← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9974

مدرسة الحديث في مصر

محمد رشاد خليفة

Полный текст (494 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ومثل كبيرة التبتل أي ترك التزوج، وكبيرة نظر الأجنبية بشهوة مع خوف الفتنة، وما إلى ذلك، وكبيرة الغيبة والسكوت عليها رضًا وتقريرًا. وكذلك كبيرة المطلق بالتحليل، وطواعية المرأة المطلقة عليه، ورضا الزوج المحلل له، وكبيرة إفشاء الرجل سر زوجته، وإفشائها سره، وإتيان الزوجة أو السرية في دبرها، وأن يتزوج امرأته وفي عزمه ألا يوفيها صداقها، وكبيرة التطفل وهو الدخول على طعام الغير، ومثل كبيرة سؤال المرأة زوجها الطلاق من غير بأس، وكبيرة الدياثة والقيادة بين الرجال والنساء، وكبيرة وطء الرجعية قبل ارتجاعها، وكبيرة الظهار، وكبيرة اللعان وكبيرة سب المسلم والاستطالة في عرضه، وما إلى ذلك من الكبائر المتعلقة بالمعاملات. ومجموع ما أورده من الكبائر الظاهرة ست وتسعون وثلاثمائة كبيرة. ولعلنا بهذا العرض لمفردات من هذه الكبائر في هذا التصوير للنوعين من الكبائر الباطنة والظاهرة ننبه القراء إلى أن أمورًا كثيرة مما هو من صميم المعاصي قد خفيت على كثير من العامة، بل الخاصة أنفسهم، ونلفت نظر كل دارس للعلم إلى وجوب الاطلاع على مثل هذا الكتاب القيم النفيس على كل مسلم ومسلمة؛ محافظة على أنفسهم من مخاطر هذه المعاصي، والتخلص منها جهد الاستطاعة لسلامة الدين. وقد بدأ المؤلف كتابه -قبل ذكر الكبائر- بخطبة أشار فيها إلى بيان الداعي إلى تأليفه وأنه قد ظفر بكتاب منسوب لإمام عصره الحافظ الذهبي لتعرف هذا النوع من العلوم الإسلامية فلم يشف هذا الكتاب أوامه؛ لأنه استروح فيه استرواحًا، تجل مرتبته عن مثله -يريد أنه تسامح في عرض بعض الكبائر بما قد يجرئ بعض العصاة، ولأنه أورد فيه أحاديث وحكايات لم يعز كلا منها إلى محله، مع عدم إمعان نظره في تتبع كلام الأئمة، وعدم تعويله على كلام من سبقه إلى تلك المسالك، فيقول: إن ذلك دعاه -مع ما تفاحش من ظهور الكبائر، وعدم أنفة الأكثر عنها في الباطن والظاهر- إلى الشروع في تأليف يتضمن ما قصده، ويتكفل ببيان جميع ما قدمه، ويكون في هذا الباب زاجرًا أي زجر، وواعظًا أي وعظ، ولهذا أسماه الزواجر عن اقتراف الكبائر. ثم ذكر في خطبة الكتاب أنه رتبة على مقدمة في تعريف الكبيرة، وما وقع للناس في تعريفها وفي عددها وما يتعلق بذلك، وبابين: الأول في الباطنة، والثاني في الظاهرة -كما قلنا- ثم أورد تلك المقدمة المعرفة للكبيرة، وأردفها ببيان تلك الكبائر التي أسلفنا عددها والتمثيل لها، ثم ذكر خاتمة في آخر الكتاب أورد فيها أربعة أمور: ١- ما جاء في فضائل التوبة ومتعلقاتها. ٢- في ذكر الحشر والحساب والشفاعة وما إلى ذلك، وأورد فيه فصولًا: أحدها في الحشر وغيره، والثاني في الحساب وغيره، والثالث في الحوض والميزان والصراط، والرابع في الإذن في الشفاعة.

стр. 212

٣- في ذكر النار وما يتعلق بها. ٤- في الجنة ونعيمها. وفي الحق لقد جاء هذا الكتاب نفيسًا وافيًا، وقيمًا كافيًا، ما رأينا ولا سمعنا له بضريب في تحقيقه واستيعابه، وما فيه من صور الأمانة والدقة والإخلاص للعلم، لولا هنات يسيرة وقعت فيه، ترجع إلى تساهله -وهو أولى الناس بالتحقيق- في بيان مراتب كثير من الأحاديث التي أوردها مما يحتاج إلى ذلك، وإن كان قد نبه إلى مصادرها، والمراجع التي أخذها منها. وإنما قلنا: يترك بيان كثير من الأحاديث لأنه أحيانًا ينبه إلى ذلك ولا يغفله، فقد جاء في التعليق على الحديث الذي أوله: "كان ﷺ بقباء وكان صائمًا١ ... " الحديث قوله: قال شيخ الإسلام الزين العراقي: قال الذهبي في الميزان: إنه خبر منكر، وكما جاء أيضًا في تعليقه على خبر أوله: "كان ﷺ في نفر من أصحابه في بيت يأكلون٢ ... " إلى أن يقول: "فما مات هذا الرجل حتى كانت به زمانة" كذا في الإحياء، قال شيخ الإسلام الزين العراقي: لم أجد له أصلًا والموجود حديث أكله ﷺ مع مجذوم. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وقال: غريب، وكتعليقه في نفس الصفحة على حديث: "أربع لا يعطيهن الله إلا لمن يحب ... " بقوله رواه الطبراني والحاكم بلفظ: "أربع لا يصبن إلا بعجب" وقال الحاكم: صحيح الإسناد، واعترض بأنه فيه من قال ابن حبان في حقه: إنه يروي الموضوعات ثم روى له هذا الحديث. وهذا مسلك واضح في بيان مرتبة الحديث عند أهل الشأن. ونستطيع أن نسجل أن المؤلف -في كتابه هذا- لا يلتزم حالًا واحدة في تقويم الأحاديث بل نراه كثيرًا يفرط بترك التقويم، وتارة يبالغ في أمره، وأحيانًا يتوسط، ولعل مما يبرر له ترك التقويم -أحيانًا- أنه يعتمد على كثرة ما يورده في الاستدلال، وأنه يعزو بعض ما يورده إلى ما ثبتت صحته من كتب السنة، كالصحيحين أو أحدهما، وصحيح ابن حبان وصحيح ابن خزيمة، ولا سيما أنه بنى الكتاب على الاختصار الدقيق، حتى إنه كثيرًا ما يحذف الراوي، وكثيرًا ما يحذف اسم النبي ﷺ اعتمادًا على أنه يروي أحاديث، وأنه يريد أن يفسح المجال لذلك الطوفان الذي قدمه للقراء من الأحاديث جهد طاقته، فجزاه الله خيرًا وتغمده برحمته ورضوانه.

стр. 213

ولعله يكون من الخير أن نقف القارئ الكريم على أمثلة مما فعله المؤلف، ومن إسهاب في التخريج أو اقتصار فيه، ومن ذكر للتقويم أو إغفال له، ومن بيان لمن روى الحديث أو ترك لهذا البيان، فإن في ذلك تصويرًا للكتاب، وإيضاحًا لمنهجه ومسلك المؤلف فيه: ١- فمما اقتصر فيه ولم يورد إلا راويًا واحدًا وأتبعه بسيل من الأحاديث لا يدري القارئ أهو من رواية الراوي الذي ذكره، أو هو من رواية غيره، ولم يخرج منها إلا حديثًا واحدًا -على ما يبدو- وأغفل تقويمها جميعًا، ذلك الذي أورده في "خاتمة" في ذكر شيء من فضائل كظم الغيظ والعفو والصفح والحلم والرحمة والحب في الله تعالى قال: قال١ ابن مسعود: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًّا من الأنبياء وقد ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعملون"، "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". ومسلم: "إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة". قاله لأشج عبد القيس كما يأتي: "إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على سواه"، "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه"، "من يحرم الرفق يحرم الخير كله"، "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته"، "ما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا بيده قط ولا امراة ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله ". ٢- ومما اعتدل في تخريجه وتقويمه، ولم يذكر في بعضها رواته ما أورده في قوله: وقال صلى الله عليه وسلم٢: "يخرج من النار عقرب له أذنان تسمعان ... " الحديث، قال في آخره رواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب. وكذلك قوله:٣ وفي أخرى صحيحة أيضًا: "احذروا بيتًا يقال له الحمام" فقالوا: يا رسول الله يذهب الدرن -أي الوسغ- وينفع المريض، قال: "فمن دخله فليستتر". زاد الطبراني في أولهما: "شر البيوت الحمام ترفع فيه الأصوات، وتكشف فيه العورات". وفي صحيحة أيضًا: إن نساء من حمص أو الشام دخلن على عائشة ﵂ فقالت: أنتن اللاتي تدخلن نساءكم الحمام؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت الستر بينها وبين ربها"، وفي رواية لأحمد والبزار والطبراني: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر ... " الحديث، وفي أخرى في سندها ابن لهيعة: إن عائشة ﵂ سألته ﷺ عن الحمام فقال: "إنه سيكون بعدي حمامات، ولا خير في الحمامات للنساء"، فقالت: يا رسول الله إنها تدخله بإزار فقال: "لا وإن دخلته بإزار ودرع وخمار، وما من امرأة تنزع خمارها في غير بيت زوجها إلا كشفت الستر فيما بينها وبين ربها".

стр. 214

وإن من بين ما أوردناه هنا من الأمثلة ما لم يذكر له تخريجًا، ومن بينه ما لم يبين درجته اعتمادًا على وروده في الصحاح، ومن بينه ما ذكر في سنده راويا بعينه معروفًا بضعفه ليستغنى به عن ذكر درجة الحديث. ٣- ومما خرجه ولم يقومه ما ذكره في القدر من أحاديث عزاها إلى أصولها، واكتفى بذلك عن تقويمها حيث قال١: وورد في القدر أحاديث كثيرة غير ما مر، أحببت ذكر أكثرها لعظم فائدتها وعموم عائدتها. منها: أخرج ابن عدي: "من كذب بالقدر فقد كفر بما جئت به". وأبو يعلى: "من لم يؤمن القدر خيره وشره فأنا منه بريء". وأحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع ... " الحديث، والطبراني في الأوسط: "من لم يرض بقضاء الله، ويؤمن بقدر الله فليلتمسن إلهًا غير الله" والحاكم: "لا يغني حذر عن قدر". والبيهقي: قال الله تعالى: "من لم يرض بقضائي وقدري فيلتمس ربًّا غيري" والحاكم وابن عدي والطبراني: "خلق الله يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنًا". إلى آخر ما أورده من أحاديث في القدر. وكذلك ما أورده في خاتمة في بعض أحاديث منها على أمور مهمة تتعلق بالقرآن٢، فقد ذكر الأصول التي وردت هذه الأحاديث فيها، ولم يقوّم من هذه الأحاديث رغم كثرتها إلا حديثًا واحدًا قال فيه: والبيهقي وضعفه عن أبي بن كعب. ٤- وأحيانًا نرى المؤلف يعنى بتقويم الأحاديث، فيبين درجتها، وينص على رتبتها، ومع بيان تخريجها في بعض الأحيان، وذلك كما ورد في بعض الأحاديث حيث قال٣: وابن شاهين وقال: غريب، وابن عساكر: "كان في بني إسرائيل جدي ترضعه أمه ... " وساق الحديث، ثم قال: والترمذي وابن سعد والحاكم وصححه لكن تعقب: "يا عائشة إذا أردت اللحوق بي فلكيفك من الدنيا كزاد الراكب ... " الحديث، ثم قال: والترمذي وحسنه النسائي والدارقطني عن أبي هريرة وأحمد والطبراني عن ابن عباس وابن عساكر عن ثوبان: "إن الدين النصيحة ... " الحديث. وكما أورد في الكبيرة الأربعين حين قال٤: وأخرج الترمذي وحسنه عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى يابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي ... " الحديث، وقال بعد ذلك: وعن أنس بسند حسن أنه ﷺ دخل على شاب وهو في الموت فقال: "كيف تجدك ... " الحديث، وفي الكبيرة الثالثة والأربعين٥ قوم بعض الأحاديث التي أوردها، فقال في أحدها: والترمذي وقال: حديث غريب وابن أبي الدنيا والحاكم شاهدًا والبيهقي، وقال في آخر: وابن ماجه

стр. 215

وحبان في صحيحه، والبيهقي بسند فيه من احتج به الشيخان، وغيرهما ولا التفات لمن شذ فيه، وقال في ثالث: وصح بسند فيه انقطاع، وقال في رابع: وابن ماجه بسند رواته ثقات. ٥- وإن المؤلف في بعض أحيانه، وفي ختام دراسته لبعض الكبائر وما يورده بشأنها من أحاديث يذكر خاتمة يقول عنها: إنها في سرد أحاديث صحيحة وحسنة، وذلك مثل ما فعله في ثواب المتحابين في الله تعالى١، وفي فضل الصلاة والسلام على نبينا صلى الله عليه وسلم٢. هذا ما سنح لنا من عرض لعمل المؤلف في الكتاب، بالنسبة لما يورده فيه من أحاديث. وأما طريقة عرضه للزواجر والاستدلال لها، فإنه -بعد أن يذكر عنوان الكبيرة- كثيرًا ما يورد آيات من القرآن الكريم للاستدلال على أنها كبيرة، ثم يورد طائفة كثيرة من الأحاديث النبوية تدل على مبلغ إحاطته العظيمة بالسنة، ثم يورد بعدها بعض التنبيهات المتعلقة بتلك الكبيرة، فهو بعد كبيرة الشرك -مثلًا- يذكر جملة من أنواعه لكثرة وقوعه في الناس وعلى ألسنة العامة، ويشبعه أيضًا بأدلة من الكتاب والسنة النبوية في تنبيه، ثم يبين أن الشرك لا يغفره الله، ويدفع التعارض بين بعض الأدلة وبعض في هذا المقام في تنبيه آخر، ويذكر حكم من نطق بكلمة الردة ويزعم أنه أضمر التورية في تنبيه ثالث، ويذكر أنه لا يحصل الإسلام من كافر أصلي أو مرتد إلا بنطقه بالشهادتين في تنبيه رابع، ويذكر مذهب أهل الحق في الإيمان عند الغرغرة أو عند معاينة العذاب بالاستئصال في تنبيه آخر، ويذكر ما دلت عليه الآيات والأحاديث من أن عذاب الكفار في جهنم دائم في تنبيه آخر، فإذا انتقل إلى كبيرة الشرك الأصغر -وهو الرياء- ذكر أدلته من الكتاب والسنة التي تتجاوز أحاديثها مائة حديث، ويضيف إلى هذه الأدلة الإجماع، ثم يعقب على ذلك بتنبيهات: منها تنبيه في حقيقة الرياء وحده، وكونه تارة يكون بالفعل وتارة يكون بالقول، وتنبيه في أن الرياء حيث أطلق على لسان الشرع فالمراد به المذموم، وما يترتب عليه من بطلان العبادة، وقد يطلق الرياء على أمر مباح شرعًا نحو الجاه والتوقير كالتزين باللباس والنظافة وما إلى ذلك ويستدل عليه، وتنبيه في تحرير اختلاف العلماء في إحباط العمل كلًّا أو بعضًا، وتنبيه في تقسيم الرياء إلى درجات متفاوتة في القبح، وتنبيه إلى ما ورد في الخبر: "أن من الرياء ما هو أخفى من دبيب النمل" وما يتصل بذلك وتنبيه في طريق معالجة الرياء ومغالبته حتى يحصل الإخلاص، ثم يختم هذا الموضوع بخاتمة في الإخلاص والترغيب فيه، ويسوق ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة. فإذا انتقل إلى الكبيرة الثالثة، وأورد ما يدل عليها من الكتاب والسنة، من الأدلة التي تبلغ العجب كثرة فإنه ينتقل إلى تنبيهات تتعلق بقوة الغضب ومحلها، والحكمة من استعمالها، ومناقشة ما يقال من أن الرياضة تزيل قوة الغضب وما يتصل بذلك. ثم يلحق به كبيرة الحقد والحسد، ويبين مراتب كل وطريق علاجه، ويتبع ذلك بخاتمة في فضائل كظم الغيظ والعفو والصفح والحلم والرحمة، ويورد عددًا جمًّا من الأحاديث النبوية الكريمة في ذلك

стр. 216

هذا هو مسلكه المطرد من الكبائر الباطنة. وإنه لا يخرج عن مسلكه هذه في الكبائر الظاهرة التي رتبها على أبواب الفقه، فهو -مثلًا- يبدأ بذكر كبيرة الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، ويذكر ما يدل على ذلك من السنة النبوية، ثم يتبعه بتنبيهات، أحدها بيان الاختلاف في أنه كبيرة أو صغيرة، والثاني بيان ما ألحق بالأكل والشرب من وجوه الاستعمال، والثالث بيان أنه لا فرق في تحريم ذلك بين الرجال والنساء، بالأكل والشرب من وجوه الاستعمال، والثالث بيان أنه لا فرق في تحريم ذلك بين الرجال والنساء، ثم ينتقل إلى كبائر الأحداث، فيذكر نسيان القرآن أو آية منه فيستدل على ذلك، ثم يذكر تنبيهات: منها ما يبين به الخلاف في كونه كبيرة، ومنها ما يفسر به بعض ألفاظ الحديث، فيبين المراد بالأجذم في عقاب من ينسى القرآن ومنها ما قيد به بعض الفقهاء محل اعتبار ذلك كبيرة، ومنها بيان ما يقال في حكم حفظ جميع القرآن، ثم ينتقل إلى جريمة الجدال والمراء في القرآن فيستدل لها بعدة أحاديث، ثم يذكر تنبيهًا يبين فيه أنه لم يسبق إلى عد هذا النوع كبيرة، ولكن الأدلة تدل عليه ويفصل ذلك، ثم يذكر خاتمة في بضع أحاديث تنبه إلى أمور مهمة تتعلق بالقرآن، وهذا مسلكه في أمور العبادات. وهو أيضًا في المعاملات لا يختلف عن ذلك، فهو -مثلًا- يذكر من الكبائر إضاعة عياله كأولاده الصغار، ويستدل لها ببعض الأحاديث، ولكنه يستطرد بعد ذلك بإيراد تنبيه في أن ذكرها في الكبائر ظاهر لما يدل عليه، ولأنه من أقبح الظلم، ثم يذكر فائدة في ذكر ما ورد من الحث على الإحسان إلى الزوجة والعيال -ولا سيما البنات- ويذكر عددًا عديدًا من الأحاديث دليلًا على ذلك، ثم يذكر حقوق الوالدين أو أحدهما وإن علا فيستدل له من الكتاب والسنة بما فوق المائة الدليل، ويتبع ذلك بتنبيه في كون العقوق من الكبائر مما اتفقوا عليه، ونقول عن العلماء في ذلك، ثم يتبع هذا كله بأحاديث في بر الوالدين وصلتهما، وتأكيد طاعتهما والإحسان إليهما، وبر أصدقائهما من بعدهما. ولعلنا بهذه الدراسة الموجزة، وبعد ما أوردناه من أمثلة تبين مسلك المؤلف بذكر الآيات والأحاديث والآثار، بل والإجماع -أحيانًا- فيما يذكره من الكبائر، والاستطراد -أحيانًا أخرى- بذكر ما يقابل تلك الكبائر من الفضائل ترغيبًا فيها وحثًّا عليها، مستشهدًا لذلك ومستدلًّا عليه، وما أورده من خاتمة قيمة هي جديرة أن تصلح شأن من انتفع بها، واهتدى بهدايتها لعلنا بذلك نكون قد قضينا بعض الحق بالتوجيه إلى ذلك الكتاب العظيم، والتنبيه إلى فضله وغزارة ما فيه من أحاديث، حتى لنستطيع أن نحكم بأنه كنز من كنوز العلم، وفيض من التراث الإسلامي لا نظير له في منهجه وبابه، ونسأل الله التوفيق.

стр. 217

الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية: للشيخ محمد عبد الرءوف المناوي الحدادي القاهري المتوفى سنة ١٠٣١هـ: تمهيد: الحديث القدسي: هو الحديث الذي يضيفه النبي ﷺ إلى الله بقوله: قال الله ، أو يقول الله تعالى، أو نحو ذلك، ولكون الحديث القدسي من رواية النبي ﷺ عن الله فإنه يندمج في الأحاديث النبوية ويذكر بينها في جميع كتب السنة، إلا أن بعض المؤلفين خص هذا النوع بالتأليف منفردًا لعلو مرتبته من حيث إضافته إلى الله وإن كان في درجته يخضع لقواعد التحديث وأصوله من حيث الصحة والحسن، وربما اتصف بالوضع إذا كان في رواته من يبرر الحكم عليه بذلك، أو كان مما أضيف إلى الله من غير سند كما يقع في بعض المؤلفات من كتب الوعظ التي لا يهم أصحابها التدقيق في تخريج الأحاديث لتقويمها، بقدر ما يهمهم أن يروجوا للموضوع الذي يستشهدون له ترغيبًا أو ترهيبًا. وإنما اهتم بعض المؤلفين بالكتابة في هذه الأحاديث على حدة لأن في نسبة النبي ﷺ هذه الأحاديث إلى الله ما يرفع مستواها، مما يجعل النفوس المؤمنة تتقبلها بقبول حسن، ويهتز الشعور الطيب لها فيقبل على العمل بما تدعو إليه. والأحاديث القدسية في هذا الكتيب وفي غيره تدور حول الترغيب في فضائل الأعمال والترهيب من رذائلها، ولهذا يحشد فيها كثير من الأحاديث الضعيفة والمنكرة كما لمسنا ذلك في تنبيه أحد المصنفين، وهو الشيخ محمد المدني المتوفى سنة إحدى وتسعين ومائة وألف، فإنه ألف كتابًا في الأحاديث القدسية، وأورد فيه عددًا من الأحاديث أكثر مما عرف فيما ألف من الكتب في هذا الباب، فإن أحاديثه القدسية بلغت أربعًا وستين وثمانمائة، وهي تربو على أضعاف ما في هذا الكتاب الذي لا تتجاوزو أحاديثه اثنين وسبعين ومائتين من الأحاديث القدسية، كما أُحصي ذلك بالأرقام في طبعة الشيخ منير الدمشقي. وقد تناول المحدثون التفرقة بين الحديث النبوي والقرآن وبينه وبين الحديث القدسي، فأوردوا أن القرآن الكريم هو كلام الله المنزل على سيدنا محمد ﷺ ، المتعبد بتلاوته المتحدي بأقصر سورة منه، وهذان القيدان: التعبد بالتلاوة والتحدي، يخرج كل منهما الحديث القدسي عن دائرة القرآن، وهذا إذا اعتبرنا أن الأحاديث القدسية منزلة بلفظها على النبي ﷺ ، وبه يقول بعض المحدثين، ثم يعتبرونه فرقًا بين الحديث القدسي والحديث النبوي، وأما إذا قلنا: إن المعنى في الأحاديث القدسية من عند الله واللفظ للنبي صلى الله عليه وسلم

стр. 218

فإن الأحاديث القدسية تكون بهذا خارجة عن القرآن من أول التعريف؛ لأنها ليست من كلام الله بهذا الاعتبار. والحق أن الأحديث القدسية معناها من الله تعالى ولفظها من النبي ﷺ ، ولا تختلف بهذا الاعتبار عن الأحاديث النبوية، إلا أن النبي ﷺ حين يضيفها إلى الله إنما يفعل ذلك في أمر يريد أن ينبه إليه النفوس ويوقظها اعتناء بشأنه، كما يتجلى ذلك في أغراض الأحاديث القدسية ومعانيها التي تدور حولها. وقد فرق بعضهم١ بين الحديث القدسي والقرآن بفروق: منها أن نزول القرآن لا يكون إلا بواسطة الروح الأمين ويكون مقيدًا باللفظ المنزل من اللوح المحفوظ، ثم يكون نقله متواترًا قطعيًّا، ومنها عدم صحة الصلاة بالأحاديث القدسية، وعدم حرمة لمسها وقراءتها للجنب والحائض، وعدم تعلق الإعجاز بها، وعدم كفر جاحدها، ونقل عن كل من الكرماني -شارح البخاري- والطيبي وابن حجر ما يؤيد هذه الفروق. ويرجع مبدأ التأليف في هذا النوع -فيما انتهت إليه دراستنا- إلى القرن السابع الهجري الذي نشأ فيه محيي الدين بن عربي المتوفى سنة ثمان وثلاثين وستمائة للهجرة٢ فقد ذكر في بعض تراجمه أنه جمع في الأحاديث القدسية مائة حديث وواحدًا٣، وسماه مشكاة الأنوار فيما روي عن الله من الأخبار، ثم تبعه الشيخ الإمام ملا علي القارئ المتوفى سنة أربع عشرة وألف للهجرة، وقد نقل الزركلي أنه ألف أربعين حديثًا مخطوطة في الأحاديث القدسية٤. ثم جاء من بعده الشيخ عبد الرءوف المناوي٥ المتوفى سنة إحدى وثلاثين وألف -على ما ذكره صاحب الرسالة المستطرفة وذكر أنه الصواب في تاريخ وفاته- فألف في الأحاديث القدسية كتابًا سماه الإتحافات السنية، أورد فيه ما وقف عليه منها، مرتبًا إياه على حروف المعجم في مجلد لطيف، لكن بغير إسناد، ثم جاء من بعده الشيخ عبد الغني النابلسي المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف، فجمع في الأحاديث القدسية كتابًا لم يذكر عدد أحاديثه، ولكنه يذكر في ترجمة الشيخ النابلسي دون بيان لاسم كتابه هذا أو عدد أحاديثه، ثم جاء من بعد ذلك عالم جليل هو الشيخ محمد المدني من فقهاء الحنفية المتوفى سنة مائتين وألف للهجرة، فألف كتابًا سماه باسم كتابنا هذا -الإتحافات السنية- حشد فيه أكثر ما وصل إليه علمنا من المؤلفات حيث جمع ما بلغ به أربعا وستين وثمانمائة حديث قدسي، وقال في آخره: هذا قصارى ما وجدته من الأحاديث القدسية بالتتبع، والاستقراء يقتضي أكثر من هذا، وبين أن غالبها مأخوذ من جميع الجوامع للسيوطي، ومن غيره قليلًا كما هو مبين في غزو الأحاديث إلى مآخذها.

стр. 219

وقد عني المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة -بما له من الأهمية والاهتمامات في عصرنا الحاضر- بهذا النوع من الأحاديث، فشكل لجنة لجمعه من مظانه المختلفة من الجوامع والمسانيد، وأبرزت منه جزأين يشتملان على مجموعة كبيرة من الأحاديث القدسية وشرحها، ويبدو أنه خير ما وقفنا عليه ترتيبًا وتنقيحًا وتهذيبًا وتخريجًا، وهي على نظام الجوامع كالبخاري ومسلم، وأحاديثها أقرب إلى القبور لتخير تلك اللجنة لها من أمهات الكتب الحديثية ومشاهيرها. وبعد هذا يسعنا أن نتناول هذا الكتاب بالدراسة؛ إذ إنه يدخل ضمن عصور كتابنا، وتسري عليه أوصاف تلك العصور. كتاب الإتحافات السنية للمناوي: قضت ظروف البحث أن تدرس هذا الكتاب لأنه -كما ذكرنا- أقرب الكتب لمحدث مصري إلى عصورنا التي نتناولها بالدراسة، وعذرنا واضح في وقوع الاختيار على هذا الكتاب لأنه ليس لدينا من الكتب المؤلفة لمصريين في هذا الموضوع من الأحاديث القدسية غيره، وقد يؤيد عذرنا في ذلك أن الفوارق الدقيقة بين العصور ليست مما يظهر له أثر في اختلاف الصفات والمميزات، فإن المؤلف وقد توفي في بداية القرن الحادي عشر ليس بغريب أن يكون قد ألف كتابه هذا في أواخر القرن العاشر، وهو من عصور دراستنا، فقد نقل ناشر الكتاب الشيخ محمد منير الدمشقي أنه وجد في خطبة هذه الرسالة: لمحمد المدعو "تاج الدين المناوي"، وفي طرة الرسالة: جمع الفقير الحقير الراجي فضل ربه القدير محمد المدعو تاج الدين المناوي الحدادي، وفي فهرس دار الكتب المصرية: محمد تاج الدين محمد بن علي بن زين العابدين، وفي كشف الظنون هو الشيخ محمد المعروف بعبد الرءوف المناوي الحدادي ... وأوله "الحمد لله الذي نزل أهل الحديث أعلى منازل الشرف"، وقد وجد الشيخ فرصة لاختيار رأي بين هذه الخلافات فقال: والصواب على ما يظهر من ترجمة الحافظ عبد الرءوف بن تاج العارفين علي بن زين العابدين أنه لعبد الرءوف، إلا أنه لم يكمله، بل تركه مسودة، فجاء ولده تاج الدين وأكمله وبيضه ونسبه إلى نفسه؛ لأن والده عجز في آخر عمره -بسبب الأمراض- عن تكميل كثير من مؤلفاته كما جاء في كتاب خلاصة الأثر، فكان ولده محمد تاج الدين يستملي منه التآليف ويسطرها، لذلك نسب محمد تاج الدين الرسالة لنفسه في خطبتها، قال الناشر: وهذا ما اهتديت إليه بعد البحث العميق١. والكتاب يقع في أربعة وستين صفحة من الحجم الصغير، وأحاديثه كلها دائرة حول الترغيب والترهيب، وهي مرتبة على حروف المعجم، وقد التزم المصنف أن يعزو كل حديث إلى مأخذه، فهو يأخذ من الطبراني في الأوسط، ومن الترمذي، ومن البيهقي، ومن مسلم، ومن أبي نعيم،

стр. 220

ومن أحمد، ومن أبي يعلى، ومن ابن عدي، ومن الحكيم، وينسب إلى المعاجم الثلاثة أجيانًا، ويأخذ عن البخاري وابن عوانة، وعن حميد بن زنجويه، وعن ابن عساكر، وعن القضاعي والديلمي، كما يأخذ عن النسائي وابن حبان، وتارة يعزو الحديث إلى الشيخين، ويأخذ عن ابن ماجه وابن جرير، وعن الحاكم والبزار، والشيرازي وابن النجار، والخرائطي والخطيب وابن الشيخ، كما يروى عن سمويه والبغوي وعبد بن حميد، وعن ابن أبي الدنيا وابن شاهين وعن الطبراني في الكبير، وعن ابن السني والرافعي والعقيلي، وعن تمام والخليلي وأبي نصر العجلي وعن ابن عبد البر معلقًا، وعن أبي موسى المديني والضياء، ولم يخرج في أخذه وروايته عن هؤلاء. وكثير من هذه المراجع التي أخذ عنها الشيخ المناوي هذه المختارات الحديثية كنوز مختفية لا يظفر بمثلها المجتمع الإسلامي، لبعد العهد بها، وقلة تداولها لعدم الاهتمام بطبعها، ولكن هذا الكتاب ينقصه أن مؤلفه ﵀ لم يعن بتقويم أحاديثه وبيان مراتبها، ولا سيما ما أخذ منها من غير المشاهير وهي كتب يعز الاطلاع عليها، ومحاولة تعرف السليم من السقيم منها، وكان من شأن هذا الإمام المؤلف أن يبين ذلك، وأن يكفي القارئ مؤنة تتبعها، وبذلك يستكمل الوصف الذي رأيناه في الترغيب والترهيب للعلامة المنذري، وقد كان هو أحق بالعناية بهذه الناحية في كتابه، لا سيما وأن أحاديثه قليلة، وأنه أضاف كثيرًا منها إلى كتب نص علماء الحديث على أنها من مظان الأحاديث الضعيفة كمسند الفردوس للديملي الذي قيل فيه: إنه يروي عددًا من الموضوعات. وقد رأينا مؤلف كتابنا هذا -عبد الرءوف المناوي- يسلك مسلكًا دقيقًا عجيبًا في شرحه للجامع الصغير -كما سنبين ذلك بإذن الله في كتب الشروح- على كثرة ما في الجامع الصغير من الأحاديث، رأيناه يناقش الإمام السيوطي بالحجة في درجات بعض الأحاديث، ويؤيد رأيه بنقول يرويها عن العلماء، فلعل إهماله في رعاية هذه الناحية في هذا الكتيب مما يؤكد القول بأنه ﵀ توفي قبل أن يبيضه فتولى أمره ولده الذي لم يبلغ مبلغ أبيه في مقدرته العلمية، ومكانته الحديثية.

стр. 221

الفصل الثالث: كتب الجوامع مدخل ... الفصل الثالث: كتب الجوامع: تمهيد: الذي رأيناه في الاصطلاحات القديمة للمحدثين أن كلمة الجامع تطلق على نمط من كتب الحديث وهو ما يشتمل على أبواب الدين الثمانية: وهي العقائد والأحكام والرقاق والآداب والتفسير والشمائل والفتن والمناقب، ومن هذه الجوامع جامع البخاري "صحيح البخاري" وجامع الترمذي "صحيح الترمذي". وقد ظل هذا الاصطلاح قائمًا حتى ظهرت الجوامع بمعنى ما يجمع تلك الأبواب كلها، ولكنه مرتب على الحروف الهجائية، وأول ما أدركناه من ذلك جوامع السيوطي وهي: الجامع الكبير والجامع الصغير، وزيادات الجامع الصغير. وقد أوضح صاحب كشف الظنون بيان الجامعين للسنة وطريقة جمعهم لها فقال بعد كلام طويل عن كتب السنة وتدوينها على أيدي المتقدمين١: فمن هؤلاء المتأخرين من جمع بين كتب الأولين بنوع من التصرف والاختصار، كمن جمع بين كتابي البخاري ومسلم، مثل أبي بكر أحمد بن محمد الوقاني، وأبي مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي، وأبي عبد الله محمد الحميدي، فإنهم رتبوا على المسانيد دون الأبواب كما سبق ذكره، وتلاهم أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري، فجمع بين كتب البخاري ومسلم والموطأ لمالك وجامع الترمذي وسنن أبي داود والنسائي ورتب على الأبواب، إلا أن هؤلاء أودعوا متون الحديث عارية من الشرح، وكان كتاب رزين أكبرها وأعمها، حيث حوى هذه الكتب الستة التي هي أهم كتب الحديث وأشهرها، وبأحاديثها أخذ العلماء واستدل الفقهاء وأثبتوا الأحكام، ومصنفوها أشهر علماء الحديث وأكثرهم حفظًا، وإليهم المنتهى، وتلاهم أبو السعادات مبارك بن محمد بن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٠٦هـ فجمع بين كتاب رزين وبين الأصول الستة -بتهذيبه وترتيب أبوابه وتسهيل مطلبه وشرح غريبه- في جامع الأصول، فكان أجمع ما جمع فيه. ويحسن هنا أن ننقل عن صاحب الرسالة المستطرفة٢ وهو يتحدث عن المؤلفين لكتب الجوامع ما ملخصه: إن من بين الجامعين لكتب السنة أبا عبد الله محمد بن عتيق بن علي التجيبي الغرناطي المتوفى في حدود سنة ست وأربعين وستمائة في كتابه أنوار المصباح في الجمع بين الكتب الستة الصحاح، كما ألف بعضهم جامع الجوامع السبعة: أعني الصحيحين والسنن الأربعة وسنن الدارمي، والجمع بين الأصول الستة ومسانيد أحمد والبزار وأبي يعلى والمعجم الكبير وربما زيد عليها من غيرها وهو للمسند الكبير الحافظ عماد الدين أبي الفدا إسماعيل بن عمر المعروف بابن كثير المتوفى سنة أربع

стр. 222

وسبعين وسبعمائة وسماه جامع المسانيد١ والسنن الهادي لأقوم سنن، رتبة على حروف المعجم، يذكر كل صحابي له رواية، ثم يورد في ترجمته جميع ما وقع له في هذه الكتب وما تيسر من غيرها وأبي الفرج بن الجوزي أيضًا كتاب جامع المسانيد بألخص الأسانيد، جمع فيه بين الصحيحين والترمذي ومسند أحمد، ورتبه أيضًا على المسانيد في سبع مجلدات. ثم جاء الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي فجمع بين الكتب الستة والمسانيد العشرة وغيرها في جمع الجوامع، فكان أعظم بكثير من جامع الأصول من جهة المتون، إلا أنه لم يبال بما صنع فيه من جمع الأحاديث الضعيفة بل الموضوعة. وكان أول ما بدأ به هؤلاء المتأخرون أنهم حذفوا الأسانيد اكتفاء بذكر من روى الحديث من الصحابي إن كان خبرًا، وبذكر من يرويه عن الصحابي إن كان أثرًا، وذلك مع الرموز إلى المخرج؛ لأن الغرض من ذكر الأسانيد كان أولًا لإثبات الحديث وتصحيحه، وهذه كانت وظيفة الأولين وقد كفوا تلك المؤنة، فلا حاجة إلى ذكر ما فرغوا منه ... إلى آخر ما قال. ومن هذا يتبين أن أول من جمع بين كتب الحديث على ترتيب الحروف الهجاية دون المسانيد هو الإمام السيوطي في كتابه الجامع الكبير أو جمع الجوامع، وأنه بعمله هذا قد جمع بين كتب يعز وجود بعضها ويندر الحصول عليه، وأنه بهذا الجهد المشكور قد قرب السنة إلى المسلمين، ويسرها لهم في كتاب واحد هو الجامع الكبير، ثم اختصره في كتاب الجامع الصغير، ثم جمع الشيخ يوسف النبهاني زيادات للجامع الصغير ضمها إليه ومزجها به في كتاب سماه الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير. فلنبدأ -بعون الله- في دراسة هذين الجامعين، والله الموفق، ومنه التأييد والمدد والعون.

стр. 223

الجامع الكبير أو جمع الجوامع: للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ: وهذا الكتاب قصد فيه مؤلفه جمع السنة باستيعاب، وإن لم يتسن له ذلك؛ لأن المنية اخترمته دون أن يتمه، نقل النبهاني في مقدمة كتابه الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير١ عن الشيخ عبد القادر الشاذلي تلميذ المصنف في ديباجة كتابه "حلاوة المجامع": أنه سمع السيوطي ﵀ يقول: أكثر ما يوجد على وجه الأرض من الأحاديث النبوية القولية والفعلية مائتا ألف حديث ونيف، فجمع المصنف منها مائة ألف حديث في هذا الكتاب -يعني الجامع الكبير- واخترمته المنية ولم يكمله، ووقع فيه تقديم وتأخير، سببه تقليب وقع في ورق المصنف، ثم قال: فراغ في الترتيب الحرف، فما بعده يستقم لك التعقيب في كل ما تجده مخالفًا. فهذا الكتاب إذًا سفر ضخم جليل القدر، يجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره من كتب السنة، مع امتيازه بتقدير المؤلف لكل حديث، وبيان درجته بما بينه من اصطلاحات في التخريج -سنوردها- وإن أضخم عدد نقل إلينا في مؤلف حديثي من كتب السنة هو أربعون ألفًا، أو ثلاثون -بعد حذف المكرر- على اختلاف النقلين عن عدد أحاديث مسند الإمام أحمد بن حنبل، والسيوطي ﵀ لحرصه على أن يجمع كل ما تصل إليه يده من أحاديث الرسول ﷺ قسم الأحاديث التي أوردها إلى قسمين: قسم الأقوال، وهو مرتب على حسب حروف المعجم، وقسم الأفعال، وهو مرتب على حسب مسانيد الرواة على معنى أنه في هذا القسم الأخير روى أحاديث كل راو من الصحابة لها على حدة. وإذا كان بعض الناس طعن في هذا الكتاب بأنه لم يسلم من الأحاديث الضعيفة والمتكلم فيها، فإن ذلك المعنى لم يسلم منه كتاب من كتب السنة إلا الصحيحان والكتب التي التزم أصحابها رواية الأحاديث الصحيحة، وهي: صحيحا ابن حبان وابن خزيمة، ومستدرك الحاكم على ما فيه من تساهل كبير، والمختارة للضياء المقدسي، وصحيح أبي عوانة، ومنتقى ابن الجارود، وصحيح ابن السكن، وموطأ مالك، والمستخرجات. على أن بعض هذه الكتب لم يسلم من النقد أيضًا في بعض ما رواه من الأحاديث الضعيفة وإن كان قليلًا. وإذا كان السيوطي ﵀ لم يفته أن ينبه إلى درجة كل حديث مما أورده في كتابه بعد أن يعزوه إلى أصله الذي نقل منه هذا الحديث -حتى يتيسر للقارئ مراجعته في أصول كتب

стр. 224

السنة- فإن ذلك جدير أن يطمئن الدارسين إلى هذا الكتاب لا يقل درجة عن غيره من كتب السنة التي تبين اصطلاحاتها المختلفة درجات ما تورده من الأحاديث، وهي كتب نقلتها الأمة بالقبول، وعولت عليها في نقل السنة، والاحتجاج بها في مختلف شئون الدين. وقد تكلم صاحب كشف الظنون عن هذا الجامع١ فقال: إنه كتاب كبير، أوله: سبحان مبدئ الكواكب اللوامع ... إلى آخره، وذكر فيه أنه قصد استيعاب الأحاديث النبوية، وقسمه قسمين: الأول: ساق فيه لفظ الحديث بنصفه، يذكر فيه من خرجه ومن رواه من واحد إلى عشرة أو أكثر، ويعرف فيه حال الحديث من الصحة والحسن والضعف، مرتبًا ترتيب اللغة على حروف المعجم. والثاني: الأحاديث الفعلية المحضة، أو المشتملة على قول وفعل، أو سبب ومراجعة. ونحو ذلك، مرتبًا على مسانيد الصحابة، قدم العشرة ثم بدأ بالباقي على حروف المعجم في الأسماء، ثم بالكنى كذلك، ثم بالمبهمات، ثم بالنساء، ثم بالمراسيل، وطالع لأجله كتبًا كثيرة. وفي الرسالة المستطرفة للسيد محمد جعفر الكتاني إيراد للجوامع الثلاثة للسيوطي وبيان لأمرها يقول فيه: الجامع الصغير -على ما قيل- عشرة آلاف وتسعمائة وأربعة وثلاثون حديثًا في مجلد وسط، وذيله بزيادة الجامع وهي قريب من حجمه، والكبير وهو المسمى بجمع الجوامع، قصد فيه جمع الأحاديث النبوية بأسرها، والمشاهدة تمنع ذلك، مع أنه توفي قبل إكماله، وهي مرتبة على الحروف عدا القسم الثاني منه وهو قسم الأفعال فإنه مرتب على المسانيد ذاكرًا عقب كل حديث من أخرجه من الأئمة، واسم الصحابي الذي خرج عنه. وقال الشيخ محمد عبد الحي الكتاني -وهو يتحدث عن كتب السيوطي- إن من أهمها وأعظمها وهو من أكبر مننه على المسلمين كتابه الجامع الصغير، وأكبر منه وأسمع وأعظم الجامع الكبير، جمع فيه عدة آلاف من الأحاديث النبوية مرتبة على حروف المعجم. ويلاحظ على هذه العبارة أنها تخلو من الدقة، ولو أرادها لعبر بتعبير صاحب الرسالة المستطرفة الذي حاول تحديد كل من الكتابين تحديدًا يقرب تصويره للقارئ، على أن قوله: مرتبًا على حروف المعجم غير صحيح؛ لأنه لا يشمل الأفعال الذي رتبه المؤلف على المسانيد. ثم نقل الحافظ التيجاني عن الشيخ صالح المقبلي في كتابه العلم الشامخ -بعد أن استغرب لعدم تصدي أحد لجمع الأحاديث النبوية على الوجه المقرب- قال: لعلها مكرمة أدخرها الله لبعض المتأخرين، وإذ الله قد أكرم بذلك وأهل له من لم يكد يرى مثله في ذلك: الإمام السيوطي في كتابه الجامع الكبير.

стр. 225

ومن أراد التعرف الدقيق على هذا الكتاب ومنهجه، فإن ذلك بين من مقدمة الإمام السيوطي له؛ إذ يقول فيها بعد الديباجة١: هذا كتاب شريف حافل، ولباب منيف رافل، بجمع الأحاديث النبوية كافل، قصدت فيه إلى استيعاب الأحاديث النبوية، وأرصدته مفتاحًا لأبواب المسانيد العلية، وقسمته قسمين: الأول: أسوق فيه لفظ المصطفى بنصه، وأطوق كل خاتم منه بفصه، وأتبع متن الحديث بذكر من خرجه من الأئمة أصحاب الكتب المعتبرة، ومن رواه من الصحابة رضوان الله عليهم واحدًا إلى عشرة أو أكثر من عشرة، سالكًا طريقه يعرف منها صحة الحديث وحسنه وضعفه، مرتبًا ترتيب اللغة على حروف المعجم، مراعيا أول الكلمة فما بعده، ورمزت للبخاري "خ" ولمسلم "م" ولابن حبان "حب" وللحاكم في المستدرك "ك" وللضياء المقدسي في المختارة "ض". ثم قال: وجميع ما في هذه الخمسة صحيح، فالعزو إليها معلم بالصحة، سوى ما في المستدرك من المتعقب فأنبه عليه، وكذا ما في الموطأ، وصحيح ابن خزيمة، وأبي عوانة، وابن السكن والمنتقى لابن الجارود، والمستخرجات، فالعزو إليها معلم بالصحة أيضًا. ورمزت لأبي داود "د" فما سكت عليه فهو صالح، وما بين ضعفه نقلته عنه، وللترمذي "ت" وأنقل كلامه على الحديث، وللنسائي "ن" ولابن ماجه "هـ" ولأبي داود الطيالسي "ط" ولأحمد "حم" ولزيادات ابنه عبد الله "عم" ولعبد الرزاق "عبد" ولسعيد بن منصور "ص" ولابن أبي شيبة "ش" ولأبي يعلى "ع" وللطبراني في الكبير "طب" وفي الأوسط "طس" وفي الصغير "طص" وللدارقطني "قط" فإن كان في المسند أطلقته، وإلا بينته، وله٢ في شعب الإيمان "هب". ثم قال: وهذه الكتب فيها الصحيح والحسن، والضعيف فأبينه غالبًا، وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول، فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن. وللعقيلي في الضعفاء "عق" ولابن عدي في الكامل "عد" وللخطيب "خط" فإن كان في التاريخ أطلقت وإلا بينته، ولابن عساكر في تاريخه "كر". وكل ما عزى لهؤلاء الأربعة، أو للحكيم الترمذي في نوادر الأصول، أو للحاكم في تاريخه أو لابن النجار في تاريخه، أو للديلمي في مسند الفردوس فهو ضعيف، فيُستغنى بالعزو إليها أو إلى بعضها عن بيان ضعفه.

стр. 226

وإذا أطلقت العزو إلى ابن جرير فهو في تهذيب الآثار، فإن كان في تفسيره أو تاريخه بينته وحيث أطلق في هذا القسم أبو بكر فهو الصديق، أو عمر فهو ابن الخطاب، أو أنس فابن مالك أو البراءة فابن عازب، أو بلال فابن رباح، أو جابر فابن عبد الله، أو حذيفة فابن اليمان، أو معاذ فابن جبل، أو معاوية فابن أبي سفيان، أو أبو أمامة فالباهلي، أو أبو سعيد فالخدري، أو العباس فابن عبد المطلب، أو عبادة فابن الصامت، أو عمار فابن ياسر. الثاني: الأحاديث الفعلية المحضة، أو المشتملة على قول وفعل، أو سبب أو مراجعة، أو نحو ذلك مرتبًا على مسانيد الصحابة على ما يأتي بيانه في أول القسم الثاني. وقد قدمنا لصاحب كشف الظنون بيان منهجه في المسانيد في التمهيد لهذا الفصل. ثم ختم السيوطي هذه المقدمة بذكر منامين مبشرين في شأن أبي زرعة وما لقيه من ثواب الله العظيم مع بيان سبب ذلك، من العناية بالسنة النبوية، وكثرة الصلاة على النبي ﷺ عند كتابة الأحاديث. ويبدو أن هذا المنهج العظيم الذي ذكره السيوطي يشتمل على كثير من الدقة، ويدل على شدة الرغبة في الاستيعاب للحديث متنًا وسندًا، حتى إنه في الصفحة التالية يقول: إنه مع ذكر التخريج ينص على الرواة من الصحابة -ولو كانوا أكثر من عشرة- وأنه راعى فيه غاية الإيجاز حتى لجأ إلى بيان الرموز فيما لا يشكل معه ذلك، وإلا فإنه يذكر المخرجين بأسمائهم دفعًا للبس، على أنه ذكر في أثناء الكتاب كثيرًا من المخرجين بأسمائهم مثل ابن سعد، والبارودي في المعرفة، والبغوي في معجمه، وعبد بن حميد، والشيرازي، وهناد، والشافعي، والسراج، ومسدد، وغيرهم كثير ... ، وهذا لا يضر في جوهر العمل، ولكن نرى أن مقتضى الدقة في التصوير أنه كان ينبغي له أن يشير إلى هؤلاء في كلمة جامعة في مقدمته بأن يقول مثلًا: وقد ذكرت غير هؤلاء من المخروجين بأسمائهم، وذلك حتى لا يفاجأ القارئ بذكر أسماء في الكتاب لم تسبق الإشارة إليها ولو بمثل هذه الجملة العامة. ومما يجب التنبيه إليه ما ذكره الشيخ يوسف النبهاني١ من مراجع هذا الكتاب فيما أورده من الفوائد في مقدمة كتابه -الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير- قال: رأيت على ظهر كتاب الجامع الكبير المسمى بجمع الجوامع للحافظ السيوطي ما نصه: قال المؤلف ﵀ رحمة واسعة: هذه تذكرة مباركة بأسماء الكتب التي أنهيت مطالعتها على هذا التأليف خشية أن تهجم المنية قبل تمامه على الوجه الذي قصدته، فيقيض الله تعالى من يذيل عليه، فإذا

стр. 227

عرف ما أنهيت مطالعته استغنى عن مراجعته، ونظر ما سواه من كتب السنة، ثم ذكر أسماء هذه المراجع: الموطأ، مسند الشافعي، مسند الطيالسي، مسند أحمد، مسند عبد بن حميد، مسند الحميدي، مسند ابن أبي عمرو العدني، معجم ابن قانع، فوائد سمويه، المختارة للضياء المقدسي، طبقات ابن سعد، تاريخ دمشق لابن عساكر، معرفة الصحابة للباوردي "ولم أقف على سوى الجزء الأول منه وانتهى إلى أثناء حرف السين"، المصاحف لابن الأنباري، الوقف والابتداء له، فضائل القرآن لابن الضريس، الزهد لابن المبارك، الزهد لهناد بن السري، المعجم الكبير للطبراني، الأوسط له، الصغير له، مسند أبي يعلى، تاريخ بغداد للخطيب، الحلية لأبي نعيم، الطب النبوي له، فضائل الصحابة له، كتاب المهدي له، تاريخ بغداد لابن النجار، الألقاب للشيرازي، الكنى لأبي أحمد الحاكم، اعتلال القلوب للخرائطي، الإبانة لأبي نصر عبيد الله بن سعيد السجزي، الأفراد للدارقطني، عمل يوم وليلة لابن السني، الطب النبوي له، العظيمة لأبي الشيخ، الصلاة لمحمد بن نصر المروزي، نوادر الأصول للحكيم الترمذي، الأمالي لأبي القاسم الحسين بن هبة الله بن صصري، ذم الغيبة لابن أبي الدنيا، ذم الغضب له، مكايد الشيطان له، كتاب الإخوان له، قضاء الحوائج له، المستدرك لأبي عبد الله الحاكم، السنن الكبرى للبيهقي، شعب الإيمان له، المعرفة له، البعث له، دلائل النبوة له، الأسماء والصفات له، مكارم الأخلاق للخرائطي، مساوئ الأخلاق له، مسند الحارث بن أبي أسامة، مسند أبي بكر بن أبي شيبة، مسند مسدد، مسند أحمد بن منيع، مسند إسحاق بن راهويه، صحيح ابن حبان، فوائد تمام، الخلعيات، الغيلانيات، المخلصات، البخلاء للخطيب، الجامع للخطيب، مسند الشهاب للقضاعي، تفسير ابن جرير، مسند الفردوس للديلمي، مصنف عبد الرزاق، مصنف ابن أبي شيبة، الترغيب في الذكر لابن شاهين. وواضح أنه لم يذكر في هذا البيان كثيرًا من المراجع المهمة ذات الشأن مثل الكتب الستة مع أنه رجع إليها في كثير من الأحاديث، وأوردها في الرموز، فلعله اكتفى بشهرتها وتداولها عن النص عليها؛ أو أنه قد اعتبر هذا البيان للمراجع تكميلًا لبعض ما أورده في المقدمة، فاستغنى بذكر بعض المراجع فيها عن النص عليه هنا، وربما كان من روى هذا البيان عن المؤلف قد نقله بالمشافهة فسقطت منه أسماء بعض المراجع. وقد بدئ في طبع الكتاب -لأول مرة- منذ عام إحدى وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة بتوجيه لمجمع البحوث الإسلامية من فضيلة الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود -طيب الله ثراه- وهي يد بيضاء أسداها للأمة الإسلامية، برغم ما قام في سبيل نشره وإبرازه من معارضات بناء على أن في الكتاب بعض المناكير التي لا يخلو منها كتاب من كتب الستة المعتبرة كما أشرنا إلى ذلك في أول حديثنا عن هذا الكتاب، ولا تزال اللجنة المختارة لمتابعة الكتاب تحقيقًا وإخراجًا ونشرًا تزاول عملها فيه وقد أبرزت منه حتى الآن أعدادًا من الكتاب.

стр. 228

وكل ذلك يدل على مبلغ ما وصل إليه السيوطي فيما جمع من السنة في هذا الكتاب من مجهود ضخم جبار، وعلى أن هذه المجموعة إن تمت -ونسأل الله لها التمام- ستكون فاتحة خير عظيم للأمة الإسلامية التي هي في أشد الحاجة إلى التضلع من السنة، والإفادة بما فيها من بيان للكتاب الكريم، وتشجيع في مختلف علوم الدين. غير أننا نرى أنه قد أصبح لزامًا على العلماء ورجال الدين -وقد وجد فيهم من درس طريقة السيرفي هذه المجموعة العظيمة- أن يعملوا ما وسعهم الجهد في متابعة هذا العمل الجليل إلى أن يتم على ما أراده مؤلفه ﵀ وأحسن جزاءه وليكن ذلك من رجال تخصصوا في دراسة السنة النبوية كهذه اللجنة التي تقوم الآن بتحقيق الكتاب ونشره، وغيرهم من علماء السنة -وهم الآن كثير بحمد الله- ومنهم أساتذة لمادة السنة بكلية أصول الدين بالأزهر يمكنهم أن يستعينوا بتلامذتهم وأن يمرنوهم عمليًّا على القيام بدراسة ما ظهر من هذا الكتاب، وما يظهر -تباعًا- منه. وتكليفهم بمعاونة اللجنة على تحمل أعباء هذا المجهود المضني في سرعة استكمال إخراجه، ثم إضافة ما يكمل هذا الجامع كما أراده المؤلف. ولا بد من محاولة النفع بكل ما يظهر من الكتاب أولًا فأولا، وذلك بشرح ما ظهر، ومتابعة ما عساه أن يظهر منه، ودفع ما قد يكون فيه من إبهام أو تعارض، وذلك على غرار ما كتب من الشروح على الجامع الصغير من قبل، فإن في ذلك إصلاحًا لنفوس أعرضت عن السنة فاعوج سلوكها، وضعف كيانها، يعرف ذلك من زوال العمل في هذه السنة المطهرة، وذاق حلاوتها وعرف آثارها، فإن آخر أمر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها. ولدى ملاحظات سنحت أثناء استعراضي لما أظهرته اللجنة من هذا الكتاب أوردها فيما يلي: ١- سجل السيوطي في مقدمته أنه رتب الكتاب ترتيب اللغة على حروف المعجم مراعيًا أول الكلمة فما بعده، ومعنى ذلك أنه التزم الترتيب بين الحديث والذي بعده مراعيًا الحرف أول الكلمة مع الذي بعده من الحروف، ولم يذكر أنه التزم الترتيب بالنسبة للكلمة الأولى مع الثانية، ولا ترتيب حروف الكلمة الثانية أيضًا، ونحن -بمتابعة ما ظهر من الكتاب- وجدنا أنه التزم الترتيب بالنسبة للحرف الأول من الكلمة الأولى في الحديث مع الذي بعده من حروف الكلمة نفسها، وأنه يحرص على الترتيب بالنسبة إلى الحرف الثالث -وهو الغالب على مسلكه- مثل "آتى" فإن الحرف الثالث فيها وهو التاء موحد بالنسبة للحديث وما بعده، ولم يتخلف ذلك، وكذلك مثل "آجال" فإن الحرف الثالث منها وهو الجيم موحد في جميع الأحاديث التي وقع ثالثها حرف الجيم، ثم هو مع ذلك يحرص على الترتيب في الحرف الرابع بين كل حديث وما يليه، كما يحرص على الترتيب مراعيًا للكلمة الثانية مع الأولى بنفس الطريقة التي يرتب بها بين الأحاديث في الكلمة الأولى، وإن كان ذلك غير مطرد في الكتاب، كما يحرص على الترتيب بالنسبة للكلمة الثالثة، ولكنه لا يتلزمه.

стр. 229

فالحديث رقم ٦٧٧ وأوله: "أحرج اسم عند الله ... " كان ينبغي أن يكون تاليا لأربعة أحاديث بعده، فإنه مقحم بين أحاديث ثالث الكلمة الأولى من كل منها ذال لولا أنه لم يلتزم ذلك الترتيب بين ثوالث الكلمة الأولى. والحديث رقم ٧٢٠ مؤخر عن موضعه بالنسبة لترتيب الحرف الثالث، وكان ينبغي ألا نطيل الوقوف عند هذه النقطة غير الجوهرية في دراسة هذه الموسوعة الكبيرة. ٢- يورد السيوطي كثيرًا من مطولات الحديث في هذا الكتاب على خلاف طريقته في الجامع الصغير الذي ادعى فيه أنه اقتصر على الأحاديث الوجيزة، وإن لم يتحر ذلك بالدقة أيضًا، حيث ورد فيه بعض مطولات عديدة نشير إليها -إن شاء الله- عند الحديث عنه. ومن هذه المطولات في الجامع الكبير على سبيل المثال الأحاديث التي تحمل أرقام: ١٠، ١١، ١٢، ٢١، ١٢٤، ١٢٦، ٢٣٠، ٤٨٢، ٥٢٢، ٦٨٠، ٧٨٧، ٩٥٠، ١٦٣٦، ١٦٣٩، ١٦٦٣، ٢٣١٨، ٣٧٤٦. كما يورد فيه كثيرًا من المتوسطات، ومن ذلك الأحاديث التي تحمل الأرقام: ٢٥، ٣٤، ٣٥، ٣٦، ٣٧، ٥٤، ٧٣، ٧٤، ٧٨، ١٢٣، ١٣٠، ١٣٦، ١٩٥، ٢١٦، ٢١٧ وغير ذلك كثير. ومن أحاديث الكتاب ما هو دون ذلك، وهو أكثر عددًا من النوعين السابقين. ٣- يهتم المؤلف بالتخريج، فيتابع الحديث في مختلف المظان مهما تعددت، ومهما أدى ذلك إلى الإطالة في كثير من الأحيان، ويذكر الخلاف في تقويم السند بتعديل رجاله أو تجريحهم. ومن أمثلة ذلك الواضحة الحديث السابع والتسعون، فإنه بعد أن ذكر متن الحديث وخرجه بين أن فيه راويا لم يجد من ترجمه، ونظيره في ذلك الحديث السادس عشر بعد المائتين، وأما الحديث الخامس بعد المائة فإنه بعد أن أورد متنه في أقل من سطر: "أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم" خرجه بما يأتي: ش حم خ هـ عن أبي سعيد، ش حم وابن قانع. طب ك ض عن صفوان بن مخرمة، ن عن أبي موسى البغوي في معجم الصحابة عن الحجاج الباهلي، وطب عن الحجاج الباهلي عن ابن مسعود عن جابر، ق عن المغيرة، ش عن عمر موقوفًا "في إسناد حم طب القاسم بن صفوان عن أبيه وثقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: لا يعرف إلا في هذا الحديث". وكذلك الحديث السابع بعد المائة، فإنه خرجه بتخريجين: وفي أحدهما راوٍ مجمع على ضعفه، والثاني لم يتعرض لسنده، والحديث السادس والخمسون بعد الثمانمائة، فإنه نظيره في هذا التقويم والحديث الثامن والسبعون بعد المائة، عقب عليه بما يدل على أن رجاله ثقات، ثم استدرك بأنه وجد في أحد المراجع عن الميزان أنه منكر، وكذلك الحديث الحادي والثمانون بعد المائة، فإنه بعد أن أورد الحديث نقل عن مخرجه الخطيب قوله: إنه ليس بثابت وفيه مجاهيل، ثم ذكر أن ابن الجوزي أورده

стр. 230

في الموضوعات، على أن هذا لا يقتضي أن الحديث في ذاته موضوع؛ لأنه عرف عن ابن الجوزي عدم الدقة، فإنه يحكم على كثير من الأحاديث المقبولة بالوضع، عى عكس الحاكم في مستدركه إذ يصحح كثيرًا من المنكرات. ومن ذلك أيضًا الحديث الثلاثون بعد المائتين، فإنه خرجه وقوم سنده في نحو عشرة أسطر، وهو من الظواهر التي تلفت النظر، وتدل على تمام العناية بالتخريج والتقويم، والحديث الثمانون بعد الثلاثمائة والألف، ذكر في تخريجه راويا نسب إلى ابن حبان الحكم على هذا الراوي بأنه يروي الموضوعات عن الإثبات، وإنما قال السيوطي ذلك تبرئة لعهدته، وفي الحديث الرابع والستين بعد الأربعمائة والألف -وهو حديث القلتين- قال في تخريجه: إن الشافعي أورده في الأم والمسند والمختصر عن مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج بإسناد لا يحضرني ذكره، ثم قال: إن ابن الأثير والرافعي في شرح المسند قال: إن الإسناد الذي لم يحضره على ما ذكره أهل العلم بالحديث أن ابن جريج قال: أخبرني فلان عن فلان إلى رسول الله ﷺ قال: ... ، ثم قال السيوطي: وقد رواه الدارقطني في سننه كما ذكراه "ابن الأثير والرافعي" ثم قال: إن ابن الأثير حكم بأنه مرسل، وقال السيوطي: قلت: إنه يعتضد بما رواه ابن عدي من حديث ابن عمر "وذكر الحديث" ثم قال: وفي سنده المغيرة بن صقلاب قال ابن حاتم: صالح الحديث، وقال أبو زرعة، جزري لا بأس به. ا. هـ من تخريج أحاديث الرافعي لابن الملقن. وهذا ولا شك مجهود يؤيد ما ذهبنا إليه من الدقة البالغة، والخبرة الفائقة في التخريج والتقويم على أن هذا الحديث يؤيد مذهب الشافعية فيما ذكروه من تقدير الماء الذي لا ينجس بملاقاة النجاسة١. هذا وللسيوطي عبارات مختلفة في تصوير التجريح في الأحاديث الواهية. ففي الحديث التاسع عشر: "آخر الطب الكي" حكم بأنه اشتهر وليس بحديث، وفي الحديث الخامس والأربعين جزم بأن فيه زنفلًا العوفي الكذاب، وفي الحديث الثاني بعد المائتين ذكر راويا ثم قال نقلًا عن رجال التجريح: إنهم كذبوه، وفي الحديث الرابع بعد المائتين وصف راويا فيه بأنه متروك، وغير ذلك من العبارات. ومسلكه هذا يتصل بالدقة في تقويم الحديث، فإن الواضح أن اختلاف العبارة في تجريح الرواة مما تختلف به الأحكام، وهو ما يتصل بأقسام الجرح والتعديل التي أوردها علماء أصول الحديث. ٤- كثيرًا ما يذكر المؤلف الأسباب التي وردت من أجلها الأحاديث عن النبي ﷺ : ففي الأحاديث التي تحمل الأرقام: ٧٠، ١٠٤، ١١٨، ١٢٠، ١٥٧، ٣١٧، ٣٤٦، ٣٤٩، ٣٦٧، ٣٧٩، ٨٠٠، ٨٠٣، ٨٠٤، ٨١١، ٨١٥، ٨٢٥، ٨٢٧، ٨٢٨،

стр. 231

٨٢٩، ٨٦٢، ٨٩٠، ٨٩٣، ١٥٧٦ في كل هذه الأحاديث وفي كثير غيرها ينقل السيوطي، عن الرواة أسبابًا لورود الحديث عن النبي ﷺ . وأحيانًا يورد المناسبات التي روى فيها الصحابي الحديث، ففي الحديثين الحادي والعشرين والأربعين بعد المائة ينقل عن الراوي المناسبة التي أرود فيها الحديث عن النبي ﷺ . ٥- بين السيوطي في سرده للأحاديث -أحيانًا- بعض ما يحتاج إلى البيان، وذلك كما في الحديث السبعين، والثاني والسبعين بعد المائة، والحديث الثامن والسبعين ومائة. ٦- يختلف السيوطي في تخريجه لأحاديث وردت في كل من الجامعين الصغير والكبير، بالزيادة في الكبير، والنقص في الصغير، ولعل ذلك لأنه بنى جامعه الصغير على الاختصار وعدم الاستيعاب، فهو فيه يكتفي بذكر ما يراه مبينًا للمرتبة، على أنه قل أن يخلو حديث فيه من بيان مرتبته بالرمز الذي يدل عليه، وذلك كما في الحديث الثمانين وخمسمائة وألف الذي يتعلق بصلاة ركعتي الجمعة، فإنه خرجه في الصغير هكذا "حم ق د ن هـ" عن جابر، أما في الكبير فقد خرجه من اثني عشر كتابًا عن جابر، ثم عن ثلاثة من المخرجين يروونه عن سليك بن هدية الغطفاني. وقد يتخلف هذا المعنى في بعض الأحاديث، فيترك التقويم في الكبير ويذكره في الصغير، كما في الحديث الحادي والثمانين والخمسمائة بعد الألف فقد اتفق الجامعان في التخريج وامتاز الصغير بذكر مرتبة الحديث بعلامة الصحة والحسن١، وقد يختلف الأمر -كما هو الأصل- فيقوم الحديث في الجامع الكبير دون الصغير، وذلك كما في الحديث الرابع عشر بعد الستمائة والألف. ٧- يورد الجامع الكبير رموزًا من شأنها أن تدل على بعض الكتب، ولكنها لا تدل القارئ على شيء؛ لأن المؤلف لم يوردها من بين رموز الكتاب في مقدمته. ومن ذلك الرمز "ز" الذي ورد في الحديث السابع والثلاثين بعد المائتين ويقول فيه: ز عن ثوبان، والحديث الرابع والسبعين بعد السبعمائة والألف الذي يقول فيه ز عن أبي هريرة، والحديث التاسع والثمانين بعد السبعمائة والألف الذي يقول فيه: ز عن زيد بن أرقم، والحديث الثامن والأربعين بعد التسعمائة، والألف الذي يقول فيه: ز والديلمي عن أبي هريرة، والحديث السادس والستين بعد التسعمائة والألف الذي يقول فيه: ز عن أنس. ومن الرموز التي يوردها في الأحاديث، وليست مما نبه عليه في رموز الكتاب الرمز "بز" وقد ورد في كثير من الأحاديث، منها الحديث الحادي والعشرون بعد المائتين الذي يقول فيه: بز عن عائشة، والحديث الثالث والتسعون بعد الستمائة الذي يقول فيه بز خط عن

стр. 232

أبي هريرة والحديث، الثامن والأربعون بعد الأربعمائة والألف الذي يقول فيه: بزعق طس عن أبي هريرة، والحديث السادس والخمسون بعد التسعمائة والألف الذي يقول فيه: عب ... بزو ابن خزيمة ... إلخ، والحديث السابع والخمسون بعد التسعمائة والألف الذي يقول فيه: الشافعي وابن خزيمة بز حب عن العباس، والحديث السابع والستون بعد التسعمائة والألف الذي يقول فيه: ع بزو ابن خزيمة. تلك هي أهم الملاحظات التي سنحت لنا عند مدارسة الكتاب، وفي غالبها ما يشهد لهذا الكتاب بالدقة الفاحصة، والأمانة في العلم، والإخلاص للسنة، وغزارة الاطلاع على المراجع الحديثية وغير ذلك، مما هو جدير بالإمام السيوطي رحمة الله عليه.

стр. 233

الجامع الصغير: للحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ: نستطيع -في مستهل دراستنا لهذا الكتاب- أن نبارد فنلخص ما قاله مؤلفه عنه: إن الجامع الصغير لباب خال عن القشر، وليس فيه وضاع ولا كذاب، ولذلك فاق الكتب المؤلفة كالفائق والشهاب١، وأنه حوى من نفائس الصناعة الحديثية ما لم يودع قبله في كتاب، وأنه في هذا النوع رتبه على حروف المعجم مراعيًا أول الحديث فما بعده تسهيلًا على الطلاب، وأنه مقتضب من الكتاب الكبير الذي قصد فيه جمع الأحاديث النبوية بأسرها -وقد سبق كلامنا عليه. ونضيف إلى ذلك ما قاله الشيخ يوسف النبهاني في كتابه الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير٢: وقد وقع لكتابه هذا القبول التام، وعم النفع به سائر البلاد الإسلامية الخاص والعام. وفي الواقع أن هذا الكتاب -لقصر أكثر الأحاديث الواردة فيه، وتخير المؤلف لها من كنوز السنة، وسهولة عباراتها- قد استطاع أن يتبوأ مكانته في نفوس محبي الحديث النبوي، والحريصين على التضلع من منهله العذب الروي، حتى سنح الانتفاع به لكل قارئ، وأمكن أن يكون سلوى لكل ناشد، يبتغي المتعة العلمية والراحة النفسية. وقد اشتهر على الألسنة وفي بطون الكتب أن عدد أحاديث هذا الكتاب هي عشرة آلاف وتسعمائة وأربعة وثلاثون حديثًا، وقد طعن النبهاني في مقدمة كتابه الفتح الكبير بأن ما ذكروه من ذلك العدد من غير تحقيق، واستظهر أن جميعهم قد قلد في ذلك شارح الشيخ المناوي -وهو لم يعده بنفسه- فذكر ما ذكره. ثم قال: والصحيح ما ذكرته هنا؛ لأني عددته بنفسي فوجدته عشرة آلاف حديث يزيد قليلًا نحو العشرة، والفرق كبير بين ما ذكرته وما ذكروه٣.

стр. 234

ومن حاول أن يعرف ما تناوله هذا الكتاب العظيم من أبواب السنة وجده حاويًا لكل الأبواب الجامعة لأمور الدين، والتي توردها الكتب الجوامع. ولنضرب لذلك أمثلة نراعي فيها ترتيب الكتاب: ١- فمن أحاديث العقائد: أول حديث فيه "آتي باب الجنة فأستفتح ... " الحديث من رواية أحمد ومسلم عن أنس، وهو حديث صحيح. والحديث الذي يليه وهو: "آخر من يدخل الجنة رجل يقال له جهينة ... " وهو من رواية الخطيب في رواة مالك عن ابن عمر، وهو حديث ضعيف. وكذلك الحديث الذي يليه وهو: "آخر قرية من قرى الإسلام خرابًا المدينة" وهو من رواية الترمذي عن أبي هريرة ... وهكذا. ٢- ومن أحاديث الآداب: "آخر ما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت" وهو من رواية ابن عساكر في تاريخه عن أبي مسعود البدري، وقد أورده في حرف إن بلفظ: "إن مما أدرك الناس ... " لأحمد والبخاري وأبي داود وابن ماجه عن ابن مسعود، وأحمد عن حذيفة، وهو حديث صحيح. ومنها حديث: "آفة الدين ثلاثة: فقيه فاجر، وإمام جائر، ومجتهد جاهل" وهو من رواية الديلمي في مسند الفردوس. وكذلك حديث: "آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد" وهو من رواية الديلمي في مسند الفردوس. ٣- ومن أحاديث الأحكام: "آمروا النساء في بناتهن" وهو لأبي داود والبيهقي عن ابن عمر وهو حديث حسن. ومنها حديث: "ايت حرثك أنى شئت، وأطعمها إذا طعمت، واكسها إذا اكتسيت، ولا تقبح الوجه ولا تضرب" من رواية أبي داود عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وهو حديث حسن. وكذلك حديث: "ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد" رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عمر، وهو صحيح. ٤- ومن أحاديث الطب: "ائتدموا بالزيت وادهنوا به، فإنه يخرج من شجرة مباركة" من رواية ابن ماجه والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان، وهو صحيح. وحديث: "أبردوا بالطعام فإن الحار لا بركة فيه"، وهو من رواية الديلمي في الفردوس عن ابن عمر، والحاكم عن جابر وعن أسماء ... إلخ. وكذلك حديث: "اتقوا صاحب الجذام كما يتقى السبع، إذا هبط واديًا فاهبطوا غيره" رواه ابن سعد عن عبد الله بن جعفر.

стр. 235

٥- ومن أحاديث الترغيب: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" رواه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي في الشعب عن أبي ذر، وأحمد والترمذي والبيهقي في الشعب عن معاذ، وابن عساكر عن أنس، ومنها حديث: "اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة" رواه أبو يعلى والحاكم عن أنس. وكذلك حديث: "اتقوا الله وصلوا أرحامكم" رواه ابن عساكر عن ابن مسعود بسند ضعيف. ٦- ومن أحاديث الترهيب: "اتقوا البول فإنه أول ما يحاسب به العبد في القبر" رواه الطبراني في الكبير عن أبي أمامة. وحديث: "اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فمن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، رواه أحمد والترمذي عن ابن عباس، حسن. وكذلك حديث: "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" رواه أحمد والطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب عن ابن عمر، صحيح. ٧- ومن أحاديث بيان فضل العلم والعمل حديث: "إذا أتى عليَّ يوم لا أزداد فيه علمًا يقربني إلى الله تعالى فلا بورك في طلوع الشمس ذلك اليوم" رواه الطبراني في الأوسط وابن عدي وأبو نعيم في الحلية عن عائشة، ضعيف. وكذلك حديث: "إذا أراد الله بعبد خيرًا فقهه في الدين وألهمه رشده" البزار عن ابن مسعود حسن. وحديث: "إذا علم العالم فلم يعمل كان كالمصباح يضيء للناس ويحرق نفسه" رواه ابن قانع في معجمه عن سليك الغطفاني، ضعيف. ٨- ومن أحاديث بيان فضل الصحابة: "إذا أراد الله برجل من أمتي خيرًا ألقى حب أصحابي في قلبه" رواه الديلمي في الفردوس عن أنس. ضعيف. وحديث: "أرأف أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر ... " الحديث رواه أبو يعلى عن ابن عمر. ضعيف. ومنها: "استوصوا بالعباس خيرًا فإنه عمي وصنوا أبي" رواه ابن عدي عن علي، ضعيف. ٩- ومن أحاديث فضائل القرآن: "إذا زلزلت تعدل نصف القرآن، وقل يأيها الكافرون تعدل ربع القرآن، وقل الله أحد تعدل ثلث القرآن" رواه الترمذي والحاكم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس بسند صحيح. ومنها حديث: "استذكوا القرآن فلهو أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم في عقلها" رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن ابن مسعود، صحيح.

стр. 236

وحديث: "اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث سور من القرآن في البقرة وآل عمران وطه". رواه ابن ماجه والطبراني في الكبير والحاكم عن أبي أمامة، صحيح. ١٠- ومن أحاديث الهدي النبوي في الدعاء: "إذا صليت الصبح فقل قبل أن تكلم أحدًا اللهم أجرني من النار سبع مرات"١ الحديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان عن الحارث التيمي، صحيح. ومنها حديث: "إذا ظنت أذن أحدكم فليذكرني وليصل علي ... "٢ الحديث رواه العقيلي في الضعفاء والطبراني في الكبير ومسلم وابن عدي عن أبي رافع، ضعيف. وحديث: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين، وليقل له يرحمك الله، وليقل هو: يغفر الله لنا ولكم" ٣ رواه الطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود وآخرون، صحيح. ١١- ومن أحاديث فضل الذكر: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حِلق الذِّكر" ٤ رواه أحمد والترمذي والبيهقي في الشعب عن أنس، صحيح. ومنها حديث: "اذكر الله فإنه عون لك على ما تطلب"٥ رواه ابن عساكر عن عطاء بن أبي مسلم مرسلًا. ضعيف. وحديث: "أربع أفضل الكلام لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" ٦. رواه ابن ماجه عن سمرة، صحيح. ١٢- ومن أحاديث الشمائل النبوية: "كان ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ... "٧ الحديث رواه أحمد وأبو داود عن عبد الله بن بسر، صحيح. ومنها حديث: "كان ﷺ إذا أتاه الأمر يسره قال: الحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات، وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال" ٨ رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة والحاكم في المستدرك عن عائشة، صحيح. وحديث: "كان ﷺ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض"٩ رواه أبو داود والترمذي عن أنس وعن ابن عمر، والطبراني في الأوسط عن جابر، صحيح. وهكذا يجد القارئ نفسه في هذا الكتاب بين روضات دمثات يستمتع بعبيرها، ويتنقل بين أزاهيرها، فلا يعتريه ملل مع كثرة ما يفيده من تلك الفيوضات النبوية الكريمة.

стр. 237

وقد أردنا بهذه الشواهد التي ذكرناها مجرد ضرب المثل ليتصور القارئ بعض ما في الكتاب من غزارة علم، وصنوف أدب وحكم، وبذلك يسعى إلى اقتنائه، ثم يلتمس الإفادة مما كتب عليه العلماء من شروح لهذه الدرر النفيسة. ونعود بعد ذلك إلى بيان طريقة الكتاب في عرضه للأحاديث النبوية وتخريجها فنرى: ١- أنه يذكر الأحاديث على ترتيب الحروف -كما قلنا- مراعيًا الحرف الأول ثم الذي يليه والكلمة الأولى ثم التي تليها غالبًا، مؤثرًا اختيار جوامع الكلم النبوي من الأحاديث القصار، لتكون أيسر تناولًا وأسهل حفظًا، فإن ذكر بعض الأحاديث المتوسطة فذلك بالنسبة إلى عدد الأحاديث القصار قليل، وربما دعاه إلى ذلك عظة تستدعي الإطناب كما في حديث: "أما إنكم لو أكثرتم من ذكر هازم اللذات ... " ١، أو دعاء في ضراعة اقتضت بعض التطويل كحديث: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ... " ٢، أو كان وصية في أمر ذي بال وشأن كما في حديث: "إن الله تعالى أمرني أن أعلمكم مما علمني ... " ٣ أو كان من الأحاديث القدسية المتآخذة المعاني كحديث: "إن الله تعالى يقول يوم القيامة يابن آدم مرضت فلم تعدني ... " ٤، أو كان من المعاني المترابطة التي تدعو الحاجة إلى عرضها كما هي كحديث: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه ... " ٥، أو كان تنويها ببعض أركان الإسلام كما في حديث: "أول ما فرض الله على أمتي الصلوات الخمس ... " ٦ ولئن ذكر بعض الأحاديث الطوال فلأن المقام اقتضى إيرادها استكمالًا لأنواع الأحاديث وقد يكون ذلك في الخطب النبوية كما في حديث: "أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى ... " ٧ وحديث: "أما بعد فإن الدنيا خضرة حلوة ... " ٨، وقد يكون في الأدعية كحديث: "اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي ... " ٩. ٢- وأنه يتبع نص الحديث في أي نوع كان بمن خرجه من أئمة الحديث، والكتب التي كانت مأخذا له فيه، مبينا ذلك بالرمز الذي يبينه إن كان من الرموز التي أوردها في المقدمة، وبالاسم إن لم يكن كذلك، ثم يذكر اسم الصحابي الذي روى الحديث عن النبي ﷺ ، فإن كان موقوفًا ولو في بعض رواياته نبه على ذلك، ثم يذكر درجة الحديث بالرمز الذي عرف عنه دون أن ينبه عليه في المقدمة، ولو أنه كان قد نبه على الرموز التي تدل على درجة الحديث لكان أدق لصنعه لكنا عرفناه من تتبع التقويم لأحاديث الكتاب، وتنبيهات الشراح والناشرين، وقد وجدنا بهذا المعنى تنبيهًا في أول صفحة في الكتاب قبل خطبة المؤلف يقول: الحروف المرموز بها إلى الحديث الصحيح "صح" والحسن "ح" والضعيف "ض" وضعت في كتاب الجامع الصغير عقب رواة الحديث.

стр. 238

والواقع أن المؤلف لا يلتزم ذلك التزامًا مطردًا مما يجعل بعض الشارحين يضطر إلى البحث عن مرتبة الحديث، ثم ينبه عليها. أما رموز الكتاب التي نبه المؤلف عليها في مقدمته بالنسبة لأكثر المخرجين فهي: "خ" للبخاري، "م" لمسلم، "ق" لهما، "د" لأبي داود، "ت" للترمذي، "ن" للنسائي، "٥" لابن ماجه، "٤" لهؤلاء الأربعة، "٣" لهم إلا بن ماجه، "حم" لأحمد في مسنده، "عم" لابنه عبد الله في زوائده، "ك" للحاكم، فإن كان في المستدرك أطلق وإلا بينه، "خد" للبخاري في الأدب، "تخ" له في التاريخ، "حب" لابن حبان في صحيحه، "طب" للطبراني في الكبير، "طس" له في الأوسط "طص" له في الصغير، "ص" لسعيد بن منصور في سننه، و"ش" لابن أبي شيبة، "عب" لعبد الرزاق في الجامع، "ع" لأبي يعلى في مسنده، "قط" للدارقطني فإن كان في السنن أطلق وإلا بين، "فر" للديلمي في مسند الفردوس، "حل" لأبي نعيم في الحلية، "هب" للبيهقي في شعب الإيمان، "هق" له في السنن، "عد" لابن عدي في الكامل، "عق" للعقيلي في الضعفاء، "خط" للخطيب، فإن كان في التاريخ أطلق، وإلا بين. والسيوطي يكتفي بهذه الرموز، ولا ينبه على بقية من أخذ عنهم، وقد ذكرهم بأسمائهم، في ثنايا الكتاب، ومنهم ابن عساكر في أماليه، ووكيع في الغرر، وابن مردويه في التفسير، وأبو بكر بن الأنباري في المصاحف، وأبو الشيخ في الثواب، وابن سعد، والبغوي في معجمه، والبارودي في المعرفة، والطيالسي، والضياء في المختارة، وابن أبي عاصم في السنة، والشيرازي في الألقاب، والبيهقي في الأدب، وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة، والحكيم في نوادر الأصول، وأبو قرة الزبيدي في سننه، وابن خزيمة، وأبو بكر بن لال، وعبد الغني بن سعيد في إيضاح الإشكال، والحلواني، والروياني، وأبو الشيخ في الأذان، وأبو حميد الساعدي ... ، وغير هؤلاء كثير. ولو أنه ﵀ نبه على ذلك في مقدمته ولو بإشارة عابرة لأراح القارئ من الوقوف عند الأسماء، فقد لا تكون له دراية بدلالة الاكتفاء التي تدرك بالعقل دون احتياج إلى النص. وفي الحق أن المتتبع للكتاب يلمس من النظرة الأولى -ودون تعمق في الدراسة- أن هناك جهدًا جهيدًا في استخلاص هذه المجموعة المختارة من الأحاديث، مع ما تقيد به مؤلفه من إيثاره الأحاديث الموجزة من جوامع الكلم، فإنه في الصفحة الواحدة من هذا الكتاب نرى أنه رجع في الأحاديث التي أوردها فيها إلى ما لا يقل عن خمسين كتابًا من أمهات كتب الحديث، حتى استوت له تلك المجموعة التي يطمئن إلى تقديمها للدارسين في حدود ما قيد به نفسه وهو بصدد اختياره. يضاف إلى ذلك أن كثرة كاثرة من هذه المراجع يتيه الباحث عنها فلا يجدها، وإذا وجد فإنه لا يجد إلا القليل منها، وإذا وجد ذلك القليل فهيهات له أن يستطيع الانتقاء منه على هذا الوجه المؤسس على ملكة حديثية خارقة لما يتصوره الإنسان في أية ملكة يظفر بها دارس أو محدث

стр. 239

٣- وفي هذا المقام نستطيع أن نسجل أن حرص المؤلف على الاختصار متنا وتخريجًا وتقويمًا أعانه على ضبط الكتاب وسرعة إخراجه وتقديمه إلى الدارسين أكثر تهذيبًا، وأعظم ترتيبًا، وأقرب تناولًا، وأيسر تداولًا، حتى إنه -مع ما وصف به من أنه مختصر من الجامع الكبير- كتب له الظهور قبل الجامع الكبير الذي وصف بأنه أصل لهذا الصغير، وقد أعيا على الباحثين إخراج هذا الأصل بعد أن ظل مختفيًا زهاء خمسة قرون. ٤- كما نستطيع أن نسجل أيضًا أنه يبدو لنا أن المؤلف على طريقته في توزيع المجهودات وملاحقة المؤلفات كان يشتغل بوضع الكتابين معًا في وقت واحد قبل اعتراض ما يحول دون تحقيق أمانيه: من ضعف يقعده عن العمل، أو موت مفاجئ، ولعل هذا هو السبب فيما وقع من وجود بعض أحاديث في الجامع الصغير ليس لها وجود في أصله الجامع الكبير، وقد بينت ذلك -مشكورة- لجنة تحقيق الكبير فيما أخرجته من أعداد، وأوردت بالفعل نصوص تلك الأحاديث بأرقامها من الجامع الصغير من النسخة التي طبعت مرقمة لأحاديث هذا الكتاب. ٥- كما نسجل أن هناك مشابه بين الجامعين، ولا غرابة في ذلك وقد خرجا من منبع واحد، فطريقة العرض مشتركة في الجملة: فكل منهما يبدأ بإيراد لفظ الحديث ثم يخرجه بالرموز -وإن اختلفت بعض الاختلاف الذي سنبينه- ثم يورد كل منهما راوي الحديث عن النبي ﷺ مع بيان وقفه إن كان، وأن هناك اختلافات بينهما قد يكون مردها إلى الاستيعاب في أحدهما والاختصار في الآخر، فالجامع الكبير كثيرًا ما يورد الأحاديث المطولة على عكس الجامع الصغير -كما أشرنا إلى ذلك- وفي تخريجه لأحاديث الكبير يحاول الاستيعاب حتى يصل في تخريج الحديث الواحد إلى صفحة أو يزيد، وقد يكون المتن مع ذلك سطرًا أو أقل، ولا نظير لذلك أبدًا في الجامع الصغير. ٦- على أن رموز التخريج في الجامعين مختلفة في الجملة، فمنها رموز يذكرها المؤلف في الجامع الصغير ولا يذكرها في الكبير وذلك مثل "ق" للشيخين و"٤" لمن عدا الشيخين من الستة و"٣" لهم إلا ابن ماجه، و"خد" للبخاري في الأدب، و"تخ" له في التاريخ. كما أن منها رموزًا ذكرها في الجامع الكبير لتقويم الأحاديث فلم يستعلمها في الكبير اكتفاء بما أورده من قواعد لهذا الخضم الحافل من كتب التخريج. ٧- أنه بالنسبة للكتب التي نص على صحتها لا يقوم أحاديثها اكتفاء بهذا النص، وبالنسبة للكتب التي نص على ضعفها لا يقوم أحاديثها اكتفاء بهذا النص أيضًا، أما الكتب التي خلطت بين الصحيح والحسن والضعيف فإنه بينها غالبًا بالكلمات لا بالرموز.

стр. 240

وفي ختام دراستنا لكتاب الجامع الصغير نعود فنشير إلى أن خير دليل على مكانته الحديثية الرفيعة أنه رزق من الذيوع والانتشار ما قل أن يظفر بمثله كتاب من نوعه، ولهذا تناوله فحول العلماء من المحدثين وغيرهم بالشرح. شرحه الشيخ شمس الدين محمد بن العلقمي الشافعي المتوفى سنة تسع وعشرين وتسعمائة في كتابه الذي سماه الكوكب المنير في مجلدين، لكنه قد يترك أحاديث بلا شرح لكونها غير محتاجة إليه، وشرحه الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد المتبولي الشافعي، المتوفى سنة ثلاث وألف في كتاب سماه بالاستدراك النضير على الجامع الصغير، ذكر فيه أن ابن العلقمي أطال فيما لا يحتاج إليه، واختصر فيما يحتاج، بل ترك أحاديث فشرحها مفصلًا، وقدم له بمقدمة في أصول الحديث في مجلد، كما شرحه الشيخ شمس الدين المدعو بعبد الرءوف المناوي الشافعي المتوفى سنة إحدى وثلاثين وألف في كتابه الذي سماه فيض القدير في خمسة أجزاء، وسنتناوله بالدراسة في كتب الشروح بإذن الله، ثم اختصره بعضهم وسماه التيسير، كما شرحه الشيخ علي بن أحمد بن محمد المشهور بالعزيزي البولاقي الشافعي المتوفى عام سبعين وألف للهجرة في كتاب سماه السراج المنير بشرح الجامع الصغير في أربعة أجزاء، كما أن للحفني محمد بن سالم حاشية مطبوعة بهامش شرح العزيزي على الجامع الصغير. ويبدو أن أعظم شرح لهذا الكتاب هو كتاب فيض القدير للمناوي، فقد تحققت به الغنية في خدمة أحاديثه على مختلف أبوابها وأغراضها عن طلب شيء آخر، ويمتاز شرحه هذا بأن لمؤلفه مع السيوطي مناقشات في بعض ما أورده تقويم الأحاديث من صحة أو حسن أو ضعف، وأنه يؤيد رأيه بنقول عن العلماء تؤكد وجهة نظره فيما اختلف فيه مع السيوطي في درجة بعض الأحاديث. رحم الله الإمام السيوطي، وجزاه عن إخلاصه للعلم والدين خير الجزاء.

стр. 241

كنوز الحقائق في حديث خير الخلائق: للعلامة زين الدين عبد الرءوف المناوي المتوفى سنة ١٠٣١هـ: نعود فنعتذر عن ذكر هذا الكتاب لمؤلف عاش فترة قصيرة بعد القرن العاشر المحدد نهاية للزمن في عنوان هذا الكتاب، نعتذر بأن قرب عهده بنهاية تلك العصور، بل إن زهرة حياته التي تكونت فيها ملكته العلمية أمضاها في القرن العاشر. وإذا كنا قد اعتذرنا في الإتحافات السنية بأنه لم يرد إلينا في الأحاديث القدسية مؤلف سواه لمصري في تلك الفترة التي تناولتها دراستنا، وكان هناك أمرًا ضروريًّا، فإنا نقول هنا غير ذلك: وهو أن الكتاب صورة تستكمل بها دراسات الجوامع في تلك العصور، ونضيف إلى ذلك أنه تأثر كثيرًا بكتاب الجامع الصغير الذي مارسه شرحًا وتخريجًا وتقويمًا في كتابه فيض القدير، فأراد أن يؤلف كتابًا يقرب نهجه من نهجه في الترتيب على الحروف، وإن كان قد تصرف بإضافة بعض أحاديث إلى أحاديث الجامع الصغير استقاها من مراجع لم يذكرها الإمام السيوطي، وحذف كثيرًا مما اختاره السيوطي لأنه لا يتفق مع منهجه الذي اختاره لنفسه، وكأنه يريد بذلك أن يبرز لنفسه شخصية مستقلة. وقد وصف كتابه في الخطبة التي قدمه بها بما يشوبه بعض المبالغة حيث قال:١ إنه كتاب عجاب، من تأمله دخلت عليه المسرة من كل باب، وأنه جمع فيه زهاء عشرة آلاف حديث، في عشرة كراريس، كل كراس ألف حديث، وفي كل ورقة مائة حديث، تقرأ بالعرض على العادة، وفي نصف العرض بالطول، ومن أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى، ثم بين ذلك بقوله: كل نصف سطر مستقل بنفسه. ومن البين أنه إذا كان في نصف سطر مستقلًّا بنفسه أمكنت القراءة بالعرض على العادة وفي نصف العرض بالطول، ومن أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى كما ذكره المؤلف. وإليك مثالًا من الكتاب١: أعبد الناس أكثرهم تلاوة للقرآن "فر" أعتق أم إبراهيم ولدها "ق" أصبحوا بالصبح فإنه أعظم للأجر "حم" أصدق الحديث ما عطس عنده "ط" أصدق الطيرة الفأل "ع" أصلح بصرك "ط" أصلح الناس ولو تعني الكذب "ط" أصل النفاق الذي بني عليه الكذب "فر"

стр. 242

ففي هذه المجموعة يمكن للقارئ أن يقرأ السطر عرضًا على الطبيعة، وعرضًا على العكس، بأن يقرأ النصف الثاني للسطر قبل الأول، وفي كل من نصفي السطر حديث كامل، كما يمكنه أن يقرأ النصف الأول من السطر الأول، ثم يقرأ النصف الأول من السطر الثاني حتى نهاية الصفحة، وهكذا في الإنصاف الثانية من السطور من الجانب الثاني، ومن أراد أن يقرأه من الأسفل إلى الأعلى مراعيًا كل السطور أو أنصافها من أي جانب أمكن له ذلك. وهذه الطريقة كان مبدأ ظهورها في أواخر العصر العباسي منذ ضعفت الملكات في العربية، فاتجهت الأذهان إلى استكمال النقص في الملكات بإظهار البراعة، والاختراع في الصناعة، وأشاع بينهم الكتابة بما يقرأ طردًا وعكسًا على ألوان مختلفة ووجوه متعدده، كما كانوا يكتبون الرسائل بحروف كلها معجمة، أو بحروف كلها مهملة إلى صور أخرى عديدة لا مجال لاستيعابها الآن ونحن في مجال الدراسة الحديثية، ومن أراد أن يتصور هذا فليرجع إلى مقامات الحريري. وقد كان جديرًا بالمؤلف -وهو من رجال الحديث والمنتسبين إلى هذه الصناعة التي هي أشرف الصناعات- أن يعني بالحقائق تطبيقًا لهذا الاسم الذي اختاره عنوانًا لهذا الكتاب، ولتلك الصفات التي ذكرها في تقديمه له، من أنه فصوص ياقوتية أو عقود زبرجدية أو قلائد زمردية، فإن الحديث النبوي في ذاته، ولا سيما إذا صحت روايته عن السيد المعصوم ﷺ محقق لتلك المعاني دون هذه القيود والتكلفات. ولعلنا بعد هذا التصوير نضيف إلى أعذارنا السابقة عذرًا جديدًا في دراسة هذا الكتاب، وعرض صفاته على القارئ الكريم؛ لأننا بذلك نعرض صورة لما وصلت إليه دراسة السنة النبوية من الوقوع في شباك هذه التكلفات. ولقد ترك هذا المسلك أثرًا سيئًا في عدم ترتيب أحاديث الكتاب على الحروف والكلمات كما فعل الإمام السيوطي -رحمة الله عليه- وفي عدم التزام التخير المعنوي لأقوى الأحاديث، فإن التقيد بعدد الكلمات يلجئه إلى جمع ما يسمى حديثًا إلى جنب آخر من شكله، وإن لم تصح النسبة إلى الرسول ﷺ ، فتصبح التخيرات الأصلية ضحية لما ألزم به نفسه من القراءة طردًا وعكسًا ويمينًا ويسارًا وصعودًا ونزولًا. ولهذا وصف صاحب الرسالة المستطرفة وهو يترجم لمؤلفه بأن كتابه هذا مشحون بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، وذكر أن في رموزه بعض تحريف يغلب على الظن بأنه من النساخ١.

стр. 243

وهذا الحكم أيضًا صحيح، فقد لمسناه في رمزه بحرف النون للقضاعي، فإنه لا يناسب المرموز له، ولا معنى لذكر حرف النون مرة ثانية بعد أن رمز به للنسائي قبل ذلك. ونعود إلى وصف الكتاب بأنه لون من ألوان جمع السنة، وأن من مظاهر هذا اللون فيما لمسناه من الكتاب ما يأتي: ١- من الواضح أن المؤلف اختار أحاديثه قصارًا لا يتجاوز كل منها مع تخريجه نصف السطر، خلافًا لما رأيناه من طريقة الجوامع في هذا العصر من جمع الأحاديث الطوال إلى جانب المتوسطة والقصار، على التصوير الذي بيناه في كل من الجامعين الكبير والصغير. ٢- أكثر المؤلف من المراجع الحديثية وإن لم تكن ملتزمة الصحة أو الحسن، بل إن بعضها مورد للأحاديث الضعيفة والمنكرة كالديلمي وابن النجار وابن عساكر، وقد فعل ذلك تنفيذًا لما التزمه من التقيد بهذه الأحاديث القصيرة، ليمكن قراءتها بالطول وبالعرض وبنصفه، ومن أعلى إلى أسفل وعكسه كما أراد. ٣- يتفق مع كل من الجامعين الكبير والصغير في كثير مما اختاره من رموز للمراجع الحديثية، كما وضع رموزًا جديدة لمن ذكرهم السيوطي بالاسم في كل من الجامعين ويتبين ذلك فيما يأتي: "خ" للبخاري في صحيحه، "م" لمسلم، "ق" لهما، "د" لأبي داود، "ت" للترمذي "ن" للنسائي، "هـ" لابن ماجه، "٤" لهؤلاء الأربعة، "٣" لهم إلا ابن ماجه، "حم" للإمام أحمد في مسنده، "ما" للإمام مالك في الموطأ، "عم" لابن الإمام احمد، "ك" للحاكم، "خد" للبخاري في الأدب، "تخ" له في التاريخ، "ضا" للضياء المقدسي في المختارة "ط" للطبراني، "بز" للبزار، "عب" لعبد الرزاق، "ش" لابن أبي شيبة، "ع" لأبي يعلى الموصلي، "قط" للدارقطني، "فر" للديلمي، "حل" لأبي نعيم، "هق" للبيهقي، "عد" لابن عدي، "عق" للعقيلي، "خط" للخطيب البغدادي، "كر" لابن عساكر، "قا" لابن قانع، "أبو" لأبي الشيخ ابن حبان، "ن" للقضاعي، "سع" لابن سعد في الطبقات، "خر" للخرائطي، "طيا" لأبي داود الطيالسي، "حك" للحكيم الترمذي في النوادر، "نجا" لابن النجار، "حا" للحارث في مسنده، "عبد" لعبد بن حميد، "يا" لابن أبي الدنيا القراشي، "سن" لابن السني، "شير" للشيرازي، "يه" لابن مردويه، "نيع" لابن منيع، "غز" للغزالي، "ضر" لابن ضريس. ومن عرض هذه الرموز ترى أنه اتفق مع الجامعين في كثير منها، وأنه استقل بوضع رموز جديدة لمن كان يذكرهم السيوطي بالأسماء في جامعيه: كابن سعد والحكيم الترمذي وعبد بن حميد وتلك ضرورة ألجأته إليها رغبته في الاختصار الشديد في التخريج كما اختصر في المتون تحقيقًا لما التزم به من عدم إيراد حديث أكثر من نصف سطر متنًا وتخريجًا، كما أنه لبس بعض الرموز ببعض، فذكر النون مرة، رمزًا للنسائي وأخرى للقضاعي، وإن كان صاحب الرسالة المستطرقة يبين أن ذلك من تحريف النساخ.

стр. 244

الفصل الرابع: كتب الزوائد مدخل ... الفصل الرابع: كتب الزوائد تمهيد: أولًا: في المقصود بالزوائد وما وضع فيها من المؤلفات يصور لنا الإمام السيد محمد بن جعفر الكتاني المتوفى سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف الزوائد في كتابه الرسالة المستطرفة١ ويذكر ما ألف فيها من الكتب فيقول. إن الزوائد هي الأحاديث التي يزيد فيها بعض كتب الحديث على بعض آخر معين منها، كزوائد ابن ماجه على كتب الحفاظ الخمسة للشهاب البوصيري٢ سماه مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه في مجلد، وفوائد المنتقى لزوائد البيهقي له أيضًا، ضمنه زوائد البيهقي في سننه الكبرى على الكتب الستة، وإتحاف السادة المهرة الخيرة، بزوائد المسانيد العشرة أي على الكتب الستة له أيضًا وقد اختصره، والمطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية للحافظ ابن حجر، وهي مسند ابن أبي عمر العدني، ومسند أبي بكر الحميدي، ومسند مسدد، ومسند الطيالسي، ومسند ابن منيع، ومسند ابن أبي شيبة، ومسند عبد بن حميد، ومسند الحارث، قال السخاوي: وفيه أيضًا الأحاديث الزوائد من المسانيد التي لم يقف عليها مصنفه -أعني شيخنا- تامة لإسحاق بن راهويه، والحسن بن سفيان، ومحمد بن هشام السدوسي، ومحمد بن هارون الروياني، والهيثم بن كليب وغيرها. ا. هـ. وزوائد مسند البزار على مسند أحمد والكتب الستة له أيضا، لخصها من مجمع الزوائد لشيخه نور الدين الهيثمي وزوائد الفردوس في مجلد له أيضًا، وغاية المقصد في زوائد المسند -أي مسند أحمد على الكتب الستة- للحافظ نور الدين أبي الحسن الهيثمي، وله أيضًا زوائد مسند البزار على الكتب الستة سماها البحر الزخار في زوائد مسند البزار٣ في مجلد ضخم، وزوائد مسند أبي يعلى الموصلي عليها في مجلد، وزوائد المعجم الكبير للطبراني عليها أيضًا، وسماه البدر المنير في زوائد المعجم الكبير في ثلاث مجلدات وزوائد المعجم الأوسط والصغير له أيضًا، وسماه مجمع البحرين في زوائد المعجمين في مجلدين. ثم جمع الزوائد الستة في كتاب واحد محذوف الأسانيد مع الكلام عليها بالصحة والحسن والضعف وما في بعض رواتها من الجرح والتعديل، وسماه "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" وهو في ست مجلدات كبار، ويوجد في ثمان مجلدان وأكثر "والذي بين أيدينا في عشر مجلدات".

стр. 245

قال الكتاني: وهو أنفع كتب الحديث "ولا تصح هذه العبارة إلا إذا كان يقصد ما كتب منه في الزوائد" على أنه يقول بعد ذلك: بل لم يوجد مثله كتاب، ولا صنف نظيره في هذا الباب. ثم قال: وللسيوطي بغية الرائد في الذيل على مجمع الزوائد، لكنه لم يتم. ثم أورد بعد ذلك زوائد صحيح ابن حبان على الصحيحين لنور الدين الهيثمي أيضًا، وسماها موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان في مجلد، وزوائد الحارث بن محمد بن أبي أسامة له أيضًا، وسماها بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، وزوائد الحلية لأبي نعيم في مجلد ضخم، وزوائد فوائد تمام كلاهما له أيضًا، وزوائد سنن الدارقطني في مجلد لقاسم بن قطلوبغا الحنفي، وزوائد شعب الإيمان للبيهقي في مجلد، وزوائد نوارد الأصول للحكيم الترمذي كلاهما للسيوطي. وليس فيما وقفنا عليه من كتب الزوائد أكثر مما ذكرناه هنا سوى ما عثرنا عليه في مراجعاتنا لكشف الظنون من كتاب وضعه محمد بن يعقوب الفيروزآبادي المتوفى سنة ٨١٧هـ في الزوائد على كتاب جامع الأصول لابن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٠٦هـ وقد أشرنا إليه عقب الكلام على المسانيد. ثانيًا: بيان المزيد عليه والمزيد منه وفائدة الزيادة أ- فأما المزيد عليه فهو الكتب الستة في الجملة، وأحيانًا يضاف إليه مسند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني المتوفى سنة ٢٤١هـ كما وقع في زوائد مسند البزار على مسند أحمد والكتب الستة. والكتب الستة هي المراجع الأصلية للمسلمين في السنة، وأصحابها على ترتيب الوفاة هم: ١- الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري حافظ الإسلام المتوفى ببخارى سنة ٢٥٦هـ. ٢- الإمام مسلم بن الحسين بن مسلم القشيري النيسابوري المتوفى سنة ٢٦١هـ. ٣- الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني المتوفى سنة ٢٧٣هـ١. ٤- الإمام سليمان بن أشعث بن بشير بن شداد أبو داود المتوفى بالبصرة سنة ٢٧٥هـ. ٥- الإمام محمد بن عيسى بن سورة الترمذي المتوفى بترمذ سنة ٢٧٩هـ٢. ٦- الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي المتوفى بمكة سنة ٣٠٣هـ. والكتب الستة ليست على مرتبة واحدة، فإن أصحها وأكثر قبولًا ورواجًا عند المسلمين الصحيحان: صحيح البخاري وصحيح مسلم، وقد عرف أن جميع ما فيهما صحيح إلا ما ادعاه شذوذ من الناس من أن فيهما بعض الضعيف، وقد ردت عليه دعواه، وأما بقية الكتب الستة ومسند أحمد فإن فيها قليلًا من الضعيف مع التنبيه عليه.

стр. 246

ومن أجل ذلك صارت هذه الكتب أهم مراجع الإسلام ومآخذه، واتجه المؤلفون في الزوائد إلى اعتبارها أصولًا يضيفون إليها ما يرون أنه صالح للإضافة من المسانيد الأخرى أو السنن، حتى يظل الناس عاكفين على الكتب الستة التي تلقتها الأمة بالقبول، ولا يشغلهم غيرهم عنها. ب- وأما المزيد مه فنعني به غير الأصول من كتب السنة الأخرى من المعاجم والسنن والمسانيد الأخرى غير مسند أحمد، والتي أفرزت منها الزيادات واعتبرت كالتكملة لتلك الأصول المزيد عليها، وهذه الكتب التي أخذت منها الزيادات هي: ١- مسند الطيالسي، وهو الإمام أبو داود الطيالسي، واسمه سليمان بن داود البصري الحافظ صاحب المسند، كان يسرد من حفظه ثلاثين ألف حديث. وقد نقل صاحب الرسالة المستطرفة عن بعضهم أن مسند الطيالسي هو أول مصنف من نوعه في هذا الباب، ونوقش بما لا ينهض دليلًا على خلاف ذلك، قال الفلاس: ما رأيت أحفظ منه، وقال عبد الرحمن بن مهدي: هو أصدق الناس، قال في العبر: قلت: كتب عن ألف شيخ منهم أبو عون وطبقته، قال عمر بن شيبة: كتبوا عن أبي داود من حفظه أربعين ألف حديث، توفي سنة أربع ومائتين١. ٢- مسند أبي بكر الحميدي، وهو عالم أهل مكة الحافظ أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الحميدي، روى عن فضيل بن عياض وطبقته، وكان إمامًا حجة، قال أحمد بن حنبل: الحميدي والشافعي وابن راهويه كان كل منهم إمامًا، أو كلاما هذا معناه، وصحب الحميدي الشافعي ووالاه بعد أن كان نافرًا عنه، وصحبه في رحلته إلى مصر، قال ابن ناصر الدين: حدث عنه البخاري وغيره من كبار الأئمة، وتوفي سنة تسع عشرة ومائتين٢. ٣- مسند مسدد، وهو مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن مطربل بن أرندل بن سرندل بن عرندل بن ماسك بن المستورد الأسدي -بسكون السين، ويقال بالتحريك- كان يحيى بن معين إذا ذكر نسب مسدد قال: هذه رقية عقرب، قال ابن الأهدل في شرحه للبخاري: نسب مسدد إذا أضيف إليه بسم الله الرحمن الرحيم كانت رقية من العقرب والخمسة الأول بصيغة المفعول والثلاثة الأخيرة أعجمية، وكان مسدد أحد الحفاظ الثقات، وهو ممن تفرد به البخاري دون مسلم، وقال في العبر: مسدد بن مسرهد الحافظ أبو الحسن البصري سمع جويرية ابن أسماء وأبا عوانة وخلقًا، وله مسند في مجلد سمعت بعضه، توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين٣. ٤- مسند أبي بكر بن أبي شيبة، وهو الإمام أحد الأعلام عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، صاحب التصانيف الكبار، سمع من شريك فمن بعده، قال أبو زرعة:

стр. 247

ما رأيت أحفظ منه، وقال أبو عبيد: انتهى علم الحديث إلى أربعة: أبي بكر بن أبي شيبة وهو أسردهم له، وابن معين وهو أجمعهم له، وابن المديني وهو أعلمهم به، وأحمد بن حنبل وهو أفقههم فيه، وقال صالح جزرة: أحفظ من رأيت عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة، وقال نفطويه: لما قدم أبو بكر بن أبي شيبة بغداد في أيام المتوكل حزروا مجلسه بثلاثين ألفًا، قال ابن ناصر الدين: كان ثقة عديم النظير، وخرج له الشيخان، وتوفي سنة خمس وثلاثين ومائتين١. ٥- مسند إسحاق بن راهويه، وهو الإمام عالم المشرق أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي النيسابوري الحافظ، صاحب التصانيف، سمع الداروردي وبقية وطبقتهما وقد سمع من ابن المبارك وهو صغير فترك الرواية عنه لصغره، قال أحمد بن حنبل: لا أعلم بالعراق له نظيرًا وما عبر الجسر مثل إسحاق، وقال محمد بن أسلم: ما أعلم أحدًا كان أخشى لله من إسحاق، ولو كان سفيان حيًّا لاحتاج إلى إسحاق، وقال أحمد بن سلمة: أملى على إسحاق التفسير عن ظهر قلبه، وجاء من غير وجه أن إسحاق كان يحفظ سبعين ألف حديث، قال أبو زرعة: ما رئي أحفظ من إسحاق، وقال ابن الأهدل: ناظر الشافعي في بيع دور مكة، فلما عرف فضله صحبه وصار من أصحابه ﵄، قال في العبر: توفي نيسابور ليلة النصف من شبعان سنة ثمان وثلاثين ومائتين٢. ٦- مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، وقد جمع زوائده على الكتب الستة. الحافظ نور الدين الهيثمي في كتابه غاية المقصد في زوائد المسند، توفي الإمام أحمد سنة إحدى وأربعين ومائتين٣. ٧- مسند ابن أبي عمر العدني، وهو محمد بن يحيى بن أبي عمر أبو عبد الله العدني الحافظ صاحب المسند، روى عن الفضيل بن عياض والداروردي وخلق، وكان عبدًا صالحًا خيرًا، وقال مسلم وغيره: هو حجة صدوق، توفي بمكة سنة ثلاث وأربعين ومائتين٤. ٨- مسند ابن منيع وهو الحافظ الكبير أبو جعفر البغوي الأصم، واسمه أحمد بن منيع صاحب المسند، سمع هشيما وطبقته، وهو جد أبي القاسم البغوي للأمه، وقد خرج له الجماعة لكن البخاري بواسطة واحد، وكان أحد الثقات المشهورين، توفي سنة أربع وأربعين ومائتين٥. ٩- مسند عبد بن حميد، وهو الحافظ أبو محمد عبد بن حميد الكشي٦ صاحب المسند والتفسير، واسمه عبد الحميد فخفف، سمع يزيد بن هارون وابن أبي فديك وطبقتهما، وكان ثقة ثبتًا، توفي سنة تسع وأربعين ومائتين٧.

стр. 248

١٠- سنن ابن ماجه، الإمام السابق ذكره، وصاحب أحد الكتب الستة المشهورة وصاحب التفسير والتاريخ، ذكره صاحب الشذارت فقال: إنه أحد أعلام الإسلام، حافظ ثقة كبير، ونقل أن كتابه السنن لم يحتو على ثلاثين حديثًا في إسنادها ضعف، قاله ابن ناصر الدين، وذكر أنه سمع أبا بكر بن أبي شيبة ويزيد بن عبد الله اليماني وهذه الطبقة، وأنه ارتحل إلى العراق والبصرة والكوفة وبغداد ومكة والشام ومصر والري ليكتب الحديث، وقد شرح زوائده على الخمسة سراج الدين عمر بن علي بن الملقن الشافعي المتوفى سنة ٨٠٤هـ كما ذكره صاحب كشف الظنون١. وقد أخذت زوائد سننه على الكتب الخمسة السابقة عليها على طريقة من لا يعتبر سنن ابن ماجه من الكتب الستة المعتمدة، وقد اختلف الناس في ذلك، فإن هناك طرقًا عديدة للمحدثين في تحديد الكتب الستة المعتبرة، وأشهر هذه الطرق اعتبار سنن ابن ماجه من بين هذه الكتب، ومنهم من لا يعتبرها ويقول: إن فيها كثيرًا من الأحاديث الضعيفة ويضع مكانها موطأ الإمام مالك، ومنهم من يرى إضافة مسند الدارمي إلى الخمسة بدلًا من موطأ مالك باعتبار أنه أولى منه لقلة الضعفاء فيه ولعلو أسانيده٢، ونقل الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف في كتابه٣ أن البوصيري نبه في كتابه مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه على غالبية الأحاديث الضعيفة فيما انفرد به ابن ماجه عن الكتب الخمسة، توفي ابن ماجه سنة ثلاث وسبعين ومائتين٤. ١١- مسند الدارمي، وصاحبه هو الإمام أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجزي الحافظ صاحب المسند والتصانيف، روى عن سليمان بن حرب وطبقته، وكان قذى في أعين المبتدعة قيمًا بالسنة ثقة حجة ثبتًا، قال يعقوب بن إسحاق الفروي: ما رأينا أجمع منه، أخذ الفقه عن البويطي، والعربية عن ابن الأعرابي، والحديث عن ابن المديني، طاف الآفاق في طلب الحديث، وصنف المسند الكبير، توفي سنة ثمانين ومائتين للهجرة٥. ١٢- مسند الحارث، وهو الحافظ أبو محمد الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي البغدادي صاحب المسند، سمع علي بن عاصم وعبد الوهاب بن عطاء وطبقتهما، قال الدارقطني: صدوق، وقيل: فيه لين، كان لفقره يأخذ على التحديث أجرًا، وقد جمع الحافظ نور الدين الهيثمي زوائد الحارث بن محمد بن أبي أسامة في كتاب سماه بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث توفي يوم عرفة سنة اثنتين وثمانين ومائتين وله ست وتسعون سنة٦. ١٣- مسند البزار، وصاحبه هو الإمام الحافظ أبو بكر البزار أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري صاحب المسندين الكبير والصغير، روى عن هدبة بن خالد وأقرانه، قال الدارقطني: ثقة يخطئ ويتكل على حفظه، وقال في المغني: أحمد بن عمرو أبو بكر البزار الحافظ صاحب

стр. 249

المسند صدوق، قال أبو أحمد الحاكم: يخطئ في الإسناد والمتن، توفي بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين١. ١٤- نوادر الأصول للحكيم الترمذي، وهو محمد بن علي بن بشر أبي عبد الله الزاهد الحافظ الصوفي، وكان ممن امتحن بسبب تصوفه وتكلم فيه، وله عدة مصنفات في المنقول والمعقول، ومن أنظفها نوادر الأصول، توفي مقتولًا ببلخ سنة خمس وتسعين ومائتين، وقيل غير ذلك٢. ١٥- سنن النسائي، وهو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي الحافظ، وقد شرح زوائده على الأربعة "الصحيحين وأبي داود والترمذي" الشيخ سراج الدين عمر بن الملقن الشافعي المتوفى سنة أربع وثمانمائة، توفي النسائي سنة ثلاث وثلاثمائة٣. ١٦- مسند أبي يعلى الموصلي، وهو أحمد بن علي بن المثنى بن يحيى التميمي الحافظ صاحب المسند، روى عن علي بن الجعد وغسان بن الربيع والكبار، وصنف التصانيف وكان ثقة صالحًا متقنًا، توفي سنة سبع وثلاثمائة وله من العمر تسع وتسعون سنة٤. ١٧- حلية الأولياء لأبي نعيم، وهو عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني الحافظ الجوال الفقيه، قال الحاكم: كان من أئمة المسلمين، سمعت أبا الوليد الفقيه يقول: لم يكن في عصرنا من الفقهاء أحفظ للفقهيات وأقوال الصحابة بخراسان من أبي نعيم، كان يحفظ الموقوفات والمراسيل كلها، وله كتاب الضعفاء في عشرة أجزاء، وقد جمع الحافظ نور الدين الهيثمي زوائد الحلية في كتاب، توفي أبو نعيم سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة٥. ١٨- صحيح ابن حبان، وهو الإمام أبو حاتم محمد بن حبان البستي المتوفى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة للهجرة، وقد جمع زوائده الحافظ نور الدين الهيثمي على الصحيحين في ملجد سماه موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان٦. ١٩- معاجم الطبراني الثلاثة، وصاحبها الحافظ العلم مسند العصر الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي، كان ثقة صدوقًا واسع الحفظ، بصيرًا بالعلل والرجال والأبواب، كثير التصانيف، وأول سماعه بطبرية المنسوب إليها سنة ثلاث وسبعين ومائتين، ورحل أولًا إلى القدس، ثم إلى قيسارية فسمع من أصحاب محمد بن يوسف الفريابي، ثم رحل إلى حمص وجبلة ومدائن الشام، وحج ودخل اليمن، ورد إلى مصر، ثم رحل إلى العراق وأصبهان

стр. 250

وفارس، روى عن أبي زرعة الدمشقي وإسحاق الديري وطبقتهما كالنسائي، وعنه من شيوخه أبو خليفة الجمحي وابن عقدة وأبو نعيم الحافظ وأبو الحسين قادشاه وغيرهم. قال ابن خلكان: وله المصنفات الممتعة النافعة الغريبة منها المعاجم الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير وهو أشهر كتبه، وقال ابن ناصر الدين: هو مسند الآفاق ثقة، له المعاجم الثلاثة المنسوبة إليه، توفي سنة ستين وثلاثمائة وله من العمر مائة سنة وعشرة أشهر١. ٢٠- سنن الدارقطني، وهو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي الإمام الحافظ الكبير شيخ الإسلام، كان يدعى أمير المؤمنين في الحديث، روى عن البغوي وطبقته، ويقول الخطيب فيه: كان فريد عصره وقريع دهره، ونسيج وحده وإمام وقته، وقال الحاكم: صار أوحد أهل دهره في الحفظ والفهم والورع، واشتهر أنه لم يخلف على أديم الأرض مثله، توفي ببغداد سنة خمس وثمانين وثلاثمائة٢، وزوائد كتابه في مجلد لقاسم بن قطلوبغا الحنفي. ٢١- فوائد تمام، وهو ثلاثون جزءًا، ومؤلفه هو تمام بن محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي ثم الدمشقي من مشاهير حفاظ الحديث. قال ابن العماد في الشذرات نقلًا عن الكتاني: لم أر أحفظ منه في حديث الشاميين، وقال أبو علي الأهوازي: ما رأيت مثله في معناه، وقال أبو بكر الحداد: ما رأينا مثل تمام في الحفظ والخير وقد جمع الإمام الحافظ نور الدين الهيثمي زوائد فوائد تمام في كتاب وتوفي تمام سنة أربع عشرة وأربعمائة٣. ٢٢- سنن البيهقي، وهو الحافظ العلامة شيخ خراسان أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي صاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها، صنف زهاء ألف جزء منها السنن الكبرى، والسنن الصغرى، والمعارف، والأسماء والصفات، ودلائل النبوة، وفضائل الصحابة، وارتحل إلى بغداد والحجاز، توفي بنيسابور سنة ثمان وخمسين وأربعمائة هـ. والزوائد التي أخذت منه على الكتب الستة ألفها شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري الشافعي المتوفى سنة أربعين وثمانمائة هـ، وسماها فوائد المنتقى لزوائد البيهقي، ولشعب الإيمان للبيهقي أيضًا زوائد ألفها السيوطي في مجلد. ٢٣- مسند الفردوس، ومؤلفه هو الحافظ أبو شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه الهمذاني، صاحب كتاب الفردوس وتاريخ همذان، قال ابن العماد في الشذرات نقلًا عن الذهبي: إن غيره أتقن منه، وشهد له ابن الصلاح بأنه محدث واسع الرحلة، حسن الخَلْق والخُلُق ذكي صلب في السنة، ولد سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وتوفي في رجب سنة تسع وخمسمائة٤.
следующие страницы →