ومنها ما وضع لتخريج الأحاديث الواردة في بعض الكتب، وغزوها إلى المصادر الأصلية التي وردت فيها وتقويمها ببيان درجتها، رغبة في فرز السنة لاختيار مقبولها ونفي ما عداه، ومن ذلك كتاب المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار، وكتاب التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، ومناهل الصفا لتخريج أحاديث الشفا.
ومن المؤلفات ما وضع بيانًا لرواة الحديث ونقلته، والتأريخ لولادتهم ووفاتهم، وتمييز العدول من المجروحين، حرصًا على تنقية السنة ونفي الدخيل عنها، وتنزيهًا لساحتها من رواية الضعفاء والمجاهيل وكذب الوضاعين، وهذا النوع يسمى بكتب الرجال، ومنه كتاب الإصابة في تمييز الصحابة، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع، وطبقات الحافظ، وإسعاف المبطأ برجال الموطأ.
في كل هذه الأنواع من المؤلفات وفي غيرها مما سبق لنا إيراده في الفصل الأول من هذا الباب كتب علماء الحديث في مصر، ودونوا من المؤلفات ما يعول عليه الدارسون للسنة، ولكل منهم فيما كتب منهجه الذي سلكه وتميز به، ولنضرب أمثلة لذلك لمناهجهم في تناول أحاديث الأحكام ليستدل بها على طريقتهم فيما سواها.
كان منهم من يحذف الإسناد اختصارًا، ويستعيض عنه بعزو الأحاديث وتخريجها وتقويمها، وعرضها لمن يريد الانتفاع بها، بعد أن يختارها من أقوى الأحاديث متنًا وأصحها إسنادًا مما اتفق عليه الشيخان، وذلك كما فعل الإمام المقدسي في كتابه عمدة الأحكام.
وكان منهم من توسع فيما رجع إليه من المادة الحديثية، واستقاها من كتب الأصول الستة ومن مسند أحمد، واستغنى بالغزو إلى هذه المسانيد عن الإطالة بذكر الأسانيد، وأغفل تقويم الأحاديث اعتمادًا على استمدادها من كتب الأصول التي تلقتها الأمة بالقبول، وذلك كما فعل ابن تيمية في كتابه المنتقى.
وكان منهم من التزم الرواية من أسانيد بعينها لا يعدوها إلى غيرها، واختار أعلاها وأقواها، وركز البيان عن رجالها والكشف عن أحوالهم، ثم أورد رواياتهم في كتب السنة دون أن يعزو من هذه المرويات ما كان متفقًا عليه في الصحيحين، أما ما كان في أحدهما أو في غيرهما من كتب السنة -كالموطأ ومسند أحمد- فإنه يعزوه إلى أصله، وكان من منهجه عند العزو أنه يريد أصل الحديث لا ذلك اللفظ، وذلك كما فعل الحافظ العراقي في كتابه تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد.
ومنهم من اختصر في كتابه على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية، وبيان مخرج الحديث بعد ذكره نصحًا للأمة، وقدم الضروري من الأدلة في إيجاز يعين على الحفظ والفهم دون توسع، ورمز للتخريج برموز بَيَّنها في مقدمة كتابه، وجرد الأحاديث من أسانيدها، واختار نخبة من الأحاديث متجهًا في أكثر ما اختاره منها إلى ما بنى عليه أحد الأئمة مذهبه في الفقه بمقتضى الميل
стр. 107
والمناضرة، ولم يمنعه ذلك من إيراد أدلة المذاهب الأخرى تحقيقًا لأمانة العلم، ودفعًا؟؟؟ المذهبي، وتقريبًا لأدلة الأحكام إلى الدارسين، وذلك كما في كتاب بلوغ المرام أدلة الاحكام.
ومنهم من حشد في كتابه جميع ما استدل به الأئمة الأربعة أصحاب المذهب المشهورة وغيرها من صريح السنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين، وجرده من أقوال جميع المجتهدين التي لم تصرح بها الشريعة -على حد قول مؤلفه- فجمع من كتب الحديث التي تيسرت له عند تأليف كتابه أحاديث الشريعة وآثارها، وتوسع في الأخذ عن كثير من هذه الكتب كموطأ مالك، ومسند الإمام سنيد بن داود -وهو من أقران مالك يروي عن وكيع- وكالصحيحين، ومسانيد الأئمة الثلاثة أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وصحيح أبي داود، وصحيح الحاكم، وصحيح ابن خزيمة وابن حبان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والمختارة للضياء المقدسي، فأخذ من كل هذه الكتب مادة حديثية خصبة قربها إلى الدارسين، ليأخذ كل بما يفتح الله به عليه منها، ولم يعز أحاديث الكتاب إلى من أخرجها من الأئمة استنادًا إلى أنه لا يروي إلا ما استدل به الأئمة المجتهدون في مذاهبهم، واقتصر من الحديث على إيراد محل الاستدلال المطابق للترجمة، ولا يكرر حديثًا في باب إلا إذا اشتمل على زيادة حكم ظاهر لا يوجد في الحديث الذي قبله، وقدم لطلاب أدلة الأحكام مادة حديثية مجردة، وترك أمرين بارزين تقحم فيهما كثير من العلماء والفقهاء: هما التأويل والحكم بالنسخ؛ لأن كلا منها لا يخلو من إظهار شخصية حيال الحديث النبوي الكريم، وذلك كما فعل الإمام الشعراني في كتابه كشف الغمة عن جميع الأمة.
ومثل هذا التعدد في مناهج المحدثين في كتب أحاديث الأحكام كان اختلاف المناهج في غيرها من أنواع العلوم الحديثية الأخرى، ففي كتب الترغيب والترهيب، وفي كتب الجوامع العامة، وفي كتب الزوائد، وفي توضيح المبهمات، وفي كتب أصول الحديث، وفي كتب التخريج وكتب الرجال، في كل ذلك وفي غيره من أنواع علوم السنة الأخرى تعددت المناهج، واختلفت الطرائق فإن في بعضها بسطًا، وفي الآخر اختصارًا، وفي بعضها التزامًا برواية الصحيح أو المقبول، وفي الآخر عدم التزام به مع التنبيه، ولكنها جميعًا كانت تدور في فلك واحد هو خدمة السنة، وتهدف إلى غاية واحدة كانت مقصدا لمناهج المحدثين في دورها الأخير فيما قبل سقوط بغداد، هي تقريب السنة إلى طلابها وعرض النافع منها والتنبيه على ما عداه، وبذلك يمكن أن نعتبر مناهج المحدثين فيما بعد سقوط بغداد امتداد للدور الأخير من مناهجهم قبل ذلك في مرحلة التقليد والاختصار والتقريب، ثم محاولة جمع الشتيت من علوم السنة ومادتها، وإضافة الجديد إلى كل من هذه العلوم: من شرح لغامض، أو بيان لمبهم، أو تفصيل لمجمل، أو توفيق بين النصوص الحديثية حين يظهر بينها التعارض والاختلاف.
стр. 108
وهذه أمثلة أخرى لما تصرف بها المتأخرون في بعض كتب الأولين، تستبين منها مناهجهم في اختيار بعض العلوم الحديثية وإفرادها بالتأليف.
ففي الكتب المخرجة على الصحاح من كتب الحديث أملى الحافظ العراقي مستخرجًا على مستدرك الحاكم ولكنه لم يكمل، والمستخرج عندهم أن يأتي المصنف إلى الكتاب فيخرج أحاديث بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه أو فيمن فوقه -ولو في الصحابي- مع رعاية ترتيبه ومتونه وطرق أسانيده، وشرطه أن لا يصل إلى شيخ أبعد حتى يفقد سندًا يوصله إلى الأقرب إلا لعذر من علو أو زيادة مهمة، وربما لم يجد المخرج سندًا يرتضيه للحديث فيسقطه، أو يذكره من طريق صاحب الكتاب.
وفي كتب السنن التي اصطلح العلماء على أنها المرتبة على الأبواب الفقهية كتب الشيخ علاء الدين بن التركماني حاشية على كتاب السنن الكبير للبيهقي، سماها الجوهر النفي في الرد على البيهقي، في سفر كبير أكثرها اعتراضت عليه ومناقشات له ومباحثات معه، وقد لخصها قاسم بن قطلوبغا الحنفي في كتاب سماه ترجيع الجوهر النقي، ورتبه على ترتيب حروف المعجم ولم يكمله، ووصل منه إلى حرف الميم.
وفي مجال الكتب المرتبة على أبواب الفقه مما اشتملت على السنن أو ما هو في حيزها كتب بدر الدين العيني شرحًا على معاني الآثار للطحاوي سماه مباني الأخبار في شرح معاني الآثار.
وفي كتب الأحاديث المسلسلة وهي التي تتابع رجال إسنادها على صفة أو حالة ألف أبو زرعة العراقي كتابًا في الأحاديث المسلسلة، كما ألف الحافظ شمس الدين السخاوي كتابًا جمع فيه مائة مسلسل مبينًا شأنها، وكذلك الحافظ السيوطي الذي ألف المسلسلات الكبرى وهي خمسة وثمانون حديثًا، كما ألف جياد المسلسلات.
وفي مجال كتب الشمائل والسير اختصر عز الدين بن جماعة كتاب الروض الأنف في شرح غريب السير لأبي القاسم السهيلي في كتاب سماه نور الروض، وكتب حاشية عليه شرف الدين يحيى بن محمد المناوي، جردها سبطه عبد الرءوف المناوي، وقد ألف أبو الفتح بن سيد الناس كتابًا في السيرة سماه عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير.
وفي كتب المتفق والمفترق اختصر الحافظ ابن حجر مختصر الحافظ الذهبي الذي جمعه في مشتبه الأسماء والنسبة ملخصًا من عبد الغني المقدسي وابن ماكولا وابن نقطة وأبي الوليد القرضي، وقد سمى مختصره هذه تبصير المنتبه وتحرير المشتبه في مجلد زاد فيه على أصله كثيرًا، واختصر القاضي علاء الدين بن التركماني كتاب الخطيب البغدادي المسمى تلخيص المتشابه في الرسم وحماية ما أشكل
стр. 109
منه عن بوادر التصحيف والوهم، كما اختصره السيوطي أيضًا في كتاب سماه تحفة النابة بتلخيص المتشابه، وللحافظ ابن حجر مؤلف بديع في الألقاب سماه نزهة الألباب، جمع فيه مع التلخيص ما لغيره وزيادة، وللسيوطي كشف النقاب عن الألقاب، وكتاب المنى في الكنى.
وفي كتب مبهم الأسانيد أو المتون من الرجال والنساء اختصر كتاب ابن بشكوال المسمى بالغوامض والمبهمات أبو الحسن علي بن الحافظ عمر بن الملقن، وأتى فيه بزيادات، وألف الحافظ قطب الدين أبو بكر محمد بن أحمد القسطلاني المصري المتوفى سنة ست وثمانين وستمائة كتابًا سماه الإفصاح عن المعجم من الغامض والمبهم رتبة على الحروف، كما صنف الشيخ ولي الدين أبو زرعة العراقي كتابًا سماه المستفاد من مبهمات المتن والإسناد رتبه على أبواب الفقه ليسهل الكشف منه، واعتنى الحافظ ابن حجر بتحرير المبهمات بالنسبة للبخاري خاصة.
وفي كتب الأنساب لخص الحافظ السيوطي كتاب اللباب لعز الدين محمد بن محمد بن الأثير الجزري في كتاب سماه لب اللباب في تحرير الأنساب وزاد فيه على أصله أشياء، وهو في مجلد لطيف، كما لخص أنساب السمعاني القاضي قطب الدين محمد بن محمد بن عبد الله بن خضير، وضم إليها ما عند ابن الأثير والرشاطي وغيرهما من الزيادات وسماه الاكتساب في تلخيص كتاب الأنساب.
وفي كتب تواريخ الرجال وأحوالهم رتب الحافظ قاسم بن قطلوبغا من تلاميذ الحافظ ابن حجر كتاب الإرشاد في علماء البلاد لأبي يعلى الخليلي القزويني.
وفي كتب المعاجم ألف شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي كتابًا ضمنه شيوخه وهم ألف وثلاثمائة، كما ألف كل من أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد التنوخي المصري، وتقي الدين السبكي معجمًا كذلك.
وفي مجال كتب الطبقات المشتملة على ذكر الشيوخ وأحوالهم ورواتهم -طبقة بعد طبقة وعصرًا بعد عصر إلى زمن المؤلف- رتب الحافظ نور الدين الهيثمي كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم في كتاب سماه تقريب البغية في ترتيب أحاديث الحلية، وكتب في طبقات الشافعية الشيخ تقي الدين السبكي.
وفي كتب الضعفاء والمخرجين من الرواة ذيل الحافظ العراقي على ميزان الاعتدال للذهبي بذكر جماعة فاتهم وهو في مجلد، كما عمل شيخ الإسلام ابن حجر لسان الميزان ضمنه الميزان وزوائده في مجلدين، كما رتب الحافظ نور الدين الهيثمي كتاب الثقات لابن حبان بإشارة شيخه العراقي وولده أبي زرعة، وللشيخ قاسم بن قطلوبغا كتاب الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة في أربع مجلدات.
стр. 110
وفي كتب علل الأحاديث ألف الحافظ ابن حجر كتاب الزهر المطول في الخبر المعلول.
وفي كتب الموضوعات اختصر الحافظ السيوطي كتاب الموضوعات الكبرى لأبي الفرج بن الجوزي في كتابه الذي سماه اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، كما ذيل عليه بكتاب سماه ذيل اللآلئ، وله كذلك تعقبات على ابن الجوزي سماه النكت البديعات على الموضوعات، ثم اختصره في كتاب سماه التعقبات على الموضوعات، وقد ألف خاتمة المحدثين أبو عبد الله محمد بن يوسف علي الشامي المصري المتوفى سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة كتاب الفوائد المجموعة في بيان الأحاديث الموضوعة.
وفي الأمالي أملى الحافظ زين الدين العراقي نحو أربعمائة مجلس، وأملى السخاوي شمس الدين نحو ستمائة مجلس في مكة وفي غيرها، وأملى السيوطي ثمانين مجلسًا، كما أملى الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة للغزالي.
وفي كتب رواية الأكابر عن الأصاغر والآباء عن الأبناء وعكسه لخص الحافظ ابن حجر كتاب الوشي المعلم فيمن روى عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ ، لصلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي، وزاد عليه تراجم كثيرة.
وفي الأطراف كتب الحافظ ابن حجر العسقلاني أيضًا في أطراف الكتب العشرة كتابًا سماه إتحاف المهرة بأطراف العشرة في ثمان مجلدات "والعشرة التي ذكر أطرافها هي: الموطأ ومسند الشافعي ومسند أحمد ومسند الدارمي وصحيح ابن خزيمة، ومنتقى ابن الجارود وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم ومستخرج ابن عوانة وشرح معاني الآثار وسنن الدارقطني"، وزاد العدد واحدًا لأن صحيح ابن خزيمة لم يوجد منه نحو ربعه، كما جمع الحافظ العراقي أطراف صحيح ابن حبان، وجمع أبو العباس أحمد بن أبي بكر محمد بن إسماعيل البوصيري المتوفى بالقاهرة سنة أربعين وثمانمائة أطراف المسانيد العشرة "مسند أبي داود الطيالسي ومسند مسدد ومسند الحميدي ومسند ابن أبي عمر العدني، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند أبي بكر بن أبي شيبة ومسند أحمد بن منيع ومسند عبد بن حميد ومسند الحارث ومسند أبي يعلى الموصلي".
وفي كتب الزوائد ألف العلماء المصريون كثيرًا من الكتب، نوردها بأسمائها وأسماء مؤلفيها في الفصل الذي نعقده لدراسة الزوائد بإذن الله.
وفي الجمع بين بعض الكتب الحديثية شرح الحافظ قاسم بن قطلوبغا كتاب جامع المسانيد الخمسة عشر المنسوبة لأبي حنيفة من تخاريج الأئمة من أصحابه الأربعة فمن بعدهم، وألف السيوطي جامع المسانيد، وجمع الحافظ نور الدين الهيثمي أحاديث الغيلانيات والخلعيات وأفراد الدارقطني وفوائد تمام مع ترتيبها على الأبواب في مجلدين.
стр. 111
وفي مجال كتب التخريج -وهو من العلوم المستحدثة بعد حذف الأسانيد في مرحلة اختصار السنة وتقريبها- خرج الحافظ جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي المصري أحاديث الكشاف استوعب ما فيه من الأحاديث المرفوعة، فأكثر من تبيين طرقها وتسمية مخارجها، ولم يتعرض غالبًا للآثار، وخرج الحافظ العراقي أحاديث الإحياء، وخرج الحافظ ابن حجر أحادبث الكشاف في كتابه العافي الشاف ملخصا من تخريج الزيلعي، وخرج الشيخ عبد الرءوف المناوي أحاديث تفسير البيضاوي، وخرج السخاوي والسيوطي وابن الملقن والتاج السبكي وابن التركماني أحاديث كتب كثيرة، نشير إلى الكثير منها في الفصل الذي عقدناه لكتب التخريج بإذن الله.
وفي مجال الكتب المؤلفة في الأحاديث المشهورة على الألسنة ألف الحافظ شمس الدين السخاوي كتابه المقاصد الحسنة في بيان الأحاديث المشهورة على الألسنة، كما ألف الحافظ السيوطي كتاب الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة، ملخصًا إياه من تذكره الزركشي مع زيادة عليه، والبدر المنير في غريب أحاديث البشير النذير في نحو من ألفين وثلاثمائة، للشيخ عبد الوهاب الشعراني المصري انتخبها من جوامع السيوطي مع المقاصد الحسنة.
وفي كتب الفتاوى الحديثية فتاوى شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، والأجوية المرضية عما سئلت عنه من الأحاديث النبوية، للحافظ السخاوي، وفتاوي جلال الدين السيوطي ومنها كتاب الحاوي للفتاوى، وفتاوى شهاب الدين أحمد بن حجر السعدي الهيثمي المصري.
وفي الكتب المفردة في جمع أحاديث بعض أنواع الحديث جمع السيوطي كتابه الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة، ومختصره المسمى بالأزهار المتناثرة له أيضًا، ولخص أبو الفيض محمد مرتضى الحسيني الزبيدي المصري كتاب اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة، لشمس الدين محمد بن طولون مسند الشام، وسماه لفظ اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة.
وفي كتب التفاسير والشروح الحديثية ألف العلماء عددًا كبيرًا من الكتب نشير إلى بعضها فيما خصصناه لهذا النوع بإذن الله.
وفي كتب السيرة النبوية والخصائص المحمدية سيرة أبي الفتح بن سيد الناس الصغرى، وهي المسماة بنور العيون في تلخيص سير الأمين المأمون، والزهر الباسم في سيرة المصطفى أبي القاسم للحافظ علاء الدين مغلطاي، واختصرها في كتاب سماه الإشارة إلى سيرة المصطفى وتاريخ من بعده من الخلفا والسيرة الكبرى لعز الدين بن جماعة والصغرى له أيضًا، والسيرة لشرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، والسيرة لقطب الدين الحافظ عبد الكريم بن عبد النور المصري، المعروف بابن أخت الشيخ نصر، والسيرة للحافظ ابن حجر، ومن خير من كتب في السيرة خاتمة المحدثين محمد بن يوسف بن علي الشامي نزيل القاهرة، ألف كتابًا في نحو من أربع مجلدات ضخام، سماه سبل الهدى والرشاد
стр. 112
في سيرة خير العباد، ذكر فيه فضائله وأعلام نبوته وأحواله وأفعاله في البدء والمعاد، وانتخبه من أكثر من ثلاثمائة من كتب المتقدمين وتحرى فيه الصواب، وقد زادت أبوابه على سبعمائة، ختم كلا منها ببيان المشكل من غريب اللفظ، وكتاب المواهب اللدنية بالمنح المحمدية لأبي العباس أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني المصري، وحاشيتها لأبي الضياء الشيراملسي المصري، وغير ذلك من كتب السيرة الكثيرة.
وفي كتب بيان حال الرواة وضبط أسمائهم وأسماء بلدانهم اختصر السيوطي معجم ياقوت الحموي، وسماه بهذا الاسم ولم يكمله، ولابن حجر ولغيره من أعلام مصر مؤلفات نشير إليها في موضعها بإذن الله.
وفي كتب الوفيات ألف الحافظ عبد العظيم المنذري كتاب التكملة لوفيات النقلة، كما ألف غيره من الأعلام كتبًا نذكرها في كتب الرجال.
وفي كتب المصطلح ألفوا كذلك كتبًا نعقد لدراستها فصلًا نشير في مقدمته إلى بيان هذا الكتب وأسماء مؤلفيها إن شاء الله.
هذه أهم أنواع العلوم الحديثية التي تناولها الأعلام من المحدثين في مصر بعد سقوط بغداد، واختيار أحد هذه العلوم للتأليف يعد منهجًا لمن يؤلف فيه، ولكل مؤلف في كتابه منهج خاص بهذا الكتاب، وباستعراض هذه الأنواع من العلوم ومناهج بعض الكتب المؤلفة فيها يتبين أنها تدور حول اختصار السنة وجمعها وترتيبها وتقريبها إلى الدارسين بالشرح والتهذيب، والبيان والتبويب، وقد كان من مظاهر الاختصار حذف الأسانيد، والاكتفاء بتخريج الأحاديث بعزوها إلى الكتب التي استمدت منها، وتقويم هذه الأحاديث ببيان درجتها غالبًا، والتنبيه إلى الضعيف منها والموضوع ثم محاولة إضافة الجديد إلى علوم الأولين ومؤلفاتهم بما يخدم السنة، ويجعلها دانية لمن أراد الانتفاع بها في دينه ودنياه.
على أنه لا بد لنا -قبل الانتهاء من هذه الدراسة- أن ننبه إلى أنه لم يكن في منهج المتأخرين في جمع السنة أخذها عن طريق المشافهة أو الرواية بالأسانيد، ضرورة أن عهد الرواية قد انتهى بانتهاء القرن الثالث، وإن كان قليل منهم قد حاول ذلك في بعض كتبه، كما سيتبين ذلك فيما يأتي في دراسة المدونات الحديثية إن شاء الله.
стр. 113
الفصل الثالث: مقارنة وموازنة
تمهيد:
بعد أن عرضنا ما تيسر لنا من مناهج كل من العهدين قبل سقوط بغداد وبعد سقوطها، فإننا نستطيع على ضوئه وبإضافة ما سنح لنا بعد النظر في هذا الخضم الحافل من الكتب المختلفة، وما بينها من جهات التشابه ونواحي الاختلاف أن نذكر أهم ما ينبغي إيراده من ذلك، بعد أن نشير إلى أنه من العسير إيجاد الحدود الدقيقة الفاصلة بين عهد وعهد، يتميز فيه أحدهما عن الآخر تميزًا تامًّا، فإن ذلك شيء تأباه طبائع الأشياء، وإننا مهما حاولنا إيجاد حد فاصل بين عهد وعهد فسوف نجد التداخل بين تلك العهود، والترابط بين الخلف وسلفه يأبى إلا أن يقتحم على تلك المحاولة بما ينقضها، كما أنه من العسير إيجاد ذلك بين قطر وقطر، فإن الرحلات بين العلماء في مختلف الأقطار تستلزم أن يأخذ بعضهم عن الآخر معارفه ومناهجه، ويستفيد بذلك فيما ينقله إلى وطنه عند عودته إليه، وسيتجلى ذلك فيما نورده من عرض هذه المقارنات في ألوانها المختلفة وصنوفها المتعددة.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن ننوه بقدر مشترك بين هذه العهود سابقها ولاحقها، في أن جهودًا عظيمة لم يخل منها عصر من عصور الإسلام وجهتها عناية ربانية كريمة للحفاظ على هذا الدين إلى الإسهام المشكور في خدمة هذه السنة النبوية المطهرة، التي هي أول ما يجرع إليه في هذا الدين بعد كتاب الله ، فقد أسهم الجميع بجهود صادقة في حدود ما ترتبط به ثقافة عصورهم في تحمل هذه السنة النبوية الكريمة وأدائها إلى المسلمين.
المقارنة والموازنة:
أما الذي يدل عليه النظر في هذه الكتب التي بين أيدينا من مؤلفات لعلماء الحديث في القديم والحديث فإننا نلخصه فيما يأتي:
أولًا- تشترك هذه المؤلفات في مختلف هذه العهود إجمالًا فيما يلي.
١- جمع السنة، ونعني به أن كلا من السلف والخلف من أهل الحديث قد عني بجمع الأحاديث النبوية ونقلها إلى الأمة مصطبغًا في هذا الجمع بما يناسب عصره مما أشرنا إليه في أدوار نقل السنة.
٢- ترتيب الأحاديث على الأبواب الفقهية، وقد بدأ هذا الأمر مبكرا لشدة عناية رجال الدين به قاطبة -وعلى رأسهم أئمة الحديث- وإن كان هناك اختلاف يسير بين بعض الكتب وبعض في ذلك الترتيب بحسب ظروف التأليف والعصر، وهذه ظاهرة تبدو بارزة في كثير من المؤلفات على اختلاف العصور، وكان أول ما ظهر من ذلك في عصر تدوين السنة موطأ الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وأول ما ظهر من ذلك العهود المتأخرة عمدة الأحكام للمقدسي المتوفى سنة ٦٠٠هـ والذي ألفه قبيل سقوط بغداد، على أن صاحبه قد جرد أحاديثه من الأسانيد اختصارًا، واعتمادًا على ما انتهجه لنفسه من قصره على ما في الصحيحين البخاري ومسلم من أحاديث الأحكام الفقيهة.
стр. 114
٣- كتب الترغيب والترهيب، والكناية في هذا الموضوع قدر مشترك بين العهدين، وإن كانت التسمية بهذا الاسم مما اختص به العهد الذي سبق سقوط بغداد، وأما ما ظهر بعد ذلك فللمؤلفات فيه أسماء أخرى، كالمتجر الرابح في ثواب العمل الصالح للدمياطي، والزواجر في النهي عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيثمي، ورياض الصالحين وبستان العارفين للنووي.
٤- كتب التفسير بالمأثور، ومن أبرز ما ظهر في كتب المتقدمين تفسير ابن جرير الطبري وتفسير ابن أبي حاتم وتفسير بقي بن مخلد. وغيرها، كما أن من أبرز ما عرف للمتأخرين تفسير السيوطي المسمى بالدر المنثور في التفسير بالمأثور.
٥- كتب الشمائل والسير، ومن أبرز ما عرف من السيرة للمتقدمين سيرة محمد بن إسحاق وهي موردة بالأسانيد، جردها ابن هشام ونسبت إليه، وقد وردت السيرة النبوية في قدر كبير من طبقات ابن سعد، وكذلك سيرة موسى بن عقبة.
ومن أبرز كتب الشمائل للمتقدمين شمائل الترمذي، ويتصل بذلك دلائل النبوة لأبي نعيم، وللبيهقي، ولأبي بكر الفريابي، ومن أظهر ما عرف للمتأخرين سيرة أبي الفتح بن سيد الناس اليعمري وسيرة الحافظ الدمياطي، وهذه السير مجردة من الأسانيد على طريقة العصر.
٦- كتب الأمالي الحديثية، وقد سبق تصويرها في منهج المتقدمين، ومما عرف من هذه الكتب للأوائل الأمالي للحافظ ابن عساكر، وأمالي يحيى بن منده، وأمالي أبي بكر الخطيب، وأمالي الخلال، وهذا النوع قل وجوده في المتأخرين، فإن منهم من حاول إحياء سنته كالحافظ العراقي وتلميذه ابن حجر والسخاوي والسيوطي، غير أنهم لم يبلغوا في ذلك مبلغ المتقدمين.
٧- كتب الأحاديث المسلسلة، والحديث المسلسل هو الذي يذكر فيه حالة معينة عند الرواية ومما للأولين في ذلك مسلسلات أبي بكر بن شاذان، والمسلسل بالأولية لأبي طاهر السلفي المتوفى بالإسكندرية سنة ست وسبعين وخمسمائة، ولم يظهر هذا النوع مبكرًا بين المتقدمين، ولهذا كان المتأخرون أكثر حظًّا منهم في تاليفه، ومما عرف للمتأخرين من ذلك كتاب العذب السلسل في الحديث المسلسل للذهبي، ومثله لتقي الدين السبكي، وكذلك لولي الدين أبي زرعة، وشمس الدين السخاوي، وجلال الدين السيوطي، وغيرهم كثير.
٨- كتب الأربعينات، والمراد بها كل كتاب يشتمل على أربعين حديثًا -وإن اختلفت مناهج التأليف فيها- فإن منها ما كان في موضوعات مختلفة كالأربعين النووية، ومنها ما كان خاصًّا بموضوع معين مثل الجهاد أو الفروع أو الزهد أو الآداب أو نحو ذلك كما نص عليه النووي في خطبة كتابه الأربعين، وقد كثرت الأربعينات كثرة تلفت نظر الباحث في السنة وعلومها، وكان الحافظ على هذه الكثرة ما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: "من حفظ على أمتي أربعين حديثًا في أمر
стр. 115
دينها بعثه الله تعالى في زمرة الفقهاء والعلماء" وهذا الحديث وإن كان في إسناده ضعف فقد روي من عدة طرق بروايات متنوعة، وقال النووي: اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال١.
ويقول ﵀ في هذا المقام: وقد صنف العلماء في هذا الباب. ما لا يحصى من المصنفات وأول من علمته صنفه فيه عبد الله بن المبارك، ثم محمد بن أسلم الطوسي، ثم الحسن بن سفيان النسائي، وأبو بكر الآجري، وأبو بكر محمد بن إبراهيم الأصفهاني، والدارقطني والحاكم، وأبو نعيم وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو سعيد الماليني، وأبو بكر البيهقي، وخلائق لا يحصون من المتقدمين والمتأخرين.
وفيما أورده النووي في هذا المقام ما فيه غنية لنا في عرض هذه الناحية، غير أنه لا بد أن نضيف إلى ذلك أسماء بعض من عرفنا من المتأخرين تحقيقًا لبيان اشتراكهم مع المتقدمين في هذا النوع.
فمن ذلك كتب الأربعين في أذكار المساء والصباح لمحمد بن البطال، والأربعين لابن الجزري من علماء القرن التاسع، والأربعبن لابن حجر العسقلاني.
٩- كتب مفردة في أبواب مخصوصة من الدين، كتثبيت رؤية الله والإخلاص لابن أبي الدنيا، ولأبي الفرج الجوزي أيضًا، والإيمان لابن أبي شيبة، وذم الكلام للإمام الهروي، وفضل السواك لأبي نعيم الأصفهاني، وللحاكم أيضًا، والصلاة لأبي نعيم، والقراءة خلف الإمام للبخاري، والبسملة لابن عبد البر، وعشرة النساء لأبي القاسم الطبراني، وكان حظ الأولين من هذا النوع كثيرًا جدًّا، وكان للمتأخرين منه نصيب قليل ظهر في أوائل عهدهم، مثل أشراط الساعة لعبد الغني المقدسي، والبعث والنشور للضياء المقدسي، والدرة الثمينة في فضائل المدينة لابن النجار وغير ذلك.
١٠- كتب المعاجم، وهي في اصطلاحهم ما تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو القبائل أو البلدان أو نحو ذلك، والغالب أن يكونوا مرتبين على حروف الهجاء، كمعاجم الطبراني الثلاثة الصغير والأوسط والكبير، وكمعجم الصحابة لأحمد بن علي بن لال المتوفى سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، وكمعجم الشيوخ لأبي بكر الإسماعيلي، وهذه الأمثلة لصنع المتقدمين في المعاجم، وبالتتبع يظهر أن حظهم فيه أوفر من نصيب المتأخرين فيه، وممن ألف في المعاجم من المتأخرين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي المتوفى سنة ست وسبعمائة، وأبو إسحاق التنوخي المتوفى سنة ثمانمائة، وتقي الدين السبكي، والشمس محمد بن أحمد الذهبي إلى غير ذلك.
١١- كتب الطبقات، وهي التي تشتمل على ذكر الشيوخ وأحوالهم ورواياتهم طبقة بعد طبقة وعصرًا بعد عصر إلى زمن المؤلف، وهي بهذا المعنى مما حاز الأولون فيه قصب السبق، وظفروا منه بأكبر نصيب، وأقدم ما عرفناه لهم من تلك الكتب طبقات ابن سعد، وهي الآن متداولة
стр. 116
مشهورة، تناول فيها تراجم الصحابة والتابعين ومروياتهم إلى العصر الذي كان يعيش فيه، وطبقات مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح، وطبقات النسائي صاحب السنن، ومن ذلك حلية الأولياء لأبي نعيم، وغيرها مما ألفه المتقدمون في هذا الباب، وللمتأخرين من هذا النوع مؤلفات منها كتاب نور الدين الهيثمي: تقريب البغية في ترتيب أحاديث الحلية، ومما ألف من هذا النوع خاصًّا بتراجم الرواة غالبًا كتاب طبقات الشافعية لتقي الدين السبكي، وطبقات الحفاظ للذهبي.
١٢- كتب المشيخات، وهي التي تشتمل على ذكر الشيوخ الذين لقيهم المؤلف وأخذ عنهم، أو أجازوه، وإن لم يلقهم، كمشيخة الحافظ أبي يعلى الخليلي، ومشيخة أبي يوسف يعقوب بن سفيان من المتقدمين، وكمشيخة تاج الدين علي بن أنجب بن الساعي البغدادي، ومشيخة أبي الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المعروف بابن البخاري المقدسي من المتأخرين.
١٣- كتب علوم الحديث -أي مصطلحه- ذكرت فيها أخبار بأسانيد، ككتاب المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، وهو أول ما عرف من المصنفات مستقلًّا في هذا العلم وإن كان لم يستوعب، ثم تلاه أبو عبد الله الحاكم، ثم أبو نعيم وغيرهم مما نورده مفصلًا في موضعه بإذن الله.
١٤- كتب الشروح الحديثة -وهي كثيرة جدًّا- ولكن حظ المتأخرين منها كان أكثر ممن سبقهم شأن تطور التأليف، ومن بين ما عرف للمتقدمين في هذا النوع شرحًا للبخاري كتاب أعلام السنن للإمام الخطابي، وشرح المهلب بن أبي صفرة له أيضًا، وشرح ابن بطال كذلك مما بلغ نحو عشرة شروح للبخاري في هذا العهد، ومما عرف لهم في شروح مسلم شرح الإمام إسماعيل الأصفهاني وشرح المازري ولم يكمله ثم الإكمال في شرح مسلم للقاضي عياض وغيرها مما بلغ نحو ستة شروح لمسلم في هذا العهد، ومن أبرز ما عرف للمتأخرين من شروح البخاري كتاب النووي الذي شرح به قطعة من البخاري، ولم يكمله، وكتاب التلويح لابن مغلطاي، ثم فتح الباري وعمدة القاري وهما أبرز هذه المؤلفات وأكثرها تداولًا بين العلماء، ولشرح مسلم كتاب المنهاج في شرح مسلم بن الحجاج للإمام النووي، وشرح زوائده على البخاري لابن الملقن، وشرح تقي الدين أبي بكر الحصني، ثم الديباج للسيوطي، ومنهاج الابتهاج للخطيب القسطلاني، وغيرها من الشروح العديدة للصحاج وغيرها من كتب السنة.
في هذه الأنواع التي ذكرنا من علوم الحديث وفي غيرها مثل معرفة الأسماء والكنى والألقاب وتواريخ الرجال وأحوالهم والمتفق والمفترق لفظًا وخطًّا، والضعفاء والعلل والموضوعات وكتب الأطراف والوفيات وكتب جمع طرق بعض الأحاديث ونحوها تضافرت جهود المتقدمين والمتأخرين على الكتابة فيه بما وسعته طاقتهم، وفي حدود مناهجهم وثقافاتهم، وما منحتهم العناية الإلهية من توفيق وتيسير.
стр. 117
ثانيًا- ما اختص المتقدمون بالتأليف فيه نورده مرتبًا على النحو التالي:
١- المجموعات الحديثية الأولى، كمدونات ابن جريج وابن إسحاق والربيع بن صبيح وسفيان الثوري وموطأ مالك ومسانيد الأئمة الأربعة فيما عدا مالكًا وغيرها مما سبق إيراده.
٢- الأصول الحديثية التي جمع فيها أئمة الحديث البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأحاديث المعتبرة التي عول عليها من جاء بعدهم في الاحتجاج والاستدلال، وكانت مادة لهم في الترتيب والتبويب والتقريب على مناهجهم المختلفة وطرائقهم المتعددة، وقد سبق بيان هذه الكتب تفصيلًا حديثًا عن منهج المتقدمين في القرن الثالث.
٣- الكتب المنتقاة من صحاح الآثار والسنن، كمنتقى ابن الجارود، ومنتقى قاسم بن أصبغ والصحيح المنتقى لابن السكن، غير أن الأخير مجرد من الأسانيد في اختياره لأحاديث الأحكام التي قصر عليها كتابه، وقد نهج نهجه في الاقتصار على أحاديث الأحكام وتجريدها من الإسناد العلامة مجد الدين بن تيمية في أواخر هذا العهد في كتابه الذي سماه المنتقى، وشرحه الشوكاني في كتابه المشهور نيل الأوطار.
٤- كتب المسانيد، التي جمعها أئمة الحديث المتقدمون على اختلاف مناهجهم كمسند أحمد، ومسند مسدد، ومسند إسحاق بن راهويه، وغيرها مما سبق إيراده.
٥- كتب سميت بكتب الصحاح، واقتصر مؤلفوها على إيراد ما صح عندهم من الأحاديث والآثار مدعمة بأسانيدها، ومن ذلك صحيح أبي عوانة، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان.
٦- كتب المستخرجات على الصحيحين أو أحدهما أو غيرهما، وهي كثيرة منها مستخرج الحافظ أبي بكر الإسماعيلي، ومستخرج الحافظ الغطريفي، ومستخرج الحافظ أبي عبد الله المعروف بابن أبي ذهل الضبي، ومستخرج الحافظ ابن مردويه وهذه الأربعة على صحيح البخاري، ومستخرج الحافظ أبي عوانة الإسفراييني، والحافظ قاسم بن أصبغ القرطبي، والحافظ محمد بن رجاء الإسفراييني، والحافظ الجوزقي، والحافظ أبي محمد أحمد الشاركي، ومستخرجات هؤلاء على صحيح مسلم، وهناك مستخرجات أخرى على غير هذه من كتب السنة، ولم يشاركهم المتأخرون في هذا النوع من التأليف إلا ما ذكر عن الحافظ العراقي من أنه أملى على المستدرك للحاكم مستخرجا لم يكمل.
٧- المستدرك على الصحيح، ولم نعرف من هذا النوع إلا كتابًا ألفه أبو عبد الله الحاكم على صحيحي البخاري ومسلم، أورد فيه الأحاديث التي تركا إيرادها في الصحيحين وهي مستوفية لشروطهما في الرواية، على ما فيه من مغامز وردت في كتب المصطلح.
стр. 118
٨- كتب الناسخ والمنسوخ من القرآن والحديث، وقد كان تأليفها في أول هذا العهد بأسانيدها، ومما ألف في الناسخ والمنسوخ من القرآن كتاب لأبي عبيد القاسم بن سلام، وآخر لأبي بكر بن الأنباري، وثالث لأبي جعفر بن النحاس، ومما ألف في الناسخ والمنسوخ من الحديث كتاب الناسخ والمنسوخ لأحمد بن حنبل، ومثله لأبي داود، ومثلهما لأبي بكر الأثرم، وممن كتب في الناسخ والمنسوخ مجردًا أبو الفرج الجوزي، ولا يعرف للمتأخرين مشاركة في هذا النوع من علوم الحديث.
٩- كتب اختلاف الحديث وهي كتب وضعت لدفع ما يتوهم من تضارب بين بعض الأحاديث وبعض، أو بينهما وبين ما هو معروف من أمور الدين، ومن هذه الكتب اختلاف الحديث للشافعي، وهو من رواية الربيع بن سليمان المرادي عنه، وكتاب لابن قتيبة سماه تأويل مختلف الحديث وهو معروف متناول، ومن ذلك مؤلف لابن جرير الطبري، وآخر للإمام الطحاوي سماه مشكل الآثار وهو مطبوع ومتداول أيضًا. ولا يعرف للمتأخرين كتابة مستقلة في هذا النوع إلا ما يقع منها في شروح الأحاديث على ما سنبينه بإذن الله في الحديث عن كتب الشروح الحديثية.
١٠- كتب المراسيل: وقد اختص المتقدمون بهذا النوع، وذلك مثل كتاب المراسيل لأبي داود في جزء لطيف مرتب على الأبواب، ومثله لابن أبي حاتم أيضًا وهو مرتب على الأبواب وأما ما عرف من صلاح الدين العلائي في كتابه جامع التحصيل في أحكام المراسيل فواضح أنه خارج عن هذا النهج، فإن موضوعه حكم الاستدلال بهذا النوع من الحديث.
١١- كتب الفوائد الحديثية، وهي كثيرة من بينها فوائد تمام بن محمد الرازي وهي في ثلاثين جزءًا، وفوائد سيبويه في ثمانية أجزاء، وفوائد ابن منده، وفوائد ابن المقري وغيرها كثير ولا يعرف من هذا النوع شيء لأحد من المتأخرين.
١٢- كتب غريب الحديث، وهي كتب موضوعة لشرح الألفاظ الغريبة في السنة، وقد ألف المتقدمون فيه كتبًا عديدة، منها كتاب غريب الحديث والآثار لأبي عبيد القاسم بن سلام ويقال إنه أول من ألف في غريب الحديث، وقد ذيله عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ومنها كتاب الدلائل في شرح ما أغفله أبو عبيد وابن قتيبة من غريب الحديث، ومنها كتاب غريب الحديث لأبي سليمان الخطابي، وقد انتهت هذه المؤلفات وغيرها إلى كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير الجزري الذي لا يعرف بعده مؤلف غيره في هذا الباب، إلا ما كان من اختصار السيوطي له في كتابه الدر النثير على ما سنبين ذلك في موضعه من الباب الثالث.
стр. 119
١٣- كتب الأنساب، وهي كتب عديدة أشهرها كتاب الأنساب للسمعاني، وقد اختصره ابن الأثير الجزري في نهاية هذا العصر، واستدرك عليه ما فاته ونبه على أغلاطه في كتابه اللباب ولا يعرف للمتأخرين في هذا النوع إلا تلخيص السيوطي لكتاب اللباب لابن الأثير.
١٤- جمع أحاديث شيوخ مخصوصين من المكثرين، كأحاديث سليمان بن مهران الأسدي لأبي بكر الإسماعيلي، وأحاديث الفضيل بن عياض للنسائي، وأحاديث الزهري لابن يحيى الذهلي وهي المسماة بالزهريات، ومثله للإسماعيلي، والمؤلفات عديدة في جمع أحاديث الزهري، وليس لدينا من ألف في هذا النوع من المتأخرين.
١٥- كتب في رواة بعض الأئمة المشهورين أو في غرائب أحاديثهم، ككتاب تراجم رواة مالك للخطيب البغدادي، وكتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر -وهو كتاب كبير في سبعين جزءًا- وغير ذلك مما لم نعرف للمتأخرين شيئًا من التأليف فيه.
١٦- كتب أحاديث الأفراد، وهي الأحاديث التي تفرد بها واحد مطلقًا أو بالنسبة إلى غيره من الثقات، أو تفرد بها أهل بلد، ومن الكتب المصنفة في ذلك كتاب الأفراد للدارقطني، وكتاب الأفراد لأبي حفص بن شاهين، وكتاب أبي داود فيما تفرد به من السنن أهل بلدة كأهل اليمامة، ولا يعرف للمتأخرين شيء في هذا النوع.
١٧- كتب العوالي، وهي التي جمعت أحاديث قربت أسانيدها من النبي ﷺ وهي كثيرة، منها كتاب عوالي الأعمش ليوسف بن خليل الدمشقي، وعوالي عبد الرزاق للضياء المقدسي في نهاية ذلك العهد، وعوالي سفيان بن عيينة لابن منده، وعوالي مالك للحاكم.. إلى غير ذلك مما لم يعرف نظيره للمتأخرين.
١٨- كتب الأسانيد، وهي كثيرة جدًّا عند المتقدمين، ومن أكبرها وأجمعها بحر الأسانيد لأبي محمد الحسن بن أحمد السمرقندي، وهو كتاب لم يؤلف مثله في ثمانمائة جزء.
ولا يفوتنا في خاتمة هذه الخواص أن نورد عن ذلك العصر، أنه الذي ذهب بشرف هذه الناحية العظيمة من الدين، من بذل الطاقات والجهود الجبارة في نقل السنة، تمهيدًا وانتقاء وجمعًا، واختيارًا وتصنيفًا وتبويبًا، ولا سيما العصر الذهبي منه وهو القرن الثالث، الذي ظهرت فيه صحاح السنة بأسانيدها التي تدفع عنها غائلة التقحم من المفسدين والمدلسين والمزورين، وكان ذلك على أيدي الأئمة الفحول البارزين، الذين هيئوا السنة لكل من أتى بعدهم، ليتسنى لخلفهم أن يعملوا فيها مجهوداتهم من التنسيق والترتيب والتبويب، ثم الشرح والتعقيب.
стр. 120
ثالثًا- ما اختص المتأخرون بالتأليف فيه نورده مرتبًا على النحو التالي:
١- جمع السنة من كافة مظانها الصحيحة في مؤلف واحد رغبة في تقريبها وجعلها في المتناول، وإذا كان الأقدمون قد بذلوا أقصى الجهد في تجميع السنة في موضوعات حديثية مختلفة تناولت سائر أمور الدين فإن المتأخرين قد استفادوا من عمل أولئك الذين سبقوهم، وجمعوا كثيرًا من نتاج هذه المجهودات في كتب أعدوها وقربوا بها السنة للناس، حتى لا يكلفوهم عناء الرجوع إلى مصادرها المتعددة، وقد بدأت هذه المحاولات في نهاية العهد الأول عندما ألف أبو الحسن رزين العبدري السرقسطي في الصحاح والسنن كتابًا جمع فيه بين الأصول الستة: البخاري ومسلم والموطأ والسنن الثلاثة لأبي داود والترمذي والنسائي، ثم جاء بعده أبو السعادات المبارك ابن الأثير الجزري فألف كتابه جامع الأصول من أحاديث الرسول، زاد فيه كثيرًا على كتاب رزين في عشرة أجزاء، واختصره ابن الديبع الشيباني الزبيدي اليمني في كتابه تيسير الوصول إلى جامع الأصول في مجلدين، وألف عبد الله بن عتيق التجيبي المتوفى سنة ست وأربعين وستمائة كتابه أنوار المصباح في الجمع بين الكتب الستة الصحاح، كما جمع بين الأصول الستة ومسانيد أحمد والبزار وأبي يعلى والمعجم الكبير -وربما زيد عليها من غيرها- المسند الكبير الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة في كتابه المسمى جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن، رتبه على حروف المعجم يذكر كل صحابي له رواية ثم يورد في ترجمته جميع ما وقع له في هذه الكتب وما تيسر من غيرها.
ولم تزل محاولات العلماء لجمع السنة في إطار واحد مستمرة رغبة في استيعابها، فجمع الحافظ نور الدين الهيثمي أحاديث الغيلانيات والخلعيات وفوائد تمام وأفراد الدارقطني مع ترتيبها على الأبواب في مجلدين، وألف الحافظ السيوطي كتابه جامع المسانيد وجمع الجوامع والجامع الصغير وألف الشيخ الحافظ محمد بن سليمان المغربي الروداني صاحب كتاب صلة الخلف بموصول السلف المتوفى سنة أربع وتسعين وألف كتابه جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد اشتمل على الصحيحين والموطأ والسنن الأربعة ومسند الدارمي ومسند أحمد ومسند أبي يعلى ومسند البزار ومعاجم الطبراني الثلاثة.
٢- كتب التخريج، وهي مؤلفات ظهرت بعد تجريد السنة من الأسانيد، وبعد ظهور كتب عديدة في الفقه والتصوف والعقائد والتفسير كان أصحابها يقحمون الأحاديث في كثير من أبوابها، فكان لا بد من تخريج هذه الأحاديث بعزوها إلى أصولها، وبيان قيمتها ورتبتها، ليكون القارئ على بينة من أمره فيها، فكانت تلك المؤلفات في التخريج، وكان منها تخريج المختصر الكبير لابن الحاجب لمحمد بن عبد الهادي المقدسي المتوفى سنة أربع وأربعين وسبعمائة، ومنها المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار للحافظ العراقي، ومنها التلخيص
стр. 121
الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير للحافظ ابن حجر، وكثير غيرها مما ألفه المتأخرون في التخريج وما سنذكره في موضعه مفصلًا بإذن الله.
٣- كتب الأحاديث المشتهرة على الألسنة، جمعها العلماء المتأخرون في مؤلفات، رغبة في فرز السنة لتمييز المقبول من المردود مما اشتهر على ألسنة الناس من الحديث، ومنها المقاصد الحسنة في بيان كثير مما اشتهر من الحديث على الألسنة لشمس الدين السخاوي، والدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة للسيوطي، والبدر المنير في غريب أحاديث البشير النذير للإمام عبد الوهاب الشعراوي، وغير ذلك.
٤- كتب الزوائد، وهي مما اختص العصر الأخير بالتأليف فيه، رغبة في جمع السنة وتقريبها أيضًا، وموضوعها الأحاديث الزائدة في بعض كتب الحديث عن البعض الآخر، وقد كان من فرسان هذا الميدان الحافظ نور الدين الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد وغيره من الكتب، والحافظ ابن حجر في كتابه المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، والشهاب البوصيري في كتابه مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، وفوائد المنتقى بزوائد البيهقي، وسيأتي للزوائد مزيد بيان تفصيل في موضعه بإذن الله.
٥- كتب الفتاوى الحديثية، وموضوعها إجابات علماء الحديث على أسئلة من يستفتونهم فيما يتعلق بالأحاديث، ومن أشهر هؤلاء العلماء العلامة تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن تيمية الحراني في فتاويه، وشيخ الإسلام ابن حجر في فتاويه، والحافظ شمس الدين السخاوي في كتابه الأجوبة المرضية عما سئلت عنه من الأحاديث النبوية، والحافظ جلال الدين السيوطي في فتاويه وفي الحاوي للفتاوى في بعض موضوعاته.
٦- كتب مفردة في جمع بعض أنواع الحديث، وذلك ككتب الأحاديث المتواترة وقد ألف الحافظ السيوطي فيها الفوائد المتكاثرة واللآلئ المتناثرة، كل منهما في الأحاديث المتواترة كما ألف فيها الحافظ شمس الدين محمد بن طولون مسند الشام المتوفى سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة كتابًا أيضًا سماه اللآلئ المتناثرة، ومنها لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة لأبي الفيض محمد مرتضى الحسيني الزبيدي المصري لخص فيه اللآلئ لابن طولون، ونظم المتناثر من الحديث المتواتر للسيد محمد جعفر الكتاني مؤلف الرسالة المستطرفة.
٧- ومن مفاخر هذا العصر منهجه في شروح كتب السنة، وقد سبق لنا بيان أن كتب الشروح قدر مشترك بين العهدين، إلا أننا نريد أن نبرز هنا امتياز العصر الأخير في كثرة الشروح الحديثية ووفرتها مع كبرها وضخامتها، ومن أراد دليلًا على هذا فليراجع الأثبات التي وردت بأسماء الشروح في كل من العهدين، وسوف لا يجد للبخاري مثلًا إلا شروحًا قليلة في العصر الأول،
стр. 122
ويبدو أن أكثرها هزيل لم يستطع أن يقوم بالعبء الكافي لخدمة هذا الكتاب الخدمة اللائقة به، حتى إن ابن خلدون وهو من أكثر المؤلفين خبرة بشئون الكتب والمؤلفات من علماء القرن الثامن يقول وهو يتحدث عن شروح البخاري: ومن شرحه من المتقدمين لم يستوف الشرح كابن بطال وابن المهلب وابن التين ونحوهم، ولقد سمعت كثيرًا من شيوخنا ﵏ يقولون: شرح البخاري دين على الأمة، يعنون أن أحدًا من علماء الأمة لم يوف ما يجب له من الشرح بهذا الاعتبار١. ا. هـ.
فإذا جاء المتأخرون من علماء الحديث وفيهم مثل الحافظ ابن حجر والإمام العيني بسفريهما العظيمين فتح الباري وعمدة القاري اللذين هما مفخرتان خالدتان لعلماء الحديث في خدمة هذا الكتاب وحده، فكيف إذا انضم إليهما ما سبق لنا إيراد بعضه من شروح البخاري وغيره من كتب السنة من الأسفار الضخمة المتكثرة، إذن لتجلت مفاخر هذا العصر في خدمة السنة بهذه الشروح العظيمة التي لا يزاحم فيها بأي حال.
٨- ومن سمات هذا العصر ظهور التجريد في كتب السنة خصوصًا أو عمومًا، وإن كان بعض هذه المجردات قد ظهر في نهاية العصر السابق، كمصابيح السنة لأبي محمد البغوي، الذي جرد فيه الأحاديث من أسانيدها، وقسمها إلى صحاح وحسان، وأراد بالصحاح ما أخرج الشيخان أو أحدهما، وبالحسان ما أخرجه أرباب السنن الأربعة مع الدارمي، وهو منهجه واصطلاحه وكتاب الجمع بين الصحيحين لعبد الحق محمد بن عبد الرحمن الإشبيلي المتوفى سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، والأحكام الشرعية له أيضًا.
ومن الكتب التي ألفت مجردة في العصر الأخير: التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح لشهاب الدين أبي العباس الشهير بالزبيدي الحنفي المتوفى سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة، ومنها الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، وبلوغ المرام للحافظ ابن حجر، كما أن منها جمع الجوامع، والجامع الصغير، وغيرها من كتب السنة المجردة.
٩- كتب الذيول تذييلها، وهي كتب يؤلفها؛ العلماء استيفاء لما فات المؤلف السابق، أو إضافة إليه ببعض ما عرف بعده مما لم يدركه في عصره، وهي أبرز ما تكون في كتب التراجم، ويتصل بذلك ما يسمى في كتبهم بالتكميل أو الإكمال، ومن أمثلة ذلك ما فعله العلماء في كتاب الوفيات لابن زَبر، وقد سبق إلى التذييل على هذا الكتاب الحافظ الكتاني المتوفى سنة ست وستين وأربعمائة، ثم تتابع المحدثون بالتذييلات عليه في هذا العصر، بذكر من لم يدركه من قبله إلى عصره،
стр. 123
ومن هؤلاء الحافظ المنذري، ثم الشريف عز الدين أحمد بن محمد الحسيني، ثم المحدث أحمد بن أبيك الدمياطي، ثم الحافظ أبو الفضل العراقي، وكلها ذيول على كتاب واحد هو الوفيات لابن زَبر، ومن ذلك أيضًا كتاب زوائد الرجال على تهذيب الكمال، وللحافظ ابن حجر كتاب سماه فوائد الاحتفال في أحوال الرجال المذكورين في البخاري زيادة على تهذيب الكمال، ولسراج الدين عمر بن الملقن كتاب سماه إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ومن المؤلفات أيضًا كتاب التكميل في أسماء الرجال، ومن المؤلفات أيضًا كتاب التكميل في أسماء الثقات والضعفاء والمجاهيل، للحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير جمع فيه بين تهذيب المزي وميزان الذهبي مع زيادات، ومنها أيضًا ذيل الحافظ السيوطي على كتاب الذهبي المسمى بالمغني في الضعفاء وبعض الثقات، كما ذيل الحافظ العراقي على كتاب ميزان الاعتدال للحافظ الذهبي، وعمل شيخ الإسلام ابن حجر لسان الميزان، ضمنه الميزان وزوائد عليه في مجلدين أو ثلاثة، وأشباه ذلك كثير.
١٠- التهذيب والاختصار، وقد تجلى هذا واضحًا في كتب الرجال، ومن ذلك كتاب الكمال في أسماء الرجال للحافظ المقدسي المتوفى سنة ستمائة، فقد هذبه الحافظ أبو الحجاج المزي وسماه تهذيب الكمال في أسماء الرجال في اثني عشر مجلدًا، وله مختصرات منها للذهبي كتاب تذهيب التهذيب، ثم اختصر التذهيب وسماه الكاشف١. وقد اختصر الخزرجي صفي الدين أحمد بن عبد الله كتاب التذهيب وسماه خلاصة تذهيب الكمال في أسماء الرجال، كما اختصر التهذيب الحافظ ابن حجر في كتابه تهذيب التهذيب، ثم لخصه في تصنيف لطيف سماه تقريب التهذيب، وقد اختصر السيوطي معجم ياقوت الحموي إلا أنه لم يكمله، وعمل الحافظ برهان الدين الحلبي مختصرًا لميزان الاعتدال للحافظ الذهبي سماه نثل الهميان في معيار الميزان، وغير ذلك.
هذا ما سنح لنا من عرض جهات الشبه وجهات الاختلاف بين مناهج المحدثين في مؤلفاتهم قبل سقوط بغداد وبعد سقوطها، وإذا كان قد نوهنا بجهود السابقين في جمع السنة المبكر، وعرضها بصورتها المشرقة فإن جديرًا بنا أن ننوه بجهود المتأخرين في استقبال ما وفد عليهم من نتاج الأئمة السابقين، فأخذوا -في الجملة- يتولونه بالتهذيب تارة، وبالشرح تارة، وإضافة ما دعت إليه ظروفهم العلمية، وثقافات العصر ومتطلباته، فأما جهود مصر ومحدثيها فإنها وإن كانت مندمجة في جهود هؤلاء الأئمة بما قضى به حكم التداخل الذي أشرنا إليه في كل من الزمان والمكان فإنها بدت فيما أوردناه في الفصل الأخير من الباب الأول خاصًّا بما عرف من إنتاج أعلام المحدثين في مصر، وسوف تبدو واضحة كذلك، متميزة كل التمييز بما تفرده في الحديث عن المؤلفات الخاصة بهم بإذن الله، والله ولي التوفيق.
стр. 124
الباب الثالث: المدونات الحديثية
مدخل
...
الباب الثالث: المدونات الحديثية
تمهيد:
رأيت أن تكون الكتابة في هذا الموضوع عن الكتب المتعلقة بالأنواع الثمانية الآتية، وأن يكون لكل نوع منها فصل خاص به، وأن تكون على هذا الترتيب.
كتب الأحكام، كتب الترغيب والترهيب، كتب الجوامع، كتب الزوائد، كتب توضيح المبهمات، كتب أصول الحديث، كتب التخريج، كتب الرجال.
وآثرت هذه الأنواع دون غيرها -كالعقائد وأحوال الآخرة وغيرها- لأن هذه الأنواع الثمانية ألصق بالحديث من غيرها.
وبدأت من بينها بكتب الأحكام لأنها أهم ما في كتب السنة من هذه الأنواع؛ إذ كان الجانب الأهم منها راجعًا إلى تصحيح معظم الأركان التي بني عليها الإسلام، كالصلاة والصيام والزكاة والحج، ثم إلى تصحيح المعاملات التي يتعايش الناس بها في حياتهم، ويعرف كل منهم ما له وما عليه دون غبن ولا جور، دفعًا للفساد في الأرض، ومقاومة للتعدي والبغي، وعلى وفقها يكون الفصل في القضايا والخصومات بين الناس.
وقفيت على كتب الأحكام بكتب الترغيب والترهيب؛ لأنها دون كتب الأحكام في الأهمية فهي تتجه في الجملة إلى جانب ما تتحقق به كماليات الأعمال، وما يطلب به الثواب ويتحاشى به العقاب في دار الجزاء، وهي لهذا غير متجهة إلى تصحيح العبادات والمعاملات الذي هو أهم شيء في الدين وتعاليمه.
ثم كانت كتب الجوامع في هذا العصر هي الثالثة في الترتيب؛ لأن مهمتها فيه جمع السنة، ومحاولة استقصائها أو استقصاء الأهم منها، وليس المقصود منها بيان موضوعات دينية معينة كالنوعين السابقين ولهذا كان ترتيبها على الحروف لا على الأبواب تسهيلًا للمراجعة، على أنها جاءت متأخرة في الزمن عن النوعين السابقين.
ثم تجيء بعد ذلك في الترتيب كتب الزوائد، لما أنها -كاسمها- زوائد على كتب الأصول الحديثية التي اعتبرها الناس مراجع أصلية لهم على مدى الأزمان، ولأن فيها استيعابًا أيضًا ككتب الجوامع في لون آخر من ألوان الاستيعاب، ولهذا كانت ككتب الجوامع أقل تداولًا من غيرها من كتب الحديث، ولم تتجه العناية إليها إلا في عصور متأخرة.
وأما كتب توضيح المبهمات التي جاءت في الفصل الخامس، فلأن المقصود الأهم بها هو خدمة الأحاديث النبوية التي هي موضوعات الأنواع الأربعة السابقة؛ وما شابهها، بشرح ألفاظها، أو
стр. 125
تبيين معانيها، أو دفع توهم التضارب عنها، وهذا شيء متأخر طبعًا ووضعًا عن وجود الأحاديث ذاتها، وقد أشرت إلى أن الشروح جاءت متأخرة في التدوين عن جمع السنة في الجملة.
وبعد الانتهاء من دراسة ما يتعلق بالحديث النبوي في الأنواع السابقة رواية أنتقل إلى ما يتعلق به دراية في الأنواع التي اخترتها لبحث بعض مؤلفاتها، وهي التي سميت بكتب أصول الحديث الذي هو فن المصطلح، فبدأت به من بين هذه الأنواع؛ لأنه هو الفن الجامع لشتاتها، والمستوعب لأبوابها فهو أصل والباقي فروع عنه، فأخذت منه أهم الكتب المؤلفة فيه وتناولتها بالدراسة.
ثم قفيت على ذلك بفرع مهم من فروع المصطلح وهو تخريج الأحاديث؛ لأن له أهميته في بيان درجة الأحاديث التي تحتاج إلى التخريج، ومنزلتها من حيث القبول والرد، وهذا أهم ما يقصد من إيراد الحديث والاحتجاج به، فلذلك بدأت به من بين هذه الفروع.
ثم أتبعت ذلك بدراسة بعض كتب الرجال، ووجهت إليها عناية تناسبها تبعًا لرجال الحديث الذين أكثروا من التأليف فيها، للتعريف بالرواة وتواريخ وفياتهم وصفاتهم إلى غير ذلك، مما يلقي أضواء على أسانيد الأحاديث التي هي الأسس والدعاثم في قبول الأحاديث والاستدلال بها.
واكتفيت من بين فروع المصطلح بهذين النوعين؛ لأن الذي سمح به مقام البحث، ولأن في دراسة كتب الرجال ما يغني عن كثير من دراسة بعض الأنواع الأخرى ككتب التجريح والتعديل وكتب الوفيات ونحو ذلك.
تلك هي وجهة نظري في الترتيب الذي رتبته بين هذه الأنواع، وفي الاكتفاء بما اكتفيت به منها.
وعسى الله أن يكون قد وفقني في وجهة النظر فيما ذهبت إليه، وأن يوفقني في الدقة العلمية في التصوير والبحث في تحليل هذه الكتب، وفي دراستها دراسة تنفعني وتنفع القراء إن شاء الله.
стр. 126
الفصل الأول: كتب الأحكام
مدخل
...
الفصل الأول: كتب أحاديث الأحكام
تمهيد:
نقصد بهذه الكتب تلك التي جمع علماء الحديث مادتها من نوع تستنبط منه أحكام الفقه وبحوثه من الأحكام الشرعية التي تدل السنة عليها، وهي تختلف عن كتب علم الفقه بعامة، فإنه كما عرفه أهل الأصول: العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وواضح أن الأدلة التفصيلية تعتبر السنة قسمًا منها، فإنها المصدر الثاني من مصادر الأحكام -بعد كتاب الله- كما هو مقرر، ويلي السنة النبوية الإجماع ثم القياس ثم بقية الأدلة على الاختلاف فيها، وهي الاستحسان والمصالح المرسلة، والأصل في الأشياء الإباحة، وما إلى ذلك.
وكتب الفقه العام كثيرة ومتداولة، بدأت منذ عهد الأئمة، ومن بينها كتب الفروع الفقهية للمذاهب المختلفة، والتي تدرس في معاهد العلم المتعددة.
وأما فقه السنة، فيبدو أن أول ما ألف فيه بوجه عام كتب عرفت بين المحدثين بأنها كتب السنن.
قال العلامة السيد محمد بن جعفر الكتاني في الرسالة المستطرفة١: ومنها كتب تعرف بالسنن، وهي في اصطلاحهم الكتب المرتبة على الأبواب الفقهية من الإيمان والطهارة والصلاة والزكاة.
ثم أورد منها عددًا أضافه إلى السنن الأربعة المشهورة فبلغت خمسة وعشرين كتابًا نذكرها مرتبة بحسب سنة الوفاة لمؤلفيها على النحو التالي:
١- سنن ابن جريج، وهو أبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي ثم المكي، المتوفى سنة ١٥٠هـ٢.
٢- سنن موسى بن طارق، وهو الذي يروي عن ابن جريج وموسى بن عقبة وغيرهم، وهو أبو قرة موسى بن طارق اليماني الزبيدي، ذكره صاحب الرسالة المستطرفة٣. ونقل عن التقريب أنه ثقة يقرب من التاسعة ولم يذكر له وفاة:
٣- سنن الإمام الشافعي، برواية أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، وهو أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، المتوفى سنة ٢٠٤هـ٤.
стр. 127
٤- سنن سعيد بن منصور، وهو أبو عثمان سعيد بن منصور الخراساني الحافظ، المتوفى سنة ٢٢٧هـ١.
٥- سنن الدولابي، وهو محمد بن الصباح البغدادي البزار المزني مولاهم الدوبلابي، المتوفى سنة ٢٢٧هـ٢.
٦- سنن أبي عمرو، "سهل بن سهل" زنجلة الرازي الخياط الأشتر الحافظ، المتوفى في حدود سنة ٢٤٠هـ٣.
٧- سنن الخلال، وهو أبو محمد الحسن بن علي بن محمد الهزلي الخلال الحلواني -نزيل مكة- المتوفى سنة ٢٤٢هـ٤.
٨- سنن الدرامي، وهو أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن التميمي الدارمي السمرقندي الحافظ الثقة المتوفى سنة ٢٥٥ هـ٥.
٩- سنن أبي بكر الأثرم، وهو أحمد بن محمد بن هانئ الطائي الحافظ الثبت، المتوفى سنة ٢٦١هـ٦.
١٠- سنن ابن ماجه، وهو الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه الكبير، المتوفى سنة ٢٧٣هـ٧.
١١- سنن أبي داود، وهو الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزهري المتوفى سنة ٢٧٥هـ٨. وسنتناول هذا الكتاب بالدراسة في هذا الفصل إن شاء الله.
١٢- سنن الترمذي، وهو الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي أبو عيسى الترمذي الضرير، وهو تلميذ البخاري ومشاركه فيما يرويه، توفي سنة ٢٧٩هـ٩.
١٣- سنن أبي إسحاق، وهو إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد القاضي الأزدي، المتوفى سنة ٢٨٢هـ١٠.
١٤- سنن أبي مسلم الكشي، وهو إبراهيم بن عبد الله بن مسلم بن ماعز البصري الحافظ، المتوفى سنة ٢٩٢هـ١١.
стр. 128
١٥- سنن أبي يوسف بن يعقوب بن حماد بن زيد بن درهم القاضي الأزدي، المتوفى سنة ٢٩٧هـ١ وهو ابن عم إسماعيل القاضي الأزدي.
١٦- سنن النسائي الكبرى، وهو الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي أحد الأعلام، توفي سنة ٣٠٣هـ٢.
١٧- سنن الصفار، وهو الإمام أحمد بن عبيد بن إسماعيل البصري الصفار أبو الحسن. حدث عنه الدارقطني وغيره، وتوفي سنة ٣٤١هـ٣.
١٨- سنن أبي بكر محمد بن يحيى الهمذاني الشافعي، المتوفى سنة ٣٤٧هـ٤.
١٩- سنن النجاد، وهو أبو بكر أحمد بن سليمان بن الحسن بن إسرائيل بن يونس البغدادي الفقيه الحافظ، المتوفى سنة ٣٤٨هـ٥.
٢٠- سنن الدارقطني، وهو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود البغدادي الإمام الحافظ الكبير، المتوفى سنة ٣٨٥هـ٦.
٢١- سنن ابن لال، وهو الإمام أبو بكر أحمد بن علي بن أحمد الهمذاني، المتوفى سنة ٣٩٨هـ٧.
٢٢- سنن اللالكائي، وهو أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الحافظ الفقيه، المتوفى بالدينور سنة ٤١٨هـ٨.
٢٣- سنن البيهقي، وهو الإمام العلم أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي الخسروجردي الشافعي الحافظ صاحب التصانيف، المتوفى سنة ٤٥٨هـ٩.
وإذا أضفنا إلى هذه الكتب ما عده صاحب الرسالة المستطرفة١٠ من بينها من رواية الإمام أبي جعفر الطحاوي أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المتوفى سنة ٣٢١هـ لسنن الإمام الشافعي، وسنن النسائي الصغرى "المجتبى" التي لخصها مؤلفها من السنن الكبرى تاركًا لما تكلم في إسناده من التعليل لتبين لنا أن عدد كتب السنن التي اعتمدها العلماء خمسة وعشرون.
وإذا تتبعنا ما ألفه المحدثون من كتب جمعت أحاديث الأحكام، ويسرت للفقهاء سبيل الأدلة وجدنا من بينها هذه المؤلفات التي ذكرها صاحب الرسالة المستطرفة وغيره من المؤلفين.
стр. 129
قال السيد محمد جعفر الكتاني في الرسالة المستطرفة١:
ومنها كتب مرتبة على الأبواب الفقهية، مشتملة على السنن وما هو في حيزها أوله تعلق بها، بعضها يسمى مصنفًا وبعضها جامعًا، وغير ذلك.
ثم أورد مصنفات عديدة، وجوامع كثيرة لمؤلفين من الأعلام اعتبرها العلماء مراجع في الاستدلال في العصور المتعاقبة، كما أورد غيره كثيرًا منها.
وها نحن أولاء نشير إلى هذه المؤلفات وأسماء بعض المؤلفين، ممن اشتهرت مصنفاتهم وعول عليها العلماء في كثير من الأمصار، مرتين لها بحسب سني وفاتهم على النحو التالي:
١- جامع أبي عروة، وهو معمر بن راشد الأزدي مولاهم البصري نزيل اليمن، المتوفى سنة ١٥٣هـ٢.
٢- موطأ ابن أبي ذئب، وهو الإمام أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام بن شعبة القرشي العامري المدني الفقيه، المتوفى سنة١٥٩هـ٣. وهذا الموطأ لم يطبع ولم يتداول، ولم يشتهر كموطأ مالك، ولم يعرف إلا بالحديث عن اسمه في بعض الكتب، فقد ذكره الكتاني في الرسالة المستطرفة فقال٤: وقد صنف ابن أبي ذئب بالمدينة موطأ أكبر من موطأ مالك، حتى قيل لمالك: ما الفائدة في تصنيفك؟ فقال: مما كان لله بقي.
٣- مصنف أبي سلمة "حماد بن سلمة" بن دينار البصري الحافظ، المتوفى سنة ١٦٧هـ٥.
٤- موطأ الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المتوفى سنة ١٧٩هـ٦ وسنتناوله بالدراسة إن شاء الله في هذا الفصل.
٥- كتاب الآثار لمحمد بن الحسن الشيباني مولاهم الكوفي صاحب أبي حنيفة، والمتوفى سنة ١٨٩هـ٧.
٦- مصنف أبي سفيان، وكيع بن الجراح بن مليح الرواسي، المتوفى سنة ١٩٧هـ٨.
٧- جامع أبي محمد سفيان بن عيينة بن ميمون الهلال مولاهم الكوفي الحافظ، نزيل مكة، المتوفى سنة ١٩٨هـ٩.
стр. 130
٨- كتاب الأم للشافعي، الإمام محمد بن إدريس من رواية الربيع بن سليمان المرادي عنه، وهو في سبع مجلدات، والإمام الشافعي توفي سنة ٢٠٤هـ١.
٩- مصنف عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم الصنعاني أبو بكر، المتوفى سنة ٢١١هـ٢.
١٠- مصنف أبي الربيع سليمان بن داود العتكي الزهراني البصري نزيل بغداد، المتوفى سنة ٢٣٤هـ٣.
١١- مصنف ابن أبي شيبة أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي الأصل الكوفي العبسي، المتوفى سنة ٢٣٥هـ٤.
١٢- الجامعان: الكبير والصغير، كلاهما للإمام البخاري محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري مولى الجعفين، المتوفى سنة ٢٥٦هـ٥.
١٣- جامع الإمام مسلم بن الحجاج بن مسليم بن ورد القشيري النيسابوري، المتوفى سنة ٢٦١هـ٦.
١٤- مصنف بقي بن مخلد بن يزيد القرطبي الحافظ أبي عبد الرحمن الأندلسي القرطبي، المتوفى سنة٢٧٦ هـ٧.
١٥- تهذيب الآثار لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري بن يزيد بن خالد، المتوفى سنة ٣١٠هـ٨.
١٦- جامع أبي بكر الخلال، أحمد بن محمد الخلال الحنبلي، المتوفى سنة ٣١١هـ٩.
١٧- معاني الآثار وشرحه، للإمام الطحاوي أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي، المتوفى سنة ٣٢١هـ١٠ وسنتحدث عنه في هذا الفصل بإذن الله.
١٨- الشريعة في السنة، لأبي بكر محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي الآجري، المتوفى سنة ٣٦٠ هـ١١.
١٩- معاني الأخبار، المسمى ببحر الفوائد، لأبي بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي، المتوفى سنة ٣٨٠هـ١٢.
стр. 131
٢٠- معرفة السنن والآثار١، لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي المتوفى سنة ٣٨٨هـ٢.
٢١- شرح السنة، لركن الدين ومحيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد المعروف بالقراء البغوي، المتوفى سنة ٥١٦هـ٣.
٢٢- عمدة الأحكام، للإمام الحافظ تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الجماعيلي الحنبلي، المتوفى سنة ٦٠٠هـ٤، وسنتناوله بالدراسة في هذا الفصل إن شاء الله.
٢٣- جامع الأحكام في معرفة الحلال والحرام، للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي المتوفى سنة ٦٣٨هـ٥.
٢٤- المنتقى، المعروف بمنتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، لمجد الدين ابن تيمية، أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن علي بن تيمية الحراني الفقيه الحنبلي، المتوفى سنة ٦٥٢هـ٦.
٢٥- المحرر في الحديث في شرح الإلمام من أحاديث الأحكام، للحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي، المتوفى سنة ٧٤٤هـ٧.
٢٦- تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد، للحافظ العراقي، المتوفى سنة ٨٠٦هـ٨، وسنتناوله بالدراسة في هذا الفصل بين كتب الأحكام إن شاء الله.
٢٧- بلوغ المرام من أدلة الأحكام، للحافظ ابن حجر العسقلاني، المتوفى سنة ٨٥٢هـ٩ وسنتحدث عنه في هذا الفصل بإذن الله.
٢٨- كشف الغمة عن جميع الأمة، للإمام الشعراني، المتوفى سنة ٩٧٣هـ وسنفرد له دراسة خاصة في هذا الفصل إن شاء الله.
هذه بعض الكتب التي وقفنا عليها بعد البحث، ورأينا إضافتها إلى ما سبقها من كتب السنن. باعتبار أن هذه وتلك كانت كلها مراجع للعلماء والباحثين في الفروع، وكان الكثير منها محل اهتمام المحدثين والفقهاء، فتناولوها بالشرح والتنقيح، والاختصار والتهذيب، ولا تزال حتى الآن موضع العناية من المسلمين في كافة الأقطار والأمصار، فإن موضوعها تلك الأحاديث التي
стр. 132
استدل بها فقهاء الأمة الإسلامية على ما اتجه إليه كل منهم في الأحكام الفرعية العملية المتعلقة بأفعال المكلفين، مما وصل إليه من أدلة السنة، سواء أكانت أفعال المكلفين هذه عبادات أم معاملات أو غيرها، وسواء أكانت الأحاديث تفصيلًا لمجمل الكتاب، أم تفسيرًا لما أبهم فيه، أو كانت أحاديث تستقل بالتشريع، قولية كانت أو فعلية.
وقد اتجهت عناية الأئمة إلى أحاديث الأحكام، وأفردت لها كتب خاصة بها -اعتناء بشأنها- لتوقف تصحيح كثير من الأعمال أو كمالها على معرفتها، ولتعرف إذن الشارع في بعض الأفعال أو عدم إذنه فيه، وإن كان بعض هذه الكتب قد مزج ما فيها من أحاديث الأحكام بآثار الصحابة وفتاوى بعض التابعين.
ولئن كنا قد تناولنا بعض هذه المؤلفات بالدراسة من غير تقيد بالزمان ولا بالمكان، فمرجع ذلك إلى رغبتنا في إيضاح تسلسل الربط بين الماضي والحاضر، واعتبارنا هذه الكتب هي الدعامة التي بنيت عليها مدرسة الحديث في مصر، وهي المراجع الأصلية التي تتلمذ عليها علماؤها الأعلام في هذا النوع من أحاديث الأحكام.
فلنبدأ -باسم الله وعلى بركته- في دراسة أشهر ما وقفنا عليه من هذه المؤلفات، موجزين فيما يستحق الإيجاز مما اعتبرناه منها أساس لموضوع البحث، متوسعين -بعض الشيء- فيما عدا ذلك مما هو من موضوعه الأصيل، والله المستعان.
стр. 133
موطأ الإمام مالك:
موطأ الإمام مالك، هو ذلك الكتاب المبارك الذي ألفه الإمام مالك بن أنس الأصبحي الحميري أبو عبد الله المدني، إمام دار الهجرة رضوان الله تعالى عليه، وكان من أتابع التابعين، أورده الحافظ في التذكرة في الطبقة الخامسة من الحفاظ، ووصفه بأنه الإمام الحافظ فقيه الأمة وشيخ الإسلام وإمام دار الهجرة، وهو أحد الأئمة الأربعة المعروفين، كان ﵀ عظيم المحبة لرسول الله ﷺ ، مبالغًا في تعظيمه، حتى كان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنه ويقول: لا أركب في بلد فيها جسد رسول الله ﷺ مدفون، توفي ﵁ عام تسع وسبعين ومائة للهجرة١.
وكتابه الموطأ، وصفه الحافظ السيوطي في مقدمته للشرح المسمى بتنوير الحوالك -نقلًا عن القاضي أبي بكر بن العربي- بأنه الأصل الأول واللباب، وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب "يريد الحديث"، وعليهما بنى الجميع كمسلم والترمذي، وقد جمع فيه قبل تهذيبه -كما نقل السيوطي- عشرة آلاف حديث، ولم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويخبرها بالآثار حتى رجعت إلى خمسمائة، وأورد عدة نقول تختلف بعض الاختلاف مع هذا النقل بالزيادة أو النقصان.
وينقل السيوطي في هذا المقام عن أبي بكر الأبهري في جملة ما في الموطأ من الآثار عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعين أنها ألف وسبعمائة وعشرون حديثًا: المسند فيها ستمائة حديث، والمرسل مائتان واثنان وعشرون حديثًا، والموقوف ستمائة وثلاثة عشر، ومن قول التابعين مائتان وخمسة وثمانون.
وأورد نقولًا أخرى تختلف عن ذلك أيضًا، وقال: إن هذا الموطأ رواه عن مالك جماعات كثيرة، وبين رواياتهم اختلاف من تقديم وتأخير وزيادة ونقص، وأكبرها رواية القعنبي٢.
وقد أورد عن الإمام مالك في سبب تسميته بالموطأ ما قال: إنه عرض كتابه هذا على سبعين من فقهاء المدينة، فكلهم واطأه عليه، فسماه الموطأ٣.
وقد اشتهر عن الإمام الشافعي أنه قال: ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك، وواضح أن ذلك كان قبل ظهور كتب السنة المعتبرة التي على رأسها الصحيحان الجليلان اللذان تلقتهما الأمة بالقبول -صحيحا البخاري ومسلم.
وفي هذا المقام يقول الحافظ ابن حجر: كتاب مالك صحيح عنده وعند من يقلده على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما.
стр. 134
وفي كتب المصطلح تناوُل لهذا الكتاب، وما وجه إليه من نقد، وما دفع به عنه، ولا يتسع مجالنا الآن لإيراد ذلك، فإن المقصود بيان أن الموطأ من أهم أسس الكتب الحديثية الخاصة بالأحكام إن لم يكن هو الأساس الأول لتلك الكتب.
ولا بد أن نشير إلى أن الموطأ من الكتب العظيمة التي اتجهت إليها عناية العلماء والمحدثين بالشرح، حتى قال القاضي عياض: إنه لم يعتن بكتاب من كتب الحديث والعلم اعتناء الناس بالموطأ، فقد شرحه ابن عبد البر بكتاب سماه التمهيد والاستذكار، وشرحه أبو الوليد بن الصفار بكتاب سماه "الموغب"، وشرحه أبو محمد بن السيد البطليموسي النحوي بكتاب سماه "المقتبس"، وشرحه القاضي أبو بكر بن العربي بكتاب سماه "القبس"، وشرحه أبو الوليد الباجي بثلاثة شروح: "المنتقى والأسماء والاستيفاء"، كما شرحه السيوطي بكتابه الذي سماه كشف المغطى في شرح الموطأ، وكتابه الآخر تنوير الحوالك، وقدم له بمقدمة شحنها بكثير من الفوائد، وهي التي رجعنا إليها في تصويرنا لهذا الكتاب والحديث عنه.
ومن العلماء من وجه عنايته إلى شرح غريبة فقط، منهم الأخفش، والبرقي، وأبو القاسم العثماني المصري.
ومنهم من ألف في رجاله فقط، كأبي عبد الله بن الحذاء، وأبي عبد الله بن المفزع، والبرقي، وللسيوطي كتاب في رجاله سماه: "إسعاف المبطأ برجال الموطأ".
ولا يفوتنا -قبل مغادرة الحديث عن هذا الكتاب الجليل- أن نشير إلى الناحية البارزة فيه، وهي أنه أورد بجانب الأحاديث النبوية من أقوال الصحابة والتابعين ما قدر بثمانية وتسعين وثمانمائة من الآثار: الموقوف منها ثلاثة عشر وستمائة، والمقطوع خمسة وثمانون ومائتان، وهو ما يربو على نصف الكتاب، وللإمام وجهته في ذلك، فإنه انتفع بتلك الآثار وأفاد بها فائدة جليلة فوق ما أورده من الأحاديث: مسانيدها ومرسلها.
إن من هذه الآثار ما كان يوجه إلى أحكام مستقلة لم تسعفه رواية الحديث بها، ومن ذلك الأثر الذي رواه عن سالم بن عبد الله دليلًا على منع تغطية الفم في الصلاة، من أنه كان إذا رأى من يغطي فاه بثوبه وهو يصلي جبذ الثوب جبذًا شديدًا١.
ومن ذلك ما نقله عن ابن عمر من أن في قُبلة الرجل امرأته وجسها الوضوء، ونقل مثله عن ابن مسعود بلاغًا، ومثلهما عن ابن شهاب من التابعين، ولم يذكر حديثًا في هذا الموضوع٢.
ومنها ما يشير إلى خلاف في الرأي بين بعض الصحابة وبعض، أو بين بعض الصحابة وبعض التابعين، وذلك كما أورد عن أنس بن مالك ﵁ أنه قدم من العراق، فدخل عليه بعض الصحابة فقرب له طعامًا قد مسته النار فتوضأ أنس، ولم يتوضأ الآخر.
стр. 135
ونظير هذا ما نقله عن عثمان بن عفان، أنه أكل خبزًا ولحمًا ثم مضمض وغسل يديه ومسح بهما وجهه، ثم صلى ولم يتوضأ.
وكذلك ما بلغ مالكًا عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ﵄ كانا لا يتوضأان مما مسته النار١.. ونظير ذلك الحديث.
وكما نقل عن عروة بن الزبير أن أباه مسح على الخفين ولم يزد على مسح الظهور، ثم نقل عن ابن شهاب أن مالكًا سأله عن المسح على الخفين فمسحهما أمامه من تحت الخف ومن فوقه، وإن كان مالك أيد ما نقله عن ابن شهاب٢.
ومما نقل فيه الخلاف أيضًا بين الصحابي والتابعي حكم الرعاف في الصلاة، فإن ابن عباس غسل الدم ثم بنى من غير وضوء، وأما سعيد بن المسيب فإنه توضأ ثم بنى على ما صلى٣، ولم يؤيد مالك أحد الرأيين في موطئه.
ومنها كذلك ما يقع تفسيرًا لبعض غريب القرآن٤، كما جاء عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه فسر دلوك الشمس بميلها، وعن ابن عباس أنه قال: دلوك الشمس إذا فاء الفيء، وغسق الليل اجتماع الليل وظلمته.
ويبدو أن بعض الرواة عن مالك كان يضيف زيادات مما يستقر عليه رأي مالك في بعض الأحكام كالذي نقله يحيى عن مالك أنه سئل: هل في القيء وضوء؟ قال: لا، ولكن ليتمضمض وليسغل فاه، وليس عليه وضوء٥.
وكما في رأي مالك فيمن نسي أن يمسح رأسه حتى جف وضوءه، قال راوي الكتاب: سئل مالك عن رجل توضأ فنسي أن يمسح رأسه حتى جف وضوءه، فقال: أرى أن يمسح برأسه، وإن كان قد صلى أن يعيد الصلاة.
على أن بعض ما عد من الآثار في هذا الكتاب ما يستحق أن يعد من الأحاديث المرفوعة؛ بناء على ما تقرر في أصول الحديث من أن قول الصحابي له حكم الرفع إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، ولدينا في الموطأ آثار عديدة من هذا النوع.
منها ما نقله عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى عماله: أن صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعًا إلى أن يكون ظل أحدكم مثله، والعصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، والمغرب إذا غربت الشمس٦ ... إلخ، ونظيره ما كتبه إلى أبي موسى: أن صل الظهر إذا زاغت الشمس إلخ، ومثله ما نقله عن أبي هريرة، أن رجلًا سأله عن الأوقات فقال: صل الظهر إذا كان ظلك مثلك، والعصر إذا كان ظلك مثليك.
стр. 136
والنسخة التي بين أيدنا للموطأ بشرح تنوير الحوالك من طبع الحلبي بمصر عام تسع وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة، وهي جزءان في مجلد.
بدئ الأول منها بحديث في وقوت الصلاة١ قال: حدثني يحيى بن يحيى الليثي عن مالك بن أنس عن ابن شهاب بن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يومًا فدخل عليه عروة بن الزبير، فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يومًا وهو بالكوفة، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري، فقال: ما هذا يا مغيرة؟ أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول الله ﷺ ، ثم صلى، فصلى رسول الله ﷺ ، ثم صلى، فصلى رسول الله ﷺ ، ثم صلى، فصلى رسول الله ﷺ ، ثم صلى، فصلى رسول الله ﷺ ثم قال: بهذا أمرت؟ فقال عمر بن عبد العزيز: أعلم ما تحدث به يا عروة، وإن جبريل هو الذي أقام لرسول الله ﷺ وقت الصلاة ... إلخ.
وانتهى الجزء الأول بأثر عنون له بميراث ولد الملاعنة وولد الزنا، وهو: حدثني يحيى عن مالك، أنه بلغه أن عروة بن الزبير كان يقول في ولد الملاعنة وولد الزنا: إنه إذا مات ورثته أمه حقها في كتاب الله وإخوته لأمه حقوقهم، ويرث البقية موالي أمه إن كانت مولاة، وإن كانت عربية ورثت حقها، وورث إخوته لأمه حقوقهم، وكان ما بقي للمسلمين، قال مالك: وبلغني عن سليمان بن يسار مثل ذلك، قال مالك، وعلى ذلك أدركت أهل العلم ببلدنا.
ثم بدأ الجزء الثاني بكتاب النكاح: ما جاء في الخطبة وأورد حديثًا في أوله قال فيه: حدثني يحيى عن مالك بن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه".
وانتهى الجزء الثاني بحديث عنون له بأسماء النبي ﷺ هو: حدثني مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم، أن النبي ﷺ قال: "لي خمسة أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب".
والكتاب مشحون بالأحاديث والآثار والبلاغات، موزعة على الكتب والأبواب وما يندرج تحتها من عناوين، ويحوي مادة خصبة للدارسين والباحثين، يرفع من شأنها قرب عهد مؤلفها من صدر الإسلام، ومعاصرته لكثير من أجلاء التابعين وأتباع التابعين، ممن نقلوا إلينا السنة وأخذنا عنهم الدين، ومما يصدق شهادة الإمام الشافعي لهذا الكتاب من أنه أصح كتاب بعد القرآن الكريم أن الأمة تلقته بالقبول، ولم يزل تعويلها عليه منذ ظهر إلى يومنا هذا، فكان العلماء والأئمة ما بين شارح له، أو مقتبس منه، أو راجع إلى ما فيه من الأحاديث والآثار الكريمة.
رحم الله الإمام مالك بن أنس، وجزاه عما قدم للأمة الإسلامية خير الجزاء.
стр. 137
سنن أبي داود:
وأما سنن أبي داود السجستاني، فهو ذلك الكتاب العظيم، الذي ألفه سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي، المولود سنة اثنتين ومائتين للهجرة، والذي تحدث عند الذهبي في تذكرته١ فقال: إنه الإمام صاحب السنن، الذي حدث عنه الترمذي، والنسائي، وابنه أبو بكر بن أبي داود، وأبو عوانة، وأبو بشر الدولابي وغيرهم ممن رووا عنه سننه، سمع أبا عمرو بن الضرير ومسلم بن إبراهيم والقعنبي و ... وخلقًا كثيرًا بالحجاز والشام ومصر والعراق وغيرها، وقال الذهبي: كتب عنه شيخه أحمد بن حنبل حديث العتيرة، وأراه كتابه فاستحسنه.
ويقول الحافظ المنذري: إن الإمام ابن حنبل استجاده واستحسنه، ثم نقل عن أبي بكر بن عبد العزيز أنه سمع كتابًا كتبه أو داود لأهل مكة يقول فيه عن سننه: إن هذه الأربعة آلاف والثمانمائة حديث كلها في الأحكام، فأما أحاديث كثيرة من الزهد والفضائل وغيرها من غير هذا فلم أخرجها٢، وأن محمد بن إسحاق الصاغاني قال: لين لأبي داود الحديث كما لين لداود الحديد.
ونقل الذهبي عن ابن داسة أن أبا داود قال: ذكرت في كتابي الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، وما كان فيه من وهن شديد بينته، وأورد أن بعض الأئمة قال: كان أبو داود يشبه بأحمد بن حنبل في هديه ودله وسمته، كما نقل عن الحاكم أنه قال: أبو داود إمام أهل الحديث في زمانه بلا مدافعة، وفي بعض نقوله الأخرى ما يؤكد أنه دخل مصر٣.
ونقل المنذري عن أحمد بن محمد بن ياسين الهروي قال: كان سليمان بن الأشعث السجزي أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله ﷺ وعلمه وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع من فرسان الحديث، وكانت وفاته ﵀ ورضي عنه سنة خمس وسبعين ومائتين للهجرة٤.
وكتابه السنن أحد الكتب الستة المشهورة، التي عول عليها العلماء والفقهاء في جميع بقاء الأمة الإسلامية وأزمانها، ولا تجد في وصفه أصدق مما وصفه به مصنفه فيما رواه المنذري عن ابن داسة قال: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب، جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه٥.
ومما وصفه به أيضًا قوله: ما ذكرت في كتابي حديثًا اجتمع الناس على تركه.
стр. 138
ونقل الحافظ المنذري عن محمد بن إسحاق بن منده الحافظ: أن شرط أبي داود والنسائي إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال.
ولعله يريد بقوله: إذا صح الحديث كونه مستوفيًا لشروط القبول، وإلا فإن الصحة بالمعنى المصطلح عليه عند المحدثين ليست ملتزمة في سنن أبي داود، لاعتراف مؤلفها بقوله: جمعت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وقوله: وما كان فيه من وهن شديد يينته، من أنه أحيانًا يذكر الضعيف وينبه إلى علته.
وحكي عن أبي داود أنه قال: ما ذكرت في كتابي هذا حديثًا أجمع الناس على تركه١، وأورد مثله الخطابي نقلًا عن أبي داود عند الحديث عن سننه٢.
ويقول الخطابي٣ في شرحه للسنن٤: اعلموا رحمكم الله أن كتاب السنن لأبي داود كتاب شريف، لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من الناس كافة، فصار حكمًا بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكل فيه ورد منه شرب، وعليه معول أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من مدن أقطار الأرض، ثم فضله على صحيحي البخاري ومسلم في حسن وصفه، وكثرة فقهه.
وذكر الخطابي في مقدمته لشرح السنن عند تقسيم الحديث: أن كتابه هذا مجمع النوعين من الصحيح والحسن، فأما السقيم من الحديث فعلى طبقات: شرها الموضوع ثم المقلوب ثم المجهول، وكتاب أبي داود خَلِي منها، فإن وقع فيه شيء من بعض أقسامه لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره فإنه لا يألو أن يبين أمره، ويذكر علته، ويخرج من عهدته.
ومن راجع ما كتبه علماء المصطلح وجد أن لهم وجوها في الحكم على المسكوت عنه من سنن أبي داود، وقد تناولها الحافظ السخاوي وانتهى منها إلى أن التحقيق التمييز لمن له أهلية النظر، ورد المسكوت عنه إلى ما يليق بحاله من صحة وحسن وغيرها، ثم قال: ومن لم يكن ذا تمييز فالأحوط أن يقول في المسكوت عليه صالح -كما هي عبارته- خصوصًا وقد سلك جماعة هذا المسلك٥.
وقد وصفه الحافظ العراقي في ألفيته بأنه من مظان الحديث الحسن، وبين السخاوي أن الظن هنا بمعنى العلم، وقد بنى ذلك الوصف على ما وصفه به أبو داود نفسه من أنه ذكر فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه.
стр. 139
ونقل السخاوي في هذا المقام عن الغزالي: أن ما فيه من الأحاديث يكفي المجتهد في الفقه كما نقل عن النووي: أنه ينبغي للمشتغل بالفقه ولغيره الاعتناء بهذا الكتاب وبمعرفته التامة، فإن معظم أحاديث الأحكام التي يحتج بها فيه، مع سهولة تناوله وتلخيص أحاديثه، وبراعة مصنفه، واعتنائه بتهذيبه.
والكتاب الذي بين أيدينا طبعة المطبعة التازية بمصر ويقع في اثنتين وتسعين وسبعمائة صفحة، ومكون من جزأين: الأول منهما في تسع وثلاثين وأربعمائة صفحة مفتتح بعبارة: حدثنا أبو علي محمد بن عمرو اللؤلئى، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني في المحرم سنة خمس وسبعين ومائتين: كتاب الطهارة -وذكر فيه أبوابًا- ثم كتاب الصلاة ... وهكذا حتى فرغ منه مرتبًا إياه على أبواب الفقه المعروفة.
ولا بد هنا من أن نشير إلى أن أبا داود بعد أن ألف كتابه السنن بعث برسالة إلى أهل مكة وغيرها جوابًا لهم، أملى فيها كلامًا كثيرًا من السنن منه قوله١:
أما بعد عافانا الله وإياكم عافية لا مكروه معها ولا عقاب بعدها، فإنكم سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت في الباب؟ ووقفت على جميع ما ذكرتم، فاعلموا أنه كذلك كله إلا أن يكون قد روي من وجهين صحيحين فأحدهما أقدم إسنادًا، والآخر صاحبه أقدم في الحفظ فربما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث.
وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين وثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه، وربما فيه كلمة زيادة على الأحاديث، وربما اختصرت الحديث الطويل؛ لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعد من سمعه، إلى أن قال: وليس في كتاب السنن عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر.
ثم قال: وما كان من كتابي هذا من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض٢ وهو كتاب لا يرد عليك سنة عن النبي ﷺ إلا وهي فيه إلا أن يكون كلامًا استخرج من الحديث، ولا يكاد يكون هذا، ولا أعلم شيئًا بعد القرآن، ألزم للناس أن يتعملوا من هذا الكتاب.
إلى أن قال: والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئًا من الحديث إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس. ثم قال: ولعل قدر الذي في كتابي أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ونحو ستمائة حديث من المراسيل.
وختم رسالته بقوله: ولم أصنف في كتب السنن إلا الأحكام، ولم أصنف في كتب الزهد وفوائد الأعمال وغيرها.
هذا هو أهم ما ورد في رسالة أبي داود السجستاني إلى أهل مكة، وما ورد في غيرها مما
стр. 140
يستعان به على تعرف هذا الكتاب ومزيته، والقارئ في رسالة أبي داود لأهل مكة يجدها مشتملة على كثير من الركة والإبهام في الأسلوب، ولهذا اكتفينا بنقل ما ينفع ويفيد منها.
هذا: وإن الممارس لهذا الكتاب، والمتتبع لما فيه من مزايا وصفات، تتجلى له فيه ظواهر واضحة عديدة أهمها ما يأتي:
١- أنه يعنى بإيراد الروايات المتعددة للفظ الواحد في الحديث من غير أن يكرر الحديث كله -كما هو صنيع البخاري في تكرار الحديث الواحد من أجل الاختلاف في كلمة في الحديث أو عبارة فيه.
وذلك مثل قوله في حديث ابن عمر: "الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" قال أبو داود: وقال عبيد الله بن عمر: أتر، واختلف على أيوب فيه، وقال الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ قال: وتر١.
ومن ذلك أيضًا قوله في حديث أنس بن مالك ﵁ كان موضع المسجد حائطًا لبني النجار فيه حرث ونخل ... إلخ، وحدثنا عبد الوارث بنحوه، وكان عبد الوارث يقوله: فيه خرب٢.
ومن ذلك قوله في حديث أبي هريرة في قوله ﷺ : "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا" قال أبو داود: وكذا رواه عقيل ويونس وأبو أويس: "من قام رمضان" وروى عقيل: "من صام رمضان وقامه" ٣.
٢- أنه يقوي الحديث بمتابعته بغيره مع تحديد الفرق بينهما دقة في عرض السنة، ومن ذلك حديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال في لغو اليمين: "إنه كلام الرجل في بيته كلا والله، وبلى والله". قال أبو داود: روى هذا الحديث داود بن الفرات عن إبراهيم الصائغ موقوفًا على عائشة، وكذا رواه الزهري وعبد الملك بن أبي سليمان ومالك بن مغول، وكلهم عن عطاء عن عائشة موقوفًا٤.
٣- أنه ينقل اختلاف العلماء في وصل بعض الأحاديث أو قطعها. وذلك كما جاء في حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" قال أبو داود: وسمعت أحمد بن حنبل يقول: أفسدوا علينا هذا الحديث، قيل له: وصح إفساده عندك؟ هل رواه غير ابن أبي أويس؟ قال: أيوب كان أمثل منه -يعني أيوب بن سليمان بن بلال- وقد رواه أيوب، قال أبو داود: سمعت أحمد بن شبويه يقول: قال ابن المبارك -يعني في هذا الحديث: حدث أبو سلمة، فدل ذلك على أن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة، قال أحمد بن محمد المرودي: إنما الحديث حديث علي بن المبارك
стр. 141
عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن الزبير عن أبيه عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ ، أراد أن سليمان بن أرقم وهم فيه، وحمله عنه الزهري، وأرسله عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنه١.
٤- أنه ينبه على ما في الحديث من وهن إن كان ذلك فيه، كما عرف من وصف كتابه وأشرنا إلى ذلك في حديثنا عنه.
ومن ذلك قوله في حديث يحيى بن أيوب أنه قال: يا رسول الله أمسح على الخفين؟ الحديث قال أبو داود: رواه ابن أبي مريم المصري عن يحيى بن أيوب عن عبد الرحمن بن رزين عن محمد بن يزيد بن أبي زياد عن عبادة بن أنس عن أبي بن عمارة قال فيه: حتى بلغ سبعًا قال رسول الله ﷺ : "نعم وما بدا لك" قال أبو داود: وقد اختلف في إسناده وليس بالقوي٢.
ومن ذلك قوله في حديث المغيرة بن شعبة قال: "وضأت النبي ﷺ في غزوة تبوك فمسح أعلى الخفين وأسفله" قال أبو داود: وبلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء٣ وهو طعن منه في الحديث بالانقطاع وعدم القبول.
ومن ذلك قوله في حديث أبي سعيد: "أن النبي ﷺ مر بغلام وهو يسلخ شاة" الحديث، قال أبو داود: وقال عن هلال بن ميمون الرملي رواه عبد الواحد بن زياد وأبو معاوية عن هلال عن عطاء عن النبي ﷺ مرسلًا لم يذكر أبا سعيد٤.
ومن ذلك أيضًا -مع بيان السبب- قوله في حديث أبي هريرة قال: "خرج رسول الله ﷺ فإذا الناس في رمضان يصلون" الحديث. قال أبو داود: ليس هذا الحديث بالقوي، مسلم بن خالد ضعيف٥، ومن ذلك أيضًا قوله في حديث على الذي رواه عنه ميمون بن أبي شبيب: "أنه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي ﷺ ... " الحديث، قال أبو داود: ميمون لم يدرك عليا، قتل بالجماجم، والجماجم سنة ثلاث وثلاثين٦.
ومن ذلك قوله في حديث ابن عباس: "نهى رسول الله ﷺ عن معاقرة الأعراب" قال أبو داود: غندر أوقفه عن ابن عباس٧.
٥- أنه ينبه على اختلاف رواة الحديث بالزيادة أو النقص فيه.
ومن ذلك قوله في حديث عمرو بن أمية الضمري قال: "كنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره ... إلى أن قال: ثم أمر بلالا فأذن" وفي رواية أخرى عن ذي مخبر ابن أخي النجاشي في هذا الخبر قال: فأذن وهو غير عجل٨.
стр. 142
ومن ذلك أيضًا إيراده حديث عائشة: "أن النبي ﷺ كان يصلي صلاة العشاء في جماعة ... " الحديث، ثم إشارته إلى رواية أخرى يقول عنها: إن الراوي لم يذكر: "يسوي بينهن في القراءة والركوع والسجود"١.
ومن ذلك حديث أبي هريرة: "أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: إني أرى الليلة" فذكر الحديث، ثم قال: إن الزهري رواه عن عبيد الله عن ابن عباس عن النبي ﷺ بهذا لم يذكر القسم، زاد فيه "ولم يخبره"٢.
ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي بكر قال: "نزل بنا أضياف لنا" وذكر الحديث ثم أورد رواية أخرى بهذا الحديث نحوه وقال: زاد عن سالم في حديثه: "ولم يبلغني كفارة"٣.
٦- أنه يحدد من وقع منه الشك من شيوخه -إن كان.
ومن ذلك حديث أبي بن كعب: "أنه وجد صرة فيها مائة دينار" قال أبو داود في آخره: "وقال: لا أدري أثلاثًا قال عرفها أو مرة واحدة؟ " ثم ذكر الحديث برواية شعبة بمعناه قال: "عرفها حولا، وقال: ثلاث مرات، وقال: لا أدري أقال له ذلك في سنة أو في ثلاث سنين؟ ٤".
٧- أنه يتحرى الدقة والأمانة في إيراد السند على حقيقته بكل وجه يصل إليه، أو الإشارة إلى ما فيه من غموض أو شك تبرئة للذمة.
ومن ذلك ما جاء في حديث يعلى بن أمية عن أبيه: "أن رجلًا أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة ... " وذكر الحديث، ثم أورده برواية أخرى عن صفوان بن يعلى عن أبيه، ثم قال بهذه القصة قال فيه: قال النبي ﷺ : "اخلع جبتك" فخلعها من رأسه، وساق الحديث. ثم أورد سندًا آخر إلى يعلى بن منبه عن أبيه بهذا الخبر قال فيه: "فأمره رسول الله ﷺ أن ينزعها ويغتسل مرتين أو ثلاثًا ... " وساق الحديث، ثم أورده برواية رابعة: "أن رجلًا أتى النبي ﷺ بالجعرانة وقد أحرم بعمرة وعليه جبة وهو مصفر لحيته ورأسه ... " وساق هذا الحديث٥.
وفي هذا الحديث نفسه يذكر اختلاف اللفظ في قوله: وعليه أثر خلوف، أو قال: أثر صفرة.
ومن ذلك حديث نبيه بن وهب برواية أحمد بن حنبل قال: اشتكى عمر بن عبيد الله بن معمر عينيه، فأرسل إلى أبان بن عثمان ... إلى أن قال: اضمدهما بالصبر، فإني سمعت عثمان يحدث ذلك عن رسول الله ﷺ ، ثم ذكر رواية أخرى عن نبيه بن وهب بهذا الحديث برواية عثمان بن أبي شيبة٦.
стр. 143
ومن ذلك حديثه عن أبي بكرة: "أن النبي ﷺ خطب في حجته" الحديث، ثم أورده برواية أخرى عن النبي ﷺ بمعناه، قال أبو داود: سماه ابن عون -أي في سند آخر- فقال: عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبي بكرة في هذا الحديث، وبيان ذلك أن ابن أبي بكرة ورد في السند الأول بكنيته دون اسمه، ولكنه في السند الأخير ذكر باسمه وكنيته١.
ومن ذلك قوله في حديث كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة عن بعض أهلي عن جده: "أنه رأى النبي ﷺ يصلي" الحديث ثم قال أبو داود: قال سفيان: كان ابن جريج أخبرنا عنه أخبرنا ابن كثير عن أبيه قال: فسألته فقال: ليس من أبي سمعته، ولكن عن بعض أهلي عن جدي٢.
ومن ذلك قوله في حديث عبد الرحمن بن سعيد المخزومي أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: " ... " وساق الحديث، قال أبو داود: لم أفهم إسناده من أبي العلاء كما أحب٣ ومعنى ذلك عدم اعتداده بهذا السند.
ومن ذلك أيضًا قوله في حديث عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ كان لا يصلي في ملاحفنا" قال حماد: وسمعت سعيد بن أبي صدقة قال: سألت محمدًا عنه فلم يحدثني، وقال: سمعته منذ زمان ولا أدري ممن سمعته، ولا أدري أسمعته من ثبت أم لا؟ فسلوا عنه٤.
ومن ذلك تعقيبه على التماس ليلة القدر، قال أبو داود: لا أدري أخفي علي شيء منه أم لا؟ ٥.
٨- أنه يعقب على بعض الأحاديث بوصف بعض الرجال أو نسبته أو تسميته زيادة في تحقيقه وتحديده، سواء أكان الموصوف أو المنسوب أو المسمى من رجال السند أم لم يكن.
ومن ذلك قوله في حديث عبد الله بن حوالة الأزدي قال: "بعثنا رسول الله ﷺ لنغنم ... " وساق الحديث ثم قال: عبد الله بن حوالة حمصي٦.
ومن ذلك قوله تعقيبًا على حديث عمر بن الخطاب: "لما كان يوم بدر" الحديث: اسم أبي نوح قراد، والصحيح عبد الرحمن بن غزوان٧.
ومن ذلك قوله في حديث أنس بن مالك: "أن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح ... " الحديث إلى أن قال: "جاءه رجل فقال ابن خطل متعلق بأستار الكعبة" قال أبو داود: ابن خطل اسمه عبد الله، وكان أبو برزة قتله٨.
٩- وأنه يشير إلى اختلاف الرواة في فهم الحديث عند وجود هذا الاختلاف.
ومن ذلك قوله في حديث أبي موسى: أن النبي ﷺ قال:
"إني والله -إن شاء الله-
стр. 144
لا أحلف على يمين ... " الحديق قال أبو داود: وسمعت أحمد يرخص فيها الكفارة قبل الحنث، ونقل عن ابن سمرة أنه قال: كفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير، قال أبو داود: أحاديث أبي موسى الأشعري وعدي بن حاتم وأبي هريرة في هذا الحديث روي عن كل واحد منهم في بعض الرواية الحنث قبل الكفارة، وفي بعض الرواية الكفارة قبل الحنث١.
١٠- أنه يبين رأيه في تحقيق راوي الحديث، ومن هو الأولى في الأخذ عنه.
ومن ذلك قوله في حديث صفوان بن عمرة: "أتيت النبي ﷺ قبل أن يهاجر بهذا الحديث -يريد الحديث الذي سبق- قال أبو داود: رواه قيس كما قال سفيان، والقول قول سفيان، ثم قال: حدثنا ابن أبي رزمة، سمعت أبي يقول: قال رجل لشعبة: خالفك سفيان. قال: دمغتني، وبلغني عن يحيى بن معين قال: كل من خالف سفيان فالقول قول سفيان، وحدثنا أحمد بن حنبل ثنا وكيع عن شعبة قال: كان سفيان أحفظ مني٢.
١١- أنه -أحيانًا- يفسر الغريب من لفظ الحديث.
ومن ذلك قوله في حديث المسجد النبوي -تفسيرًا لكلمة القصة التي وردت في الحديث- قال أبو داود: القصة الجص٣.
١٢- أنه يروي المدرج مع بيان من أدرجه.
ومن ذلك قوله في حديث بناء المساجد بعد قول النبي ﷺ : "ما أمرت بتشييد المساجد" قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى٤.
١٣- أنه يروي بعض الآثار الموقوفة أو المقطوعة في سننه.
ومن ذلك أنه أورد أثرًا بسنده إلى عطاء، أنه كره الوضوء باللبن والنبيذ -بعد أن ذكر أحاديث الوضوء بالنبيذ- وقال: إن التيمم أعجب إلي منه، وأورد بعده كذلك أثرًا بسنده إلى أبي خلدة، قال: سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة وليس عنده ماء وعنده نبيذ أيغتسل به؟ قال: لا٥.
وهذا المسلك في رواية الآثار الموقوفة أو المقطوعة لا يقع منه إلا على ندرة، بخلاف صاحب الموطأ الذي شرحنا مسلكه فيما سبق.
١٤- أنه يكثر من عدد الأبواب مهما قلت أحاديثها إلى درجة ألا يكون في الباب إلا حديث واحد معدود الكلمات.
وذلك مثل باب النهي عن البول في الجحر، ولم يذكر في هذا الباب إلا حديث: "أن النبي ﷺ نهى أن يبال في الجحر"٦.
стр. 145
ومن ذلك باب كراهية الكلام عند الحاجة، حيث لم يذكر فيه إلا حديثًا واحدًا وهو قوله ﷺ : "لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان" ١.
ومن ذلك: باب في الرجل يذكر الله على غير طهر، لم يذكر فيه أبو داود إلا حديثًا واحدًا لعائشة: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه"٢.
ومن ذلك باب الخاتم يكون فيه ذكر الله، لم يذكر فيه إلا حديثًا واحدًا، على أنه حكم بأنه حديث منكر٣.
ومن ذلك أيضًا باب البول قائمًا، لم يذكر فيه إلا حديثًا واحدًا.
ومن ذلك باب الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده، لم يذكر فيه إلا حديثًا واحدًا أقصر من عنوانه.
وباب ما جاء في أكل معاقرة الأعراب لم يذكر فيه إلا حديثًا واحدًا٤.
وباب ما جاء في ذبيحة المتردية لم يذكر فيه إلا حديثًا واحدًا.
وكذلك باب المبالغة في الذبح٥.
وبعد هذا فإن فيما أوردناه من شهادات الحفاظ والعلماء لسنن أبي داود والتنويه بشأنها ما يدل على أنه كتاب جدير بالعناية بأمره، والاستمساك بحبله، واعتباره كنزًا من كنوز المعرفة والعلم بالسنة المحمدية، ولا سيما فيما يتعلق بالأحكام الشرعية، ولهذا عده بعض العلماء والأئمة الكتاب الثالث في الرتبة بعد الصحيحين، وإن كنا نتجه إلى أنه أولها رتبة فيما يختص بجمع أحاديث الأحكام وتقريبها وتهذيبها، والأمانة في عرضها بأسانيدها ومتونها.
ولا يفوتنا أن ننوه بهذا الكتاب من زاوية أن مؤلفه ممن عاشوا في عصور الرواية التي تنتهي بنهاية المائة الثالثة للهجرة، وأنه من الأئمة ذوي الحق في التعديل والتجريح، والتصحيح والتضعيف، ولهذا اختص كتابه من بين سائر مدونات الأحكام بطابع الرواية عند إيراد كل حديث، وبيان الطرق التي أوصلته إليه في كل منها، وبيان المقبول منها والمردود، إما بالنص عليه أو بالسكوت الذي جعله علامة على صلاحية الحديث كما بينا ذلك.
وما اشتهر من أن الكتاب في أحاديث الأحكام، لا ينافي ما وقع في آخره من أحاديث يتعلق بعضها بالعقائد، وبعضها بالترغيب والترهيب والآداب، فإنه ﵀ لم يرد أن يخلي كتابه من هذه الفوائد بعد أن استفرغ وسعه في رواية أحاديث الأحكام، وإن كانت هذه الأبواب أيضًا يمكن ردها إلى الأحكام، باعتبار ما فيها من إلزام للمكلفين، أو ترغيب وترهيب للمؤمنين.