ومن أجل ذلك صارت هذه الكتب أهم مراجع الإسلام ومآخذه، واتجه المؤلفون في الزوائد إلى اعتبارها أصولًا يضيفون إليها ما يرون أنه صالح للإضافة من المسانيد الأخرى أو السنن، حتى يظل الناس عاكفين على الكتب الستة التي تلقتها الأمة بالقبول، ولا يشغلهم غيرهم عنها.
ب- وأما المزيد مه فنعني به غير الأصول من كتب السنة الأخرى من المعاجم والسنن والمسانيد الأخرى غير مسند أحمد، والتي أفرزت منها الزيادات واعتبرت كالتكملة لتلك الأصول المزيد عليها، وهذه الكتب التي أخذت منها الزيادات هي:
١- مسند الطيالسي، وهو الإمام أبو داود الطيالسي، واسمه سليمان بن داود البصري الحافظ صاحب المسند، كان يسرد من حفظه ثلاثين ألف حديث.
وقد نقل صاحب الرسالة المستطرفة عن بعضهم أن مسند الطيالسي هو أول مصنف من نوعه في هذا الباب، ونوقش بما لا ينهض دليلًا على خلاف ذلك، قال الفلاس: ما رأيت أحفظ منه، وقال عبد الرحمن بن مهدي: هو أصدق الناس، قال في العبر: قلت: كتب عن ألف شيخ منهم أبو عون وطبقته، قال عمر بن شيبة: كتبوا عن أبي داود من حفظه أربعين ألف حديث، توفي سنة أربع ومائتين١.
٢- مسند أبي بكر الحميدي، وهو عالم أهل مكة الحافظ أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الحميدي، روى عن فضيل بن عياض وطبقته، وكان إمامًا حجة، قال أحمد بن حنبل: الحميدي والشافعي وابن راهويه كان كل منهم إمامًا، أو كلاما هذا معناه، وصحب الحميدي الشافعي ووالاه بعد أن كان نافرًا عنه، وصحبه في رحلته إلى مصر، قال ابن ناصر الدين: حدث عنه البخاري وغيره من كبار الأئمة، وتوفي سنة تسع عشرة ومائتين٢.
٣- مسند مسدد، وهو مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن مطربل بن أرندل بن سرندل بن عرندل بن ماسك بن المستورد الأسدي -بسكون السين، ويقال بالتحريك- كان يحيى بن معين إذا ذكر نسب مسدد قال: هذه رقية عقرب، قال ابن الأهدل في شرحه للبخاري: نسب مسدد إذا أضيف إليه بسم الله الرحمن الرحيم كانت رقية من العقرب والخمسة الأول بصيغة المفعول والثلاثة الأخيرة أعجمية، وكان مسدد أحد الحفاظ الثقات، وهو ممن تفرد به البخاري دون مسلم، وقال في العبر: مسدد بن مسرهد الحافظ أبو الحسن البصري سمع جويرية ابن أسماء وأبا عوانة وخلقًا، وله مسند في مجلد سمعت بعضه، توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين٣.
٤- مسند أبي بكر بن أبي شيبة، وهو الإمام أحد الأعلام عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، صاحب التصانيف الكبار، سمع من شريك فمن بعده، قال أبو زرعة:
стр. 247
ما رأيت أحفظ منه، وقال أبو عبيد: انتهى علم الحديث إلى أربعة: أبي بكر بن أبي شيبة وهو أسردهم له، وابن معين وهو أجمعهم له، وابن المديني وهو أعلمهم به، وأحمد بن حنبل وهو أفقههم فيه، وقال صالح جزرة: أحفظ من رأيت عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة، وقال نفطويه: لما قدم أبو بكر بن أبي شيبة بغداد في أيام المتوكل حزروا مجلسه بثلاثين ألفًا، قال ابن ناصر الدين: كان ثقة عديم النظير، وخرج له الشيخان، وتوفي سنة خمس وثلاثين ومائتين١.
٥- مسند إسحاق بن راهويه، وهو الإمام عالم المشرق أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي النيسابوري الحافظ، صاحب التصانيف، سمع الداروردي وبقية وطبقتهما وقد سمع من ابن المبارك وهو صغير فترك الرواية عنه لصغره، قال أحمد بن حنبل: لا أعلم بالعراق له نظيرًا وما عبر الجسر مثل إسحاق، وقال محمد بن أسلم: ما أعلم أحدًا كان أخشى لله من إسحاق، ولو كان سفيان حيًّا لاحتاج إلى إسحاق، وقال أحمد بن سلمة: أملى على إسحاق التفسير عن ظهر قلبه، وجاء من غير وجه أن إسحاق كان يحفظ سبعين ألف حديث، قال أبو زرعة: ما رئي أحفظ من إسحاق، وقال ابن الأهدل: ناظر الشافعي في بيع دور مكة، فلما عرف فضله صحبه وصار من أصحابه ﵄، قال في العبر: توفي نيسابور ليلة النصف من شبعان سنة ثمان وثلاثين ومائتين٢.
٦- مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، وقد جمع زوائده على الكتب الستة. الحافظ نور الدين الهيثمي في كتابه غاية المقصد في زوائد المسند، توفي الإمام أحمد سنة إحدى وأربعين ومائتين٣.
٧- مسند ابن أبي عمر العدني، وهو محمد بن يحيى بن أبي عمر أبو عبد الله العدني الحافظ صاحب المسند، روى عن الفضيل بن عياض والداروردي وخلق، وكان عبدًا صالحًا خيرًا، وقال مسلم وغيره: هو حجة صدوق، توفي بمكة سنة ثلاث وأربعين ومائتين٤.
٨- مسند ابن منيع وهو الحافظ الكبير أبو جعفر البغوي الأصم، واسمه أحمد بن منيع صاحب المسند، سمع هشيما وطبقته، وهو جد أبي القاسم البغوي للأمه، وقد خرج له الجماعة لكن البخاري بواسطة واحد، وكان أحد الثقات المشهورين، توفي سنة أربع وأربعين ومائتين٥.
٩- مسند عبد بن حميد، وهو الحافظ أبو محمد عبد بن حميد الكشي٦ صاحب المسند والتفسير، واسمه عبد الحميد فخفف، سمع يزيد بن هارون وابن أبي فديك وطبقتهما، وكان ثقة ثبتًا، توفي سنة تسع وأربعين ومائتين٧.
стр. 248
١٠- سنن ابن ماجه، الإمام السابق ذكره، وصاحب أحد الكتب الستة المشهورة وصاحب التفسير والتاريخ، ذكره صاحب الشذارت فقال: إنه أحد أعلام الإسلام، حافظ ثقة كبير، ونقل أن كتابه السنن لم يحتو على ثلاثين حديثًا في إسنادها ضعف، قاله ابن ناصر الدين، وذكر أنه سمع أبا بكر بن أبي شيبة ويزيد بن عبد الله اليماني وهذه الطبقة، وأنه ارتحل إلى العراق والبصرة والكوفة وبغداد ومكة والشام ومصر والري ليكتب الحديث، وقد شرح زوائده على الخمسة سراج الدين عمر بن علي بن الملقن الشافعي المتوفى سنة ٨٠٤هـ كما ذكره صاحب كشف الظنون١.
وقد أخذت زوائد سننه على الكتب الخمسة السابقة عليها على طريقة من لا يعتبر سنن ابن ماجه من الكتب الستة المعتمدة، وقد اختلف الناس في ذلك، فإن هناك طرقًا عديدة للمحدثين في تحديد الكتب الستة المعتبرة، وأشهر هذه الطرق اعتبار سنن ابن ماجه من بين هذه الكتب، ومنهم من لا يعتبرها ويقول: إن فيها كثيرًا من الأحاديث الضعيفة ويضع مكانها موطأ الإمام مالك، ومنهم من يرى إضافة مسند الدارمي إلى الخمسة بدلًا من موطأ مالك باعتبار أنه أولى منه لقلة الضعفاء فيه ولعلو أسانيده٢، ونقل الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف في كتابه٣ أن البوصيري نبه في كتابه مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه على غالبية الأحاديث الضعيفة فيما انفرد به ابن ماجه عن الكتب الخمسة، توفي ابن ماجه سنة ثلاث وسبعين ومائتين٤.
١١- مسند الدارمي، وصاحبه هو الإمام أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجزي الحافظ صاحب المسند والتصانيف، روى عن سليمان بن حرب وطبقته، وكان قذى في أعين المبتدعة قيمًا بالسنة ثقة حجة ثبتًا، قال يعقوب بن إسحاق الفروي: ما رأينا أجمع منه، أخذ الفقه عن البويطي، والعربية عن ابن الأعرابي، والحديث عن ابن المديني، طاف الآفاق في طلب الحديث، وصنف المسند الكبير، توفي سنة ثمانين ومائتين للهجرة٥.
١٢- مسند الحارث، وهو الحافظ أبو محمد الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي البغدادي صاحب المسند، سمع علي بن عاصم وعبد الوهاب بن عطاء وطبقتهما، قال الدارقطني: صدوق، وقيل: فيه لين، كان لفقره يأخذ على التحديث أجرًا، وقد جمع الحافظ نور الدين الهيثمي زوائد الحارث بن محمد بن أبي أسامة في كتاب سماه بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث توفي يوم عرفة سنة اثنتين وثمانين ومائتين وله ست وتسعون سنة٦.
١٣- مسند البزار، وصاحبه هو الإمام الحافظ أبو بكر البزار أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري صاحب المسندين الكبير والصغير، روى عن هدبة بن خالد وأقرانه، قال الدارقطني: ثقة يخطئ ويتكل على حفظه، وقال في المغني: أحمد بن عمرو أبو بكر البزار الحافظ صاحب
стр. 249
المسند صدوق، قال أبو أحمد الحاكم: يخطئ في الإسناد والمتن، توفي بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين١.
١٤- نوادر الأصول للحكيم الترمذي، وهو محمد بن علي بن بشر أبي عبد الله الزاهد الحافظ الصوفي، وكان ممن امتحن بسبب تصوفه وتكلم فيه، وله عدة مصنفات في المنقول والمعقول، ومن أنظفها نوادر الأصول، توفي مقتولًا ببلخ سنة خمس وتسعين ومائتين، وقيل غير ذلك٢.
١٥- سنن النسائي، وهو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي الحافظ، وقد شرح زوائده على الأربعة "الصحيحين وأبي داود والترمذي" الشيخ سراج الدين عمر بن الملقن الشافعي المتوفى سنة أربع وثمانمائة، توفي النسائي سنة ثلاث وثلاثمائة٣.
١٦- مسند أبي يعلى الموصلي، وهو أحمد بن علي بن المثنى بن يحيى التميمي الحافظ صاحب المسند، روى عن علي بن الجعد وغسان بن الربيع والكبار، وصنف التصانيف وكان ثقة صالحًا متقنًا، توفي سنة سبع وثلاثمائة وله من العمر تسع وتسعون سنة٤.
١٧- حلية الأولياء لأبي نعيم، وهو عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني الحافظ الجوال الفقيه، قال الحاكم: كان من أئمة المسلمين، سمعت أبا الوليد الفقيه يقول: لم يكن في عصرنا من الفقهاء أحفظ للفقهيات وأقوال الصحابة بخراسان من أبي نعيم، كان يحفظ الموقوفات والمراسيل كلها، وله كتاب الضعفاء في عشرة أجزاء، وقد جمع الحافظ نور الدين الهيثمي زوائد الحلية في كتاب، توفي أبو نعيم سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة٥.
١٨- صحيح ابن حبان، وهو الإمام أبو حاتم محمد بن حبان البستي المتوفى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة للهجرة، وقد جمع زوائده الحافظ نور الدين الهيثمي على الصحيحين في ملجد سماه موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان٦.
١٩- معاجم الطبراني الثلاثة، وصاحبها الحافظ العلم مسند العصر الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي، كان ثقة صدوقًا واسع الحفظ، بصيرًا بالعلل والرجال والأبواب، كثير التصانيف، وأول سماعه بطبرية المنسوب إليها سنة ثلاث وسبعين ومائتين، ورحل أولًا إلى القدس، ثم إلى قيسارية فسمع من أصحاب محمد بن يوسف الفريابي، ثم رحل إلى حمص وجبلة ومدائن الشام، وحج ودخل اليمن، ورد إلى مصر، ثم رحل إلى العراق وأصبهان
стр. 250
وفارس، روى عن أبي زرعة الدمشقي وإسحاق الديري وطبقتهما كالنسائي، وعنه من شيوخه أبو خليفة الجمحي وابن عقدة وأبو نعيم الحافظ وأبو الحسين قادشاه وغيرهم.
قال ابن خلكان: وله المصنفات الممتعة النافعة الغريبة منها المعاجم الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير وهو أشهر كتبه، وقال ابن ناصر الدين: هو مسند الآفاق ثقة، له المعاجم الثلاثة المنسوبة إليه، توفي سنة ستين وثلاثمائة وله من العمر مائة سنة وعشرة أشهر١.
٢٠- سنن الدارقطني، وهو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي الإمام الحافظ الكبير شيخ الإسلام، كان يدعى أمير المؤمنين في الحديث، روى عن البغوي وطبقته، ويقول الخطيب فيه: كان فريد عصره وقريع دهره، ونسيج وحده وإمام وقته، وقال الحاكم: صار أوحد أهل دهره في الحفظ والفهم والورع، واشتهر أنه لم يخلف على أديم الأرض مثله، توفي ببغداد سنة خمس وثمانين وثلاثمائة٢، وزوائد كتابه في مجلد لقاسم بن قطلوبغا الحنفي.
٢١- فوائد تمام، وهو ثلاثون جزءًا، ومؤلفه هو تمام بن محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي ثم الدمشقي من مشاهير حفاظ الحديث.
قال ابن العماد في الشذرات نقلًا عن الكتاني: لم أر أحفظ منه في حديث الشاميين، وقال أبو علي الأهوازي: ما رأيت مثله في معناه، وقال أبو بكر الحداد: ما رأينا مثل تمام في الحفظ والخير وقد جمع الإمام الحافظ نور الدين الهيثمي زوائد فوائد تمام في كتاب وتوفي تمام سنة أربع عشرة وأربعمائة٣.
٢٢- سنن البيهقي، وهو الحافظ العلامة شيخ خراسان أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي صاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها، صنف زهاء ألف جزء منها السنن الكبرى، والسنن الصغرى، والمعارف، والأسماء والصفات، ودلائل النبوة، وفضائل الصحابة، وارتحل إلى بغداد والحجاز، توفي بنيسابور سنة ثمان وخمسين وأربعمائة هـ.
والزوائد التي أخذت منه على الكتب الستة ألفها شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري الشافعي المتوفى سنة أربعين وثمانمائة هـ، وسماها فوائد المنتقى لزوائد البيهقي، ولشعب الإيمان للبيهقي أيضًا زوائد ألفها السيوطي في مجلد.
٢٣- مسند الفردوس، ومؤلفه هو الحافظ أبو شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه الهمذاني، صاحب كتاب الفردوس وتاريخ همذان، قال ابن العماد في الشذرات نقلًا عن الذهبي: إن غيره أتقن منه، وشهد له ابن الصلاح بأنه محدث واسع الرحلة، حسن الخَلْق والخُلُق ذكي صلب في السنة، ولد سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وتوفي في رجب سنة تسع وخمسمائة٤.
стр. 251
ومن أسماء الكتب التي تشتمل على بعض الزوائد كتاب تسهيل طريق الوصول إلى الأحاديث الزائدة على جامع الأصول في أربع مجلدات لمحمد بن يعقوب الفيروزآبادي المتوفى سنة تسع وعشرة وثمانمائة هـ، زاد فيه أحاديث على كتاب جامع الأصول لابن الأثير الجزري -ذكره صاحب كشف الظنون ولم يذكر موضوع الكتاب ولا طريقته١.
وهناك عدة مسانيد لم تشتهر شهرة المسانيد المذكورة كمسند المطوعي المتوفى سنة ٢١٣هـ، ومسند أسد بن موسى المعروف بأسد السنة المتوفى سنة ٢١٢هـ، ومسند العبسي عبد الله بن موسى المتوفى سنة ٢١٣هـ، ومسند يحيى بن عبد الحميد الحماني المتوفى سنة ٢٢٨هـ، ومسند أبي خيثمة زهير بن حرب الغساني البغدادي، ومسند أبي جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان المتوفى سنة ٢٩٧هـ، ومسند بقي بن مخلد المتوفى سنة ٢٩٦هـ، ومسند الهيثم بن كليب وغيرهما.
وقد نبه الحافظ ابن حجر العسقلاني إلى بعضها في مقدمة كتابه المطالب العالية حين ذكر أن هناك أشباه كاملة من المسانيد هي التي جمع منها شيخه الهيثمي زوائدها، فلم ير أن يزاحمه عليها، ثم قال: إنه وقف على قطع من عدة مسانيد كمسند الحسن بن سفيان، ومحمد بن هشام السدوسي، ومحمد بن هارون الروياني، والهيثم بن كليب٢. ثم قال: إنه لم يكتب منها شيئًا لعله إذا بيض هذا التصنيف أن يرجع فيتتبع ما فيها من الزوائد ويضيف إلى ذلك الأحاديث المتفرقة التي على فوائد الشيوخ.
ج- وأما فائدة الزيادة، فإنه يبدو لنا أنها تتركز في أمر تقريب السنة وتيسير تداولها، ولا سيما على كثير ممن إنما يمارسون كتبًا محدودة، بل إن كثيرًا من الخاصة يقصرون اتجاهاتهم في كتب السنة على الكتب الستة وما يتصل بها استخراجًا أو اختصارًا أو شرحًا أو ما إلى ذلك، فأما أمثال هذه الزوائد فإنها عازبة عن كثير من الناس حتى الخاصة منهم كما قلنا، وهي مأخوذة من موسوعات عظيمة درس أكثرها في كثير من البلاد الإسلامية والمكتبات الدينية، وإذا كان قد بقي شيء منها فإنه إلى النفاد لعزته وصعوبة الحصول عليه، وأكثره من المخطوطات التي لا يتيسر لكثير من الناس الاطلاع عليها والاستفادة منها، ولعزة الفراغ الذي يمكنهم من السعي إليها في مظانها، ولضن المشرفين على المكتبات بتلك المخطوطات إلا بقيود معينة، وربما كان هناك بعض المطبوعات النادرة ولكنه قليل، كسنن البيهقي، ومسند أحمد، والحلية لأبي نعيم.
стр. 252
فإذا أخذت الزيادات على الكتب الأصلية المتداولة من هذه الكتب الغزيرة الحافلة قربت السنة إلى الناس، ولو أن مثل السيوطي وجه همته إلى جميع هذه الزيادات من مظانها الميسرة له، بدلًا من تفكيره في جمع السنة كلها في جامعه الكبير، الذي اخترمته المنية فحالت دون استكماله، وتركه للمسلمين أوراقًا مبعثرة تستنفد كثيرًا من جهود العلماء في تنقيحها وتصحيحها وترتيبها إذاً لهان الأمر في تقريب السنة كثيرًا على من ينشدون ذلك ويسعون في تحصيله لهم وللأمة الإسلامية قضاء لحق واجب.
ويا حبذا لو تنبه مجمع البحوث الإسلامية إلى تلك الفكرة فجمع هذه الزيادات وهذبها وحقق بها تلك البغية المنشودة للمسلمين في أقطار الأرض.
ولا يستطيع أحد أن ينكر فضل تقريب السنة بجمع هذه الشوارد وإضافتها إلى كتبها المشهورة المتداولة، فإنها أحاديث من كلام النبي ﷺ وأفعاله، لها ما لتلك الأحاديث من أهمية في الاستدلال لشئون الدين، والإغناء عن كثير مما يضطر إليه أئمة المذاهب وأصحاب الفروع حين يعيهم الوصول إلى الأدلة من السنة فيلجئون إلى أدلة أخرى لا يجوز اللجوء إليها شرعًا لو تيسرت لهم الأدلة من الكتاب أو السنة، ولهذا كان كثير من رجال السنة والأثر يستغني بما آتاه الله منها -كالإمام أحمد والبخاري وغيرهما- عن أخذ الفقه على تلك الأساليب التي لجأ إليها كثير من أئمة الفقه وأصحاب الفروع، وإذا كان في كتب الزوائد بعض من الأحاديث الضعيفة أو المنكرة فإنها لا تعدو في ذلك أن يكون شأنها شأن غيرها من كتب السنة المعتبرة التي تحوي بعض تلك الأحاديث ولم يقل أحد إنه يمتنع كتابة الأحاديث الضعيفة أو روايتها ما دام هناك تنبيه إليها، ولا شك أن لها فضلها كاعتبارات أو متابعات أو شواهد ترفع من شأنه وتجعله حسنًا، وترفع من شأن الحسن أحيانًا وتجعله صحيحًا لغيره -كما بين في موضعه من علوم الحديث- وأحيانًا يستدل بها على الأحكام إذا عز الحديث الصحيح، وتقدم على القياس كما عرف من أسلوب الإمام أحمد في الاستدلال.
على أن لأصحاب الزوائد التي أطلعنا عليها دقة عجيبة في تخريج الأحاديث وفحصها، والتنبيه إلى مراتبها ودرجات رجال إسنادها، حتى إنهم كثيرًا ما يقفون من بعضها مواقف سلبية لا يجزمون فيها بحكم كما سنبينه في دراسة كتب الزوائد إن شاء الله.
ولا بد أيضًا أن نشير إلى ما لكتب الزوائد من أثر عظيم في توسيع المدارك الإسلامية، وتوجيه الأذهان إلى بعض النواحي غير المطروقة، والتي ينبغي للمسلمين أن يتعرفوا عليها في إبراز الجوانب المتعددة لصاحب الرسالة ﷺ ، وأسلوبه في جميع شئون حياته، مما يصلح أساسًا لبناء الشخصيات المسلمة، ويرسم لها سبل الحياة السعيدة الموفقة.
ويتصل بهذا -أيضًا- أن توسيع المدارك أمر له خطره في شرح السنة، وتوضيح غوامضها وحل مشكلاتها، فإن السنة تفسر السنة، كما أنها تفسر الكتاب، وتبين كثيرًا من الغوامض والمشكلات
стр. 253
فكلما اتسعت دائرة النظر فيها أمكن الانتفاع بها في ترجيح بعض الأدلة، ورفع ما قد يبدو من تناقض بين بعضها وبعض، وبيان ناسخها ومنسوخها، وفي كتب الزوائد ما يعطي تلك الثمرات العظيمة، ويضيف سنة بعيدة عن المتناول إلى سنة قريبة متداولة، وفي اجتماع هذه بتلك بيان للدين, وكشف لحقائقه بين المسلمين.
وننتقل بعد ذلك إلى دراسة لكل من كتابي الزوائد اللذين عرفا في الأوساط العلمية بعد نشرهما وهما: مجمع الزوائد للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي المصري، المتوفى سنة سبع وثمانمائة للهجرة، والمطالب العالية للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المصري، المتوفى عام اثنين وخمسين وثمانمائة، فإن لكل من هذين الكتابين منهجه في اختيار الزوائد وطريقة عرضها مما يتبين من دراستنا لكل منهما فيما نعرضه على القارئ الكريم.
стр. 254
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد:
للحافظ نور الدين الهيثمي المتوفى سنة ٨٠٧هـ:
ومؤلفه هو الإمام الحافظ علي بن أبي بكر بن سليمان أبي الحسن الهيثمي القاهري١ الشافعي المعروف بالهيثمي، ولد في رجب سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، ونشأ فحفظ القرآن الكريم، ثم صحب الزين العراقي ولم يفارقه سفرًا ولا حضرًا حتى مات، بحيث حج معه جميع حجاته، ورحل معه سائر رحلاته، ورافقه في جميع مسموعه بمصر والقاهرة والحرمين وبيت المقدس وبعلبك وحلب وحماة وغيرها، وربما سمع الزين بقراءته، ولم ينفرد عنه الزين بغير ابن البابا والتقي السبكي، ولم يكن الزين يعتمد في شيء من أموره إلا عليه، حتى إنه أرسله مع ولده ولي الدين أبي زرعة لما ارتحل إلى دمشق، وزوجه ابنته خديحة، ورزق منها عدة أولاد، وكتب الكثير من تصانيف الشيخ، بل قرأ عليه أكثرها، وتخرج به في الحديث، بل دربه في أفراد زوائد كتب المعاجم الثلاثة للطبراني، والمسانيد لأحمد والبزار وأبي يعلى على الكتب الستة، وقد أفرد زوائد صحيح ابن حبان على الصحيحين، ورتب أحاديث الحلية لأبي نعيم على الأبواب، ومات عنه مسودة، فأكمله وبيضه الحافظ ابن حجر، كما رتب أحاديث الغيلانيات والخلعيات وفوائد تمام، والأفراد للدارقطني، وتركه مسودة فأكمله الحافظ ابن حجر، ورتب كلا من ثقات ابن حبان وثقات العجلي على الحروف، وقد أعانه الزين العراقي بكتبه، ثم بالمرور عليها وتحريرها وعمل خطبها ونحو ذلك، وعادت بركة الزين عليه في ذلك وفي غيره، وكان عجبًا في الدين والتقوى والزهد والإقبال على العلم والعبادة وخدمة الشيخ، والمحبة في الحديث وأهله.
نقل ابن العماد في الشذرات٢ عن ابن حجر أنه قال: قرأت عليه الكثير، ومما قرأت عليه بانفراده نحو النصف من مجمع الزوائد له وغير ذلك، توفي ﵀ بالقاهرة ليلة الثلاثاء التاسع عشر من رمضان سنة سبع وثمانمائة للهجرة، ودفن خارج باب البرقوقية.
وهذا الكتاب -كما سبق أن ذكرنا- جمع فيه مؤلفه الزوائد من المسانيد الثلاثة: مسند أحمد ومسند أبي يعلى ومسند البزار، وأضاف إليها المعاجم الثلاثة للطبراني -وقد أشرنا إليها- وهي المعجم الكبير والمعجم الأوسط والمعجم الصغير.
والمسانيد في اصطلاحهم هي الكتب التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حده -صحيحًا كان أو حسنًا أو ضعيفًا- ولكل من أصحاب المسانيد طريقة يختلف بها عن الآخر، فمنهم من يرتبها على حروف المعجم، ومنهم من يرتبها على القبائل، أو على السابقة إلى الإسلام أو الشرف في النسب.
стр. 255
ومعنى المعجم في اصطلاح المحدثين ما تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة أيضًا، أو على ترتيب الشيوخ، أو على ترتيب البلدان، قال في الرسالة المستطرفة١: والغالب في تلك المعاجم أن تكون مرتبة على حروف الهجاء كمعجم الطبراني الكبير المؤلف في أسماء الصحابة على حروف المعجم إلخ.
ولا بد لنا من تصوير كل من هذه المسانيد الثلاثة والمعاجم الثلاثة، التي هي مصدر الزوائد الواردة في كتاب الهيثمي كل على حدة في إيجاز.
١- مسند الإمام أحمد:
وهو -كما وصفه الكتاني-٢ يشتمل على ثمانية عشر مسندًا: أولها مسند العشرة وما معه وفيه زيادات ولده عبد الله، ويسير من زيادات أبي بكر القطيعي الراوي عن عبد الله، وقد اشتهر عند كثير من الناس أن عدة المسند أربعون ألف حديث، وقال ابن المديني: إنه لم يزل يسمع ذلك من الناس حتى قرأه على أبي منصور بن رزيق، وقد صرح بذلك الحافظ شمس الدين محمد بن الحسين في التذكرة فقال: عدة أحاديثه أربعون ألفًا بالمكرر، وقال ابن المنادي: إنه ثلاثون ألفًا، والاعتماد على قوله، وقد انتقاه الإمام من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألف حديث، ولم يدخل فيه إلا ما يحتج به عنده٣.
وكما سبق أن أشرنا جمع الحافظ نور الدين أبو الحسن الهيثمي زوائد مسند أحمد على الكتب الستة في كتاب سماه، غاية المقصد في زوائد المسند.
٢- مسند البزار:
ذكره صاحب الرسالة المستطرفة٤ وقال: إن له مسندين صغيرًا وكبيرًا، والمسند الكبير هو المسمى بالبحر الزخار، بين فيه الصحيح من غيره، وقال العراقي: إنه لم يفعل ذلك إلا قليلًا إلا أنه يتكلم في بعض رواة الحديث ومتابعة غيره عليه، وقد رجعنا إلى الزين العراقي في تعليقاته على مقدمة ابن الصلاح، فوجدناه ذكر ذلك جوابًا عما اعترض به على ابن الصلاح من الحكم على المسانيد بأنها أقل مرتبة من الكتب الخمسة الصحاح؛ لأن مسند البزار يبين فيه الصحيح وغيره فقال العراقي: إن ذلك قليل فيه إلا أنه يتكلم في تفرد بعض رواته ... إلخ، وقد نقلها عنه أيضا في تدريبه تمييزًا لمسند البزار عن غيره٥ سماها البحر الزخار في زوائد مسند البزار في مجلد ضخم.
стр. 256
٣- مسند أبي يعلى:
ذكره صاحب كشف الظنون فقال -نقلًا عن إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الحافظ: قرأت المسانيد كمسند العدني ومسند ابن منيع، فإذا هي كالأنهار ومسند أبي يعلى كالبحر، فيكون مجمع الأنهار١ وقد ذكر الكتاني في الرسالة -كما سبق أن أشرنا- أن للحافظ الهيثمي على مسند أبي يعلى الموصلي زوائد على الكتب الستة في مجلد ضخم إلا أنه -كما قال الحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه المطالب العالية- لم يستوعب مسند أبي يعلى، بل اقتصر فيه على الرواية المختصرة، فترك أشياء من هذا المسند استدركها عليه تلميذه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية.
وأما المعاجم فهي معاجم الطبراني الثلاثة، وقد تحدث عنها صاحب الرسالة المستطرفة فذكرها على النحو الآتي:
١- المعجم الكبير:
وهو المعجم الذي ألفه في أسماء الصحابة على حروف المعجم -عدا مسند أبي هريرة فإنه أفرده في مصنف- ويقال إنه أورد في المعجم الكبير ستين ألف حديث في اثني عشر مجلدًا، وقال فيه ابن دحية: هو أكبر معاجم الدنيا، وإذا أطلق في كلامهم المعجم فهو المراد، وإذا أريد غيره قيد٢.
٢- المعجم الأوسط:
وهو العجم الذي ألفه أسماء شيوخه، وهو قريب من ألفي رجل، حتى إنه روى عمن عاش بعده لسعة روايته وكثرة شيوخه، وأكثره من غرائب حديثهم، قال الذهبي٣: إنه في ست مجلدات كبار على معجم شيوخه، يأتي فيه عن كل شيخ بما له من الغرائب والعجائب، فهو نظير كتاب الأفراد للدارقطني، بين فيه فضيلته وسعة روايته، وكان يقول: هذا الكتاب روحي لأنه تعب عليه، وفيه كل نفيس وعزيز ومنكر.
٣- المعجم الصغير:
وهو الذي يقول الذهبي فيه٤: إنه روى عن كل شيخ له فيه حديثًا واحدًا، وقال صاحب الرسالة المستطرفة:٥ إنه خرج فيه عن ألف شيخ يقتصر فيه غالبًا على حديث واحد عن كل واحد من شيوخه، قيل: وهو عشرون ألف حديث، ذكره غير واحد لكن ذكر المقري في فتح المتعال نقلًا عن كتاب إرشاد المهتدين لمشايخ ابن فهد تقي الدين أن المعجم الصغير للطبراني في مجلد يشتمل على نحو من ألف وخمسمائة حديث بأسانيدها، قال: لأنه
стр. 257
خرج فيه عن ألف شيخ، كل شيخ حديثًا أو حديثين، انتهى وهو التحرير والصواب وخلافة سبق قلم.
هذا ما تيسر لنا من الحديث عن المسانيد الثلاثة والمعاجم الثلاثة التي أفرز منها الحافظ نور الدين الهيثمي زوائدها على الكتب الستة، وأودعها كتابه الكبير: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد.
وقد تحدث المؤلف ﵀ في مقدمة كتابه عن السبب الباعث له على جمع الزوائد في هذا المؤلف فقال: وبعد، فقد كنت جمعت زوائد مسند الإمام أحمد وأبي يعلى الموصلي وأبي بكر البزار ومعاجم الطبراني الثلاثة رضي الله عن مؤلفيها وأرضاهم، كل واحد منها في تصنيف مستقل، ما خلا المعجم الأوسط والصغير فإنهما في تصنيف واحد، فقال لي شيخي أبو الفضل عبد الرحيم بن العراقي ﵁: اجمع التصاينف واحذف أسانيدها لكي يجتمع أحاديث كل باب منها في باب واحد من هذا المؤلف.
ثم ذكر أنه رتب هذه الزوائد على كتب أوردها ليسهل الكشف منه، وهي الكتب والأبواب المعروفة في الجوامع العامة -في الجملة- ولا تختلف عنها كثيرًا، وقال: إنه سماه بتسمية شيخه: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، وتكلم عما فيه من الاصطلاح فقال: إن ما تكلم عليه من الأحاديث من تصحيح أو تضعيف وكان من حديث صحابي واحد ثم ذكر له متنًا بنحوه فإنه يكتفي بالكلام عقيب الحديث الأول إلا أن يكون المتن الثاني أصح من الأول.
بقيت مهمتنا نحن مع هذا الكتاب، وهي بيان ما أضافه إلى المكتبة الحديثية من جديد، وما تركه من أثر في خدمة السنة المحمدية.
ونحن نرى أن هذا الكتاب ثروة ضخمة تركت لنا آلافًا مؤلفة مما لم يرد له ذكر في كتب السنة المتداولة، وأن ناحية بارزة ملموسة فيه، وهي أشياء من غرائب العلم مما ليس بمتداول في كتب السنة الأخرى التي بين أيدنا، حتى إن كثيرًا من الأحاديث الواردة فيه قد يكون لها أصل في كتب السنة المتداولة -وهو نفسه كثيرًا ما يشير إلى تلك الأصول- إلا أن هذه الأحاديث المكررة مع تلك الأصول تذكر في صور تبدو فيها تلك الغرائب، ولا سيما ما يراد منها مع ذكر مناسبة الحديث وسببه.
وناحية عظيمة لا يمكن إغفالها في تلك المناسبة -وهي أنه ليس مجرد تسمية هذه الأحاديث بالزوائد أنها مجرد زوائد على الكتب الستة نقلت من المسانيد إلى هذا الكتاب- وحسبنا ذلك إضافة إليها فهذه الزوائد ليست ليست مجرد نقل لتلك الأحاديث، ولا هي نقل لها على الترتيب الذي كانت قد وردت عليه في تلك المسانيد والمعاجم، ولا على الصفة التي كانت عليها الأحاديث في تلك المراجع فإنه يبدو أنها فيها غير مخرجة ولا مقومة.
وإن القارئ الفاضل يعلم مما أوردنا أن تلك المسانيد والمعاجم ترتب الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو نحو ذلك، مما أشرنا إليه في تصويرنا للمسانيد والمعاجم وطريقتها بعامة،
стр. 258
وفي تصويرنا لمسانيدنا هنا ومعاجمنا بخاصة، ولو كان النقل على ذلك الترتيب الوارد هناك لهان الأمر بعض الشيء، ولكان أقل مجهودًا مما ورد عليه في هذا الوضع الجديد، فقد يكفيه أن يستعرض مسانيد الصحابة أو معاجم الشيوخ، ثم يورد هنا من أحاديثهم ما لم يرد ذكره في المزيد عليه من كتب السنة، ليكون العمل في تلك الزوائد على نسقها ومسايرًا لها، ولكن وراء ذلك مهمة شاقة لا يدركها إلا من زاول دراسة أبواب السنة في جوامعها الأولى وطريقة التبويب فيها.
والمؤلف رحمه الله تعالى قد أشار إلى جانب من ذلك المجهود الضخم في تواضع وأدب حين قال: وقد رتبته على كتب أذكرها لكي يسهل الكشف منه ... إلخ، على أنه ﵀ حين رتبه على الكتب لم يكتف بذكر كتب عامة، وإنما أورد ما أدرجه تحتها من أبواب -أكثر منها جدًّا- بحيث صار كثير من العنوانات يتفق في المعنى مع ما تدل عليه الأحاديث الواردة فيها، بل ربما كان العنوان بنفس لفظ الحديث الوارد، ولم يتأثر في ذلك بما سبق به من قبل إلا في طريقة البخاري وأبي داود ومن سار على نهجهما من ذكر عناوين قد تؤخذ منها الأحكام التي تدل عليها الأحاديث المندرجة تحتها، وهو مجهود قيم كبير يقتنع به كل الاقتناع من تصفح الكتاب بل إنه يدركه لأول وهلة من نظر في فهارس كتبه وأبوابه.
وواضح أن في ذلك التصرف إحياء لتلك المعاجم، وإبراز لتلك النواحي الحديثية المقصودة منها، وهي توضيح معالم الدين، وإظهار ما فيه من أغراض مختلفة عظيمة، وأما تلك المعاجم والمسانيد فهي مجرد اختزان لتلك الأحاديث وحفظ لها، إلى أن يقيض الله لها أمثال هذا الحافظ العظيم، ممن يقف على تلك الخزائن فيخرج مما فيها بأمانة، ويوزعها على من ينتفع بها في أبوابها وعناوينها المختلفة، ويصيب الناس منها ما كتب الله لهم من العلم في يسر وسهولة.
ومن هذا التقرير يتبين لنا مدى ما أسداه المؤلف وأمثاله ﵏ ممن سلك مسلكه في كتب الزوائد، حيث قدموا لنا هذه الزوائد على طريقة الكتب الجوامع التي خلدت بما فيها من التخير للأحاديث، مضافًا إليها ذلك التبويب الموضوعي الذي ينتفع به كل باحث في الدين ودارس للعلم.
ومن أبرز هذه النواحي ما نلمسه في هذا المؤلف مما جاء أثرًا لتجميع الأحاديث المتعددة المراجع في باب واحد، من ظهور كثرة كاثرة من الأحاديث أحيانًا في موضوع واحد كنتيجة لذلك التجميع الموضوعي، فإنها لا بد وأن تترك أثر كبيرًا في نفس القارئ، وتنير أمامه الطريق للانتفاع بها كأدلة ووسائل للمعارف الإسلامية، وأنها تبهر القارئ الذي لو أراد أن يكلف نفسه ويرجع إلى نظائرها في الكتب الأخرى لعرف مقدار الحاجة التي كانت قائمة إلى تجميع هذه الأحاديث، وعدم حرمان الأمة الإسلامية من الانتفاع بها على هذا الوجه العظيم، وأنه لولا هذا التجميع على هذا الوجه لظلت موضوعات كثيرة من فروع الدين وأبوابه شاغرة تتطلب توجيهات إسلامية ترفع عن بعضها كثيرًا من التضارب، كما تزيل كثيرًا من الغموض عن بعضها الآخر.
стр. 259
أضف إلى ذلك أن مؤلف الكتاب كان حريصًا على استيعاب تلك الأحاديث مهما تكرر الحديث الواحد منها، علمًا منه -وهو من أئمة هذا الشأن- أن لتعدد الروايات فوائد عظيمة، منها الانتفاع باختلاف الروايات -بين بعض الألفاظ وبعض تارة، وبالزيادة والنقص تارة- في شرح لغامض، أو بيان لمجمل، أو إيضاح لمبهم، وفيه -في نفس الوقت- تقوية للأحاديث، برفع رتبة الضعيف منها إلى الحسن تارة، والحسن منها إلى الصحيح أخرى، ومن أجل ذلك، فإن المؤلف لا يمل من تكرار الأحاديث تقديرًا لأمانة العلم، وحرصًا على تقديم الفوائد المتعددة من هذا التكرار.
ونبادر هنا فنذكر على سبيل المثال أنه أورد في خطبة حجة الوداع -تحت عنوان الخطب في الحج- ثمانية عشر حديثًا مختلفة الروايات في هذا المقام١.
هذا: وإنه بهذا التصرف قد أراح نفوسًا كثيرة، وأغناها عن البحث عن تلك المعاجم والمسانيد التي نقل منها هذه الزوائد، حيث أصبحت في غير حاجة إلى طلبها والحرص على تحصيلها لأن ما زاد فيها عن الكتب الستة قد أصبح وافيًا على طرف الثمام، وهو مجمع في أبوابه، متضام كل إلف فيه إلى إلفه، بأسلوب بين غثه من سمينه، بل إنه ربما أصلح من شأن الغث بإلحاقه بالسمين بما نشأ من تلك الشواهد والاعتبارات التي كانت نتيجة لذلك التكرير.
فهذه الأصول التي استقي منها المؤلف زوائده فوق أنه يعز الحصول عليها لندرتها أو فقد بعضها الآن، فإنها إذا وجدت يعز الوصول -على الخاصة بله العامة- إلى تجميع أحاديثها تحت عناوينها التي تربط بعضها ببعض، ولئن تم ذلك فإنه يحتاج إلى بيان مرتبة كل حديث منها، وهيهات أن يتم ذلك لغير متخصص ممتاز من أمثال صاحب هذا الكتاب ﵀ وأحسن جزاءه، فقد عني بهذا الأمر عناية زادت من قيمة كتابه، ودلت على تمكنه ورجحانه على غيره ممن حاولوا تلك المحاولة، فأضحى كتابه للدارس مستغنيًا عن أن يبذل فيه مجهود آخر لنعرف ما فيه من مراتب الحديث.
ومما يؤيدنا في اعتبار تلك المسانيد -قبل فرز الزوائد منها- في درجة لا تصلح للتعويل عليها كثيرًا، ولا تصلح مصدرًا لغير المتخصصين من أئمة هذا الشأن أن الإمام العارف الشيخ أحمد شاه المعروف بشاه الدهلوي قال -وهو بصدد إيراد طبقات كتب الحديث: إن هناك طبقة ثالثة -وأورد فيها المسانيد والمصنفات التي صنفت قبل البخاري ومسلم وفي زمانهما وبعدهما- جمعت بين الصحيح والحسن والمعروف والغريب والشاذ والمنكر والخطأ والصواب والثابت والمقلوب، ولم تشتهر بين العلماء ذلك الاشتهار وإن زال عنها اسم النكارة المطلقة، ولم يتداول ما تفردت به الفقهاء "يعني أحاديث الزوائد" ولم يفحص عن صحتها وسقمها المحدثون كثير فحص، ومنه ما لم يخدمه لغوي بشرح غريب، ولا فقيه لتطبيقه بمذاهب السلف، ولا محدث
стр. 260
ببيان مشكله، ولا مؤرخ بذكر أسماء رجاله، فهي باقية على استتارها واختفائها، وخمولها، كمسند أبي يعلى، ومصنف عبد الرزاق، ومصنف عبد بن حميد، والطيالسي، وكتب البيهقي والطحاوي والطبراني، وكان قصدهم جمع ما وجدوه لا تلخيصه وتهذيبه وتقريبه من العمل، ثم ذكر طبقة أخرى وقال: إن مصنفيها جمعوا فيها -بعد قرون متطاولة- ما لم يوجد في الطبقتين الأوليين، وكانت في المجامع والمسانيد المختفية، وكانت على ألسنة من يكتب حديثه المحدثون، ثم قال: إنه من مظنة هذه الأحاديث كتب الخطيب وأبي نعيم ومسند الخوارزمي، وهذه الطبقة مادة كتب الموضوعات، ثم أورد في آخر حديثه فذلكة ذكر فيها أن الطبقة الثالثة لا يباشرها للعمل عليها والقول بها إلا النحارير الجهابذة الذين يحفظون أسماء الرجال وعلل الأحاديث، نعم يؤخذ منها المتابعات والشواهد، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا١.
ولعل في هذا ما يؤيد -إلى حد كبير- رأينا في تلك الزوائد قبل فرزها من مراجعها على يد مثل ذلك الجهبذ النحرير، على يد الإمام الحافظ الهيثمي طيب الله ثراه.
وأما طريقة المؤلف في عرضه لأحاديث الزوائد في هذا الكتاب، فإنه:
أولًا: وكما سبق أن أشرنا سلك فيها الإيراد تحت عنوانات أبواب متعتددة تشملها كتب عامة ضمنها كتابه.
فبدأ بكتاب الإيمان وأورد تحته أبوابًا عديدة في موضوعات منه مثل: باب فيمن شهد ألا إله إلا الله، باب فيما يحرم دم المرء وماله، حتى إذا طال الباب أورد جانبًا منه تحت عنوان: باب منه: دفعًا للسآمة، باب الإسلام يجب ما قبله، باب فيمن مات يؤمن بالله واليوم الآخر وهكذا إلى أن أورد خمسة وثمانين بابًا، كلها تندرج تحت كتاب الإيمان وتدل على فروع مختلفة فيه.
ثم انتقل إلى كتاب العلم، فأورد تحته من الأبواب ما يأتي: باب في طلب العلم، باب منه، باب فضل العالم والمتعلم، باب منه، باب الخير كثير ومن يعمل به قليل، باب حث الشباب على طلب العلم. وهكذا حتى استوعب تحت كتاب العلم عشرة ومائة باب، ثم انتقل إلى كتاب الطهارة، وذكر من أبوابه: بابه الإبعاد عند قضاء الحاجة، باب الارتياد للبول، باب ما نهي عن التخلي فيه، باب فيه وفي أدب الخلاء، باب ما يقول عند الخلاء ... وهكذا حتى استوعب أبوابًا لا تقل عن الباب قبله، ثم انتقل إلى كتاب الصلاة: فأورد فيه عددًا كثيرًا جدًّا من الأبواب وقع بعضها في الجزء الأول، وكثير جدًّا منها في الجزء الثاني، ثم أورد كتاب الجنائز وما يتعلق بالمرض وثوابه وعيادة المريض ونحو ذلك، ثم كتاب الزكاة، وفيه صدقة التطوع، ثم كتاب الصيام ثم كتاب الحج، ثم الأضاحي والصيد والذبائح والوليمة، والعقيقة، وما يتعلق بالمولود، ثم البيوع، ثم الإيمان والنذور، ثم الأحكام، ثم الوصايا، ثم الفرائض، ثم العتق، ثم النكاح
стр. 261
ثم الطلاق، ثم الأطعمة، ثم الأشربة، ثم الطب، ثم اللباس والزينة، ثم الجهاد، ثم المغازي والسير، ثم قتال أهل البغي وأهل الردة، ثم الحدود والديات، ثم التفسير، وفيه ما يتعلق بقراءة القرآن وثوابه، وعلى كم أنزل القرآن من حرف، ثم التعبير، ثم القدر، ثم الفتن، ثم الأدب، ثم البر والصلة، ثم ذكر الأنبياء ﵈، ثم علامات النبوة، ثم المناقب، ثم التوبة، والاستغفار، ثم الأذكار، ثم الأدعية، ثم الزهد وفيه المواعظ، ثم البعث، ثم صفة النار، ثم صفة الجنة.
هذه الكتب التي ضمها مجمع الزوائد، والتي يشتمل كل كتاب منها على مجموعة كبيرة جدًّا من الأبواب، وتحت كل باب منها عدد من الأحاديث يقل أو يكثر بحسب ما ورد في الأسانيد والمعاجم متصلًا بتلك الأبواب، وهي في كثير من أمرها تزيد زيادة لا تخطر بالأذهان، حتى إن الباب الواحد قد يصل عدد الأحاديث فيه إلى قرابة أربعين حديثًا، ومن ذلك باب في الأذكار المندرج تحت كتاب الأذكار في الجزء العاشر من الكتاب١، وهو ما يصور مقدار الثروة الحديثية التي ضمها هذا الكتاب من أحاديث الزوائد، وبين أنه موسوعة إسلامية كبيرة ورائعة.
ثانيًا: التزم المؤلف تخريج كل حديث أورده، فيذكر من خرجه من أصحاب تلك المعاجم والمسانيد ويعزوه إليها، مع تجريده من السند كما أمره شيخه العراقي، ويتبعه بعد ذلك بتقويم الحديث، فيصفه بالصحة أو الحسن أو الضعف، ويتكلم في رجاله بالتوثيق أو التوهين أو الإنكار أو الكذب أو الترك، وله في ذلك دقة ملموسة عجيبة، تجعله موضع ثقة لا يلتمس قارئه التعقيب عليه إلا في بعض رجال يريد أن يبرئ ذمته من الحكم عليهم فيقول: إنه لم يسم، أو إنه لم يجد من ترجمه، أو ما يشبه ذلك، وإليك صورًا قليلة تدل على ما وراءها، وتصور للقارئ هذا الإمام في تقويم الأحاديث وبيان مرتبتها في القبول أو عدمه:
١- قال في الحديث الأول: رواه أحمد والطبراني في الأوسط باختصار، وأبو يعلى بتمامه، والبزار بنحوه، وفيه رجل لم يسم ولكن الزهري وثقه وأبهمه٢.
٢- وفي الحديث الثاني قال: رواه أبو يعلى، وفي إسناده كوثر وهو متروك٣.
٣- وفي الحديث الثالث قال: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح إلا أنه أبا وائل لم يسمعه من أبي بكر٤.
стр. 262
٤- وعن الحديث الرابع قال: رواه أبو يعلى، وفي إسناده سويد بن عبد العزيز، وهو متروك.
٥- وفي الحديث الخامس، بادر المؤلف إلى ذكر الحكم على هذا الحديث في مسند ابن ماجه، وقال: إن رجاله ثقات، ثم أضافه إلى مسنده وهو مسند أحمد، ولم يذكر درجة أحمد، ولعله -وقد أطمأن إلى ثقة رجاله في مسند ابن ماجه ولم يتبين درجة الحديث في مسند أحمد- قد اكتفى بهذا القدر.
٦- وفي الحديث السادس قال: رواه أحمد والطبراني في الكبير، ومداره على سعيد ابن عباس متصلًا، وهذا يرجح أن روايته عن سهيل بن بيضاء غير موثوق بها.
٧- وقال في الحديث السابع: رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات.
٨- ثم قال في الحديث الثامن: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط، وإسناد أحمد أصح، وفيه ابن لهيعة، وقد احتج به غير واحد.
وهذه الجملة الأخيرة كالاستدراك؛ لدفع ما قد يرد عليه في الحكم بصحة إسناد أحمد، لما يتردد من أن ابن لهيعة ضعيف عند المحدثين.
٩- وقال في الحديث التاسع: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، إلا أن أبا صالح لم يسمع من معاذ بن جبل.
١٠- وفي الحديث العاشر قال: رواه أحمد والبزار، وفيه انقطاع بين شهر ومعاذ، وإسماعيل بن عياش روايته عن أهل الحجاز ضعيفة، وهذا منها.
ولعلك ترى في تخريج تلك الأحاديث دقة ملموسة تظهر أكثر وضوحًا لمن تتبع أحاديث الكتاب أكثر مما ذكرنا، ولكننا نكتفي بهذا القدر لننتقل إلى مثله من آخره، حتى يتبين أن مسلك المؤلف لم يختلف في آخر الكتاب عنه في أوله، وأن ذلك خلق فيه لا يتغير.
وإليك عشرة أحاديث أخرى من أواخر الكتاب:
١- جاء في كتاب التوبة١ حديث لأبي هريرة قال في تخريجه: رواه أحمد وفيه بقية، وهو ضعيف، والحديث التالي له قومه بمثل ذلك.
٢- وقال في الحديث الثالث من هذا الباب: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح، غير هارون بن موسى الفروي وهو ثقة.
وهنا تجلت أمانته في أن رجال سند هذا الحديث من رجال الصحيح، غير أن فيه هارون بن موسى الفروي وليس من شيوخ البخاري، وهذا لا يمنع من قبول حديثه لأن رجال التعديل حكموا بأنه ثقة.
стр. 263
٣- وفي الحديث الرابع من هذا الباب قال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن سعيد المقبري وهو ضعيف.
٤- وفي باب ما يحتقر من الذنوب١ خرج حديث عبد الله بن مسعود فقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط، ورجالهما رجال الصحيح غير عمران بن داور القطان٢. وقد وثق.
٥- وفي الحديث الذي يليه قال: رواه أبو يعلى، وفيه إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو ضعيف.
٦- وفي الحديث الذي يليه، وهو من رواية ابن مسعود أيضًا قال فيه: رواه الطبراني موقوفًا بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح.
٧- وفي حديث سهل بن سعد الذي بعده في نفس الباب قال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني في الثلاثة من طريقين، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير عبد الوهاب بن عبد الحكم، وهو ثقة.
٨- وفي الحديث الذي بعده من رواية سعد بن جنادة، قال: رواه الطبراني، وفيه نفيع أبو داود، وهو ضعيف.
٩- وقال في حديث أبي سعيد الخدري الذي يليه في نفس الباب: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
١٠- وفي حديث عبادة بن قرض -أو قرظ-٣ التالي لما سبقه قال: رواه أحمد وقال: عبادة، والطبراني وقال: عباد، والله أعلم، وبعض أسانيد أحمد والطبراني رجاله رجال الصحيح.
وبعد هذه التخريجات العشرين التي أوردناها من موضعين: من أول الكتاب وآخره، نترك للقارئ الحكم على أمانة الرجل ودقته التي تجعل كتابه هذا موضع اعتبار وحرص على الأخذ به والإفادة منه جهد الاستطاعة.
ولو أننا تعمقنا بذكر أمثلة تدل على تصرفات المؤلف في تخريج الأحاديث في أجزاء الكتاب المتفرقة لطال المجال في ذلك، ولكنا نورد بعضًا مما يدل على صبر الرجل في تحقيق العلم وإفادته للقراء كما انتهى إليه بحثه.
فقد ذكر في باب فضل الوضوء في تخريج حديث رواه أبو أمامة٤ أن الطبراني رواه في الكبير، وفيه لقيط أبو المساور روى عن أبي أمامة، وروى عنه الحريري وفيه قرة بن خالد،
стр. 264
وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ ويخالف، ثم ذكر هذا الحديث برواية أخرى وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير، والأوسط بنحوه، وقال فيه: من بات طاهرًا على ذكر الله بدلًا من $"ما من مسلم يبيت على طهر ثم يتعرى من الليل فيذكر الله" ثم قال: وإسناده حسن قلت: ويأتي حديث ابن عمر من يبيت على طهارة بعد هذا، ثم ذكر حديثًا في المعنى وقال: رواه الطبراني ورجاله موثقون، وله طريق رواها أحمد ذكرتها في الخصائص في علامات النبوة.
وفي نفس الباب ذكر في تخريج حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه١ قال: ما أدري ذكره النبي ﷺ أزواجًا أو أفرادًا. ثم قال في آخره: رواه الطبراني في الكبير ورواه بإسناد آخر فقال: عن ثعلبة بن عمارة، وقال: هكذا رواه إسحاق الديري عن عبد الرزاق ووهم في اسمه، والصواب ثعلبة بن عباد، ورجاله موثقون.
وهكذا نرى أن تحقيقاته وتعمقاته في الرجال والأسانيد -مع تجريده منها امتثالًا لأمر شيخه- قد احتلت كثيرًا من أمكنة الباب، وذلك لأنه لم يستسغ أن يترك ما هو محل الفائدة الكبرى في نظر الأئمة من المحدثين، وهو تعرف درجة الحديث، والتنبيه عليها بكل أمانة ودقة.
ثالثًا: يكثر من الأحاديث -في أغلب الأحيان- بما يبلغ العجب من القارئ، وقد أشرنا إلى ذلك في النظرة العامة للكتاب، والوصف الإجمالي له.
وقد يكون مرجع الكثرة اختلاف الصحابة الرواة، أو اختلاف لفظ من ألفاظ الحديث بما يرادفها أو يقاربها في المعنى، أو بالزيادة في أحد الحديثين ونقص في الآخر.
ومهما يكن من أمر فإن الدعامة والعمدة عنده هو أمانة النقل، والتقييد بما ورد في المعاجم والمسانيد التي يأخذ منها، فإن هذه الأحاديث قد تكررت لنفس الأسباب التي أوردناها، أو لتكرر الحديث في بعضها وحده، أو في بعضها مع البعض الآخر، مع اختلاف الراوي أو اختلاف بعض الألفاظ.
ومما يوضح ذلك أن كتاب الإيمان ورد في أول هذه الزوائد، وهو كتاب واسع -كما سبق أن أشرنا- أورد فيه خمسة وثمانين بابًا، وإذا أردنا إحصاء أحاديث الباب الأول منها وموضوعه: "من شهد ألا إله إلا الله" وجدنا عدد الأحاديث التي وردت فيه ستة وثلاثين حديثًا.
والباب الذي بعده وموضوعه: "ما يحرم دم المرء وماله"٢ نجد عدد أحاديثه بمقتضى الإحصاء عشرين حديثًا.
القدر الوارد من الأحاديث لهذين الموضوعين كثير جدًّا بالنسبة لهما، ولا يكاد يتوفر القليل منه في الصحاح الأخرى من الكتب المتداولة، وهذه ناحية جليلة من نواحي الفائدة في الكتاب.
стр. 265
ومن بين أبواب كتاب الصلاة باب جامع فيما يصلي قبل الصلاة وبعدها١، كأنه أجمل فيه ما فصله في غيره من الأبواب، وقد ذكر فيه عشرة أحاديث في بعضها طول زائد، وهو عبارة عن كتاب كتبه أبو عبيدة بن عبد الله يحيى بن كثير، يخبره فيه عن عدي بن مسعود بما أخذه عن النبي ﷺ من التحيات والأدعية في بضع الصلوات، وما يدعو به بعد الفراغ منها، وما ينبغي أن يكون عليه العبد من ضراعة وإخلاص عند الدعاء، وما يتصل بذلك من صلاة الضحى وغيرها.
ثم أورد بعد ذلك بابًا في صلاة الضحى٢، ذكر فيه خمسة وثلاثين حديثًا في هذه الصلاة التي لم تخل من خلاف بين بعض الصحابة وبعض في فعلها أو تركها مطلقًا أو في أوقات معينة، والإثبات مقدم إذا صح الحديث.
وفي باب فرض الزكاة من كتاب الزكاة٣، أورد المؤلف قرابة ثلاثين حديثًا فيما عدا الأبواب الأخرى التي بلغت خمسة وسبعين بابًا من كتاب الزكاة.
وفي كتاب الأطعمة باب الحمر الأهلية٤ أورد المؤلف في هذا الباب وحده ستة عشر حديثًا وفي باب ما جاء في الخمر ومن يشربها أورد اثنين وثلاثين حديثًا فيها كثير من المطولات.
ولعل في هذا القدر ما يصور هذه الكثرة من تلك الثروة التي سبق أن أشرنا إليها في الإلمامة الإجمالية أول حديثنا عن هذا الكتاب.
رابعًا: يورد كثيرًا من غرائب العلم، ونعني بها تلك المعاني غير المتعارفة في الثقافات المستمدة من كتب السنة المتداولة، مثل كون أهل اليمامة أحذق شيء بأخلاط الطين، فيما ورد عن طلق بن علي٥ قال: أتيت النبي ﷺ وهو يؤسس مسجد المدينة، فجعلت أحمل الحجارة كما يحملون، فقال النبي ﷺ : "إنكم يا أهل اليمامة أحذق شيء بأخلاط الطين، فاخلط لنا الطين ... " الحديث، وهو من رواية الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن جابر اليمامي، وضعفه أحمد وغيره، واختلف في الاحتجاج به.
ومثل كون صاحب القلم يكون يوم القيامة في تابوت من نار مقفل عليه٦ في حديث عطاء، قال: كنت عند ابن عباس فجاء رجل فقال: يا أبا عباس ما تقول في؟ قال: وما عسى أن أقول فيك: فقال: إني عامل بقلمي، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى بصاحب القلم يوم القيامة في تابوت من نار مقفل عليه بأقفال من نار، فإن كان أجراه في طاعة الله ورضوانه فك عنه التابوت، وإن كان أجراه في معصية الله هُوِي به في التابوت سبعين خريفًا حتى بارى القلم ولايق الدواة" رواه الطبراني في الأوسط والكبير
стр. 266
وفيه أبو أيوب الجيزي عن إسماعيل بن عياش، والظاهر أن آفة هذا الحديث هو الجيزي؛ لأن الطبراني قال في الأوسط: تفرد به الجيزي.
ومثله كون أحب صلاة إلى الله المرأة إذا كانت في أظلم مكان في بيتها، وذلك في حديث ابن مسعود١ قال: "ما صلت امرأة من صلاة أحب إلى الله من أشد مكان في بيتها ظلمة" رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون.
ومثله كون المرأة كانت في بني إسرائيل تلبس القالبين في الصلاة تطول بهما لخليلها، وذلك في حديث عن عبد الله بن مسعود٢ قال: "كان الرجال والنساء من بني إسرائيل يصلون جميعًا، فكانت المرأة إذا كان لها خليل تلبس القالبين تطول بهما لخليلها، فألقى الله عليهن الحيض ... " الحديث. رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.
ومثله كون النبي ﷺ أعطى قتادة عرجونا ليضرب به الشيطان فأضاء العرجون مثل الشمعة، وذلك في حديث قتادة٣: أنه كان في ليلة شديدة الظلمة والمطر فقال: لو أني اغتنمت الليلة شهود العتمة مع النبي ﷺ : فلما انصرف النبي ﷺ أبصرني ومعه عرجون يمشي عليه ... إلى أن قال: فأعطاني العرجون فقال: "إن الشيطان قد خلفك في أهلك، فأذهب بهذا العرجون فأمسك به" ... إلى أن يقول: فأضاء العرجون مثل الشمعة نورا فاستضأت به، فأتيت أهلي فوجدتهم قد رقدوا، فنظرت في الزاوية فإذا فيها قنفذ، فلم أزل أضربه بالعرجون حتى خرج. رواه الطبراني في الكبير، ثم قال الهيثمي: ويأتي حديث عند أحمد أطول من هذا في الجمعة والساعة التي فيها إن شاء الله، ورجاله موثقون.
ومثله ما جاء في الخبر من أن شيخنا من طيء٤ قال: مر ابن مسعود على مسجد لنا، فتقدم رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب ثم قال: نحج بيت ربنا ونقضي الدين وهو مثل القطوات يهوين. فقال عبد الله: ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق.
والغريب في هذا الخبر أن رجلًا من هؤلاء القوم لا يعرف من القرآن غير الفاتحة يؤم عبد الله بن مسعود، وهو من أعلام الصحابة، ومن أقرئهم لكتاب الله كما شهد له بذلك النبي ﷺ ، ثم يضع موضع الآيات التي تتلى بعد الفاتحة هذا الهراء على أنه قرآن يتلى، ويقول الهيثمي في تقويم هذا الخبر: الرجل الذي حدث عن عبد الله لا يعرفه، وبقية رجاله ثقات.
ومن الغرائب أيضًا حديث أحمد والطبراني٥ عن جابر قال: "مر رسول الله ﷺ على رجل وهو يصلي قد وضع يده اليسرى على اليمنى، فانتزعها ووضع اليمنى على
стр. 267
اليسرى" وقد اعتبرناه من الغرائب لطرافته، ولمبادرة الرسول ﷺ بتصحيح خطأ الرجل وهو في موقفه بين يدي الله ، وقد نص الحافظ على أن رجاله رجال الصحيح.
ومن ذلك أيضًا أن فتية من قريش قد حلوا أزرهم١ فجعلوها مخاريق٢ وهم عراة، وذلك في حديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي: "أنه مر وصاحب له على فتية من قريش قد حلوا أزرهم فجعلوها مخاريق يجتلدون بها وهم عراة. قال عبد الله: فلما مررنا بهم قالوا: إن هؤلاء قسيسون فدعوهم، ثم إن رسول الله ﷺ خرج إليهم فلما أبصروه تبددوا، فرجع رسول الله ﷺ مغضبًا حتى دخل، وكنت وراء الحجرة فسمعته يقول: "سبحان الله، لا من الله استحيوا، ولا من رسوله استتروا"، وأم أيمن عنده تقول: استغفر لهم يا رسول الله، فبلأي ما استغفر لهم، وفي رواية: "فتأبي ما استغفر لهم"، رواه أحمد وأبو يعلى.
ومن ذلك هذه المفاضلة اللطيفة التي فاضل فيها النبي ﷺ بين رجل رفض شفاعته وبين الذي يبخل بالسلام، وذلك حديث جابر: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إن لفلان في خائطي عذقًا٣ وإنه قد آذاني وشق على مكان عذقه، فأرسل إليه رسول الله ﷺ فقال: "بعني عذقك الذي في حائط فلان"، قال: لا، قال: "فهبه لي"، قال: لا، قال: "فبعنيه بعذق في الجنة"، قال: لا، فقال رسول الله ﷺ : "ما رأيت الذي هو أبخل منك إلا الذي يبخل بالسلام" رواه أحمد والبزار، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح٤.
ومن ذلك أن عمرًا أتى النجاشي فوجد من عنده يدخلون مكفرين٥ من خوخة، فلما رأى الخوخة ودخولهم عليه أولاه ظهره، ودخل يمشي القهقرى، فلما دخل منها اعتدل، ففزعت الحبشة وهموا بقتله، قالوا: ما منعك أن تدخل كما دخلنا؟ قال: لا نصنع ذلك بنبينا، فهو أحق أن نصنع ذلك به، فقال النجاشي: اتركوه صدق، رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضر٦.
ومن ذلك أن رجلًا دخل على النبي ﷺ وعنده عائشة، فرعم أنه ينزل له عن خير منها "يريد امرأته" وذلك في حديث جرير: أن عيينة بن حصن دخل على النبي ﷺ وعنده عائشة فقال: من هذه إلى جانبك؟ قال: "عائشة"، قال: يا رسول الله
стр. 268
أفلا أنزل لك عن خيرًا منها "يعني امرأته" فقال النبي ﷺ : "لا"، فقال له النبي ﷺ : "أخرج فاستأذن"، فقال له: إنها يمين علي ألا أستأذن على مضري، وقالت عائشة: من هذا؟ قال: "هذا أحمق متبع". رواه الطبراني عن شيخه علي بن سعيد بن بشير، وهو حافظ رحال قيل فيه: ليس بذاك، وبقية رجاله رجال الصحيح غير يحيى بن محمد بن مطيع وهو ثقة١.
ومن ذلك أن النبي ﷺ دعا يومًا إلى حلب ناقة فتقدم لها بعض الناس ولكن لم يختر إلا صاحب الاسم الحسن، عن يعيش الغفاري قال: دعا رسول الله ﷺ لحلب ناقة يومًا فقال: "من يحلبها؟ " فقال رجل: أنا، فقال له: "ما اسمك؟ " قال: مرة، قال: "اقعد"، ثم قام آخر، فقال: "ما اسمك؟ " قال: مرة قال: "اقعد"، ثم قام آخر، فقال: "ما اسمك؟ " قال: جمرة فقال: "اقعد"، ثم قام يعيش فقال: "ما اسمك؟ " قال: يعيش. قال: "احلبها". رواه الطبراني وإسناده حسن.
وله نظير فيمن يسوق إبل النبي ﷺ ، فيما ورد عن حدرد أن النبي ﷺ قال: "من يسوق إبلنا هذه، أو من يبلغ إبلنا هذه؟ "، فقام رجل فقال: "ما اسمك؟ " قال: فلان: قال: "اجلس"، ثم قام آخر فقال: أنا، فقال: "ما اسمك؟ قال: ناجية. قال: أنت لها فسقها" رواه الطبراني من رواية أحمد بن بشير عن عمر، ولم أر فيها جرحًا ولا تعديلًا وبقية رجاله ثقات٢.
ومن ذلك أنه سمى مولودًا باسمه دون كنيته، ومسح على رأسه فعمر حتى شاب رأسه وما شاب موضع يد رسول الله ﷺ ، حديث محمد بن فضالة "يعني الظفري" قال: قدم رسول الله ﷺ وأنا ابن أسبوعين، فأتى بي إليه فمسح على رأسي وقال: "سموه باسمي ولا تكنوه بكنيتي"، وحج بي معه حجة الوداع وأنا ابن عشر سنين، فلقد عمر محمد حتى شاب رأسه وما شاب موضع يد رسول الله ﷺ . رواه الطبراني وفيه يعقوب بن محمد الزهري وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه جماعة وبقية رجاله ثقات٣.
ومن ذلك أن رجلًا اسمه حرام سمع النبي ﷺ اسمه فغيره إلى حلال، عن رجل من جهينة قال: إن النبي ﷺ سمعه يقول: يا حرام، فقال: "يا حلال". رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
ونظير ذلك ما روي عن عائشة: "أن النبي ﷺ كان إذا سمع اسمًا قبيحًا غيره، فمر على قرية يقال لها: عفرة، فسماها خضرة" رواه الطبراني في الصغير ورجاله رجال الصحيح٤.
стр. 269
ومن ذلك أنه ﷺ كان ينكر على من يلعن الدابة أو البرغوث أو نحو ذلك عن عائشة: أنها كانت١ مع رسول الله ﷺ في سفر فلعنت بعيرًا لها، فأمر النبي ﷺ أن يرد، وقال: "لا يصحبني شيء ملعون". رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، غير عمرو بن مالك البكري وهو ثقة.
وعنها أنها ركبت جملًا فلعنته، فقال لها النبي ﷺ : "لا تركبيه" رواه أحمد وأبو يعلى، ورجاله ثقات إلا أن يحيى بن وثاب لم يسمع من عائشة وإن كان تابعيًّا.
وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ في مسير فلعن رجل ناقة فقال: "أين صاحب الناقة؟ " فقال الرجل: أنا، فقال: "أخرها فقد أجبت فيها". رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
وعن أنس قال: كنا مع رسول الله ﷺ فلدغت رجلًا برغوث فلعنها فقال النبي ﷺ : "لا تعلنها فإنها نبهت نبيًا من الأنبياء لصلاة الصبح". رواه أبو يعلى والبزار.
وعن علي ﵁ قال: نزلنا منزلًا فآذتنا البراغيث فسببناها، فقال ﷺ : "لا تسبوها فنعمت الدابة فإنها أيقظتكم لذكر الله" رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سعد بن طريف وهو متروك.
ومن ذلك بعض المراجعات الطريفة مع بعض أصحابه ﷺ كما جاء عن عقبة بن عامر: أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم٢ فقال: يا رسول الله أحدنا يذنب؟ قال: "يكتب عليه"، قال: ثم يستغفر منه ويتوب؟ قال: "يغفر له ويتاب عليه". قال: فيعود فيذنب؟ قال: "فيكتب عليه"، قال: ثم يستغفر منه ويتوب؟ قال: "يغفر له ويتاب عليه، ولا يمل الله حتى تملوا". رواه الطبراني في الكبير وسنده حسن.
ونظيره عن عائشة قالت: جاء حبيب بن الحارث إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني رجل مقراف٣ قال: "فتب إلى الله يا حبيب"، قال: يا رسول الله إني أتوب ثم أعود، قال: "فكلما أذنبت فتب" قال: يا رسول الله إذًا تكثر ذنوبي، قال: "عفو الله أكبر من ذنوبك يا حبيب بن الحارث"٤ رواه الطبراني في الأوسط وفيه نوح ابن ذكوان وهو ضعيف.
ومن ذلك ما ورد عن عائشة وبعض أصحاب النبي ﷺ : "أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ جلس بين يديه فقال: يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ :
стр. 270
"بحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلًا لك، وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافًا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل الذي بقي قبلك"، فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله ﷺ ويهتف، فقال له رسول الله ﷺ : "ما لك؟ أما تقرأ كتاب الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ " ١ فقال الرجل: يا رسول الله ما أجد شيئًا خيرًا لي من فراق هؤلاء، أشهدك أنهم أحرار كلهم٢. رواه أحمد وفي إسناده الصحابي الذي لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح، وقال الهيثمي: إن حديث عائشة وحده رواه الترمذي٣.
وقريب من هذا في الطرافة والدقة حديث أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت٤: كان النبي ﷺ في بيتي وكان بيده سواك فدعا وصيفة له -أو لها- حتى استبان الغضب في وجهه، فخرجت أم سلمة إلى الحجرات فوجدت الوصيفة وهي تلعب ببهمة٥ فقالت: ألا أراك تلعبين بهذه البهمة ورسول الله ﷺ يدعوك قالت: والذي بعثك بالحق ما سمعتك، فقال ﷺ : "لولا خشية القود لأوجعتك بهذا السواك"، وفي رواية "لولا القصاص لضربتك بهذا السواك"، وفي أخرى: "لولا مخافة القصاص لأوجعتك بهذا السوط" روى هذا كله أبو يعلى والطبراني بنحوه.
ومن ذلك ما يجمع إلى غرابة اللفظ غزارة المعنى، كوصف المؤمن بأنه واه راقع، وبشارة الراقع في آخر حياته بالسعادة، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن واه راقع، فسعيد من هلك على رقعته"٦، رواه الطبراني في الصغير والأوسط والبزار، وفيه سعيد بن خالد القزاعي وهو ضعيف.
ولولا خشية الإطالة لأوردنا كثيرًا جدًّا من هذه الطرائف التي تبدو بارزة واضحة في هذه الزوائد كأنها خصيصة من خصائصها، واستيعاب ما تتطلع إليه النفوس في هذا المقام يخرج عن الغرض المقصود، وإنه لجدير بمؤلف مستقل يضم أطرافه، ويجمع ما تفرق منه.
خامسًا: غير أننا نضيف إلى ذلك ما لفت نظرنا مما ورد في هذا الكتاب من أن النبي ﷺ : "شغل يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأمر بلالًا فأذن وأقام فصلى الظهر، ثم أمره فأذن وأقام ثم صلى العصر، ثم أمره فأذن وأقام ثم صلى المغرب
стр. 271
ثم أمره فأذن وأقام فصلى العشاء" رواه أبو يعلى، وفيه يحيى بن أبي أنيسة، وهو ضعيف عند أهل الحديث، إلا أن ابن عديا قال: وهو مع ضعفه يكتب حديثه.
ومثله حديث لجابر ذكر فيه الأذان مع الإقامة في كل صلاة من هذه الصلوات الأربع، رواه البزار والطبراني في الأوسط، وفيه عبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف.
وقد تتبعت مظان هذا الحديث في كتب أحاديث الاحكام، وفي كتب الفقه المقارن: في كتاب المنتقى لاين تيمية وشرحه نيل الأوطار للشوكاني، وفي بلوغ المرام لابن حجر وشرحه سبل السلام للصنعاني، وفي معاني الآثار وشرحه للطحاوي مع أن الحديث يشهد لمذهبه الحنفي من أن الأذان يكرر للفائتة إذا تعددت، كما رجعنا إلى كتاب المغني والشرح الكبير لابن قدامة، فلم نعثر على هذا الحديث في مظانه من أبواب الفقه وأحاديث الأحكام ولو على سبيل الاستدلال لمن يخالف الجمهور من الحنيفية، الذين يستدلون لمذهبهم بالقياس على الأذان لها فيقولون: يؤذن لكل صلاة ويقيم؛ لأن ما سن للصلاة في أدائها سن في قضائها كسائر المسنونات١.
فلو أن الطحاوي هدي إلى هذا الحديث لاستدل به لنصرة مذهبه، ولكان فرصة له في تدعيم هذا المذهب الذي يحرص على الانتصار له.
سادسا: يتخير المؤلف كثيرا من عناوين الأبواب فيما ينتفع به طلاب الحديث، ويوجههم إلى كثير مما يخصهم ترغيبا وترهيبا، وهي ناحية بارزة فيما يناسبها من الكتاب.
ومن ذلك العناوين الآتية٢:
باب وصية أهل العلم، باب في طالب العلم وإظهار البشر له، باب الرحلة في طلب العلم، باب أخذ كل علم من أهله، باب كتابة الصلاة على النبي ﷺ لمن ذكره أو ذكر عنده، باب سماع الحديث وتبليغه، باب أخذ الحديث من الثقات، باب الاحتراز في رواية الحديث، باب فيمن كذب على رسول الله ﷺ ، باب فمن كذَّب بما صح من الحديث، باب الكلام في الرواة، باب الإمساك عن بعض الحديث، باب معرفة أهل الحديث بصحيحه وضعيفه، باب طلب الإسناد ممن أرسل، باب عرض الكتاب بعد إملائه، باب عرض الكتاب على من أمر به.
هذا وإن في اختيار أحاديث هذه الأبواب وأمثالها من المسانيد والمعاجم المرتبة على أسماء الرواة وهي مفرقة في ثنايا هذه المعاجم وتلك المسانيد لأمر عسير على غير من أوتي فطانة ودقة في هذا الفن، وتوفيقا من الله .
وقد كان معهودا للمؤلفين في الجوامع أن يوردوا موضوع العلم بصفة عامة في مثل ما أورده الحافظ الهيثمي في كتابه، لكن العجب كل العجب في تخير هذه الأحاديث، وإعطائها صبغة خاصة بما
стр. 272
أورده من عناوين تكاد تكون من خصائص توجيه أهل الفن إلى ما يلزم اتباعه في المسالك الخاصة بدراسة الحديث وطلبه:
سابعا: يورد المؤلف عناوين متضاربة أحيانا ويورد أحيانا أخرى أحاديث متضاربة تحت عنوان واحد:
فمن الأول: قوله: باب ما يقطع الصلاة١، وهو يختلف مع عنوان آخر بعده بقليل: لا يقطع الصلاة شيء٢، وكذلك قوله: باب إمامة الفاسق٣ المشعر بعدم جوازها وقد دل على ذلك صريحا ما ورد من خبر تحت هذا العنوان، وبعده مباشرة: الصلاة خلف كل إمام٤ المشعر بجواز إمامة الفاسق، والحديث الذي أورده تحته يدل على هذا صراحة أيضا.
ومنه أيضا: باب فيمن يأمر بالمعروف ولا يفعله٥، وفيه وعيد شديد على ذلك، وبعده باب: مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به، وهو مختلف مع ما قبله في عنوانه وفي دلالة أحاديثه٦.
وبهذه المناسبة نورد أننا لاحظنا في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر٧ زيادة على ما فيه من تكرار واضح في العناوين مثل: باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيمن لا تأخذه في الله لومة لائم، وهو مكرر مع العنوان الاول الذي كأنه رئيسي في موضوعه ومع عنوان آخر في نفس اللفظ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر٨ فإننا نلاحظ فيه تضاربا آخر بين الأبواب بعضها مع بعض، وبين الأحاديث كذلك.
ومن الثاني: ما أورده في موضوع أذان الأعمى٩: فقد ذكر حديثا يدل على كراهته، ثم ذكر بعده حديثا يدل على إباحته، والأول هو حديث ابن مسعود: "ما أحب أن يكون مؤذنوكم عميانكم" والثاني حديث زيد بن ثابت وفيه: "كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" ومن الواضح أن ابن أم مكتوم كان أعمى.
ومن ذلك ما ورد في باب تلقين الإمام١٠: فإن فيه ما يدل على منعه، وما يدل على طلبه، والأول هو حديث ابن مسعود: "إذا تعايا الإمام فلا تردن عليه" والثاني حديث أبي بن كعب: إن النبي ﷺ صلى فأسقط بعض سورة، فذكَّره أبي بعد الصلاة فقال: "أفلا لقنتنيها؟ " وفي حديث آخر: "أن النبي ﷺ تردد في صلاة الفجر في آية، فلما قضى الصلاة سأل عن أبي بن كعب، فرأى القوم أنه إنما سأل عنه ليفتح عليه" وفي رواية: أن النبي ﷺ صلى صلاة الفجر فالتبس فيها، ثم قال لأبي بن كعب: "ما منعك أن تفتح علي" ومنه أيضا ما ورد
стр. 273
تحت عنوان: باب في الإمام يسيء صلاته١ فإن فيه ما يدل على ترك الصلاة خلف الإمام المسيء كما فعل أنس بن مالك مع عمر بن عبد العزيز، وكما فعل أيوب مع مروان، كما أن فيه ما يدعو إلى الصلاة خلفه، وهو حديث عقبة بن عامر الجهني أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من أم قومًا فإن أتم فله التمام ولهم التمام، وإن لم يتم فلهم التمام وعليه الإثم".
ولعل عذره في إيراد الأحاديث المتضاربة أنه -وشكر الله له- بصدد العناية بجمع الأحاديث ونقلها إلى الأبواب التي تناسبها من المسانيد والمعاجم، وما دام بصدد الجمع فإن عليه أن يعرض الأحاديث، وليس عليه أن يتصرف في شأنها بالتوفيق بين المختلفات، أو الجمع بين المتعارضات، فتلك مهمة الفقهاء ومهمة شراح الحديث، وليس هو -في هذا المقام- واحد منهم، ثم تكون مهمة الدارس أن يبحث ويرجع إلى المظان التي تمارس ذلك، ككتب الفقه وأدلتها، وكتب شروح الأحاديث، وكتب مختلف الأحاديث وما إلى ذلك.
ثامنًا: يحيل القارئ -في بعض الأحيان- على بعض الأحاديث التي ترتبط بالباب الذي هو بصدده ليضيفه القارئ إلى ذلك الباب وينتفع به فيه، كما صنع في باب: فيما يدرك مع الإمام وما فاته٢، فقد ذكر بعض الأحاديث في ذلك، وأحال على بعض ما يتعلق به في باب آخر سبق فقال: وقد تقدمت أحاديث منها في هذا الباب في المشي إلى الصلاة، وهو يريد حديث سعد بن أبي وقاص الذي في آخره: "فصلِّ ما أدركت واقض ما فاتك" ٣ وحديث أنس وفي آخره: "فصلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم" وحديث أبي قتادة: أن النبي ﷺ قال للمسرعين إلى الصلاة: "لا تفعلوا، ليصلِّ أحدكم ما أدرك وليقض ما فاته".
ومن ذلك قوله في باب فضل الوضوء٤ بعد حديث: "ما من مسلم يبيت على طهر ... " إلخ: ويأتي حديث ابن عمر فيمن يبيت على طهارة بعد هذا، وحديث ابن عمر فيمن يبيت على طهارة ورد في باب بهذا العنوان بعده٥ وهو عن النبي ﷺ قال: "من بات طاهرًا بات في شعاره ملك ... " إلخ.
ومنه أيضًا قوله تحت عنوان: باب فعل الخير والإكثار منه في رمضان: قلت: وتأتي أحاديث٦ فيمن يتصدق وهو صائم، أو يعود مريضًا أو يشهد جنازة.
وفي هذا المقام ظاهرة لا تخلو من غرابة، وهي أنه أورد في كتاب الصوم: بابا في فضل الصوم٧ ولم يذكر فيه شيئًا أكثر من قوله: يأتي بعد إن شاء الله، ثم أورد في باب فضل الصوم٨ بعد العنوان مباشرة قوله: وقد تقدم فضل شهر رمضان وفيه بعض فضل الصوم، والواقع أنه
стр. 274
أورد في فضل شهر رمضان١ بعض فضل الصوم -وهو ما يختص بصوم رمضان- في أحاديث تخصه، ثم أورد بعد هذا مباشرة باب فيمن صام إيمانًا واحتسابًا.
ونرى أن في هذه الإحالات المتداخلة مع تكرار الأبواب دون موجب ما لا يخلو عن إيقاع القارئ في بعض الحيرة عند متابعة موضوعات هذا الكتاب، والدوران معه في هذا التكرار وتلك الإحالات.
هذا وربما كان عذره في ذلك أنه اضطلع ﵀ بعبء ثقيل لا يطيقه إلا كثرة من الجماعين والمنظمين، فغفر له وأحسن جزاءه.
تاسعًا: في روايته للأحاديث كثير من الموقوفات على الصحابة رضوان الله عليهم:
فمن ذلك حديث نعيم بن قعنب الرياحي٢، وفي آخره أنه سأله عما فعل من وأد البنات فقال: أفي الجاهلية؟ قال الرجل: نعم. فقال أبو ذر: عفا الله عما سلف.
ومنه حديث ابن مسعود في باب أذان الأعمى٣: "ما أحب أن يكون مؤذنوكم عميانكم" وحديثه أيضًا٤ في باب الصلاة في المحراب: "أن عبد الله كره الصلاة في المحراب وقال: إنما كانت للكنائس فلا تشبهوا بأهل الكتاب".
ومن ذلك ما جاء في باب الصلاة في بقاع المسجد٥ عن مرة الهمذاني أنه قال: حدثت نفسي أن أصلي خلف كل سارية من مسجد الكوفة ... وفي آخر الحديث فقال ابن مسعود: لو يعلم أن الله جل وعز عند أدنى سارية ما جاوزها حتى يقضي صلاته.
ومنه باب كيف الجلوس في المسجد٦ عن ابن مسعود أنه رأى قومًا قد أسندوا ظهورهم إلى قبله المسجد بين أذان الفجر والإقامة فقال: لا تحولوا بين الملائكة وبين صلاتها، وقد قصر الهيثمي هذا الباب على هذا الخبر وحده ولم يزد عليه.
ومن ذلك باب فيمن دخل المسجد لغير صلاة٧ عن أبي عمرو الشيباني قال: كان ابن مسعود يعس في المسجد فلا يجد سوادًا إلا أخرجه إلا رجلًا مصليًا.
ومن ذلك ما جاء في باب كيف المشي إلى الصلاة٨ أن ابن مسعود سعى إلى الصلاة فقيل له، فقال: أو ليس أحق ما سعيتم إليه الصلاة؟ وفيه أنه خرج إلى المسجد فجعل يهرول فقيل له: أتفعل هذا وأنت تنهى عنه؟ قال: إنما أردت حد الصلاة التكبيرة الأولى.
стр. 275
ومن ذلك ما جاء في باب خروج النساء إلى المساجد١ عن ابن مسعود قال: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في حجرتها أفضل من صلاتها في دارها ... " الحديث، وفي الباب عن ابن مسعود: "ما صلت المرأة في موضع خير لها من قعر بيتها إلا أن يكون المسجد الحرام أو مسجد النبي ﷺ ، إلا امرأة تخرج في منقليها -يعني خفيها" وعنه أيضًا: أنه كان يحلف فيبلغ في اليمن: "ما من مصلى للمرأة خير من بيتها إلا في حج أو عمرة إلا امرأة قد يئست من البعولة وهي في منقلبها٢. قيل ما منقلبها؟ قال: امرأة عجوز قد تقارب خطوها" ومنه قال: "ما صلت امرأة من صلاة أحب إلى الله من أشد مكان في بيتها ظلمة" وأمثال ذلك في الكتاب كثير لمن تتبعه.
على أنه ربما يورد بعض المقطوعات، كما في باب من صلى بغير أذان ولا إقامة٣، حيث أورد حديث سفيان أنه بلغه عن بعض الصحابة أنهم صلوا بغير أذان ولا إقامة، فقال: كفتهم إقامة المصر، وقد جاء بها الهيثمي في رواية أخرى عن ابن مسعود في الموضع نفسه أنه قال: إقامة المصر تكفي.
عاشرًا: أنه لا يأبى أن ينقل من تلك المسانيد والمعاجم أحاديث أو آثارًا فيها مطاعن أو مغامز، تنفيذًا لما التزمه من نقل زوائد تلك المسانيد والمعاجم على الأصول، والتنبيه إلى ما فيها من مطاعن أو مغامز، تحقيقًا لأمانة العلم، وتحذيرًا من تلك الأحاديث التي وردت في تلك المعاجم والمسانيد.
فمن ذلك حديث عبد الله بن أوفى: "كان رسول الله ﷺ إذا قال بلال: قد قامت الصلاة نهض فكبر" رواه الطبراني في الكبير من طريق حجاج بن فروخ، وهو ضعيف جدًّا٤، وحديث ابن عباس قال رسول الله ﷺ : "تذهب الأرضون كلها يوم القيامة إلا المساجد" رواه الطبراني في الأوسط، وأصرم بن حوشب كذاب٥، وحديث أنس بن مالك قال رسول الله ﷺ : "ما من صباح ولا رواح إلا وبقاع الأرض كلها ينادي بعضها بعضًا ... " الحديث. رواه الطبراني في الأوسط، وصالح المزي ضعيف٦ وحديث عائشة: "أن النبي ﷺ كان يصلي في الموضع الذي يبول فيه الحسن والحسين، وقال: إن العبد إذا سجد لله سجدة طهر الله موضع سجوده" رواه الطبراني في الأوسط، ويزيع اتهم بالوضع٧. وحديث عائشة الذي تقول فيه: "إن النبي ﷺ قال لها: أما علمت أن المؤمن تطهر سجدته موضعها" رواه الطبراني في الأوسط، وعبد الله بن صالح ضعفه الجمهور٨.
стр. 276
وفي باب بناء المساجد حديث عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: "من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا أوسع منه في الجنة"١ رواه أحمد، وفيه الحجاج بن أرطأة وهو متكلم فيه.
وفي باب تطهير المساجد حديث عبد الله بن مسعود: "جاء أعرابي فبال في المسجد فأمر النبي ﷺ بمكانة فاحتفر" الحديث رواه أبو يعلى، وفيه سمعان بن مالك٢ وهو ضعيف.
وفي باب ما جاء في القبلة عن عمارة بن رويبة قال: "كنا مع النبي ﷺ في إحدى صلاتي العشاء حين صرفت القبلة، فدار النبي ﷺ " الحديث. رواه الطبراني في الكبير وفيه عبد الملك بن حسين النخعي، وهو ضعيف٣.
ومن هذا النوع ما يكون فيه خلائف بين علماء الجرح والتعديل فيذكره، كما في حديث واثلة بن الأسقع أنه جاء وهم يبنون مسجدًا فوقف فسلم ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بنى مسجدًا ... " الحديث رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه الحسن بن يحيى الخشني، ضعفه الدارقطني وابن معين في رواية، ووثقه دحيم وأبو حاتم٤ وحديث ابن عباس قال رسول الله ﷺ : "من بنى الله مسجدًا يراه الله بنى الله له بيتًا في الجنة" الحديث، رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمران بن عبد الله، وإنما هو ابن عبيد الله ذكره البخاري في تاريخه، وقال: فيه نظر، وضعفه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات وسمي أباه عبد الله مكبرًا.
هذا وفي الكتاب كثير جدًّا من أمثال هذه الأحاديث تعرف بالتتبع، وإنما ينقلها -كما قلنا- تحقيقًا لأمانة العلم، وتحذيرًا منها إن لم تؤيدها أحادث صالحة للتأييد، وهو بهذا يصدق ما قاله النقاد من أن المعاجم والمسانيد مظنة الأحاديث الضعيفة والمنكرة، وأنها تصلح أن تكون موضعًا لالتماس الشواهد والمتابعات في غير ما اتفقت فيه مع الكتب الصحاح.
ونختم هذه الدراسة الموجزة بما تعطيه هذه الإلمامة القصيرة من تصوير هذا الكتاب القيم في صورته القوية ثروة جامعة، تضيف إلى الكتب الصحاح زيادات كان لا بد من إضافتها، وهي لا تقل عنها عددًا إن لم تزد عليها إحصاء، مع ما فيها من طرائف العلم وغرائبه، وما لا بد من معرفته ولا سيما لخواص العلماء الذين تقتضيهم مهمتهم أن يتابعوا السنة النبوية الكريمة، ويلتمسوها حيث تكون.
ولا يفوتنا وقد درسنا هذا الكتاب، وألمعنا إلى بعض النواحي البارزة فيه، بما هو مفخرة للأمة الإسلامية بهذا الحافظ العظيم، الذي استطاع أن يجمع شتات هذه الزوائد من مظانها المتعددة.
стр. 277
في محيط واحد، فيكمل ما تحتاج إليه كتب السنة الأصلية من استكمال جهد استطاعته -لا يفوتنا أن ننبه إلى أننا بعد أن تتبعنا كتب الزوائد من الرسالة المستطرفة التي هي أوسع ما كتب في تعداد كتب الحديث وإحصائها- أن الحافظ الهيثمي هو أول من رسم الطريق -فيمن علمنا- في جمع الزوائد وإضافتها إلى كتب السنة، فإنه هو الذي جمع هذا المجمع بإشارة شيخه الحافظ العراقي وهو الذي ألف زوائد مسند البزار على الكتب الستة في مجلد ضخم، وألف زوائد مسند أبي يعلى الموصلي عليها في مجلد، وألف زوائد المعجم الكبير للطبراني وسماها البدر المنير في ثلاث مجلدات، وألف زوائد المعجم الأوسط والصغير وسماها مجمع البحرين في مجلدين، ثم جمع الزوائد الستة المذكورة كلها في كتابنا هذا بعد حذف الأسانيد، وتناول كل حديث بدرجته من الصحة والحسن والضعف، وما في بعض الرواة من جرح وتعديل، وقد شهد له الحافظ الكتاني في رسالته المستطرفة بأنه أنفع كتب الحديث، بل لم يوجد مثله في كتاب، ولا صنف مثله في هذا الباب.
جزى الله الإمام الحافظ الهيثمي خير الجزاء، ونفع بتراثه الطيب وعمله الخالص، إنه سميع مجيب.
стр. 278
المطالب المعالية بزوائد المسانيد الثمانية
...
المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية:
للحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢هـ:
ومؤلف هذا الكتاب هو الإمام الحافظ أحمد بن علي العسقلاني المصري المعروف بابن حجر المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، وقد سبقت ترجمته عند دراسة كتابه بلوغ المرام.
وقد تحدث عن فكرة جمعه لهذا الكتاب في مقدمته: بأنه رأى جمع جميع ما وقف عليه من الحديث النبوي في كتاب واحد ليسهل الكشف منه، ثم عدل إلى جمع الأحاديث الزائدة في كتب المسانيد على الكتب المشهورة -وقصد بالمشهورة الأصول الستة ومسند أحمد، وبالمسندات ما رتب على مسانيد الصحابة- وأنه وقع له منها ثمانية كاملة، وهي مسند أبي داود الطيالسي، ومسند الحميدي، ومسند ابن أبي عمر العدني، ومسدد، وأحمد بن منيع، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والحارث بن أبي أسامة.
ثم ذكر أنه وقع له من المسانيد أشياء كاملة، كمسند البزار وأبي يعلى والطبراني، ولكنه رأى شيخه الهيثمي قد جمع ما فيها وفي مسند أحمد في كتاب مفرد محذوف الأسانيد فلم ير أن يزاحمه عليها، لكنه تتبع ما فاته من مسند أبي يعلى لكون الهيثمي اقتصر في كتابه على الرواية المختصرة.
كما ذكر أنه وقع له عدة من المسانيد غير مكملة، كمسند إسحاق بن راهويه فوقف منه على قدر النصف فتتبع ما فيه، فصار ما تتبعه من الزوائد من عشرة دواوين، وقد سبقت لنا دراسة لهذه المسانيد قبل الحديث عن مجمع الزوائد.
كما أنه أشار إلى أنه وقف على قطع من عدة مسانيد أخرى فلم يكتب منها شيئًا رجاء إضافتها عند التبييض.
وقد وجدناه أضاف إلى المسانيد الثمانية في تخريجاته عدة مراجع أخرى: كالفاكهي والبيهقي وعبد الرزاق، وأحمد في الزهد، وزوائد عبد الله بن أحمد، والبزار مفردًا أو مضمومًا إلى غيره من الثمانية، وابن حبان، وابن أبي أسامة، وابن شيرويه.
فمما نقله عن مسند الفاكهي الحديث رقم ١٢٢٣ و١٢٢٤، وعن مسند البيهقي الحديث رقم ٧٤٧، وعن مسند عبد الرزاق الحديث رقم ٧٥٢، ٢٥٤٨، وعند أحمد في الزهد الحديث رقم ٢٤٩٤، ٢٤٩٥، ٢٦٧٦، وعن ابن حبان الحديث ٢٧٥، ٢٣٦٨، وعن ابن أبي أسامة الحديث رقم ٢٢٣٧، وعن مسند البزار مفردًا الحديث رقم ٣٤١٤ و٣٤٨٩ و٣٨٣٨ و٣٨٤٨ و٣٨٤٩، وعن البزار مضمومًا إلى أبي يعلى الحديث رقم ٣٤٩٦، وعن شيرويه الراوي لمسند إسحاق عنه الحديث رقم ٢٥٥٨.
стр. 279
وفي هذه المناسبة نشير إلى ما قاله الأستاذ الأعظمي -مخرج الكتاب ومحققه والمعلق عليه- في بيان التطوير الذي انتهى إلى تلك المطالب العالية، حيث ذكر أنه لم تنقطع محاولات تجميع السنة على صعيد واحد في مصنفات مستوعبة، بعد أن انتهت عهود الرواية والتدوين الأساسية في جوامع ومصنفات وسنن ومسانيد، ومن ذلك ما قصده الحميدي "المتوفى سنة ٢١٩هـ" حين ألف كتابه الجمع بين الصحيحين، وغيره كثير١، إلى أن صنف ابن الأثير٢ كتابه جامع الأصول على آثار كتاب سابق لرزين العبدري، وهو يمثل الحلقة الأولى في تجميع كتب السنة على صورة تجريد الأسانيد ومقارنة الروايات٣ قال صاحب الرسالة المستطرفة: إن كتاب جامع الأصول على وضع كتاب رزين إلا أن فيه زيادات كثيرة عليه، وقال عنه: إنه اختصره ابن الديبع -وهو أحسن مختصراته- كما اختصره قاضي حماه شرف الدين أبو القاسم هبة الله البرزي الجهني المتوفى سنة ٧٣٣هـ وسماه تجريد جامع الأصول.
ويقول الأستاذ الأعظمى: ثم تلا ابن الأثير الجزري الحافظ نور الدين الهيثمي في تصنيف كتابه مجمع الزوائد، وهو الذي درسناه قبل كتاب المطالب العالية.
وينبغي أن نشير هنا إلى أن هذه الفترة التي طواها الأستاذ محقق المطالب العالية لم تكن غفلًا ولا خالية من محاولة الجمع كما قد توهمه عبارة الأستاذ المحقق. فقد ظهر فيها كتاب أنوار المصباح في الجمع بين الكتب الستة الصحاح لأبي عبد الله محمد بن عتيق بن علي التجيبي الغرناطي المتوفى في حدود ست وأربعين وستمائة للهجرة، كما ظهر فيها كتاب جامع الجوامع السبعة عن الصحيحين والسنن الأربعة وسنن الدارمي لبعضهم، والجمع بين الأصول الستة ومسانيد أحمد والبزار وأبي يعلى والمعجم الكبير وربما زيد عليها من غيرها، وهو المسند الكبير للحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر المعروف بابن كثير، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة، سماه جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن، رتبه على حروف المعجم، يذكر كل صحابي له رواية ثم يورد في ترجمته جميع ما وقع له في هذه الكتب وما تيسر من غيرها٤.
стр. 280
ولا يخلو الأمر -مع عناية علماء المسلمين بالسنة واهتمامهم بها- من أن تكون لهذه الكتب نظائر لمؤلفين من علماء الحديث في الأقطار الإسلامية، ولكن الأستاذ المحقق يريد الربط الإجمالي العام ليكون مدخلًا لموضوع كتاب المطالب العالية وصلته بالجوامع من كتب السنة، فهو لهذا يقول: ثم تلا ابن الأثير الحافظ نور الدين الهيثمي في تصنيف كتابه مجمع الزوائد، مبتغيًا من تأليفه إضافة حلقة أوسع أحاطت بستة كتب أخرى -وذكرها- وقد قدمنا الكلام على ذلك عند دراستنا لذلك المجمع الهيثمي بما اتسع له المقام.
ونحن نتفق مع الأستاذ المحقق في أن كتاب المطالب العالية يدخل في دائرة المحاولات لتجميع السنة النبوية في صعيد واحد، ونرى أن الحافظ ابن حجر -بنقله عن هذه المسانيد- أضاف إلى الكتب المتداولة مع زوائد شيخه الحافظ نور الدين الهيثمي ما يرى باجتهاده أنه يحقق الغرض من تلك المحاولة الكريمة، فإنه أضاف إلى كتب السنة المتداولة ما لم يضفه شيخه إليها.
وقبل أن نتناول هذا الكتاب بالدراسة ينبغي أن نتقدم بتمهيد نبين به الظروف التي أحاطت بإخراج تلك النسخة المطبوعة، والتي لا يمكن البت بأنها -على هذا الوجه- من وضع الإمام الحافظ ابن حجر، ولا يمكن الحكم بأنه صاحب ما وقع فيها من التصرفات، مع إمكان القطع بأن المتن المجرد -وحده- للإمام الحافظ ابن حجر.
وبناء على هذا، فإن دراستنا لهذا الكتاب ستكون بالنسبة لهذه النسخة التي وصلت إلينا مطبوعة دون حكم على المؤلف نفسه بما هو فيه من نقص أو تقصير.
وبيان ذلك -كما استقينا من واقع دراسات الأستاذ المحقق وجولاته بين تلك النسخة المخطوطة التي اختيرت من بينها هذه المطبوعة للنشر أن الأستاذ المحقق أفاد بما خلاصته: أنه بحث عن كتاب المطالب في مكتبات الهند والحجاز، فلم يظفر به إلا في المكتبة السعيدية بحيدر أباد عام ثمان وخمسين وتسعمائة وألف، لكن هذه النسخة كانت عبارة عن النصف الأول من الكتاب ... إلى أن قال: إنه ظفر نسختين أخريين في المكتبة العلمية بالمدينة المنورة إحداهما المخطوطة المسندة، والثانية المخطوطة المجردة، أما المسندة فقد نسخت ستة عشر ومائة وألف للهجرة، وهي مصورة عن نسخة في إحدى مكتبات تركيا، وذكر أن تصويرها لم يكن واضحًا؛ لأنه اختير تصويرها بحجم أصغر من أصلها مع وجود تصحيفات وتحريفات فيها فجاءت غامضة صعبة القراءة والإفادة، ولكنه تجلد وتصبر حتى أفاد منها في تحقيق الكتاب، وأما المجردة فهي مصورة من إحدى مكتبات تركيا ولكنها أوضح من المسندة، وقد كتبت عام اثني عشر ومائة وألف للهجرة، وذكر المحقق أن القائم بتجريد الكتاب من أسانيده ليس في المخطوطة ما يصح معه الجزم بتعيينه، وغالب الظن أنه كاتب النسخة نفسه، وذكر أن كاتبي النسختين شخصان مختلفان، ثم وازن بين المجردة والمسندة فقال: إنه لا فرق بينهما إلا حذف أسانيد الحديث في المجردة مع الإبقاء على اسم الصحابي فقط دون كلمة "عن" أو غيرها، ولكن
стр. 281
يؤخذ على مجرد النسخة أنه حذف كثيرًا من الكلام الضروري الذي عقب به المؤلف الحافظ ابن حجر على بعض الأحاديث، ويقول المحقق: "إنه استدرك ذلك في الحواشي، كما يؤخذ عليه إضافة كلمة "رفعه" مع التصريح بعبارة "قال" ونحوها وهما لا يجتمعان، وأنه كثيرًا ما يأتي بكلمة رفعه مع الموقوف، ثم بين أن اختيار المخطوطة المجردة كان بإشارة من قسم التراث الإسلامي بالكويت الذي رأى أن نشرها أولى -في هذا الزمن- من نشر المخطوطة المسندة، لا سيما مع الإفادة من خصائص النسخة المسندة، وكأنه يريد بهذه العبارة أن الخصائص المنشودة من النسخة المسندة والتي خلت منها المجردة هي بيان درجات الأحاديث، وقد حاول المحقق أن يستوعبها من مصادرها الثلاثة -وهي هذه النسخة المسندة وزوائد البوصيري وزوائد الهيثمي- على أن المحقق أيضًا ربما لم يصل إلى حكم في هذه المراجع الثلاثة فيرجع إلى رجال الأحاديث في مظانها، وما حكم به في كتب الرجال إذا نشط لذلك، وربما لم ينشط له.
وبعد هذا نستطيع أن ندون رأينا في هذه النسخة التي وصلت إلينا أول ما ظهرت مطبوعة -لأول مرة- وكما نشرها التراث الإسلامي إدارة الشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف بالكويت وهي الطبعة الأولى عام سبعين وتسعمائة وألف ميلادية بالمطبعة العصرية بالكويت.
والكتاب يقع في أربع مجلدات جميعها ست وسبعون وسبعمائة وألف صفحة من القطع المتوسط، فيها حديثان وسبعمائة وأربعة آلاف حديث موزعة على المجلدات الأربعة.
وقالت المجردة١ في مقدمتها: إن المصنف رتبه على أبواب الأحكام الفقهية، ثم ذكر بدء الخلق، والإيمان، والعلم، والسنة، والتفسير وأخبار الأنبياء، والمناقب والسيرة النبوية، والمغازي، والخلفاء، والآداب، والأدعية، والزهد، والرقائق، والفتن، والتعبير، والبعث والحشر.
لكن ما في الكتاب لا يتطابق مع ذلك، لا ترتيبًا ولا توصيفًا، فإن هذا الكلام يوهم أن ما عدا هذه الأبواب من الكتاب فقه، وليس كذلك، فإن فيما عداها كثيرًا مما ليس بفقه: كالطب والبر والصلة وفضائل القرآن، كما أنه يوهم أن هذه الأبواب التي ذكرها من أول بدء الخلق إلى آخرها هي أخريات ما ذكر في الكتاب، مع أن كتبًا وأبوابًا منها قد ذكرت قبل ذلك، مثل كتاب الأدب الذي ذكر بعد منتصف الجزء الثاني وقبل بدء الخلق وما بعده، ومثل كتاب الأذكار والدعوات الذي ذكر في الجزء الثالث وقبل بدء الخلق وما بعده، ومثل كتاب فضائل القرآن الذي ورد بعد بدء الخلق، ولم يرد عنه ذكر في المقدمة في غير أبواب الفقه، ومن تتبع التطبيق
стр. 282
وجد اختلافًا يطول شرحه، ولهذا نرى أن نقطع النظر عما ورد في مقدمة المجردة وأن نعرض الكتب والأبواب الرئيسية التي وردت في أجزاء الكتاب:
كتاب الطهارة وتحته أبواب تتعلق بها، كتاب الغسل وتحته أبواب كذلك، كتاب الحيض وتحته أبواب، كتاب الصلاة وتحته أبواب الأذان والإقامة، ثم أبواب مواقيت الصلاة، ثم أبواب صفة الصلاة والمساجد والجماعة، كتاب النوافل وتحته أبواب تتعلق بها، ثم أبواب الجمعة، كتاب الجنائز وتحته أبواب تتعلق بها، كتاب الزكاة وتحته أبواب تتصل بالزكاة، كتاب الصيام وتحته أبواب كذلك، كتاب الحج وتحته أبواب كسوابقه، كتاب البيوع وتحته الأبواب المتصلة بالبيوع، كتاب العتق وليس تحته أبواب، باب الوصايا، كتاب المواريث وتحته أبواب تتعلق بها. وبهذا ينتهي المجلد الأول من الكتاب بناء على التقسيم الذي اختاره الناشر.
وفي أول المجلد الثاني كتاب النكاح والطلاق وتوابعهما، وتحته الأبواب المتعلقة بذلك، ثم باب الإيمان والنذور، ثم كتاب الحدود وتحته أبواب، ثم كتاب القصاص وتحته الأبواب المتعلقة به، ثم كتاب الجهاد وتحته أبواب تتصل به، ثم كتاب الخلافة والإمارة ويندرج تحته أبواب كذلك، ثم كتاب القضاء والشهادات كذلك، ثم كتاب اللباس والزينة كذلك، ثم كتاب الأضحية والعقيقة وتحته أبواب، ثم كتاب الصيد وتحته أبواب، ثم كتاب الأطعمة والأشربة وتحته أبواب، ثم كتاب الأدب وتحته أبواب، ثم كتاب البر والصلة وتحته أبواب ينتهي عند بعضها المجلد الثاني من هذا الكتاب.
ثم يبدأ المجلد الثالث ببقية أبواب البر والصلة، ثم يأتي كتاب تعبير الرؤيا وليس تحته أبواب ثم كتاب الإيمان والتوحيد وتحته أبواب، ثم كتاب العلم وتحته أبواب تتعلق به، ثم كتاب الرقائق والزهد وتحته أبواب كذلك، ثم كتاب الأذكار والدعوات كذلك، ثم كتاب بدء الخلق وما تحته من أبواب، ثم كتاب فضائل القرآن وما تحته من أبواب، ثم كتاب التفسير كذلك، وبه ينتهي المجلد الثالث من الكتاب.
ثم يبدأ المجلد الرابع بكتاب المناقب المتضمن لشمائل النبي ﷺ ومناقب الصحابة وغيرهم، وفضائل البلدان وتحته أبواب عديدة تتصل بهذه الموضوعات، ثم كتاب السيرة والمغازي وتحت كل منهما أبواب تتصل به، ثم كتاب الفتن وما تحته من أبواب فصل بين بعضها والبعض الآخر بكتاب الفتوح، ثم ينتهي الكتاب بكتاب البعث والحشر وما يتعلق به من أبواب.
هذه هي الموضوعات التي شملها ذلك الكتاب، ذكرناها على وجه الإجمال، لنتبين مدى الاختلاف بين ما وقع في مقدمة المخطوطة المجردة وما في هذه النسخة المطبوعة في التقسيم والترتيب.
стр. 283
وأما أبرز ما ظهر لنا من صفات في عرض الأحاديث والآثار في هذه النسخة، فأول ما يلفت النظر ما نسب إلى الإمام المؤلف من قوله: وشرطي فيه ذكر كل حديث ورد عن صحابي ولم يخرجه الأصول السبعة من حديثه ولو أخرجوه أو بعضهم من حديث غيره، مع التنبيه عليه أحيانًا.
والواقع أن هذا الشرط يخرج كثيرًا مما في هذه النسخة من النوعين الآتيين، وكل منهما كثير في هذا الكتاب:
فأما النوع الأول فهو تلك الأحاديث المرسلة التي لا ذكر فيها للصحابي.
وأما النوع الثاني فهو الآثار المقطوعة التي أضيفت إلى التابعين.
فمن النوع الأول الحديث رقم ١٥٣٣ وهو قول مجاهد قال رسول الله ﷺ : "غطي عنا قنازعك ١ يا أم أيمن" والحديث رقم ١٥٣٦ وهو قول سعيد بن المسيب: آمت حفصة من زوجها، وآم عثمان من رقية ... إلى آخر ما ذكره من تزوج رسول الله ﷺ من حفصة. والحديث رقم ٢٧٩٣ وهو قول الشعبي: إنه ﷺ مر على أصحاب الدركلة٢ والحديث رقم ٢٧٩٥ وهو قول نصر بن شفي عن النبي ﷺ : "من ولد له ثلاثة أولاد فلم يسم أحدهم محمدًا فقد جهل" والحديث رقم ٣٠٩٩ وهو قول عروة: توفيت امرأة وكان أصحاب رسول الله ﷺ يضحكون منها فقال بلال: ويحها قد استراحت ... الحديث، وهذا النوع كثير في الكتاب لمن تتبعه.
ومن النوع الثاني الأثر رقم ١٧٤ وهو عن عكرمة أنه لا يرى بأسًا أن يغتسل الرجل من الجنابة ثم يستدفئ بامرأته، والخبر رقم ٢٣٠٤ وهو أن الحسن كان يقول عند الذبائح: بسم الله والله أكبر اللهم لك ومنك. الخبر والأثر رقم ٢٤٧٧ وهو خبر السرى بن يحيى أنه سمع محمد بن سيرين يقول لغلام أراد أن يحتجم في أول الشهر: لا تحتجم في أول الشهر ... الخبر، والخبر رقم ٢٦٣٤ عن إبراهيم قال: إذا كانت لك إليه "الكافر" حاجة فابدأه بالسلام، وقال مجاهد: إذا كتبت فاكتب: السلام على من اتبع الهدى، والخبر رقم ٤٢٠١ وهو عن الأعمش: ليأتين على الناس زمان يخرج الجيش من جيوشهم، وتكملته رقم ٤٢٠٢، والخبر ٤٢٣٨ وهو عن سعيد بن المسيب يقول: وج واد مقدس، وهذا أيضًا كثير في الكتاب لمن تتبعه.
على أنه بعض الأحاديث لا يقتصر على ذكر الصحابي وحده، بل كثيرًا ما يذكر من روى عنه كما في الحديث ٤٦٢١ لمحمد بن المنكدر أن جابر بن عبد الله حدثه أن رسول الله ﷺ
стр. 284
قال ... الحديث، بل إنه أحيانًا يذكر من روى عمن روى عن الصحابي كما في الحديث رقم ٤٦٢٣ وهو حديث أن هارون العطاردي حدثه١ أن أبا الأشعث حدثه أن ابن عباس حدثه أن الروح الأمين حدثه، ومثل ذلك في حديث ٤١٦٤، وواضح أن هذا خروج على المألوف فيما نسب إلى المؤلف في المقدمة.
ثانيًا: أكثرت هذه النسخة من إيراد كلمة رفعه "وصفًا للصحابي" مع التصريح بالسماع أو بكلمة قال رسول الله ﷺ ونحوها مثل أن النبي ﷺ قال، وعن النبي ﷺ قال، وهذا أسلوب مستدرك؛ لأنه لا معنى للجمع بين رفعه وما بعدها على هذا الوجه، وقد نبه إلى ذلك الأستاذ المحقق في تقديمه للكتاب، غير أنه يرد التعبير أحيانًا بأسلوب صحيح ليس فيه هذا الجمع.
ومن ذلك الحديث رقم ١٠١٤ أبو سعيد رفعه: "صيام يوم عرفة بمنزلة سنتين" وواضح أن هذا التعبير يدل على أن هذا الكلام من قول رسول الله ﷺ دون حاجة إلى التصريح بقال أو نحوها، وهو تعبير دارج متعارف بين المحدثين.
وأيضًا الحديث رقم ١١٤٦ وهو حديث عبد الله بن عمر رفعه: "لولا ما مسه "الحجر الأسود" من أنجاس الجاهلية ما مسه ذو عاهة إلا شفي" ومنه الحديث رقم ٢٢٢٩ وهو حديث عائشة رفعته: دخل عليَّ النبي ﷺ يومًا فقال: "إني صنعت اليوم شيئًا ... " الحديث، ومن ذلك الحديث رقم ٢٢٣١ وهو حديث أم ولد شيبة رفعته: "رأيت رسول الله ﷺ ... " إلخ، وإن كان الاختصار في مثل هذا الحديث والذي قبله لا يظهر لأن كلمة "قالت" تغني عن كلمة "رفعته" وتؤدي مؤداها بالأصالة، ومن ذلك الحديث رقم ٢٩٣٨ وعبارة: أنس رفعه: "مجوس هذه الأمة وإن صاموا وصلوا" يعني القدرية.
وهذا النوع الذي نسب إلى الصحابي أنه صرح فيه بالرفع قلما يرد التعبير فيه سليمًا في هذا الكتاب.
ثالثًا: قلما تذكر النسخة المجردة تقويمًا للحديث وبيانًا لدرجته الحديثية، ونحن ننزه الإمام الحافظ شيخ الإسلام أن يكون هذا التصرف منه، ولكنه اختصار من المجردة، وهو اختصار طغى على تقدير الحديث، ونحن نعلم أن تقدير الحديث أمر له أهميته وخطره في هذا الفن بين رجال الحديث، ولا سيما في كتب الزوائد التي تكثر فيها -تبعًا لأصولها المأخوذة منها- الأحاديث الضعيفة، ويتخللها بعض الأحاديث الموضوعة، فكان لا بد من التنبيه على ذلك.
стр. 285
ونحن نشكر الأستاذ محقق الكتاب فقد بذل جهد استطاعته في تقدير الأحاديث ونسبتها إلى مصادرها التي نبهت إلى ذلك، وهي في الأعم الأغلب: إتحاف المهرة بزوائد المسانيد العشرة للحافظ البوصيري المتوفى سنة ٨٤٠هـ، ومجمع الزوائد للحافظ نور الدين الهيثمي المتوفى سنة ٨٠٧هـ، والنسخة المسندة التي هي الأصل الذي أخذت منه هذه المجردة المبتورة الناقصة.
ومهما يكن فإننا بترديد النظر في هذه المجردة قد وجدنا بها عدة تقريرات للأحاديث يمكن أن نذكر منها على سبيل المثال ما يأتي:
- الحديث رقم ٤٨٦ وهو حديث أبي الدرداء رفعه: "من مشى في ظلمة الليل إلى المسجد لقي الله بنور يوم القيامة" فيه انقطاع بين مكحول والصحابي، والحديث في المسندة ورد بالسند الذي ذكر فيه مكحول راويا عن الصحابي، وفيه يتجلى الانقطاع.
- الحديث رقم ٤٨٧ وهو حديث أبي هريرة وابن عباس قالا: جاءنا رسول الله ﷺ ... وذكرا حديثًا طويلًاِإلى أن قال ﷺ : "ومن مشى إلى مسجد من المساجد فله بكل خطوة يخطوها عشر حسنات ... " الحديث، ثم ورد تقديره في المجردة هكذا: موضوع، ولم يذكر لذلك علة.
- الحديث رقم ٤٨٩ وهو حديث أنس بن مالك قال: أقيمت الصلاة فخرج رسول الله ﷺ يمشي وأنا معه، فقارب في الخطا فقال: "إنما فعلت هذا ليكثر عدد خطاي في طلب الصلاة" والتقدير لهذا الحديث: قلت: الضحاك ضعيف الحفظ، والمحفوظ في هذا موقوف على زيد بن ثابت، وقوله المحفوظ يدل على أن الحديث روي من وجه غير محفوظ وهو ما يسمى شاذًّا، والمحدثون يختلفون في قبول الشاذ.
- الحديث رقم ٤٩٠ وهو حديث أنس قال: خرجت وأنا أريد المسجد فإذا أنا بزيد بن ثابت ... الحديث، وفي تقديره قالت المجردة: فيه ضعيف، وهذا الوصف أوضحه المعلق بقوله: فيه داود بن المحير وهو ضعيف.
- الحديث رقم ٨٠٥ وهو حديث جميلة بنت سعد بن الربيع قالت: قتل أبي وعمي يوم أحد فدفنا في قبر واحد الحديث، فقد عقبت المجردة عليه بعبارة: قلت: جابر ضعيف.
على أن الحكم على جابر وهو لم يذكر أمام القارئ قليل الجدوى، إلا أنه على وجه العموم يشعر بضعف الحديث لضعف بعض رجال المسند، لكن العبارة غير محددة.
- الحديث ٨١٥ وهو للقاسم بن محمد أن أبا بكر الصديق كان إذا أعطى الرجال عطاءه قال له: هل لك مال؟ فإن قال: نعم. قال: أو زكاته ... الحديث، وتصويره التقدير هنا: