن يجعله نصب عينيه لأنه أزجر عن المعصية وأدعى إلى الطاعة ولذا أمر النبي ﷺ بالإكثار من ذكره، وعلله بأنه "ما ذكر في كثير" أي من أمر الدنيا والأمر فيها "إلا قلله، ولا في قليل" أي من الأعمال "إلا كثره"٣. "و" يستحب "الاستعداد له بالتوبة" أي تجديدها والاعتناء بشأنها، ومحله إن لم يعلم أن عليه مقتضيًا لها وإلا وجبت فورًا بالإجماع "والمريض أولى" بذلك لأنه إلى الموت أقرب. "ويسن عيادة المريض المسلم حتى الأرمد" للاتباع ولو في أول يوم من مرضه وخبر: "إنما يعاد بعد ثلاثة"٤ موضوع "والعدو" ومن لا يعرفه "والجار والكافر" أي الذمي والمعاهد والمستأمن "إن كان جارًا أو قريبًا" أو نحوهما كخادم ومن يرجى إسلامه فإن انتفى ذلك جازت عيادته بلا كراهة، ويكره عيادة تشق على المريض، ولا تندب عيادة ذي بدعة منكرة وأهل الفجور والمكس٥ إذا لم يكن قرابة ولا نحو جوار ولا رجا توبته لأنا مأمورون بمهاجرتهم، ويندب أن تكون العيادة "غبًا" أي يومًا بعد يوم مثلا فلا يواصلها كل يوم إلا أن يكون مغلوبًا، نعم نحو القريب والصديق ممن يستأنس به المريض أو يتبرك به أو يشق عليه عدم رؤيته كل يوم يسن لهم المواصلة ما لم ينهوا أو يعلموا كراهته لذلك "ويخفف" المكث عنده بل تكره إطالته ما لم يفهم منه الرغبة فيها. "ويدعو له بالعافية إن احتمل حياته" أي طمع فيها ولو على بعد، وأن يكون دعاؤه: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن
стр. 206
المريض ظنه بالله، ويكره الشكوى وتمني الموت بلا فتنة في الدين، وإكراهه على تناول الدواء، وإذا حضره الموت ألقي على شقه الأيمن، فإن تعذر فالأيسر، وإلا فعلى قفاه
ــ
يشفيك سبع مرات ويطيب نفسه بمرضه بأن يذكر له من الأخبار والآثار ما تطمئن به نفسه. "وإلا" يطمع في حياته "فيرغبه في توبة ووصية" ويذكر له أحوال الصالحين في ذلك ويزيد في وعظه ويطلب الدعاء منه ويوصي أهله وخادمه بالرفق به واحتماله والصبر لندب ذلك لهم، ويأمره بأن يتعهد نفسه بأن يلازم الطيب والتزين كالجمعة وبقراءة القرآن والذكر وحكايات الصالحين وأحوالهم عند الموت فإن المريض يسن له جميع ذلك، ويوصي أهله بالصبر عليه وترك النوح ونحوه وتحسين خلقه واجتناب المنازعة في أمور الدنيا واسترضاء من له به علقة وإن خفت.
"ويحسن المريض ظنه بالله" لا سيما إن حضرته أمارات الموت لخبر مسلم: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله" ١ أي يظن أن يرحمه ويعفو عنه أما الصحيح فالأولى أن يستوي خوفه ورجاؤه ما لم يغلب عليه القنوط فالرجاء أولى أو أمن المكر فالخوف أولى، ويسن للمريض الصبر على المرض وترك التضجر منه. "ويكره" له "الشكوى" وعبر غيره بكثرة الشكوى ومحله ما لم يكن على جهة التبرم بالقضاء وعدم الرضى به وإلا حرمت كما هو ظاهر، بل ربما يخشى من ذلك الكفر، ولو سأله نحو صديق أو طبيب عن حاله فأخبره بما هو فيه من الشدة لا على صورة الجزع فلا بأس، والأنين خلاف الأولى بل يشتغل بالتسبيح ونحوه. "و" يكره "تمني الموت" لضر نزل به كما في الروضة وغيرها للنهي عنه٢ "بلا" خوف "فتنة في الدين" فإن كان ولا بد متمنيًا فليقل: "اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وأمتني ما كان الموت خيرًا لي" للخبر الصحيح بذلك٣، أما تمنيه عند خشية الفتنة فلا يكره، وكذا عند عدم الضرر، والفرق أن التمني مع الضر يشعر بعدم الرضى بالقضاء بخلافه بدونه. "و" يكره "إكراهه" أي المريض "على تناول الدواء" والطعام لحديث: "لا تكرهوا مرضاكم على الطعام فإن الله يطعمهم ويسقيهم" ٤
стр. 207
ووجهه وأخمصاه للقبلة، ويرفع رأسه بشيء ويلقن لا إله إلا الله ولا يلح عليه، ولا يقال له قال. والأفضل تلقين غير الوارث، فإذا مات غمض عيناه، وشد لحياه بعصابة عريضة، ولينت مفاصله ولو بدهن إن احتيج إليه، وتنزع ثياب موته، ويستر بثوب خفيف، ويوضع على بطنه شيء ثقيل، ويستقبل به القبلة، ويتولى جميع ذلك أرفق محارمه به ويدعى له، ويبادر ببراءة ذمته، وإنفاذ وصيته، ويستحب الإعلام بموته للصلاة.
ــ
لكنه ضعيف١، ولذلك كان المعتمد أن ذلك خلاف السنة لا مكروه "وإذا حضر الموت" أي أماراته٢ "ألقي على شقه الأيمن" وجعل وجهه إلى القبلة كالوضع في اللحد "فإن تعذر فالأيسر" لأنه أبلغ في الاستقبال من إلقائه على قفاه "وإلا" يتيسر إلقاؤه على الأيسر "فعلى قفاه" يلقى "و" يجعل "وجهه وأخمصاه" وهما بطون رجليه "للقبلة"؛ لأن ذلك هو الممكن "ويرفع رأسه" قليلا "بشيء" ليستقبل بوجهه "ويلقن" ندبًا "لا إله إلا الله" للأمر به في خبر مسلم٣ ولا يسن زيادة محمد رسول الله لأنه لم يرد مع أن هذا مسلم ومن ثم يلقن الكافر الشهادتين ويؤمر بهما للاتباع "ولا يلح عليه" أي على المسلم "ولا يقال له قل" لئلا يتأذى بذلك بل يذكر الشهادتين بين يديه ليتذكرهما أو يقال ذكر الله مبارك فلنذكر الله جميعًا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. "والأفضل تلقين غير الوارث" والعدو والحاسد إن كان ثم غيره وإلا لقنه، فإذا قالها لم يعد عليه حتى يتكلم فإذا تكلم ولو بغير كلام الدنيا أعيدت عليه للخبر الصحيح: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" ٤ "فإذا مات غمض" ندبًا "عيناه وشد لحياه بعصابة عريضة" يربطها فوق رأسه حفظًا لفمه من الهوام٥ وقبح منظره "ولينت" عقب مفارقة روحه بدنه "مفاصله" فترد أصابعه إلى بطن كفه وساعده إلى عضده وساقه إلى فخذه وفخذه إلى بطنه ثم يمدها تسهيلا لغسله وتكفينه فإن في البدن حينئذ حرارة فإن لينت لانت وإلا لم يمكن تليينها بعد، نعم إن أمكن تليينها "ولو بدهن إن احتيج إليه" فلا بأس "وتنزع" عنه "ثياب موته" المحيطة التي مات فيها بحيث لا يرى شيء من بدنه لئلا يسرع فساده "ويستر" جميع بدنه "بثوب خفيف" يجعل أحد طرفين تحت رأسه والآخر تحت رجليه اتباعًا لما فعل به ﷺ . "ويوضع على بطنه شيء ثقيل" من حديد كسيف ومرآة ثم
стр. 208
فصل: "في بيان غسل الميت وما يتعلق به "
غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فروض كفاية وأقل الغسل تعميم بدنه بعد إزالة النجاسة، ويسن في قميص، في خلوة تحت سقف على لوح، ويغض الغاسل ومن معه
ــ
طين رطب ثم ما تيسر لئلا ينتفخ، وينبغي صون المصحف عنه احترامًا له وألحق به كتب العلم المحترمة. "ويستقبل به القبلة" كالمحتضر فيما مر، ولا ينافي ذلك وضع شيء على بطنه لأنه يوضع عليها طولا ويشد بنحو خرقة، ويندب جعله على نحو سرير من غير فرش لئلا يتغير بنداوة الأرض أو يحمي عليه الفرش فيغيره "ويتولى جميع ذلك" أي إلقاءه على الشق الأيمن وما ذكر بعده "أرفق محارمه به" اتحد معه ذكورة أو أنوثة. "ويدعي له" عند فعل ما ذكر به وفي غير ذلك لاحتياجه إلى الدعاء حينئذ. "ويبادر ببراءة ذمته" بقضاء دينه "وتنفيذ وصيته" حالا إن تيسر وإلا سأل وليه غرماءه أن يحللوه ويحتالوا به عليه، فإن فعلوا برئ في الحال على خلاف القاعدة للحاجة والمصلحة، وتجب المبادرة على الوارث والوصي عند الطلب والتمكن من التركة. "ويستحب الإعلام بموته" لا للرياء والسمعة بذكر الأوصاف الغير اللائقة به بل "للصلاة" ليكثر المصلون عليه للاتباع.
فصل: في بيان غسل الميت وما يتعلق به
"غسله" إن كان مسلمًا غير شهيد وإن غرق. "وتكفينه" ولو كافرًا. "والصلاة عليه" إن كان مسلمًا غير شهيد. "ودفنه" وحمله ولو كافرًا. "فروض كفاية" للإجماع، والمخاطب بذلك كل من علم بموته أو قصر في العلم به سواء أقاربه وغيرهم، فإن فعله أحد منها ولو غير مكلف لا من الملائكة أو الجن سقط الحرج عن الباقين وإلا أثم الجميع "وأقل الغسل تعميم بدنه" بالماء ولو من كافر أو بلا نية لأن القصد منه النظافة، ويندب أن لا يفيض الماء على بدنه إلا "بعد إزالة النجاسة" فإن صبه فأزالها بلا تغير في مرة واحدة أجزأت عن غسل الخبث والموت كما تكفي في الحي عن الحدث والخبث. "ويسن" أن يغسل "في قميص" لأنه أستر له وأن يكون القميص خلقًا١ أو سخيفًا٢ حتى لا يمنع الماء إليه، ثم إن اتسع أدخل يده في كمه وإلا فتح دخاريصه٣، فإن تعذر غسله ستر ما بين سرته وركبته مع جزء منهما، وأن يغسل "في خلوة" بأن لا يدخل عليه غير الغاسل ومعينه لأنه قد يكون ببدنه ما يخفيه،
стр. 209
بصره إلا لحاجة، ومسح بطنه بقوة ليخرج ما فيه بعد إجلاسه مائلا مع فوح مجمرة بالطيب وكثرة صب وغسل سوأتيه والنجاسة بخرقة، ثم أخذ أخرى ليسوكه بها، ويخرج ما في أنفه؛ ثم وضأه ثم غسل رأسه ثم لحيته بالسدر، ثم غسل ما أقبل منه الأيمن ثم الأيسر، ثم ما أدبر الأيمن ثم الأيسر بالسدر ثم أزاله، ثم صب الماء البارد الخالص مع قليل كافور
ــ
وللولي الدخول وإن لم يغسل ولم يعن والأفضل كما في الأم أن يكون "تحت سقف" لأنه أستر وأن يرفع "على" نحو "لوح" أو سرير مهيأ لذلك لئلا يصيبه الرشاش ويستقبل به القبلة ويرفع منه ما يلي الرأس لينحدر الماء عنه. "ويغض الغاسل ومن معه بصره" وجوبًا عما بين السرة والركبة وجزء منهما إلا أن يكون زوجًا أو زوجة ولا شهوة وندبًا فيما عدا ذلك فنظره بلا شهوة خلاف الأولى "إلا لحاجة" إلى النظر كمعرفة المغسول من غيره، واللمس كالنظر فيما ذكر "و" يسن "مسح بطنه" بيده اليسرى "بقوة ليخرج ما فيه" لئلا يخرج منه شيء بعد غسله أو تكفينه ويكون ذلك "بعد إجلاسه" عند وضعه على المغتسل برفق "مائلًا" إلى ورائه قليلا، ويسند ظهره إلى ركبته اليمنى ويضع يده اليمنى على كتفه وإبهامه في نقرة قفاه ثم يمسح بطنه كما ذكروا، ويكون ذلك "مع فوح مجمرة بالطيب وكثرة صب" من المعين لتخفى الرائحة بل يسن التبخير عنده من حين الموت لاحتمال ظهور شيء منه فتغلبه رائحة البخور "و" بعد ذلك "غسل سوأتيه" أي قبله ودبره "والنجاسة" التي حولهما كما يستنجي الحي "بخرقة" يلفها على يده اليسرى لئلا يمس العورة ويلفها ندبًا لغسل نجاسة سائر البدن كما اقتضاه كلامه، ويغسل قذره أيضًا لكن إنما يفعل هذا بالخرقة الثانية لا بالأولى خلافًا لما اقتضاه كلامه. "ثم أخذ" خرقة "أخرى" ولفها على يده اليسرى "ليسوكه بها" بسبابته مبلولة بالماء ولا يفتح أسنانه لئلا يسبق الماء إلى الجوف فيسرع فساده ثم ينظف بخنصرها مبلولة أنفه "ويخرج" بها "ما في أنفه" من أذى "ثم وضأه" ثلاثًا ثلاثًا كالحي بمضمضة واستنشاق يميل فيهما رأسه لئلا يسبق الماء إلى باطنه ولا يكفي عنهما ما مر لأنه كالسواك، ويتبع بعود لين ما تحت أظفاره وظاهر أذنيه وصماخيه١، "ثم" بعد ذلك "غسل رأسه ثم لحيته بالسدر٢" ولا يعكس لئلا ينزل الماء من رأسه إلى لحيته فيحتاج إلى غسلها ويسرحهما بمشط برفق. "ثم غسل ما أقبل منه" بأن يغسل شقه "الأيمن" مما يلي وجهه من عنقه إلى قدمه "ثم الأيسر" كذلك. "ثم" يحوله إلى شقة الأيسر فيغسل منه "ما أدبر" بأن يغسل شقه "الأيمن" مما يلي القفا من كتفه إلى قدمه. "ثم" يحوله للأيمن فيغسل "الأيسر" كذلك ولا يعيد غسل رأسه ووجهه لحصول الغرض بغسلهما أولا بل يبدأ بصفحة عنقه فما تحتها، ويحرم كبه على وجهه
стр. 210
من قرنه إلى قدمه ثلاثًا ثم ينشفه بثوب بعد إعادة تليينه، ويكره أخذ شعره وظفره، والأولى بغسل الرجل الرجال، وبالمرأة النساء، وحيث تعذر غسله أو لم يحضر إلا أجنبي أو أجنبية يمم.
ــ
احترامًا له، وإنما كره للحي ذلك لأن الحق١ له، وهذه الغسلة بكيفيتها المذكورة يندب أن تكون "بالسدر" أو الخطمي٢ ونحوهما.
"ثم" إذا فرغ من غسل جميع بدنه بالماء ونحو السدر على الكيفية المذكورة "أزاله" أي السدر أو نحوه بصب الماء الخالص من رأسه إلى قدمه. "ثم" إن لم تحصل النظافة بنحو السدر في الكيفية الأولى على خلاف الغالب جعله في كل غسلة من غسلات التنظيف، فإذا حصل النقاء "صب" وجوبًا "الماء" الخالص، ويسن حينئذ ثانية وثالثة بالماء الخالص كغسل الحي، ويسن أن يتحرى الماء "البارد" لأنه يشد البدن والمسخن يرخيه، نعم إن احتيج إليه لنحو وسخ وبرد كان المسخن أولى، ولا يبالغ في تسخينه لأنه يسرع الفساد والماء الملح أولى من العذب، ولا ينبغي أن يغسل بماء زمزم للخلاف في نجاسة الميت، وينبغي أن يبعد إناء الماء عما يقذره من الرشاش وغيره ما أمكن، ويجب أن يتحرى في إزالة نحو السدر الماء "الخالص" عما يسلبه الطهورية لما مر أول الكتاب، نعم يسن أن يكون كل غسلة من الثلاث التي بالماء الخالص في غسل غير المحرم "مع قليل كافور" وهو في الأخيرة آكد لما صح من أمره ﷺ به٣ فيها٤، ويكره تركه لأنه يقوي البدن ويدفع الهوام، وخرج باليسير الكثير بحيث يفحش التغير به فإنه يسلب طهورية الماء إن لم يكن صلبًا، وعلم مما تقرر أن نحو السدر ما دام الماء يتغير به يمنع الحسبان عن الغسل الواجب والمندوب فيغسل "من قرنه إلى قدمه" بعد الغسلة المزيلة له "ثلاثًا" بالماء الخالص متوالية كما قدمته وهو الأولى أو متفرقة بأن يستعمل الماء الخالص بعد تمام كل غسلة من غسلات التنظيف ويكون كل مرة من التنظيف، واستعمال الماء الخالص بعد غسله "ثم" بعد فراغه من غسله "ينشفه بثوب" مع المبالغة في ذلك لئلا تبتل أكفانه فيسرع فساده وبه فارق ندب ترك التنشيف في طهر الحي، ويسن أن يكون تنشيفه "بعد إعادة تليينه" أي تليين مفاصله عقب الفراغ من غسله ليبقى لينها. "ويكره أخذ شعره" أي الميت غير المحرم "وظفره" وإن كان مما يزال للفطرة واعتاد إزالته حيًا لأن أجزاء الميت محترمة فلا تنتهك بذلك ومن ثم لا يختن الأقلف، نعم لو لبد شعره بنحو صمغ
стр. 211
فصل: "في الكفن "
وأقل الكفن ثوب ساتر للعورة، ويسن للرجل ثلاث لفائف وللمرأة خمسة: إزار ثم
ــ
ولم يصل الماء إلى أصوله إلا بها وجبت إزالته، أما المحرم إذا مات قبل تحلله الأول فيجب أن يبقى أثر إحرامه فلا يجوز أن يفعل به شيء مما يحرم على المحرم بخلاف المعتدة عن وفاة لأن تحريم نحو الطيب عليها إنما كان للتفجع وقد زال بالموت. "والأولى بغسل الرجل الرجال" فيقدمون حتى على الزوجة وأولاهم به أولاهم بالصلاة عليه، نعم الأفقه هنا أولى من الأسن، والأولى بعد الرجال الأقارب الرجال الأجانب ثم الزوجة وإن نكحت غيره ثم النساء المحارم.
"و" الأولى "بالمرأة" أن يغسلها "النساء" لكن الأولى منهن ذات المحرمية وهي من لو فرضت ذكرًا حرم تناكحهما، وتقدم نحو العمة على نحو الخالة فإن لم تكن ذات محرمية قدمت القربى فالقربى ثم ذات الولاء ثم محارم الرضاع ثم محارم المصاهرة ثم الأجنبيات، والحائض كغيرها إذ لا كراهة في تغسيلها ثم بعد النساء الزوج وإن نكح أختها أو أربعًا سواها، ويندب أن يتقي المس بخرقة يلفها على يديه ثم رجال المحارم بترتيبهم الآتي في الصلاة، وشرط المقدم الحرية والاتحاد في الدين وعدم القتل المانع للإرث، وعدم العداوة والصبا والفسق، ويغسل السيد أمته ولو مكاتبة وأم ولد حيث لم تكن مزوجة ولا معتدة أو مستبرأة١ ولا مشتركة٢ ولا مبعضة٣ وإلا امتنع عليه تغسيلها، وليس لأمة تغسيل سيدها لانتقال ملكه عنها، ولكن من الرجال والنساء تغسيل صغير وصغيرة لم يبلغا حد الشهوة، وتغسيل الخنثى الذي لا محرم له للحاجة ولضعف الشهوة بالموت وبه فارق حرمة نظر الفريقين له وهو حي. "وحيث تعذر غسله" بأن أدى إلى تهريه يمم وجوبًا بخلاف ما إذا أدى إلى إسراع فساده بعد الدفن فإنه يغسل. "أو لم يحضر" في المرأة "إلا" رجل "أجنبي أو" في الرجل إلا امرأة "أجنبية يمم" وجوبًا أيضًا لحرمة النظر حينئذ إلى شيء من بدن الميت.
فصل: في الكفن
"وأقل الكفن" الواجب "ثوب" لحصول الستر به، فلا يكفي ما يصف البشرة مع وجود غيره لا في الرجل ولا في المرأة، ويجب كونه مما يباح له لبسه في الحياة كالحرير للمرأة وغير المكلف بخلافه للبالغ، ولا يكتفي بالطين هنا عند وجود غيره ولو حشيشًا لما فيه من
стр. 212
قميص ثم خمار ثم لفافتان والبياض والمغسول والقطن أفضل، ويبخر بعود، والأفضل أن
ــ
الإزراء بالميت، ولا يجوز التكفين في متنجس بما لا يعفى عنه عند وجود طاهر غير حرير ونحوه، أما الطاهر الحرير ونحوه فيقدم عليه المتنجس، ولو تعذر الثوب وجب الحشيش ثم الطين ويكفي بالنسبة لحق الله تعالى ثوب "ساتر للعورة" فقط وهو في الذكر ما بين السرة والركبة، وفي المرأة ولو أمة والخنثى غير الوجه والكفين، أما بالنسبة لحق الميت فيجب ثوب يعم به جميع البدن لا رأس المحرم ووجه المحرمة تكريمًا له وسترًا لما يعرض من التغير، فالحاصل أن من خلف مالا وسترت عورته ولم يوص بترك الزائد سقط الحرج عن الأمة ويقي حرج ترك الزائد على الورثة، بخلاف ما إذا انتفى ذلك، ومن ثم جاز للميت منع الزائد بأن يوصي بستر عورته فقط لأنه حقه، وليس له الإيصاء بترك التكفين من أصله لأنه حق الله تعالى، ولغريم استغرق دينه التركة منع الزائد على الأقل وإن رضي به الورثة لأنه أحوج إلى براءة ذمته من التجمل، ومن ثم لم يكن للوارث المنع من ثلاث لفائف لأن المنفعة تعود له لا للميت وله المنع من الزائد على ثلاثة ولو في المرأة.
"ويسن للرجل ثلاث لفائف" يستر كل منها جميع البدن لما صح أنه ﷺ كفن فيها١، وكالرجل غيره إذا كفن في ثلاثة فالأفضل أن تكون لفائف. "و" يسن "للمرأة" والخنثى "خمسة: إزار" يشد عليها وهو ما يستر العورة "ثم" بعد شد الإزار يندب "قميص" يجعل فوقه "ثم" بعد لبس القميص يندب "خمار" يغطي به الرأس "ثم" بعد ذلك يندب "لفافتان" تلف فيهما للاتباع٢ في الأنثى وقيس بها الخنثى احتياطًا للستر. "والبياض" أفضل من غيره لما صح من الأمر به٣، "والمغسول" أفضل من الجديد لأن مآله للبلى، والمراد بإحسان الكفن في خبر مسلم٤ بياضه
стр. 213
يحمل الجنازة خمسة، والمشي قدامها بقربها، والإسراع بها، ويكره اللغط فيها، واتباعها بنار واتباع النساء.
ــ
ونظافته وسبوغه١ وكثافته لا ارتفاعه إذ تكره المبالغة فيه للنهي عنه٢، نعم إن كان الوارث محجورًا عليه أو غائبًا حرمت المغالاة فيه من التركة. "و" الثوب "القطن أفضل" من غيره كما قاله البغوي لأن كفنه ﷺ كان كذلك٣. "ويبخر" ندبًا الكفن لغير المحرم، ويندب أن يبخر ثلاثًا وأن يكون التبخير "بعود" وأن يكون العود غير مطيب بالمسك ثم بعد تبخيره تبسط أحسن اللفائف وأوسعها ويذر عليه حنوط ويبسط فوقه الثاني ويذر عليه الحنوط ثم الثالث كذلك لئلا يسرع بلاها من بلل يصيبها، ثم يوضع الميت على الثالث برفق مستلقيًا على قفاه، ثم يلصق بجميع منافذه مواضع السجود منه قطن حليج٤ مع كافور وحنوط دفعًا للهوام عن ذلك٥ ويدس القطن بين أليتيه ويكره إدخاله باطنه إلا لعله يخالف خروج شيء بسببها، ثم يلف عليه الثوب الذي يليه فيضم منه شقه الأيسر على شقه الأيمن ثم الأيمن على الأيسر ثم يلف الثاني كذلك ثم الثالث كذلك ثم تربط الأكفان ثم تحل في القبر، والتكفين يجب على من كان عليه نفقته حيًا كزوجته غير الناشزة والصغيرة وخادمتها وإن كانت موسرة رجعية أو بائنًا حاملًا، نعم يجب على الأب تجهيز ولده الكبير، وعلى السيد تجهيز مكاتبه وإن لم يلزمهما نفقتهما حيين، وليس على الولد تجهيز زوجة أبيه وإن لزمه نفقتها حية وإنما يجب عليه تكفين الغير بثوب يعم فقط، نعم تحرم الزيادة عليه إن كفن من بيت المال أو مما وقف للتكفين.
واعلم أن حمل الجنازة من وظيفة الرجال ولا دناءة فيه، ويحرم بهيئة مزرية كحمله في غرارة٦ أو قفة أو بهيئة يخشى سقوطه منها، والحمل بين العمودين أفضل من التربيع٧ إن أريد الاقتصار على أحدهما، وكيفية الأول٨ أن يحمله ثلاثة يضع أحدهم الخشبتين المقدمتين على عاتقيه ويأخذ اثنان بالمؤخرتين. "والأفضل أن يحمل الجنازة" عند عجز
стр. 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المتقدم عن حمل المقدمتين كما ذكر "خمسة" بأن يعينه اثنان فيضع كل واحد منهما واحدة من المقدمتين على عاتقه والثلاثة الباقون على الكيفية السابقة فحاملوها بلا عجز ثلاثة وبه خمسة فإن عجزوا فسبعة أو تسعة أو أكثر أوتار بحسب الحاجة، والتربيع أن يحمله أربعة كل واحد بعمود فإن عجزوا فستة أو ثمانية أو أكثر أشفاعًا بحسب الحاجة، ويكره الاقتصار على واحد أو اثنين إلا في الطفل، والجمع بين الكيفيتين بأن يحمل تارة بالهيئة الأولى وتارة بالهيئة الثانية أفضل من الاقتصار على إحداهما. "و" يندب لكل مشيع قادر "المشي" للاتباع١ ويكره لغير المعذور بنحو مرض ركوبه في ذهابه معها دون رجوعه، ويندب حتى للراكب المشي "قدامها" وكونه "بقربها" بحيث يراها إن التفت للاتباع "و" يندب "الإسراع بها" بين المشي المعتاد والخبب٢ إن لم يضره لما صح من الأمر به٣ ولو خيف عليه تغير زيد في الإسراع ويندب ستر المرأة بشيء كالخيمة، ويتأكد تشييع الجنازة للرجال، ويندب مكثهم إلى أن يدفن. "ويكره اللغط فيها" بالتحدث في أمور الدنيا بل السنة الفكر في الموت وما بعده. ويكره القيام لمن مرت به ولم يرد الذهاب معها والأمر به٤ منسوخ٥. "و" يكره "اتباعها بنار" ولو في مجمرة وأن يحمي عند القبر. "و" يكره "اتباع النساء" للجنازة إن لم يتضمن حرامًا وإلا حرم، وعليه يحمل ما ورد مما يدل على التحريم.
стр. 215
فصل: "في أركان الصلاة على الميت وما يتلعق بها "
...
فصل: "في أركان الصلاة على الميت وما يتعلق بها"
أركان صلاة الميت سبعة: الأول: النية كغيرها.
الثاني: أربع تكبيرات.
الثالث: قراءة الفاتحة.
الرابع: القيام للقادر.
الخامس: الصلاة على النبي ﷺ بعد الثانية.
السادس: الدعاء للميت بعد الثالثة.
ــ
فصل: في أركان الصلاة على الميت وما يتعلق بها
"أركان صلاة الميت سبعة. الأول: النية كغيرها" فيجب فيها ما يجب في نية سائر الفروض، فمن ذلك النية بالتكبيرة الأولى والتعرض للفرضية وإن لم يقل فرض كفاية، وعلى المأموم نية الاقتداء أو نحوه، ولا يجب تعيين الميت ولا معرفته بل الواجب أدنى تمييز كقصد من صلى عليه الإمام.
"الثاني" من الأركان: "أربع تكبيرات" منها تكبيرة الإحرام للاتباع١ ولا يضر الزيادة عليها سواء الخمس وما فوقها.
"الثالث: قراءة الفاتحة" لعموم خبر: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"٢ ولا تتعين في الأولى كما أفهمه كلام المصنف بل تجزئ في الثانية أو غيرها على تناقض فيه.
"الرابع: القيام للقادر" عليه بخلاف العاجز عنه فيقعد ثم يضطجع ثم يستلقي كما في سائر الصلوات المفروضة.
"الخامس: الصلاة على النبي ﷺ بعد" التكبيرة "الثانية" لفعل السلف والخلف.
"السادس: الدعاء للميت" بخصوصه ولو طفلا فيما يظهر كـ:"اللهم اغفر له" أو "اللهم ارحمه" أو نحو ذلك "بعد" التكبيرة "الثالثة" لفعل من ذكر ولما صح من قوله ﷺ : "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" ٣.