ثم انتقل إلى بيان النوع الثالث وهو الضعيف، فعرفه، وبين وجهات تفاوته وما يدخل فيه من الأقسام. ثم انتقل إلى النوع الرابع، وهو المسند، وذكر الاختلاف في تعريفه، ثم إلى النوع الخامس، وهو المتصل فعرفه، ثم إلى النوع السادس، وهو المرفوع فعرفه، وذكر الخلاف فيه، ثم إلى النوع السابع وهو الموقوف فعرفه أيضًا، ثم أورد فروعًا تتعلق بكل من المرفوع والموقوف مثل قول الصحابي: "كنا نقول كذا" وغير ذلك من عبارات الصحابة أو من الرواة عنهم مثل يرفعه أو ينميه، ثم انتقل إلى الثامن، وهو المقطوع فعرفه، وتكلم في الاحتجاج به، وأنه ضعيف أو غير ضعيف.
ثم انتقل إلى النوع التاسع، وهو المرسل، فبين إطلاقه على المنقطع والمعضل، وتكلم في حجيته، واحتجاج الشافعي به، ووجود المراسيل في مسلم، وعذره في ذلك.
ثم انتقل إلى النوع العاشر، وهو المنقطع، وبين الخلاف في تعريفه، ثم إلى النوع الحادي عشر، وهو المعضل، وذكر صورًا منه، ثم أورد بعد ذلك فروعًا يتعلق بعضها بالإسناد المعنعن والخلاف فيه، وبعضها يتعلق بالإسناد المؤنن والخلاف فيه أيضًا، وبعضها يختص بالتعليق، وما يكون منه في حكم الصحيح وما ليس كذلك، وبعضها يتعلق بما إذا اختلفت رواية الحديث بين الإرسال والاتصال، والوقف والرفع وما إلى ذلك، ثم انتقل إلى الثاني عشر وهو التدليس، وتقسيمه ومذاهب العلماء فيه، ثم إلى الثالث عشر وهو الشاذ مع بيان أقسامه، واختلاف وجهات النظر فيه، وانتقل بعد ذلك إلى النوع الرابع عشر وهو المنكر، وذكر في النوع الخامس عشر معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد والفرق بينها، وفي النوع السادس عشر تكلم على زيادة الثقة، وحكمها وتقسيمها والخلاف فيها، وفي السابع عشر، وهو معرفة الأفراد، وتقسيم الفرد وحكم كل، ثم أورد النوع الثامن عشر وهو المعلل فعرف العلة، وبين الطريق إلى معرفتها واختلاف إطلاقها، ثم انتقل إلى التاسع عشر. وهو المضطرب، وبيان تفصيله وحكمه، ثم تكلم في النوع العشرين عن المدرج وأقسامه وحكمها، وفي الحادي والعشرين تكلم عن الموضوع، ومفهومه، وحكمه شرعًا، وما ألف فيه من الكتب وأقسام الواضعين، والرد على من أجاز الوضع، وفي الثاني والعشرين أورد المقلوب، وما وقع للبخاري من الامتحان فيه، ثم أورد فرعًا يتعلق بالحديث الضعيف وما يوصف به: أهو السند أم المتن.
وفي النوع الثالث والعشرين تكلم على من تقبل روايته، وأورد فيه مسائل: إحداها في شروط قبول الرواية، والثانية فيما يثبت العدالة والثالثة فيما يعرف به الضعف، والرابعة في حكم التعديل من غير سبب وبسبب، والخامسة فيما يثبت به كل من الجرح والتعديل، والسادسة حكم رواية مجهول العدالة، ثم ذكر فرعًا في تعديل العبد والمرأة، والسابعة في حكم رواية من كفر ببدعة ومن لم يكفر بها، والثامنة في رواية التائب من الفسق، والتاسعة فيمن روى حديثًا ثم نفاه، والعاشرة في رواية من أخذ أجرًا على التحديث والحادية عشرة في قبول رواية من عرف بالتساهل في سماعه أو إسماعه، والثانية عشرة في إعراض الناس عن هذه الشروط، والثالثة عشرة في ألفاظ التجريح والتعديل ومراتبها. هذا ما يتصل بما ورد من المتن في الجزء الأول من كتاب التدريب.
стр. 387
وقد تناول السيوطي دراسة الجزء الثاني منه على غرار دراسته للجزء الأول، على ضوء ما بيناه في مسلكه فيه.
واشتمل الجزء الثاني من الكتاب على ما يأتي من بقية الأنواع, وهي: كبقية سماع الحديث وتحمله وضبطه، وكتابة الحديث، وضبطه وصفته، وصفة رواية الحديث، وحجية المروي من الحفظ والكتاب، ومعرفة آداب المحدث، ومعرفة آداب طالب الحديث وما يتعلق بذلك، ومعرفة الإسناد العالي والنازل وما يتعلق بذلك، ومعرفة الحديث المشهور ثم المتواتر، ومعرفة الغريب والعزيز، وغريب ألفاظ الحديث والمؤلف فيه، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، ومعرفة المصحف وما يتعلق به، ومعرفة مختلف الحديث، ومعرفة المزيد في متصل الأسانيد، والمراسيل الخفية والصحابة وما صنف فيه، والتابعين ورواية الأكابر عن الأصاغر، والمدبج وما يتعلق به، ومعرفة الإخوة والمصنفات فيه، ورواية الآباء عن الأبناء وعكس ذلك، ومن اشترك في الرواية عنه اثنان تباعد ما بين وفاتيهما، ومن لم يرو عنه إلا واحد، ومن ذكر بأسماء أو صفات مختلفة ومعرفة المفردات من الأسماء والألقاب، ومعرفة الأسماء والكنى، ومعرفة كنى المعروفين بالأسماء، ومعرفة ألقاب المحدثين والرواة، والمؤتلف والمختلف من ذلك كله، والمتفق والمفترق والمتشابه والمشتبه والمقلوب، والمنسوبين إلى غير آبائهم، والنسب التي على خلاف ظاهرها، والمبهمات، وتاريخ المواليد والوفيات، وما يتعلق بذلك، ومعرفة الثقات والضعفاء، ومعرفة من خلط من الثقات، وطبقات العلماء والرواة، ومعرفة الموالي والمنسوبين إلى القبائل، ومعرفة أوطان الرواة وبلدانهم.
هذه هي الأنواع التي ذكرها صاحب التقريب وتناولها السيوطي بالشرح المسهب والمواد الغزيرة، التي تتفق مع ما بينه في خطبة الكتاب، من أنه كان يريد أن يضع كتابًا مستقلا جامعًا محشودًا بالفوائد والزوائد، ولكنه وجد كتاب التقريب كتابًا جليل النفع عالي القدر، كثير الفوائد غزير الموائد، ولم يجد من تصدى لشرحه على الوجه الذي يمكن أن تقيد فيه تلك الفوائد العظيمة, فجاء هذا الشرح على ما أوضحنا من وصفه، مما دل على أنه كأنه جمع فيه كل ما تسنى له من الكتب المؤلفة في هذا الفن، فأخذ زبدتها، وجمع شتى مسائلها، وإنه في الأمانة العلمية بحيث لم يدخر أن يدل القارئ على مراجع كل مسألة يوردها.
غير أنه بعدما ساير به المصنف في الترتيب والتنظيم، وشرحه على ذلك الوجه العظيم, أورد أنواعًا أخرى: وهي معرفة المعلق والمعنعن ومعرفة المتواتر والعزيز، ومعرفة المستفيض والمحفوظ والمعروف والمتروك والمحرف، ومعرفة أتباع التابعين، ورواية الصحابة بعضهم عن بعض والتابعين كذلك، وما رواه الصحابة عن التابعين، ومعرفة من وافقت كنيته اسم أبيه وعكسه، ومعرفة من وافقت كنيته كنية زوجه، ومعرفة من وافق اسم شيخه اسم أبيه، ومن اتفق اسمه واسم أبيه
стр. 388
ومن اتفق اسم شيخه وشيخ شيخه، ومعرفة من اتفق اسم شيخه والراوي عنه، ومعرفة من وافق اسمه نسبه، والأسماء التي يشترك فيها الرجال والنساء، وأسباب الحديث، وتواريخ المتون، ومعرفة من لم يرو إلا حديثًا واحدًا، ومعرفة من أسند عنه من الصحابة الذين ماتوا في حياة الرسول ﷺ ، ومعرفة الحفاظ.
وهذه الأنواع تنقسم قسمين: قسمًا لم يسبق أن تناوله التقريب، وهو يبتدئ من معرفة أتباع التابعين إلى نهاية ما أوردناه على أنه من زيادته على متن التقريب، وقسمًا سبق إيراده ضمن الأنواع الخمسة والستين الماضية التي ذكرها صاحب التقريب تبعًا لابن الصلاح، ولكنه أوردها لا على أنها أنواع رئيسية، بل على أنها تدخل في البحث ضمن الأنواع الرئيسية، وهي المذكورة قبل ذلك من الأنواع الزائدة.
فالمعلق والمعنعن ورد ذكرهما في قسم المعضل١؛ لأنه يصدق على كل منهما، ويدخلان في مفهومه في بعض صوره، والمتواتر تقدم ذكره في قسم المشهور٢، لأن المتواتر مشهور وزيادة, والعزيز تقدم ذكره في قسم الغريب٣ على أنه مرادف له أو منفرد عنه على تفصيل في ذلك، وهذه الأنواع الأربعة وردت في متن التقريب نفسه ضمن الأنواع الرئيسية فيه، والمستفيض٤ ورد ذكره في التدريب على أنه مرادف للمشهور أو قسم منه على الخلاف في ذلك، والمحفوظ والمعروف٥ ورد ذكرهما في التدريب تصويرًا لتقسيم ورد في النخبة لابن حجر٦ فيما وقعت فيه مخالفة الراوي لغيره، والمتروك ورد ذكره في تقسيم أورده ابن حجر في شرح النخبة في قسم المردود، ونقل السيوطي عنه ذلك في التدريب في تنبيه من تنبيهات المنكر٧، والمعروف ورد ذكره في التدريب٨ عند كلام المصنف في التقريب على معرفة المصحف، أورده السيوطي نقلًا عن شيخ الإسلام في تقسيم له يقول فيه: إن ما غير فيه النقط فهو المصحف، وما غير الشكل مع بقاء الحرف فهو المحرف.
وبالجملة فإن الحافظ السيوطي يجمع في كتاب التدريب -على ما قال الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف-٩ ملخصات لكثير من المؤلفات في علم المصطلح، ومنها شرح العراقي على ألفيته ومقدمة ابن الصلاح، وحاشية الزركشي، ونكت العراقي وابن حجر عليها، ومحاسن الاصطلاح والمشتبه للذهبي، وكتب الخطيب المفردة في أنواع علوم الحديث وغيرها، وقد لا ينسب القول لقائله، وقد ينسبه ويتصرف في العبارة، وامتاز كتابه بانفراد في بسط بعض الموضوعات والإسهاب فيها، خصوصًا عن رجال الحديث وتخريج بعضها, وببحوث دينية لم تذكر في غير هذا الكتاب نفع الله بكتاب السيوطي، وجزاه عن تأليفه خير الجزاء.
стр. 389
الفصل السابع: كتب التخريج
مدخل
...
الفصل السابع: كتب التخريج
تمهيد:
يفهم من استعمال كلمة التخريج في عرف المحدثين واصطلاحهم أنهم يريدون -في شأن الأحاديث التي وردت في غير كتب الحديث، أو في كتب الحديث, ولم تبين درجتها ولا وصفها من القبول وعدمه- أن يبينوا للناس مراتب هذه الأحاديث، ودرجاتها من الصحة أو الحسن أو الضعف، بعد الرجوع إلى مواطن الأحاديث وأصولها الأولى من كتب الرواية، كالجوامع والمسانيد والمعاجم والسنن، تلك التي كتبت بأسانيدها في العصور الأولى.
وإنما يفعلون ذلك ذبًّا عن السنة، ونصحًا للأمة، حتى لا يتورط مسلم في قبول حديث غير معتبر، أو اتخاذه دليلا وهو لا يصلح لذلك، وحتى لا يسيء الظن في بعض الأحاديث التي ثبت روايتها عن النبي ﷺ ، وهي على خلاف ما يتوهمه أو يفهمه في بعض شئون الدين.
وهذه المهمة لا يحسن القيام بها إلا فحول هذا الشأن المبرزون من رجاله، فهم الذين يفهمون حق الفهم مراجع السنة ومظانها، وإن بعض هؤلاء الأئمة قد يعوزهم الوصول إلى بعض المرويات، فيعترف بأنه لم يقف عليه أو لم يجده هكذا، أو ما أشبه ذلك، كما فعل الزين العراقي في تخريج أحاديث الإحياء، وقد يستدرك بعض المتأخرين ببيان ما وصلوا إليه مما فات بعض المتقدمين، كما فعل قاسم بن قطلوبغا على الحافظ العراقي ببيان ما فات العراقي في تخريج الإحياء، في كتابه الذي سماه تحفة الأحياء بما فات من تخاريج الإحياء.
ويبدو أن فكرة التخريج نجمت بعد أن ظهرت عدة كتب في الفقه والتصوف والعقائد، ولا سيما تلك التي يؤلفها أصحاب النحل، أو الذين يقحمون الأحاديث في كتب التفسير، فكان لا بد من بيان تلك الأحاديث، والرجوع بها إلى مصادرها الأصلية، وبحث أسانيدها للوصول من ذلك إلى تعرف مراتبها من الصحة أو الحسن أو الضعف أو الوضع.
وقد ألف في التخريج علماء كثيرون، منهم من أطال، ومنهم من اختصر، ومنهم من سلك مسلكًا وسطًا بين ذلك، ثم تكون النتيجة من دراسات الجميع أن يصلوا بالدرس إلى تعرف درجات تلك الأحاديث التي خرجوها، ليكون على بينة من أمره في الانتفاع بها، أو إهمالها، أو رفضها على قدر درجة الحديث ومنزلته.
والذي عرفناه من كتب التخريج هو ما نورده هنا على ترتيب الزمن مع بيان المؤلفين والكتب التي خرجوا أحاديثها بعد مراجعاتنا لما تيسر لنا من المراجع لذلك، ككتاب كشف الظنون وذيله
стр. 390
وهدية العارفين, وكتب التراجم الأخرى, والرسالة المستطرفة١ التي استوعبت أكثر ما بين من كتب التخريج في المراجع الأخرى.
ومن هذه الكتب:
١- تخريج أحاديث المهذب في الفقه، لأبي بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حازم المعروف بالحازمي الهمذاني، غلب عليه علم الحديث، وصنف فيه تصانيفه المشهورة، منها الناسخ والمنسوخ في الحديث لم يصف في فنه مثله، وكتاب المشتبه، وكتاب سلسلة الذهب فيما روى الإمام أحمد عن الشافعي، توفي ﵀ عام أربع وثمانين وخمسمائة٢.
٢- تخريج المختصر الكبير لابن الحاجب، لمحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي الأصل الحافظ الناقد النحوي المتفنن، أخذ عن ابن تيمية وأبي الحجاج المزي والذهبي وغيرهم، وصنف تصانيف كثيرة عدها ابن رجب في سبعين مصنفًا، وتوفي ﵀ عام أربع وأربعين وسبعمائة، ودفن بسفح قاسيون٣.
٣- تخريج أحاديث الهداية، لعلاء الدين علي بن عثمان بن مصطفى المارديني التركماني الحنفي، تفقه وتمرس، وأفتى ودرس، وصنف التصانيف الحافلة، له غريب القرآن ومختصر ابن الصلاح، والكفاية في مختصر الهداية، والجوهر النقي، ومختصر المحصل في الفلسفة، وتوفي ﵀ عام خمسين وسبعمائة٤.
٤- تخريج أحاديث الكشاف.
٥- تخريج أحاديث الخلاصة في الفقه الحنفي.
٦- نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية.
وهذه الكتب الثلاثة ألفها الحافظ عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي الحنفي، المتوفى عام اثنين وستين وسبعمائة٥.
٧- كاشف الغمة عن شافعية الأمة، أو أمنية الألمعي في أحاديث الرافعي، لشمس الدين أبو أمامة محمد بن علي بن عبد الواحد بن يحيى بن عبد الرحيم المغربي الأصل المصري المعروف بابن النقاش، المتوفى عام ثلاث وستين وسبعمائة٦.
стр. 391
٨- تخريج أحاديث الرافعي، لعبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن جماعة، المتوفى عام سبع وستين وسبعمائة١.
٩- رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب.
١٠- تخريج أحاديث منهاج البيضاوي في الأصول.
والكتابان لتاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام السبكي الشافعي القاهري، المتوفى عام سبعين وسبعمائة٢.
١١- العناية في تخريج أحاديث الكفاية، وهو تلخيص لكتاب الهداية في فقه الحنفية.
١٢- الطرق والوسائل في تخريج أحاديث خلاصة الدلائل وتنقيح المسائل.
والكتابان لعبد القادر بن محمد بن محمد بن نصر الله بن سالم الحنفي القرشي، سمع من ابن الصواف ومن الرشيد بن العلم ومن حسين الكردي ومن خلائق، وشرح معاني الآثار، توفي بعد أن أضر في ربيع الأول سنة خمس وسبعين وسبعمائة٣.
١٣- تخريج أحاديث الرافعي، لأبي عبد الله محمد بن بهادر بن عبد الله المصري الزركشي، الشافعي المصنف المحرر، المولود سنة خمس وأربعين وسبعمائة٤ أخذ عن جمال الدين الإسنوي وسراج الدين البلقيني، ورجل إلى حلب إلى الشيخ شهاب الدين الأذرعي، وسمع الحديث بدمشق وغيرها، قال البرماوي: كان منقطعًا إلى الاشتغال لا ينشغل عنه بشيء، ومن تصانيفه إعلام الساجد بأحكام المساجد، والبرهان في علوم القرآن، وتجلي الأفراح تلخيص المفتاح، وتكملة شرح المنهاج للإسنوي، والروضة، وهو كتاب كبير فيه فوائد جليلة، والنكت على البخاري، وشرح جمع الجوامع للسبكي٥، توفي بمصر في رجب سنة أربع وتسعين وسبعمائة، ودفن بالقرافة الصغرى.
١٤- المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح، لمحمد بن إبراهيم بن إسحاق٦ بن إبراهيم بن عبد الرحمن السلمي المناوي القاهري الشافعي، المتوفى عام ثلاث وثمانمائة.
стр. 392
١٥- تخريج أحاديث المختصر الكبير لابن الحاجب "عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس المصري".
١٦- تذكرة الأحبار بما في الوسيط من الأخبار.
١٧- المحرر المذهب في تخريج أحاديث المهذب.
١٨- تحفة المحتاج إلى أحاديث المنهاج، أي منهاج البيضاوي في الأصول.
١٩- البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، وهو في سبع مجلدات.
٢٠- خلاصة البدر المنير في مجلدين.
٢١- منتقى خلاصة البدر المنير في مجلد.
وهذه الكتب لابن الملقن عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله السراج، الأندلسي ثم المصري، المتوفى عام أربع وثمانمائة١.
٢٢- تخريج أحاديث منهاج البيضاوي.
٢٣- المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار، الذي اخترناه للدراسة من بين كتب التخريج.
والكتابان لأبي الفضل زين الدين عبد الرحمن العراقي المصري، المتوفى سنة ست وثمانمائة للهجرة٢.
٢٤- تخريج أحاديث الرافعي لشهاب الدين أحمد بن إسماعيل بن خليفة بن عبد العال، قاضي القضاة الدمشقي المعروف بابن الحسباني، تفقه على أبيه وغيره، وسمع على أصحاب الفخر وطلب بنفسه فأكثر جدًّا بدمشق والقاهرة، وكتب تفسيرًا أجاد فيه ولم يكمل، وعلق على الحاوي في الفقه، وتوفي سنة خمس عشرة وثمانمائة٣.
٢٥- تخريج أحاديث الرافعي للإمام عز الدين محمد بن شرف الدين أبي بكر بن عز الدين عبد العزيز بن بدر الدين محمد بن برهان الدين إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الشافعي، المتوفى عام ثماني عشر وثمانمائة٤.
٢٦- الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف.
٢٧- تخريج أحاديث الأذكار للنووي.
стр. 393
٢٨- تخريج أحاديث الأربعين للنووي.
٢٩- هداية الرواة إلى تخريج أحاديث المصابيح والمشكاة.
٣٠- الدراية في تخريج أحاديث الهداية.
٣١- تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، وقد اخترناه للدراسة مع غيره من كتب التخريج.
وهذه الكتب الستة للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المصري، المتوفى عام اثنين وخمسين وثمانمائة.
٣٢- تخريج أحاديث تفسير أبي الليث السمرقندي.
٣٣- تخريج أحاديث الشفا للقاضي عياض.
٣٤- تخريج أحاديث الاختيار شرح المختار في الفقه الحنفي، لمؤلفه مجد الدين عبد الله بن محمود المتوفى سنة ثلاثة وستين وثمانمائة.
٣٥- تحفة الأحياء بما فات من تخريج أحاديث الإحياء.
٣٦- تخريج أحاديث عوارف المعارف للسهروردي.
٣٧- تخريج أحاديث البزدوي في الأصول.
٣٨- تخريج أحاديث الأربعين في أصول الدين للغزالي.
٣٩- تخريج أحاديث جواهر القرآن للغزالي.
٤٠- تخريج أحايدث بداية الهداية للغزالي.
٤١- تخريج أحاديث منهاج العابدين للغزالي.
٤٢- منية الألمعي بما فات الزيلعي.
٤٣- تخريج أحاديث شرح القدوري للأقطع.
٤٤- بغية الرائد في تخريج أحاديث شرح العقائد.
٤٥- نزهة الرايض في تخريج أدلة الفرائض.
وهذه الكتب جميعها للشيخ زين الدين قاسم بن قطلوبغا بن عبد الله المصري، المتوفى عام تسع وسبعين وثمانمائة.
٤٦- مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا، وهو من بين الكتب التي وقع اختيارنا عليها للدراسة ضمن كتب التخريج.
стр. 394
٤٧- نشر العبير في تخريج أحاديث الشرح الكبير.
٤٨- فلق الإصباح في تخريج أحاديث الصحاح.
وهذه الكتب الثلاثة للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى عام أحد عشر وتسعمائة.
٤٩- تخريج أحاديث البحر الزخار في فقه الزيدية للشيخ محمد بن يحيى بن محمد الصعدي اليمني المعروف ببهران الزيدي، وهو أحد علماء اليمن المشهورين، بدأ حياته مشتغلًا بالتجارة ورحل بسببها كثيرًا إلى بلاد اليمن، ودخل الحبشة، وهو في كل ذلك يطلب العلم في كل مجلس يذهب إليه، ومن مشاهير مشايخه السيد المرتضى بن قاسم، وبرع في جميع الفنون، وفاق أقرانه، وصنف التصانيف الحافلة منها في الفقه "شرح الأثمار" في أربع مجلدات، وفي العربية "التحفة" وفي الأصول "الكافل" و"الشافي" في العروض والقوافي، و"المعتمد" في الحديث جمع فيه الأمهات الست، ورتبه على أبواب الفقه، توفي ﵀ عام سبع وخمسين وتسعمائة١.
٥٠- فرائد القلائد في تخريج أحاديث شرح العقائد، أي العقائد النسفية لعلي قارئ ولد بمهراة، ورحل إلى مكة واستقر بها وأخذ عن جماعة المحققين كابن حجر الهيثمي، قال العصامي في وصفه: الجامع للعوم النقلية والعقلية، والمتضلع من السنة النبوية، وله مصنفات منها شروحه لكل من المشكاة والشمايل والوترية والجزرية والشاطبية والنخبة والشفاء، والثمار الجنية في أسماء الحنفية، ولخص القاموس وسماه الناموس، توفي ﵀ عام أربع عشرة وألف للهجرة٢.
٥١- الفتح السماوي في تخريج أحاديث تفسير البيضاوي، للشيخ عبد الرءوف المناوي، المتوفى سنة إحدى وثلاثين وألف للهجرة.
٥٢- تخريج أحاديث البيضاوي للشيخ محمد همات زادة المتوفى سنة ١١٧٥هـ.
٥٣- موارد أهل السداد والوفا في تكميل مناهل الصفا.
٥٤- تخريج أحاديث الشهاب للقضاعي.
الكتابان لأبي العلاء إدريس بن محمد الحسيني العراقي المتوفى عام أربع وثلاثين ومائتين وألف٣.
٥٥- تخريج أحاديث الشهاب للقضاعي للإمام محمد بن جعفر الكتاني صاحب الرسالة المستطرفة المتوفى بعد العام الثلاثين والثلاثمائة والألف.
وبعد: فهذا هو ما استطعنا أن نصل إلى معرفته عن هذه الثروة الكريمة النافعة، بما تتركه من أثر طيب في خدمة السنة، وتمييز صحيحها من سقيمها، وإن كان ذلك في دائرة معينة
стр. 395
هي دائرة الأحاديث الواردة في كتب المؤلفين، على أن لرجال الحديث جهدًا مشكورًا في جانب آخر، وهو تخريج ما يدور على ألسنة الناس من الحديث لتمييز صحيحه من سقيمه.
وإننا لنحمد الله أن وجدنا المحهود الأكبر في هذه الكتب لفحول أئمة من الحافظ والمحدثين من أهل مصر، إذا كان لهم أكثر من أربعين كتابًا من بين هذه الكتب التي وردت هنا لمؤلفين معروفين، وهي خمسة وخمسون، وذلك ما يعتز به أهل مصر ويفاخرون، ولعل فيه ما يحفزهم على وصل حاضرهم بماضيهم في تنقية السنة، وتمييزها عن غيرها.
وإننا -كذلك- لنسأله تعالى أن يوجه أنظار المسلمين في سائر بقاع الأرض إلى السنة النبوية المطهرة، نشرًا لها وعملًا بها ودفاعًا عنها، وأن يجدوا هذا المجهود الطيب الكريم، واضعين نصب أعينهم أنه يكفي الناس الآن -وقد كثرت شواغلهم- أن يصلوا إلى معرفة درجة الحديث، وهل يصلح للعمل به أو لا يصلح، وهو أمر أصبح يسيرًا بعد أن خدمت السنة وعبدت مشارعها على يد الأولين، وإنه لما يؤسف له أن بعض من ينتسبون إلى العلم يحفظون أحاديث من الكتب المختلفة -سواء من الفقه أو من العقائد أو الوعظ- ثم يلقنونها للناس وهم أحوج ما يكونون إلى أن يعرفوا مقبولها من مردودها، ولكنهم لا يحاولون ذلك لا في أنفسهم، ولا مع من يأخذون عنهم، نسأل الله لنا ولهم الهداية والتوفيق.
стр. 396
المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الأحياء من الأخبار:
للحافظ ابن الفضل زين الدين بعد الرحيم بن الحسين العراقي المتوفى سنة ٨٠٦هـ:
وهذا الكتاب ثروة ضخمة، وثمرات طيبة، أماطت اللثام عن كثير من الأحاديث التي أوردها حجة الإسلام الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، وفيها كثير من الغث الذي يجب التنبيه إليه، والتوجيه إلى منزلته، وهو كتاب يحوي آلافًا مؤلفة من الأحاديث النبوية الكريمة التي استشهد بها حجة الإسلام الإمام الغزالي على ما أورده في هذا الكتاب الضخم عظيم الفائدة جليل المنافع في التصوف وعلومه المختلفة، فلولا هذا التخريج من هذا الإمام العليم بالسنة، الخبير بالأحاديث خبرة فائقة لضل كثير من الناس عن سبيل الحق في تعرف الأحاديث، ومعرفة درجتها ورتبتها الصحيحة.
وقد تناول العراقي رحمه الله تعالى في مقدمة تخريجه لأحاديث كتاب الإحياء بيان السبب الباعث على تأليفه، فذكر أنه لما وفقه الله تعالى لإكمال الكلام على أحاديث علوم الدين سنة إحدى وخمسين وسبعمائة تعذر الوقوف على بعض الأحاديث، فأخر تبييضه إلى سنة ستين وسبعمائة وهو يريد بذلك ﵀ أن يتحدث عن التخريج المطول الذي قد تعورف في الأوساط الحديثية ولكنه لم يصل إلينا، وكأنه يريد بإكماله أنه فرغ من تخريج ما انتهت إليه معرفته من الأحاديث الواردة فيه من أوله إلى آخره، بدليل أنه أكمله -كما يقول- ثم قال: إنه منذ سنة ستين ظفر بكثير مما عزب عنه علمه، ثم شرع في تبييضه في مصنف متوسط الحجم، وهو مع ذلك متباطئ في إكماله حتى ظفر بأكثر ما كان لم يقف عليه، ثم تكرر السؤال من جماعة في إكماله، فأجاب إلى ذلك وبادر إليه، ولكنه سلك مسلك الاختصار الشديد، ليسهل تحصيله وحمله في الأسفار.
فعبارة الحافظ التي تقول: إنه ظفر بأكثر ما كان لم يقف عليه تدل على أنه لم يستوعب جميع الأحاديث بالتخريج، بل ترك منها بقية للمتعقب، وقد تحقق هذا التعقب للإمام الحافظ قاسم بن قطلوبغا المتوفى سنة تسع وسبعين وثمانمائة، فظفر بما فات الإمام العراقي، ووضع كتابًا سماه تحفة الأحياء بما فات من تخريج الإحياء -كما أشرنا إلى ذلك في موضعه- ولعله استوعب فيه جميع ما فاته، وعسى الله أن يوفق من يعنون بأمر السنة الكريمة إلى إخراج هذا المستدرك ونشره كما نشر أصله.
стр. 397
كما تفيد عبارته بتمامها أنه ﵀ أخرج الكتاب في ثلاثة أطوار: مطولا ثم متوسطًا ثم مختصرًا١ غاية الاختصار، وقد فسر هذا الاختصار الشديد، بأنه اقتصر فيه على ذكر طرف الحديث وصحابيه ومخرجه، وبيان صحته أو حسنة وضعف مخرجه، فإن ذلك هو المقصود الأعظم عند أبناء الآخرة، وعند كثير من المحدثين عند المذاكرة والمناظرة، ثم قال: وأبين ما ليس له أصل في الكتب الأصول.
ثم يذكر منهجه في بيان التخريج فيقول: إن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بعزوه إليه، وإلا عزوته إلى من خرجه من بقية الكتب الستة "إن وجد"، وحيث كان في أحد الكتب الستة لم أعزه إلى غيرها إلا لغرض صحيح، بأن يكون٢ في كتاب التزم مخرجه الصحة، أو يكون أقرب إلى لفظه في الإحياء، وحيث كرر المصنف ذكر الحديث فإن كان في باب واحد منه اكتفيت بذكره أول مرة، وربما ذكرته فيه ثانيًا وثالثًا لغرض، أو لذهول عن كونه تقدم وإن كرره في باب آخر ذكرته ونبهت على أنه قد تقدم، وربما لم أنبه على تقدمه لذهول عنه وحيث عزوت الحديث لمن خرجه من الأئمة فلا أريد بذلك اللفظ بعينه، بل قد يكون بلفظه وقد يكون بمعناه، أو باختلاف على قاعدة المستخرجات، وحيث لم أجد ذلك الحديث ذكرت ما يغني عنه غالبًا، وربما لم أذكره.
وإننا في هذه المناسبة نستطيع أن نتجه ببعض النقد المهذب إلى الإمام الحافظ، في أن يكون الاختصار حافزًا له على إهمال التنبيه على الحديث المكرر بإحالته على ما تقدم، فإن الكتاب موسوعة علمية كبيرة، وربما اقتصر القارئ له على دراسة موضوعات معينة تعرض فيها أحاديث، وبها ذلك التحويل في التخريج، فيحار في أمر الرجوع إليه في الموضع السابق، وربما حرم نفسه من معرفة درجة الحديث نتيجة لذلك الاختصار الزائد في عرض هذه التخريجات، وقد كان يكفي القارئ في الحديث المكرر أن يعرف درجته التي تبين أنه مقبول أو غير مقبول، وكأنه ﵀ كان يتمثل همته الكريمة في همم القارئين والمطلعين.
وإننا لنشكر لمن أخرجوا ذلك الكتاب القيم ممن ألحقوا تخريج أحاديث كل موضوع معه وبيان كل حديث في هامشه، من تخريج الحافظ العراقي للإحياء، حتى كأن القارئ للكتابين قارئ لكتاب واحد، لا يتكلف عناء ولا مشقة في تعرف درجات ما يقرأ، ولا سيما بعد أن اتجه المؤلف ﵀ إلى الاكتفاء بذكر طرف الحديث، فإن طرف الحديث إذا كان في كتاب مستقل لا يغني القارئ في معرفة الحديث، إلا إذا كان من المتضلعين الذين بلغوا في هذا الفن شأوا
стр. 398
بعيدًا، ولكن إلحاق تخريج أحاديث الإحياء به على هذا الوجه الذي طبع به الكتاب أصبح مغنيًا للقارئ عن استكمال الحديث في كتاب التخريج، فإن الحديث بتمامه مذكور في الأصل الذي خرجت أحاديثه وفي نفس الصحيفة.
أما بيان منهج المصنف في هذا الكتاب فقد أغنانا عنه بما أورده في هذه المقدمة ونقلناه إلى القارئ الكريم.
غير أننا في محاولة تتبعنا لهذا الكتاب سنحت لنا ملاحظات نكتفي بالإشارة إلى أهمها وهي ما يأتي:
أولًا: لم يعن العراقي بتخريج الآثار الواردة عن الصحابة وغيرهم، وإن كان عنوان كتابه يسمح بذلك، فإنه خاص بتخريج ما في الإحياء من الأخبار -سواء قلنا إن الخبر مرادف للحديث، أو قلنا إنه أعم من الحديث وغيره، على ما ذكره الحافظ ابن حجر في النخبة- ولكنه لم يتجه إلى تخريج الموقوفات خشية الإطالة الزائدة، ولم ير ما يدعو إلى تلك الإطالة لأن عناية المحدثين بالأحاديث النبوية أكثر، فتخريجها أيسر، ولأن الركن الأعظم في الاستدلال هو السنة. فضلًا عن أن كتاب الإحياء ليس المقصود فيه الاستدلال الذي يدعو إلى تحري جميع الأخبار، وإنما هو كتاب توجيهي يشحن النفوس بطاقات روحية هائلة، تندفع بها إلى مستويات رفيعة من التهذيب الخلقي والكمال النفسي، وهو قدر يتحقق بما في تلك الآثار التي تأثر أصحابها بما في الدين الإسلامي من معان سامية فأبرزها توجيهات صالحة وهدايات راشدة، وهذا القدر لا يحتاج إلى تحر وتفتيش للتعرف، فإنها لا تخرج عن أن تكون من الحكم التي هي ضالة المؤمن كما ورد في الحديث الشريف١، فلهذا لم تتجه عناية المؤلف إلى تخريجها مع الأحاديث، حتى لا تزاحمها على ذلك المجهود الجبار في تخريج الأحاديث النبوية.
وقد رأينا أن الحافظ العراقي صرح في مناسبة تخريج أثر موقوف بأن الآثار ليست من شرط كتابه، ولكن الأثر: "إن من مكفرات الذنب أن تسبغ الوضوء وتدخل المسجد وتصلي ركعتين" الذي أخرجه أصحاب السنن من حديث أبي بكر الصديق ﵁ لما كان هذا الأثر في نظر الغزالي يحتمل أنه حديث موقوف ذكره العراقي في التخريج احتياطًا لهذا الاحتمال٢، وقد سلك العراقي مسلك الاحتياط في محل آخر قد يكون مقابلًا لهذا المجال، فإن الغزالي أورد رواية ضمن استدلال بأحاديث قبله وبعده، ثم أورد بعد ذلك الآثار مما يدل على أنه يقصد بقوله يروي الخبر بمعنى الحديث، ويؤكد ذلك أنه قال قبل ذكر الآثار: والأخبار في هذا لا تحصى، ولكن الحافظ العراقي -لشدة تورعه ومبالغته في الاحتياط- اعتبر هذا التخريج احتياطًا لقصد الغزالي لأنه لم يعزه إلى النبي ﷺ ، ويحتمل أنه يقصد به شيئًا آخر غير الحديث، وهو تصرف من العراقي
стр. 399
لا يخلو من غرابة؛ لأنه خرجه -فعلًا- على أنه حديث، ولم يذكر أنه ورد أثرًا ولو في بعض الروايات، فكيف يمكن الجمع بين تخريج الخبر على أنه حديث، ثم اعتبار ذلك التخريج احتياطًا.
وهذه الرواية التي أشرنا إليها هي: "إن الله لما لعن إبليس سأله النظيرة، فأنظره إلى يوم القيامة ... " الخبر١.
ثانيًا: أنه يلتزم في تخريجه الدقة البالغة مع الأدب فيما عسى أن يكون قد صدر من الإمام الغزالي من تهاون في بعض الأحاديث زيادة أو نقصًا، أو روايته لما هو ظاهر الوضع، فهو ينص على عدة من الأحاديث بأنه لم يجدها، وفاء بما التزم به في مقدمته لهذا الكتاب، وتفصيلًا لما أجمله فيها، وهذا مما يدل على أنه -بعرضه في صور تتناسب مع ما يخرجه من الأخبار- لم يستوعب التخريج.
ومن مظاهر هذه الدقة أنه يلون التخريج بألوان متعددة.
فمن ذلك ما يقول في تخريجه: إنه لم يجده، أو لم يجد له أصلًا، ومنه ما جاء من خبر: "لا يدخل أحدكم الصلاة وهو مقطب ... "٢، وخبر: "إذا قام العبد في الصلاة رفع الله الحجاب بينه وبين عبده"٣ وما ورد في الخبر: "إن المسجد لينزوي من النخامة ... "٤ وخبر: "إن حبشيا قال: يا رسول الله إني كنت أعمل الفواحش فهل لي من توبة ... "٥ وخبر: "إن الله تعالى يبغض الشاب الفاجر ... "٦، وخبر: "إن البقعة التي يجتمع فيها الناس تلعنهم أو تستغفر لهم إذا تفرقوا ... "٧.
كل هذه الأخبار وأمثالها قال في تخريج كل منها: إنه لم يجده، أو لم يجد له أصلًا.
ومن الأخبار ما يقول في تخريجها: إنه لم يجد لها إسنادًا، وذلك مثل الخبر: "نعم العون على الدين المرأة الصالحة"٨ لكنه ذكر حديثًا صحيحًا يدل على معناه وهو حديث مسلم.
ومنها ما يقول في تخريجه: وفي إسناده نظر، وذلك مثل الخبر: "لما نزل قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيل﴾ قال: "يا جبريل وما الصفح الجميل؟ ... " ٩.
وأحيانًا يقول: لم أجده مرسلًا تعليقًا على ما يفيد الإرسال في كلام الغزالي، وذلك مثل الخبر: "من أتاه رزق من غير وسيلة فرده فإنما يرد على الله"١٠.
стр. 400
وتارة يقول: لم أجده مرفوعًا، وذلك مثل خبر: "ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها"١.
وخير: "الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا" ثم قال: إنه منسوب إلى علي كرم الله وجهه٢، وخبر: "جالسوا التوابين فإنهم أرق أفئدة"٣ وقال: إنه قول عون بن عبد الله.
وأخرى يقول: لم أجده مرفوعًا بهذا اللفظ، وذلك مثل خبر: "الدنيا مزرعة الآخرة"٤ ثم ساق حديثًا آخر بمعناه وقال: إن إسناده ضعيف.
وأحيانًا يقول: لم أجد له أصلًا وكأنه من الإسرائيليات، وذلك كالخبرين: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا"، وقوله: "إن الله أوحى إلى عبده داود ﵇ أحبني وأحب من يحبني"٥.
وتارة يقول: لم أجده بهذا اللفظ، وأحيانًا يضيف إليها قوله: وهو صحيح المعنى أو يقول: لا يعرف بهذا اللفظ فضلًا عن صحته.
فمن الأول خبر: "نهى رسول الله ﷺ عن صلاة الحاقب"٦ وهو ضمن عدة منهيات، ومثل خبر: "أن النبي ﷺ لم يزل يسأل في أمته حتى قيل له أما ترضى؟ "٧.
ومن الثاني الخبر الذي أورده الغزالي ... "سيكون عليكم أمراء تعرفون منهم وتنكرون ... "٨ قال فيه الحافظ العراقي: لم أجده بهذا اللفظ إلا أنه يؤخذ من حديث ابن مسعود، فذكره.
ومن الثالث الخبر: "المؤمن يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم"٩ قال العراقي في تخريج: ادعى الغزالي صحته، ولا يعرف بهذا اللفظ فضلًا عن صحته.
وأحيانًا ينقل ما يعزز به اتجاهه في التخريج كما في الخبر: "أما إني لا أنسى، ولكني أُنسى لأشرع ... "١٠ فقد نقل عن أبي طاهر الأنماطي في هذا الخبر قوله: وقد طال بحثي عن هذا الخبر وسؤالي عنه للأئمة والحافظ فلم أظفر به، ولا سمعت عن أحد أنه ظفر به. قال: وادعى بعض طلبه الحديث أنه وقع له مسندًا.
وهذا العرض في تخريج الأحاديث يمثل الأمانة الرفيعة، والدقة البالغة، والاحتياط الواجب.
وإن العراقي -في بعض الأحيان- ليخالف بعض المؤلفين، فقد خالف رزينًا في نسبة بعض الأحاديث إلى بعض الرواة، وذلك كما في خبر: "نهى رسول الله ﷺ عن المواصلة
стр. 401
في الصلاة ... "١. قال العراقي: عزاه رزين إلى الترمذي ولم أجده عنده، وكذلك خبر: "نهى النبي ﷺ عن صلاة الحازق"٢ عزاه رزين إلى الترمذي ولم أجده عنده، والذي ذكره أصحاب الغريب حديث: "لا رأي لحازق".
بل إنه أحيانا بعض أصحاب الرواية كالحاكم، وذلك كما في الخبر: "يا بلال اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل ... "٣ الخبر، قال الحاكم: ليس في إسناده مطعون فيه غير عمرو بن قايد، فقال العراقي: قلت: بل فيه عبد المنعم الديباجي منكر الحديث، كما قاله البخاري وغيره.
ونراه يسجل على الإمام الغزالي التغيير في بعض الأحاديث٤ بزيادة شيء لم يكن مذكورًا، أو ترك شيء مذكور، وذلك في حديث سؤال النبي ﷺ عن الإيمان، وهو وارد في قصة وفد عبد القيس في الصحيحين، لكن ليس فيه ذكر الحج الذي أورده، وفي البخاري: "وأن تؤدوا خمسًا من المغنم" زيادة على ما أورده الغزالي.
كما نجده يسجل عليه إيراده لتعليل غير مطابق، لمخالفته ما هو منقول في نفس الحديث الذي أورده، وذلك في خبر: "شرب النبي ﷺ قائمًا" قال الغزالي: ولعله كان لعذر، فقال العراقي: إن الحديث متفق عليه من حديث ابن عباس، وأنه كان في ماء زمزم٥.
وتارة يسجل عليه أنه يروي بعض الموقوفات والمقطوعات وينسبها إلى النبي ﷺ ، ومن ذلك خبر النهي عن المغالاة في المهر، أورده الغزالي بين الأحاديث بصيغة: "وقد نهى عن المغالاة في المهر" ورد العراقي عليه ذلك، ولكنه لم يكن صريحًا، بل ذكر ما يدل عليه إذ قال: حديث النهي عن المغالاة في المهر. ورد العراقي عليه ذلك، ولكنه لم يكن صريحًا، بل ذكر ما يدل عليه إذ قال: حديث النهي عن المغالاة في المهر رواه أصحاب السنن الأربعة موقوفًا على عمر، وصححه الترمذي٦، ومن ذلك خبر: "من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله ... " قال العراقي: إنه لم يجده مرفوعًا، وإنما رواه ابن أبي الدنيا في الصمت من قول الحسن، وهنا ينصف العراقي الغزالي فيقول: إنه ذكره على الصواب في آفات اللسان،٧ وكذلك خبر: "عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة" قال العراقي: ليس له أصل في الحديث المرفوع، وإنما هو قول سفيان بن عيينة كما رواه ابن الجوزي في صفة الصفوة٨.
وأحيانًا يسجل على الغزالي زيادة على ما في الحديث، وذلك مثل حديث: "تذكر النبي ﷺ الجنابة في صلاته فاستخلف واغتسل ثم رجع"٩ قال العراقي: هذا الحديث أخرجه
стр. 402
أبو داود بسند صحيح، وليس فيه ذكر الاستخلاف، وإنما قال الراوي: ثم أومأ إليهم أن مكانكم، وبين العراقي أن الاستخلاف وقع من عمر وعلي، وعند البخاري استخلاف عمر في قصة طعنه.
بل إننا نراه -تحقيقًا لأمانة العلم وإيثارًا لها على الأشخاص- يسجل على حجة الإسلام روايته لأحاديث يصفها العراقي -تارة- بأنها منكرة جدًّا، وتارة بأنها موضوعة أو نحو ذلك فمن ذلك خبر جابر: "من لذذ أخاه بما يشتهي كتب الله له ألف ألف حسنة" قال العراقي: ذكره ابن الجوزي في الموضوعات من رواية محمد بن نعيم، وقال أحمد بن حنبل: هذا باطل كذب.
ولعله يسعنا في هذا المقام أن نسجل على الإمام الغزالي -وهو الفيلسوف المسلم الحكيم، والفقيه العليم- الخطأ البين في رواية هذا الحديث وأمثاله من الموضوعات، فإنها تجرئ الناس -في ظل هذه الترغيبات البراقة، التي تكثر فيها المكافآت الخارجة عن العقل والنقل- على عمل التافه من الأمور، والذي قد يكون بمقتضى عمومه غير مشروع، فيتمسك به العصاة والمستهترون، ويحتجون به على من يحاولون توجيههم إلى الخير بردهم عن العصيان والاستهتار.
وقد نرى الإمام العراقي متجاوبًا مع الغزالي في مقام يورد فيه كلمة الأخبار مجملة فيفصلها العراقي بذكر هذه الأخبار مع تخريج كل منها، وذلك كما أورد الغزالي -نقلًا عن أبي طالب المكي- إن الكبائر سبع عشرة نقلها من جملة الأخبار، فقال العراقي في تخريجه: وسأذكر ما ورد منها مرفوعًا، وقال على طريقته: وقد تقدم أربعة منها في حديث عبد الله بن عمرو، ثم ساق بقية الأحاديث الواردة وخرجها حديثًا حديثًا بما فيها من الموقوفات، ثم اعتذر عن ذلك فقال: وإنما ذكرت الموقوفات حتى يعلم ما ورد من المرفوع وما ورد من الموقوف١.
ونظير ذلك أن الغزالي قال: إن الأخبار الواردة في الملائكة الموكلين بكذا وكذا أكثر من أن تحصى ... فعلق عليه العراقي بقوله: الأخبار الواردة في الملائكة الموكلين بالسموات والأرضين وأجزاء النبات ... ثم ساق عدة أخبار في هؤلاء الملائكة٢.
ومما يتصل بهذا أنه يذكر للخبر عدة روايات ثم يعقب عليه بأنها كلها ضعيفة، أو لا يصح منها شيء، وذلك كما في خبر: "الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم" قال الغزالي: وفي رواية "ينفي الفقر قبل الطعام وبعده" فذكر العراقي عدة روايات في هذا الخبر، من بينها ما هو لأبي داود والترمذي، ثم قال: كلها ضعيفة٣، وكما في خبر: "الإنسان عيناه هاد، وأذناه قمع، ولسانه ترجمان، ويداه جناحان ... " قال العراقي: أخرجه أبو نعيم في الطب، والطبراني في مسند الشاميين، والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة نحوه، ولأحمد من حديث أبي ذر:
стр. 403
وأما الأذن فقمع، وأما العين فمقرة لما يوعى القلب ... " ثم قال العراقي: ولا يصح منها شيء.
ثالثًا: ربما ترك العراقي بعض الأخبار دون تخريج، وقد وقع لنا من ذلك أثناء المراجعة خبر: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ... " ١ الذي ذكره أكثر من مرة، فقد رأيناه في كتاب العلم، كما رأيناه في فضيلة الحلال ومذمة الحرام محالا على كتاب العلم، ولم يخرج العراقي هذا الحديث في المرة الأولى ولا في الثانية، وربما كان عذره أنه خرج حديث: "اطلبوا العلم ولو بالصين" الغزالي منفصلًا عن "طلب العلم فريضة" وهما حديث واحد في كتب الحديث، ولكن العراقي لم يشر إلى ذلك.
وكذلك خبر: "جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإن الأجر في ذلك" فإن الحافظ العراقي لم يتعرض له بنفي ولا إثبات، ولم يخرجه مع أنه في أول باب فوائد الجوع.
رابعًا: ومن الظواهر العامة في الكتاب أنه يسيطر على مؤلفه الاستطراد العلمي بما يخرج عن مهمة المخرج، فإنه -أحيانًا- لا يكتفي برد الحديث إلى مرجعه وبيان مرتبته، وإنما يتجاوز ذلك إلى ترجيح بعض الروايات على بعض.
ومما وقع من ذلك تعليقه على قول الغزالي: وفي الصحيح أيضًا أخبار صحيحة في إباحة العزل عن المرأة٢، فإن الحافظ العراقي علق على ذلك بإيراد أحاديث تدل على تلك الإباحة، ثم نقل عن البيهقي أن رواة الإباحة أكثر وأحفظ.
خامسًا: ومن الظواهر البينة التي يلمسها متصفح الكتاب دون حاجة إلى بحث وتنقيب ما يراه فيه من كثرة المراجع التي يستعين بها في تخريج الأحاديث، وكثير من هذه المراجع عازب وبعيد، ولا يتيسر الحصول عليه ولا التوصل إليه، من أمثال أبي العباس الذهبي في العلم، وابن المجبر في العقل، والبغوي في معجم الصحابة، وأبي الشيخ في الثواب وكتاب العظمة، وابن قانع، وابن أبي الدنيا وما أكثر ما ينقل عن كتبه المتعددة، وأبي سعيد الماليني في مسند الصوفية، وغير هؤلاء كثير.
وهذا مما يدل على تمكن الحافظ العراقي من العلم، وصبره على البحث والتحري، ودأبه في السعي وراء الحقيقة ينشدها في مظانها من كتب الحديث.
وبعد: فإننا -بهذه الدراسة التي لمس منها القارئ جوانب كثيرة في هذا الكتاب- نستطيع أن نقرر أنه موسوعة علمية حديثية كريمة وقيمة، وهو فوق أنه في ذاته تحفة علمية في بابه، فإنه بضميمته إلى كتاب الإحياء يكونان مجموعة خطيرة في علوم الإسلام ومعارفه التي هيمن فيها
стр. 404
الحافظ العراقي على أهم ناحية يعوزها البحث والتفتيش، فيما هو دعامة يستند إليها حجة الإسلام الغزالي في تحقيق علومه الدينية ومعارفه الإسلامية.
وإذا كان كتاب الإحياء من أعظم منن الله على أمة الإسلام؛ إذ جمع زبد علوم الدين، وأحسن الدعاية لها، والهداية إلى مشاعل الحق والإصلاح في ظلالها فإن تخريج العراقي لأحاديث هذا الكتاب من أعظم منن الله على حجة الإسلام بخاصة، وعلى دارسي هذا الكتاب بعامة، فقد ميز الخبيث من الطيب في تلك الناحية التي لا يتصدى لها إلا الفحول من علماء الدين، وحفاظ الحديث المبرزين.
ولا بد أن نشير هنا إلى أنه إن كان قد فات الحافظ العراقي تخريج بعض الأحاديث فقد تجلت منة الله على هذا الكتاب وعلى قرائه المنتفعين به، وقيض الله له من استكمل ما فات الحافظ العراقي من أحاديثه، وذلك هو الشيخ قاسم بن قطلوبغا إمام المحدثين في عصره في كتابه المسمى: تحفة الأحياء بما فات من تخريج أحاديث الإحياء.
جزى الله الجميع عن جهادهم في تمييز السنة خير الجزاء، ووفقنا للسير على منوالهم، والاستنارة بأنوار مشاعلهم، حتى نستطيع الاحتفاظ بهذا التراث العظيم بعيدًا عن الشبه، جليلًا على المطاعن، يتسلمه من الأجيال القادمة من هو أهل لحمله من هذه الأمة الكريمة إنه سميع مجيب.
стр. 405
تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير:
للحافظ ابن حجر المتوفى سنة ٨٥٢هـ:
هذا الاسم هو الموجود عنوانًا للكتاب المطبوع، ويبدو أنه محرف من "التلخيص الحبير" الذي أورده صاحب الرسالة المستطرفة اسمًا لهذا الكتاب١، والذي هو الأقرب في استعمال اللغة لأن الحبير في اللغة -كما استخلصنا من دراسة المادة-٢ هو ذو الجمال والهيئة، وكون الحبير وصفًا للكتاب هو الأليق؛ لأن كون الكتاب جميلًا على هيئة حسنة سائغ مقبول، وأما استعماله بالإضافة فإنه يجعل الحبير وصفًا للمؤلف، وهو غير لائق في هذا المقام.
ومؤلف هذا الكتاب هو الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المتوفى عام اثنين وخمسين وثمانمائة، وقد سبقت ترجمته عند دراسة كتابه بلوغ المرام من بين كتب الأحكام.
وقد ذكر سبب تأليفه لهذا الكتاب فقال:٣ إنه وقف على تخريج أحاديث شرح الوجيز للإمام أبي القاسم الرافعي -شكر الله سعيه- لجماعة من المتأخرين منهم القاضي عز الدين بن جماعة والإمام أبو أمامة بن النقاش، والعلامة سراج الدين عمر بن علي الأنصاري، والمفتي بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، وعند كل منهم ما ليس عند الآخر من الفوائد والزوائد، وأوسعها عبارة وأخلصها إشارة كتاب شيخه سراج الدين، إلا أنه أطاله بالتكرار فجاء في سبع مجلدات، ثم رأيته لخصه في مجلدة لطيفة أخل فيها بكثير من مقاصد المطول وتنبيهاته، ثم قال: إنني رأيت تلخيصه في قدر ثلث حجمه مع الالتزام بتحصيل مقاصده، فمن الله بذلك، ثم تتبعت عليه الفوائد الزوائد من تخاريج المذكورين معه، ومن تخريج أحاديث الهداية في فقه الحنفية للإمام جمال الدين الزيلعي؛ لأنه ينبه فيه على ما يحتج به مخالفوه، وأرجو الله إن تم هذا التتبع أن يكون حاويا لحل ما يستدل به الفقهاء في مصنفاتهم في الفروع.
هذا هو ما قدم به الحافظ ابن حجر كتابه "التلخيص الحبير" وهو يدل على أنه ليس كتاب تخريج فقط، وإنما هو كتاب تخريج وترجيح وفوائد يوردها بعنوان فوائد تارة، وبعنوان تنبيهات أخرى.
ومن تصفح الكتاب ونظر فيه وجد أنه ينطبق عليه ما أفادته هذه المقدمة، من أن هذا الكتاب ليس كتاب تخريج بالمعنى الذي نفهمه، مما تعارفه علماء الحديث في معنى التخريج، وكما سنبينه في أوصاف الكتاب ومظاهره من أنه لا يقتصر على مجرد التخريج ببيان مراجع الحديث ودرجته من القبول وعدمه، وكان مقتضى ذلك التجاوز عن مهمة المخرج إلى طريقة الفقيه أن يسمى هذا الكتاب
стр. 406
بما يطابق موضوعه، فأما أن يسمى الكتاب تخريجًا ثم يجد القارئ فيه أضعافًا مضاعفة ما زاد على مهمة التخريج فذلك أمر لا يخلو من نقد، وإذا صح هذا النقد فإننا لا نتجه به إلى المؤلف وحده، وإنما نوجهه أيضًا إلى من سايرهم المؤلف من العلماء الذين ذكرهم في صدر كلامه، وبين أنه وقف على تخريجاتهم وبخاصة شيخه سراج الدين عمر بن علي الأنصاري المعروف بابن الملقن، الذي كان كتابه أصلًا لهذا الكتاب.
وإذا أردنا أن نتناول أهم مظاهر الكتاب الواضحة وصفاته البارزة فإننا نسجل في ذلك ما يأتي مع التيسير بإيراد أرقام الأحاديث التي تبينا من خلالها هذه الصفات:
أولًا: كثيرًا ما يتطرق شيخ الإسلام ابن حجر في هذا التلخيص إلى إعطاء الأحاديث صبغة الأدلة الفقهية، متناولًا إياها من هذه الزواية فوق تناوله إياها من الزاوية الأساسية التي هي تخريج الحديث ومن ذلك:
١- الأحاديث الأربعة١ الأولى في الكتاب أسرف المؤلف في دراستها بعد التخريج بإيراد الأقوال الفقهية، واختلاف الاستنباط باختلاف هذه الأدلة، واختلاف الروايات التي يمكن أن يقع من خلالها بعض ذلك الاختلاف، فهو يذكر رأي ابن عبد البر في حديث البحر: "وهو الطهور ماؤه الحل مينته" بأنه غير صحيح، وأنه لو صح أن البخاري صححه لأخرجه في صحيحه، ويرد عليه بذكر عدة روايات تقتضي صحته، ويطيل في ذلك إلى أن ينتهي إلى قول الشافعي: إن هذا الحديث نصف علم الطهارة، وهذا المسلك هو الذي سلكه أيضًا في حديث بئر بضاعة، وهي بئر كانت تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن، ثم ينقل الحديث: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" ويتناول المناقشة في عموم هذا لحديث أو خصوصه بالنسبة لإطلاق لفظ الشيء، أو تقييده بما إذا لم يغير طعمه أو لونه أو ريحه وهذا التقييد هو ما صرح به في الحديث الثالث: "خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه" ثم يتكلم في صحة ورود هذا الاستثناء أو عدم وروده، وما يرتبط بذلك من الحكم الفقهي وصحة الاستدلال به لبعض المذاهب، وهل هناك متابعات أو شواهد تؤيده فيصح الاستدلال به -مثلًا- ثم يورد تلك المتابعات والشواهد التي ينتصر بها لمذاهبه في فقه الحديث، ثم يذكر الخلاف في القلتين في الحديث الرابع: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا" ويبين هل هو مضطرب فلا يستدل به كما يقول بعض الفقهاء؟ أو هو غير مضطرب؟، وعلى فرض اضطرابه فهل ترجحت بعض الطرق فيعمل بها كما هو شأن النظر في الحديث المضطرب؟ ويطيل في هذه الدراسات وما يتصل بها.
وعلى وجه الإجمال فقد تناول هذه الأحاديث الأربعة بالدراسة التي وصفناها في أكثر من عشر صفحات، ولو أنه اقتصر على مهمة التخريج لأوردها جميعًا بتخريجاتها الوافية في أقل من صفحة.
стр. 407
٢- وفي الحديث الستين بعد المائتين: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة" يخرج هذا الحديث ويذكر اختلاف رواياته، والخلاف في صحته، ثم يذكر ما يعارضه، ومن استدل بما يعارضه ويحاول أن ينتهي بنتيجة تؤيد مذهبه الفقهي.
٣- وفي الحديث الخمسمائة بعد الألف: "أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة" خرجه بالنسبة إلى الشيخين، وانتهى من تقويمه بهذه النسبة، ولكنه تطرق بعد ذلك إلى بيان أن نكاح المتعة كان جائزًا في صدر الإسلام ثم نسخ، وأورد عبارات من قال ذلك من الصحابة مثل علي وعمر بن الخطاب وابن عمر، ونقل عبارة عن الشافعي تفيد أنه الشيء الوحيد الذي أحل ثم حرم ثم أحل ثم حرم، وقول بعضهم: إنه نسخ ثلاث مرات، وقيل أكثر، واعتذر عمن قال بجوازه لأنه لم يبلغه النهي، وأورد في هذا المقام عبارات كثيرة جدًّا ليست من تخريج الحديث الذي أورده الرافعي.
٤- وفي الحديث السادس بعد الخمسمائة والألف أورد حديث ابن عباس: "أنه كان يجوز نكاح المتعة ثم رجع عنه" فخرجه وقال: إن الترمذي عقد بابًا مفردًا، ثم ذكر اختلاف الأقوال فيما نقل عن عبد الله بن عباس في هذا المقام، وأورد أن كلام الرافعي يوهم أن ابن عباس انفرد عن غيره من الصحابة بتجويز المتعة، لقول الرافعي: إن صح رجوعه وجب الحد بالإجماع وأطال كثيرًا في هذا المقام، مبينًا أن ابن عباس لم ينفرد بهذا القول، بل هو منقول عن جماعة من الصحابة، وأورد كثيرًا من العبارات الدالة على ذلك.
٥- وفي الحديث الثاني والأربعين بعد الخمسمائة والألف عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ملعون من أتى امرأته في دبرها" خرج الحديث، وذكر اختلاف الروايات فيه، واختلاف العلماء في صحته، وأورد عددًا من متابعاته وشواهده، وكثيرًا مما يؤيده من الآثار ثم أورد نقلًا عن الشافعي أنه لم يصح عن رسول الله ﷺ في تحريمه ولا تحليله شيء والقياس أنه حلال، ثم نقل عن محمد بن الحكم كلامًا وقع ين الشافعي ومحمد بن الحسن في صحة قوله بحله، وانتصار الشافعي على محمد بن الحسن في ذلك، ومناقشة في أن هذه الرواية هل تصح عن الشافعي مع محمد بن الحسن أو لا تصح؟ وهل هو مذهب قديم رجع عنه أو لا يرجع؟ ثم ذكر مذهب مالك والعراقيين، واختلاف الأدلة في هذا المقام، وأطال النقول وأكثر منها ثم انتهى إلى ما يفيد التحريم في بعض المذاهب، والكراهة في بعضها الآخر وقد بلغ ما كتبه في هذا الموضوع ثماني صفحات.
ثانيًا: يكثر المؤلف من الاستطراد، وله عنده ألوان متعددة، فمنه ما يكون بعنوان فائدة، ومنه ما يكون بعنوان تنبيه، وتارة يورده بعنوان تتمة، وأخرى يورده بعنوان ذكر أحاديث في موضوع بعينه، وأحيانًا يكون الاستطراد بلا عنوان.
стр. 408
فمن الفوائد: ما جاء في الحديث الواحد بعد المائة: "إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك" حيث قال بعد تخريجه: فائدة ذكر فيها حديثًا عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا، ثم أورد اختلافًا بين الرواة في رفعه أو وقفه وأيها أقرب إلى الصحة، والحديث الذي أورد هذا الاختلاف فيه هو: "لينهكن أحدكم أصابعه قبل أن تنهكه النار"، وليس في هذه الفائدة أكثر من تعزيز حث الشارع على تخليل الأصابع، بالنهي عن تركه والتحذير من هذا الترك.
وكذلك ما جاء في الحديث الثالث بعد المائة: "أن رجلًا توضأ وترك لمعة في عقبه، فأمره النبي ﷺ بغسلها" فخرجه ثم ذكر فائدة بإيراد حديث: أن النبي ﷺ أمر بإعادة الوضوء في مثل ذلك وخرج هذا الحديث أيضًا بما يفيد أنه أقوى سندًا من الحديث الأول، ولم يخرج من ذلك بنتيجة فقهية صريحة.
ومن ذلك أيضًا ما جاء في الحديث السابع والعشرين بعد الخمسمائة والألف وهو: أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي ﷺ : "اختر أربعًا وفارق سائرهن"، فإنه بعد تخريجه ذكر فائدة نقل فيها عن النسائي بسنده كله إلى رسول الله ﷺ أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة ... الحديث، وفيه: "فأسلم وأسلمن معه" وفيه "فلما كان زمن عمر طلقهن فقال له عمر: راجعهن"، ثم أخذ يخرج هذا الحديث ويتكلم على رجاله، ويذكر الخلاف في رفع الحديث ووقفه، وفي ذكره لهذه الفائدة إضافة زيادة فيما يتعلق بغيلان ونسوته، وتدخل عمر فيما بينه وبينهن.
ومن ذلك ما جاء في الحديث الثلاثين بعد الخمسمائة والألف وهو حديث: "لعن الله المحلل والمحلل له" فقد خرجه وأطال -كعادته- في تخريجه، ثم ذكر فائدة قال فيها: إنه يستدل بهذا الحديث على بطلان النكاح إذا شرط الزوج أنه إذا نكحها بانت منه، أو شرط أن يطلقها أو نحو ذلك، وقد أيد هذا الاستدلال وأطال في تأييده.
وما جاء في الحديث الرابع والستين بعد الخمسمائة والألف، وهو حديث أبي هريرة في شأن جبريل، وعدم دخوله بيت النبي ﷺ لوجود الشمائل في ستر في البيت، فإنه -بعد أن خرجه- أورد فائدة ذكر فيها أن ابن حبان ادعى أن عدم دخول الملائكة مختص ببيت يوحى فيه إلى النبي ﷺ ، وذكر وجهته في هذه الدعوى، وذكر حديثًا يؤيد ذلك ولم يناقشه فيه.
وكذلك ما جاء في الحديث السادس والثلاثين بعد السبعمائة والألف، وهو: أن النبي ﷺ قال لابن مسعود: "ما حكم من بغى من أمتي؟ " قال: الله ورسوله أعلم، فقال ﷺ : "لا يتبع مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم" فقد خرج شيخ الإسلام هذا الحديث، والحق به أن أبا بكر قائل ما نعى الزكاة، وأن عليًّا قاتل أصحاب
стр. 409
الجمل، ثم ذكر فائدة قال فيها: كانت واقعة الجمل في سنة ست وثلاثين، وكانت واقعة صفين في ربيع الأول سنة سبع وثلاثين واستمرت ثلاثة أشهر ... إلخ.
ومن التنبيهات: ما جاء بعد الحديث الخمسين وهو عن جرير بن حازم: "أن قبيعة سيف رسول الله ﷺ كانت من فضة" فإنه خرج هذا الحديث ثم ذكر تنبيهًا فسر فيه القبيعة بأنها ما تكون على رأس السيف وطرف مقبضه من فضة أو حديد، وقيل: ما تحت شاربي السيف وغير ذلك من الأقوال، وهذا التنبيه من تفسير الغريب في الحديث المخرج.
وما جاء بعد الحديث السابع والستين وهو حديث: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء والسواك" فقد أورد -بعد تخريجه- تنبيهًا نقل فيه عن النووي في شرح المهذب قوله: وأما الحديث المذكور في النهاية والوسيط: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة ولأخرت العشاء إلى نصف الليل". فهو بهذا اللفظ حديث منكر لا يعرف، وخطأ إمام الحرمين في القول بصحته، وأطال في الرد عليه وعلى ابن الصلاح إذ سبقه بذلك.
ومن ذلك ما جاء بعد الحديث الثالث والتسعين بعد المائة، وهو: "أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله عن الغسل والحيض ... " فقد خرجه، ثم أورد تنبيهًا فسر فيه الفرصة في قوله ﷺ : "خذي فرصة من مسك ... " فقال: إن الفرصة القطعة من كل شيء -وهي بكسر الفاء وإسكان الراء- ونسب ذلك إلى ثعلب، ثم نقل عن ابن سيده ما يؤيده، وفسر المسك بأنه الطيب المعروف، وأطال في ذلك.
ومنه ما جاء بعد الحديث الثمانين بعد الأربعمائة والألف، وهو أنه ﷺ قال لجابر: "هلا تزوجت بكرًا تلاعبها وتلاعبك" فقد ذكر -بعد تخريجه للحديث- تنبيهًا أورد فيه أن عياضًا علق على الرواية الأخرى "ما لك وللعذارى ولعابها" بقوله: إن الرواية ولعابها -بكسر اللام لا غير- وهو من اللعب، ثم رد على عياض بما ثبت لبعض رواة البخاري بضم اللام أي ريقها، وأطال في ذلك.
وشبيه به ما أورده بعد الحديث السادس والثلاثين بعد السبعمائة والألف، وهو أن النبي ﷺ قال في البغاة: "لا يتبع مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم ... " إلخ فقد أتبعه بعدة استطرادات وأخبار في المفاضلة بين الصحابة جاء من بينها: "أن وفد بزاخة جاءوا إلى أبي بكر يسألونه الصلح" وأورد -تعليقًا على هذا- تنبيهًا يقول فيه: إن بزاخة بضم الباء الموحدة ثم زاي وبعد الألف خاء معجمة هو موضع قيل: بالبحرين وقيل: ماء لبني أسد.
وكذلك ما جاء بعد الحديث الحادي والثمانين بعد الأربعمائة والألف وهو حديث: "إياكم وخضراء الدمن" فقد خرج الحديث، ثم أورد بعده تنبيهًا قال فيه: إن الدمن البعر نجمعه
стр. 410
الريح ثم يركبه السافي، فإذا أصابه المطر ينبت نبتًا ناعمًا، وتطرق إلى شرح الحديث، ثم أورد بعده تنبيهًا آخر قال فيه: إن الرافعي احتج به على استحباب النسيبة، وأولى منه ما أخرجه ابن ماجه وغيره: "تخيروا لنطفكم" الحديث.
وأيضا ما جاء بعد الحديث الثامن والتسعين بعد الخمسمائة والألف، وهو حديث: "أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض ... " الحديث، فإنه بعد أن خرجه أورد تنبيهًا قال فيه: إن اسم امرأته آمنة بنت غفار، وذكر عدة مراجع لذلك، كما ذكر استطرادًا بما وقع فيه من التصحيف والخلاف.
وهذا نظير ما وقع في الحديث الحادي والعشرين بعد الأربعمائة والألف، وهو: أنه ﷺ بعث عاملًا فقال لأبي رافع: "اصحبني كيما تصيب من الصدقة" الحديث فقد أورد -بعد التخريج- تنبيهًا بين فيه اسم الرجل الذي استتبع أبا رافع، وأنه الأرقم بن أبي الأرقم، ونسب ذلك إلى النسائي والطبراني.
والحافظ ابن حجر معروف بالبحث عن أسماء المجاهيل من رواة الأحاديث:
ومن ذلك ما وقع بعد الحديث الثامن والستين بعد الستمائة والألف، وهو حديث عبد الله بن عمرو: "أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء ... " إلخ، فقد أورد تنبيهًا قال فيه: إنه في الأصل ابن عمر، وهو وهم، وإنما هو ابن عمرو بن العاص.
وكذلك الحديث التاسع والستين بعد الستمائة والألف، وهو حديث: "أنه ﷺ خير غلامًا بين أبيه المسلم وأمه المشركة، فمال إلى الأم ... " الحديث، فإنه -بعد أن خرجه- أورد تنبيهين: الأول: ذكر فيه ما وقع عند الدارقطني من أن البنت المخيرة اسمها عميرة، وأن ابن الجوزي قال: رواية من روى أنه كان غلامًا أصح ... وأطال في ذلك وذكر في التنبيه الثاني أن الاصطخري احتج به على أنه يثبت به للأم حق الحضانة، وذكر عدة ردود عليه في ذلك.
ومن ذلك ما جاء بعد الحديث الأربعين بعد السبعمائة والألف، وهو حديث جابر: "أن امرأة يقال لها أم رومان ارتدت ... " الحديث، فقد أورد -بعد تخريجه- تنبيهًا قال فيه: وقع في الأصل "أم رومان" وهو تحريف، والصواب أم مروان.
وفي الحديث الثالث والأربعين بعد السبعمائة والألف، وهو ما روي: "أنه ﷺ استتاب رجلًا أربع مرات" فإنه -بعد التخريج- أورد تنبيهًا قال فيه: جاء في السير أن النبي ﷺ قتل أم قرفة يوم قريظة، وهي غير تلك، وبين ذلك، ثم ذكر في هذا الحديث تنبيهًا آخر تعلقًا على قول عمر لبعض الناس: هل من مغربة خبر؟ قال في هذا
стр. 411
التنبيه: إن قوله: من مغربة -يقال بكسر الراء وفتحها مع الإضافة فيهما- معناه هل من خبر جديد جاء من بلاد بعيدة، وقال الرافعي: شيوخ الموطأ فتحوا العين وكسروا الراء وشددوها.
ومن التتمات: ما وجدناه بعنوان "تتمة" أورده المؤلف تعقيبًا على الرافعي بإيراد بعض خصائص للنبي ﷺ لم يذكرها الرافعي١، فأورد الحافظ ابن حجر خصائص عديدة منها: وجوب الدفع بالتي هي أحسن، وأنه كان يغان على قلبه فيستغفر الله في اليوم سبعين مرة، وأنه كان يؤخذ عن الدنيا عند نزول الوحي، وما إلى ذلك.
ومما أورده إلحاقًا لبعض موضوعات تناول أحاديثها بالتخريج ما جاء بعد موضوع السواك، وهو قوله: فصل فيما يستاك به وما لا يستاك به، نقل فيه عددًا من الأحاديث وخاض في تخريجها وأطال في ذلك بما يعد إضافة جديدة إلى أحاديث الأصل الذي يتناوله بالتخريج.
وكذلك ما أورده في كتاب الصيام بعد تخريج حديث: "أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم في حجة الوداع٢" فإنه -بعد أن انتهى من ذلك- أورد هذا العنوان "ذكر الإشارة إلى طرق حديث أفطر الحاجم والمججوم باختصار" ذكر تحته من روى في ذلك من الصحابة وهم كثرة: منهم ثوبان وشداد بن أوس ورافع بن خديج، وأبو موسى ومعقل وغيرهم، ثم ذكر من أخرج لكل واحد من هؤلاء، فمثلًا حديث ثوبان وشداد أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم ... وأطال في ذلك، ثم انتقل قائلًا: وأما حديث رافع بن خديج فراوه الترمذي، وذكر طريقه وحكمه على الحديث، وما يتعلق بذلك، ثم قال: وأما حديث أبي موسى فرواه النسائي والحاكم، وذكر طريق كل منهما، ورأيه في الحديث من جهة رفعه أو وقفه أو تصحيحه أو عدمه ... كل ذلك في حديث واحد: "أفطر الحاجم والمحجوم".
وشبيه بهذا ما أورده قبل نهاية كتاب الطلاق من قوله: ذكر الآثار التي في كتاب الطلاق، وإن كان هذا محتملًا لأن يكون من كلام الرافعي عنوانًا لبعض الموضوعات، مثل قوله: كتاب الخلع كتاب الطلاق، فلعله ذكر عنوانًا للآثار الواردة في كتاب الطلاق فاتجه شيخ الإسلام ابن حجر إلى تخريجها كعادته، ويرجع هذا أنه ذكر بعد العنوان مباشرة حديث: "أن رجلًا على عهد عمر قال لامرأته ... " إلخ مما يدل على أن العنوان للرافعي وأن التخريج لابن حجر.
ومما يورده استطرادًا دون عنوان ما يذكره أثناء دراسته للتخريج مثل قوله في حديث: "إذا بلغ الماء قلتين" إن فيه مباحث تعليقًا على قول الشافعي بعد أن روى حديث ابن عمر: "إذا بلغ الماء قلتين" فإن الشافعي قال بعد هذا: أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج بإسناد لا يحضرني ذكره أن رسول الله ﷺ يقول: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل نجسًا" فقال ابن حجر -تعليقًا على هذا: وفيه مباحث: الأول: في تبيين الإسناد الذي لم يحضر الشافعي
стр. 412
ذكره، والثاني: في كونه متصلًا أم لا، والثالث: في كون التقييد بقلال هجر في المرفوع، والرابع: في ثبوت كون القربة كبيرة لا صغيرة، والخامس: في ثبوت التقدير للقلة بالزيادة على القربتين، وأخذ يفصل كل بحث من هذه المباحث الخمسة بما يخرج به كثيرًا على موضوع الكتاب.
ومن ذلك ما يفيض فيه من إيراد الشواهد والمتابعات للحديث المخرج في كثرة غامرة من أحاديث الكتاب، وهي واضحة للمتصفح، فمن ذلك ما يعقب به شرحًا لكلام الرافعي مثل أن يقول: قوله: وسؤره نجس يعني الكلب لورود الأمر بالإراقة ... ١ إلخ" ومنه ما قال فيه٢: قوله: يستحب للواطئ في الحيض التصدق بدينار إن جامع في إقبال الدم، وبنصفه إن جامع في إدباره لورود الخبر في ذلك، ثم علق بعد ذلك بكلام طويل، وإن كان فيه لا يعدو أن يكون تعزيزًا بالأحاديث والآثار لما قاله المصنف -وهو كثير جدًّا- ولكنه خروج على مهمة المخرج.
على أن ما وصفناه به من وضوح ظاهرة الاستطراد في تخريجه يزيد عليه أنه لا يكتفي بذكر طرف الحديث المخرج على عادة المخرجين من علماء الحديث، ولكنه يستكمل متن الأحاديث التي يريد تخريجها، وهذا هو الغالب على الكتاب، ولكنه لا يلتزم ذلك؛ فأحيانًا يكتفي بذكر طرف الحديث عن إيراده كله، وأحيانًا يذكر الطرفين الأول والأخير إذا كان الطرف الأخير موضع استشهاد.
فمما أورد طرفه الأول فقط الحديث السابع والستون بعد المائتين: "يا علي. لا تؤخر أربعًا: الجنازة إذا حضرت ... " ٣ الحديث، وكذلك الحديث العشرون بعد المائتين والألف: "من باع عبدًا وله مال ... " ٤ الحديث، وكذلك الحديث التاسع والثلاثون بعد المائتين والألف: أن رجلا ذكر للنبي ﷺ جائحة أصابته فسأله أن يعطيه من الصدقة، فقال: "حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من قومه ... " ٥.
وكذلك الحديث الذي أورده مخرج الكتاب بعد هذا الحديث ولم يذكر له رقما، وهو: "أن عمر خطب الناس وقال: ألا إن الأسيفع أسيفع جهينة قد رضي من دينه وأمانته أن يقال: سبق الحاج ... "٦، وكذلك الحديث: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ ... " ٧ والحديث أن النبي ﷺ قال: "المؤمنون عند شروطهم ... " ٨.
ومما أورد طرفيه: الأول والأخير ما ذكره من حديث ابن عباس في أوقات الصلاة وهو: "أمني جبريل عند البيت مرتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس ... " الحديث وفي آخره "ثم التفت وقال: يا محمد. هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين" ٩.
стр. 413
فإنه لم يكتف بذكر الطرف الأول للحديث ليدل به عليه، وإنما ذكر طرفه الأخير أيضًا لأنه محل الشاهد من الإيراد.
على أن كل هذا مهما كثر في الكتاب فإنه قليل جدًّا بالنسبة لما ورد من أحاديث كاملة غير منقوصة، حتى ليبدو أن ذلك شيء التزمه المؤلف فلا يتركه إلا لداع يستوجب ذلك.
ثالثًا: واستثناء مما ذكرناه من صفة الاستطراد الغالبة على المؤلف عند التخريج، فإن من واجب التحقيق العلمي أن نسجل هنا أنه لا يلتزم ذلك التزامًا كليًّا في جميع تخريجاته، وإنما يتجه أحيانًا إلى الاكتفاء بما يبين به مرجع الحديث ودرجته بل إنه أحيانًا يترك بيان الدرجة.
فما أورد مرجعه مع بيان درجته الحديث الثالث بعد الخمسمائة، وهو: "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعًا" ١ قال في تخريجه: "أبو داود والترمذي وحسنه، وابن حبان وصححه، وكذا شيخه ابن خزيمة من حديث ابن عمر، وفيه محمد بن مهران وفيه مقال: لكن وثقه ابن حبان وابن عدي.
وكذلك الحديث السادس بعد الخمسمائة، وهو: "صلوا قبل المغرب ركعتين، قال في الثالثة ٢: لمن شاء" خرجه بقوله: البخاري وأبو داود وأحمد وابن حبان واتفقا عليه بلفظ: "بين كل أذانين صلاة" وفي رواية ضعيفة للبيهقي بين كل أذانين صلاة ما خلا المغرب.
وكذلك الحديث الثامن بعد الخمسمائة، وهو: "الوتر حق وليس بواجب" ٣ قال: رواه ابن المنذر فيما حكاه مجد الدين بن تيمية، وفي الدارقطني عن أيوب: "الوتر حق واجب فمن شاء فليوتر بثلاث" ورجاله ثقات، وهو عند أبي داود أيضًا، قال البيهقي: والأصح وقفه على أبي أيوب، وأعله ابن الجوزي بمحمد بن حسان فضعفه، وأخطأ ابن الجوزي فإنه ثقة، وفي صحيح الحاكم عن عبادة بن الصامت: "الوتر حسن جميل عمل به النبي ﷺ ومن بعده وليس بواجب" ورواته ثقات، قال البيهقي.
ومثل هذا الإيراد للروايات المتعددة للحديث لا يعتبر استطرادًا بالمعنى الذي سبق لنا الكلام عنه، وإنما هو تخريج فيه دقة وأمانة ببيان درجة الحديث وما يتصل بمعناه، وليس خروجًا عنه إلى شيء آخر من دلالات الحديث الفقهية والمناقشات حولها، وإيراد أدلة المعارض وردها، إلى غير ذلك مما يعد استطرادًا بمعنى الخروج عن دائرة التخريج ومهمة المخرج.
стр. 414
ومما جاء من هذا النوع أيضًا الحديث الحادي عشر بعد الخمسمائة وهو حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أوتروا بخمس أو بسبع أو بتسع أو بإحدى عشرة" ١ خرجه بقوله: الدارقطني وابن حبان والحاكم بزيادة: "لا توتروا بثلاث، ولا تشبهوا بصلاة المغرب" ورجاله كلهم ثقات، ولا يضره وقف من أوقفه.
ومن النوع الثاني مما أورده مخرجًا ببيان المرجع دون ذكر الدرجة الحديث السابع والتسعين بعد الأربعمائة، وهو حديث: "أنه كان لا يسجد في ص"٢ خرجه فقال: الشافعي والبيهقي من حديثه.
وكذلك الحديث التاسع والتسعين بعد الأربعمائة، وهو حديث ابن عباس أنه قال: "إنما السجدة لمن جلس لها" خرجه فقال: البيهقي من حديثه، وابن شيبة من طريق ابن جريج عن عطاء عنه: "إنما السجدة على من جلس لها".
على أن الغالب فيما كان من هذا النوع أن المؤلف يكتفي ببيان المرجع الذي عرفت صحته كالبخاري ومسلم أو الصحيحين:
ومن ذلك قوله في الحديث الخمسين بعد الألف وهو: "أنه ﷺ وقف بعد الزوال"٣ قال في تخريجه: مسلم من حديث جابر الطويل، وقوله في الحديث السابع والأربعين بعد الألف: "عرفة كلها موقف" ٤ مسلم من حديث جابر الطويل، والحديث الثالث والأربعين بعد الألف: وهو: "أنه ﷺ كان يسير حين دفع من حجة الوداع العنق، فإذا وجد فجوة نص"٥ قال فيه: متفق عليه من حديث أسامة بن زيد، وكذلك الحديث الرابع والأربعون بعد الألف، وهو: "أنه ﷺ أتى المزدلفة فجمع بها بين المغرب والعشاء"٦ خرجه فقال: متفق عليه من حديث ابن مسعود وابن عمر وأبي أيوب وابن عباس وأسامة بن زيد، فقال: متفق عليه من حديث ابن مسعود وابن عمر وأبي أيوب وابن عباس وأسامة بن زيد، ولمسلم عن جابر، وكذلك الحديث الثاني والأربعون بعد التسعمائة وهو: "تحروا ليلة القدر من العشر الأواخر من رمضان" ٧ خرجه فقال: متفق عليه من حديث عائشة، وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه مسلم، وعن ابن عمر متفق عليه، وعن أبي سعيد كما سيأتي.
رابعًا: يعني المؤلف بتخريج الآثار التي أوردها الرافعي عنايته بتخريج الأحاديث، ومن تتبع الكتاب وجد ذلك بارزًا فيه، على عكس ما فعل الحافظ العراقي من تركه لتخريج الآثار في كتابه
стр. 415
المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، الذي أسلفنا الكلام عليه، وذلك التصرف من ابن حجر تقديم لما هو المهم في هذا الكتاب.
فمن تخريجه للآثار ما جاء في كتاب الوضوء في الحديث الخامس عشر بعد المائة١ من قول علي رضوان الله عليه: "ما أبالي بيميني بدأت أم بشمالي إذا أكملت الوضوء" فقد قال ابن حجر: إنه من رواية الدارقطني عن علي بهذا، ورواه عنه بلفظ آخر، وعن ابن مسعود كالأول.
وكذلك الخبر السابع والتسعون بعد الخمسمائة، وهو حديث عائشة: "أنها أمت نساء فقامت وسطهن"٢ فقد خرجه بأنه رواية عبد الرزاق، ومن طريق الدارقطني والبيهقي وغيرهم، وكذلك الحديث التاسع والتسعون بعد الخمسمائة، وهو حديث عائشة: "كان يؤمها عبد لها لم يعتق يكنى أبا عمرو"٣ قال عنه: إنه رواية الشافعي عن عبد المجيد عن ابن جريج، وأيضًا الحديث الستمائة، وهو حديث: "أن ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف ... "٤ فقد خرجه بأنه رواية البخاري.
والحديث الواحد بعد الستمائة أيضًا وهو: "أن أبا هريرة صلى على ظهر المسجد"٥ خرجه بأنه رواية الشافعي عن إبراهيم بن محمد ... إلخ.
هذه بعض الآثار التي تناولها الحافظ ابن حجر بالتخريج في كتابه التلخيص الحبير، ومن تتبع الكتاب وجد فيه كثيرًا من الآثار التي خرجها، وهي ما ذكره منها مما يتصل بالأحاديث الواردة في الشرح الكبير.
خامسًا: في الكتاب من الاستطراد ما هو مفيد، وذلك كشرح المؤلف لبعض الألفاظ اللغوية التي ترد في بعض الأحاديث، ومنه قوله في الحديث الرابع والستين٦ شرحًا لكلمة الخلوف الواردة في قوله ﷺ : "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" الخلوف بضم المعجمة هو التغير في الفم، قال عياض: قيدناه عن المتقنين بالضم وأكثر المحدثين يفتحون خاءه وهو خطأ، وعده الخطابي في غلطات المحدثين، وكذلك قوله في الحديث الثالث والتسعين بعد المائة، وهو حديث: أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله عن الغسل من الحيض فقال: "خذي فرصة من مسك" الفرصة القطعة من كل شيء إلى آخر ما نقلنا عنه في استطراده بالتنبيهات.
стр. 416
ومن ذلك ما جاء في الحديث الحادي والأربعين بعد الخمسمائة والألف وهو ما روي أنه: سئل رسول الله ﷺ عن إتيان المرأة في الدبر فقال: "في أي الخربتين ... " ١ الحديث، فقد أورد تنبيهًا قال فيه: إن الخربتين تثنيه خربة بضم المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة وأن الخرزتين تثنية خرزة بوزن الأولى لكن بزاي بدل الموحدة، وإن الخصفتين تثنية خصفة بفتحات والخاء معجمة والصاد بعدها فاء، وقال الخطابي: كل ثقب مستدير خربة، والجمع خرب -بضم ثم فتح- وقال الأزهري: أراد بالخربتين المسلكين ... وأطال في ذلك كعادته في عرض المعلومات.
ومنه أيضًا قوله في حديث أورده أثناء تخريجه للحديث الرابع والثمانين بعد الستمائة والألف وهو حديث أبي رافع قال: ولدت فاطمة حسنًا فقالت: يا رسول الله ألا أعق عن ابني بدم؟ قال: "ولا ولكن احلقي شعره وتصدقي بوزنه من الورق على الأوفاض". يعني أهل الصفة، ثم قال: فائدة الأوفاض بالفاء ومعجمة المتفرقون، وأصله من وفضت الإبل إذا تفرقت، وكأن الحافظ يريد بذلك أن تفسيرها بأهل الصفة ليس هو المعنى الأصلي، ولكنه يندرج تحت المعنى الأصلي.
سادسًا: الحافظ ابن حجر لا يتحفظ عن التصريح بتخطئة العلماء، وهو أمر بارز في هذا الكتاب.
فمن ذلك ما ذكره في تنبيه علق به على الحديث السابع والستين٢ فقد نقل عن النووي في شرح المهذب أنه قال في حديث: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة ولأخرت العشاء إلى نصف الليل" أنه قال: هو بهذا اللفظ حديث منكر لا يعرف، وخطأ إمام الحرمين في الحكم بصحته وقال: إن إمام الحرمين تبع في ذلك ابن الصلاح، ثم قال الحافظ: وهذا يتعجب فيه من ابن الصلاح أكثر من النووي، فإنهما وإن اشتركا في قلة النقل من مستدرك الحاكم، فإن ابن الصلاح كثير النقل من سنن البيهقي، والحديث فيه أخرجه عن الحاكم، وفيه: "إلى نصف الليل" بالجزم.
وهذا صريح في أن النووي مخطئ في القول بأن هذا الحديث منكر، وفي تخطئة من حكم بصحته.
ومن ذلك ما جاء في الحديث الحادي والعشرين بعد التسعمائة وهو ما روي أن النبي ﷺ قال للأعرابي الذي جاءه، وقد واقع: "صم شهرين"، فقال: وهل أتيت إلا من قبل الصوم؟ ٣.
стр. 417
ثم قال: إن ابن الصلاح أنكر وروده بهذا اللفظ وقال: إن الذي وقع في الروايات أنه لا يستطيع ذلك، ثم قال: إن هذه غفلة عما أخرجه البزار، وساق حديث البزار الذي فيه أن الأعرابي قال: هل لقيت ما لقيت إلا من الصيام، وفي رواية لأبي داود: "وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام" إلخ.
بل إن الحافظ ابن حجر لا يتحفظ أن يخطئ جماعة بأسرهم من المحدثين والفقهاء في حديث واحد.
ومن ذلك ما جاء فيما روي من أنه ﷺ قال: "خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه" ١، فقد أورد من هذا الاستثناء بحثًا طويلًا قال بعده نقلًا عن الرافعي: وحمل الشافعي الخبر على الكثير؛ لأنه ورد في بئر بضاعة وكان ماؤها كثيرًا، وهذا مصير منه إلى هذا الحديث ورد في بئر بضاعة وليس كذلك، ثم صدر الحديث -كما قدمنا- دون قوله: خلق الله ... هو في حديث بئر بضاعة، وأما الاستثناء الذي هو موضع الحجة منه فلم يثبت، قال ابن حجر: والرافعي كأنه تتبع الغزالي في هذه المقالة، فإنه قال في المستصفى: لأنه ﷺ لما سئل عن بئر بضاعة قال: "خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه" وكلامه متعقب لما ذكرناه، وقد تبعه ابن الحاجب في المختصر في الكلام على العام وهو خطأ، ثم قال ابن حجر: تنبيه -وقع لابن الرفعة أشد من هذا الوهم، فإنه عزا هذا الاستثناء إلى رواية أبي داود فقال: ورواية أبي داود: "خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه" ووهم في ذلك، فليس هذا في سنن أبي داود أصلًا، ثم قال: فائدة -أهمل الرافعي الاستدلال على أن الماء لا تسلب طهوريته بالتغير اليسير بنحو الزعفران والدقيق. ونحو ذلك.
ولعل القارئ يلمس من إيرادنا لهذه المثل ولوعه بالاستطراد فيما يتصل بمهمته من قريب أو بعيد.
ولعل مما يؤكد حكمنا عليه بهذا الولوع إلى درجة توقع في العجب والغرابة أنه ذكر فائدة عن القشيري٢ قال: إنه أوردها بلا إسناد عن أبي الدرداء أنه قال: عليكم بالسواك فلا تغفلوه، فإن فيه أربعًا وعشرين خصلة، ذكر الحافظ منها إحدى عشرة خصلة أوردها واحدة واحدة ثم أشار إلى بقيتها بقوله: وذكر القشيري بقيتها، ثم قال بعد كل هذا: ولا أصل له لا من طريق صحيح ولا ضعيف.
وهذا أهم ما سنح لنا من ملاحظات عامة مشفوعة بالمثل التي تؤيدها في دراستنا لهذا الكتاب، على أننا -بعد هذا- لا نستطيع أن نغمط شيخ الإسلام في هذا المجهود القيم، الذي حشد فيه كثيرًا
стр. 418
من الفوائد العظيمة، والتي تفتق الأذهان، وتعين على دراسة الفقه والحديث معًا، إلى حد أننا نرى أن الدارس لمثل هذا الكتاب يستطيع أن يحصل به ملكة في هاتين الناحيتين، مع ما يحصده من الفوائد العلمية القيمة التي حفل بها الكتاب، وهي كثيرة جدًّا ونافعة.
ولعل ذلك هو الذي استهوى مخرج الكتاب فقرظه في تقديمه له بقوله: مما لا ريب فيه أن ذلك الكتاب جمع من السنة المطهرة ما لم يجمع في أي كتاب آخر من الكتب التي ألفت في الأحكام وأنه كاد أن يصل إلى غاية من الإحاطة بأحاديثها. ثم قال: ومن ثم جعلته وافيًا للعلماء الأجلاء على اختلاف مذاهبهم عند الحاجة إلى طلب الدليل.
وبعد أن أطال في ذلك قال: لقد نقل الحافظ ابن حجر في تأليفه هذا جملة وافرة من الأحاديث الموجودة في الكتب القيمة التي لم تر النور حتى الآن، والتي أضاعتها يد الحدثان، ولا أثر لها في كتب الحديث وطبقات الرجال، كصحاح ابن خزيمة، وأبي عوانة، وابن حبان، وابن السكن ومصنف ابن أبي شيبة، ومصنف عبد الرزاق، ومجموعة كبيرة من المسانيد والسنن والمعاجم، ككتاب الأستذكار والتمهيد لابن عبد البر وكتاب المعرفة والخلافيات للبيهقي، وغيرها من الكتب النافعة في الحديث والفقه المقارن وأسماء الرجال، والجرح والتعديل، وبهذا أصبح ذلك الكتاب القيم دائرة معارف كبرى لأدلة فقهاء الأمصار.
هذا وإننا نؤيد المخرج في هذه الشهادة، فقد لمسنا الكثير مما ذكره عنه في هذه الموسوعة القيمة "التلخيص الحبير".
ولولا خشية الإطالة لأيدنا ذلك بإيراد أماكن المراجع التي أشار إليها، وتحرير مواضعها من صفحات الكتاب، ولكن حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق، والله المستعان.
стр. 419
مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا ١:
للحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ:
وموضوع هذا الكتاب هو تخريج أحاديث الشفا بالتعريف٢ بحقوق المصطفى للقاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي المالكي، وصفه صاحب الشذرات٣ فقال: إنه الحافظ أحد أعلام الإسلام، وأنه ولي قضاء سبتة مدة ثم قضاء غرناطة، وله المصنفات البديعة ومن مصنفاته الشفا الذي لم يسبق إلى مثله، ومنها مشارق الأنوار في غريبي الصحيحين والموطأ وكان إمام وقته في علوم شتى، مفرطًا في الذكاء، توفي عام أربع وأربعين وخمسمائة.
أما مؤلف "مناهل الصفا" فهو الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي الذي سبقت ترجمته عند دراسة الجوامع.
وقد وصف المؤلف كتابه في خطبته بأنه كتاب نفيس، أخرج به أحاديث الشفا للقاضي عياض تخريجًا محررًا، سالكًا فيه طريقًا موجزًا مختصرًا، وأنه لم يستمد فيه من شيء من الكتب المؤلفة عليه، بل اعتمد فيه على حفظه ونظره، وراجع الأصول المعتمدة والجوامع.
ومن الحق علينا أن نشير إلى أن السيوطي في تخريجه لأحاديث الشفا مسبوق بتخريج شيخه الإمام الحافظ قاسم بن قطلوبغا في كتابه الذي سماه تخريج أحاديث الشفا للقاضي عياض، وقد نبهنا إلى ذلك في موضعه عند ذكر كتب التخريج، كما أنه مستدرك عليه ببيان ما فاته في كتاب اسمه موارد أهل السداد والوفا في تكميل مناهل الصفا لإدريس بن محمد الحسيني العراقي، ولعله قد سد تلك الثغرات التي عثرنا عليها أثناء دراستنا لهذا الكتاب، وسنشير إلى بعضها في عرض أهم ملاحظاتنا عليه.
وقد سلك المؤلف مسلكًا في التخريج أورد به من الأحاديث ما يتعلق بكل موضوع من موضوعات الكتاب، فخرج ما جاء في الخطبة من أحاديث، ثم ما جاء في القسم الأول في أبوابه المختلفة، ثم ما جاء في القسم الثاني كذلك، وهكذا.
стр. 420
والكتاب مركز مضغوط، قليل الألفاظ كثير المعاني، اقتصر فيه مؤلفه من التخريج على قدر الضرورة -وربما أخل بهذا الاقتصار في بعض المواضع كما سنشير إلى ذلك- حتى استوعب أحاديث الشفاء -التي تناهز الألف- بالتخريج والتقويم في ست وثمانين صفحة، إلا أنه ربما أخل أيضًا بموضوع التقويم واكتفى بذكر المرجع، بل إنه أحيانًا يغفل ذكر المرجع أيضًا.
والسيوطي مع جلالة قدره ورسوخ قدمه -ولا سيما في علوم الحديث- أكبر الظن أنه لا يعجزه تقويم الحديث، ولا تخريجه ولو في الكثرة الكاثرة مما أورده، ولكنه لم يفعل ذلك، ولعله كان لظروف أعجلته عنه، وربما كان تأليف الكتاب بعد أن تقدمت به السن، أو أنه كان يريد أن يستكمل النقص الواقع في كتابه عند سنوح الفرصة فلم يتم له ذلك، ومما يؤيد رجحان هذا الرأي وجود بياض في الأصل في نهاية عدد من الأحاديث أو أثنائها مما وجدناه في صفحات الكتاب المطبوع، غير مستوف لشرطه في المقدمة على النحو التالي:
١- حديث: "أنه رفع له بيت المقدس حتى وصفه لقريش"١ لم يذكر بعده تخريجًا ولا تقويمًا، وبالهامش كلمة "بياض بأصله".
٢- حديث أم معبد لم يذكر متنه ولا طرقه ولا تخريجه ولا تقويمه٢.
٣- حديث: "أنه أتته دنانير فقسمها٣" خرجه ولم يقومه.
٤- حديث قيلة ﵂: "أنه جلس القرفصاء"٤. خرجه ولم يقومه.
٥- حديث: "أنه سار في غزوة الطائف ليلًا وهو وسن"٥ لم يخرجه ولم يقومه. مع وجود بياض نبه عليه في الهامش أنه موجود بالأصل.
٦- حديث الجمل٦ فيه بياض ورد في أثناء ذكر المراجع، ونبه عليه بالهامش على وجود بياض بأصله.
٧- حديث تسخير الأسد لسفينة إذ وجهه إلى معاذ٧ فيه بياض نبه عليه بالهامش على أنه موجود بالأصل.
٨- حديث شاة ابن مسعود رضي الله عنه٨، فيه بياض قبل كلمة "والبيهقي" مما يدل على أن هناك مرجعًا متروكًا، وليس فيه تقويم.
стр. 421
٩- حديث أبي هريرة رضي الله عنه١ فيه بياض قبل اسم "ومالك بن أوس" مما يدل على أن هناك مرجعًا آخر متروكًا، ولا تقويم فيه.
١٠- حديث فاطمة: "إذا دخلت المسجد" الحديث فيه بياض بالأصل منه عليه بالهامش لا تخريج فيه ولا تقويم٢.
١١- رواية: "حمد الله وصلى"٣ لا تخريج فيها ولا تقويم.
١٢- حديث: "أن رجلًا كذب عليه ﷺ فبعث عليًّا ... " الحديث ذكر فيه وجوهًا لروايته، وخرجها ثم قال: وسمى الرجل الذي كذب جديد الجند عن ... ولم يتم الكلام، وفي الهامش: أن هنا بياضًا بالأصل.
وبعد: فإنا نورد أهم الظواهر التي سنحت لنا عند قراءة هذا الكتيب فيما يأتي:
أولًا: أكثر السيوطي من ذكر المراجع التي استقى منها تخريجاته للكتاب، والتي أربت على الخمسين مؤلفًا من أمهات كتب الحديث، نذكر منها -عدا الكتب المشهورة- ما يأتي موزعًا على بعض صفحات الكتاب على ما وراءها مما لم يذكره: الخطابي صفحة ١٠، وابن السمعاني في التاريخ صفحة ١٢ وابن زنجويه صفحة ١٧، وأبو نعيم في الدلائل صفحات ٢، ٣، ٤، ٥، ٩، ١٠، ١١، وأبو نعيم في الحلية صفحة ٥، والطبراني ٣، ٤، ٦، ٩، ١٠، ١٢، وابن أبي عمر العدني صفحة٣، وابن سعد صفحة ٣، ٩، والبزار صفحات ٣، ٧، ٨، ٩، والحارث بن أبي أسامة صفحة ٣، والبيهقي في الدلائل في صفحات ٣، ٤، ٦، ٧، ٨ ... ، وابن جرير في صفحات ٣، ٤، ٥، وابن أبي حاتم ٣، ٤، ٥، ٦، وأبو يعلى في مسنده صفحات ٣، ٤، ٧، ٨ وابن مردويه صفحات ٣، ٥، وابن المنذر صفحات ٣، ٥، ٩، والنسائي في اليوم والليلة صفحة ٣، ١١ وابن أبي شيبة في المصنف صفحة ٣، وسعيد بن منصور صفحة ١٦، وابن أبي خيثمة في التاريخ صفحة ٦، والدارمي صفحات ٤، ٦، ٧، وابن عدي صفحات ٥ و٩، والضياء في المختارة صفحة ٩، وابن أبي الدنيا في كتاب العزة صفحة ٤، وابن مردويه في التفسير صفحة ٤، وابن عساكر في تاريخه صفحات ٧، ١٠، والدارقطني في الأفراد صفحات ٧، ٨، والديلمي في مسند الفردوس صفحات ٥، ١٠، والخرائطي في مكارم الأخلاق صفحة ٢١، وابن لال في صفحات ٥ و١١، وعبد الرزاق في صفحات ٨، ٩، وأبو الشيخ في صفحات ٦، ١١، والخطيب صفحة ٩، وابن راهويه في مسنده صفحة ٦ وغير ذلك كثير.
стр. 422
ثانيًا: يذكر السيوطي -بأضيق عبارة- طرق الحديث الذي يريد تخريجه وربما أخل في هذه الناحية فذكر الحديث بعنوان راويه من الصحابة فقط، مثل قوله: حديث أنس، حديث علي، حديث جابر، اعتمادًا على وروده في الأصل، وعلى متابعة القارئ له مقابلًا على الأصل المخرج عليه، ودون ذكر للباب الذي ورد فيه الحديث، مما يجعل التخريج مظلمًا لا يتبين فيه طالب الحديث سبيله إلى التعرف على الحديث المطلوب تخريجه، وهذا -ولا شك- عيب في التأليف بقدر ما فيه من فقدان الفائدة المرجوة منه، على أن السيوطي في أكثر تخريجاته يتحاشى هذا العيب فيذكر في طرف الحديث الدال عليه مرجعه ودرجته.
وهذه صور تفصل بعض ما صورناه إجمالا في هذه الفقرة من ناحيتي الاختصار والاعتدال: فمما ورد مختصرًا مع الإخلال ما يأتي:
١- في الصفحة الثالثة من الكتاب حديث: "حياتي خير لكم ومماتي خير لكم" الحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديث بكر بن عبد الله المزني، والبزار من حديث ابن مسعود، ذكر المرجع وترك تقويم الحديث.
٢- وفي الصفحة الخامسة حديث عمر ﵁ أنه قال: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن بعثك آخر الأنبياء" الحديث، لم يذكر المرجع ولا التقويم.
٣- وفي نفس الصفحة حديث: "لم يبعث الله نبيًّا من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد" الحديث، ولم يذكر له مرجعًا ولا تخريجًا.
٤- وفي الصفحة السابعة: "أنه كان يضع يده على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان بريحها" ذكره دون مرجع ولا تقويم.
٥- وفي الصفحة الثامنة والثلاثين حديث ابن مسعود ﵁ نحوه الحاكم، وحديث أنس ﵁ الشيخان، وحديث ابن عباس ﵄ الشيخان، وحديث ابن عمر ﵁ عند مسلم والترمذي، وحديث حذيفة ﵁ ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل، وحديث علي ﵁، وحديث جبير ﵁ أحمد والبيهقي، وكل هذه الأحاديث لم يذكر طرفها ولم يقوم بعضها، واكتفى في بعضها الآخر بنسبته إلى مرجع صحيح مع الاختصار الواضح.
٦- وفي الصفحة الأربعين حديث بريدة البزار، وحديث جابر ﵁ مسلم، وحديث علي ﵁ نحوه.
وربما كان عذره في عدم ذكر طرف هذه الأحاديث أنه ذكرها تحت عنوان انقياد الشجر، وإن لم يكن له عذر في ترك التقويم، فضلًا عن هذا الضغط الشديد في التعبير.
стр. 423
ومما ورد مختصرًا مع الاعتدال ما يأتي:
١- في الصفحة السابعة حديث: "أنه كان إذا اراد أن يتغوط انشقت الأرض فابتلعت غائطه، وسطعت لذلك رائحة طيبة" البيهقي عن عائشة ﵂ وقال: موضوع.
٢- وفي نفس الصفحة أخرج الترمذي في نوادر الأصول من طريق عبد الرحمن بن قيس -وهو وضاع كذاب- عن عبد الملك بن عبد الله بن الوليد -وهو مجهول- عن ذكوان: "أن رسول الله ﷺ لم يكن يرى له ظل في شمس ولا قمر، ولا أثر قضاء الحاجة".
٣- وفي الصفحة الثامنة حديث أبي بكر ﵁: "أنه قبل النبي ﷺ بعد موته وقال: طبت حيًّا وميتًا" البزار عن ابن عمر ﵄ بسند صحيح.
وأيضًا حديث: "شرب مالك بن سنان دمه يوم أحد ومصه إياه وقوله: لن تمسه النار" الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن أباه ... الحديث، وليس في سنده من أجمع على ضعفه، وأخرج البيهقي من وجه عن عمر بن السائب أنه بلغه من وجه آخر فذكره.
٤- وفي الصفحة التاسعة حديث: "أنه ﷺ إذا قام في الصلاة يرى من خلفه كما يرى من بين يديه" ابن المنذر والبيهقي عن مجاهد مرسلًا بهذا اللفظ، وقد ذكر المصنف رواية الصحيحين معزوة إليها
٥- وفي الصفحة الحادية عشرة حديث: "لا خير في صحبة من لا يرى لك ما ترى له" ابن عدي في الكامل عن أنس ﵄ بسند ضعيف.
وغير ذلك من الأمثلة كثير، بل هو أكثر مما اختصر فيه وأخل بسبب الاختصار.
ثالثًا: إذا نسب الحافظ السيوطي في الحديث إلى مرجع من المراجع المعروفة بصحة الرواية فإنه يكتفي بذلك عن بيان درجة الحديث.
ومن ذلك ما يأتي:
١- في الصفحة الحادية عشرة حديث: "المرء مع من أحب" الشيخان من حديث أنس ﵁، وفيها حديث: "الناس معادن" الشيخان عن أبي هريرة ﵁، وفيها حديث: "أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين" الشيخان في قصة كتابه ﷺ .
٢- وفي الصفحة الثانية عشرة حديث: "نهيه عن قيل وقال" الحديث الشيخان عن المغيرة ابن شعبة ﵁، وفيها حديث: "الظلم ظلمات يوم القيامة" الشيخان عن ابن عمر ﵄، وفيها حديث: "لا يلدع المؤمن من جحر مرتين" البخاري عن ابن عمر.
стр. 424
٣- وفي الصفحة الثالثة عشرة حديث بريرة، الشيخان عن عائشة ﵂ وفيها حديث: "أنه كان يأكل مقعيًا" مسلم عن أنس ﵄.
٤- وفي الصفحة السادسة عشرة حديث: "أعدل فإن هذه قسمة" الحديث مسلم عن جابر، والشيخان عن أبي سعيد، وفي الصحيحين نحوه عن ابن مسعود، وأخرجه البيهقي عن ابن عمر ﵁.
٥- وفي الصفحة السابعة عشرة حديث: "عفوه عن اليهودية التي سمته" الشيخان عن أنس ﵁، وفيها حديث: "لا يتحدث أن محمدًا يقتل أصحابه" الشيخان، وفيها حديث أنس: "كنت مع النبي ﷺ وعليه برد غليظ الحاشية فجبذه أعرابي ... " الحديث الشيخان إلى قوله: من مال الله الذي عندك قال: فضحك وأمر له بعطاء. وهذا أيضًا في الكتاب كثير.
وكان آخر أحاديث الكتاب تخريجًا هو حديث: "أن عمر أتى بأعرابي يهجو الأنصار فقال: لولا أن له صحبة لكفيتكموه" أخرجه محمد بن قدامة المروزي في كتاب الخوارج عن ابن سعيد الخدري ﵁ بسند رجاله ثقات.
رحم الله الحافظ السيوطي، فقد أنار الطريق أمام الدارس لكتاب الشفاء، وخرج أحاديثه بما قد يكون كافيا في الدلالة على المقصود من غير إطالة يملها قارئ الكتاب ولكن في اختصار لا يفوت عليه تحصيل المنفعة في بيان مخرج الأحاديث ودرجتها فيه.
стр. 425
الفصل الثامن: كتب الرجال
مدخل
...
الفصل الثامن: كتب الرجال
تمهيد:
نعني بكتب الرجال تلك التي عني بوضعها المحدثون للتعريف بأحوال رواة الحديث تعديلًا أو تجريحًا، أو بيانًا لسني ولادتهم، أو وفاتهم إلى غير ذلك، لما لهذه التعريفات من صلة بقبول الحديث أو رده، وقوته أو ضعفه.
وفي هذا المقام يبين الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف أن هناك علمًا يسمى علم رجال الحديث، ويعرفه بأنه العلم بأحوال رواة الحديث من حيث القبول أو الرد، ويبين لنا أن من تلك الأحوال معرفة تاريخ المواليد والوفيات، ومعرفة الأسماء والكنى والألقاب والأنساب، ومعرفة الأوطان والرحلات، ومعرفة الشيوخ والتلاميذ، ومعرفة الجرح والتعديل، ومعرفة المتفق والمفترق من الأسماء، ومعرفة المؤتلف والمختلف والمتشابه، ومعرفة الثقات والضعفاء، ونحو ذلك.
فهذه أهم أنواعه التي يعرف بها مقبول الرواية ومردودها وأهمها علم الجرح والتعديل١.
ثم يقول: إنه فائدة هذا العلم إجمالًا معرفة من يقبل ومن يرد من الرواة، وأما تفصيلًا فالعلم بكل حال من أحوال الرواة له فائدة خاصة به، ومن ذلك ما يأتي:
١- معرفة الأسماء والكنى والألقاب، ومعرفة المتفق والمفترق والمؤتلف والمختلف والمتشابه، يعرف بها شخص الراوي وتعين ذاته، ويؤمن بها اللبس والخلط بين الرواة بظن الاثنين واحدًا، وقد يكون أحدهما ضعيفًا والآخر موثقًا فيضعف الجاهل بهذه الأحوال الموثق، ويوثق الضعيف.
٢- معرفة المواليد والوفيات والأوطان والرحلات والطبقات يعرف بها الإرسال والانقطاع والإرسال الظاهر والخفي، فمعرفة أن الراوي من التابعين وليس من الصحابة يعرف بها أن الحديث مرسل، ومعرفة أن الراويين ليسا متعاصرين، أو متعاصران وليس بينهما لقاء يعرف به أن الحديث منقطع، فإن أوهم الراوي المعاصر اللقاء ولا لقاء عرف أنه مدلس أو يكذب ... إلخ.
٣- إمكان الحكم بصحة الحديث أو ضعفه إذا لم ينص أحد من المتقدمين على ذلك وعلمنا بصفات رجاله من كتب الجرح والتعديل كما قال النووي٢، وقد صحح جماعة من الحفاظ كثيرًا من الأحاديث التي لم ينص على تصحيحها أحد من المتقدمين كالقطان والمقدسي والدمياطي والمنذري ولا عبرة بما ذهب إليه ابن الصلاح٣.