مقدمات
مقدمة: أحمد بن فارس
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة: أحمد بن فارس ١
نشأته:
هو أبو الحسينِ أحمدُ بنُ فارِسَ بن زكريا بن محمد بن حبيب الرازي. ولد بقزوين٢ ونشأ بهمذان، ودرس بها وعليه اشتغل بديع الزمان الهمذاني صاحب المقامات، ثم دعاه فخر الدولة البويهي إلى الري ليؤدب ابنه مجد الدولة أبا طالب، فأقام بها قاطنًا، وممن تتلمذ عليه فيها الصاحب بن عباد، أما أساتذته وشيوخه الذين أخذ عنهم فكثيرون ومنهم أبو بكر أحمد بن الحسن الخطيب راوية ثعلب، وأبو الحسن عليُّ بنُ إبراهيم القَطَّان، وأبو عبد الله أحمد بن طاهر المنجم، وعلي بن عبد العزيز المكي، وأبو عبيد، وأبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني. أما علومه فكانت متنوعة شاملة ولا سيما اللغة التي أتقنها وأكثر من التأليف في فروعها المختلفة، وقد أحسن صنعة الشعر، وكان فقيهًا شافعيًّا ويناصر مذهب مالك بن أنس. أما طريقته في النحو فطريقة الكوفيين.
وكان ابن فارس جوادًا كريمًا لا يكاد يرد سائلا، حتى إنه كان يهب ثياب جسمه وفرش بيته.
стр. 2
توفي ابن فارس في الري سنة ٣٩٥هـ/ ١٠٠٥م، وقيل سنة ٣٩٦هـ، أو ٣٩٠هـ، أو ٣٩٦هـ، أو ٣٦٠هـ، وقد وجد ياقوت الحموي خط ابن فارس على كتاب الفصيح وقد كتبه سنة ٣٩١هـ١.
مؤلفاته:
إنها كثيرة، وتشمل اللغة والحديث والتفسير والأدب والفقه وقد أورد له ياقوت٢ طائفة من هذه التصانيف وهي على الشكل الآتي:
١- المجمل.
٢- متخير الألفاظ.
٣- فقه اللغة.
٤- غريب إعراب القرآن.
٥- تفسير أسماء النبي ﷺ .
٦- مقدمة كتاب دار العرب.
٧- حلية الفقهاء.
٨- كتاب العرق.
٩- مقدمة الفرائض.
١٠- ذخائر الكلمات.
١١- شرح رسالة الزهري إلى عبد الملك بن مروان.
١٢- كتاب الحجر.
١٣- سيرة النبي ﷺ .
١٤- الليل والنهار.
١٥- العم والخال.
١٦- أصول الفقه.
١٧- أخلاق النبي ﷺ .
стр. 3
١٨- كتاب الصاحبي١.
١٩- جامع التأويل في تفسير القرآن.
٢٠- الثياب والحلى.
٢١- خلق الإنسان.
٢٢- الحماسة المحدثة.
٢٣- مقاييس اللغة.
٢٤- كفاية المتعلمين في اختلاف النحويين.
ولكن بروكلمان أورد طائفة من الكتب تختلف عما ذكره ياقوت في بعض الأسماء وتتفق مع بعضها الآخر ولعله من المفيد أن أذكر ما جاء في تاريخ بروكلمان بتمامه٢:
١- المجمل في اللغة.
٢- فقه اللغة المسمى بالصاحبي.
٣- كتاب الثلاثة في الألفاظ المترادفة.
٤- ذم الخطأ في الشعر.
٥- نقد الشعر.
٦- مختصر سيرة رسول الله ﷺ .
٧- مقالة في أسماء أعضاء الإنسان.
٨- مقالة "كلا" وما جاء منه فِي كتاب الله تعالى.
٩- كتاب الفيروز.
١٠- كتاب اللامات.
١١- جزء من اليشكريات.
١٢- مقاييس اللغة.
١٣- الإتباع والمزاوجة.
١٤- قصص النهار وسحر الليل.
١٥- تمام فصيح الكلام.
стр. 4
١٦- كتاب المسائل أو فتيا فقه العرب.
١٧- رسالة أبي عمرو محمد بن سعيد الخطيب.
ومما تجدر الإشارة إليه أن ابن فارس كان يجيد نظم الشعر، ومن شعره١:
إذا كنت في حاجة مرسلا ... وأنت بها كلف مغرم
فأرسل حكيما ولا توصه ... وذاك الحكيم هو الدراهم
ومن شعره:
وقالوا كيف أنت فقلت خير ... تقضى حاجة ويفوت حاج
إذا ازدحمت هموم القلب قلنا ... عسى يومًا يكون لها انفراج
ومما قال في همذان:
سقى همذان الغيث لست بقائل ... سوى ذا وفي الأحشاء نار تضرم
ما لي لا أصفي الدعاء لبلدة ... أفدت بها نسيان ما كنت أعلم
نسيت الذي أحسنته غير أنني ... مدين وما في جوف بيتي درهم
ومن شعره:
اسمع مقالة ناصح ... جمع النصيحة والمقه
إياك واحذر أن تبيـ ... ـت من الثقات على ثقه
وقال قبل وفاته بيومين:
يَا ربّ إن ذنوبي قد أحطت بها ... علمًا وبي وبإعلاني وإسراري
أنا الموحد لكني المقر بها ... فهب ذنوبي لتوحيدي وإقراري
كتابه "الصاحبي":
هو كتاب فِي فقه اللغةِ، وقد سماه بالصاحبي نسبة إلى الصاحب بن عباد، وكان ابن فارس قدم الكتاب إليه وأودعه خزانته. أما مضمون الكتاب فيدور حول اللغة العربية، وأوليتها ومنشئها، ثم يبحث في أساليب العرب في تخاطبهم، وفي الحقيقة والمجاز. وقد بدأ الكتاب بباب قرر فيه أن اللغة توقيف وليست اصطلاحا، ثم ذهب في الأبواب التالية يدرس الظواهر اللغوية دراسة فلسفية،
стр. 5
فيبدأ بتفضيل العربية على ما سواها من اللغات، بعد ذلك مفصلا، مقارنًا بين اللغات مستشهدًا بالقرآن الكريم وبالشعر العربي، وبصور من كلام العرب، وينتقل بعد ذلك إلى دراسة المفردات اللغوية من حيث معانيها المختلفة وطرق استعمالها، وائتلافها واختلافها، فيفرق بين الاسمي منها والحرفي، ويبحث في أصول الأسماء، وما جرى مجراها من الصفات، كما يدرس الحروف المفردة من حيث المعاني ووجوه الاستعمال، والأفعال وأبنيتها إلى ما هناك من أبواب أخرى.
وللكتاب قيمة من حيث إنه أضاف إلى مكتبتنا العربية مصدرًا هامًّا من المصادر اللغوية، ولا يستغني عنه عام أو خاص، عالم أو متعلم، ومن هنا كانت عنايتنا بإعادة نشر هذا الكتاب، ولا سيما أنه كان قد نشر لأول مرة في القاهرة سنة ١٣٢٨هـ، وقد أعيد نشره بعد ذلك، ولكن ما وجدته في تلك النسخ كان يحتاج إلى الضبط والتحقيق، فقمت بضبط نصه، وتخريج آياته وأحاديثه، ونسبت الأقوال والأشعار إلى قائلها، ثم عرفت بالشعراء غير المعروفين، كما أنني فسرت ما رأيته ضروريًّا من غريب الألفاظ والأقوال، ولا أدعي فِي كلّ ذَلِكَ أنني بلغت الغاية، وحسبي أنني حاولت، والعذر إن كنت قد قصرت أو نسيت أو أخطأت.
والله من وراء القصد
أحمد حسن بسج
بيروت: ٢١ شعبان/ ١٤١٧هـ
الموافق ١/ ١/ ١٩٩٧م
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
خطبة الكتاب:
الحمد لله وبه نستعين، وصلّى الله تعالى عَلَى محمد وآله.
قال الشيخُ أبو الحسينِ أحمدُ بنُ فارِسَ أدام الله تأييده:
هَذَا الكتاب "الصاحبي" فِي فقه اللغةِ العربيةِ وسننِ العربِ فِي كلامها. وإنَّما عَنْوَنْتُه بهذا الاسم لأنّي لما أَلَّفْتُه أَوْدعْتُه خزانةَ الصَّاحبِ١ الجليل كافي الكفاة، عَمَرَ اللهُ عِراص العلم والأدب والخير والعدل بطول عمره، تَجمُّلاً بذلك وتحسُّناً، إذ كَانَ يقبَلَه كافي الكفاة من علم وأدب مَرضِيّاً مقبولاً، وَمَا يَرْذُلُه أَوْ يَنفيه منفيّاً مَرْذولاً، ولأنّ أحسنَ مَا فِي كتابنا هَذَا مأخوذٌ عنه ومُفاد منه. فأقول:
إِن لعلم العرب أصلاً وفرعاً: أمَّا الفرعُ فمعرفة الأسماء والصفات كقولنا: "رجل" و"فرس" و"طويل" و"قصير". وهذا هو الَّذِي يُبدأ بِهِ عند التعلُّم.
وأمَّا الأصلُ فالقولُ عَلَى موضوع اللغة وأوَّليتها ومنشأها، ثُمَّ عَلَى رسوم العرب فِي مخاطبتها، وَمَا لَهَا من الافْتِنان تحقيقاً ومجازاً.
والنّاسُ فِي ذَلِكَ رجلانِ: رجلٌ شُغل بالفرع فلا يَعْرِف غيرَه، وآخَرُ جَمع الأمريْنِ معاً، وهذه هي الرُّتبة العليا، لأن بِهَا يُعلم خطابُ القرآن والسُّنة، وعليها يُعول أهلُ النَّظر والفُتيا، وذلك أن طالبَ العلم العُلويُ يكتفي من سماء "الطويل" باسم الطويل، ولا يَضِيرُه أن لا يعرف "الأشَقَّ"٢ و"الأَمقَّ"٣ وإن كَانَ فِي علم ذَلِكَ زيادةُ فَضل.
وإنَّما لَمْ يَضِره خفاءُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، لأنَّه لا يَكاد يجدُ منه فِي كتاب الله جل ثناؤه
стр. 7
شيئًا فيُحْوَج إِلَى علمه؛ ويقل مثله أيضاً فِي ألفاظ رسول الله ﷺ إذ كَانَتْ ألفاظُه ﷺ هي السّهلة العَذْبَة.
ولو أنه لَمْ يَعْلم توسُّع العرب فِي مخاطباتها لَعَيَّ بكثير من علم مُحْكَم الكتاب والسنَّة، ألا تسمع قول الله جل ثناؤه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ١ إِلَى آخر الآية? فسِرُّ هَذِهِ الآية في نَطْقها لا يكون بمعرفةٍ غريب اللغة والوَحْشيِّ من الكلام، وإنَّما معرفته بغير ذَلِكَ مما لعلَّ كتابنا هَذَا يأتي عَلَى أكثره بعون الله تعالى.
والفرق بَيْنَ معرفة الفروع ومعرفة الأصول أن مُتَوسِّماً بالأدب لو سُئل عن "الجَزْم والتسويد"٢ فِي علاج النوق، فتوقف أَوْ عيَّ بِهِ أَوْ لَمْ يعرفه، لَمْ ينقصه ذَلِكَ عند أهل المعرفة نقصاً شائناً، لأن كلام العرب أكثر من أن يُحصى.
ولو قيل لَهُ: هل تتكلم العربُ فِي النّفي بما لا تتكلم بِهِ فِي الإثبات، ثُمَّ لَمْ يعلمه لنَقْصه ذَلِكَ فِي شريعة الأدب عند أهل الأدب، لا أنَّ ذَلِكَ يُرْدد دينه أَوْ يَجُرُّه لمأثم.
كما أن مُتوسِّماً للنَّحو لو سُئل عن قول القائل:
لَهِنّكِ من عبْسية لوسيمة ... عَلَى هَنَوات كاذبٌ من يقولُها٣
فتوقَّف أَوْ فكَّر أَوْ استمْهل, لكان أمرُهُ فِي ذَلِكَ عند أهل الفضل هَيِّناً، لكن لو قيل لَهُ مكان "لَهِنَّكِ" مَا أصل القَسم، وكم حروفه، وَمَا الحروفُ الخمسة المشبَّهة بالأفعال الَّتِي يكون الاسم بعدها منصوباً وخبرُهُ مرفوعاً? فلم يُجب لَحَكِم عَلَيْهِ بأنَّه لَمْ يُشامَّ٤ صِناعةَ النحو قط. فهذا الفصلُ بَيْنَ الأمرين.
والذي جمعناه فِي مؤلَّفنا هَذَا مفرَّق فِي أصناف العلماء المتقدمين ﵃ وجزاهم عنا أفضل الجزاء. وإنَّما لَنَا فِيهِ اختصارُ مبسوط أَوْ بسطُ مختصرٍ أَوْ شرحُ مشْكلٍ أَوْ جمعُ متفرقٍ.
فأوَّل ذلك:
стр. 8
باب القول على لغة العرب: أتوقيف، أم اصطلاح ؟
أقول: إِن لغة العرب توقيف. ودليل ذَلِكَ قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ١ فكان ابن عبّاس يقول: علّمه الأسماء كلّها وهي هَذِهِ الَّتِي يتعارَفُها الناس من: دابة، وأرض، وسهل، وجبل، وحمار، وأشباه ذَلِكَ من الأمم وغيرها.
وروى خُصَيْف عن مُجاهد قال: علمه اسم كلّ شيء.
وقال غيرهما: إنما علَّمه أسماء الملائكة.
وقال آخرون: علّمه ذرّيته أجمعين.
والذي نذهب إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَا ذكرناه عن ابن عباس. فإن قال قائل: لَوْ كَانَ ذَلِكَ كما تذهب إِلَيْهِ لقال: "ثُمَّ عرضهن أَوْ عرضها" فلما قال "عرضهم" عُلم أن ذَلِكَ لأعيان بني آدمَ أَوْ الملائكة، لأن موضوع الكناية فِي كلام العرب يُقال لما يَعقِل "عرضهم" ولما لا يعقل "عرضها أَوْ عرضهن" قيل لَهُ: إنما قال ذَلِكَ والله أعلم لأنه جَمع مَا يَعقل وَمَا لا يعقل فغلَّب مَا يعقل، وهي سنّة من سنن العرب، أعني باب التغليب. وذلك كقوله جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ ٢ فقال: ﴿مِنْهُمْ﴾ تغليباً لمن يمشي عَلَى رجلين وهم بنو آدم.
فإن قال: أفتقولون فِي قولنا: سيف, وحُسام, وعَضب٣ إِلَى غير ذَلِكَ من أوصافه أنه توقيف حَتَّى لا يكون شيء منه مُصْطَلَحاً عَلَيْهِ? قيل لَهُ: كذلك نقول
стр. 9
والدليل عَلَى صِحَّة مَا نذهب إِلَيْهِ إجماعُ العلماء عَلَى احتجاج بلغة القوم فيما يختلفون فِيهِ أَوْ يتفقون عَلَيْهِ، ثُمَّ احتجاجهم بأشعارهم، ولو كَانَتْ اللغة مُواضَعَةً واصطلاحاً لَمْ يكن أولئك فِي الاحتجاج بهم بأولى منا فِي الاحتجاج لَوْ اصطلحنا عَلَى لغة اليوم ولا فرق.
ولعلَّ ظاناً يظن أن اللغة الَّتِي دلَلنا عَلَى أنها توقيف إنما جاءت جملة واحدة وَفِي زمان واحد. وَلَيْسَ الأمر كذا، بل وقّف الله جلَّ وعزَّ آدمَ ﵇ عَلَى مَا شاء أن يعلمه إياه مما احتاج إِلَى علمه فِي زمانه، وانتشر من ذَلِكَ مَا شاء الله، ثُمَّ علَّم بعد آدم ﵇ من عرَب الأنبياء صلوات الله عليهم نبياً نبياً مَا شاء أن يعلمه، حَتَّى انتهى الأمر إِلَى نبيّنا محمد ﷺ ، فآتاه الله جلَّ وعزَّ من ذَلِكَ مَا لَمْ يؤته أحداً قبله، تماماً عَلَى مَا أحسنَه من اللغة المتقدمة. ثُمَّ قر الأمر قراره فلا نعلم لغة من بعده حدثت.
فإن تعمَّل١ اليوم لذلك متعمِّل وجد من نُقَّاد العلم من ينفيه ويُرده.
ولقد بلغنا عن أبي الأسود٢ أن أمراً كلمه ببعض مَا أنكره أبو الأسود فسأله أبو الأسود عنه فقال: "هَذِهِ لغة لَمْ تبلغك" فقال لَهُ: "يَا ابن أخي لا خير لَكَ فيما لَمْ يبلغني" فعرَّفه بلطف أن الذي تكلم بِهِ مختلَق.
وخلةٌ٣ أخرى أنه لَمْ يبلغنا أن قوماً من العرب فِي زمانٍ يُقارب زمانَه أجمعوا عَلَى تسمية شيء من الأشياء مصطلِحِين عَلَيْهِ، فكنا نَستدِل بذلك عَلَى اصطلاح كَانَ قبلهم.
وقد كَانَ فِي الصحابة رضي الله تعالى عنهم -وهم البُلغاء والفُصحاء- النظر فِي العلوم الشريفة مَا لا خفاء بِهِ. وَمَا علِمناهم اصطلحوا عَلَى اختراع لغةٍ أَوْ إحداث لفظةٍ لَمْ تتقدمهم.
стр. 10
باب القول عَلَى الخط العربي وأول من كتب بِهِ:
يُروى أن أول من كتب الكتاب العربيَّ والسّريانيّ والكُتُب كلها آدم ﵇، قبل موته بثلاثمائة سنة، كتبها فِي طين وطبخه. فلما أصاب الأرضَ الغرق وجد كلُّ قوم كتاباً فكتبوه، فأصاب إسماعيلُ ﵇ الكتابَ العربيّ.
وكان ابنُ عباس يقول: "أوّلُ من وضع الكتاب العربيّ إسماعِيلُ ﵇، وضعه عَلَى لفظه ومَنْطِقه".
والرواياتُ فِي هَذَا الباب تكثر وتختلف.
والذي نقوله فِيهِ: إن الخطّ توقيف، وذلك لِظاهِر قوله : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ١ وقال جلَّ ثناؤه: ﴿وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ٢ وإذا كَانَ كذا فليس ببعيد أن يوَقِّفَ آدمَ ﵇ أن غيرَه من الأنبياء ﵈ عَلَى الكتاب.
فأما أن يكون مُخْتَرَع اخترعه من تِلْقاءِ نفسه, فشيءٌ لا تَعْلم صِحته إِلاَّ من خبر صحيح.
وزعم قوم أن العرب العاربة٣ لَمْ تعرف هَذِهِ الحروف بأسمائها، وأنهم لَمْ يعرفوا نحواً ولا إعراباً ولا رفعاً ولا نصباً ولا همزاً. قالوا والدليل عَلَى ذَلِكَ مَا حكاه بعضهم عن بعض الأعراب أنه قيل لَهُ: أتهمز إسرائيل? فقال: "إني إذن لَرَجُل سوء! " قالوا: وإنّما قال ذَلِكَ لأنه لَمْ يعرف من الهمز إِلاَّ الضغط والعصر. وقيل لآخر: أتجرُّ فلسطين? فقال: "إني إذن لقويٌّ! ". قالوا: وسُمع بعض فصحاء العرب يُنشد:
نحن بني عَلْقمةَ الأخيارا
стр. 11
فقيل لَهُ: لم نصبت "بني"? فقال: مَا نصبته، وذلك أنه لَمْ يعرف من النّصب إِلاَّ إِسناد الشيء. قالوا: وحكى الأخفش١ عن أعرابي فصيح أنه سُئل أن يُنشد قصيدة عَلَى الدال فقال: وَمَا الدال? وحكي أن أبا حيّة النُّميري٢ سُئل أن يُنشد قصيدة عَلَى الكاف فقال٣:
كفى بالنَّأي من أسماء كافِ ... وَلَيْسَ لِسُقمها إِذ طال شافِ
قلنا: والأمر فِي هَذَا بخلاف مَا ذهب إِلَيْهِ هؤلاء ومذهبنا فِيهِ التوقيف فنقول: إن أسماء هَذِهِ الحروف داخلة فِي الأسماء الَّتِي أعلم الله جلَّ ثناؤه أنه علَّمها آدم ﵇، وَقَدْ قال جل وعزَّ: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ٤، فهل يكون أوّلُ البيان إِلاَّ علم الحروف الَّتِي يقع بِهَا البيان? ولِمَ لا يكون الذي علَّم آدم ﵇ الأسماء كلّها هو الَّذِي علّمه الألِفَ والباء والجيم والدال? فأما من حُكي عنه من الأعراب, الَّذِين لَمْ يعرفوا الهمز والجرّ والكاف والدال, فإنَّا لَمْ نزعم أن العرب كلها مدراً ووبراً قَدْ عرفوا الكتابة كلها والحروف أجمعها، وَمَا العربُ فِي قديم الزمان إِلاَّ كنحن اليومَ: فما كلٌّ يعرف الكتابة والخطّ والقراءة، وأبو حيّة كَانَ أمس؛ وَقَدْ كَانَ قبله بالزمن الأطول من يعرف الكتابة ويخطّ ويقرأ، وَكَانَ فِي أصحاب رسول الله -صلى الله عليه سلم- كاتبون منهم أمير المؤمنين عليٌّ صلوات الله تعالى عَلَيْهِ وعثمان وزيد وغيرهم.
فحدثني أبو الحسن عليُّ بنُ إبراهيم القَطَّان, قال أخبرنا عليّ بن عبد العزيز عن أبي عبيد قال: حدثنا ابن مَهْدِيّ, عن ابن المبارك قال حدثني أبو واثل شيخٌ من أهل اليمن عن هانئ قال: كنت عند عثمان رضي الله تعالى عنه، وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتِف شاه إِلَى أبي بن كعب فِيهَا "لَمْ يتسنَّ" و"فأمهل الكافرين" و"لا تبديل للخلق" قال فدعا بالدّواة فمحا إحدى اللامين وكتب ﴿لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ٥
стр. 12
ومحا "فأمهل" وكتب ﴿فَمَهِّلْ﴾ ١ وكتب ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ ٢ ألحقَ فِيهَا هاءً. أفيكون جهلُ أبي حيّة بالكتابة حُجةً عَلَى هؤلاء الأئمة?
والذي نقوله فِي الحروف هو قولنا فِي الإعراب والعروض. والدليل عَلَى صِحة هَذَا وأن القوم قَدْ تداوَلوا الإعراب أنا نستقرئ قصيدة الحُطَيْئة٣ الَّتِي أوّلها:
شاقَتْكَ أظعانٌ لِلَيلَى ... دون ناظرة بواكر٤
فَنَجِدُ قوافيها كلَّها عند الترنُّم والإعراب تجيء مرفوعة، ولولا علمُ الحطيئة بذلك لأشبهَ أن يختلف إعرابُها، لأن تساويها فِي حركة واحدة اتفاقاً من غير قصد لا يكاد يكون.
فإن قال قائل: فقد تواترت الرّوايات بأن أبا الأسود٥ أولُ من وضع العربية، وأن الخليل٦ أول من تكلم فِي العروض. قيل لَهُ: نحن لا ننكر ذَلِكَ، بل نقول إن هذين العِلْمَين قَدْ كانا قديماً وأتت عليهما الأيام, وقلاّ فِي أيدي الناس، ثُمَّ جددهما هذان الإمامان، وَقَدْ تقدم دليلنا فِي معنى الإعراب.
وأما العروض فمن الدليل عَلَى أنه كَانَ متعارفاً معلوماً اتفاقُ أهل العلم عَلَى أن المشركين لما سمعوا القرآن قالوا أَوْ من قال منهم: "إنه شعر" فقال الوليدُ بنُ المغيرة منكراً عليهم "لقد عرضتُ مَا يقرؤه محمد عَلَى أقراء الشعر٨: هزجه ورجزه, وكذا وكذا، فلم أرَه يشبه شيئاً من ذلك" أفيقول الوليدُ هَذَا، وهو لا
стр. 13
يعرف بحور الشعر?
وَقَدْ زعم ناس أنّ علوماً كَانَتْ فِي القرون الأوائل والزمن المتقادم، وأنها دَرسَت وجُدّدت منذ زمان قريب، وترجمت وأصلحت منقولة من لغة إِلَى لغة. وليس مَا قالوا ببعيد، وإن كَانَتْ تِلْكَ العلوم بحمد الله وحسن توفيقه مرفوضة عندنا.
فإن قال: فقد سمعناكم تقولون: إن العرب فعلت كذا وَلَمْ تفعل كذا، مِن أنها لا تجمع بَيْنَ ساكنين، ولا تبتدئ بساكن، ولا تقف عَلَى متحرك، وأنها تسمي الشخص الواحد الأسماء الكثيرة، وتجمع الأشياء الكثيرة تَحْتَ الاسم الواحد، قلنا: نحن نقول إن العرب تفعل كذا بعدما وطأناه أن ذَلِكَ توقيف حَتَّى ينتهي الأمر إِلَى الموقّف الأول.
ومن الدليل عَلَى عرفان القدماء من الصحابة وغيرهم بالعربية كتابتهم المصحف عَلَى الَّذِي يعلله النحويُّون فِي ذوات الواو والياء والهمز والمدّ والقصر فكتبوا ذوات الياء بالياء وذوات الواو بالواو وَلَمْ يصوّروا الهمزة إذَا كَانَ مَا قبلها ساكناً فِي مثل "الخبء" و"الدفء" و"الملء" فصار ذَلِكَ كلّه حجة، وحتى كَرِهَ من العلماء تركَ اتباع المصحف من كَرِهَ.
فحدثني عبد الرحمن بن حمدان عن محمد بن الجهم السّمرَّيّ عن الفرَّاء١ قال: "اتباعُ المصحف -إذَا وجدت لَهُ وجهاً من كلام العرب- وقراءةُ القراء أحبّ إليَّ من خلافه" قال: وَقَدْ كَانَ أبو عمرو بن العلاء٢ يقرأ: "إِنْ هَذَينِ لَسَاحِرَانِ"٣ ولست أجترئ عَلَى ذَلِكَ. وقرأ: "فَأَصَّدَّقَ وَأَكُون"٤ فزاد واواً فِي الكتاب وَلَمْ أستحبّ ذَلِكَ.
والذي قاله الفرّاء حَسَن، وما بحسن قول ابن قتيبة٥ فِي أحرُف ذكرها، وَقَدْ خالف الكُتَّابُ المصحفُ فِي هَذَا.
стр. 14
باب القول فِي أن لغة العرب أفضلُ اللغات وأوسعُها:
قال جلّ ثناؤه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ١ فوصَفه جلّ ثناؤه بأبلغ مَا يوصَف بِهِ الكلام، وهو البيان.
قال جلّ ثناؤه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ٢ فقدّم جلّ ثناؤه ذكر البيان عَلَى جميع مَا توحَّد بخلقه وتفرَّد بإنشائه، من شمس وقمر ونجم وشجر وغيرِ ذَلِكَ من الخلائق المحْكمة والنشايا المُتْقَنة. فلمّا خصَّ جلَّ ثناؤه اللسانَ العربيَّ بالبيانِ عُلم أن سائر اللغات قاصرةٌ عنه وواقعة دونه.
فإن قال قائل: فقد يقع البيانُ بغير اللسان العربي، لأن كلَّ مَن أفْهَم بكلامه عَلَى شرط لغته فقد بَيَّن. قيل لَهُ: إِن كنتَ تريد أن المتكلّم بغير اللغة العربية قَدْ يُعرِبُ عن نفسه حَتَّى يفهم السامع مراده فهذا أخس مراتب البيان، لأن الأبكم قَدْ يدلُّ بإشارات وحركات لَهُ عَلَى أكثر مراده ثُمَّ لا يسمّى متكلماً، فضلا عن أن يُسمَّى بَيِّناً أَوْ بليغاً.
وإن أردت أنَّ سائر اللغات تبيّن إبانة اللغة العربية فهذا غَلط، لأنا لو احتجنا أن نعبر عن السيف وأوصافه باللغة الفارسية لما أمكننا ذَلِكَ إِلاَّ باسم واحد، ونحن نذكر للسيف بالعربية صفات كثيرةً، وكذلك الأسد والفرس وغيرهما من الأشياء المسمّاة بالأسماء المترادفة. فأين هَذَا من ذاك، وأين لسائر اللغات من السَّعة مَا للغة العرب? هَذَا مَا لا خفاء بِهِ عَلَى ذي نُهيَة٣.
وَقَدْ قال بعضُ علمائنا حين ذكر مَا للعرب من الاستعارة والتمثيل والقلب والتقدير والتأخير وغيرها من سنن العرب فِي القرآن فقال: ولذلك لا يقدر أحد من التراجم عَلَى أن ينقله إِلَى شيء من الألسنة كما نُقل الإنجيل عن
стр. 15
السريانية إِلَى الحَبشية والرُّومية وترجمت التوراة والزَّبور وسائرُ كتب الله بالعربية، لأن العجم لَمْ تتَّسع فِي المجاز اتساع العرب، ألا ترى أنك لو أردت أن تنقُل قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ ١ لَمْ تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ المؤدِّية عن المعنى الَّذِي أَوْدِعَتْه حَتَّى تبسُط مجموعها وتصِل مقطوعها وتُظهر مستورها فتقول: "إِن كَانَ بَيْنَك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقضاً فأعلمهم أنّك قَدْ نقضت مَا شرطته لهم وآذِنْهم بالحرب لتكون أنت وهم فِي العلم بالنقض عَلَى استواء" وكذلك قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾ ٢.
فإن قال قائل: فهل يوجد فِي سنن العرب ونظومها مَا يجري هَذَا المجرى? قيل لَهُ: إِن كلام الله جلّ ثناؤه أعلى وأرفع من أن يُضاهى أَوْ يُقابل أَوْ يعارض بِهِ كلام، وكيف لا يكون كذلك وهو كلام العليّ الأعلى خالق كلّ لغة ولسان، لكنّ الشعراء قَدْ يؤمنون إيماءَ ويأتون بالكلام الَّذِي لو أراد مُريد نقْلُه لاعْتاص٣ وَمَا أمكن إِلاَّ بمبسوطٍ من القول وكثير من اللفظ. ولو أراد أن يعبّر عن قول امرئ القيس٤:
فدع عنك نهبا صيح في حَجَراته
بالعربية فضلاً عن غيرها لطال عَلَيْهِ. وكذا قول القائل٥:
"الظن عَلَى الكاذبِ".
و"نِجارُها نارُها"٦.
стр. 16
و"عَيَّ بالأسْناف"١.
و"انْشأِي يُرمَ لكِ".
و"هو باقِعة"٢.
و"قلبٌ لَو رَفع".
و"عَلَى يَد فاخْضَمْ".
و"شأنك إِلاَّ تركُه مُتفاقم".
وهو كثير بمثله طالت لغةُ العرب اللغات. ولو أراد معبرٌ بالأعجمية أن يعبر عن الغنيمة والإخفاق واليقين والشكّ والظاهر والباطن, والحق والباطل, والمبين والمشكل, والاعتزاز والاستسلام لعيّ بِهِ. والله جلّ ثناؤه أعلم حَيْثُ يجعل الفضل.
ومما اختُصت بِهِ لغةُ العرب -بعد الَّذِي تقدم ذكره- قلبهُم الحروف عن جهاتها، ليكون الثاني أخفَّ من الأول، نحو قولهم: "ميعاد" وَلَمْ يقولوا "مِوْعاد" وهما من الوعد، إِلاَّ أن اللفظ الثاني أخفُّ.
ومن ذَلِكَ تركهم الجمعَ بَيْنَ السَّاكنَينِ، وَقَدْ تجتمع فِي لغة العجم ثلاث سواكن. ومنه قولهم: "يَا حارِ" ميلاً إِلَى التخفيف.
ومن اختلاسهم الحركات فِي مثل٣:
فاليومَ أشرَبْ غيرَ مُسْتَحقِبٍ
ومنه الإدغامُ، وتخفيفُ الكلمة بالحذف، نحو"لَمْ يَكُ" و"لَمْ أُبَلْ" ومن ذَلِكَ إضمارهم الأفعال، نحو"امرؤ أتقى الله" و "أمرَ مُبكياتِكِ، لا أمرَ مضْحكاتِكِ".
وممّا لا يمكن نقْله البتَّةَ: أوصافُ السيف والأسد والرمح وغير ذَلِكَ من
стр. 17
الأسماء المترادفة. ومعلوم أن العَجَم لا تعرف للأسد غير اسم واحد، فأما نحن فنُخرج لَهُ خمسين ومائة اسم.
وحدثني أحمد بن محمد بن بندار قال: سمعت أبا عبد الله بن خالَوَيْهِ الهمذاني١ يقول: جمعت للأسد خمسمائة اسم وللحيَّة مائتين.
وأخبرني عليُّ بن أحمد بن الصباح قال: حدثنا أبو بكر بن دريد قال: حدثنا ابن أخي الأصمعي٢ عن عمه أن الرشيد٣ سأله عن شعر لابن حزام العُكْلِيّ ففسره، فقال: "يَا أصمعي، إِن الغريب عندك لغَيْرُ غريب" فقال: "يَا أمير المؤمنين، ألا أكون كذلك وَقَدْ حفظتُ للحَجَر سبعين اسماً?", وهذا كما قاله الأصمعي. ولكافي الكفاة٤ -أدام الله أيامه وأبقى للمسلمين فضله- فِي ذَلِكَ كتاب مجرد.
فأين لسائر الأمم مَا للعرب? ومن ذا يمكنه أن يُعبّر عن قولهم: ذات الزُّمَيْن٥، وكَثْرَة ذات اليد٦، ويد الدهر٧، وتخاوَصَت النجوم٨، ومَجَّت الشمسُ ريقها، ودَرأ الفيءَ٩، ومفاصل القول١٠، وأتى بالأمر من فصِّه١١، وهو رحب العَطَن١٢، وغَمْرُ الرداء١٣، ويخْلق ويَفري١٤، وهو ضيق
стр. 18
المَجَمّ١، قلِق الوَضِين٢، رابط الجأش٣، وهو ألْوى، بعيد المُسْتَمَرّ٤، وهو شراب بِأنقع٥، وهو جُذَيْلُها المحكَّك وعُذَيقُها المُرَجَّب٦، وَمَا اشبه هَذَا من بارع كلامهم ومن الإيماء اللطيف والإشارة الدّالة.
وَمَا فِي كتاب الله جلّ ثناؤه من الخطاب العالي أكثر وأكثر، قال الله جلّ وعزّ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ٧, و ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ ٨، و ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ ٩, و ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ١٠, و ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ١١، و ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ وهو أكثر من أن نأتي عَلَيْهِ.
وللعرب بعد ذَلِكَ كَلِم تلوح فِي أثناء كلامهم كالمصابيح فِي الدُّجى، كقولهم للجَموع للخير: قَثُوم، وهذا أمر قاتِم١٢ الأعماق، أسود النواحي، واقتحف١٣ الشرابَ كلّه، وَفِي هَذَا الأمر مصاعبُ وقُحَم١٤، وامرأة حييّة قدِعة١٥، وتَقَادَعوا تقادُعَ الفراش فِي النار، وَلَهُ قَدَم صِدق، وذا أمر أنت أردته ودبّرته، وتقاذَفَتْ بِنَا النَّوى، واشْتَفَّ الشراب، ولك قُرعة هَذَا الأمر خياره، وما
стр. 19
دخلت لفلان قريعة١ بيت، وهو يَبْهَر القرينة إِذَا جاذبته، وهم عَلَى قرو واحد أي طريقة، وهؤلاء قَرَابينُ الملك، وهو قشع إِذَا لَمْ يثبت عَلَى أمر، وقشبه بقبيح لطخه وصبي قصِع لا يكادُ يشبّ، وأقلت مَقاصِرُ الظلام، وقطَّع الفرسُ الخيلَ تقطيعاً إِذَا خلَّفها، وَلَيْسَ أقعَس لا يكاد يبرح، وهو منزول قفر.
وهذه كلمات من قرحة٢ واحدة، فكيف إِذَا جال الطرف فِي سائر الحروف مجاله? ولو تقصينا ذَلِكَ لجاوزنا الغرض ولما حوته أجلاد وأجلاد.
стр. 20
باب: القول في لغة العرب وهل يجوز أن يحاط بها ?
قال بعض الفقهاء: "كلام العرب لا يحيط بِهِ إِلاَّ نبيّ".
وهذا كلامَ حَرِيٌّ أن يكون صحيحاً. وَمَا بلغنا أنّ أحداً ممن مضى ادعى حفْظ اللغة كلِها. فأما الكتاب المنسوب إِلَى الخليل وَمَا فِي خاتمته من قوله: "هَذَا آخر كلام العرب" فقد كَانَ الخليل أورع وأتقى لله جلّ ثناؤه من أن يقول ذَلِكَ.
ولقد سمعت عليَّ بن مِهْرُوَيْهِ يقول: سمعت هارون بن هَزاري يقول: سمعت سُفيان بن عُيْينة١ يقول: "من أحبّ أن ينظر إِلَى رجل خُلق من الذّهب والمِسك فلينظر إِلَى الخليل بن أحمد". وأخبرني أبو داود سليمان بن يزيد عن ذَلِكَ المَصاحِفِي عن النَّضر بن شُمَيْل٢ قال: "كنا نُمَيِّل بَيْنَ ابن عون٣ والخليل بن أحمد أيُّهما تقدّم فِي الزّهد والعبادة فلا ندري أيهما تقدم" قال: وسمعت النضر بن شميل يقول: "مَا رأيت أعلم بالسُّنة بعد ابن عون من الخليل بن أحمد" قال: وسمعت النضر يقول: "أُكلت الدنيا بأدب الخليل وكتبه وهو فِي خُصّ لا يشعر به".
стр. 21
قلنا فهذا مكان الخليل من الدين، أفتراه يُقدم عَلَى أن يقول: "هَذَا آخر كلام العرب؟ ".
ثُمَّ أن فِي الكتاب الموسوم بِهِ من الإخلال مَا لا خفاء بِهِ عَلَى علماء اللغة، ومن نظر فِي سائر الأصناف الصحيحة علم صحة مَا قلناهُ.
стр. 22
باب القول فِي اختلاف لغات العرب:
اختلاف لغات العرب من وجوه:
أحدها: الاختلاف فِي الحركات كقولنا: "نَستعين" و"نِستعين" بفتح النون وكسرها. قال الفرَّاء: هي مفتوحة فِي لغة قريش، وأسدٌ وغيرهم يقولونها بكسر النون.
والوجه الآخر: الاختلاف فِي الحركة والسكون مثل قولهم: "معَكم" و"معْكم" أنشد الفرّاء:
ومَنْ يتَّقْ فإنّ الله معْهُ
ورزق الله مؤتابٌ وغادِ١
ووجه أخر: وهو الاختلاف فِي إبدال الحروف نحو: "أولئك" و"ألالك". أنشد الفرّاء:
أُلا لِك قومي لَمْ يكونوا أُشابَةً
وهل يعِظُّ الضِّلّيلَ إلا أُلالكا٢
ومنها قولهم: "أنّ زيداً" و"عَنّ زيداً".
ومن ذَلِكَ: الاختلاف فِي الهمز والتليين نحو: "مستهزءون" و"مستهزُوْن".
ومنه: الاختلاف فِي التقديم والتأخير نحو: "صاعقة" و"صاقعة".
ومنها: الاختلاف فِي الحذف والإثبات نحو"استحيَيْت" و"استحْيت" و"وصدَدْت" و"أَصْدَدْت".
ومنها: الاختلاف فِي الحرف الصحيح يبدلُ حرفًا معتلا نحو: "أما زيد",
стр. 23
و"أيْما زيد".
ومنها: الاختلاف فِي الإمالة والتفخيم فِي مثل "قضى" و"رمى" فبعضهم يفخم وبعضهم يُميل.
ومنها: الاختلاف فِي الحرف الساكن يستقبله مثله، فمنهم من يكسر الأول ومنهم من يضم، فيقولون: "اشترَوُا الضلالة" و"اشترَوِ الضلالة".
ومنها: الاختلاف فِي التذكير والتأنيث فإن من العرب من يقول "هَذِهِ البقر" ومنهم من يقول "هَذَا البقر" و"هذه النخيل" و"هَذَا النخيل".
ومنها: الاختلاف فِي الإدغام نحو: "مهتدون" و"مُهَدُّون".
ومنها: الاختلاف فِي الإعراب نحو: "مَا زيدٌ قائماً" و"مَا زيدٌ قائم" و"إنّ هذين" و"إنّ هذان" وهي بالألف لغة لبني الحارث بن كعب يقولون لكلّ ياء ساكنة انفتح مَا قبلها ذَلِكَ. وينشدون:
تزوَّدَ مِنَّا بَيْنَ أذناه ضربةً ... دَعَتْه إِلَى هابي التراب عقيمِ١
وذهب بعض أهل العلم إِلَى أن الإعراب يقتضي أن يقال: "إِن هذان" قال: وذلك أن "هَذَا" اسم منهوك، ونُهْكهُ أنه عَلَى حرفين أحدهما حرف علة وهي الألف و"ها" كلمة تنبيه ليست من الاسم فِي شيء، فلما ثُنّي احتيج إِلَى ألف التثنية، فلم يوصل إليها لسكون الألف الأصلية، واحتيج إِلَى حذف أحديهما فقالوا: إِن حذَفنا الألف الأصلية بقي الاسم عَلَى حرف واحد، وإن أسقطنا ألِفَ التثنية كَانَ فِي النون منها عوض ودلالة عَلَى معنى التثنية، فحذفوا ألف التثنية.
فلما كَانَتْ الألف الباقية هي ألف الاسم، واحتاجوا إِلَى إعراب التثنية لَمْ يغيروا الألف عن صورتها لأن الإعراب واختلافه فِي التثنية والجمع إنما يقع عَلَى الحرف الَّذِي هو علامة التثنية والجمع، فتركوها عَلَى حالها فِي النصب والخفض.
قال: ومما يدلّ عَلَى هَذَا المذهب قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ ٢ لَمْ تحذف النون -وَقَدْ أضيف- لأنه لو حذفت النون لذهب معنى التثنية
стр. 24
أصلاً، لأنه لَمْ تكن للتثنية ها هنا علامة إِلاَّ النون وحدها، فإذا حذفت أشبهت الواحد لذهاب علامة التثنية.
ومنها: الاختلاف فِي صورة الجمع نحو"أسرى" و"أُسارى".
ومنها: الاختلاف فِي التحقيق والاختلاس نحو: "يأمُرُكم" و"يأمُرْكم" و"عفِي لَهُ" و"عفْي لَهُ".
ومنها: الاختلاف فِي الوقف عَلَى هاء التأنيث مثل "هَذِهِ أُمَّهْ" و"هَذِهِ أمَّتْ".
ومنها: الاختلاف فِي الزّيادة نحو: "أَنْظُرُ" و"أَنظورُ". أنشد الفراء١:
الله يعلم أَنَّا فِي تلفُّتنا ... يوم الفراق إِلَى جيراننا صُورُ
وأنَّني حَيْثُ مَا يَثْنِي الهوى بَصري ... من حَيْثُ مَا سلكوا أدنو فأنظورُ
وكلّ هَذِهِ اللغات مسماة منسوبة إِلَى أصحابها، لكن هَذَا موضع اختصار، وهي -وإن كَانَتْ لقوم دون قوم- فإنها لما انتشرت تَعاوَرَها كلٌّ.
ومن الاختلاف: اختلاف التضادِّ، وذلك قول حِمْيَر للقائم "ثبْ" أي اقعد.
فحدثنا علي بن إبراهيم القطَّان عن المفسر عن القتيبي عن إبراهيم بن مسلم عن الزبير عن ظَمْياء بنت عبد العزيز بن مَوألة قالت: حدثني أبي عن جدّي موألة أن عامر بن الطُّفيْل٢ قدم عَلَى رسول الله ﷺ فَوَثَّبَهُ وِسادة، يريد فرشه إياه وأجلسه عَلَيْهَا.
والوِثاب: الفراش بلغة حِمْيَر. قال: وهم يسمّون الملك إِذَا كَانَ لا يغزو "موثَبان" يريدون أن يطيل الجلوس ولا يغزو، ويقولون للرجل "ثب" أي اجلس.
وروي أن زيد بن عبد الله بن دارِم وفد عَلَى بعض ملوك حِمْيَر فألْفاه فِي مُتَصَيَّد لَهُ عَلَى جبل مُشْرِف، فسلم عَلَيْهِ وانتسب له، فقال لَهُ الملك "ثب" أي اجلس، وظن الرجل أنه أمره بالوثوب من الجبل فقال: "لتجدني أَيُّها الملك
стр. 25
مِطْواعاً" ثُمَّ وثب من الجبل فهلك، فقال: الملك: مَا شأنه? فخبّروه قصته وغلطه فِي الكلمة، فقال: "أما أنه ليست عندنا عربية: من دخل ظَفارِ١ حَمّر" وظفار المدينة الَّتِي كَانَ بِهَا، وإليها ينسب الجَزْع الظفَّاري. من دَخل ظفار فليتعلم الحميرية.
стр. 26
باب القول فِي أفصح العرب:
أخبرني أبو الحسين أحمد بن محمد مولى بني هاشم بِقَزْوين، قال: حدثنا أبو الحسين محمدُ بن عباس الخشكي، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي عُبَيد الله قال: أجمَعَ علماؤنا بكلام العرب، والرُّواةُ لأشعارهم، والعلماءُ بلُغاتهم وأيامهم ومَحالّهم أن قُرَيشاً أفصحُ العرب ألْسنةً وأصْفاهم لغةً. وذلك أن الله جل ثناؤه اختارهم من جميع العرب واصطفاهم واختار منهم نبيَّ الرحمة محمداً ﷺ فجعل قُريشاً قُطَّان١ حَرَمِه، وجيران بيته الحرام، ووُلاتَهُ. فكانت وُفود العرب من حُجاجها وغيرهم يَفِدون إِلَى مكة للحج، ويتحاكمون إِلَى قريش فِي أُمورهم. وَكَانَتْ قريش تعلمهم مَناسكَهم وتحكُمُ بَيْنَهم.
ولن تزل العرب تَعرِف لقريش فضلها عليهم وتسمّيها أهل الله لأنهم الصَّريح من ولد إسماعيل ﵇، لَمْ تَشُبْهم شائبة، وَلَمْ تنقُلْهم عن مناسبهم ناقِلَة، فضيلةً من الله -جلّ ثناؤه- لهم وتشريفاً. إذ جعلهم رَهط نبيّه الأذْنَيْنَ، وعِتْرته٢ الصالحين.
وَكَانَتْ قريش، مع فصاحتها وحُسن لغاتها ورِقَّة ألسنتها، إِذَا أتتهُم الوُفود من العرب تخيّروا من كلامهم وأشعارهم أحسنَ لغاتهم وأصفى كلامهم. فاجتمع مَا تخيّروا من تِلْكَ اللغات إِلَى نَحائرهم٣ وسَلائقهم٤ الَّتِي طُبعوا عَلَيْهَا. فصاروا بذلك أفصح العرب.
стр. 27
ألا ترى أنك لا تجد فِي كلامهم عَنْعَنَة تَميم, ولا عَجْرفيّة قَيْس, ولا كَشْكَشَة أسَد, ولا كَسْكَسة رَبيعةَ, ولا الكَسْر الَّذِي تسمَعه من أسدَ وقَيْس مثل: "تِعلمون" و"نِعلم" ومثل "شِعير" و"بِعير"?
стр. 28
باب اللغات المذمومة:
أما العَنْعَنة الَّتِي تُذكِر عن تَميم فقلبهم الهمزة فِي بعض كلامهم عيناً. يقولون: "سمعتُ عَنَّ فلاناً قال كذا" يريدون "أَنَّ".
ورُوي فِي حديث قَيْلَة: "تَحسب عَنِّي نائمةٌ" قال أبو عُبيد: أرادت تَحْسب أني، وهذه لُغة تميم. قال ذو الرمّة١:
أَعَنْ ترسَّمت من خرقاء منولة ... ماءُ الصَّبابة من عَيْنيك مَسْجُومُ
أراد "أن", فجعل مكان الهمزة عيناً.
وأما الكَشْكَشة الَّتِي فِي أسَد فقال قوم: إنهم يبدلون الكاف شيناً فيقولون: "عَلَيْشَ" بمعني "عَلَيْكَ". ويُنشدون٢:
فَعَيْناشِ عيناها وجيدش جيدُها ... ولَوْنُشِ إِلاَّ أنها غيرُ عاطلِ
وقال آخرون: يَصِلون بالكاف شيناً، فيقولون: "عَلَيكِش".
وكذلك الكسكَسة الَّتِي فِي رَبيعة إنما هي أن يَصِلوا بالكاف سيناً، فيقولون: "عَلَيْكِسْ".
وحدثني عليُّ بن أحمد الصبَّاحيُّ، قال سمعت ابن دُرَيْد٣ يقول: حروفٌ لا تتكلم بها العرب إِلاَّ ضرورة، فإذا اضطُرُّوا إِلَيْهَا حوَّلوها عند التكلم بها إِلَى أقرب الحروف من مخارجها.
فمن تِلْكَ الحروفِ الحرفُ الَّذِي بَيْنَ الباء والفاء. مثل "بور" إِذَا اضطُروا. فقالوا: "فور".
стр. 29
ومثلُ الحرف الَّذِي بَيْنَ القاف والكاف والجيم -وهي لغة سائرة فِي اليمن- مثل: "جَمَل" إِذَا اضطرُّوا قالوا: "كَمَل".
قال: والحرفُ الَّذِي بَيْنَ الشين والجيم والياء: فِي المذكر "غُلامِجْ" وَفِي المؤنث "غُلامِش".
فأما بنو تميم فإنهم يُلحقون القاف باللَّهاة حَتَّى تَغْلظ جداً فيقولون: "القوم" فيكون بَيْنَ الكاف والقاف، وهذه لغة فيهم. قال الشاعر١:
ولا أكُولُ لِكدرِ الكَوم قَدْ نضجت ... ولا أكولُ لبابِ الدَّار مَكْفولُ
وكذلك الياء تجعل جيماً فِي النَّسب. يقولون: "غُلامِجْ" أي "غلامي".
وكذلك الياء المشدَّدة تحوَّل جيماً فِي النَّسب. يقولون: "بَصرِجّ" و"كُوفِجّ" قال الرَّاجِز٢:
خالي عويفٌ وأبو عَلِجّ ... المُطْعِمَانِ اللحمَ بالعَشِجِّ
وبالغَداةَ فِلَقَ الْبرْنِجِّ ...
وكذلك مَا أشبهه من الحروف المرغوب عنها. كالكاف الَّتِي تُحوَّل شيناً.
قلنا: أما الَّذِي ذكره ابن دُرَيد فِي "بور" و"فور" فصحيح. وذلك أن بور لَيْسَ من كلام العرب، فلذلك يحتاج العربيّ عند تعريبه إياه أن يُصيّره فاءً. وأما سائر مَا ذكره فليس من باب الضرورة فِي شيء. وأيُّ ضرورة بالقائل إِلَى أن يقلب الكاف شيناً، وهي ليست فِي سجع ولا فاصلة? ولكن هَذِهِ لغات للقوم عَلَى مَا ذكرناه فِي باب اختلاف اللغات.
وأما من زعم أن ولدَ إسماعيل ﵇ يُعيّرون وَلدَ قَحْطان أنهم ليسوا عرباً، ويحتجُّون عليهم بأنَّ لسانَهم الحِمْيريَّة وأنهم يُسَمُّون اللِّحية بغير اسمها -مع
стр. 30
قول الله جلّ ثناؤه فِي قصة من قال: لا تأخذ بلِحْيتي ولا بِرَأْسي- وأنهم يُسمُّون الذّيب "القِلوْبَ" مع قوله: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ ١ويسمون الأصابع "الشنَّاتر" وَقَدْ قال الله جلّ ثناؤه: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ ٢ وأنهم يسمّون الصَّديق "الخِلْمَ" والله جل ثناؤه يقول: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ وَمَا أشبه هَذَا. فليس اختلافُ اللُّغات قادِحاً فِي الأنساب.
ونحن -وإن كنا نعلم أن القرآن نزل بأفصح اللغات- فلسنا نُنكر أن يكون لكلّ قوم لغة. مع أن قحطان تذكر أنهم العرَب العارِبة، وأن مَن سواهم العرَب المَتَعَرِّبة، وأن إسماعيل ﵇ بلسانهم نَطق، ومن لغتِهم أخَذَ، وإنَّما كَانَتْ لغةُ أبيه ﷺ العِبرية وَلَيْسَ ذا موضوعَ مفاخَرة فنَستَقصي.
ومما يُفسد الكلام ويَعيبُه الخزْمُ ولا نريد بِهِ الخزْمَ المستعمل فِي الشعر، وإنما نريد قولَ القائل٣:
ولئنْ قومٌ أصابوا غِرَّةً ... وأصِبْنا من زمان رَقَقا
لَلَقَدْ كُنَّا لدى أزماننا ... لِشَريجَيْنِ لباسٍ وتُقى
فزاد لاماً عَلَى "لقد" وهو قبيح جداً.
ويزعُم ناسٌ أن هَذَا تأكيد كقول الآخر٤:
فَلا والله لا يُلْفَى لِما بي ... ولا لِلِما بهم أبداً دَوَاءٌ
فزاد لاماً عَلَى "لِمَا" وهذا أقبح من الأول. فأما التأكيد فإن هَذَا لا يزيد الكلام قُوة، بل يقبّحه. ومثله قول الآخر٥:
وصالياتٍ كَكَما يوثفين
شوكل ذا من أغالِيطِ من يغلَط، والعرَب لا تعرِفهُ.
стр. 31
باب القول فِي اللغة الَّتِي بِهَا نزل القرآن:
وأنه لَيْسَ فِي كتاب الله جل ثناؤه شيء بغير لغة العرب:
حدثنا أبو عليُّ بنُ إبراهيم القطَّان قال: حدثنا عليُّ بن عبد العزيز عن أبي عُبيد عن شيخ لَهُ أنه سمع الكلبيّ يحدث عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزل القرآن عَلَى سبعة أحرُف أَوْ قال بسبعِ لغات، منها خمسٌ بلغة العَجْزِ من هَوازن وهم الذين يقال لهم علُيا هَوازن وهي خمس قبائل أَوْ أربع، منها سَعدُ بن بكر وجُشَمُ بن بكر ونَصْر بن مُعاوية وثَقيف.
قال أبو عُبيد: وأحسب أفصَحَ هؤلاء بني سعد بن بكر لقول رسول الله ﷺ : "أنا أفصَح العَرَب مَيْد أني من قريش وأني نشأت فِي بني سعد بن بكر" ١, وَكَانَ مُسْتَرْضَعاً فيهم، وهم الذين قال فيهم أبو عمرو بن العَلاء: أفصح العرب عُليا هَوازِن وسُفْلى تميم.
وعن عبد الله بن مسعود أنه كَانَ يَستَحبُّ أن يكون الذين يكتبون المَصاحف من مُضر.
وقال عمر: لا يُمْلِيَنَّ فِي مَصاحِفِنا إِلاَّ غلمان قريش وثَقيف.
وقال عثمان: اجعلوا المُمليَ من هُذَيل والكاتبَ من ثقيف.
قال أبو عبيد: فهذا مَا جاءَ فِي لغات مُضر وَقَدْ جاءت لغاتٌ لأهل اليَمن فِي القرآن معروفةٌ. منها قوله جلّ ثناؤه: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ ٢ فحدّثنا أبو الحسن علي عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد قال: حدثنا هُشَيْم أخبرنا منصور عن الحسن قال: "كُنا" يقال إنها بالحبشية. وقوله "هَيْتَ لَكَ" يقال إنها بالحوْرانيَّة. قال: فهذا قول أهل العلم من الفُقهاء.
قال: وزعم أهل العَربية أن القرآن لَيْسَ فِيهِ من كلام العجَم شيء وأنه كله
стр. 32
بلسانٍ عربيّ، يتأوَّلون قوله جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ١، وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ٢.
قال أبو عبيد: والصواب من ذَلِكَ عندي -والله اعلم- مذهب فِيهِ تصديق القوْلين جميعاً, وذلك أنَّ هَذِهِ الحروف وأصولها عجمية -كما قال الفقهاء- إِلاَّ أنها سقَطَت إِلَى العرب فأعرَبَتها بألسنَتها، وحوَّلتها عن ألفاظ العجم إِلَى ألفاظها فصارت عربيَّة. ثُمَّ نزل القرآن وَقَدْ اختَلَطت هَذِهِ الحروف بكلام العَرَب, فمن قال: إنها عَرَبية فهو صادق، ومن قال: عجمية فهو صادق.
قال: وإنما فسَّرنا هَذَا لئلا يُقدِمَ أحد عَلَى الفقهاء فَيَنْسَبهم إِلَى الجهل، ويتوهَّم عليهم أنهم أقدموا عَلَى كتاب الله جَلَّ ثناؤه بغير مَا أرداهُ الله جلَّ وعزَّ، وهم كانوا أعلمَ بالتأويل وأشدَّ تعظيماً للقرآن.
قال أحمد بن فارس: لَيْسَ كل من خالف قائلاً فِي مقالته فقد نَسَبه إِلَى الجهل. وذلك أن الصدر الأول اختلفوا فِي تأويل آي من القرآن فخالف بعضهم بعضاً. ثُمَّ خَلَفَ من بعدهم خلف، فأخذ بعضهم بقولٍ وأخذ بعض بقول، حسب اجتهادهم وَمَا دلَّتهم الدَّلالة عَلَيْهِ. فالقول إذن مَا قاله أبو عبيد، وإن كَانَ قوم من الأوائل قَدْ ذهبوا إِلَى غيره.
فإن قال قائل: فما تأويل قول أبي عبيد، فقد أعظم وأكبر?
قيل لَهُ: تأويله أنه أتي بأمر عظيم وكبير. وذلك أن القرآن لَوْ كَانَ فِيهِ من غير لغة العرب شيء، لتوهَّم متوهْمِ أن العرب إنما عَجَزت عن الإتيان بمثله لأنه أتي بلغات لا يعرفونها، وَفِي ذَلِكَ مَا فِيهِ.
وإذا كَانَ كذا فلا وجه لقول من يجيز قراءة القرآن فِي صلاته بالفارسية لأن الفارسية ترجمة غير مُعْجِزة. وإنَّما أمر الله جلّ ثناؤه بقراءة القرآن العربي المعجز. ولو جازت القراءة بالترجمة الفارسية لكانت كتُب التفسير والمصنّفات فِي معاني القرآن باللَّفظ العربيّ أولى بجواز الصَّلاة بِهَا، وهذا لا يقوله أحد.
стр. 33
باب القول فِي مأخذ اللغة:
تؤخذ اللغة اعتياداً كالصبي العربيّ يسمع أبويه وغيرهما، فهو يأخذ اللغة عنهم عَلَى مر الأوقات.
وتؤخذ تلقُّناً من ملقّن, وتؤخذ سماعاً من الرُّواة الثقات ذوي الصدق والأمانة، ويُتَّقى المظنون.
فحدثنا علي بن إبراهيم عن المَعْدَانيّ عن أبيه عن معروف بن حسان عن اللَّيْث عن الخليل قال: إن النَّحارير١ رُبَّما أدخلوا عَلَى الناس مَا لَيْسَ من كلام العرب إرادة اللَّبْس والتَّعْنِيت٢.
قلنا فَليَتَحرّ آخذ اللغة وغيرها من العلوم أهل الأمانة والثقة والصدق والعدالة. فقد بلغنا من أمر بعض مشيخة بغداد مَا بلغنا. واللهَ جل ثناؤه نستهدي التوفيق، وإليه نرغب فِي إرشادنا لسُبُل الصدق، إنه خير موفق ومعين.
стр. 34
باب القول فِي مأخذ اللغة
...
باب القول فِي الاحتجاج باللغة العربية:
لغةُ العرب يحتج بِهَا فيما اختلفُ فيه، إِذَا كَانَ أقْرائِكَ. قال أبو بكر: ومن العظيم أنَّ علياً وعمرَ ﵄ قَدْ قالا: "القُرْؤُ: الحَيضُ" فهل يُجْتَرا عَلَى تجهيلهما باللغة؟
ومنها قوله فِي قوله جلّ ثناؤه: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ ١ أنه أرادَ الذكور دون الإناث. قال: وهذا من غريب مَا يَغلَط فِيهِ مثله. يقول الله جلّ ثناؤه: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ﴾ ٢ أفَتُراه أراد الرِّجالَ دون النساء؟
قال ابن داود: وإنَّ قبيحاً مُفْرِط القَبَاحة بمن يعيب مالك بن أنسٍ بأنه لَحَنَ فِي مخاطَبَةِ العامَّة بأن قال: "مُطرنا البارحة مطراً أيَّ مطراً" أن يرضَى هو لنفسه أن يتكلم بمثل هَذَا. لأن النَّاس لَمْ يزالوا يلحنون ويَتَلاحَنُون فيما يخاطب بعضُهم
стр. 35
بعضاً اتِّقَاءً للخروج عن عادة العامة فلا يَعيبُ ذَلِكَ من يُنْصِفِهم من الخاصة، وإنّما العيب عَلَى من غلِط من جهة اللغة فيما يغير بِهِ حكَم الشريعة والله المستعان.
فلذلك قلنا: إنّ علم اللغة كالواجب عَلَى أهل العلم، لئلاَّ يحيدوا فِي تأليفهم أَوْ فتياهم عن سَنن الاستواء.
وكذلك الحاجة إِلَى علم العربية، فإن الإعراب هو الفارق بَيْنَ المعاني. ألا ترى أن القائل إِذَا قال: "مَا أحسن زيد" لَمْ يفرّق بَيْنَ التعجب والاستفهام والذمّ إِلاَّ بالأعراب. وكذلك إِذَا قال: "ضرب أخوك أخانا" و"وَجْهُك وجهُ حُرّ" و"وجهُك وجهٌ حرٌ" وَمَا أشْبَه ذَلِكَ من الكلام المشْتَبه.
هَذَا وَقَدْ روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أعْرِبوا القرآن". وَقَدْ كَانَ الناس قديماً يجتنبون اللحن١ فيما يكتبونه أَوْ يقرءونه اجتنابَهم بعضَ الذنوب. فأما الآن فقد تجوزا حَتَّى أن المحدّث يحدث فليحن. والفقيه يؤلف فيلحن. فإذا نُبها قالا: مَا ندري مَا الإعراب وإنما نحن محدّثون وفقهاء. فهما يسران بما يُساء بِهِ اللبيب.
ولقد كلمت بعض من يذهبُ بنفسه ويراها من فقه الشافعي بالرتبة العُليا فِي القياس، فقلت لَهُ: مَا حقيقة القياس ومعناه، ومن أي شيء هو? فقال: لَيْسَ عليَّ هَذَا وإنما علي إقامة الدَّليل عَلَى صحته.
فقل الآن في رجل يروم إقامة الدليل على صحة شيء لا يعرف معناه، ولا يدري ما هو. ونعوذ بالله من سوء الاختيار.
стр. 36
باب القول على لغة العرب:
هل لها قياس وهل يشتق بعض الكلام من بعض?:
أجمع أهل اللغة -إلا من شذ عنهم- أن للغة العرب قياساً, وأن العرب تشتق بعض الكلام من بعض,
وأن اسم الجنّ مشتق من الاجتنان. وأن الجيم والنون تدُلاَّن أبداً عَلَى الستر. تقول العرب للدّرع: جُنَّة, وأجَنة الليلُ, وهذا جنين، أي هو فِي بطن أمّه أَوْ مقبور, وأن الإنس من الظهور؛ يقولون: آنَسْت
стр. 37
الشيء: أبصرته.
وَعَلَى هَذَا سائرُ كلام العَرَب، عَلم ذَلِكَ من عَلِم وجَهِلَه من جهل.
قلنا: وهذا أيضاً مبنيٌ عَلَى مَا تقدم من قولنا فِي التوقيف. فإن الَّذِي وقّفنا عَلَى أن الاجتنان التستر هو الَّذِي وقّفنا عَلَى أن الجنّ مشتق منه. وَلَيْسَ لَنَا اليوم أن نخترع ولا أن نقول غير مَا قالوه ولا أن نقيس قياساً لَمْ يقيسوه، لأن فِي ذَلِكَ فسادَ اللغة وبُطلان حقائقها. ونكنةُ الباب أن اللغة لا تؤخذ قياساً نَقيسهُ الآن نحن.
стр. 38
باب القول على أن لغة العرب لم تنته إلينا بكليتها
...
باب القول على أن لغة العرب لن تنته إلينا بكليتها:
وأن الَّذِي جاءنا عن العرب قليل من كثير وأن كثيراً من الكلام ذهب بذهاب أهله:
ذهب علماؤنا أَوْ أكثرهم إِلَى أنّ الَّذِي انتهى إلينا من كلام العرب هو الأقلّ. ولو جاءنا جميعُ ما قالوه لجاءنا شعرٌ كثيرٌ وكلام كثير.
وأحر بهذا القول أن يكون صحيحاً. لأنّا نرى علماء اللغة يختلفون فِي كثير مما قالته العرب، فلا يكاد واحد منهم يُخبّر عن حقيقة مَا خولف فيه، بل يسلك طريق الاحتمال والإمكان.
ألا ترى أنَّا نسألهم عن حقيقة قول العرب فِي الإغراء "كَذَبك كذا" وعما جاء فِي الحديث من قوله: "كَذَبَ عليكم الحَجُّ" و"كَذَبَك العَسَلُ" وعن قول القائل١:
كذبتُ عليكم أَوْعِدُوني وعَلِّلُوا ... بيَ الأرضَ والأقوامَ قِرْدانَ مَوْظَبَا
وعن قول الآخر٢:
كَذَبَ العَتِيقُ وماءُ شَنٍّ باردٌ ... إِن كنت سائلتي غَبُوقاً فاذهب
стр. 39
ونحن نعلم أن قوله: "كذب" يَبْعُدُ ظاهره عن باب الإغراء.
وكذلك قولهم "عنْكَ فِي الأرض" و"عنك شيئاً" وقول الأفْوه١:
عنكُم فِي الأرض إنَّا مَذْحِجٌ ... ورُويداً يفضح الليلَ النهارُ
ومن ذَلِكَ قولهم: "أعَمَدُ من سيّد قتله قومُه?" أي "هل زاد?" فهذا من مشكل الكلام الَّذِي لَمْ يفسر بعدُ. قال ابن ميَّادة٢:
وأعمَدُ من قوم كفاهم أخوهم ... صدامَ الأعادي حينَ فُلَّتْ نيوبُها
قال الخليل وغيره: "معناهُ هل زدنا علة أن كفينا?" وقال أبو ذْؤَيب٣:
صَخِبُ الشوارِب لا يزالُ كأنه ... عبدٌ لآل أبي ربيعة مُسْبَعُ
فقوله "مسْبَعٌ" مَا فُسّرَ حَتَّى الآن تفسيراً شافيًا. ومنه قول الأعشي٤:
ذاتُ غَرْب تَرمي المُقدَّم بالرَّدْ ... ف إِذَا مَا تتابع الأرواق
وقوله فِي هَذِهِ القصيدة٥:
المِهِنينَ مَا لهم فِي زمان الـ ... ـجدب حَتَّى إِذَا أفاق أفاقوا
ومن هَذَا الباب قولهم "يا عيد ما لك" و"يا هيئ ما لك" و"يَا شَيْء ما لك".
وَلَمْ يفسّر قولهم "صَهُ" و"وَيْهَكَ" و"إنيْه" ولا قول القائل٦:
بخائبك الحَقْ يَهْتِفُونَ وحَيّ هَل
ويقولون: "خائِبكُما" و"خائبكم".
فأمَّا "الزَّجرُ والدّعاء" الَّذِي لا يُفْهم موضوعُه فكثير. كقولهم: "حيِّ هَلاَ", و"بِعَيْنٍ مَا أرَيَنَّك", فِي موضِع أعْجَل, و"هَج", و"هَجَا", و"دَعْ", و"دعا",
стр. 40
و"لعًا" للعاثر يدعون لَهُ. وينشدون١:
ومَطيَّة حَمَّلتُ ظَهْرَ مَطيَّةٍ ... حَرَجٍ تُنَمَّى مِلْ عِثارِ بِدَعدَع
ويروى عن النبيّ ﷺ أنه قال: "لا تقولوا: دَعْدَعْ ولا لَعْلَعْ، ولكن قولوا: اللهم ارْفَعْ وانْفَعْ". فلولا أن للكلمتين معنى مفهوماً عند القوم مَا كَرِههُما النبيّ ﷺ .
وكقولهم فِي الزّجر "أخِّرْ" و"أخِّري" و"ها" و"هَلا" و"هابِ" و"ارْحَبِي" و"عَدِّ" و"عاجِ" و"يا عاط" و"يعاطِ" وينشدون٢:
وَمَا كَانَ عَلَى الجيْءِ ... ولا الهيءِ امتداحيكا
وكذلك "إِجْدِ" و"أجْدِمْ" و"حِدِّجْ" لا نعلم أحداً فسَّر هَذَا. وهو باب يَكثُرُ ويُصَحّحُ مَا قلناه.
ومن المُشتَبِه الَّذِي لا يقال فِيهِ اليومَ إِلاَّ بالتقريب والاحتمال, وَمَا هو بغريب اللفظ لكَنَّ الوقوف على كنهه مُعتاصٌ, قولنا: "الحِينُ", و"الزمان", و"الدهر", و"الأوان", إِذَا قال القائل أَوْ حلَف الحالف: "والله لا كلمته حيناً ولا كلمته زماناً أَوْ دهراً".
وكذلك قولنا: "بِضْعَ سِنين" مُشتَبِه. وأكثر هَذَا مُشكل لا يُقْصَر بشيء منه عَلَى حدّ معلوم.
ومن الباب قولهم فِي الغِنى والفَقْر وَفِي الشريف والكَريم واللئيم، إِذَا قال: "هَذَا لأغنياء أهلي" أَوْ"فقرائهم" أَوْ"أشرافهم" أَوْ"كرامهم" أَوْ"لئامهم". وكذلك أن قال: "امْنعُوه سفهاء قومي" لَمْ يمكن تحديد السَّفه.
ولقد شاهدتُ منذ زمانٍ قريب قاضياً يريد حَجْراً عَلَى رجل مكْتَهِل. فقلت: "مَا السبب فِي حجره عليه?" فقال: "يَزْعم أنه يَتَصيَّدَ بالكلاب وأنه سفيه" فقرئ