باب القول على لغة العرب:
هل لها قياس وهل يشتق بعض الكلام من بعض?:
أجمع أهل اللغة -إلا من شذ عنهم- أن للغة العرب قياساً, وأن العرب تشتق بعض الكلام من بعض,
وأن اسم الجنّ مشتق من الاجتنان. وأن الجيم والنون تدُلاَّن أبداً عَلَى الستر. تقول العرب للدّرع: جُنَّة, وأجَنة الليلُ, وهذا جنين، أي هو فِي بطن أمّه أَوْ مقبور, وأن الإنس من الظهور؛ يقولون: آنَسْت
стр. 37
الشيء: أبصرته.
وَعَلَى هَذَا سائرُ كلام العَرَب، عَلم ذَلِكَ من عَلِم وجَهِلَه من جهل.
قلنا: وهذا أيضاً مبنيٌ عَلَى مَا تقدم من قولنا فِي التوقيف. فإن الَّذِي وقّفنا عَلَى أن الاجتنان التستر هو الَّذِي وقّفنا عَلَى أن الجنّ مشتق منه. وَلَيْسَ لَنَا اليوم أن نخترع ولا أن نقول غير مَا قالوه ولا أن نقيس قياساً لَمْ يقيسوه، لأن فِي ذَلِكَ فسادَ اللغة وبُطلان حقائقها. ونكنةُ الباب أن اللغة لا تؤخذ قياساً نَقيسهُ الآن نحن.
стр. 38
باب القول على أن لغة العرب لم تنته إلينا بكليتها
...
باب القول على أن لغة العرب لن تنته إلينا بكليتها:
وأن الَّذِي جاءنا عن العرب قليل من كثير وأن كثيراً من الكلام ذهب بذهاب أهله:
ذهب علماؤنا أَوْ أكثرهم إِلَى أنّ الَّذِي انتهى إلينا من كلام العرب هو الأقلّ. ولو جاءنا جميعُ ما قالوه لجاءنا شعرٌ كثيرٌ وكلام كثير.
وأحر بهذا القول أن يكون صحيحاً. لأنّا نرى علماء اللغة يختلفون فِي كثير مما قالته العرب، فلا يكاد واحد منهم يُخبّر عن حقيقة مَا خولف فيه، بل يسلك طريق الاحتمال والإمكان.
ألا ترى أنَّا نسألهم عن حقيقة قول العرب فِي الإغراء "كَذَبك كذا" وعما جاء فِي الحديث من قوله: "كَذَبَ عليكم الحَجُّ" و"كَذَبَك العَسَلُ" وعن قول القائل١:
كذبتُ عليكم أَوْعِدُوني وعَلِّلُوا ... بيَ الأرضَ والأقوامَ قِرْدانَ مَوْظَبَا
وعن قول الآخر٢:
كَذَبَ العَتِيقُ وماءُ شَنٍّ باردٌ ... إِن كنت سائلتي غَبُوقاً فاذهب
стр. 39
ونحن نعلم أن قوله: "كذب" يَبْعُدُ ظاهره عن باب الإغراء.
وكذلك قولهم "عنْكَ فِي الأرض" و"عنك شيئاً" وقول الأفْوه١:
عنكُم فِي الأرض إنَّا مَذْحِجٌ ... ورُويداً يفضح الليلَ النهارُ
ومن ذَلِكَ قولهم: "أعَمَدُ من سيّد قتله قومُه?" أي "هل زاد?" فهذا من مشكل الكلام الَّذِي لَمْ يفسر بعدُ. قال ابن ميَّادة٢:
وأعمَدُ من قوم كفاهم أخوهم ... صدامَ الأعادي حينَ فُلَّتْ نيوبُها
قال الخليل وغيره: "معناهُ هل زدنا علة أن كفينا?" وقال أبو ذْؤَيب٣:
صَخِبُ الشوارِب لا يزالُ كأنه ... عبدٌ لآل أبي ربيعة مُسْبَعُ
فقوله "مسْبَعٌ" مَا فُسّرَ حَتَّى الآن تفسيراً شافيًا. ومنه قول الأعشي٤:
ذاتُ غَرْب تَرمي المُقدَّم بالرَّدْ ... ف إِذَا مَا تتابع الأرواق
وقوله فِي هَذِهِ القصيدة٥:
المِهِنينَ مَا لهم فِي زمان الـ ... ـجدب حَتَّى إِذَا أفاق أفاقوا
ومن هَذَا الباب قولهم "يا عيد ما لك" و"يا هيئ ما لك" و"يَا شَيْء ما لك".
وَلَمْ يفسّر قولهم "صَهُ" و"وَيْهَكَ" و"إنيْه" ولا قول القائل٦:
بخائبك الحَقْ يَهْتِفُونَ وحَيّ هَل
ويقولون: "خائِبكُما" و"خائبكم".
فأمَّا "الزَّجرُ والدّعاء" الَّذِي لا يُفْهم موضوعُه فكثير. كقولهم: "حيِّ هَلاَ", و"بِعَيْنٍ مَا أرَيَنَّك", فِي موضِع أعْجَل, و"هَج", و"هَجَا", و"دَعْ", و"دعا",
стр. 40
و"لعًا" للعاثر يدعون لَهُ. وينشدون١:
ومَطيَّة حَمَّلتُ ظَهْرَ مَطيَّةٍ ... حَرَجٍ تُنَمَّى مِلْ عِثارِ بِدَعدَع
ويروى عن النبيّ ﷺ أنه قال: "لا تقولوا: دَعْدَعْ ولا لَعْلَعْ، ولكن قولوا: اللهم ارْفَعْ وانْفَعْ". فلولا أن للكلمتين معنى مفهوماً عند القوم مَا كَرِههُما النبيّ ﷺ .
وكقولهم فِي الزّجر "أخِّرْ" و"أخِّري" و"ها" و"هَلا" و"هابِ" و"ارْحَبِي" و"عَدِّ" و"عاجِ" و"يا عاط" و"يعاطِ" وينشدون٢:
وَمَا كَانَ عَلَى الجيْءِ ... ولا الهيءِ امتداحيكا
وكذلك "إِجْدِ" و"أجْدِمْ" و"حِدِّجْ" لا نعلم أحداً فسَّر هَذَا. وهو باب يَكثُرُ ويُصَحّحُ مَا قلناه.
ومن المُشتَبِه الَّذِي لا يقال فِيهِ اليومَ إِلاَّ بالتقريب والاحتمال, وَمَا هو بغريب اللفظ لكَنَّ الوقوف على كنهه مُعتاصٌ, قولنا: "الحِينُ", و"الزمان", و"الدهر", و"الأوان", إِذَا قال القائل أَوْ حلَف الحالف: "والله لا كلمته حيناً ولا كلمته زماناً أَوْ دهراً".
وكذلك قولنا: "بِضْعَ سِنين" مُشتَبِه. وأكثر هَذَا مُشكل لا يُقْصَر بشيء منه عَلَى حدّ معلوم.
ومن الباب قولهم فِي الغِنى والفَقْر وَفِي الشريف والكَريم واللئيم، إِذَا قال: "هَذَا لأغنياء أهلي" أَوْ"فقرائهم" أَوْ"أشرافهم" أَوْ"كرامهم" أَوْ"لئامهم". وكذلك أن قال: "امْنعُوه سفهاء قومي" لَمْ يمكن تحديد السَّفه.
ولقد شاهدتُ منذ زمانٍ قريب قاضياً يريد حَجْراً عَلَى رجل مكْتَهِل. فقلت: "مَا السبب فِي حجره عليه?" فقال: "يَزْعم أنه يَتَصيَّدَ بالكلاب وأنه سفيه" فقرئ
стр. 41
عَلَى القاضي قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ١ فأمسكَ القاضي عن الحجر عَلَى الكَهْلِ.
وكذلك إِذَا قال: "مَا لي لِذَوي الحسب" أَوْ"امنعوه السَّفِلَة" وَمَا أشبه هَذَا مما يطول الباب بذكره فلا وَجْهَ فِي شيء من هَذَا غير التقريب والاحتمال، وَعَلَى اجتهاد الموصى إِلَيْهِ أَوْ الحاكم فِيهِ. وإلا فإنَّ تحديدَه حَتَّى لا يجوز غيره بعيدٌ.
وَقَدْ كَانَ لذلك كله ناس يعرفونه. وكذلك يعلمون معنى مَا نستغربه اليوم نحن من قولنا٢: "عُبْسُور" فِي الناقة: "وعَيْسَجور" و"امرأة ضِنانِّي" و"فرس أشَقُّ أمقُّ خِبَقٌ" ذهب هَذَا كله بذهاب أهله وَلَمْ يبق عندنا إِلاَّ الرسم الذي نراه.
وعلماء هَذِهِ الشريعة -وإن كانوا اقتصروا من علم هَذَا عَلَى معرفة رَسْمه دون علم حقائقه- فقد اعتاضوا عنه دقيقَ الكلام فِي أصول الدين وفروعه من الفقه والفرائض. ومن دقيق النحو وجليله. ومن علم العروض الَّذِي يربي بحسنه ودقته واستقامته عَلَى كل مَا يبجح بِهِ الناسبون أنفسهم إِلَى الَّتِي يقال لَهَا: الفلسفة. ولكل زمان علم، وأشرف العلوم علم زماننا هَذَا والحمد لله.
стр. 42
باب انتهاء الخلاف فِي اللغات:
تقع فِي الكلمة الواحدة لُغتان. كقولهم: "الصِّرام", و"الصَّرام", و"الحِصاد", و"الحَصاد".
وتقع فِي الكلمات ثلاث لُغات. نحو: "الزُّجاج" و"الزِّجاج" و"الزَّجاج", و"وَشكان ذا", و"وُشكان ذا", و"وِشكان ذا"١.
وتقع فِي الكلمة أربع لُغات. نحو: "الصِّداق" و"الصَّداق" و"الصَّدقة" و"الصُّدْقة".
وتكون منها خمس لُغات. نحو: "الشَّمال" والشَّمِل" و"الشَّمَل" و"الشَّأمَل" و"الشَّمْل".
стр. 43
وتكون فِيهَا ست لُغات: "قُسْطاس" و"قِسْطاس" و"قُصْطاس" و"قُسْتاس" و"قُسَّاط" و"قِسَّاط"١.
ولا يكون أكثر من هَذَا.
والكلام بعد ذَلِكَ أربعة أبواب:
الباب الأول: المجمع عَلَيْهِ الَّذِي لا علة فيه، وهو الأكثر والأعم. مثل: الحمد والشكر، لا اختلاف فِيهِ فِي بناء ولا حركة.
والباب الثاني: مَا فِيهِ لغتان وأكثَر إِلاَّ أن إحدى اللُّغات أفصح. نحو: "بَغْداذ" و"بَغْدادَ" و"بَغْدانَ" هي كلّها صحيحة، إِلاَّ أن "بَغْدادَ" فِي كلام العرب أصح وأفصح.
والباب الثالث: مَا فِيهِ لُغتان أَوْ ثلاث أَوْ أكثر، وهي متساوية، كـ"الحَصاد" و"الحِصاد". و"الصَّداق" و"الصِّداق"، فأيَّا مَا قال القائل: فصحيح فصيح.
والباب الرابع: مَا فِيهِ لغة واحدة، إِلاَّ أن المُوَلَّدينَ غَيَّروا فصارت ألسنتهم بالخطأِ جاريةً. نحو قولهم: "أصْرَف الله عنك كذا" و"إنْجاص" و"إِمرأة مُطاعةٌ" و"عِرْق النِّسا" بكسر النون، وَمَا أشبه ذا.
وَعَلَى هَذِهِ الأبواب الثلاثة بنى أبو العباس ثعلب٢ كتابه المسمّى فصيح الكلام أخبرنا بِهِ أبو الحسن القَطَّان عنه.
стр. 44
باب مراتب الكلام فِي وُضوحه وإشكاله:
أما واضح الكلام فالذي يفهمه كلّ سامع عرَف ظاهرَ كلام العرب. كقول القائل: شربت ماءً ولَقيت زيداً.
وكما جاء في كتاب الله جل ثناؤه من قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ
стр. 45
وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ ١، وكقول النبي ﷺ : "إِذَا اسْتَيْقَظَ أحدُكم من نومه، فلا يَغْمِسْ يدَه فِي الإِناء حَتَّى يَغْسِلَها ثلاثاً" ٢. وكقول الشاعر:
إن يحسدوني فإني غير لائِمِهم ... قبلي من الناس أهلُ الفَضل قَدْ حُسِدُوا٣
وهذا أكثر الكلام وأعمُّه.
وأما المشكل، فالذي يأتيه الإشكال من غَرابة لفظه، أَوْ أن تكون فِيهِ إشارة إِلَى خبر لَمْ يذكره قائلهُ عَلَى جهته، أَوْ أن يكون الكلام فِي شيء غير محدود، أَوْ يكون وَجيزاً فِي نفسه غير مَبْسوط، أَوْ تكون ألفاظه مُشتركةً.
فأما المُشكلِ لغرابة لفظه فقول القائل: "يَمْلَخُ فِي الباطل ملخاً يَنْقُضُ مِذْرَوَيه", وكما أنه قيل: "أيُدْالكُ الرجل المَرْأَة?" قال: "نعم، إِذَا كَانَ مُلْفَجاً" ومنه في كتاب الله جل ثناؤه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ ٤، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ ٥، ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ ٦، ﴿وَيُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ ٧, وغيرُهُ مما صَنَّف علماؤنا فِيهِ كتَبَ غريب القرآن.
ومنه فِي حديث النبي ﷺ : "عَلَى التِّيعَةِ شاة, والتِّيمة لصاحبها, وَفِي السُّيُوبِ الخُمُس لا خِلاطَ ولا وِراطَ ولا شِناقَ ولا شِغارَ. من أجْبى فقد أربى" ٨ وهذا كتابُه إِلَى الأقيال العَبَاهِلة٩. ومنه في شعر العرب١٠:
стр. 46
وقاتم الأعماق خاوي المخترق ... مَضْبُورَةٍ قَرْواءَ هرْجَابٍ فنق
وفي أمثال العرب: "باقِعَةٌ"١, و"شرَاب بأَنْقُع"٢, و"ومُخْرَنْبِقٌ لِيَنْباع"٣.
والذي أشكل لإيماء قائله إِلَى خبر لَمْ يُفصح بِهِ كقول القائل: "لَمْ أفِرَّ يومَ عَيْنَيْنِ" و"رُويداً سَوْقَكَ بالقوارير" وقول امرئِ القيس:
دع عنك نهباً صِيح فِي حَجَراته٤
وقول الآخر٥:
إِن العصا قُرِعَت لِذِي الحِلْمِ
وَفِي كتاب الله جل ثناؤه مَا لا يعلم معناه إِلاَّ بمعرفة قصته، قوله جلّ ثناؤه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٦ وفي أمثال العرب: "عَسَى الغُوَيْر أبْؤُساً"٧.
والذي يشكل لأنه لا يُحَدُّ فِي نفس الخطاب, فكقوله جلّ ثناؤه: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ٨ فهذا مجمّل غير مفصل حَتَّى فَسَّره النبي ﷺ : والذي أشكل لوجَازة لفظه قولهم٩:
الغَمَراتِ ثُمَّ يَنْجَلِينَا
والذي يأتيه الإشكال لاشتراك اللفظ قول القائل١٠: "وضَعوا اللُّجَّ عَلَى قَفيَّ".
стр. 47
وَعَلَى هَذَا الترتيب يكون الكلام كلُّه فِي الكتاب والسُّنة وأشعار العرب وسائر الكلام.
стр. 48
باب ذكر مَا اختصت بِهِ العرب:
من العلوم الجليلة الَّتِي خصت بِهَا العرب الإعرابُ الَّذِي هو الفارق بَيْنَ المعاني المتكافِئَة فِي اللفظ، وبه يعرف الخبر الَّذِي هو أصل الكلام، ولولاه مَا مُيّز فاعل من مفعول، ولا مضاف من مَنْعوت، ولا تَعَجُّبٌ من استفهام، ولا صَدْر من مصدَر، ولا نعتٌ من تأكيد.
وذكر بعض أصحابنا أن الإعراب يختص بالأخبار، وَقَدْ يكون الإعراب فِي غير الخبر أيضاً. لأنّا نقول: "أزيدٌ عندك?" و"أزيداً ضربت?" فقد عَمِل الإعراب وَلَيْسَ هو من باب الخبر.
ورغم ناس يُتَوقفُ عن قبول أخبارهم أن الذين يسمون الفلاسفة قَدْ كَانَ لهم إعرابٌ ومؤلَّفاتُ نحوٍ. قال أحمد بن فارس: وهذا كلام لا يَعَرَّجُ عَلَى مثله. وإنما تَشَبّهَ القوم آنفاً بأهل الإسلام، فأخذوا من كتب علمائنا، وغَيَّروا بعض ألفاظها، ونسبوا ذَلِكَ إِلَى قوم ذَوي أسماء منكرةٍ بتراجمَ بَشِعَةٍ لا يكاد لسان ذي دين ينطق بِهَا, وادَّعوا مع ذَلِكَ أن للقوم شعراً، وَقَدْ قرأناه فوجدناه قليل الماءِ، نَزْرَ الحَلاوة، غير مستقيم الوزن.
بلى، الشِّعر شِعر العرب، ديوانُهم وحافظ مآثِرهم، ومُقيّدُ أحسابهم، ثُمَّ للعرب العَروض الَّتِي هي ميزان الشِّعر، وبها يُعرف صحيحه من سقيمه.
ومن عرف دقائقه وأسراره وخفاياه علم أنه يُربي عَلَى جميع مَا يبَجَحُ بِهِ هؤلاء الَّذِين يَنْتَحلون معرفة حقائق الأشياء من الأعداد والخطوط والنقط الَّتِي لا أعرف لَهَا فائدة غير أنها مع قلة فائدتها تُرِقّ الدّين، وتنتج كل مَا نعوذ بالله منه.
وللعرب حفظ الأنساب وَمَا يُعلم أحدٌ من الأمم عُني بحفظ النسب عناية العرب. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ ١ فهي آية مَا عَمِل بمضمونها غيرهم.
стр. 49
ومما خصَّ الله جلَّ ثناؤه بِهِ العَرب طهارتُهم ونَزاهَتُهم عن الأدناس الَّتِي استباحها غيرهم من مخالَطَةِ ذوات المحارِم. وهي منقبة تَعْلو بِجَمالها كلَّ مأثرةٍ والحمد لله.
стр. 50
باب الأسباب الإسلامية:
كَانَتْ العربُ فِي جاهليتها عَلَى إرثٍ من إرث آبائهم فِي لُغاتهم وآدابهم ونسائكهم١ وقَرابينهم. فلما جاءَ الله جلّ ثناؤه بالإسلام حالت أحوالٌ، ونُسِخَت دِيانات، وأبطلت أمورٌ، ونُقِلت من اللغة ألفاظ من مواضعَ إِلَى مواضع أخَر بزيادات زيدت، وشرائع شُرعت، وشرائط شُرطت. فَعفَّى الآخرُ الأوّلَ، وشُغِل القوم -بعد المُغاوَرات والتّجارات وتَطَلُّب الأرباح والكدْح للمعاش فِي رحلة الشتاء والصَّيف، وبعد الأغرام بالصَّيْد والمُعاقرة والمياسرة٢- بتلاوة الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وبالتَّفقُّه فِي دين الله ، وحفظ سنن رسول الله ﷺ مع اجتهادهم فِي مجاهدة أعداء الإسلام.
فصار الَّذِي نشأ عَلَيْهِ آباؤهم ونشأوا عَلَيْهِ كَأَن لَمْ يكن وحتى تكلَّموا فِي دقائق الفقه وغوامض أبواب المواريث وغيرها من علم الشريعة وتأويل الوحي بما دُوّن وحُفِظ حَتَّى الآن.
فصاروا -بعدما ذكرناه- إِلَى أن يُسأل إمامٌ من الأئمة وهو يخطب عَلَى منبره عن فريضة فَيُفْتي ويَحْسُبُ بثلاث كلمات. وذلك قول أمير المؤمنين عليّ صلوات الله عَلَيْهِ حين سُئل عن ابنتين وأبوين وامرأة: "صار ثُمْنُها تُسعاً" فسميت: "المنبريَّة". وإلى أن يقول هو صلوات الله عَلَيْهِ علي منبره والمهاجرون والأنصار متوافرون: "سلوني، فوالله مَا من آية إِلاَّ وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم فِي جبل" وحتى قال صلوات الله عَلَيْهِ وأشار إِلَى ابنيه: "يَا قوم، استنبطوا منّي ومن هذين علمَ مَا مضى وما يكون".
стр. 51
وإلى ان يتكلم هو وغيره فِي دقائق العلوم بالمشهور من مسائلهم فِي الفرض وحده، كالمشتركة، ومسألة المباهلة١ والغَرَّاء، وأُمّ الفَرُّوخ، وأُمّ الأرامل، ومسألة الامتحان، ومسألة ابن مسعود، والأكدريّة، ومختصرة زيد، والخرقاء، وغيرها ممّا هو أغْمَضُ وأدقُّ.
فسبحان من نقل أولئك فِي الزمن القريب بتوقيفه، عمّا ألفوه ونشأوا عَلَيْهِ وغذوا بِهِ، إلى مثل هَذَا الَّذِي ذكرناه. وكلّ ذَلِكَ دليل عَلَى حقّ الإيمان وصحة نُبوة نبيّنا محمد ﷺ .
فكان مما جاء فِي الإسلام ذكر المؤمن والمسلم والكافر والمنافق. وأنَّ العرب إنَّما عرفت المؤمن من الأمان والإيمان وهو التصديق. ثُمَّ زادت الشريعة شرائطَ وأوصافاً بِهَا سُمِيَ المؤمن بالإطلاق مؤمناً. وكذلك الإسلام والمسلم، إنّما عَرَفت منه إسلامَ الشيء ثُمَّ جاء فِي الشَّرع من أوصافه مَا جاء. وكذلك كَانَتْ لا تعرف من الكُفر إِلاَّ الغِطاء والسِّتْر. فأما المنافق فاسمٌ جاء بِهِ الإسلام لقوم أَبْطنوا غير مَا أظهروه، وَكَانَ الأصل من نافقاء اليَرْبوع٢. وَلَمْ يعرفوا فِي الفِسْق إِلاَّ قولهم: "فَسَقَتِ الرُّطبة" إذَا خرجت من قِشرها، وجاء الشرع بأن الفِسق الأفحاش فِي الخروج عن طاعة الله جلّ ثناؤه.
ومما جاء فِي الشرع الصلاة وأصله فِي لغتهم: الدُّعاء. وَقَدْ كانوا عَرفوا الركوعَ والسجودَ، وإن لَمْ يكن عَلَى هَذِهِ الهيئة، فقالوا٣:
أَوْ دُرَّةٍ صَدَفِيّةٍ غَوَّاصُها ... بَهِج متى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ
وقال الأعشى٤:
يُراوِحُ من صلوات المليك ... طَوْراً سجوداً وطوراً جُؤاراً
والذي عرفوه منه أيضاً مَا أخبرنا بِهِ عليٌّ عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد قال: قال أَبو عمروٍ: "اسْجدَ الرجلُ: طأطأ وانْحَنَى" قال حُمَيدُ بن
стр. 52
ثور١:
فضول أزمَّتها أسْجَدَت ... سجودَ النصارى لأربابها٢
وأنشد٣:
فقلن لَهُ أسْجِدْ لِلَيْلَى فأسجَدا ... يعني البعير إذَا طأطأ رأسه لتِرْكَبَهُ
وهذا وإن كان كذا, فإن العرب لَمْ تعرِفه بمثل مَا أتَت بِهِ الشريعة من الأعداد والمَواقيت والتَّحريم للصلاة، والتَّحليل منها. وكذلك القيام أصله عندهم الإمساكُ ويقول شاعرهم٤:
خَيلٌ صِيامٌ وأُخرى غير صائمة ... تَحْتَ العَجاج وخيلٌ تعلُكُ اللُّجُما
ثم زادت الشريعة النِّية، وحَظَرَت الأكلَ والمُباشَرَة وغير ذَلِكَ من شرائع الصوم. وكذلك الحَجُّ، لَمْ يكن عندهم فِيهِ غير القصد، وسَبْر الجِراح. من ذَلِكَ قولهم٥:
وأَشْهَدُ من عوفٍ حلُولاً كثيرةً ... يَحجُّون سِبَّ الزِّبرِقان المُزْعْفَرا
ثم زادت الشريعة مَا زادته من شرائط الحج وشعائره.
وكذلك الزِّكاة، لَمْ تكن العرب تعرفها إِلاَّ من ناحية النَّماءِ، وزاد الشرع مَا زاده فِيهَا مما لا وجه لإطالة الباب بذكره.
وَعَلَى هَذَا سائر مَا تركنا ذِكرَه من العُمْرة والجهاد وسائر أبواب الفِقه.
فالوجه فِي هَذَا إذَا سُئل الإنسان عنه أن يقول: فِي الصلاة اسمان لُغويٌّ وشرعيٌّ، ويذكر مَا كانت العرب تعرفه، ثُمَّ مَا جاءَ الإسلام بِهِ. وهو قياسُ مَا تركنا ذكرَه من سائر العلوم، كالنحو والعَروض والشِّعر, كل ذَلِكَ لَهُ اسمان لُغوي وصِناعيٌّ.
стр. 53
باب القول فِي حقيقة الكلام:
زعم قوم أن "الكلام مَا سُمع وفُهم" وذلك قولنا: "قام زيد" و"ذهب عَمْرو".
وقال قوم: "الكلام حروف مُؤلَّفة دالة عَلَى معنى".
والقولان عندنا مُتقاربان، لأن المسموع المفهوم لا يكاد يكون إِلاَّ بحروف مؤلَّفة تدل عَلَى معنى.
وقال لي بعض فقهاء بغداد: إن الكلام عَلَى ضربين مهمَل ومستعمَل. قال: فالمهمل: "هو الَّذِي لَمْ يوضع للفائدة" والمستعمل: "مَا وضع ليفيد" فأعلمته أن هَذَا كلام غيرُ صحيح، وذلك أن المهمَل عَلَى ضربين: ضربٌ لا يجوز ائتلاف حروفه فِي كلام العرب بَتَّةً، وذلك كجيم تؤلَّف مع كاف أَوْ كاف تقدَّم عَلَى جيم، وكعين مع غين، أَوْ حاء مع هاء أَوْ غين، فهذا وَمَا أشبهه لا يأتلف.
والضرب الآخر مَا يجوز تألُّف حروفه لكن العرب لَمْ تَقُل عَلَيْهِ، وذلك كإرادة مريد أن يقول: "عضخ" فهذا يجوز تألُّفه وَلَيْسَ بالنافر، ألا تراهم قَدْ قالوا فِي الأحرف الثلاثة: "خضع" لكن العرب لَمْ تقل عضخ، فهذان ضربا المهمل.
وله ضرب ثالث وهو أن يريد مريد أن يتكلم بكلمة عَلَى خمسة أحرف لَيْسَ فِيهَا من حروف الذَّلَقِ أَوْ الأطباق١ حرف.
وأي هَذِهِ الثلاثة كَانَ فإنه لا يجوز أن يسمى: "كلاماً" لما ذكرناه من أنه وإن كَانَ مسموعاً مؤلفاً فهو غير مفيد. وأهل اللغة لَمْ يذكروا المهمل فِي أقسام الكلام وإنما ذكروه فِي الأبنية المهملة الَّتِي لَمْ تَقل عَلَيْهَا العرب. فقد صح مَا قلناه من خطأِ من زعم أن المهمل كلام.
стр. 54
باب أقسام الكلام:
أجمع أهل العلم أن الكلام ثلاثة: اسم وفعل وحرف.
فأما الاسم فقال سيبويه١: "الاسم نحو رجل وفرس" وهذا عندنا تمثيل، وَمَا أراد سيبويهِ بِهِ التحديد، إِلاَّ أن ناساً حَكوْا عنه أن "الاسم هو المحدِّث عنه" وهذا شبيه بالقول الأول لأن "كيْفَ" اسم ولا يجوز أن يحدِّث عنه.
وسمعت أبا عبد الله بن محمد بن داود الفقيهَ يقول سمعت: أبا العباس محمد بن يزيد المُبَرِّدَ٢ يقول: مذهب سيبويه أن "الاسم مَا صَلَحَ أن يكون فاعلاً" قال: وذلك أن سيبويه قال: "ألا ترى أنك لَوْ قلت: إن يضرب يأتينا وأشباهَ ذَلِكَ لَمْ يكن كلاماً، كما تقول إن ضاربك يأتينا" قال: فدل هَذَا عَلَى أن الاسم عنده مَا صَلَحَ لَهُ الفعل.
قال: وعارضه بعضُ أصحابه فِي هَذَا بأن "كيْفَ" و"عندَ" و"حَيْثُ" و"أَيْنَ" أسماء وهي لا تصلح أن تكون فاعلة. والدليل عَلَى أن أَيْنَ وكيف أسماء قول سيبويه: "الفتح فِي الأسماء قولهم: كيْفَ وأين" فهذا قول سيبويه والبحث عنه.
وقال الكسائي٣: "الاسم مَا وُصِفَ" وهذا أيضاً مُعَارض بما قلناه من كيْفَ وأين أنهما اسمان ولا يُنعتان.
وَكَانَ الفرّاء٤ يقول: "الاسم مَا احتمل التنوين أَوْ الإضافة أَوْ الألف واللام" وهذا القول أيضاً مُعارَض بالذي ذكرناه أَوْ نذكره من الأسماء الَّتِي لا تنوَّن ولا تضاف ولا يُضاف إليها ولا يدخلها الألف واللام.
وكان الأخفش٥ يقول: "إذَا وجدت شيئاً يحسُنُ لَهُ الفعل والصفة نحو: زيد
стр. 55
قام وزيد قائم ثُمَّ وجدته يثنى ويُجمع نحو قولك: الزيدان والزيدون ثُمَّ وجدته يمتنع من التصريف فاعلم أنه اسم". وقال أيضاً: مَا حَسُن فِيهِ "يَنْفعني" و"يَضُرُّني".
وقال قوم: مَا دخل عَلَيْهِ حرف من حروف الخفض. وهذا قول هشام وغيره. وله قول آخر: ان الاسم مَا نودي. وكلّ ذَلِكَ مُعارَض بما ذكرناه من "كيْفَ وأين" ومن قولنا: "إذَا" وإذا اسم لحِينٍ. فحدثني علي بن إبراهيم القطان قال: سمعت أبا العباس محمد بن يزيد المبرد١ يقول حدّثني أبو عثمان المازني قال: سألت الأخفش عن "إذَا". مَا الدليل عَلَى أنها اسم لحين? فلم يأتِ بشيء. قال: وسُئِلَ الجَرْمِيُّ فَشَغَّبَ. وسُئِلَ الرّياشيُّ فَجَوَّد وقال: الدليل عَلَى أنها اسم للحين أنه يكون ضميراً، ألا ترى أنك تقول: "القتال إذَا يقوم زيد" كما تقول: "القتال يوم يقوم زيد"? وَقَدْ أومأ الفراء فِي معنى "إذَا" إِلَى هَذَا المعنى.
وعاد القول بنا إِلَى تحديد الاسم. فقال المبرِّد فِي كتاب المُقْتَضَب: كل مَا دخل حرف من حروف الجر فهو اسم فإن امتنع من ذَلِكَ فليس باسم. وهذا معارض أيضاً "بكيف وإذا" وهما اسمان لا يدخل عليهما شيء من حروف الجرّ.
وسمعت أبا بكر محمد بن أحمد البصير وأبا محمد سَلْمَ بن الحسن يقولان: سُئِل الزَّجاج١ عن حد الاسم فقال: صوت مُقَطَّع مفهوم دالٌ عَلَى معنى غيرُ دال عَلَى زمان ولا مكان. وهذا القول معارض بالحرف وذلك أنا نقول "هل" و"بل" وهو صوت مُقَطَّع مفهوم دال على معنى غيرُ دال عَلَى زمان ولا مكان.
وقول من قال: "الاسم مَا صَلَح أم ينادى" خطأ أيضاً لأَن "كيْفَ" اسم و"أين وإذا"، ولا يَصْلُحُ أن يقع عَلَيْهَا نداء.
قال أحمد بن فارس: هَذِهِ مقالات القوم فِي حدّ الاسم يُعارضها مَا قَدْ ذكرته. وَمَا أعلم شيئاً مما ذكرته سلم من معارضة. والله اعلم أيُّ ذَلِكَ أصحّ. وذُكر لي عن بعض أهل العربية أن "الاسم مَا كَانَ مُسْتَقِرّاً عَلَى المسمّى وقت ذكرك إيَّاه ولازماً لَهُ" وهذا قريب.
стр. 56
باب الفعل:
قال الكِسَائِيُّ: "الفعل مَا دَلَّ عَلَى زمان".
وقال سيبويهِ: "أما الفعل فأمثلةٌ أُخِذت من لفظ أحْداثِ الأسماء وبُنيت لما مضى، وَمَا يكون وَلَمْ يقع، وَمَا هو كائن لَمْ ينقطع"١ فيقال لسيبويه: ذكرتَ هَذَا فِي أوَّل كتابك وزعمتَ بعدُ أنّ "لَيْسَ" و"عَسَى" و"نِعْمَ" و"بِئْسَ" أفعال، ومعلومٌ أنها لَمْ تُؤْخذ من مصادر. فإن قلت: إني حَدَدْتُ أكثر الفعل وتركت أقلَّه قيل لَكَ: إن الحد عند النُّظَّار مَا لَمْ يَزِد المحدود وَلَمْ يَنْقُصْهً مَا هو لَهُ.
وقال قوم "الفعل مَا امتنع من التثنية والجمع". والرَّدُّ عَلَى أصحاب هَذِهِ المقالة أن يقال: إن الحروف كلها ممتنعة من التثنية والجمع وليست أفعالاً.
وقال قوم: "الفعل مَا حَسُنَتْ فِيهِ التاء نحو قمتُ وذهبتُ"، وهذا عندنا غلط لأنا قَدْ نسميه فعلاً قبل دخول التاء عَلَيْهِ.
وقال قوم "الفعل مَا حَسُنَ فِيهِ أمْسِ وغداً" وهذا عَلَى مذهب البصريين غيرُ مستقيم، لأنهم يقولون أنا قائم غداً، كما يقولون أنا قائم أمسِ.
والذي نذهب إِلَيْهِ مَا حكيناه عن الكِسَائِيّ من أن "الفعل مَا دلّ عَلَى زمان كخرج ويخرج" دلَّنا بهما عَلَى ماضٍ ومستقبل.
стр. 57
باب الحرف:
قال سِيبَوَيْهِ: وأما مَا جاء لمعنى، وَلَيْسَ باسم ولا فعل، فنحو"ثُمَّ" و"سَوْفَ" و"واو القسم" و"لام الإضافة".
وكان الأخْفَشُ يقول: مَا لَمْ يحسُنْ لَهُ الفعل ولا الصفة ولا التثنية ولا الجمع وَلَمْ يَجُزْ أن يَتَصَرَّف فهو حرف.
وقد أكثر أهلُ العربية فِي هَذَا، وأقربُ مَا فِيهِ مَا قاله سيبويهِ، إنه الَّذِي يفيد معنىً لَيْسَ فِي اسم ولا فعل. نحو قولنا "زيدٌ منطلقٌ" ثُمَّ نقول "هل زيدٌ منطلق?" فافدْنا بـ"هل" مَا لَمْ يكن فِي "زيد" ولا "منطلق".
стр. 58
باب أجناس الأسماء:
قال بعض أهل العلم:
الأسماء خمسة: "اسم فارق" و"اسم مفارق"، و"اسم مشتق" و"اسم مضاف"، "واسم مُقْتَضٍ".
فالفارق: قولنا "رجل" و"فرس"، فرقنا بالاسمين بَيْنَ شخصين.
والمفارق: قولنا "طفل"، يفارقه إذا كبر".
والمشتق: قولنا "كاتب" وهو مشتق من "الكتابة" ويكون هَذَا عَلَى وجهين: أحدهما مَبْنِيَّاً عَلَى فَعَلَ, وذلك قولنا "كتب فهو كاتب"، والآخر يكون مشتقاً من الفعل غيرَ مبنيٍّ عَلَيْهِ كقولنا "الرحمن" فهذا مشتق من "الرحمة" وغير مبني من "رحم".
وكلّ مَا كَانَ من الأوصاف أبعدَ من بنية الفعل فهو أبلغُ، لأن "الرحمن" أبلغُ من "الرحيم" لأنا نقول "رَحِمَ فهو راحم ورحيم" ونقول: "قَدَر فهو قادرٌ وقَدير" وإذا قلنا "الرحمن" فليس هو من "رَحِمَ" وإنَّما هو من الرَّحمة". وَعَلَى هَذَا تجري النعوت كلُّها فِي قولنا "كاتب" و"كَتَّاب" و"ضارب" و"ضَرُوب".
والمضاف: قولنا "كلّ" و"بعض" لا بدَّ أن يكونا مضافَين.
والمُقْتضي: قولنا "أَخ" و"شَريك" و"ابن" و"خَصْم" كلُّ واحد منها إذَا ذُكر اقتضى غيرَهُ، لأن الشريك مُقْتضٍ شريكاً والأخ مقتض آخر.
وقال بعض الفقهاء: أسماءُ الأعيان خمسة: اسم لازمٌ واسم مُفارقٌ واسم مُشْتَقٌّ واسم مضاف واسم مُشَبِهٌ.
فاللازم: "إنسان" و"سماء" و"أرض" لأن هَذِهِ الأسماء لا تنتقلُ من مُسَميَّاتها.
قال: والمُفارِق: اللقب الَّذِي يُسمى نحو: "زيد" و"عمرو". وَقَدْ يقع أيضاً بأنْ يقال: المفارق "الطفل" لأنه اسم يزول عنه بِكبَره.
والمشتق: كـ"دابَّة" و"كاتب".
стр. 59
والمضاف: قولنا "ثوبُ عمرو" و"جزءُ الشيءِ".
والمشبَّه: قولنا "رَجُلٌ حَديدٌ وأسَدٌ" عَلَى وجه التشبيه.
قال: وجِماعُها أنها وُضِعت للدَّلالة بِهَا.
قلنا: وهذه قسمة ليست بالبعيدة.
стр. 60
باب النعت:
النَّعْتُ: هو الوصف كقولنا: "هو عاقل" و"جاهل".
وذُكر عن الخليل أن النعت لا يكون إِلاَّ فِي محمود، وأن الوصف قَدْ يكون فِيهِ وَفِي غيره.
والنَّعتُ: يجري مَجرَيَيْن: أحدهما تخليص اسم من اسم كقولنا "زيد العطَّار" و"زيد التَّمِيميّ" خلصناه بنعته من الَّذِي شاركه فِي اسمه. والآخر عَلَى معنى المدح والذم نحو"العاقل" و"الجاهل".
وَعَلَى هَذَا الوجه تجري أسماء الله جلَّ وعزَّ، لأنه المحمود المشكور المثنَّى عَلَيْهِ بكلّ لسان، ولا سَمِيَّ لَهُ جلّ اسمُهُ فيخلُصُ اسمه من غيره.
стр. 61
باب القول عَلَى الاسم من أي شيء أُخذ ؟:
قال قوم: الأسماء سِماتٌ دالَّة عَلَى المُسَميَّات، ليُعرَف بِهَا خطاب المخاطب.
وهذا الكلام محتمِل وجهين: أحدهما أن يكون الاسم سِمَة كالعلامة والسِّيماء١. والآخر أن يقال: إنه مشتق من "السِّمَة". فإن أراد القائل أنها سِمات عَلَى الوجه الأول فصحيح, وإن كَانَ أراد الوجه الثاني فحدثني أبو محمد سَلْم بن الحسن البغدادي قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن السّري الزَّجَّاج يقول: معنى قولنا "اسمٌ" مشتق من "السموّ" والسموّ الرفعة. فالأصل فِيهِ "سِمْوٌ" عَلَى وزن
стр. 62
حِمْل وجمعه "أسماء" مثل قولك: قِنو وأقناء١. وإنما جعل الاسم تنويهاً ودَلالة عَلَى المعنى لأن المعنى تَحْتَ الاسم. ومن قال: إن اسماً مأخوذ من "وَسَمْتُ" فهو غلط؛ لأنه لَوْ كَانَ كذا لكان تصغيره "وُسَيْمٌ" كما أن تصغير عِدَّة وصِلَة: وُعَيْدَة ووُصَيْلَة.
قال أبو إسحاق: وَمَا قلناه فِي اشتقاق "اسم" ومعناه قول لا نعلم أحداً فسَّرَه قبلنا.
قلت: وأبو إسحاق ثقة. غير أني سمعت أبا الحسين أحمد بن عليّ الأحول يقول: سمعت أبا الحسين عبد الله بن سفيان النحوي الخزاز يقول: سمعت أبا العباس محمد بن يزيد المبرّد يقول: الاسم مُشتق من "سما" إذَا علا.
قال: وَكَانَ أبو العباس رُبما اختصني بكثير من علمه فلا يُشركني فيه غيري.
стр. 63
باب آخر فِي الأسماء:
قد قلنا فيما مضى مَا جاء فِي الإسلام من ذكر المسلم والمؤمن وغيرهما.
وقد كَانَتْ حدثت فِي صدر الإسلام أسماء، وذلك قولهم لمن أدرك الإسلام من أهل الجاهلية "مُخَضْرَم". فأخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد مولى بني هاشم قال: حدثنا محمد بن عباس الخشكي عن إسماعيل بن أبي عبيد الله قال: المخضرمون من الشعراء: من قال الشعر فِي الجاهلية ثُمَّ أدرك الإسلام.
فمنهم حسان بن ثابت ولَبيد بن ربيعة, ونابغة بني جعدة, وأبو زيد, وعمرو بن شاس والزَّبْرقان بن بدر, وعمرو بن معدي كرب وكعب بن زهير ومعن بن أوس.
وتأويل المخضرم: من خَضْرَمَت الشيء أي قطعته، وخَضْرَم فلان عطيته أي قطعها، فسمّي هؤلاء "مخضرمين" كأنهم قطعوا من الكفر إِلَى الإسلام. وممكن أن يكون ذَلِكَ لأن رتبتهم فِي الشعر نقصت لأن حال الشعر تكامنت فِي الإسلام لمَا
стр. 64
أنزل الله جلّ ثناؤه من الكتاب العربي العزيز. وهذا عندنا هو الوجه، لأنه لو كَانَ من القطع لكان كلُّ من قُطع إِلَى الإسلام من الجاهلية مخضرماً، والأمر بخلاف هَذَا.
ومن الأسماء الَّتِي كَانَتْ فزالت بزوال معانيها قولهم١: المِرباع، والنَّشِيطة، والفضول، وَلَمْ نذكر الصَّفِيّ لأن رسول الله ﷺ قَدْ اصطفى فِي بعض غزواته وخُصَّ بذلك، وزال اسم الصَّفِي لما توفي رسول الله ﷺ .
ومما تُرك أيضاً٢: الأتاوة، والمَكْسَ، والحُلْوان. وكذلك قولهم: إِنْعَم صباحاً، وانْعم ظلاماً. وقولهم للملك: أبَيْتَ اللَّعن. وتُرك أيضاً قول المملوك لمالكه: ربّي. وَقَدْ كانوا يخاطبون ملوكهم بالأَرباب قال الشاعر٣:
وأَسْلَمْنَ فِيهَا رَ بَّ كِنْدَةَ وابنَهُ ... ورَبَّ معدٍّ بَيْنَ خَبْتٍ وعَرعَر
وتُرك أيضاً تسميةُ من لَمْ يَحُجَّ "صَرورَةً". فحدثنا علي بن إبراهيم عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد فِي حديث الأعمش عن عمرو بن مُرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : $"لا صَرُورَة فِي الإسلام"٤ ومعنى ذَلِكَ فيما يقال: هو الَّذِي يَدَعُ النكاح تَبَتُّلاً٥. حدثني علي بن أحمد بن الصَّبَّاح قال: سمعت ابن دُريْد يقول: أصل الصَّرُورة أن الرجل فِي الجاهلية كَانَ إِذَا أحدث حدثاً فلجأ إِلَى الحرم لَمْ يُهَجْ وَكَانَ إِذَا لقيه وليّ الدم فِي الحرم قيل: هو صَرورَة فلا تهجه. ثُمَّ كثر ذَلِكَ فِي كلامهم حَتَّى جعلوا المتعبّد الَّذِي يجتنب النساء
стр. 65
وطيبَ الطعام: صرورة وصرورياً، وذلك عَنَى النابغة بقوله١:
صَرورَةٍ متعبّد................
أي منقبض عن النساء. فلما جاء الله جَل ثناؤه بالإسلام وأوجب إقامة الحدود بمكة وغيرها سمّي الَّذِي لَمْ يَحُجَّ "صَرورة" خلافاً لأمر الجاهلية، كَأَنَّهم جعلوا أن تركة الحجَّ فِي الإسلام كترك المُتَألِّه٢ إِتيانَ النساء والتنعّم فِي الجاهلية.
ومما تُرك أيضاً قولهم: الإبل تُساق فِي الصَّداق النَّوافِج. عَلَى أن من العرب من كَانَ يكره ذَلِكَ. قال شاعرهم٤:
وَلَيْسَ تِلادِي من وِراثة والدي ... ولا شانَ مالي مُستفادُ النوافِجِ
وكانوا يقولون: "تَهْنِكَ النافِجةُ" مع الَّذِي ذكرنا من كراهة ذوي أقدارهم لَهَا وللعقول. قال جَنْدَلُ الطُّهَوِيّ٥:
وَمَا فَكَّ رِق ذاتُ خَلْق خَبَرْنَجِ٦ ... ولا شانَ مالي صدقَةٌ وعقولُ
ولكن نماني كلُّ أبيضَ صارِمٍ٧ ... فأصبحتُ أدري اليومَ كَيْفَ أقولُ
ومما كُره فِي الإسلام من الألفاظ قول القائل: "خَبُثَت نفسي" قال رسول الله ﷺ : "لا يقولَنَّ أحدُكم خَبُثتْ نفسي" ٨.
وكُرِه أيضاً أن يقال: استأثَر الله بفلان.
ومما كرهه العلماء قول من قال: سُنة أبي بكر وعمر، إنما يقال: فَرْضُ الله
стр. 66
جلّ وعزَّ وسُنَّتُه، وسنة رسول الله ﷺ .
ومما كَانَتْ العرب تستعمله ثُمَّ تُرك قولهم: حِجْراً محجوزاً. وَكَانَ هَذَا عندهم لمعنيين: أحدهما عند الحِرْمان إِذَا سُئِل الإنسان قال: حجراً محجوراً، فيعلم السائل أنه يريد أن يحرمه. ومنه قوله١:
حَنَّتْ إِلَى النَّخلة القُصْوى فقلت لَهَا ... حِجْرٌ حرام ألا تِلْكَ الدَّهارِيسُ
والوجه الآخر: الاستعاذة. كَانَ الإنسان إِذَا سافر فرأى من يخافه قال: حِجْراً محجوراً. أي حرام عَلَيْكَ التعرّض لي. وَعَلَى هَذَا فُسِّر قوله : ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ٢ يقول المجرمون ذَلِكَ كما كانوا يقولونه فِي الدنيا.
стр. 67
باب مَا جرى مجرى الأسماء وإنما هي ألقاب:
ومما جرى مجرى الاسم وهو لقب قولهم: مُدْركة وطابخة. وذلك فِي العرب عَلَى ثلاثة أضرب: ضربٌ مدح، وضربٌ ذم، وضربُ تلقُّب الإنسان لفعل يفعله.
فالمدح١: تلقيبهم البَحْر والحَبْرَ والباقر والصادق والدّيباج وغيرهم.
والذم٢: فكتلقيبهم بالوَزَغ ورَشْح الحَجَر وَمَا أشبه ذَلِكَ.
وأما اللقب المأخوذ من فعل يُفعل فكطابخة ومدركة.
стр. 68
وقوله جلّ ثناؤه ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ ١ فقال قتادة: هو أن تقول للرجل: يَا فاسق يَا منافق.
وروى الشَّعبِيّ عن أبي جُبَيْرة بن الضحاك وأبو جبيرة رجل من الأنصار من بني سلمة قال: فينا أنزلت هَذِهِ الآية, وذلك أن رسول الله ﷺ قَدِم علينا، وَلَيْسَ منا رَجُلٌ إِلاَّ لَهُ لقبان أَوْ ثلاثة, فجعل بعضنا يدعو بعضاً بلقبه، فسمع ذَلِكَ رسول الله ﷺ فجعل هو أحياناً يدعو الرجل ببعض تِلْكَ الألقاب، فقيل لَهُ" يَا رسول الله إنه يغضب من هذا، فأنزل الله جلّ ثناؤه ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ .
وأما تسمية العرب أولادها بكلب وقرد ونمر وأسد فذهب علماؤنا إِلَى أن العرب كَانَتْ إِذَا ولد لأحدهم ابن ذكر سمّاه بما يراه أَوْ يسمعه مما يُتَفَأَّلُ به، فإن رأى حَجَراً أَوْ سمعه تأوّل فِيهِ الشدة والصلابة والبقاء والصبر. وإن رأى ذئباً تأوّل فِيهِ الفطنة والنُّكر والكسب. وإن رأى حماراً تأوّل فِيهِ طول العُمر والوقاحة. وإن رأى كلباً تأوّل فِيهِ الحراسة وبُعدَ الصوت والإِلْفَ. وَعَلَى هَذَا يكون جميع مَا لَمْ نذكره من هذه الأسماء.
стр. 69
باب الأسماء التي تسمى بِهَا الأشخاص عَلَى المُجاوَرَة والسَّبب:
قال علماؤنا: العرب تسمّي الشيءَ باسم الشيءِ إِذَا كَانَ مجاوراً لَهُ أَوْ كَانَ منه بسبب. وذلك قولهم "التيمُّم" لَمَسْح الوجه من الصعيد١، وإنما التيمّم الطلب والقصد. يقال: تيمّمتك وتأممتك أي تعمّدتك.
ومن ذَلِكَ تسميتهم السحاب "سماءً" والمطر "سماء" وتجاوزوا ذلك إِلَى أن سموا النبتَ سماءً. قال شاعرهم٢:
إِذَا نَزَل السماءُ بأرض قوم
стр. 70
وربما سموا الشحم "ندىً" لأن الشحم عن النبت، والنبت عن الندى قال ابن أَحْمَرَ١:
كثور العداب٢ الفَرْد يَضْرِبه النَّدى ... تَعَلَّى النَّدى فِي متنه وتَحَدَّرا
ومن هَذَا الباب قول القائل: "قَدْ جعلتُ نفسي فِي أديمِ".
أراد بالنفس الماء وذلك قِوامَ النفس بالماء.
وذكر ناس أنّ من هذا الباب قوله جل ثناؤه: ﴿أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ ٣ يعني خلق. وإنما جاز أن يقول أنزل لأن الأنعام لا تقوم إِلاَّ بالنبات والنبات لا يقوم إِلاَّ بالماء، والله جلّ ثناؤه ينزل الماء من السماء. قال: ومثله: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ ٤ وهو جلّ ثناؤه إنما أنْزَلَ الماء، لكن اللباس من القطن، والقطن لا يكون إِلاَّ بالماء. قال: ومنه قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ ٥ إنما أراد -والله أعلم- الشيء يُنْكَحُ بِهِ من مَهْر ونَفقة، ولا بد للمتزوج بِهِ منه.
стр. 71
باب القول فِي أصول أسماء قِيسَ عَلَيْهَا وأُلحِقَ بِهَا غيرُها:
كَانَ الأصمعي يقول: أصل "الورِد" إتيان الماء، ثُمَّ صار إتيانُ كلِّ شيء ورْداً. و"القرَبَ" طلبُ الماء. ثُمَّ صار يقال ذَلِكَ لكل طلب، فيقال: "هو يَقْرَب كذا" أي يطلبه و"لا تَقْرب كذا".
ويقولون: "رَفَعَ عَقِيرَتَهُ" أي صوته، وأصل ذَلِكَ أن رَجُلاً عُقِرَتْ رجله فرفعها وجعل يَصيحُ بأعلى صوته فقيل بعد ذَلِكَ لكل من رفع صوته: رفع عقيرته.
ويقولون: "بَيْنَهما مسافة" وأصله من "السَّوف" وهو الشم. ومثل هَذَا كثير.
стр. 72
قلنا: وهذا الَّذِي عن الأصمعي وسائر ما تركنا ذكره لشهرته فهو راجع إِلَى الأبواب الأُوَلِ، وكلّ ذَلِكَ عندنا توقيف عَلَى مَا احتججنا لَهُ.
وقول هؤلاء: إنه كَثُرَ حَتَّى صار كذا، فعلى مَا فسرناه من أن الفرع مُوَقَّفٌ عليه، كما أن الأصل موقَّف عَلَيْهِ.
стр. 73
باب الأسماء كَيْفَ تقع عَلَى المسميات:
يُسمَّى الشيئان المختلفان بالاسمين المختلفين، وذلك أكثر الكلام كرَجُل وفرس.
وتسمى الأشياء الكثيرة بالاسم الواحد، نحو: "عين الماء" و"عين المال" و"عين السحاب".
ويسمى الشيء الواحد بالأَسماء المختلفة. نحو: "السيف والمهنّد والحسام"١.
والذي نقوله فِي هَذَا: إن الاسم واحد وهو "السيف" وَمَا بعده من الألقاب صفات، ومذهبنا أن كل صفة منها فمعناها غير معنى الأخرى.
وَقَدْ خالف فِي ذَلِكَ قوم فزعموا أنها وإن اختلفت ألفاظها فإنها ترجع إِلَى معنى واحد. وذلك قولنا٢: "سيف وعضب وحُسام".
وقال آخرون: لَيْسَ منها اسم ولا صفة إِلاَّ ومعناه غيرُ معنى الآخر. قالوا: وكذلك الأفعال. نحو: مضى وذهب وانطلق. وقعد وجلس. ورقد ونام وهجع. قالوا: ففي "قعد" معنى لَيْسَ فِي "جلس" وكذلك القول فيما سواهُ.
وبهذا نقول، وهو مذهب شيخنا أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب.
واحتجُ أصحاب المقالة الأولى بأنه: لو كَانَ لكلّ لفظة معنىً غير معنى الأُخرى لما أمكن أن يعبّر عن شيء بغير عبارته. وذلك أنّا نقول فِي "لا ريب فِيهِ": "لا شك فِيهِ" فلو كَانَ "الرَّيْب" غير "الشَّكّ" لكانت العبارة عن معنى الرّيب بالشك
стр. 74
خطأ. فلما عُبّرَ عن هَذَا بهذا علم أن المعنى واحد.
قالوا: وإِنما يأتي الشعر بالاسمين المختلفين للمعنى الواحد فِي مكان واحد تأكيداً ومبالغة. كقولهم١:
وهند أتى من دونها النأيُ والبُعدُ
فقالوا: فالنأي هو البعد قالوا: وكذلك قول الآخر: إِن الحبس هو الأصْرُ.
ونحن نقول: إِن فِي قعد معنىً ليس فِي جلس. ألا ترى أَنَّا نقول "قام ثُمَّ قعد" و"أخَذَهُ المقِيمُ والمقْعِدَ" و"قَعَدَتِ المرأة عن الحيض". ونقول لناس من الخوارج "قَعَدٌ" ثُمَّ نقول: "كَانَ مضطجعاً فجلس" فيكون القعود عن قيام والجلوس عن حالة هي دون الجلوس لأن "الجَلْسَ: المرتفع" فالجلوس ارتفاع عما هو دونه. وَعَلَى هَذَا يجري الباب كلُّه.
وأما قولهم: إِن المعنيين لو اختلفا لما جاز أن يُعَبَّر عن الشيء بالشيء. فإنا نقول: إنّما عُبّر عنه من طريق المشاكلة، ولسنا نقول إِن اللفظتين مختلفتان، فيلزمنا مَا قالوه. وإنما نقول إِن فِي كلّ واحدة منهما معنىً لَيْسَ فِي الأخرى.
ومن سُنَن العرب فِي الأَسماء أن يسمّوا المتضادَّين باسم واحد. نحو"الجَوْن" للأسود و"الجَوْن" للأبيض. وأنكر ناس هَذَا المذهب وأن العرب تأتي باسم واحد لشيء وضدّه. وهذا لَيْسَ بشيء. وذلك أن الَّذِين رَوَوْا أن العرب تُسمي السيف مهنَّداً والفَرَسَ طِرْفاً هم الَّذِين رَوَوْا أن العرب تُسمِّي المتضادَّين باسم واحد. وَقَدْ جرَّدنا فِي هَذَا كتاباً ذكرنا فِيهِ مَا احتجوا به، وذكرنا ردَّ ذَلِكَ ونقصه، فلذلك لَمْ نكرره.
من ذَلِكَ "المائدة" لا يقال لَهَا مائدة حَتَّى يكون عَلَيْهَا الطعام لأن المائدة من "مَادني يميدُني" إِذَا أعطاك. وإلاَّ فاسمها "خِوَان".
وكذلك "الكأس" لا تكون كأساً حَتَّى يكون فِيهَا شراب. وإلا فهو "قدح" أَوْ "كوب".
стр. 75
وكذلك "الحُلَّة" لا تكون إِلاَّ ثوبين: إزار ورداء من جنس واحد فإن اختلفا لَمْ تُدْعَ حُلَّة.
ومن ذَلِكَ "الظعينة" لا تكون ظعينة حَتَّى تكون امرأة فِي هودج١ عَلَى راحلة.
ومن ذَلِكَ "السَّجْل" لا يكون سجلاً إِلاَّ أن يكون دلواً فِيهِ ماء، و"اللِّحْيَة" لا تكون إِلاَّ شعراً عَلَى ذّقّن ولَحْيَيْن٢.
ومن ذَلِكَ "الأرِيكَة" وهي الحَجْلة٣ عَلَى السرير لا تكون كذا. فسمعت عليَّ بن إبراهيم يقول سمعت ثعلباً يقول: الأرِيكة لا تكون إِلاَّ سريراً مُتَّخَذاً فِي قبة عليه شَوارُهُ ونجْدُهُ٤.
وكذلك "الذنوب" لا تكون ذنوباً إِلاَّ وهِي ملأى، ولا تسمّى خالية ذَنوباً.
ومن ذَلِكَ "القلم" لا يكون قلماً إِلاَّ وَقَدْ بُرِيَ وأُصلح، وإلاَّ فهو أُنْبوبة.
وسمعت أبي يقول: قيل لأعرابي "مَا القلم?" فقال: "لا أدري" فقيل لَهُ "تَوَهَّمْهُ" فقال: "هو عود قُلِمَ من جانبيه كتقليم الأُظفور٥ فسُمِّيَ قلما".
ومن ذَلِكَ "الكوب" لا يكون إِلاَّ بلا عروة, و"الكوز" لا يكون إلا بعروة.