ثالثًا: شروح سنن الترمذي
ومما عرفناه من شروح لسنن الترمذي ما أورده صاحب كشف الظنون وغيره١ وما نورده مرتبًا فيما يلي:
١- عارضة الأحوذي في شرح الترمذي، للعلامة الحافظ أبي بكر محمد بن عبد الله الإشبيلي "المعروف بابن العربي المالكي" المتوفى سنة ست وأربعين وخمسمائة٢.
٢- شرح الحافظ أبي الفتح محمد بن محمد بن سيد الناس "اليعمري" الشافعي، المتوفى سنة أربع وثلاثين وسبعمائة٣، بلغ فيه إلى دون ثلثيه في نحو عشر مجلدات.
٣- شرح الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، المتوفى سنة خمس وتسعين وسبعمائة٤.
٤- شرح زوائد الترمذي على الصحيحين وأبي داود، لسراج الدين عمر بن علي بن الملقن، المتوفى سنة أربع وثمانمائة٥.
٥- العرف الشذي على جامع الترمذي، لسراج الدين عمر بن رسلان البلقيني الشافعي، المتوفى سنة خمس وثمانمائة٦ كتب منه قطعه ولم يكمله.
٦- تكميل شرح ابن سيد الناس لسنن الترمذي، للإمام الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن حسين العراقي المتوفى سنة ست وثمانمائة٧.
٧- قوت المغتذي على جامع الترمذي، للحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة٨.
رابعًا: شروح سنن أبي داود
ومما عرفناه من شروح لسنن أبي داود ما أورده صاحب كشف الظنون٨ وغيره، وما نورده مرتبًا فيما يلي:
١- معالم السنن لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي، المتوفى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة٩.
٢- شرح قطب الدين أبي بكر بن أحمد بن رعين اليمني الشافعي، المتوفى سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، في أربع مجلدات كبار، ومات عنه وهو مسودة١٠.
стр. 317
٣- شرح الحافظ علاء الدين مغلطاي بن قليج، المتوفى سنة اثنتين وستين وسبعمائة١.
٤- انتحاء السنن واقتفاء السنن، لشهاب الدين أبي محمد أحمد بن محمد بن إبراهيم بن هلال المقدسي من أصحاب المزي، المتوفى بالمقدس سنة خمس وستين وسبعمائة٢.
٥- شرح زوائدها على الصحيحين في مجلدين، للشيخ سراج الدين عمر بن علي بن الملقن، المتوفى سنة أربع وثمانمائة٣.
٦- شرح الشيخ ولي الدين أبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي، المتوفى سنة ست وعشرين وثمانمائة٤، في شرح أطال فيه، وكتب إلى سجود السهو منه في سبع مجلدات.
٧- شرح الشيخ شهاب الدين أحمد بن الحسن الرملي المقدسي الشافعي، المتوفى سنة أربع وأربعين وثمانمائة٥.
٨- شرح العلامة بدر الدين محمود بن أحمد العيني الحنفي، المتوفى سنة خمس وخمسين وثمانمائة، وهو شرح لقطعة منها٦.
٩- مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود، للحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة٧.
خامسًا: شروح سنن ابن ماجه
ومما عرفناه من شروح السنن ابن ماجه ما أورده صاحب كشف الظنون٨ وغيره، وما نورده مرتبًا فيما يلي:
١- شرح العلامة أبي الحسن علي بن عبد الله بن نعمة الأنصاري الأندلسي المحدث الفقيه المالكي، المتوفى سنة سبع وستين وخمسمائة٩.
٢- شرح العلامة سعد الدين أبي محمد مسعود بن أحمد العراقي الحارثي المصري، المتوفى سنة إحدى عشرة وسبعمائة١٠.
٣- شرح قطعة من سنن ابن ماجه للحافظ علاء الدين مغلطاي بن قليج، المتوفى سنة اثنتين وستين وسبعمائة١١،
стр. 318
٤- شرح زوائده على الخمسة "الصحيحين وأبي داود والترمذي والنسائي" في ثمان مجلدات، واسمه ما تمس إليه الحاجة من سنن ابن ماجه، للعلامة سراج الدين عمر بن علي بن الملقن الشافعي المتوفى سنة أربع وثمانمائة١.
٥- الديباجة شرح سنن ابن ماجه، للشيخ كمال الدين محمد بن موسى الدمري الشافعي، المتوفى سنة ثمان وثمانمائة، في نحو خمس مجلدات٢، مات قبل تحريره وتبيضه.
٦- شرح العلامة الحافظ برهان الدين إبراهيم بن محمد الحلبي سبط بن العجمي، المتوفى سنة إحدى واربعين وثمانمائة٣.
٧- مصباح الزجاجة على سنن ابن ماجه، للحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة٤.
سادسًا: شروح سنن النسائي
ومما عرفناه من شروح النسائي هذان الشرحان:
١- شرح الشيخ سراج الدين عمر بن علي بن الملقن الشافعي، المتوفى سنة أربع وثمانمائة٥، وهو شرح لزوائدها على الصحيحين.
٢- شرح الحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة٦، وهو عبارة عن تعليقه عليها كتعليقته على البخاري.
سابعًا: شروح مسند الإمام أبي حنيفة
ومما عرفناه من شرح لمسند الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان٧ ما يأتي:
١- شرح المستند على المعتمد من المسند، وكلاهما لجمال الدين محمود بن أحمد القونوي، المتوفى سنة سبعين وسبعمائة٨.
٢- الأمالي على المسند، للشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي، المتوفى سنة تسع وسبعين وثمانمائة٩.
٣- التعليقة المنيفة على مسند أبي حنيفة، وهي شرح كتعليقته على البخاري ومسلم، للحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة١٠.
стр. 319
ثامنًا: شروح موطأ مالك
ومما عرفناه من شروح لموطأ الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة ما أورده صاحب كشف الظنون١ وغيره، وما نورده مرتبًا على النحو التالي:
١- شرح أبي مروان عبد الملك بن حبيب المالكي، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومائتين٢.
٢- شرح العلامة إبراهيم بن محمد الأسلمي، المتوفى سنة أربع وثمانين ومائتين.
٣- شرح ابن رشيق القيرواني، المتوفى سنة ست وخمسين وأربعمائة٣.
٤- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لأبي عمر بن عبد البر يوسف بن عبد البر القرطبي، المتوفى سنة ثلاث وأربعمائة٤.
٥- الاستيفاء في شرح الموطأ، لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، المتوفى سنة أربع وسبعين وأربعمائة٥، وله كتاب آخر سماه المنتقى.
٦- شرح أبي محمد عبد الله بن محمد النحوي البطليموس، المتوفى سنة إحدى وعشرين وخمسمائة٦.
٧- القبس في شرح الموطأ، للقاضي الحافظ أبي بكر محمد بن العربي المغربي الإشبيلي، المتوفى سنة ست وأربعين وخمسمائة٧.
٨- كشف المغطى في شرح الموطا، وتنوير الحوالك على موطأ الإمام مالك، كلاهما للحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة، وله أيضًا إسعاف المبطأ برجال الموطأ٨.
٩- شرح الشيخ زين الدين عمر بن أحمد الشماع الحلبي، المتوفى سنة ست وثلاثين وتسعمائة٩.
١٠- شرح خاتمة المحدثين محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان الزرقاني المصري المالكي، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومائة وألف للهجرة١٠.
تاسعًا: شروح مسند الإمام الشافعي
ومما عرفناه من شرح لمسند الإمام الشافعي ما أورده صاحب كشف الظنون١١ وما نورده مرتبًا فيما يأتي:
١- شافي العي في شرح مسند الشافعي، لأبي السعادات المبارك بن محمد، المعروف بابن الأثير الجزري المتوفى سنة ست وستمائة١٢.
стр. 320
٢- شرح الإمام أبي القاسم عبد الكريم بن محمد القزويني الرافعي، المتوفى سنة ثلاث وعشرين وستمائة١.
٣- شافي العي في شرح مسند الشافعي، للحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة.
عاشرًا: شروح مسند الإمام أحمد
ومما عرفناه من شروح لمسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني٢ ما نورده فيما يلي:
١- المسند الأحمد فيما يتعلق بمسند أحمد، وهو شرح للعلامة شمس الدين محمد بن محمد ابن علي بن يوسف الجزري، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة٣.
٢- شرح أبي الحسن بن عبد الهادي السندي نزيل المدينة المنورة، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومائة وألف٤.
٣- شرح الشيخ أحمد محمد شاكر من علماء القرن الرابع عشر الهجري، وهو مطبوع طبعته دار المعارف بمصر عام سبع وستين وثلاثمائة وألف للهجرة، وطبع منه خمسة عشر جزءًا.
٤- بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني شرح مسند أحمد بن حنبل الشيباني، للشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي أحد علماء القرن الرابع عشر الهجري، انتهى ﵀ من تبييضه وأخرج أكثره.
وهذا أهم ما عثرنا عليه من شروح لكتب الأصول الحديثية، وهي لأئمة أجلة زخرت بهم -وبأمثالهم في العلوم الأخرى- عصور الأمة الإسلامية، أوردناها مرتبة على أصولها ليسهل تناولها للدارسين في شروح السنة، ومنه يتبين أن نصيب المدرسة المصرية في هذه الكتب كان كبيرًا بالنسبة إلى البلدان الأخرى في الفترة التي اخترناها للدراسة.
وفيما يلي دراسة لبعض كتب الشروح المهمة التي ألفها علماء الحديث المصريون، نشير بها إلى جهودهم في خدمة السنة، وقيامهم على حمايتها والدفاع عنها، ونبدأ من ذلك بكتاب عمدة القارئ شرح صحيح البخاري.
стр. 321
عمدة القاري شرح صحيح البخاري
...
عمدة القارئ شرح صحيح البخاري:
لبدر الدين العيني المتوفى سنة ٨٥٥هـ:
ومؤلفه هو المحدث الكبير بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد أبو محمد العينتابي المولد، ثم القاهري الحنفي.
نشأ في عينتاب من أعمال حلب، ولازم الشيوخ فأخذ عنهم مختلف العلوم الشرعية والعربية، وتولى كثيرًا من المناصب في الديار المصرية، وحدث وأفتى ودرس، وأخذ عنه الأئمة من كل مذهب طبقة بعد طبقة.
قال السخاوي في ترجمته للعيني: كنت ممن قرأ عليه أشياء، بل علق شيخنا "يريد ابن حجر" من فوائده، بل سمع عليه ثلاثة أحاديث مع ما بينهما مما يكون عادة بين المتعاصرين. وكذلك كان هو يستفيد من شيخه خصوصًا حين تصنيفه رجال الطحاوي قال: وترجمه شيخنا في رفع الإصر، وفي معجمه باختصار، وذكره ابن خطيب الناصرية في تاريخه فقال: هو إمام عالم فاضل مشارك في علوم، وعنده مروءة وحشمة وعصبية وديانة، ثم قال السخاوي: ولم يزل ملازمًا للجمع والتصنيف حتى مات، خصوصًا بعد صرفه عن نظر الأحباس، وصار يبيع من أملاكه وكتبه سوى ما وقفه على مدرسته منها، وهو شيء كثير.
وقد ذكر السخاوي من تصانيفه العدد الكبير ذكر في أولها شرحه "عمدة القارئ لصحيح البخاري"، وقال: إنه استمد فيه من شرح ابن حجر بحيث كان ينقل منه الورقة بكمالها، وكان يعترض عليه أحيانًا، ولكن الشيخ ابن حجر تعقبه في مجلد حافل، ثم ذكر ما لكل من الشرحين العيني وابن حجر من المزايا، ثم أورد ما له من الشروح للكتب في الحديث وغيره، وذكر منها معاني الآثار للطحاوي شرحه في عشر مجلدات، وقطعة من سنن أبي داود في مجلدين، وقطعة كبيرة من سيرة ابن هشام، وجمع الكلم الطيب لابن تيمية، وشرح الكنز في كتاب سماه رمز الحقائق في شرح كنز الدقائق، وغيرها من الكتب الكثيرة، وله بعض المختصرات، مثل مختصر الفتاوى الظاهرية، والمحيط في الفقه الحنفي، وحواش على شرح الألفية لابن المصنف، وعلى التوضيح، وعلى شرح الجاربري في التصريف، وعمل سيرة الأنبياء، وتاريخًا كبيرًا في تسعة عشر مجلدًا، وله طبقات الشعراء، وطبقات الحنفية، ورجال الطحاوي، ومعجم شيوخه، واختصر تاريخ ابن خلكان، وله تحفة الملوك في المواعظ والرقائق.
وفي مقدمة شرحه للبخاري بيان بشيوخه وتلامذته جاء فيه: أن من شيوخه زين الدين عبد الرحيم العراقي، سمع عليه صحيح البخاري، والإلمام في أحاديث الأحكام لابن دقيق العيد، ومنهم
стр. 322
سراج الدين البلقيني، سمع عليه محاسن الاصطلاع، ومقدمة ابن الصلاح، ومنهم المحدث الكبير تقي الدين محمد بن محمد الدجوي، سمع عليه جميع الأصول الستة بأسرها وكثيرًا من المسانيد، ومنهم الحافظ نور الدين الهيثمي، سمع عليه جملة كتب، ومنهم قطب الدين عبد الكريم الحلبي، قرأ عليه المعاجم الثلاثة، ومنهم الشيخ المسند شرف الدين محمد بن محمد بن الكويك، سمع عليه الشفاء للقاضي عياض ومسند أبي حنيفة، وذكر كثيرًا جدًّا من الشيوخ الذين أخذ عنهم وسمع منهم.
وذكر من تلامذته -الذين قال: إنهم كثير جدًّا -الإمام شيخ الإسلام ابن حجر الذي أخذ عنه بعض الفوائد والأحاديث كما ذكر السخاوي، ومنهم كمال الدين بن الهمام، والعلامة قاسم بن قطلوبغا، وشمس الدين السخاوي، والحافظ محمد بن أبي بكر الصالحي المعروف بابن زريق محدث الديار الشامية، ومنهم الشيخ كمال الدين الشمني، والبدر البغدادي، وقطب الدين الحيضري، والبرهان ابن خضر، والقاضي نور الدين علي بن داود الخطيب، وكثير غيرهم.
وهذا الكتاب -عمدة القاري- يعد من الشروح المبسوطة للبخاري، وهو أحد الكتابين العظيمين الذين سارت بذكرهما الركبان، وانتفع بها طلاب الحديث أيما انتفاع، حتى كأنهم يستغنون بهما عما عداهما في هذا الباب، والكتاب الآخر هو فتح الباري للإمام العلامة شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر، وإن كانت شهرة فتح الباري في عصرهما كانت أكثر، والإقبال عليه أعظم، ولعل ذلك كان لمكانة ابن حجر من السنة، ورسوخ قدمه فيها حتى إنه اختص من بينهما بلقب الحافظ، ولا سيما أن عمدة القاري ظهر بعد انتشار فتح الباري، الذي ظهر والناس متعطشون لكتاب حافل يشرح صحيح البخاري، يجلي عرائسه، ويكشف جناه ونفائسه.
وإذا كنت قد ضمنت هذه الرسالة بحوثًا عديدة، وتناولت فيها دراسة كتب كثيرة، من بينهما هذا السفر الكريم والخضم العظيم، فإنني لا أستطيع أن أوفيه حقه، ولا أن أتناول كثيرًا من جوانبه التي تصوره للقارئ الكريم، ذلك أنه يحتاج إلى أزمنة متطاولة، ودراسات حافلة لا يتسع لها نطاق البحث في حدود المنهج المرسوم، وهذا بعينه هو السبب في إيثاري لهذا الكتاب بالدراسة دون فتح الباري؛ لأن عناوينه الضابطة تحدد مباحثه، وتجعل الناظر فيه على بصيرة أكثر من إبراز صفاته ووصف مزاياه، يضاف إلى ذلك أن الإمام العيني من أعلام هذه الحقبة التي جعلناها مادة لدراستنا في السنة، فإنه ممن يتوسطون في هذه المدرسة زمانًا ومكانًا، وهو من أعلامها الفحول البارزين ورجالها المبرزين، ولم تسبق دراستنا لشيء من مؤلفاته كما درسنا لابن حجر، الذي ظفرت مؤلفاته من دراستنا بنصيب كبير: في كتب الأحكام وكتب الزوائد وكتب الرجال وكتب التخريج وكتب المصطلح.
فمن أجل ذلك آثرنا عمدة القارئ على فتح الباري بالدراسة في كتب الشروح.
стр. 323
وفي مجال وصف المؤلفين لهذا الكتاب يقول صاحب كشف الظنون عند بيانه لكتب شروح الجامع الصحيح١ ما ملخصه:
ومن الشروح المشهورة شرح العلامة بدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد العيني الحنفي المتوفى سنة ٨٥٥هـ وهو شرح كبير في عشرة أجزاء وأزيد، وسماه عمدة القاري، وأورد في خطبته أنه لما رحل إلى البلاد الشمالية قبل الثمانمائة مستصحبًا فيها هذا الكتاب "الجامع الصحيح" ظفر هناك من بعض مشايخه بغرائب النوادر المتعلقة به، ثم لما عاد إلى مصر شرحه -وهو بخطه في واحد وعشرين مجلدًا- بمدرسته التي أنشأها بالقرب من الجامع الأزهر، وشرع في تأليفه في أواخر رجب سنة ٨٢١هـ وفرع منه في أوائل جمادى الأولى سنة ٨٤٧هـ، واستمد فيه من فتح الباري، بحيث ينقل منه الورقة بكمالها، وكان يستعيره من البرهان بن خضر بإذن مصنفه له، وتعقبه في مواضع، وطوله بما تعمد الحافظ ابن حجر حذفه من سياق الحديث بتمامه، وأفرد كل مراتب الرواة بالكلام، وبيان الأنساب واللغات والإعراب، والمعاني والبيان، واستنباط الفرائد من الأحاديث، والأسئلة والأجوبة.
وحكى أن بعض الفضلاء ذكر لابن حجر ترجيح شرح العيني بما اشتمل عليه من البديع وغيره فقال بديهة: هذا شيء نقله من شرح لركن الدين، وقد كنت وقفت عليه قبله، ولكني تركت النقل منه لكونه لم يتم، إنما كتب منه قطعة وخشيت من تعبي بعد فراغها من الاسترسال، ولذا لم يتكلم العيني -بعد تلك القطعة- بشيء من ذلك. ا. هـ. وبالجملة فإن شرحه حافل كامل في معناه، ولكنه لم ينتشر كانتشار فتح الباري في حياة مؤلفه.
هذا ما ذكره صاحب كشف الظنون من حكم على هذا الشرح ووصف له.
وقد أورد المرحوم الشيخ محمد منير الدمشقي مخرج الكتاب وناشره في بداية الكتاب ترجمة مسهبة للمؤلف تناول فيها مؤلفات العيني، فأورد من بينها هذا الكتاب "عمدة القارئ" وذكر أنه وقع في إحدى وعشرين مجلدة على تجزئه المصنف، ووصفه بأنه أوسع شروح البخاري نقلًا وتحقيقًا، وأجمعها للفوائد بحثًا وتمحيصًا، ينتهج منهج إتمام سياق الحديث حيث اختصر البخاري، ويسلك مسلك تعيين مواضع تخريجه من الكتاب إذا تعددت طرقه وتكرر تخريجه في الأبواب، ويذكر اختلاف رواة الكتاب إذا كان هناك اختلاف، ويوفي حق الكلام في الرجال، وضبط الأسماء والأنساب، بحيث يغني عن تطلب ذلك في الكتب المؤلفة في هذا الباب، ويبين اللغة والإعراب أتم بيان، ويتعرض بأسلوب بديع لوجوه المعاني والبيان، ثم وصفه بأنه يتوسع في طرائق استنباط الأحكام من الحديث، ويذكر لطائف الإسناد من علو ونزول، ومدني وشامي
стр. 324
ونحوها، ويبسط في المسائل الخلافية تخريج الأحاديث المتعلقة بها بسطًا وافيًا، ويقارن بين الأدلة ويحاكم بينها، ويسرد تحت عنوان الأسئلة والأجوبة مواضع الأخذ والرد من فقه الحديث، وينتقي من شروح المتقدمين، مواطن العلم والفوائد مع تمام الاستقصاء، ثم تطرق من ذلك إلى الوصف بأنه يشرح الأحاديث من جميع مناحيها، وأن الكتاب بغية المتعلق بالمنقول وطالب المعقول، وأنه سهل الكشف عن المطالب في مظانها، بوضع العناوين الدالة عليها، ولم يحشد إلى كتابه ما هو أجدر بكتب المصطلح مما له كبير مساس بكتب الحديث، ولا يطيل بتخريج طرق الحديث عن كتب المستخرجات والأطراف المختصة بذلك، إلا ما يحتاج إليه في شرح الكتاب، أو ما يفيد ترجيح لفظ على لفظ في الروايات، ولا يفوته موضع الفائدة من ذلك، وقلما يحيل المطالع إلى مواضع قد يتيه في تطلبها، بخلاف صاحبه الشهاب فإنه كثير الإحالة، وقد لا توجد الفائدة حيث أحال، كما أنه خال عما سبق من مزايا شرح البدر، ثم نقل ناحية بين أنها تزيد شرح العيني مزية، وهي أنه كان يطلع على شرح الشهاب ابن حجر جزءًا بواسطة البرهان بن خضر أحد أصحاب الشهاب، وينتقده في مواطن انتقاده مع التوافق بين الشرحين في النقول في بعض المواضع لتوافق مراجعهما، وتناول الكاتب شبهة أن الثاني أخذ من الأول، وبين أنها نظرة من لا دراية له، وأنه يظهر عند الكشف عن مواطن اتفاقهما في مراجعهما، وأورد أيضا أن كتاب العيني ظهر بعد فراغ ابن حجر من شرحه بخمس سنوات، فدهش ابن حجر وأصحابه من ظهور شرح البدر بهذا المظهر، وابتدأ أصحابه يذيعون أعذارًا لشيخهم مولدة، وأورد أن الشهاب بدأ يرد انتقاد العيني عليه، فكتب الاعتراضات وترك ما تحتها بياضًا ليجيب عليها، فاخترمته المنية ولم يجب على كثير منها. ثم اعترف بأن كليهما شرح حافل، وأن العلامة ابن خلدون الذي قال في مقدمته:١ إن شرح البخاري دين على الأمة لو عاش إلى زمن ظهور هذين الشرحين لحكم لهما بقضاء هذا الدين، ثم عاد يفضل شرح العيني بأن من خاض بحار شرحه الفياض يرى نفسه في ملتقى سيل العلوم من جميع النواحي: لغة وإعرابًا وبلاغة واستنباطًا وكشفًا عن تراجم الرجال وكشف كناهم وألقابهم وأسمائهم وأنسابهم وبيانًا لفوائد حديثية، ولطائف إسنادية، وانتهى من ذلك إلى أن المنصف يحكم للعيني بقضاء هذا الدين بلا ارتياب.
وهذه الكلمة المسهبة وإن بدا فيها روح التعصب للمؤلف وكتابه إلا أنها أغنتنا في وصف الكتاب عن بعض ما كنا سنتناوله من وصف، ونحن نرى أنها قد ذكرت كثيرًا مما للعيني من مزايا، وأغفلت بعض ما فيه مما رآه الكاتب نقصًا في شرح الشهاب، فإن الإحالات في كتاب العيني كثيرة ولا سيما في آخره، بل إنه منذ أول الكتاب يحيل في بيان تراجم الرجال عند ذكر أسمائهم، فمن تقدم ذكره
стр. 325
في موضع ترك الكلام عليه وأحال على ما تقدم، دون ذكر الموضع الذي ورد فيه فيما تقدم، على أنه قط غمط العيني بعض مزاياه حين ذكر أنه يعين بعض مواضع تخريج الحديث من الكتاب إذا تعددت طرقه وتكرر تخريجه، فإن العيني لا يقتصر على هذا القدر من الإشارة إلى ذكر الحديث في مواضع من الجامع نفسه، بل إنه يذكر من أخرجه من المحدثين غيره، كمسلم وأبي داود والترمذي وغيرهم، وهذه ناحية ملموسة واضحة، بل إنها ترد في بعض عناوينه الخاصة بهذا المعنى إذ يقول: ذكر تعدد مواضعه ومن أخرجه غيره، ويفي بذلك تحت هذا العنوان.
ونحن بدورنا نشير إلى ما سنح لنا من الصفات البارزة في هذا الكتاب، عند دراستنا لأجزاء من أوائله وأخرى من أواخره، إيثارًا للإيجاز الذي يتناسب مع منهجنا وخطتنا في البحث.
١- الكتاب في جملته مبسوط بحيث إنه يتناول كثيرًا مما لا يحتاج إليه طالب الحديث ولا سيما فيما يتعلق بالفوائد اللغوية والنحوية والبلاغية والصرفية والبيانية، وإن كان عظيم الفائدة غزير المادة في النواحي الحديثية، وفي شرح ما يحتاج إليه القارئ في استنباط الأحكام، وعرض الأسئلة والأجوبة التي تمكن المعاني في ذهن دارس الحديث، وبيان اختلاف الأئمة والعلماء من المتكلمين في العقائد والمتفقهين في الأحكام، وتفصيل مذاهب كل أولئك، وبيان وجهات كل منهم، وأدلته على ما ذهب إليه، وكثيرًا ما يرجح بعض المذاهب على بعض من وجهة نظره التي يبرزها بدليله وحجته.
٢- الواقع أن وصف الكتاب بالبسط والإطناب يتجلى في الأجزاء الأولى منه، فهو يتناول الأحاديث في تلك الأجزاء بما لا يخلو أكثره مما يأتي:
بيان مناسبة الحديث للباب الذي أورده البخاري، بيان رجاله، بيان لطائف إسناده، بيان مفردات اللغة، بيان الإعراب، بيان الصرف، بيان المعاني، بيان البيان، بيان استنباط الأحكام، الأسئلة والأجوبة، وإذا تطلب الحديث أكثر من ذلك كبيان الأسماء الخارجة عن السند وهي واردة في متن الحديث فإنه يتناولها كذلك بعنوان آخر، وكذلك إذا تطلب الحديث بيان الأنساب أو الأماكن أو غير ذلك فإنه يضع عنوانًا مناسبًا لما يتطلبه الحديث من بيان، ومن ذلك ما جاء في حديث هرقل حيث وضع فيه بيانًا بالأسماء الواقعة فيه١ وبيانًا بأسماء الأماكن فيه٢، وقد يذكر في بعض الأحاديث بيانًا بضبط الرجال، وفوائد تتعلق بهم، كما أنه يذكر بيان نوع الحديث من كونه متواترًا أو غير متواتر، غريبًا أو عزيزًا أو ما أشبه ذلك، وقد يذكر بيان سبب الحديث ومورده، وذلك كما في حديث: "إنما الأعمال بالنيات" ٣.
٣- وطريقة تناوله لتلك النواحي التي أوردنا أنه لا يكاد يغفلها في مناسباتها أنه يغلب عليه التطويل المسهب، وإن كانت هذه النواحي لا تفيد الفائدة المنشودة في بيان الحديث.
стр. 326
فهو مثلًا في بيان اللغة تحت العنوان الأول. كيف كان بدء الوحي وما تضمنه من الآية الكريمة: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْك﴾ يتكلم على كلمة باب، فيذكر أصله وجمعه ومؤنثه، ويذكر في "كيف" أنها من أي أنواع الكلمة، وما دليل ذلك، وكيف استعملها العرب، وفي كلمة "بدء الوحي" يتكلم على البدء ووزنه، وما أورده صاحب العباب في شأنه، ويتكلم في كلمة الوحي يذكر أصل معناها، وجمعها، وبعض ما وقعت فيه من أشعار العرب، ومن آيات القرآن الكريم والرسول، وبماذا يعرف، وما الفرق بينه وبين النبي، وغير ذلك، ما يشغل القارئ ويجعله يمل قبل أن يصل إلى مقصوده من الحديث.
ثم ينتقل إلى بيان الصرف، فيذكر أنه "كيف" لا يتصرف لأنه جامد، وأن "الوحي" مصدر أوحى، وأن الرسول صفة مشبهة، ويطيل في ذلك أيضًا.
ثم ينتقل إلى الإعراب فيذكر أن "باب" بالرفع خبر لمبتدأ محذوف، ويجوز فيه التنوين وتركه للإضافة، وما ذكره بعضهم من أنه يجوز فيه الوقف، ويناقش ذلك، وما وقع في بعض الروايات من حذفه، وما إلى ذلك.
ثم ينتقل إلى المعاني فيبين أن "كيف" تتضمن معنى همزة الاستفهام، وأنه للإنكار، وأن هذا الأسلوب من أي الأنواع.
ثم ينتقل إلى: "إنا أوحينا" فيبين من أي ضروب الخبر هو، وما هي أضرب الخبر عند علماء المعاني ويستشهد من كلام عبد القاهر على ما يقول.
ثم ينتقل إلى البيان، فيذكر أن الكاف في كما أوحينا للتشبيه، ويفسر ذلك.
ثم ينتقل إلى التفسير، فيبين موضع الآية من القرآن الكريم، وسبب نزولها.
ثم ينتقل إلى سر تصدير الباب بالآية المذكورة، وما جرت به عادة البخاري من ضمه إلى الحديث ما يناسبه من القرآن أو غيره.
وهذا الأخير هو أنفع ما ينتفع به طالب الحديث ويعني بشأنه، وليس له حاجة بما قدمه من قبله.
هذا هو صنيع الإمام العيني في شرح كل حديث يورده البخاري، وليس ذلك قاصرًا على أول الباب الأول، ولكنه مطرد في الأجزاء الأولى من الكتاب -كما قلنا.
ولنضرب لك مثلًا آخر من الجزء الثاني من الكتاب:
في الحديث الثالث والثلاثين من باب الغضب في الموعظة والتعليم١، وهو قول ابن خالد الجهني أن النبي ﷺ سأله رجل عن اللقطة فقال: "اعرف وكاءها -أو قال:
стр. 327
وعاءها وعفاصها- ثم عرفها سنة، ثم استمتع بها، فإن جاء ربها فأدها إليه"، قال: فضالة الإبل؟ فغضب حتى احمرت وجنتاه -أو قال: احمر وجهه- فقال: "ومالك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وترعى الشجر، فذرها حتى يلقاها ربها"، قال: فضالة الغنم، قال: "لك أو لأخيك أو للذئب". ا. هـ. تناول المؤلف فيه ما يأتي:
مطابقته للترجمة، وهي باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره، فذكر أن المطابقة في قوله: فغضب، ثم بيان رجاله وهم ستة، فترجم لهم عدا من سبق ذكره، ثم لطائف إسناده: وهي التحديث والعنعنة إلى آخره، ثم بيان تعدد مواضعه ومن أخرجه غير البخاري، وذكر في ذلك كلامًا كثيرًا يتجاوز نصف صفحة من القطع الكبير، ثم بيان اللغات، فضبط اللقطة، وذكر الخلاف في ضبطها، ونصوص رجال اللغة فيها ... وأطال في ذلك بإيراد نقول كثيرة، ثم تناول كلمة اعرف، وبين أنها من المعرفة لا من الإعراف، ثم تناول كلمة الوعاء فضبطها، وبين معناها والخلاف فيه، ثم تناول كلمة الوكاء وفعله وتعديه، وما قيل في ذلك، وأورد شاهدًا من كلام العرب على معنى أوعيت الزاد، ثم ضبط كلمة العفاص، وما ذكر من أنه يقال فيه العقاص وأورد عبارات اللغة في ذلك، واستطرد إلى عقاص القارورة كالصمام والسداد، وأورد للأخير شاهدًا من كلام العرب، وشرح كلمة ربها وما يستعمل فيه، ثم كلمة الضالة وما تستعمل فيه، وهل يصح حذف التاء فيه، ثم شرح كلمة الوجنة، ثم كلمة السقاء، وما يجمع عليه، ثم كلمة الحذاء ومعناه في البعير ومقابله في الفرس، ثم كلمة ذرها وبين أن ماضيه ميت غير مستعمل، وكلمة الغنم فبين أنه مؤنث موضوع للجنس يقع على الذكور والإناث. وأطال في ذلك.
وبعد هذا ذكر بيان الإعراب، فبين أن رجلًا فاعل سأله، وأن وكاءها مفعول اعرف، وأن عرفها معطوف على اعرف، وأن سنة منصوب بنزع الخافض، وأورد أن استمتع معطوف على عرفها وبين أن "فأدها" جواب الشرط فذلك دخلته الفاء، وأن قول السائل: فضالة الإبل كلام إضافي مبتدأ وخبره محذوف، وأن الفاء في قوله فغضب للسببية مثلها "فوكزه موسى فقضى عليه" وأن حتى للغاية بمعنى إلى، وأن وجنتاه فاعل احمرت، وعلامة الرفع الألف، وأن قوله: مالك ولها يروى بالواو وبغير الواو، وأن كلمة ما استفهامية ومعناه ما تصنع بها، أي لم تأخذها ... وأن جملة ترد الماء يجوز أن تكون بيانًا لما قبلها لا محل لها وأن يكون محلها الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف، أي هي ترد الماء وترعى الشجر، وقوله: فذرها جملة من فعل فاعل، والفاء فيها جواب شرط محذوف "هكذا" وقوله: فضالة الغنم كلام إضافي مبتدأ، خبره ما حكمها قوله: لك أو لأخيك أو للذئب فيه حذف تقديره: ليست ضالة الغنم مثل ضالة الإبل، هي لك إن أخذتها أو هي لأخيك ... إلى آخر ما أطال به مما لا يكاد يكون دقيقًا إذا طبق على قواعد النحو.
стр. 328
وفي بيان المعاني ذكر المراد بالرجل السائل، وبين في كلمة أو قال إنها شك من الراوي وما في ذلك من خلاف، وفي اعرف عفاصها ووكاءها أنها وردت في بعض الطرق من غير شك، ثم ذكر العلة في أمر النبي ﷺ له بمعرفة العفاص والوكاء، وفي قوله: ثم عرفها بين أن فيه حذفًا أي للناس، وبم يكون التعريف، وما عدته ... وأطال في ذلك، ثم ذكر السر في الإتيان بثم في قوله: "ثم استمتع" وبين في قوله: "فغضب" وأطال فيه.
ثم انتقل إلى بيان البيان، وذكر أن فيه التشبيه للإبل بمن كان معه حذاء وسقاء في السفر، وانتقل بعد ذلك إلى البديع، وبين أن فيه جناسًا ناقصًا في اعرف وعرف، وهل يستوي الحرف المشدد مع الحرف المخفف.
وبعد ذلك انتقل إلى استنباط الأحكام، فذكر وجوهًا كثيرة جدًّا. وأطال فيها، وكان استنباط الأحكام من هذا الحديث فيما يقرب من ثلاث صفحات من القطع الكبير.
وواضح أن استنباط الأحكام هذا هو أهم ناحية في عرض السنة وشرحها للناس، أما تلك النواحي الأخرى التي بلغت نحوًا من ثلاث صفحات أخرى فقد كان يمكن الاقتصار فيها على أقل القليل حتى يصل طالب المعنى إلى بغيته من أقرب طريق.
ولعل فيما عرضناه من طريقته في الموضوعين اللذين أوردناهما ما يلقي ضوءًا مسفرًا على ما وصفنا به الكتاب من البسط في أوائله.
وأما أواخره، فإنها لم تكن على هذا الوجه من البسط ولا ما يقرب منه، فليس فيها تلك العناوين الكثيرة، وإن كان فيها بعض ما يندرج تحت هذه العناونين دون ذكرها، ولكن مع الإيجاز والاختصار البين، ولو أنه سلك هذا المسلك من أول الكتاب لكان أنفع لطالب الحديث، وأعون على تعجيل المنفعة وتيسيرها للراغب في السنة الذي يريد أن يستغني بأقل القليل مما أطال به المؤلف في غير جوهر الحديث ونواحيه الدينية الأصلية، وإليك مثالين من صنعه في آخر الكتاب:
في حديث أن النبي ﷺ قال١: "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده، كما يكفؤ أحدكم خبزته في السفر نزلًا لأهل الجنة"، فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة قال: "بلى". قال: تكون الأرض خبزة واحدة كما قال النبي ﷺ فنظر النبي ﷺ إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: إدامهم بالأم ونون. قالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون يأكل من زئادة كبدها سبعون ألفًا.
стр. 329
وبدر الدين العيني في هذا الحديث يذكر مطابقته للترجمة، وهي باب "يقبض الله الأرض يوم القيامة" ويبين من أخرجه غيره دون ترجمة، ويشرح الألفاظ دون ترجمة، فيشرح الخبزة بإيجاز، ويشرح التكفؤ كذلك، ويبين الشبه في قوله: كما يكفؤ أحدكم خبزته، ويذكر كلام الخطابي في ذلك، ثم يشرح كلمة النزل ويبين المراد بها، ثم يروي عن البيضاوي أن هذا الحديث مشكل جدًّا، لا من جهة إنكار صنع الله وقدرته، بل لعدم التوقف على قلب جرم الأرض من الطبع الذي عليه إلى طبع المطعوم والمأكول، ويزيل البيضاوي الإشكال في ذلك فيما ينقله العيني عنه ثم يذكر وجوهًا للمحدثين في إزالة هذه الإشكال، ثم ينتقل إلى بيان السبب في ضحك النبي ﷺ ، ويفسر قوله: بدت نواجذه، ثم يقسم الأضراس في هذه المناسبة، ثم يتكلم عن البالام بما ينقله عن الكرماني من بيان إعرابها، والأقوال فيها، والصحيح من ذلك، وهي أنها عبرانية معناها الثور، ويذكر تعليل الخطابي ذكر اليهودي لهذه الكلمة، ثم يذكر تفسير ابن الأثير لهذه الكلمة، ومناقشته لتفسير غيره، ثم ينتقل إلى بيان أن "من" في قوله: من زائدة كبدها زائدة، ويفسر الزائدة بأنها القطعة المنفردة المتعلقة بالكبد، ويذكر أنها أطيبها، ولذلك خص بأكلها سبعون ألفًا، ويذكر خلاف المحدثين في هؤلاء السبعين، ثم يذكر أثرًا عن ابن المبارك عن كعب: "أن الله يقول لأهل الجنة: إن لكل ضيف جزورًا، وإني أجزركم اليوم حوتًا وثورًا" كما يذكر أثرًا عن مسلم من حديث ثوبان: "أن تحفة أهل الجنة زيادة كبد النون" وينتهي من هذا الشرح بلا جزم بقول، ولا اختيار لرأي، ومهما يكن فإنه لا يحرم القارئ من فائدة يفيدها مع إيجازه.
وأنت ترى أنه قد أتى على المقصود من شرح هذا الحديث مع طول متنه بما لا يطيل به على القارئ، وما يمكن أن يجتزئ به مع وجازة، من غير إفاضة في اللغات ووجوه الإعراب والمعاني والبيان وما إلى ذلك، فإنه وقع في نحو صفحة ونصف، ولو أنه التزم في مثل هذا الحديث ما ألزم به نفسه في أول الكتاب لقرأنا في شرحه ما يزيد على عشر صفحات.
وفي "باب النذر فيما لا يملك وفي معصية" حديث أبي إسرائيل قال ابن عباس١: بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي ﷺ : "مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه".
فيبين العيني في هذا الحديث مطابقته للترجمة، وبعض الأسماء التي وردت فيه باختصار، ومن أخرجه غير البخاري، ومواضع ذكره فيها، وما قيد به قوله يخطب في بعض الروايات،
стр. 330
وأن قوله يخطب قيد في بعض الروايات بيوم الجمعة، وأنه ورد في بعض الروايات أنه ﷺ التفت، وبين أن قوله قائم صفة لرجل، وأنه مقيد في بعض الروايات بأنه قائم في الشمس، وفي بضعها بأنه قائم يصلي، وذكر في أبي إسرائيل رواية أبي داود "هو أبو إسرائيل وما زاده كل من الخطيب والكرماني في وصفه، وما أورده ابن الأثير في وصفه أيضًا وما ترجمه به ابن عبد البر.
ثم انتقل إلى بيان المراد بكلمة مره، ومرجع الضمير في مره، ثم إلى تعليل قوله ﷺ : "ليتم صومه" ثم إلى ما يستفاد من الحديث من كونه يدل على أن السكوت عن المباح ليس بطاعة، وكذلك الجلوس في الشمس وكل ما يتأذى به الإنسان، وإنما الطاعة ما أمر الله به ورسوله.
وكل هذا الشروح في نصف صفحة من هذا الكتاب.
ولعلك ترى أنه اقتصر في هذا الحديث على قدر الضرورة أو ما هو أقل من ذلك، وكان بوسعه فيه أن يورد من التفصيلات ما يروي ظمأ القارئ فيما يجب الوفاء به وما لا يجب من النذر، ولعله اكتفى بذكر شرحه لأحاديث أخرى في هذا المعنى قبل هذا الحديث، قد يستفيد بها القارئ لو ضم بعضها إلى بعض متونًا وشروحًا، غير أننا أردنا أن نعرض بعض ما وقع لنا في أواخر الكتاب كما عرضنا بعض ما وقع لنا في أوله.
وأرجو ألا يكون ما وصفنا به صاحب عمدة القارئ من الإطالة والبسط في أول الكتاب والاختصار والإيجاز في آخره مما قد يبدو لوثه في تأليفه، أو عيبًا في تصنيفه، ولعله يكون أقرب إلى النصح للأمة، والإخلاص للقارئ منه إلى غير ذلك، فإن الإطناب في أوائل الكتب أمر يتقدم به المؤلفون لشحذ الملكات واستنهاض الهمم، لمجاراة الإثراء من الثقافة، والتضلع من مختلف المواد والفنون، وقد رأينا الكثرة الكاثرة من المؤلفين في التفسير وشروح السنة يتنهجون هذا المنهج، فإذا كان قد بسط في أول الكتاب فإن ذلك لمزيد التزويد من الثقافة، وإذا كان قد أوجز في آخره فإن ذلك للاكتفاء بما سبقت دراسته في أوله، ولعلنا قد رأينا أن في اختصاره في آخر الكتاب ما لا يخل بالمطلوب من الشرح، وبيان أهم النواحي المنشودة فيه.
ومهما يكن فإننا نسأل الله للإمام العيني بما نصح به لهذه الأمة، وقدم لطلاب الحديث من إحسان ومنه، أن يجزيه أحسن الجزاء، وأن ينفع به وبسائر مؤلفاته، إنه سميع قريب.
стр. 331
ارشادات الساري لشرح صحيح البخاري
...
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري:
للحافظ القسطلاني المتوفى سنة ٩٢٣هـ:
وهذا كتاب من الكتب النافعة في الشروح الحديثية، ومؤلفه الحافظ١ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك، العلامة الحجة الفقيه الرحالة المقرئ المسند. قال السخاوي: مولده ثاني عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمائة بمصر، ونشأ بها وحفظ القرآن، ومن شيوخه الشيخ خالد الزهري النحوي، والفخر المقسمي، والجلال البكري كما أخذ بمكة عن جماعة منهم النجم بن فهد ولم يكن له نظير في الوعظ، وله تصانيف عديدة في علوم القراءات وعلوم الحديث التي من بينها شرحه المسمى إرشاد الساري الذي نورده للدراسة، وتوفي ﵀ ليلة الجمعة سابع المحرم بالقاهرة عام ثلاث وعشرين وتسعمائة، دفن بالمدرسة العينية جوار منزله.
وكتابه إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، قدم له بمقدمة بين فيها منهجه، وتعرض فيها لفوائد حديثية، نورد هنا تلخيصًا لما ورد فيها على النحو التالي:
بعد أن تكلم عن السنة وأنها أعظم العلوم قدرًا، وأرقاها شرفًا وفخرًا، وتكلم على كتاب البخاري الجامع، وأنه قد أظهر من كنوز مطالب السنة العالية إبريز البلاغة، وحاز قصب السبق في ميدان البراعة، وأتى من صحيح الحديث وفقهه بما لم يسبق إليه، ولا عرج أحد عليه، وأفاض في مدحه والثناء عليه قال: ولطالما خطر لي في الخاطر المخاطر أن أعلق عليه شرحًا أمزجه فيه مزجًا، وأدرجه ضمنه درجًا، أميز فيه الأصل من الشرح بالحمرة والمداد، واختلاف الروايات بغيرها ليدرك الناظر سريعًا المراد، فيكون باديا بالصفحة، مدركًا باللمحة، كاشفًا بعض أسراره لطالبيه رافعًا النقاب عن وجوه معانيه لمعانيه، موضحًا مشكله، فاتحًا مقفله، مقيدًا مهملة، وافيًا بتغليق تعليقه، كافيًا في إرشاد الساري لطريق تحقيقه، محررًا لرواياته، معربًا عن غرائبه وخفياته.
ثم بين أنه كثيرًا ما أحجم عن الإقدام على هذا العمل؛ لأنه كما قال عن هذا المنزل بمعزل لا سيما وقد قيل: إن أحدًا لم يستصبح سراجه، ولا استوضح منهاجه، ولا اقتعد صهوته، ولا افترع ذروته. ثم قال: ولم أزل على ذلك مدة من الزمان، حتى مضى عصر الشباب وبان فانبعث الباعث إلى ذلك راغبًا، وقام خطيبًا لبنات أبكار الأفكار خاطبًا إلى أن قال: وأطلقت لسان الحكم بعبارة صريحة واضحة وإشارة قريبة لائحة، لخصتها من كلام الكبراء الذين رقت في معارج علوما لشأن أفكارهم، وإشارات الألباء الذين أنفقوا على اقتناص شوارده أعمارهم، وبذلت الجهد في تفهم أقاوئل الفقهماء المشار إليهم بالبنان، وممارسة الدواوين
стр. 332
المؤلفة في هذا الشأن، ومراجعة الشيوخ الذين حازوا قصب السبق في مضماره، ومباحثه الحذاق الذين غاصوا على جواهر الفرائد في بحاره، ولم أتحاش عن الإعادة في الإفادة عند الحاجة إلى البيان، ولا في ضبط الواضح عند علماء هذا الشأن، قصدًا لنفع الخاص والعام، راجيًا ثواب ذي الطول والإنعام، فدونك شرحًا قد أشرقت عليه من شرفات هذا الجامع أضواء نوره اللامع وصدع خطيبه على منبره السامي بالحجج القواطع، أضاءت مهجته فاختفت منه كواكب الداري وكيف لا وقد فاض عليه النور من فتح الباري.
وبالجملة فإنما أنا من لوامع أنوارهم مقتبس، ومن فواضل فضائلهم ملتمس وسميته إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري.
ثم أورد مقدمة تشتمل على وسائل المقاصد، فإنها جامعة لفصول خمسة ذكر أنها الأصول لقواعد هذا الشرح، وبيان محتوى هذه الفصول ما يأتي:
الفصل الأول:
في فضيلة أهل الحديث وشرفهم في القديم والحديث، ذكر فيه حديث النبي ﷺ : "نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" أورده برواياته المختلفة، وأسانيده المتعددة، وتكلم عنه وأفاض فيه، وأضاف إليه كثيرًا من الأحاديث والآثار تأكيدًا لفضل أهل الحديث وشرفهم، وأنهم -إن شاء الله- الفرقة الناجية.
الفصل الثاني:
في ذكر أول من دون الحديث والسنن ومن تلاه في ذلك سالكًا أحسن السنن، بين فيه اعتماد الأولين من الصحابة والتابعين وأتباعهم على الحفظ والضبط في القلوب والخواطر، غير ملتفتين إلى ما يكتبون، ولا معولين على ما يسطرونه، وذلك لسرعة حفظهم، وسيلان أذهانهم، فلما انتشر الإسلام، وتفرقت الصحابة، وكثرت الفتوحات فمات معظمهم، وتفرق تبعًا لذلك أتباعهم وقل الضبط احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، وكان أول من أمر بذلك عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه خوف اندراسه، فإنه -كما ورد في الموطأ- كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن انظر إلى ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سننه فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، وأنه كتب إلى أهل الآفاق: انظروا إلى حديث رسول الله ﷺ فأجمعوه، وأورد أن ابن حجر قال في مقدمة كتابه الفتح: أول من جمع ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حدة إلى أن انتهى الأمر إلى كبار الطبقة الثالثة، فصنف الإمام مالك بن أنس موطأه بالمدينة وصنف كل من الثوري والأوزاعي وعبد الملك بن جريج وحماد بن سلمة بن دينار تصنيفًا وتلاهم كثير من الأئمة، كل بما سنح له، وانتهى علمه إليه.
стр. 333
يسوغ فيه الإفراد نحو أكلت رأس شاتين، والجمع أجود نحو "فقد صغت قلوبكما" وإن كان غير جزئه فالأكثر مجيئه بلفظ التثنية نحو سل الزيدان سيفهما، وإن أمن اللبس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع كما في قوله في قبورهما، وقد تجتمع التثنية والجمع في نحو: ظهراهما مثل ظهور الترسين، قاله ابن مالك، ولم يعرف اسم المقبورين ولا أحدهما، فيحتمل أن يكون ﵊ لم يسمهما قصدًا للستر عليهما، وخوفًا من الافتضاح على عادة ستره وشفقته على أمته ﷺ ، أو سماهما ليحترز غيرهما عن مباشرة ما باشره، وأبهمهما الراوي عمدًا لما مر فقال النبي ﷺ : "يعذبان" أي صاحبا القبرين "وما يعذبان في كبير" تركه عليهما "ثم قال" ﷺ "بلى" إنه كبير من جهة المعصية، ويحتمل أنه ﵊ ظن أن ذلك غير كبير فأوحي إليه في الحال بأنه كبير فاستدرك، وقال البغوي ورجحه ابن دقيق العيد وغيره: إنه ليس بكبير في مشقة الاحتراز أي كان لا يشق عليها الاحتراز عن ذلك، والكبيرة هي الموجبة للحد أو ما فيه وعيد شديد، وعند ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: يعذبان عذابا شديدًا في ذنب هين "كان أحدهما لا يستتر من بوله" بمثناتين فوقيتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة من الاستتار، أي لا يجعل بينه وبين بوله سترة، أي لا يتحفظ منه، وهي بمعنى رواية مسلم وأبي داود من حديث الأعمش يستنزه بنون ساكنة بعدها زاي ثم هاء من التنزه وهو الإبعاد، ولا يقال إن معنى لا يستتر يكشف عورته لأنه يلزم منه أن مجرد كشف العورة سبب للعذاب المذكور لا اعتبار البول، فيترتب العذاب على مجرد الكشف وليس كذلك، بل الأقرب حمله على المجاز، ويكون المراد بالاستتار التنزه عن البول والتوقي منه، إما بعدم ملابسته، وإما بالاحتراز عن مفسدة تتعلق به كانتقاض الطهارة، وعبر عن التوقي بالاستتار مجازًا، ووجه العلاقة بينهما أن المستتر عن الشيء فيه بعد عنه واحتجاب، وذلك شبيه بالبعد عن ملابسة البول، وإنما رجح المجاز وإن كان الأصل الحقيقة؛ لأن الحديث يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية، فالحمل على ما يقتضيه الحديث المصرح بهذه الخصوصية أولى، وأيضًا فإن لفظة من لما أضيفت إلى البول وهي لابتداء الغاية حقيقة أو ما يرجع إلى معنى ابتداء الغاية مجازا تقتضي نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول، بمعنى أن ابتداء سبب عذابه من البول، وإذا حمل على كشف العورة زال هذا المعنى، وفي رواية ابن عساكر: لا يستبرئ، بموحدة ساكنة من الاستبراء، أي لا يستفرغ جهده بعد فراغه منه، وهو يدل على وجوب الاستنجاء؛ لأنه لما عذب على استخفافه بغسله وعدم التحرز منه دل على أن من ترك البول في مخرجه ولم يستنج منه حقيق بالعذاب "وكان الآخر يمشي بالنميمة" فعيلة من نم الحديث ينمه إذا نقله عن المتكلم به إلى غيره، وهي حرام بالإجماع إذا قصد بها الإفساد بين المسلمين، وسبب كونهما كبيرتين أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان للصلاة، وتركها كبيرة بلا شك، والمشي بالنميمة من السعي بالفساد وهو من أقبح
стр. 334
القبائح، ويجاب عن استشكال كونه النميمة من الصغائر بأن الإصرار عليها المفهوم هنا من التعبير بكان المقتضية له يصير حكمها حكم الكبيرة، ولا سيما على تفسيرها بما فيه وعيد شديد, ووقعت في حديثي أبي بكرة عند الإمام أحمد والطبراني بإسناد صحيح: "يعذبان وما يعذبان في كبير، وبلى وما يعذبان إلا في الغيبة والبول" بأداة الحصر، وهي تنفي كونهما كافرين؛ لأن الكافر وإن عذب على ترك أحكام المسلمين فإنه يعذب مع ذلك على الكفر بلا خلاف، وبذلك جزم العلاء بن العطار وقال: لا يجوز أن يقال إنهما كانا كافرين؛ لأنهما لو كانا كافرين لم يدع لهما بتخفيف العذاب عنهما ولا ترجاه لهما.
وقد ذكر بعضهم السر في تخصيص البول والنميمة بعذاب القبر، وهو أن القبر أول منازل الآخرة، وفيه نموذج ما يقع في القيامة من العقاب والثواب، والمعاصي التي يعاقب عليها يوم القيامة نوعان: حق لله، وحق لعباده، وأول ما يقضى فيه من حقوق الله الصلاة، ومن حقوق العباد الدماء، وأما البرزخ فيقضى فيه مقدمات هذين الحقين ووسائلهما، فمقدمة الصلاة الطهارة من الحدث والخبث، ومقدمة الدماء النميمة، فيبدأ في البرزخ بالعقاب عليهما "ثم دعا" ﷺ "بجريدة" من جريد النخل التي ليس عليها ورق فأتي بها "فكسرها كسرتين" بكسر الكاف تثنية كسرة، وهي القطعة من الشيء المكسور، وقد تبين من رواية الأعمش الآتية إن شاء الله تعالى أنها كانت نصفين، وفي رواية جرير عنه باثنتين "فوضع" النبي ﷺ "على كل قبر منهما كسرة" وفي الرواية الآتية فغرز، وهي تستلزم الوضع دون العكس "فقيل له يا رسول الله" ولابن عساكر فقيل: يا رسول الله "لم فعلت هذا" لم يعين السائل من الصحابة "قال" ﷺ "لعله أن يُخَفَف" بضم أوله وفتح الفاء أي العذاب، وهاء لعله ضمير الشأن وجاز تفسيره بأن وصلتها لأنها في حكم جملة، لاشتمالها على مسند ومسند إليه، ويحتمل أن تكون زائدة مع كونها ناصبة، كزيادة الباء مع كونها جارة، قاله ابن مالك، ويقوي الاحتمال الثاني حذف إن في الرواية الآتية حيث قال: "لعله يخفف عنهما" أي المعذبين "ما لم تيبس" بالمثناة الفوقية بالتأنيث باعتبار عود الضمير فيه إلى الكسرتين، وفتح الموحدة من باب علم يعلم، وقد تكسر وهي لغة شاذة، وفي رواية الكشميهي إلا أن تيبس بحرف الاستثناء، وللمستملي إلى أن ييبس بإلى التي للغاية، والمثناة التحتية بالتذكير باعتبار عود الضمير إلى العودين؛ لأن الكسرتين هما العودان، وما مصدرية زمنية إلى مدة دوامها إلى زمن اليبس المحتمل تأقيته بالوحي كما قاله المازري، لكن تعقبه القرطبي بأنه لو كان بالوحي لما أتى بحرف الترجي، وأجيب بأن لعل هنا للتعليل، أو أنه يشفع لهما في التخفيف هذه المدة كما صرح به في حديث جابر، على أن القصة واحدة كما رجحه النووي، وفيه نظر، لما في حديث أبي بكرة عند الإمام أحمد والطبراني أنه الذي أتى بالجريدة إلى النبي ﷺ ، وأنه الذي قطع الغصنين، فدل ذلك على المغايرة، ويؤيد
стр. 335
ذلك أن قصة الباب كانت بالمدينة، وكان معه ﵊ جماعة، وقصة جابر كانت في السفر، وكان خرج لحاجته فتبعه جابر وحده، فظهر التغاير بين حديث ابن عباس وحديث جابر، بل في حديث أبي هريرة ﵁ المروي في صحيح ابن حبان ما يدل على الثالثة، ولفظة أنه ﷺ مر بقبر فوقف فقال: "ائتوني بجريدتين"، فجعل إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه، يأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في باب وضع الجريدة على القبر في الجنائز.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفي وداري ومكي وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلف هنا عن جرير عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس ﵄، وفي الآتية عن الأعمش كمسلم عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس، فأسقط المؤلف طاوسًا الثابت في الثانية من الأولى فانتقد عليه الدارقطني ذلك كما سيأتي مع الجواب عنه في الباب اللاحق إن شاء الله تعالى، وقد أخرج المؤلف الحديث أيضًا في الطهارة في موضعين، وفي الجنائز والأدب والحج، ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه في الطهارة، وكذا النسائي فيها أيضًا وفي التفسير والجنائز.
وأورد القسطلاني في كتابه ما يأتي كذلك.
"باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه" لإشعاره بالإعراض عن العبادة. وبالسند قال: "حدثنا عباس بن الحسين" بالموحدة والمهملة، والحسين مصغرًا البغدادي القنطري، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الجهاد قال: "حدثنا مبشر" بضم الميم وفتح الموحدة وتشديد المعجمة عند المنذر الحلبي، ولأبي ذر والأصيلي مبشر بن إسماعيل "عن الأوزاعي" عبد الرحمن بن عمر قال المؤلف "ح وحدثني" بالإفراد "محمد بن مقاتل أبو الحسن" المروزي "قال أخبرنا عبد الله" بن المبارك "قال أخبرنا الأوزاعي قال حدثني" بالإفراد، ولأبي ذر حدثنا، وللأصيلي أخبرنا "يحيى بن أبي كثير قال حدثني" بالإفراد "أبو سلمة بن عبد الرحمن" بن عوف "قال حدثني" بالإفراد "عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الله لا تكن مثل فلان" لم يسم "كان يقوم الليل" أي بعضه، ولأبي الوقت في نسخة، ولأبي ذر من الليل أي فيه كإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة أي فيها "فترك قيام الليل" وقال هشام: هو ابن عمار الدمشقي مما وصله الإسماعيلي وغيره "حدثنا ابن أبي العشرين" بكسر العين والراء بينهما معجمة ساكنة عبد الحميد بن حبيب الدمشقي البيروني كاتب الأوزاعي تكلم فيه "قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني" بالإفراد، وللأصيلي وأبي ذر حدثنا "يحيى" بن أبي كثير "عن عمر" بضم العين وفتح الميم "بن الحكم" بفتح الكاف "بن ثوبان" بفتح المثلثة "قال حدثني" بالإفراد "أبو سلمة" بن عبد الرحمن "مثله" ولأبوي ذر والوقت بهذا مثله، وفائدة ذكر المؤلف لذلك التنبيه على أن زيادة عمر بن الحكم بن ثوبان بن يحيى وأبي سلمة من المزيد في متصل الأسانيد؛ لأن يحيى قد صرح بسماعه من أبي سلمة، ولو كان بينهما واسطة لم يصرح بالتحديث "وتابعه" بواو
стр. 336
العطف، ولأبي ذر تابعه بإسقاطها أي تابع ابن أبي العشرين على زيادة عمر بن الحكم "عمرو بن أبي سلمة" بفتح اللام أبو حفص الشامي "عن الأوزاعي" وقد وصل هذه المتابعة مسلم.
هذان مثالان مما كتبه القسطلاني شرحًا على البخاري، أوردناهما على صورة ما وردا عليه في كتابه وأولهما استدعت ضرورة البيان والشرح أن يطيل فيه، وثانيهما اقتصر فيه من الشرح على ما دعت إليه الحاجة، ومن مجموعها تتجلى طريقة المؤلف فيما عالج به أصله البخاري من شرح لما جاء فيه.
ونرى أن هذا الشرح من هذا الإمام العظيم يلي حاجة طالب العلم في شرح كتاب البخاري سواء في ذلك ما ورد فيه من تراجم، وما جاء فيه من متون الحديث بأسانيدها ورجالها، وكما أنه يفيد طالب البيان في غريب الحديث ومشكلاته، وينير الطريق أمام الدارس لمسائل الخلاف في الفروع بين المذاهب الفقهية، وإن فيه لخيرًا كثيرًا لدارسي السنة والمنتفعين بها في دينهم ودنياهم ونسأل الله التوفيق.
стр. 337
فيض القدير بشرح الجامع الصغير:
للعلامة محمد عبد الرءوف المناوي المتوفى سنة ١٠٣١هـ:
ومؤلفه سبق أن ترجمنا له بما تيسر عند الكلام على الإتحافات السنية من بين كتب الجوامع.
وهذا الكتاب تناول فيه شرح الأحاديث التي أوردها الحافظ السيوطي في جامعه الصغير من أحاديث البشير النذير.
وقال في مقدمته لهذا الشرح: فهذا ما اشتدت إليه حاجة المتفهم، بل وكل مدرس ومعلم، من شرح على الجامع الصغير للحافظ الكبير، الإمام الجلال الشهير، ينشر جواهره، ويبرز ضمائره ويفصح عن لغاته، ويكشف القناع عن إشاراته ... إلى آخر ما قال. وأوضح أنه بتأليفه هذا لم يدخل في عداد الناسخين، بلى أتى بالفوائد الشاردة من قاموس فكره وعباب قريحته، وأنه لم يعرب من ألفاظه إلا ما كان خفيًّا لأن الشأن هو معرفة قصده ﷺ وبيان ما تضمنه كلامه من الحكم والأسرار، بيانًا تعضده أصول الشريعة، وتشهد بصحته العقول السليمة، وما سوى ذلك ليس من الشرح في شيء.
وقال: ولم أكثر من نقل الأقاويل والخلافات؛ لأن ذلك من أعظم الآفات على طالب الحديث فإنه يدهش عقله ويحير ذهنه، كما قال حجة الإسلام.
ثم قال: إنه سمى كتابه هذا فيض القدير بشرح الجامع الصغير، ويحسن أن يترجم بمصابيح التنوير على الجامع الصغير، ويليق أن يدعى بالبدر المنير في شرح الجامع الصغير، ويناسب أن يوسم بالروض النضير في شرح الجامع الصغير.
ثم بين اصطلاحه في هذا الكتاب، فأورد أنه حيث يقول القاضي فالمراد به البيضاوي، أو العراقي فجدنا من قبيل الأمهات الحافظ زين الدين العراقي، أو جدي فقاضي القضاة يحيى المناوي أو ابن حجر فخاتمة الحفاظ أبو الفضل العسقلاني١.
وبدراستنا لهذا الكتاب، وتتبعنا لبعض ما ورد فيه، وجدنا من الظواهر ما نسجله فيما يأتي:
١- يشرح المتن شرحًا كافيًا بعبارة طلية، ويستشهد في ذلك بكثير من الآيات والأحاديث المناسبة، ويؤيد ما يراه بالنقل عن السابقين من العلماء، وربما يذكر بعد إفاضته في شرح الحديث أنه موضوع، وأنه كان الأولى للمصنف تركه.
стр. 338
ففي شرحه لحديث "ابن آدم ١ عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك، ابن آدم لا بقليل تقنع ولا بكثير تشبع. ابن آدم، إذا أصبحت معافى في جسدك، آمنًا في سربك، عندك قوت يومك، فعلى الدنيا العفاء" "عدهب" عن ابن عمر "صح"، أورد المؤلف معنى "ما يكفيك" بأنه ما يسد حاجتك، ومعنى "وأنت تطلب ما يطغيك" أي تحاول أخذ ما يحملك على الظلم ومجاوزة الحدود الشرعية، ثم استشهد بالآية الكريمة: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾ ثم قال: فإذا كان عندك ما يكفيك حالا فأشكر نعمة ربك ولا تطلب زيادة تطغيك "ابن آدم لا بقليل تقنع" أي ترضى لفقر نفسك إلى الزيادة، والقناعة: الرضا بما قسم، وتطلق على الاكتفاء بقدر الضرورة، وهو معنى قولهم الرضا باليسير، ولعل المراد هنا بقوله: "تقنع" لا بقيد القلة وإلا لكفى أن يقول لا تقنع، ونكتة قصر القناعة على الرضا والنص على لفظ القلة معه رعاية الطباق بين القلة والكثرة المذكورة بقوله: "ولا من كثير تشبع" وهو من أنواع البديع المستحسنة، والباء في "بقليل" للمصاحبة، ومن في "من كثير" بمعنى الباء، ثم لما نعى عليه حاله، وذم إليه خصاله حثه على الزهادة، وبين له أن الكفاف مع الصحة والأمن محصل للغرض وزيادة، فقال له: "ابن آدم، إذا أصبحت" أي دخلت في الصباح "معافى" أي سالمًا من الأسقام والآثام، ومن قصره على الأول فقد قصر، والعافية والسلامة ودفع البلاء والمكروه "في جسدك" بدنك. قال الراغب: والجسد كالجسم لكنه أخص فلا يقال الجسد لغير الإنسان، أو الجسد يقال لما له لون والجسم لما لا يبين له لون كالماء والهواء "آمنًا" بالمد وكسر الميم "في سربك" -بكسر فسكون- نفسك، أو -بفتح وسكون- مذهبك ومسلكك، أو -بفتحتين- بيتك "عندك قوت يومك" ما يقوم بكفايتك في يومك وليلتك، وخص اليوم لأنه يستتبعها، أو لأن الليل غير محل للاقتياب. قال في الصحاح: القوت ما يقوم به البدن، وفي المفردات ما يمسك الرمق. "فعلى الدنيا العفاء" بفتح المهملة والفاء كسماء الهلاك والدروس وذهاب الأثر. قال الزمخشري ومنه قولهم: عليه العفاء إذا دعا عليه ليعفو أثره، والمعنى إذا كنت كذلك فقد جمع الله لك ما تحتاجه من الدنيا، فدع عنك ما عداه، واشتغل بما يقربك إلى الله. قال الغزالي: ومهما تأملت الناس كلهم وجدتهم يشكون ويتألمون من أمور وراء هذه الثلاث مع أنه وبال عليهم، ولا يشكرون نعمة الله فيها. ومر سليمان ﵇ على بلبل بشجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: الله ونبيه أعلم: قال: يقول أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء. وصاحت فاخيه فأخبر أنها تقول: ليت ذا الخلق لم يخلقوا، وقال صالح بن جناح لابنه: إذا مر بك يوم وليلة وقد سلم فيهما دينك ومالك وبدنك وعيالك، فأكثر الشكر لله، فكم من مسلوب دينه، ومنزوع ملكه، ومهتوك ستره في ذلك اليوم وأنت في عافية، ومن هنا نشأ زهد الزاهدين فاستراحت قلوبهم بالزهد، وانكفوا بالورع عن الكد، وتفرغت قلوبهم وأعمالهم لبذل الجد في سبيل الحمد، وميز القريب من البعيد، والشقي من السعيد، والسادة من العبيد، وهذا هو المهيع.
стр. 339
الذي قبض بسطة وجوه القلوب، فلم يبق للعاقل خطر فيما زاد على كسرة تكسر شهوته، وسترة تواري عورته، وما زاد متجر إن أتفقه ريحه، وإن ادخره خسره، وفيه حجة لمن فضل الفقر على الغنى. وقد أفاد مطلع الحديث أن الصحة نعمة عظيم وقعها، جزيل نفعها، بل هي أجل النعم على الإطلاق، وفي إشعاره إعلام بأن العالم ينبغي له ألا يغفل عن وعظ الناس، إذ الإنسان لما جبل عليه من الغفلات لا بد له من ترغيب يشده، وترهيب يرده، ومواعظ ترققه، وأعمال تصدقه، وإخلاص يحققه، لترتفع أستار الغيبة عن عيون القلوب، وتكسب الأخلاق الفاضلة لتصقل الصداء عن مرائي النفوس، ولقد هز القلوب بحسن هذا النظم وبلاغة تناسبه، وبداعة ربطه، وبراعة تلاحمه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ١.
ثم شرح التخريج فقال: "عدهب" وكذا الخطيب وأبو نعيم وابن عساكر وابن النجار "عن ابن عمر" بن الخطاب، ونقله عن ابن عدي، وسكوته عليه يوهم أنه خرجه وسلمه، والأمر بخلافه، بل قال أبو بكر الداهري: أحد رجاله كذاب متروك. وقال الذهبي: متهم بالوضع وهكذا هو في مسند البيهقي، وذكر نحو الحافظ ابن حجر، فكان ينبغي حذفه.
وبعد، فإن التزام المؤلف بشرح ما ورد في الجامع الصغير يدعوه إلى الوفاء بما التزم، فهو يشرح النص الوارد فيه بما يفتح الله به عليه، ويعزز شرحه بما يورده من آيات وأحاديث، وما يذكره من نقول عن العلماء في ذلك، وإن أمانته العلمية لتحتم عليه أن يذكر رأيه في إسناد النص الذي شرحه، ويذكر كذلك رأي علماء الحديث فيه، حتى ولو كانت نتيجة هذه الآراء الحكم بأنه موضوع، وأنه كان ينبغي حذفه كما فعل في هذا الحديث.
هذا هو مسلك المؤلف في شرحه للأحاديث الواردة في الجامع الصغير، وهو -كما يبدو- وافٍ بالغرض مؤدٍ للمقصود، وإن كان لنا من ملاحظة عليه في هذا المسلك فإنما هي في أنه -في الأعم الأغلب- حينما ينقل عن العلماء والسابقين لا يعزز نقله بإسناد، ولا يذكر كتابًا رجع إليه في روايته لهذه النقول.
٢- يورد المؤلف أثناء الشرح فوائد وتنبيهات وتتمات يروي فيها بعض الآثار، أو يذكر فيها نقولًا عن العلماء، أو يحكي قصة أو رؤيا أو غير ذلك.
ومثل هذا ورد في شرحه لحديث: "ابنوا المساجد، وأخرجوا القمامة منها، فمن بنى لله بيتًا بنى الله له بيتًا في الجنة، وإخراج القمامة منها مهور الحور العين" حيث أورد فائدة٢ قال فيها: أخرج أبو الشيخ من مسند عبيدة بن مرزوق: كانت امرأة بالمدينة تقم المسجد فماتت، فلم يعلم المصطفى ﷺ بها، فمر على قبرها فقال: "ما هذا؟ " قالوا: أم محجن. قال: "التي كانت تقم المسجد؟ " قالوا: نعم، فصل الناس فصلى عليها ثم قال: "أي العمل وجدتِ أفضل؟ " قالوا: يا رسول الله أتسمع؟ فقال: "ما أنت بأسمع منها": ثم ذكر أنها أجابته: "قم المسجد".
стр. 340
وما ورد في نهاية شرحه لحديث: "أتدرون ما العضه؟ نقل الحديث من بعض الناس إلى بعض ليفسدوا بينهم" فقد أورد تتمة١ قال فيها: تتبع رجل حكيمًا سبعمائة فرسخ لأجل سبع كلمات قال: أخبرني عن السماء وما أثقل منها، وعن الأرض وما أوسع منها، وعن الحجر وما أقسى منه وعن النار وما أحر منها، وعن الزمهرير وما أبرد منه، وعن البحر وما أغنى منه، وعن اليتم وما أذل منه؟ فقال: البهتان على البريء أثقل من السماء، والحق أوسع من الأرض، والقلب القانع أغنى من البحر، والحرص والحسد أخر من النار، والحاجة إلى الغير إذا لم تنجح أبرد من الزمهرير وقلب الكافر أقسى من الحجر، والنمام إذا بأن للناس أمره أذل من اليتيم.
وبعد شرح لحديث: "اتخذوا عند الفقراء أيادي فإن لهم دولة يوم القيامة" أورد فائدة٢ قال فيها: رأى بعض العارفين عليًّا كرم الله وجهه في النوم فقال له: ما أحسن الأعمال؟ قال: عطف الأغنياء على الفقراء، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء ثقة بالله تعالى.
وأورد المؤلف تنبيهًا وتتمة بعد شرحه لحديث: "اتق الله يا أبا الوليد لا تأتي يوم القيامة ببعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة لها ثؤاج". فأما التنبيه٣ فقال فيه: قال حجة الإسلام هذا الحمل حقيقي، فيأتي به حاملًا له، معذبًا بحمله وثقله، يعدل الجبل العظيم، مرعوبًا بصوته، وموبخا بإظهار خيانته على رءوس الأشهاد، والملائكة تنادي: "هذا ما أغله فلان بن فلانة رغبة فيه وشحا". وأما التتمة٤ فقال فيها: أجمعوا على أن الغال: يجب عليه إعادة ما غل قبل القسمة، وكذا بعدها عند الشافعي رحمه الله تعالى، فيحظفه الإمام كالمال الضائع، وقول مالك: يدفع الإمام خمسة ويتصدق بالباقي، فيه أنه لم يملكه فكيف يتصدق بمال غيره.
وفي ختام شرحه لحديث: "أد ما اقترض الله تعالى عليك تكن من أعبد الناس، واجتنب ما حرم الله عليك تكن من أورع الناس، وارض بما قسمه الله لك تكن من أغنى الناس" أورد تتمة قال فيها٥: قال الغزالي: للشرع حكمان: حكم الجواز وحكم الأفضل الأحوط، فالجائز يقال له حكم الشرع، والأفضل الأحوط يقال له حكم الورع فافهم، وبه يخرج الجواب على من قال: الورع موضوع على التشديد، والشرع موضوع على اليسر والسماحة.
كما أورد فائدة بعد شرحه لحديث: "إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح له قفل قلبه، وجعل فيه اليقين والصدق، وجعل قلبه واعيًا لما سلك فيه، وجعل قلبه سليمًا، ولسانه صادقًا، وخليقته مستقيمة، وجعل أذنه سميعة، وعينه بصيرة"، وقال في هذه الفائدة٦: قال الشبلي: استنار قلبي يومًا فشهدت ملكوت السموات والأرض، فوقعت مني هفوة فحجبت عن شهود ذلك، فعجبت كيف حجبني هذا الأمر الصغير عن هذا الأمر الكبير؛ فقيل لي: البصيرة كالبصر أدنى شيء فيه يعطل النظر.
стр. 341
مثل هذا ما أورده من تنبيه وفائدة إثر شرحه لحديث: "أوحى الله تعالى إلى إبراهيم: يا خليلي، حسن خلقك ولو مع الكافر تدخل مداخل الأبرار، فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله في عرشي، وأن أسكنه حظيرة قدسي، وأن أدنيه من جواري".
فقال في التنبيه١: قال الراغب: التخلق والتشبه بالأفاضل ضربان. محمود، وهو ما كان على سبيل الارتياض والتدريب على الوجه الذي ينبغي، وبالمقدر الذي ينبغي، ومذموم؛ وهو ما كان رياء وتصنعًا، ويتحراه فاعله ليذكر به، ويسمى تصنعًا وتشيعًا، ولا ينفك صاحبه من اضطراب يدل على تشيعه.
وقال في الفائدة٢: قال العارف ابن عربي: ينبغي لطالب مقام الخلة أن يحسن خلقه لجميع الخلق: مؤمنهم وكافرهم، طائعهم وعاصيهم، وأن يقوم في العالم مقام الحق فيهم، فإن المرء على دين خليله من شمول الرحمة، وعموم اللطف من حيث لا يشعرهم أن ذلك الإحسان منه، فمن عامل الخلق بهذه الطريقة صحت له الخلة، وإذا لم يستطع بالظاهر لعدم الموجود أمدهم بالباطن فيدعو لهم بينه وبين ربه، وهكذا حال الخليل فهو رحمة كله.
ومثل هذا في الكتاب كثير، ولكن المؤلف ﵀ لم يكن -فيما يبدو- يتحرى الدقة في كل ما ينقله، ولا يهتم بصحة المنقول في بعض ما يرويه، فقد نرى من بين هذه النقول ما يبدو أنه ملفق، ومتكلف أو مصنوع، بما يحس معه القارئ بأنه ليس بصدد كتاب حديث، وإنما يقرأ كتاب وعظ قد يشبع العاطفة ولكنه لا يرضي العلم، يعتمد في نقوله على ما هو أدخل في باب الترغيب والترهيب.
ومن ذلك ما أورده المؤلف بعد شرحه لحديث: "اتخذوا الغنم فإنها بركة": فقد أورد فائدة٣ قال فيها: حُكي في الوحيد أنه ورد في بعض الآثاء أن الخليل ﷺ كان له أربعة آلاف كلب في غنمه، في عنق كل كلب طوق من الذهب الأحمر زنته ألف مثقال، فقيل له في ذلك، فقال: إنما فعلت ذلك لأن الدنيا جيفة وطلابها كلاب، فدفعتها لطلابها.
٣- يستدرك على المصنف ما فاته من متن الحديث فينبه إليه، ويصحح روايته: ففي حديث: "أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار، سدوا كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر"٤ أورد تنبيهًا ذكر فيه أن تصرف المصنف بإيراد الحديث على هذا النحو يوهم أن سياق الحديث هكذا فحسب، وقال: إن الأمر بخلافة بل سقط من قلمه بعضه، ولفظه عند مخرجه الذي عزاه إليه "عم عن ابن عباس" "أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار فاعرفوا له ذلك كله، فلو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلًا"، ثم قال: "سدوا كل خوخة في المسجد، غير خوخة أبي بكر".
стр. 342
وكذلك حديث: "أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة رجل يوضع في إخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه" ذكر فيه المؤلف١ أن المصنف أورده عن مسلم عن النعمان بن بشير الأنصاري ولكن رواية مسلم لفظها من حديث النعمان: "إن أهون أهل النار" وإنما قال: "أهون" في حديث ابن عباس الآتي، فهذا مما لم يحرر فيه المؤلف التخريج.
٤- يزيل ما يبدو بين بعض الأحاديث من تعارض، ويعمل على اتساقها والتوفيق بين بعضها وبعض، أو بينها وبين ما هو معلوم من الدين بنصوص القرآن الكريم.
ومن ذلك ما أورده في حديث: "ابغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم" حيث قال: هذا الحديث وما على منواله: "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم" قد وقع التعارض ظاهرًا بينه وبين خبر مسلم: "المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير"، وعند التأمل لا تدافع؛ إذ المراد بمدح القوة؛ القوة في ذات الله وشدة العزيمة، وبمدح الضعف لين الجانب، ورقة القلب، والانكسار بمشاهدة جلال الجبار، أو المراد بذم القوة التجبر والاستكبار، وبذم الضعيف ضعف العزيمة في القيام بحق الواحد القهار، على أنه لم يقل هنا إنهم ينصرون بقوة الضعفاء، وإنما مراده بدعائهم أو بإخلاصهم أو نحو ذلك.
- ومن ذلك أيضًا ما نقله عن ابن الجوزي في حديث: "أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار" حيث قال٢: وقد أورد ابن الجوزي الحديث في الموضوعات بتوهمه معارضته لحديث أبي بكر مع أنه قد أجمع جمع منهم البزار والكلاباذي والطحاوي بأن سد الأبواب وقع مرتين، ففي الأولى استثنى باب علي؛ لأن بابه كان إلى جهة المسجد، ولم يكن لبيته باب غيره، فلما امروا بسدها سدوها، وأحدثوا خوخًا يستقربون الدخول للمسجد منها، فأمروا بعد بسدها غير خوخة أبي بكر.
وفي حديث: "اتقوا المجذوم كما يتقى الأسد" وفق المؤلف بينه وبين خبر: "لا عدوى ولا طيرة" حيث قال:٣ ولا يناقضه خبر: "لا عدوى ولا طيرة" لأنه نفي لاعتقاد الجاهلية نسبة الفعل لغير الله، فوقوعه بفعله تقدس، أو لأن الطاعون ينزل ببلد فيخرج منها خوف العدوى، وأما المجذوم ومثله المسلول فلم يرد به في هذا الخبر وما أشبهه إلا التحرز عن تعدي الرائحة، فإنها تستقم من أطال اشتمامها باتفاق حذاق الأطباء، وأكل المصطفى ﷺ معه تارة، وتارة لم يصافحه لبيان الجواز، وصحة الأمر على سالك طريق الفرار وسالك طريق التوكل، ففعل الأمرين ليأخذ من قويت ثقته بريه بطريق التوكل، ومن ضعف بطريق التحفظ، ثم قال: والحاصل أن الأمور التي يتوقع منها الضرر قد أباحت الحكم الربانية التحرز عنها، فلا ينبغي للضعفاء أن يقربوها، وأما أهل الصدق واليقين فبالخيار، وعلى ذلك ينزل ما تعارض من الأخبار.
стр. 343
ومثل ذلك ما أورده في حديث: "أدنى ما تقطع فيه يد السارق ثمن المجن" حيث قال:١ وعورض هذا الحديث بأحاديث: منها خير الشيخين عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم" وخبر البيهقي عن عمر: "قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار" قال ابن عبد البر: هذا أصح حديث في الباب، قال ابن حجر: ويجمع بأنه قال أولًا: لا قطع فيما دون العشرة، ثم شرع القطع في الثلاثة فما فوقها، فزيد في تغليظ الحد كما زيد في تغليظ حد الخمر، وأما سائر الروايات فليس فيها إلا الإخبار عن فعل وقع في عهده ﷺ وليس فيه تحديد النصاب، فلا ينافي رواية ابن عمر أنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم، وهو مع كونه حكاية فعل لا يخالف حديث عائشة أن قيمته ربع دينار، فإن ربع الدينار صرف ثلاثة دراهم، وليس المراد به مجنًا بعينه، بل الجنس وأن القطع كان يقع في كل شيء يبلغ قدر ثمن المجن فيكون نصابًا، ولا يقطع فيما دونه ... إلى آخر ما ذكره ونقله من توفيق العلماء بين الأحاديث التي يظهر فيها التعارض.
٥- يشرح تخريج الحديث وتقويمه، ويتحدث عن رجاله، ويضيف إلى التخريج جديدًا في بعض الأحيان، وذلك مثل ما صنعه في تخريج حديث: "آخر ما تكلم به إبراهيم حين ألقي في النار حسبي الله ونعم الوكيل" فإنه قال٢: "خط" في ترجمة محمد بن يزداد "عن أبي هريرة" الدوسي "وقال" أي الخطيب حديث "غريب" أي تفرد به حافظ ولم يذكره غيره، ورواه عنه أيضًا الديلمي هكذا "والمحفوظ" عند المحدثين "عن" أبي العباس عبد الله "ابن عباس" ترجمان القرآن الذي قال فيه علي كرم الله وجهه: كأنما ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق، وأخرج ابن عساكر أنه كان يسمي حكيم المعضلات، ولم يرد عن أحد من الصحابة في الفتوى أكثر منه، وعمي آخر عمره كأبيه وجده "موقوف" عليه غير مرفوع، لكن مثله لا يقال من قبل الرأي فهو في حكمه، وهذا الموقوف صحيح، فقد أخرجه البخاري في صحيحه عنه بلفظ: "كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار حسبنا الله ونعم الوكيل" وفي رواية له عنه أيضًا: "حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم".
ومثل ذلك حديث: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة" الحديث شرح تخريجه كما يأتي٣:
"حم والضياء" المقدسي في المختارة وأبو نعيم وابن أبي شيبة وغيرهم "عن سعيد بن زيد" عن عمرو بن نفيل "ت" وكذلك أحمد ولعله أغفله سهوًا وأبو نعيم في المعرفة كلهم من حديث عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه "عن" جده "عبد الرحمن بن عوف" الزهري وعبد الرحمن هذا تابعي ثقة إمام، وأبوه حميد أحد سادات التابعين ومشاهيرهم، خرج له الجماعة، قال ابن حجر: يكفي من مناقبه هذا الحديث الحسن وحده، فكيف مع كثرتها.
стр. 344
وفي شرحه لتخريج حديث: "أتاني جبريل فقال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت ... " الحديث١ "الشيرازي" في كتاب معرفة "الألقاب والكنى" عن إسماعيل عن زافر بن سليمان عن محمد بن عيينة عن أبي حازم عن سهل بن سعد "ك" في الرقاق من طريق عيسى بن صبح عن زافر "هب" من طريق محمد بن حميد عن عيسى بن صبح عن زافر عن ابن عيينة عن أبي حازم "عن سهل بن سعد" ابن مالك الخزرجي الساعدي، قال الحاكم: صحيح، وأقره الذهبي في التلخيص مع أن زافرًا أورده هو وغيره في الضعفاء، ولهذا جزم الحافظ العراقي في المغني يضعف الحديث، قال: وجعله بعضهم من كلام سهل ومراده القضاعي "هب" من طريق أبي داود الطيالسي عن الحسن بن أبي جعفر عن أبي الزبير "عن جابر" بن عبد الله "حل" عن محمد بن عمر عن محمد بن الحسن وعلي بن الوليد قالا: حدثنا علي بن حفص بن عمر عن الحسن بن الحسين بن زيد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن الحسن "عن علي" أمير المؤمنين وزاد في هذه الرواية: فقال ﷺ : "لقد أوجز لي جبريل في الخطبة" قال ابن حجر في أماليه: أخرجه الحاكم من طريق عيسى بن صبح عن زافر، وصححه البيهقي من طريق ابن حميد عن زافر، قال أعني ابن حجر: تفرد بهذا الإسناد زافر وما له طريق غيره، وهو صدوق كثير الوهم، والراوي عنه فيه مقال لكن تويع، قال: وقد اختلف فيه نظر حافظين فسلكا طريقين متناقضين، فصححه الحاكم ووهاه ابن الجوزي، والصواب أنه لا يحكم عليه بصحة ولا وضع، ولو توبع زافر لكان حسنًا، لكن جزم العراقي في الرد على الضغاني والمنذري في ترغيبه بحسنه.
وكذلك في تخريج حديث: "أهل الشام سوط الله تعالى في الأرض" الحديث قال في شرحه: "حم ع طب والضياء" المقدسي "عن خريم" بضم الخاء المعجمة وفتح الراء "ابن فاتك" بفتح الفاء وكسر المثناة التحتية الأسدي الصحابي قال ابن أبي حاتم: بدري له صحبة، وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني موقوفًا على خريم ورجالهما ثقات.
٦- يعقب -أحيانًا- على السيوطي في التخريج والتقويم:
ففي حديث: "أول تحفة المؤمن أن يغفر لمن صلى عليه" شرح تخريجه وتقويمه، وعقب على ذلك بقوله:٢ "الحكيم" الترمذي "عن أنس" من حديث معبد بن سرق العبدي عن الحكم بن سنان بن عون عن النميري، والحكم بن سنان قال الذهبي: ضعفوه، وزياد النميري أورده في الضعفاء وقال: صالح الحديث ابتلي برواة ضعفاء، ورواه الخطيب عن جابر والديلمي عن أبي هريرة، وفيه عنده عبد الرحمن بن قيس رمي بالكذب، ولأجله حكم الحاكم على الحديث بالوضع وعده ابن الجدوزي من الموضوعات.
стр. 345
وفي حديث "أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر ... " الحديث تكلم عن التخريج بما يلي١: "حم ت" وكذا الطبراني في الأوسط "عن أبي سعيد" الخدري وكذا ابن مسعود، قال الترمذي: حسن صحيح "قال الهيثمي": إسناد ابن مسعود صحيح، وفي إسناد أبي سعيد عطية والأكثر على ضعفه، ثم عقب المؤلف على ذلك بقوله: ثم إن صنيع المصنف يوهم أن ذا لم يتعرض أحد من الشيخين لتخريجه وهو ذهول، فقد عزاه الديلمي وغيره إلى البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: "أول زمرة تدخل الجنة وجوهم على مثل القمر ليلة البدر، والثانية على مثل أضواء كوكب في السماء، لكل رجل منهم زوجتان يرى مخ ساقيهما من وراء الثياب وما في الجنة عزب". ا. هـ. ثم رأيته كذلك في كتاب الأنبياء وخلق آدم ﵇، وفي مسلم في صفة الجنة عدة أحاديث بنحوه، وليس في حديث الترمذي الذي آثره المصنف إلا زيادة عدد الحلل، وفي رواية البخاري زيادة عدد الحلل، وفي رواية البخاري زيادة نفي وجود الأعزب فيها.
وفي الحديث الذي بعده: "أول سابق إلى الجنة عبد أطاع الله وأطاع مواليه" عقب على التخريج بما نقله الهيثمي وغيره بما يخالف تقويم المصنف لهذا الحديث قال: قال الهيثمي: فيه بشر بن ميمون أبو صيفي وهو متروك، وقال غيره: وفيه بشر بن ميمون أبو صيفي قال في الميزان عن البخاري يتهم بالوضع، وعن الدارقطني متروك الحديث، وعن ابن معين أجمعوا على طرح حديثه، ثم أورد له مما أنكر عليه هذا الخبر.
وفي حديث: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" وبعد أن أورد تخريج المصنف له قال: وظاهره أنه لا يجد مخرجًا لأحد من السنة، وإلا لما أبعد النجعة، وهو ذهول عجيب، فقد خرجه النسائي في الكبرى وابن ماجه، وكذا الإمام أحمد والحاكم من حديث أنس، قال الحافظ العراقي: بإسناد حسن، والعجيب أ، ن المصنف نفسه عزاه لابن ماجه وأحمد في الدرر عن أنس المذكور.
ولكن المؤلف كثيرًا ما يعزز تقويم السيوطي للحديث، ويؤكد ما ذهب إليه فيه:
ففي حديث: "أتاني جبريل بالحمى والطاعون ... " الحديث، وبعد أن ذكر تخريج المصنف له بما يدل على صحته قال٢: قال الهيثمي: رجال أحمد ثقات، ولذلك رمز المؤلف "السيوطي" لصحته.
٧- يبين المؤلف لطائف إسناد الحديث ومثال ذلك:
حديث: "أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة ... " الحديث قال فيه٣: ومن لطائف إسناده أنه من رواية الرجل عن أبيه عن جده حيث بين أنه من رواية عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه "حميد" عن جده "عبد الرحمن بن عوف".
стр. 346
٨- يذكر أسماء الضعفاء من رواة الحديث للتدليل على ضعفه:
ففي حديث: "أول الوقت رضوان الله، وآخر الوقت عفو الله" قال المناوي١: سكت المؤلف عليه فلم يشر إليه بعلامة الضعف، وكأنه ذهل عن قول الذهبي في التنقيح: في سنده كذاب. وعن قول ابن عبد الهادي عن معين: فيه الحسين بن حميد كذاب ابن كذاب، وأورده ابن الجوزي في الواهيات وقال: لا يصح، وقال ابن حجر: في سنده من لا يعرف، وقال: في الباب ابن عمر وابن عباس وعلي وأنس وأبو محذورة وأبو هريرة، فحديث ابن عمر رواه الترمذي والدارقطني، وفيه يعقوب بن الوليد المدني كان من كبار الكذابين، وحديث ابن عباس رواه البيهقي في الخلافيات وفيه نافع أبو هرمز متروك، وحديث علي رواه البيهقي عن أهل البيت وقال: أظن سنده أصح ما في هذا الباب قال -أعني ابن حجر: ومع ذلك فهو معلول، ولهذا قال الحاكم: لا أحفظ الحديث من وجه يصح، وحديث أنس خرجه ابن عدي والبيهقي، وقد تفرد به بقية عن مجهول مثله، وحديث أبي محذورة رواه الدارقطني وفيه إبراهيم بن زكريا متهم، وحديث أبي هريرة ذكره البيهقي وقال: هو معلول.
وبعد: فلعل المناوي ﵀ قد غفل عن أن المؤلف لم يسكت عن ذكر علامة الضعف في هذا الحديث، فقد رجعنا إلى الجامع الصغير فوجدناه في تخريجه لهذا الحديث نبه إلى ضعفه بذكر العلامة الدالة على الضعف "ض" في آخره٢ بل إن متن الحديث في شرح المؤلف قد ختم تخريجه بهذه العلامة أيضًا، وعلى ذلك فإن السيوطي ﵀ لم يغب عنه التنبيه على ضعف هذا الحديث كما ذكر المناوي فيه.
ومثل هذا -أيضًا- حديث: "أول بقعة وضعت من الأرض موضع البيت ... ". الحديث فقد نبه المؤلف على رجال إسناده الذين كانوا سببًا في ضعف هذا الحديث فقال: وفيه عبد الرحمن بن علي عجلان القرشي قال في الميزان عن العقيلي: فيه جهالة وحديثه غير محفوظ ثم ساق له هذا الخبر وفيه أيضًا من لا يعرف.
٩- يخالف المناوي المصنف في تقويم الحديث -أحيانًا- فيقول بالضعف على ما يراه المصنف حسنًا، ويقول بالوضع على ما خرجه المصنف بما يوهم غير ذلك.
ومن ذلك حديث: "أو خصمين يوم القيامة جاران" الذي رمز المصنف له بعلامة الحسن، نقل المناوي٣ عن الحافظ العراقي أن سنده ضعيف، وعن الحافظ المنذري أنه رواه أحمد والطبراني بإسنادين أحدهما جيد، وعن الهيثمي: أن أحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح غير أبي نساقة وهو ثقة، وأعاده بمحل آخر وقال: إسناده حسن.
стр. 347
ولعل خلافه مع المصنف في تقويم هذا الحديث يرجع إلى أن سنده ضعيف في ذاته، وأنه لم يرتفع إلى درجة الحسن إلا بوجود تابع أو شاهد.
وفي حديث: "أول سابق إلى الجنة عبد أطاع الله وأطاع مواليه" رمز المصنف له بعلامة الصحة، ولكن المؤلف عقب في شرحه بما يفيد ضعف الحديث، فقال نقلًا عن الهيثمي وغيره: وفيه بشر بن ميمون أو صيفي وهو متروك، وعن البخاري: يتهم بالوضع، وعن الدارقطني: متروك الحديث، وعن ابن معين: أجمعوا على طرح حديثه، ثم أورد له مما أنكر عليه هذا الخبر.
وفي حديث: "أول تحفة المؤمن أن يُغفر لمن صلى عليه" لم يبين لنا المصنف درجة هذا الحديث، فقد رجعنا إلى الجامع الصغير١ فوجدناه أغفل تقويمه، ولكن المناوي ينبري له في التخريج فيذكر٢ أنه من حديث معبد بن سرور العبدي عن الحكم بن سنان بن عون الذي قال الذهبي فيه: إنهم ضعفوه، وأن زياد النميري أورده في الضعفاء وقال: صالح الحديث ابتلي برواة ضعفاء، ورواه الخطيب عن جابر، والديلمي عن أبي هريرة وفيه عنده عبد الرحمن بن قيس رمي بالكذب، ولأجله حكم الحاكم على الحديث بالوضع، وعده ابن الجوزي من الموضوعات.
١٠- يضيف المؤلف إلى مراجع تخريج السيوطي مراجع أخرى خرجت الحديث غير تلك التي أوردها.
من ذلك ما أورده في حديث: "أوصيك بتقوى الله تعالى فإنه رأس الأمر كله ... ".
حيث أضاف المؤلف في نهاية تخريجه قوله: ورواه عنه أيضًا ابن لال والديلمي في مسند الفردوس.
وفي حديث: "أولياء الله تعالى الذين إذا رءوا ذكر الله تعالى" قال في ختام الحديث عن تخريجه:٣ وظاهر صنيع المصنف أنه لا يوجد مخرج لأشهر من الحكيم ولا أعلى، وهو عجب، فقد رواه البزار عن ابن عباس: رواه عن شيخه علي بن حرب الرازي، قال الهيثمي: لم أعرفه وبقية رجاله وثقوا. ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث ابن أبي وقاص.
وفي حديث: "أول زمرة تدخل الجنة ... " قال في نهاية الكلام عنه:٤ ثم إن صنيع المصنف يوهم أن ذا لم يتعرض أحد من الشيخين لتخريجه، وهو ذهول، فقد عزاه الديلمي وغيره إلى البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: "أول زمرة تدخل الجنة وجوهم على مثل القمر ليلة البدر ... " إلى آخر الحديث قال: ثم رأيته في كتاب الأنبياء وخلق آدم ﵇، وفي مسلم صفة الجنة عدة أحاديث بنحوه.
стр. 348
ومثل ذلك حديث: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة ... " الحديث قال -بعد أن أورد تخريج المصنف له:١ وظاهر صنيع المصنف أن ذا مما لم يخرجه أحد من الستة، وإلا لما عدل عنه على القانون المعروف عندهم، وهو ذهول، فقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة مع تغيير يسير، ثم روى لفظ الترمذي.
وبعد: فإن الإمام المناوي بما قدم من جهد في شرح أحاديث الجامع الصغير هو -على ما نعلم- مما لم يقم بمثله أحد في هذا المضمار، فقد خدم الأحاديث الواردة فيه شرحًا وتخريجًا وتقويمًا بما نقله عن العلماء، وما أضافه إلى ذلك من رأيه، حتى أضحى كتابه "فيض القدير" خير ما رأيناه شرحًا لأحاديث الجامع الصغير.
стр. 349
كتب مشكل الآثار أو تأول مختلف الحديث
...
كتب مشكل الآثار أو تأويل مختلف الحديث:
وفي الفرق بين التأويل والتفسير قال أبو عبيد وطائفة: هما بمعنى، وقال الراغب: إن التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل، وأكثر ما يستعمل في الكتب الإلهية، وقال غيره: التفسير بيان لفظ لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، والتأويل توجيه لفظ يتجه إلى معان مختلفة إلى واحد منها بما ظهر من الأدلة.
هذا بعض ما نقله صاحب كشف الظنون١ خلاصة لما أورده أبو الخير في مقدمة علم التفسير.
ثم قال: وقد ذكر في فروع علم الحديث علم تأويل أقوال النبي ﷺ وقال: هذا علم معلوم موضوعه، وبين نفعه، وظاهر غايته وغرضه، ثم ذكر عددًا من المؤلفين في هذا العلم.
وأورد صاحب الرسالة المستطرفة عددًا٢ من هذه الكتب وأسماء المؤلفين في هذا العلم الذي سماه اختلاف الحديث، أو مشكل الحديث، أو تأويل مختلف الحديث، أو مناقضة الأحاديث وبيان محامل صحيحها.
وهذا النوع من علوم الحديث ضروري لكل عالم بالسنة، فبمعرفته يندفع ما يبدو من تناقض بين الأحاديث النبوية، ويطمئن المكلف إلى ما يرد فيها من أمور الدين.
وأشهر المؤلفين في هذا النوع من السنة فيما أورده صاحب الرسالة المستطرفة وما أورده صاحب كشف الظنون وكتاب إيضاح المكنون ما ذكرناه هنا مرتبًا بحسب سني الوفاة للمؤلفين، وما عرفناه من أسماء كتبهم على النحو التالي:
١- اختلاف الحديث للإمام الشافعي أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي المتوفى سنة أربع ومائتين٣ وهو من رواية الربيع بن سليمان المرادي عنه، وهو مطبوع على هامش الجزء السابع من كتاب الأم.
٢- مشكل الحديث للإمام أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدنيوري، المتوفى سنة ست وسبعين ومائتين٤ وذكر صاحب كشف الظنون كتابه باسم تأويل مختلف الحديث٥.
٣- كتاب أبي يحيى زكريا بن يحيى الساجي البصري الحافظ، المتوفى سنة سبع وثلاثمائة٦.
стр. 350
٤- كتاب محمد بن جرير الطبري أبو جعفر، المتوفى سنة عشر وثلاثمائة١.
٥- مشكل الآثار، لأبي جعفر الطحاوي أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي، المتوفى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة٢.
٦- تأويل الأحاديث المشكلات الواردة في الصفات، لأبي الحسن علي بن مهدي الكسروي الأصفهاني ثم البغدادي الشافعي، المتوفى سنة ثلاثين وثلاثمائة٣.
٧- تأويلات أهل السنة، لأبي منصور محمد بن محمد الماتريدي الحنفي المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
٨- مشكل الآثار، لأبي بكر محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني الواعظ المتكلم، المتوفى سنة ست وأربعمائة٤.
٩- تأويل متشابه الأخبار، لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي، المتوفى سنة تسع وعشرين وأربعمائة.
١٠- التحقيق في أحاديث الخلاف، لأبي الفرج بن الجوزي، المتوفى سنة سبع وتسعين وخمسائة٥.
هذا أهم ما عرفناه من كتب تأويل مختلف الحديث ومؤلفيها، وقد أورد الدكتور أبو زهو في كتابه٦ قوله: وقد كان إمام الأئمة ابن خزيمة٧ من أحسن الناس كلامًا في هذا النوع من فنون الحديث حتى روي عنه أنه قال: لا أعرف حديثين متضادين، فمن كان عنده فليأتي به أؤلف بينهما.
ولم نجد بين علماء الحديث في مصر في الفترة التي اخترناها للدراسة من ألف في هذا النوع من السنة تاليفًا خاصًّا به لكي نقدم للقارئ دراسة له.
ولكنا نعود فنقول -ما سبق أن ذكرناه في تقديمنا لهذا الفصل- إن كتب الشروح الحديثية -وأغلبها لمصريين- قد حفلت بالكثير من هذه الدراسة التي يعمد إليها المؤلفون أثناء شرحهم للأحاديث المشكلة، توفيقًا بينها وبين ما يبدو في غيرها من تعارض، وأنهم ليفيضون في هذا كثيرًا، كما نلمسه في فتح الباري وعمدة القارئ وغيرهما من كتب الشروح، كما يفيضون في شرح مفرداتها وبيان غريبها، حتى تصل السنة إلى الدارسين واضحة الألفاظ، مستقيمة المعاني، لا تعلق بها شبهة، ولا تشوبها شائبة تحول دون الانتفاع بها ما استقامت النية، وصلحت الطوية.
ولعل ذلك كان السبب في أن المحدثين في مصر لم يهتموا بالتأليف استقلالًا في الغريب ومشكل الحديث، بقدر ما كانوا يهتمون بالتأليف في الشروح الحديثية، فقد أعطوها من العناية ما جعلها تجمع إلى ما تناولته من شرح الحديث وتخريجه وغير ذلك -توضيحًا للغريب وحلًّا للمشكلات- وفي جمع هذا بذاك إبراز لمعالم الصورة، وإيضاح للمراد من السنة النبوية المطهرة.
стр. 351
الفصل السادس: كتب أصول الحديث
مدخل
...
الفصل السادس: كتب أصول الحديث
تمهيد:
علم أصول الحديث هو العلم الذي يعرف به صفات الحديث من قبول ورد وصحة وضعف وما إلى ذلك، ويسمى علوم الحديث -أي العلوم والمعارف التي يمكن الحكم بها على صفة الحديث كما بيننا- كما أنه يسمى علم مصطلح الحديث -أي العلم الذي تعرف به الاصطلاحات التي تبين كل نوع من أنواع الحديث، من صحة وحسن وضعف، وغرابة وعزة وشهرة، وشذوذ ونكارة وما إلى ذلك، وما تتميز به أنواع الحديث بعضها على بعض.
وقد توسع علماء الحديث في هذا العلم حتى نقل عن ابن الملقن أن أنواعه تزيد على المائتين وبلغ ابن حاتم في تقسيم الضعيف منه خمسين قسما إلا واحدا١.
وقد تناوله القاسمي في كتابه قواعد التحديث٢ فقال: اعلم أن الأئمة المصطلح سردوا في مؤلفاتهم من أنواعه ما أمكن تقريبه، وجملة ما ذكره النووي والسيوطي في التدريب خمسة وستون نوعًا، وقال: ليس ذلك بآخر الممكن في ذلك، فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى.
وقد رجعنا إلى السيوطي في مقدمة كتابه التدريب٣، فوجدناه يذكر في الفائدة الرابعة أن علوم الحديث كثيرة لا تعد، قال الحازمي في كتاب العجالة: علم الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تبلغ مائة، كل نوع منها علم مستقل، لو أنفق الطالب فيه عمره لما أدرك نهايته وقد ذكر ابن الصلاح منها -وتبعه المصنف- "يريد النووي في التقريب" خمسة وستين، قال: وليس ذلك بآخر الممكن في ذلك، فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى.
قال الحازمي: أحوال رواة الحديث وصفاتهم، وأحوال متون الحديث وصفاتها، وما من حالة منها ولا صفة إلا وهي بصدد أن تفرد بالذكر فإذا هي نوع على حياله.
قال شيخ الإسلام "ابن حجر" وقد أخل بأنواع مستعملة عند أهل الحديث، منها القوي والجيد والمعروف والمحفوظ والثابت والصالح، ومنها في صفات الرواة أشياء كثيرة، كمن اتفق اسم شيخه والراوي عنه، وكمن اتفق اسمه واسم شيخه وشيخ شيخه، أو اسمه واسم أبيه وجده ... إلى آخر ما نقله السيوطي في هذا المقام مما ليس في جوهر موضوعنا.
стр. 352
ومقصودنا بالدراسة في هذا التمهيد بيان أن علم الحديث -منذ دون من عهد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، ثم اطرد التدوين فيه في جميع البقاع الإسلامية- لم يقتصر المدونون على إيراد الأحاديث مجردة من غمز ما يستحق الغمز منها، وتناول علل بعضها، ونقد بعض رواتها.
وقد وجد في بعض هذه المدونات دراسات طويلة تتعلق بالإسناد ونقد الرواة وبيان الضعفاء كما في صحيح مسلم، فقد تقدم مؤلفه فيه بين يدي روايته للحديث بمقدمة طويلة تتعلق بتقسيم الأخبار النبوية، وبيان أحوال بعض الرواة، وتوجيه الاتهام إلى عدد منهم، مع بيان تفاوتهم في الضعف والنكارة، كما تناول موضوع اللقى والمعاصرة، ومناقشة من يشترطهما في اعتبار الحديث متصلًا، وما إلى ذلك من مسائل المصطلح.
وكذلك صنع الترمذي في جامعه، فقد وضع في آخره بحثًا واسعًا في بيان علل الحديث، وكثير من كتب الجوامع والسنن والمسانيد عرضت لتناول بعض الرواة، وأعلت ببعضهم بعض الأحاديث وكان من ذلك مادة لما وضع بعد من علوم المصطلح.
قال الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف في مقدمته للتدريب وهو يتحدث عما جمع من السنة النبوية في مختلف البلدان بكيفيات وصور مختلفة١.
ووجد في بعض هذه المصنفات حكم على بعض الأحاديث، وقول في علل المعلول "المعل"٢ ونقد لبعض الرواة، وجمع في تلك المصنفات أقوال العلماء في الإسناد، كما جمع ما بها من اصطلاحات المتقدمين فيما يتعلق بالأسانيد والمتون، ولما ظهر من الرواة صفات وأحوال لها مدخل في التعديل والتجريح اتسع النظر فيها وتتابعت الأفكار، وانتحى العلماء الفرز والاختيار، فتعمق البحث، وامتاز الصحيح من السقيم في الحديث، وألفت في أنواع علومه مؤلفات، بعضها في أحوال الإسناد، وبعضها في الرجال، وهو كتب التاريخ، والطبقات والوفيات، ومعرفة الوحدان، وما إلى ذلك.
وابتدأ ذلك التدوين في أبواب وبعض أنواع منه أثناء المائة الثالثة، فلما كانت المائة الرابعة واستقرت الاصطلاحات ألف القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي من علماء أهل السنة، المتوفى عام ستين وثلاثمائة للهجرة، فجمع في ذلك العلم الكثير.
وهنا نستطيع أن نرجع إلى نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر وشرحها للحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى عام اثنين وخمسين وثمانمائة للهجرة إذ يقول في صدر كتابه٣:
стр. 353
أما بعد، فإن التصانيف في اصطلاح أهل الحديث قد كثرت في القديم والحديث، فمن أول من ألف في ذلك القاضي أبو محمد الرامهزمزي في كتابه: المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، لكنه لم يستوعب، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، المتوفى عام خمس وأربعمائة، لكنه لم يهذب ولم يرتب، وتلاه أبو نعيم١ الأصبهاني فعمل على كتابه مستخرجًا٢ وأبقى أشياء للمتعقب، ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر٣ البغددي فصنف في قوانين الرواية كتابًا سماه الكفاية، وفي آدابها كتابًا سماه: الجامع لآداب الشيخ والسامع، وقل فن من فنونه إلا وصنف فيه كتابًا مفردًا، فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه، ثم جاء من بعدهم بعض من تأخر عن الخطيب، فأخذ من هذا العلم بنصيب، فجمع القاضي عياض٤ كتابًا لطيفًا سماه الإلماع، وأبو حمض الميانجي٥ جزءًا سماه ما لا يسع المحدث جهله.
ثم جاء من بعد هؤلاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح٦ عبد الرحمن الشهرزوري نزيل دمشق فجمع كتابه المشهور بمقدمة ابن الصلاح، فهذب فنونه، وأملاه شيئًا بعد شيء، فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب، واعتنى بتصانيف الخطيب المفرقة فجمع شتات مقاصدها، وضم إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر. ا. هـ.
وهذا الكتاب "مقدمة ابن الصلاح" هو الذي نقل السيوطي أنه جمع فيه خمسة وستين نوعًا ثم اختصره النووي في كتابيه: التيسير والتقريب.
وقد ذكر الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف في مقدمته للتدريب ما يبين هذا الإنجاز الوارد في عبارة ابن حجر٧ فقال: إن للزين العراقي المتوفى عام ست وثمانمائة، والبدر الزركشي المتوفى عام أربع وتسعين وسبعمائة، والحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى عام اثنين وخمسين وثمانمائة عليه نكتًا جيدة، ونكت العراقي تسمى التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح، ونكت العسقلاني تسمى الإيضاح عن نكت ابن الصلاح.
стр. 354
وقد اختصره مع التهذيب والزيادات الحافظ البلقيني المتوفى عام خمس وثمانمائة، وسماه: محاسن الاصطلاح، واختصره النووي في كتابه الإرشاد، ثم اختصره في: التقريب، وهو الذي شرحه السيوطي في كتابنا هذا: تدريب الراوي، كما شرحه الزين العراقي والسخاوي، وشرحه برهان الدين القباقبي الحلبي، ثم المقدسي المتوفى عام واحد وخمسين وثمانمائة.
ثم أورد الدكتور عبد الوهاب أسماء بعض الناظمين والشارحين فقال: إن للزين العراقي منظومة لمقدمة ابن الصلاح، وقد زاد عليه في ألفيته نظم الدرر في علوم الأثر، وشرحها شرحين مطول ومختصر، والمختصر هو المطبوع باسم فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، وعلى هذا الشرح حاشية لبرهان الدين مر بن إبراهيم البقاعي المتوفى عام خمس وثمانين وثمانمائة بلغ بها نصفه وتسمى: النكت الوفية بما في شرح الألفية، وحاشية لقاسم بن قطلوبغا المتوفى عام تسع وسبعين وثمانمائة، وشرحها السخاوي المتوفى عام اثنين وتسعمائة في فتح المغيث في شرح ألفية الحديث، والشيخ زكريا الأنصاري المتوفى لعام ثمان وعشرين وتسعمائة في: فتح الباقي في شرح ألفية العراقي، وعلى هذا الشرح حاشية لعلي بن أحمد العدوي.
ثم ذكر كتبًا عديدة شرحت ألفية العراقي، وأورد من الكتب المؤلفة في هذا الفن مختصرًا لتقي الدين محمد بن علي بن دقيق العيد المتوفى عام اثنين وسبعمائة يسمى "الاقتراح"، و"الخلاصة في أصول الحديث" لشرف الدين حسن بن محمد الطيبي المتوفى سنة ست عشرة وثمانمائة، والمختصر المنسوب إلى الشريف الجرجاني، وعليه شرح جيد لمحمد بن عبد الحي اللكنوي المتوفى عام أربع وثلاثائة وألف يسمى: ظفر الأماني، ومن ذلك: خلاصة الفكر في شرح المختصر كلاهما لعبد الله بن محمد الشنشورى الفرضي المتوفى عام تسع وتسعين وتسعمائة.
ومن أنفع الكتب المختصرة نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر للحافظ ابن حجر، وقد شرحها في نزهة النظر، وعلى شرحها حاشية للقاني، ثم أورد لهذا الكتاب شروحًا كثيرة وبعض منظومات عليه، ثم ذكر أن من هذه المؤلفات "القصيدة الغرامية" لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن فرح الإشبيلي المتوفى عام تسع وتسعين وستمائة، وشرحها ابن قطلوبغا والبدر بن جماعة في: زوال الترح بشرح منظومة ابن فرح، ومن ذلك: المنظومة البيقونية لعمر بن محمد بن فتوح البيقوني الدمشقي، وذكر لها عدة شروح، ثم قال: إن لجمال الدين القاسمي المتوفى عام اثنين وثلاثين وثلاثمائة والف كتاب: قواعد التحديث، جمع فيه فوائد١، ومن ذلك "التذكرة" لسراج الدين بن الملقن المتوفى عام ثلاث وتسعين وثمانمائة، والروض المكلل والورد المعلل للسيوطي، ومن الكتب الجامعة المحررة كتاب: تنقيح الأنظار لمحمد بن إبراهيم المعروف بابن الوزير الزيدي
стр. 355
المتوفى عام أربعين وثمانمائة، وشرحه لمحمد بن إسماعيل المعروف بالأمير الصنعاني، صاحب سبل السلام، المتوفى عام اثنين وثمانين ومائة وألف، والمسمى: توضيح الأفكار، ذكر فيه مسائل أصولية ومسائل استطرادية.
ولا يزال العلماء يتابعون المؤلفات والتأليف في هذا الفن اعتناء بشأنه وتقديرًا لمكانته، وقد كان لقسم الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر إسهام كريم بين، بما يؤلفه المتخصصون في مسائل مهمة منه ببحوثهم ورسائلهم التي يتقدمون بها لنيل الدرجات العلمية، وفيها صورة واضحة لما تربى لديهم من ملكة حديثية قوية، استطاعوا بها أن يوغلوا في التحقيق والبحث، وأن يظهروا شخصيات قوية تعتز بها السنة، ويفاخر بها الأزهر بأنه قام بدوره، وأدى ما عليه حيال السنة النبوية، فمنها ما هو بيان للحديث والمحدثين، ومنها ما هو دفاع عن السنة وتطهير لها من أرجاف المرجفين، ومنها ما هو رد على المستشرقين وأذنابهم أولئك الذين يريدون تقويض الدين من أساسه بهدم نقلته عن النبي ﷺ من الصحابة وذلك مثل كتاب "أبي هريرة في الميزان" و"دفاع عن السنة" ومنها ما هو في أصحاب الكتب الستة، ومنها ما هو تصوير لواحد من أصحابها مثل "البخاري محدثًا وفقيهًا" وكتاب "أصول الحديث النبوي".
ولا غرو فقد تخرج هؤلاء على يد أساتذة فحول في العلم، وردوا مناهلهم العذبة فأدوا بما استمعوا من تحقيقاتهم وتوجيهاتهم، وانتفعوا بما دونوا لهم في مؤلفاتهم مثل كتاب: "المختصر في الرواة وعلوم الأثر" وكتاب "المنهج الحديث" بقسميه في الرواية والرواة، وكتاب "غيث المستغيث" في علم مصطلح الحديث، وذلك عدا ما يقوم به هؤلاء الأساتذة من إخراج الكتب الحديثية العظيمة، والسهر على تحريرها وتنقيتها وتحقيقها، جزاهم الله عن السنة والإسلام خيرًا, وأدام النفع بهم مطردًا، إنه سميع مجيب.