← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9979

الشبهات وأثرها في العقوبة الجنائية في الفقه الإسلامي مقارنا بالقانون

منصور الحفناوي

Полный текст (668 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة: بسم الله الذي يهدي إلى الحق، وإلى الطريق السوي المستقيم ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده١. وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه، بعثه الله للناس بما يحييهم وأمرهم بالاستجابة إليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ٢، وأنزل عليه شريعة من الأمر قويمة محكمة تهدف خير الناس، ونفعهم ودفع الحرج عنهم، شريعة ربطت الدنيا بالآخرة، فعاش المسلم في ظلها ينعم بطاعة الله، وثوابه في كل ما يأتيه من عمل صالح، ويراقب الله ويخشى عقابه على كل ما قاربه من شر أو ضرر، ظهر ذلك واضحًا في نتاج الفكر الإسلامي، الذي سبر أغوار الحياة، وشمل جوانبها، فلم يجد فيها صحيحًا واضحًا قويمًا إلا ما شرعه الله لخلقه، وما ذلك إلا تصديقًا لما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ : "تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما، لن تضلوا أبدًا كتاب الله وسنتي". وهذان هما الدستور، يحكمان حيان الإنسان بما وضعا من نظم، وتشريعات، وقواعد تنظم السلوك الإنساني: وتعني هذه الدراسة بجانب من الجوانب التشريعية الإسلامي إلا وهو تشريعات التجريم، والعقاب في الفقه الإسلامي.

стр. 2

هذا الجانب الذي توهم أدعياء التحضر أنه لا يواكب الحضارة البشرية في عصرها الحديث، وهم واهموان في هذا جانبهم الصواب فيما ذهبوا إليه. ودعواهم هذه وأن كانت تستهدف أبعاد التقنينات الإسلامي عن مجال التطبيق، فإنها توجب أيضًا على المشتغلين بالفكر الإسلامي أن يشحذوا هممهم لكشف كنوز تراثهم وتشريعاتهم، وبهذا يمكنهم أن يدحضوا كل هذه الافتراءات بالحجة والدليل. وهذا ما حدى بي إلى أن أنتحي هذا الجانب من الدراسة التشريعية إذ أنه في تقديري من أهم ما يجب دراسته، وإبانة ما فيه من فكر إسلامي عادل وقويم إذا ما قيس، وقورن بالفكر الوضعي في هذا المجال، مغتنمًا هذه الصحوة الدينية التي كثيرًا ما يسمع صوتها، وهو ينادي بتطبيق الشريعة الإسلامية، وإحلالها بدلًا من التقنينات الوضعية، وعلى الأخص في مجال التجريم والعقاب، هذا الجانب الذي عطل في أكثر بلاد العالم الإسلامي، واستعيض عنه بالفكر البشري الذي يخضع للتغيير، والتبديل نتيجة الهوى والرغبة، ولا غرو فهو في غالبه فكر حل بلادنا مع ظروف قهر، واستبداد وتسلط من المخرب الأجنبي الذي ادعى لنفسه أنه يريد أن يعمر بلادنا، وحتى في أشد أوقات العداء له أطلقنا عليه كلمة مستعمر، ولا عجب فما أكثر أسماء الأضداد استعمالًا بين شعوب الأمة الإسلامية. إن عجز القوانين الوضعية عن الوصول إلى مخرج مما يزداد انتشارًا كل يوم بين صفوف الأمة من جرائم، وفساد أصبح أمرًا واضحًا لا يحتاج إلى برهان، بل إن التقنينات الوضعية بما وضعت من نظم تكون أحيانًا عاملًا من عوامل إذكاء روح الجريمة بين الناس.

стр. 3

إن ذلك كله أصبح عاملًا ملزمًا لكل مسلم، ومريد للخير أن يوجه إلى الطريق السوى بقلمه وفكره، وبكل ما في وسعه، ومن بين ما يقدم في هذا المجال الدراسة الفقهية التي تكشف ما في الفقه الإسلامي من تفوق، وسمو على كل التقنينات، والفكر الوضعي. وأن الفقه الإسلامي في شتى مجالاته، وعلى الأخص في مجال التجريم والعقاب قد وصل بالناس إلى بر الإمان يوم حكمهم، وقضى بينهم بقضائه العادل، ومبدئه القويمة الرشيدة. وليس ذلك من باب العاطفة الدينية التي لا يقوم عليها دليل، وإنما الدليل واضح نطق به إنسان غير مسلم يوم قال لعمر قولته المشهورة: حكمت فعدلت، فأمنت فنمت يا عمر. وقد كان عمر -رضي الله تعالى عنه- منفذا لتعاليم الإسلاام قاضيًا بين الناس بقانون العدل وقضائه، ولم تكن لديه هذه الكثرة الكثيرة من السجون التي تعج بمن فيها من مجرمين عائدين محترفين، أن حال الأمة الإسلامية الآن ينادي بأعلى صوته. يطلب عودة إلى ما كانت الإمة عليه يوم لم يكن فيها مسجون، ولا سجن ولا مظلوم، ولا مهضوم، واستوى الناس فيها أمام حكم الإسلام، فاقتضص عمر لأحد رعاياه من حاكم مصر، وجلس علي وهو خليفة المسلمين بجوار يهودي أمام قاض من رعية علي ومحكوميه، ويطلب القاضي من علي البينة، والدليل على كل ما يقول. إأن كل ما خطه البشر من تقنينات وضعية لم يبق حال الجريمة على ما هي عليه، وهذا أضعف الثمرات المرجوة منه وأدناها، وإنما زادت الجريمة عما كانت عليه من ذي قبل، في ظل هذه التقنينات الوضعية، واحترف المجرمون، وتزايد عدد معتادي الإجرام، والعائدون إلى

стр. 4

السجون، وطفح الكيل، فعقدت الندوات والمؤتمرات تبحث عن حلول، وتطلب علاجًا، جربوا كل عقاقير الفكر ولم يصلوا، مع أن الدواء الناجح أمامهم، وهم يصدون أبصارهم عنه. أنه العلاج الذي قدره من خلق الناس وعلم ما ينفعهم، وليس ذلك محض خيال، وإنما هو الواقع المجرب. لهذا كله، ودعوة إلى محاولة إقناع عن طريق المقارنة بين النظام التشريعي الجنائي الإسلامي، والتقنينات الوضعية، في جانب من قواعده الحاكمة -إن صح التعبير وجازت المقارنة- ولتقديم دليل جديد لكل من أراد المعرفة، وتطلع إلى حلول وعلاج -إن كان صادقًا في تطلعاته ونواياه- أقدم هذه الدراسة حول مبدأ من مبادئ الترشيع العقلي الإسلامي العادل، هذا المبدأ الذي يعد تجسيدا واضحًا لكل ما حاط به هذا التشريع الإسلامي الإنسان من راعية، وحماية وأمن وأمان، لم يضارعه في ذلك أو يدانيه أي تقنين وضعي أيا كان واضعه، ومقننه. وسيتضح ذلك بإذن الله تعالى وعونه فيما قدمت من دراسة لموضوع الشبهات، وأثرها في العقوبة الجنائية في الفقه الإسلامي مقارنًا بالقانون، ولا يخفى أن المقارنة أن أجيزت، فإنما هي مقارنة بين ما شرع منذ أربعة عشر قرنًا، ولا يزال ثابتًا شامخًا عظيمًا لم ولن يتغير؛ لأنه لا تبديل لكلمات الله ذلك الدين القيم، وبين أحدث ما وصلت إليه النظريات القانونية الوضعية. والشريعة وإن كانت أجل من أن تقارن بغيرها من التقنينات الوضعية، إلا أن هذه الدراسة محاولة لدحض مزاعم لم تبن على دراسات علمية، إذ هي دعاوى قد صدرت عمن لم يدرس الشريعة

стр. 5

ولم يقف على ما فيها من أحكام محكمة، ودعاوى تصدر عن جهل أحكام هذه الشريعة دعاوى باطلة، ومفتراه ولا عجب. فقد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وقد ينكر الفم طعم الشهد من سقم وقد قسمت هذه الدراسة إلى تمهيد وبابين وخاتمة: أولًا: التمهيد: "كلمة عامة عن الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي المقارن" ويتكون من فصلين: الفصل الأول: كلمة عامة عن الجريمة في الفقه الإسلامي المقارن، ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف الجريمة والجناية، وبيان ما بينهما من اتفاق، وتعريف الجريمة عند القانونيين، وتقسيمها إلى جناية وجنحة ومخالفة. المبحث الثاني: أقسام الجريمة: وفيه خمسة مطالب: "أ" المطلب الأول: أقسام الجريمة باعتبار ما تقع عليه. "ب" المطلب الثاني: أقسام الجريمة باعتبار العقوبة المستحقة. وما يترتب على ذلك من حيث إمكان العفو عن الجاني، ومدى ما للقاضي من سلطة حيال العقوبة الحدية.

стр. 6

ج: المطلب الثالث: أقسام الجريمة باعتبار الحق المعتدى عليه، وما لكل قسم من هذه الأقسام من سمات من حيث لزوم الخصومة، أو مواصفات الإثبات، أو التقادم والتوبة وما ينتج عنها من آثار في كل من الشريعة والقانون. د: المطلب الرابع: أقسام الجريمة من حيث القصد وعدمه، وإشارة إلى الجرائم المقصودة وغير المقصودة بين المباشرة، وعدمها. هـ: المطلب الخامس: الجريمة من حيث الإيجاب والسلب. المبحث الثالث: أركان الجريمة: وفيه ثلاثة مطالب: أ: المطلب الأول: الركن الشرعي للجريمة، وما يتصل به من قاعدة لا تجريم، ولا عقاب إلا بشرع مبلغ، وما يرتبط بهذه القاعدة من سريان النص من حيث الزمان والمكان والأشخاص، وحدود ذلك من الشريعة والقانون. ب: المطلب الثاني: الركن المادي للجريمة، وما يتصل من المساهمة الجنائية، وعقوبة كل من المساهمين في رأي فقهاء الشريعة والقانون. ج: المطلب الثالث: الركن الأدبي للجريمة، وما يتصل به من الإدراك والإرادة المختارة. الفصل الثاني: العقوبة وبعض الجوانب المتعلقة بها، ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: العقوبة وأقسامها. ويشتمل على مطلبين:

стр. 7

أ: المطلب الأول: تعريف العقوبة عند اللغويين، وفقهاء الشريعة والقانونيين. ب: المطلب الثاني: أقسام العقوبة إذ ينقسم باعتبارات مختلفة إلى أقسام عدة: فتنقسم باعتبار ذاتيتها إلى: ١- عقوبة أصلية. ٢- عقوبة بديلة. ٣- عقوبة تبعية. وتنقسم باعتبار التحديد وعدمه إلى: ١- عقوبة حدية. ٢- عقوبة تعزيزية. ثم بيان المراد بالعقوبة الحدية، مع ذكر عقوبة الزنا في كل من الشريعة والقانون. وعقوبة السرقة، وآراء الفقهاء في القطع في السرقة الأولى، ثم عقوبة الحرابة. وعقوبة شرب الخمر، وبيان الرأي في كونها عقوبة حدية، أم تعزيزية ثم عقوبة الردة. المبحث الثاني: بعض سمات التشريع العقابي في كل من الشريعة والقانون، ويشتمل على ثلاثة مطالب: أ: المطلب الأول: أهداف التشريع العقابي، ورعاية ظروف الجاني. ب: المطلب الثاني: موقف الشريعة والقانون من العقاب على الجريمة منذ نشأة فكرتها.

стр. 8

ج: بين الشريعة والقانون في مجال التنظيم العقابي من حيث أحكام البناء التشريعي، وأساس التشريع العقابي، وما يترتب عليه. الباب الأول: الشبهات: ويشتمل على تمهيد وثلاثة فصول. أما التمهيد: فيتناول بيان مدى حرص الإسلام على أن يستر الإنسان أخاه. الفصل الأول: تعريف الشبهة، وبيان الرأي في أعمالها في الحدود، ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: المراد بالشبهة عند اللغويين، وفقهاء الشريعة وبيان ما يجري مجرى الشبهة من الشك والنسيان، أو السهو وما يتصل بذلك من حديث عن القاعدتين الأصوليتين: اليقين لا يزال بالشك، والأصل براءة الذمة، وأثر هاتين القاعدتين في التقنينات الحديثة، والفرق بين أعمال كل من هاتين القاعدتين في كل من الفقه الإسللاامي، والقانون الوضعي. المبحث الثاني: أثر الشبهة في الحد: وهو عبارة عن بيان ما ذهب إليه كل ممن أعمل الشبهة، ومن لم يعملها ومناقشة ذلك. الفصل الثاني: الشبهات التي تعتري أركان الجريمة. ويشتمل على مبحثين:

стр. 9

المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي. ويشتمل على ثلاثة مطالب: أ: المطلب الأول: شبهة الدليل. ب: المطلب الثاني: شبهة الحق. ج: المطلب الثالث: شبهة الملك. وتنقسم هذه الشبهة إلى: ١- شبهة الملك الخالص. ٢- شبهة الملك المشترك. ٣- شبهة إباحة الملك. مع بيان ما قيل في ذلك من آراء. المبحث الثاني: الشبهات التي تعتري القصد الجنائي. ويشتمل على مطلبين: أ: المطلب الأول: بيان المراد بالجهل وأقسامه من حيث الاعتداد به في درء العقوبة الحدية من عدمه، مع بيان وجهة نظر فقهاء القانون في الجهل بالأحكام. ب: المطلب الثاني: بيان المراد بالإرادة، وبيان المراد بالإكراه، وما يعتد به منه في درء العقوبة الحدية. الفصل الثالث: الإثبات: ويشتمل تمهيدًا، وثلاثة مباحث: التمهيد: وفيه تعريف الإثبات، وبيان طرقه التي سيعرض لها البحث.

стр. 10

المبحث الأول: الإقرار. ويشتمل على ثلاثة مطالب: أ: المطلب الأول: شروط المقر الذي يعتد بإقراره في إلزامه العقوبة الحدية، وآراء الفقهاء في ذلك. ب: المطلب الثاني: شروط في الإقرار الذي يعتد به، والقول في الرجوع عنه فيما يتصل بحق الله . ج: المطلب الثالث: الإقرار عند فقهاء القانون، ومقارنة ذلك بما جاء عن فقهاء الشريعة. المبحث الثاني: الشهادة. ويشتمل على مطلبين: أ: المطلب الأول: شروط في الشاهد الذي يعتد بشهادته، وما يتصل بذلك من الحديث عن الرؤية، والذكورة والنطق والرأي فيه. ب: المطلب الثاني: شروط في الشهادة من حيث وضوحها، وإفادتها اليقين، ورأي فقهاء الأحناف في مسألة التقادم، وقدرة المشهود عليه على الدفاع عن نفسه، والرأي في ذلك. المبحث الثالث: القرائن. معناها وأعمالها في إثبات الحدود والرأي في ذلك. الباب الثاني: الجرائم الحدية. الشبهات التي تعتريها، وما لها من أثر في عقوباتها، ويشتمل على خمسة فصول. الفصل الأول: جريمة الزنا، وما يتعلق بها من شبهات. ويشتمل على ثلاثة مباحث:

стр. 11

المبحث الأول: الوطء المحرم الذي لا تجب به العقوبة الحدية لقيام شبهة في الركن الشرعي للجريمة. كالوطء بعد النكاح الباطل: وهو كل نكاح لم يصح لا بأصله، ولا بوصفه أو كالوطء بعد النكاح الفاسد: وهو ما كان عقده صحيحًا بأصله دون وصفه. المبحث الثاني: الوطء المحرم الذي لا تجب به العقوبة الحدية، لقيام شبهة في القصد الجنائي، سواء كان ذلك نتيجة جهل الفاعل، بالحكم الشرعي أم بمن وقع عليه الفعل جهلًا يعتد به، أم كان انتقاء القصد الجنائي نتيجة إكراه الفاعل إكراهًا يعتد فه في درء العقوبة، وما ذكره فقهاء القانون بالنسبة لذلك. المبحث الثالث: الوطء المحرم الذي لا تجب به العقوبة الحدية، لقيام شبهة في إثباته، ويشمل ذلك الحديث عن اشتراط تعدد الإقرار، وبدء القاضي بالرجم، واشترط أن يكون الشهود أربعة، أن يؤدوا الشهادة في مجلس واحد، وأن يعينوا شريك المشهود عليه، وأن يبدأ الشهود بالرجم. الفصل الثاني: جريمة السرقة وما يتعلق بها من شبهات، ويشتمل الحديث عنها عن مبحثين: المبحث الأول: جريمة السرقة الصغرى. ويشتمل الحديث عنها على مطلبين: أ: المطلب الأول: وفيه تعريف السرقة عند اللغويين والفقهاء، والقانونيين مع بين ما بين هذه التعاريف من اتفاق واختلاف. ب: المطلب الثاني: وفيه بيان أنواع من السرقات اختلف الفقهاء في القول بوجوب الحد بها نظرًا لقيام شبهة من الشبهات، التي تعتري الركن الشرعي لجريمة السرقة، ويشمل ذلك الحديث عما يأتي:

стр. 12

١- كون المسروق محرزًا والخروج به من حرزه. ٢- بيان الرأي في فعل النشال وما يلزمه به. ٣- مناقشة ما قيل في ما يلزم النباش. ٤- سرقة أحد الزوجين من مال الآخر، وما يراه فقهاء القانون في ذلك. ٥- سرقة المال الذي له فيه شركة أو حق، وحديث عن السرقة من بيت المال. أو المال العام، ورأي فقهاء الشريعة والقانون في حكم ذلك. ٦- الاشتراك في السرقة صوره، وبيان الرأي فيه. ٧- سرقة ما اختلف في ماليته. ٨- الخصومة: آراء الفقهاء في اشتراط قياسها لإيجاب القطع. المبحث الثاني: جريمة السرقة الكبرى "الحرابة". ويشتمل الحديث عنها على مطلبين: أ: المطلب الأول: تعريفها عند اللغويين والفقهاء. ب: المطلب الثاني: سرقات اختلف في وجوب حد الحرابة بها. ويشتمل ذلك الحديث عما يأتي: ١- إذا قام بالحرابة جماعة، ولم يبلغ نصيب الفرد منهم نصابًا. ٢- أخذ المال على سبي المغالبة في مكان آهل بالسكان، ورأي القانون في ذلك. ٣- من تقع منهم، أو عليهم الحرابة ومناقشة ذلك. ٤- الحرابة بمشاركة الصبي أو المجنون. ٥- حرابة القرابة المحرمية.

стр. 13

الفصل الثالث: جريمة شرب الخمر، وما يتعلق بها من شبهات، ويشتمل الحديث عنها ثلاثة مباحث. المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي، ويشمل ذلك الحديث عما يأتي: ١ شرب قليل الأنبذة، وما قيل فيه من آراء. ٢- وصول الخمر في الجوف عن غير طريق الفم، والرأي في ذلك. المبحث الثاني: شرب الخمر الذي لا يوجب الحد لقيام شبهة في القصد الجنائي، وما ورد من أقوال في ذلك. المبحث الثالث: الشبهات التي تعتري إثبات شرب الخمر. الفصل الرابع: جريمة القذف، وما يتلعق بها من شبهات، ويشمل الحديث عنها مبحثين: المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي، ويشمل ذلك الحديث عما يأتي: ١- القذف عن طريف الكناية، أو التعريض وما ورد في ذلك من آراء. ٢- الشهادة بالزنا إذا جرح الشهود أو أحدهم. المبحث الثاني: شروط في المقذوف، ويتناول ذلك ما يأتي. ١- أن يكون بالغًا عاقلًا. ٢- إسلام المقذوف، وما ذهب إليه ابن حزم. ٣- عفة المقذوف.

стр. 14

الفصل الخامس: جريمة الردة وما يتعلق بها من شبهات. ويشتمل الحديث عنها مبحثين: المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي لجريمة الردة، ويشمل ذلك الحديث عما يأتي: ١- إذا قال الكافر: لا إله إلا الله ثم رجع إلى ما كان عليه. ٢- من أسلم وهو سكران. ٣- من أسلم مكرهًا. ٤- إسلام الصبي. ٥- السحر تعليمه وتعلمه. المبحث الثاني: الشبهات التي تعتري القصد الجنائي. وذكرت بعد ذلك أثر الشبهات في العقوبة التعزيرية، ثم الخاتمة وقد أبرزت فيها أهم نقاط البحث، ثم ما عن لي من مقترحات، وقد حاولت في كل ما عرضت من قضايا ذكر الاتجاهات الفقهية لأئمة فقه الشريعة الإسلامية مغلبًا ما أراه راجحًا مستدلًا لما أقول، ثم أذكر رأي القانون إذا كانت المسألة التي أتحدث عنها قد تناولها القانونيون، من غير تكلف أو افتعال لتغليب، رأي فقهاء الشريعة، أو لإيجاد وجه شبهه، أو اتفاق بين ما ذكره فقهاء الشريعة، ورجال القانون، إذ إن الفقه الجنائي الإسلامي لا يضيره أن يخالفه الفقه الجنائي الوضعي، ولا يؤكد من كماله أن يأخذ القانونيون بما ذكره من نظريات. وقد أشرت إلى مصادر البحث، ومراجعه ذاكرًا أسم مؤلفيها، وطبعتها ودار نشرها إن وجد ذلك، ونظرًا لتعدد الطبعات ودور النشر في بعض ما رجعت إليه نظرًا لارتيادي دور كتب متعددة، وعدم تيسر حصولي على مصادر البحث، ومراجعه بصفة مستقرة، فقد أشرت إلى ذلك في مواضع كثيرة.

стр. 15

كما أن بعض الآراء الفقهية لم يتيسر لي الوقوف عليها من مراجعها الأصلية لعدم استطاعتي الحصول عليها، فأشرت إلى الكتب التي وجدت فيها هذه الآراء، هذا هو جهدي المتواضع فإن أكن قد وفقت فيه، فالحمد لله أولًا وأخيرًا، فهو الموفق والمعين ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ . وأن أكن قد قصرت وتعثرت خطواتي، فعذري أن الطريق شاق، ويغفر لي أني طالب علم أنشد المعرفة، جزى الله عني خيرًا كل من دلني عليها. ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ ١ وأخيرًا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ ٢.

стр. 16

التمهيد الفصل الأول: كلمة عامة عن الجريمة في الفقه الإسلامي المقارن المبحث الأول: الجريمة والجناية أولا: تعريف الجريمة ... باب: التمهيد الفصل الأول: كلمة عامة عن الجريمة في الفقه الإسلامي المقارن المبحث الأول: "لجريمة والجناية" أولًا: تعريف الجريمة جاء في كتب اللغة الجرم: التعدي، والجرم: الذنب والجمع أجرام وجروم، وهو الجريمة، وأجرم فهو مجرم، وأجرم جنى جناية، والجاني والمجرم: المذنب١. وفي الحديث الشريف: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن أمر لم يحرم، فحرم على الناس من أجل مسألته" ٢، وفي القرآن الكريم اشتقاقات كثيرة كل منها يحمل في بنائه هذه الأحرف الثلاثة "جرم"، وقد غاير كل منها الآخر في معناه ومؤداه، وأن كانت كلها تدور حول معان متقاربة بل ومتداخلة أحيانًا. فيقول الله : ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ ٣ ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ ٤، ﴿وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ ٥، ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ

стр. 17

جَهَنَّمَ﴾ ١، ﴿قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ ٢، ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيه﴾ ٣. فالمشتقات من مادة "جرم" في كل هذه الآيات الكريمة، قد دار معناها حول الأذناب، والمخالفة. والنهي للمسلمين عن أن يحملهم البغض، والخلاف حملًا آثمًا مخالفًا لما يأمر به الله ، ويرضاه الدين٤ من هذا كله يتضح أن كلمة جريمة تطلق على كل عمل خالف به فاعله أمر ربه، وحاد به عن الطريق المستقيم وجانب باتيانه، الحق والعدل، مع مراعاة أن الأعمال التي يجرمها الشرع تتفاوت في كمها، وكيفها طبقًا لما وضحه الشرع وبينه.

стр. 18

كما أن العقاب عليها إما أن يكون عقابًا دنيويًا -بدنيا كان، أو ماليًا أوهما معًا وإما أن يكون عقابًا أخرويًا مرجع الحكم فيه إلى الله " "إن شاء سامح وغفر، وإن شاء عاقب واقتص". ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ١. وما خصه الفقهاء من هذا ببحوثهم هو ما يفصل فيه القاضي، ويعاقب عليه سواء أكانت العقوبة حدية، أم تعزيرية. وقد وضح ذلك من تعريفهم للجريمة بأنها محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد، أو تعزير٢ وعلى هذا فهي عند الفقهاء أخص منها عند اللغويين.

стр. 19

ثانيًا: تعريف الجناية هي لغة اسم لما يجنيه المرء من شر اكتسبه، يقال: جنى على قومه جناية أذنب ذنبًا يؤاخذ عليه. وأصله من جنى الثمر: وهو أخذه من الشجر، وعو عام، إلا أنه خص بما يحرم من الفعل. ويسمى مكتسب الشر جانبًا، والذي وقع عليه الشر: مجنيا عليه، فالجناية هي الذنب، والجرم، وما يفعله الإنسان مما يوجب العقاب، أو القصاص في الدنيا والآخرة١.

стр. 20

والجناية في الشرع: اسم لفعل مجرم سواء أكان في مال أو نفس، لكن في عرف الفقهاء: الفعل المؤثم الواقع على النفس والأطراف، سواء أكان قتلًا أم ضربا أم جرحًا، أم غير ذلك. وقد خصها بعض الفقهاء بما وقع من جرائم الحدود والقصاص١، وزاد على ذلك بعض فقهاء الأحناف، فأطلقها على كل فعل مجرم سواء أكان في مال أم كان في نفس١. وقد اتجه ابن قدامة هذا الاتجاه في تعريفه للجريمة، فأطلقها على كل فعل فيه عدوان على نفس أو مال، ثم أشار إلى ما تعارف عليه الفقهاء من الحنابلة وغيرهم من أنهم خصوا الجريمة بالتعدي على الأبدان بما يوجب قصاصًا، أو غيره٢، فقال: "لكنها في العرف" أي عرف الكتاب في الفقه، مخصوصة بما يحصل من التعدي على الأبدان. وسموا الجناية على الأموال غصبًا ونهبًا وسرقة، وجناية واتلافًا٣. وذكر فقهاء الشافعية أن الجناية أعم من أن تكون قتلًا، أو قطعًا أو جرحًا، فهي تشمل الجنايات على الأموال والأعراض، والأنساب والعقول والأديان٤. أما ابن رشد فقد ذهب إلى أن الجنايات التي لها حدود مشروعة هي ما يأتي:

стр. 21

١- جنايات على الأبدان والنفوس، والأعضاء وأشار إليها بما يسمى قتلًا وجرحًا. ٢- جنايات على الفروج، وهي المسماة زنا وسفاحًا. ٣- جنايات على الأموال، وهذه ما كان منها مأخوذًا بحرب سمى حرابة إذا كان بغير تأويل، وإن كان بتأويل سمي بغيًا، وما كان منها مأخوذًا على وجه المغافصة١ من حرز يسمى سرقة، وما كان منها يعلو مرتبة، وقوة سلطان سمي غصبًا. ٤- جنايات على الأعراض، وهي المسماة قذفًا. ٥- جنايات بالتعدي على استباحة ما حرمه الله من المأكولات والمشروبات، وهذه إنما يوجد فيها حد في هذه الشريعة في الخمر فقط٢. وابن رشد لم يذكر ضمن ما ذكره من الجنايات ما يقع من جنايات على الدين، والعقيدة كما ذكر فقهاء الشافعية. واقتصار ابن رشد على ما ذكر هنا ناتج من أنه يتكلم عن الجنايات التي لها حدود مشروعة. ويبين من هذه التعريفات مدى ما بين الجريمة، والجناية من تطابق، واتفاق عند بعض الفقهاء إلى الحد الذي أصبح به اللفظان عندهم يرادف كل منهما الآخر. ومن هنا كان إطلاقي لفظ الجريمة في مختلف الموضوعات على كل ما هو مأثم شرعًا خصوصًا، أما جمهور فقهاء الحنابلة، ومن وافقهم فقد

стр. 22

خصوا الجناية يما يقع على الأموال من غصب، وسرقة إتلاف، وخصوا الجريمة بما يقع من تعد على الأبدان. أما شراح القانون الوضعي، فإنهم قد قسموا الجريمة إلى جناية وجنحة، ومخالفة الأمر الذي يترتب عليه تخصيص نوع من الجرائم لا يجوز إطلاق جناية عليها عند فقهاء القانون، إذ أنهم قد عرفوا الجريمة بأنها: الفعل أو الترك الذي نص القانون على عقوبة مقررة له، أو أنها: سلوك غير مشروع سواء أكان فعلًا أم امتناعا يمكن إسناده لمرتكبه، ويقرر له القانون عقوبة أو تدبيرًا احترازيًا، وخصوا الجناية من ذلك بأنها ما كان معاقبًا عليه بعقوبات الإعدام، أو الأشغال الشاقة المؤبدة كانت أو مؤقتة، أو السجن، وهذا ما نصت عليه المادة العاشرة من قانون العقوبات، كما أطلقوا على الفعل أو الترك جنحة إذا كان معاقبًا عليه بعقوبة الحبس التي تزيد على أسبوع، أو بالغرامة التي تزيد على جنيه مصري "المادة ١١"، فإذا لم يزد الحبس على أسبوع، أو لم تزد الغرامة على جنيه مصري كان الفعل، أو الترك حنيئذ مخالفة طبقًا لما نصت عليه المادة "١٢" من قانون العقوبات١. ويتبين من هذا أن القانونيين يطلقون على السلوك غير المشروع جناية إذا كانت العقوبة المقررة له هي الإعدام، أو الأشغال الشاقة مؤبدة كانت، أو مؤقتة أو السجن.

стр. 23

أما جمهور فقهاء الشريعة، فإن الجناية عنةدهم تطلق على كل ما جرم من سلوك فعلًا كان، أو امتناعًا ما دام الإثم قد لزم من قام به حتى ولو لم يترتب على هذا الإثم عقوبة من العقوبات الدنيوية، ومن هنا جاء قول الفقهاء: الجناية على الحج والجناية على الصيام، إلى غير ذلك من العبادات. فالجناية هنا بإطلاقها العام تشمل كل ما جرم، بصرف النظر عما يلزم به من وقع منه هذا السلوك. مع ملاحظة أن الشريعة الإسلامي قد نصت على عقوبات جرائم معينة وحددتها، وتركت تحديد عقوبات باقي الجرائم لولي الأمر الذي يعالج ذلك بما يتفق، وهدف المشروع وغايته. ونظرًا لما يعتري المجتمع من ظروف، ومتغيرات لزم ولي الأمر دوام النظر في معالجة ذلك بما يحقق المصلحة التي استهدفهًا المشروع الحكيم.

стр. 24

المبحث الثاني: أقسام الجريمة المطلب الأول: أقسام الجريمة باعتبار ما تفع عليه ... المطلب الأول: أقسام الجريمة باعتبار ما تقع عليه ما يقع من الجاني قد يصيب المجني عليه إصابة ينتج عنها الإتيان على ما هو ضروري بالنسبة له. وقد تقع هذه الجناية على أمر آخر من الأمور الحاجية، أو الأمور التحسينية ومن هنا ينقسم ما يقع من الجاني إلى ما يأتي: ١- جرائم تقع على الضروريات. ٢- جرائم تقع على الحاجيات. ٣- جرائم تقع على التحسينات. أولًا: الضروريات هي الأمر المقصودة لذاتها، وما يقع من اعتداء على هذه الأمور الضرورية يعد من أغلظ الجرائم، وأشدها عقابًا، ويتضح فيما يأتي: أ: جرائم يقع الأعتداء فيها على أمر لازم لبقاء حياة الإنسان، ووجوده مثل جرائم الاعتداء على النفس الإنسانية بالقتل، أو قطع أحد الأطراف. ب: جرائم يقع الاعتداء فيها على الفروج كالزنا، وما ينتج عنه من إفساد للحرث والنسل. ج: جرائم يقع الأعتداء فيها على الأموال، كالسرقة التي هي اعتداء على المال الموجود في حوزة صاحبة بما يعرضه للضياع غالبًا؛ لأن الآخذ يصعب تحديده ودفعه لمجيئه مستترًا. د- جرائم يقع الاعتداء فيها على الأنساب والأعراض، كالقذف وما ينتج عنه من إشاعة للفاحشة، وطعن في الأعراض، وما يتبع ذلك.

стр. 25

هـ: جرائم يقع الأعتداء فيها على العقل الذي ميز الله به الإنسان، وجعله منا ط التكليف، فالاعتداء عليه بالكسر، أو غيره اعتداء على أمر ضروري إذ المحافظة عليه حق لله والمجتمع. و: جرائم يقع الاعتداء فيها على الدين، وهو من أهم الضروريات والزمها، ومن هذه الجرائم الارتداد والكفر، والزندقة لما ينشأ عنها من إفساد بعد هداية وإصلاح، ولذا فإن مثل هذه الجرائم البغيضة تجب مقاومتها، بقوة وحزم يصلان إلى قتل الجاني. ثانيًا الحاجيات هي: الأمور التي ليست مقصودة لذاتها، وإنما هي مصالح لا تنفك عن حاجة الإنسان. وما يقع من جرائم على هذه الأمور الحاجية يتضح فيما يلي: أ: جرائم يقع الاعتداء فيها على حرية الإنسان، بحسبه أو تقييد فكره. ب: جرائم يقع الاعتداء فيها على المال، بنهبه أو اغتصابه، فهذه الجرائم تقع على حق التملك، إلا أن الاعتداء فيها يمكن دفعه ويسهل إثباته، ويستطيع ولي الأمر إعادة المال بيسر لوضوح أمر الجاني بخلاف السرقة لتخفي الجاني فيها، ومجيئه مستترًا. ج: جرائم يقع الأعتداء فيها على العرض بصورة لا تصل حد الزنا، مثل معانقة الأجنبية، وغير ذلك مما يؤدي إلى الجريمة الحدية. د: جرائم يقع الاعتداء فيها على العقل، ولكن لا ينتج عنها ذهابه، كتعاطي أنواع من المخدرات لا تصل بمن تعاطاها إلى حد إذهاب العقل إلا أن تعاطيها ما يؤدي إلى الإدمان، وما ينتج عنه. هـ: جرائم يقع الاعتداء فيها على الدين، ولكنها لا تصل بمن

стр. 26

وقعت منه إلى حد الكفر أو الزندقه، وذلك كأن ينسب إلى الدين ما ليس منه مما قد ينفر الناس، أو يشكك في العقيدة. ثالثًا: الجرائم التي يقع الاعتداء على الأمور التحسينية: مثل ما يقع على الإنسان فيما يمس كرامته بما لا يصل إلى حد القذف، ومثل ما يقع على المال من جرائم يترتب عليها ضياعه كالنصب، وما يماثله، ومثل جرائم كشف الستر والتجسس على الأسرار، والعورات التي تقع بالإنسان، وتلحق به الإيذاء والضرر. وأقسام الجريمة باعتبار ما يقع عليه بالصورة التي أوضحتها منها ما يعاقب عليه بأشد العقوبات، وأقساها نظرًا؛ لأنها جرائم وقعت على أمور ضرورية مقصودة لذاتها أكد الشرع على حمايتها، وعدم الاقتراب منها وحدد العقوبة التي تنزل بكل من يعبث بهذه الضروريات. ومن أقسام الجريمة ما يقع على أمور حاجية، أو وتحسينية وهي جرائم تقع على أمر غير مقصود لذاته، ومثل هذه الجرائم أباح الشارع لولي الأمر أن يضع لها من العقوبات ما يكفل حماية المجتمع وأمنه.

стр. 27

المطلب الثاني: أقسام الجريمة باعتبار العقوبة المستحقة تختلف الجريمة قوة وضعفًا بقدر ما تحلق بالمجني عليه من ضرر، وبقدر ما تخيف المطمئنين، وتروع المجتمع الهادئ الآمن، وتهدر قيمه ومن هنا اختلف العقوبة المستحقة من جريمة إلى آخرى، ولذا يمكن أن تقسم الجرائم باعتبار العقوبات المترتبة إلى قسمين أساسيين: القسم الأول: جرائم ذات عقوبة محددة من لدن الشارع الحكيم لا تتغير عقوبتها باختلاف زمان، أو مكان طالما وقعت الجريمة، وتحققت شروط إلزام عقوبتها. وتنقسم هذه الجرائم المحددة العقوبة إلى: ١- جرائم حدية إذا ثبتت على الجاني لزمته عقوبتها، ولم يعد لأحد الحق في إسقاط هذه العقوبة، أو استبدال عقوبة أخرى بها. وهذه الجرائم هي: "أ" الزنا، "ب" شرب الخمر عند من يرى أن عقوبتها من العقوبات الحدية، "ج" السرقة، "د" القذف، "هـ" الردة، "و" الحرابة. ويطلق الفقهاء على هذه الجرائم الحدود دون ذكر لفظ الجريمة، وعند الحديث عن العقوبة يذكرون لفظ الجريمة التي يعاقب عليها بعد ذكر كلمة الحد، فيقولون مثلًا: حد الزنا، ويريدون بذلك العقوبة المعاقب بها من أتى جريمة الزنا، وهكذا: ٢- جرائم القصاص والدية: وهي: القتل العمد، أو شبه العمد، أو الخطأ، والجناية على ما دون النفس عمدًا أو خطأ١. فهذه الجرائم كلها جرائم حدد المشرع عقوبتها، وجعل العقوبة فيها حقًا للمعتدى عليه، ثم لورثته من بعده. فجرائم القصاص حدد الله عقوبتها، فيما جاء به القرآن الكريم من قول الله . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢.

стр. 28

"أ" دية تجب أصلًا على القاتل. "ب" دية تجب بدلًا عن القصاص. فالدية التي تجب أصلًا على القاتل هي: دية القتل الخطأ. وقد بين رسول الله ﷺ حدودها بأن قضى أن من قتل خطأ، فديته مائة من الإبل١. وقدرت الدية بثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم، واستمر الأمر كذلك حتى استخلف عمر ﵀ فقام خطيبًا فقال: "ألا إن الإبل قد غلت ففرضها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وعلى أهل القمح مقدارًا لم يحفظه من روى ذلك". هذا وغيره مما ذكره المحدثون والفقهاء مطولًا في باب الدية٢، أرى أن يلتزم به كحد أدنى للدية بالنسبة لكل ما تجب فيه الدية سواء أكان نفسًا بشرية أم عضوًا من الأعضاء، أو أكثر مع إمكان الزيادة على هذا المقدار على سبيل التعويض في حالة ما إذا كان الشخص المعتدى عليه ذا قيمة خاصة بين مواطنيه وأقرانه، وكذا بالنسبة للعضو الذي تعرض للتلف بسبب الاعتداء؛ لأن الأعضاء تتفاوت قيمتها من شخص

стр. 29

لآخر، إذ أن يد الفارس نفعها أكبر من يد العاطل، وقدم لاعب الكرة مثلًا -التي يعتمد عليها في مهارته- تزيد قيمة الاعتماد عليها عن قدم غيره، وهكذا كل عضو أساسي يعتمد عليه صاحبه أكثر من غيره من ذوي الحرف الأخرى في تحصيل كسبه، وإنقاذ عمله. وقد يستأنس لذلك بما روي عن الإمام مالك -رضي الله تعالى عنه- من أنه كان يغلظ الدية الواجبة على الوالد الذي قتل ولده عمدًا١. وبما روي عن الإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنه- من أنه كان يغلظ الدية في قتل الخطأ إذا كان القتل قد وقع في الحرم، أو في الأشهر الحرم، أو كان المقتول ذا رحم محرم للقاتل٢. وقد روى مثل ذلك أيضًا عن الإمام أحمد -رضي الله تعالى عنه٣.

стр. 30

كما جاء عن فقهاء الشيعة الزيدية ما يفيد تغليظ الدية في بعض الحالات، كما في دية شبه العمد، فتغلظ عندهم في الدراهم، والغنم، والبقر، والحلل بزيادة خمس الدية، واعتبر التغليظ في الإبل بأسنانها١. ففي كل ما سبق مما ذكره الفقهاء غلظت، وتغليظها وأن كان مرجعه فيما ذكر هو الوصف الذي يربط الجاني بالمجني عليه، أو مراعاة للمكان أو الزمان الذين وقعت فيهما الجريمة، إلا أنه وصف خرجت به الدية عن مقدراها، وزادت عن حدها الواجب للحالات الأخرى التي لم يتوافر فيها وصف من هذه الأوصاف السابقة التي أوردها الفقهاء اجتهادًا، واستئناسًا بذلك أرى أن يلتزم بالقدر الذي حدد دية -كحد أدنى بالنسبة لما تجب فيه الدية نفسًا، أو غيرها ثم بعد ذلك يمكن أن يزاد في الدية الاعتبارات الأخرى يقدرها الإسلام، ويرفع من شأن، ومنزلة من تتوفر فيه هذه الاعتبارات على سبيل التعويض، وأمر ذلك كله متروك تقديره لولي الأمر، ما دام النظر إلى ذلك معتبرًا من باب تقدير العقوبات التعزيرية. فما يزيد عن الدية العادية نظرًا؛ لأن من وقع عليه ما يوجب الدية له منزلة خاصة -هو عقوبة تعزيرية يلزم بها الجاني زيادة على العقوبة المقررة من لدن الشارع الحكيم. القسم الثاني: جرائم ليست لها عقوبة محددة، إذ لم يرد نص من الشارع بتقدير عقوبة محددة لها، وإنما ترك لولي الأمر، فهو الذي يضع العقوبة المناسبة لكل جريمة من هذه الجرائم التعزيرية بما يكفل حماية المجتمع، وأمن الفرد والحفاظ على القيم، والفضائل

стр. 31

والأخلاق، ومن ثم يمكن أن تختلف هذه العقوبات باختلاف الزمان والمكان، وكذا باختلاف الأشخاص١.

стр. 32

والتقسم السابق للجرائم المبني على أساس تقدير العقوبة، أو عدم تقديرها يظهر أثره بالنسبة للجرائم، وعقوبتها من حيثيات مختلفة. أما بالنسبة لجرائم القسم الأول، وعقوبتها فإن منها جرائم لا يجوز العفو عنها إذا بلغت الحاكم حتى ولو لم يحكم فيها. ومنها ما أجاز فقهاء الشافعية، وابن قدامة العفو فيها حتى وإن رفع الأمر للقاضي نظرًا؛ لأن الحق للآدمي، وتلزم مطالبته١. أما الجرائم التي لا يجوز العفو عمن ارتكبها إذا بلغت الحاكم، فمثل جريمة الزنا، وجريمة شرب الخمر عند من يرى أن عقوبتها من العقوبات الحدية. أما جريمة القذف، فإن هناك من الفقهاء من أجاز العفو عن الجاني مطلقًا رفعت إلى القاضي، وحكم فيها أو لم يحكم فيها، بشرط أن يكون العفو خالصًا لوجه الله. ومن الفقهاء من قيد العفو فيها بكونه قد وجد قبل صدور الحكم، أما إذا وجد بعد صدور الحكم فلا أثر له؛ لأنه بعد الحكم في جريمة القذف أصبح الاستيفاء حقًا لله تعالى، ولم

стр. 33

يعد للمقذوف حق حينئذ، وبين القائلون بعدم قيام أثر للعفو رأيهم بقولهم: إن حقوق العباد بطريق المماثلة، إما صورة ومعنى، وإما معنى لا صورة؛ لأنها تجب بمقابلة المحل جبرًا، والجبر لا يحصل إلا بالمثل ولا مماثلة بين الحد والقذف لا صورة ولا معنى، فلا يكون حقه ولا ينفي كونه حقًا لله تعالى اشتراط الدعوى من المقذوف١. والذي أميل إليه أنه إذا كان إثبات الجريمة بالبينة، وقد حكم القاضي بالعقوبة الحدية، فلا أثر لعفو المقذوف حينئذ، لكون الحق أصبح لله تعالى خالصًا أما إذا كان عفو المقذوف قبل حكم القاضي بالعقوبة الحدية، فإن ذلك العفو ينتج أثره، ولا يلزم الجاني بالعقوبة الحدية، نظرًا لانعدام المطالبة وطلبًا للستر على المقذوف؛ لأن في إنقاذ الحد على القاذف زيادة أعلام بما كان منه من قذف، وهو أمر مطلوب دفعه، ومنعه وإزالته، أما جرائم القصاص فإن العفو فيها ممكن، سواء قبل رفع الدعوى أو بعد رفعها قبل صدور الحكم، أو بعد صدوره؛ لأن الحق الغالب هنا هو حق العبد٢. أما بالنسبة لأثر العفو في جريمة السرقة، فإن ما رود عن النبي ﷺ قد أفاد جواز عفو المسروق منه عن السارق قبل رفع الأمر إلى القاضي، أما بعد رفع الأمر للقاضي، فلا أثر للعفو حينئذ، لما روي من أن رجلًا جاء بسارق ردائه إلى النبي ﷺ فأمر النبي بالسارق أن يقطع، فقال من جاء به: لم أرد هذا، ردائي عليه صدقة، فقال رسول الله ﷺ : "فهلا قبل أن تأتيني"

стр. 34

قال الشوكاني: هذا الحديث رواه الخمسة إلا الترمذي١، أما فقهاء الشيعة الزيدية، فقد ورد عنهم أن مما يسقط القطع عن السارق عفو المسروق منه، فإذا كان المال المسروق مملوكًا لشخص واحد، وعفا عن السارق سقط القطع، وإن ألزم السارق رد المال. أما لو كان المال المسروق مملوكًا لجماعة، فقد اشترط فقهاء الشيعة الزيدية لإسقاط القطع، أن يكون العفو عن السارق قد صدر عن جميع الخصوم الذين لهم حق في المال المسروق، حتى ولو طلبوا رد المال، ولو لم يكن نصيب كل واحد منهم إلا دون النصاب.

стр. 35

وعلى هذا، فلو عفا البعض وتمسك البعض لزم السارق القطع. وأجابوا عما يمكن أن يوجه إليهم من اعتراض مصدره أنهم فرقوا بين عفو أحد الشركاء هنا، وبين عفو أحد الشركاء في استحقاق القصاص إذ أنهم قالوا بأن عفو أحد الشركاء في استحقاق القصاص، إذ أنهم قالو بأن عفو أحد الشركاء في القصاص يترتب عليه إسقاطه أجابوا بقولهم: أن الشركاء في القصاص لا يستحق كل منهم إلا البعض، والقصاص لا يتبعض لذا، فإنه يسقط بعفو أحد الشركاء. أما القطع، فإنه لكل واحد من الشركاء ثبت له بهتك حرزه١. هذا ما قاله فقهاء الشيعة الزيدية، وإن كنت أخالفهم الرأي نظرًا؛ لأنهم لم يذكروا سندهم الذي اعتمدوا عليه في القول بذلك. كما أن الحديث السابق يدل دلالة قاطعة على عكس ما قالوا به، وذهبوا إليه إذ أن المسروق منه لما وجد أن السارق ستقطع يده، بادر بالعفو عنه ووهبه ما سرقه، ومع ذلك أجابه الرسول ﷺ بقوله: "هلا قبل أن تأتيني". وهذا ولا شك بين واضح في إثبات ما دامت الخصومة قد وجدت، وقضى في القضية، وحكم على السارق بالقطع. فلا عبرة بعد ذلك بعفو المسروق منه؛ لأن الحق في القطع وإنفاذه حينئذ أصبح لله : وحق الله تعالى هنا لا يجوز التنازل عنه.

стр. 36

وما بقي للآدمي بعد الحكم بالعقوبة هو ملكيته لما سرق منه إن شاء طالب به، وإن شاء تنازل عنه. أما بالنسبة لجرائم القسم الثاني، وهي الجرائم التعزيرية، فإن منها جرائم لا تقبل العفو فيها -وعفو المجني عليه في هذه الجرائم، وإن كان لا يسقط العقوبة كلية، إلا أنه يعد من الظروف المخففة عن الجاني. والجرائم التي لا تقبل العفو فيها -مع اعتبار العفو فيها ظرفًا مخففًا هي الجرائم التي تمس حقوق المجتمع. أما الجرائم التي تقع على الأفراد، ويعاقب عليها تعزيريا، فإن من حق هؤلاء الأفراد الذين وقعت عليهم أن يعفو عما يمسهم، ويتصل بحقوقهم، وللقاضي بعد ذلك أن يعفو عن الجاني كلية. فإذا لم يعف الأفراد عما يتصل بحقوقهم من الجرائم التعزيرية، فإن للقاضي أن يعفو عن الجاني إذا رأى أن ذلك أصلح للمجتمع، وأنفع وهذا ما ذهب إليه فقهاء الشافعية١. أما ما عليه الجمهور، فإنه لا يجوز للقاضي أن يعفو عما يتصل بحقوق العباد من جرائم تعزيرية إلا بموافقتهم٢. ثانيًا: مدى ما للقاضي من سلطة حيال العقوبة الحدية ذهب فقهاء أهل السنة، ومن وافقهم إلى أن جرائم القسم الأول ذات العقوبة المحددة، إذا رفع أمرها للقاضي، وثبتت عنده لم يكن له

стр. 37

سوى الحكم بعقوبتها، وإنفاذها على الجاني عملًا بقول الرسول ﷺ : "تخافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب"، كما بين ذلك رسول الله ﷺ في قوله: "إنما أهلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفس محمد بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها" ١، فقد أفاد الحديث بجانب التسوية بين الناس "الزام السارق الحد"، فالسيدة فاطمة -رضي الله تعالى عنها-، وهي من أشراف القوم وسادتهم بين ﷺ أنه لو كان منها هذه الجناية الحدية لإلزمها العقوبة، وأقامها عليها، ولم يكن له وهو النبي الموحي إليه بالشرع أن يعفي أحب الناس إليه من العقوبة الحدية إذا لزمتها. أما فقهاء الشيعة الزيدية، فقد أجازوا للإمام إسقاط الحدود عن بعض الناس إذا كان ذلك لمصلحة. وله أيضا تأخيرها إلى وقت آخر لمصلحة، كما أجاز بعضهم للإمام إسقاط القصاص إذا كان فيه مصلحة٢. والقائلون بذلك لم يقدموا دليلًا على ما ذهبوا إليه سوى ما ساقوه من أن النبي ﷺ ، أخر قتل بني قينقاع حين طلب ذلك منه عبد الله بن أبي أكثر من مرة. ودليلهم هذا وإن صلح الاستدلال به على جواز تأخير إقامة الحد لمصلحة ما -وهذه قضية لا خلاف عليها؛ لأن النبي ﷺ قد أخر إقامة بعض الحدود لظروف خاصة بمن سيقام عليها الحد-٣

стр. 38

إن صلح الاستدلال بذلك على تأخير إقامة الحد، فإنه لا يصلح دليلًا على جواز إسقاط الحدود بعد لزومها، بل هو دليل على إلزام الحد إذا وجهت اقامته، وثبتت على الجاني جنايته. أما جرائم القسم الثاني ذات العقوبة التعزيرية، فقد خول الشرع الشريف لولي الأمر فيها سلطات واسعة، بحيث يلائم بين الجريمة، وعقوبتها بما يراه رادعًا للجاني محققًا أمن المجتمع، مراعيًا لكل ما يحيط بالجريمة، والمجرم من ظروف وملابسات، وبخاصة في الجرائم التي يترتب عليها حق لأحد الأفراد. أما إذا ترتب على الجريمة حق لأحد الأفراد، كان على ولي الأمر مراعاة هذا الحق بدقة، وإلزام الجاني بما يكفل لصاحب الحق استيفاء حقه١، ويلاحظ في ذلك كله أن يكون دافع القاضي مراعاة الله ، وإصلاح شأن الأمة.

стр. 39

المطلب الثالث: أقسام الجريمة باعتبار الحق المعتدى عليه تنقسم الجريمة باعتبار المعتدى عليه إلى أقسام عدة١ منها ما يأتي:

стр. 40

أولًا جرائم يقع الاعتداء، فيها على حق الله تعالى، وهو الحق الذي يخص المجتمع، ويتعلق به الصالح العام. والجرائم التي تقع على هذا الحق تلحق ضررًا عامًا بأمن المجتمع، وسلامته مع ما تحمله في طيها من اعتداء على شخص، أو أكثر من أفراد المجتمع، غير أن الشارع قد نظر إلى ما في هذا النوع من الجرائم من ضرر عام، وعنى به وقدمه عند محاكمة الجاني، وإلزامه العقوبة. والاهتمام بهذا الحق العام أهتمام للشخص ورعاية له، كما أن تغليب الحق العام ينتج فوائد جمة، ويحقق مصالح الجميع. كما أن مثل هذه الجرائم تعامل معاملة خاصة من حيث الشكل القضائي، وسمات العقوبة ولزومها للجاني، وعدم جواز العفو عنه، إلى آخر ما يترتب على ذلك، فجريمة الزنا مثلًا قد تقع بين رجل لم
следующие страницы →