← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9979

الشبهات وأثرها في العقوبة الجنائية في الفقه الإسلامي مقارنا بالقانون

منصور الحفناوي

Полный текст (668 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وما بقي للآدمي بعد الحكم بالعقوبة هو ملكيته لما سرق منه إن شاء طالب به، وإن شاء تنازل عنه. أما بالنسبة لجرائم القسم الثاني، وهي الجرائم التعزيرية، فإن منها جرائم لا تقبل العفو فيها -وعفو المجني عليه في هذه الجرائم، وإن كان لا يسقط العقوبة كلية، إلا أنه يعد من الظروف المخففة عن الجاني. والجرائم التي لا تقبل العفو فيها -مع اعتبار العفو فيها ظرفًا مخففًا هي الجرائم التي تمس حقوق المجتمع. أما الجرائم التي تقع على الأفراد، ويعاقب عليها تعزيريا، فإن من حق هؤلاء الأفراد الذين وقعت عليهم أن يعفو عما يمسهم، ويتصل بحقوقهم، وللقاضي بعد ذلك أن يعفو عن الجاني كلية. فإذا لم يعف الأفراد عما يتصل بحقوقهم من الجرائم التعزيرية، فإن للقاضي أن يعفو عن الجاني إذا رأى أن ذلك أصلح للمجتمع، وأنفع وهذا ما ذهب إليه فقهاء الشافعية١. أما ما عليه الجمهور، فإنه لا يجوز للقاضي أن يعفو عما يتصل بحقوق العباد من جرائم تعزيرية إلا بموافقتهم٢. ثانيًا: مدى ما للقاضي من سلطة حيال العقوبة الحدية ذهب فقهاء أهل السنة، ومن وافقهم إلى أن جرائم القسم الأول ذات العقوبة المحددة، إذا رفع أمرها للقاضي، وثبتت عنده لم يكن له

стр. 37

سوى الحكم بعقوبتها، وإنفاذها على الجاني عملًا بقول الرسول ﷺ : "تخافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب"، كما بين ذلك رسول الله ﷺ في قوله: "إنما أهلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفس محمد بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها" ١، فقد أفاد الحديث بجانب التسوية بين الناس "الزام السارق الحد"، فالسيدة فاطمة -رضي الله تعالى عنها-، وهي من أشراف القوم وسادتهم بين ﷺ أنه لو كان منها هذه الجناية الحدية لإلزمها العقوبة، وأقامها عليها، ولم يكن له وهو النبي الموحي إليه بالشرع أن يعفي أحب الناس إليه من العقوبة الحدية إذا لزمتها. أما فقهاء الشيعة الزيدية، فقد أجازوا للإمام إسقاط الحدود عن بعض الناس إذا كان ذلك لمصلحة. وله أيضا تأخيرها إلى وقت آخر لمصلحة، كما أجاز بعضهم للإمام إسقاط القصاص إذا كان فيه مصلحة٢. والقائلون بذلك لم يقدموا دليلًا على ما ذهبوا إليه سوى ما ساقوه من أن النبي ﷺ ، أخر قتل بني قينقاع حين طلب ذلك منه عبد الله بن أبي أكثر من مرة. ودليلهم هذا وإن صلح الاستدلال به على جواز تأخير إقامة الحد لمصلحة ما -وهذه قضية لا خلاف عليها؛ لأن النبي ﷺ قد أخر إقامة بعض الحدود لظروف خاصة بمن سيقام عليها الحد-٣

стр. 38

إن صلح الاستدلال بذلك على تأخير إقامة الحد، فإنه لا يصلح دليلًا على جواز إسقاط الحدود بعد لزومها، بل هو دليل على إلزام الحد إذا وجهت اقامته، وثبتت على الجاني جنايته. أما جرائم القسم الثاني ذات العقوبة التعزيرية، فقد خول الشرع الشريف لولي الأمر فيها سلطات واسعة، بحيث يلائم بين الجريمة، وعقوبتها بما يراه رادعًا للجاني محققًا أمن المجتمع، مراعيًا لكل ما يحيط بالجريمة، والمجرم من ظروف وملابسات، وبخاصة في الجرائم التي يترتب عليها حق لأحد الأفراد. أما إذا ترتب على الجريمة حق لأحد الأفراد، كان على ولي الأمر مراعاة هذا الحق بدقة، وإلزام الجاني بما يكفل لصاحب الحق استيفاء حقه١، ويلاحظ في ذلك كله أن يكون دافع القاضي مراعاة الله ، وإصلاح شأن الأمة.

стр. 39

المطلب الثالث: أقسام الجريمة باعتبار الحق المعتدى عليه تنقسم الجريمة باعتبار المعتدى عليه إلى أقسام عدة١ منها ما يأتي:

стр. 40

أولًا جرائم يقع الاعتداء، فيها على حق الله تعالى، وهو الحق الذي يخص المجتمع، ويتعلق به الصالح العام. والجرائم التي تقع على هذا الحق تلحق ضررًا عامًا بأمن المجتمع، وسلامته مع ما تحمله في طيها من اعتداء على شخص، أو أكثر من أفراد المجتمع، غير أن الشارع قد نظر إلى ما في هذا النوع من الجرائم من ضرر عام، وعنى به وقدمه عند محاكمة الجاني، وإلزامه العقوبة. والاهتمام بهذا الحق العام أهتمام للشخص ورعاية له، كما أن تغليب الحق العام ينتج فوائد جمة، ويحقق مصالح الجميع. كما أن مثل هذه الجرائم تعامل معاملة خاصة من حيث الشكل القضائي، وسمات العقوبة ولزومها للجاني، وعدم جواز العفو عنه، إلى آخر ما يترتب على ذلك، فجريمة الزنا مثلًا قد تقع بين رجل لم

стр. 41

يسبق له الزواج وامرأة مثله غير متزوجة، ولا يوجد في قرابتها أحد، وفي مكان يجوز أن لا ينكر عليهما أحد ممن فيه هذا الفعل، كما أنهما أتيا هذه الجريمة عن رغبة واختيار، ففي ظل ذلك كله قد خلت الجريمة في الظاهر عن الاعتداء الشخصي، ولكنها مع ذلك لم تخل عن الاعتداء على حق المجتمع الإسلامي بصفة خاصة، والمجتمع الإنساني بصفة عامة، فهذه الجريمة قد خالفت ما عليه السلوكي، والأخلاقي من وحهة النظر الإسلامي بصفة خاصة، ووقع بقيامها اعتداء على الأعراض مما يعرض نظام الحياة إلى الخلل والفوضى. لذا تولى المشروع الحكيم بيان كل ما يحيط بهذه الجريمة، وتحديده تحديدًا بينا من أول أفعالها حتى تنفيذ العقوبة بمن وقعت منه هذه الجريمة، وما ماثلها من جرائم متعلقة بالاعتداء على المجتمع، والواقعة على الحق العام. ثانيًا: جرائم يقع الاعتداء فيها على حق الله ، وحق للعبد غير أن حق العبد هنا غلبه الشرع وقدمه. ومن هنا فمع أن الله هو الذي تولى تحديد عقاب مثل ذلك من جرائم القصاص، وما دار في فلكها، وحدد سمات التقاضي فيها، وبين العقوبة وأمر بإنفاذها بالصورة التي حددها، مع ذلك فإن المشرع الحكيم مراعاة منه لحق العبد المعتدى عليه، وأوليائه من بعده. جعل لهم حق إسقاط هذه العقوبة التي حكم بها على الجاني إذا أرادوا ذلك وطلبوه، سواء عوضوا عنه أو لم يعوضوا. وما ذلك من الشارع إلا مراعاة لما للعبد من حق، فإذا عفا صاحب الحق اعتبر عفوة، وترتب عليه إسقاط العقوبة عن الجاني، لتحقق هدف المشرع من شفاء صد المجني عليه، وراحة نفسه.

стр. 42

أما في النوع الأول، وهو الاعتداء على حق خالق لله خالص بالمجتمع، فالضرر قد وقع عامًا، ولذا فإنه لا يقبل عفو من وقع عليه الضرر المباشر؛ لأن دائرة من أصيبوا بالضرر قد تخطت حدود من أصيب مباشرة بالجريمة، وشملت المجتمع بأسره، ولا يتصور العفو من كل فرد في المجتمع عما أصابه حتى، وإن أمكن تصور ذلك فإنه قد بقي الاعتداء على حق الله ، وليس من سلطان لأحد حينئذ بحيث يعفو عن الجاني أو يسامحه؛ لأن ذلك لله وحده. ثالثًا: جرائم يقع الاعتداء فيها على حق الله ، وحق للعبد غير أن حق العبد المعتدى عليه، وإن كان ظاهرًا وواضحًا، إلا أن حق الله قد غلبه، وذلك كما في جريمة القذف، فهذه الجريمة وقع الاعتداء فيها على حق الله ، وحق للعبد. غير أن المشروع غلب حق الله لما يترتب على هذه الجريمة من إشاعة الفاحشة، والتشكيك في الأعراض والأنساب. لذا فإن أمر هذه الجريمة إذا وصل إلى القاضي، فلا شفاعة ولا عفو ولكن لا بد من إنفاذ العقوبة المقدرة عقابًا لمن أجرم بقذفه غيره، هذا في الدنيا ولقد أخبر الله سبحانه عن عذاب القاذف أيضًا في الآخرة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢. بل إن من الفقهاء من ذهب إلى عد جريمة القذف من الجرائم

стр. 43

التي يقع الاعتداء فيها على حق خالص لله ، ووجهة نظر فقهاء الأحناف في قولهم بذلك أن حقوق العباد هي التي تجب فيها العقوبة بطريق المماثلة بين ما وقع من الجاني، وما يعاقب به، كما هو الحال في جرائم القصاص، أما ما لا تجب فيه العقوبة على أساس المماثلة بين الجريمة، وما يلزم به الجاني، فإنها كلها جنايات وقعت على حق الله، وكل جناية يرجع فسادها إلى العامة، ومنفعة جزائها تعود إلى العامة، يكون الجزاء الواجب فيها حقا لله تعالى عز شأنه على الخلوص، تأكيدًا للنفع والدفع كيلا يسقط بإسقاط العبد، وهو معنى نسبة هذه الحقوق إلى الله ﵎، وهذا المعنى موجود في حد القذف؛ لأن مصلحة الصيانة ودفع الفساد يحصل للعامة بإقامة هذا الحد، فكان حق الله تعالى عز شأنه على الخلوص كسائر الحدود، إلا أن الشرع شرط فيها الدعوى من المقذوف، وهذا لا ينفي كونه حق لله شأنه على الخلوص كحد السرقة، لا ينفي أنه خالص حق لله تعالى عز شأنه اشتراط الدعوى فيه. ولأن المقذوف يطالب القاذف ظاهرًا، وغالبًا دفعا للعار عن نفسه، فيحصل ما هو المقصود من شرع الحد؛ ولأن حقوق العباد تجب بطريق المماثلة إما صورة ومعنى، وإما معنى لا صورة؛ لأنها تجب بمقابلة المحل جبرًا، والجبر لا يحصل إلا بالمثل، ولا مماثلة بين الحد والقذف لا صورة ولا معنى، فلا يكون حقه. وأما حقوق الله ، فلا تعتبر فيها المماثلة؛ لأنهما تجب جزاء للفعل كسائر الحدود١. وتعليل فقهاء الأحناف هذا، وإن كان له وجاهته إلا أنه غير ما عليه الجمهور، كما أنه لا بد من مراعاة ما بين الجرائم من مغايرة من حيث ما يتبع من إجراءات التقاضي؛ لأنها أمور جوهرية، ولازمة لا بد

стр. 44

من مراعاتها، وهذه الأمور الإجرائية تنتج نوعًا من الفروق بين الجرائم الحدية بعضها البعض. وتظهر أن منها ما تقام الدعوى فيه حسبة، ومنها ما لا تقام الدعوى فيه كذلك، وإنما لا بد من أن ترفع من المجني عليه. وهذه كلها أمور يترتب عليها كثير من النتائج، كما أن المقذوف قد يحجم عنه رفع الدعوى صيانة لعونه، عن أن تلوكه الألسنة، ويشاع ما قدف به. وفي هذه الحالة لا تقام الدعوى الحدية على الجاني، ولا يلزم بعقوبة جنائية. هذه هي أقسام الجريمة باعتبار الحق المعتدى عليه، الوثيقة الصلة بموضوع هذا البحث. ولكل قسم من هذه الأقسام سماته الخاصة التي يغاير غيره من باقي الأقسام فيها كلها أو في بعضها، وهذه المغايرة يترتب عليها بعض الآثار، والمحصلات من حيث: أ: لزوم الخصومة أو عدم لزومها. ب: مواصفات الإثبات. ج: التقادم وما يترتب عليه. د: التوبة وما ينتج عنها من آثار. "أ- الخصومة وممن تشترط" إذا كان الحق المعتدى عليه حقًا خالصًا لله ، فإن الخصومة غير لازمة، بمعنى أنه لا يلزم لإقامة الحد أن يطالب به فرد

стр. 45

من الأفراد، ويكفي أن تثبت الجريمة على الجاني عند القاضي سواء أكان عن طريق المحتسب، أم إقرار الجاني مثلًا. أما إذا كان الحق المعتدى عليه للعبد حق فيه، فإن أبا حنيفة، والشافعي، وابن حنبل يشترطون قيام الخصومة ممن له نصيب في الحق المعتدى عليه، فإذا لم توجد الخصومة، فلا يلزم الجاني بالعقوبة الحدية حتى وإن أقر على نفسه، فلو جاء سارق مقرًا بجريمته، فإنهم لا يلزمونه الحد إلا إذا قامت الخصومة؛ لأن قيام الخصومة عندهم شرط لظهور السرقة، والخصم هو المسروق منه، فلا بد من حضوره مخاصمًا السارق؛ لأن المال يباح بالبذل والإباحة، فيحتمل أن مالكه أباحه إياه أو وقفه على المسلمين، أو على طائفة السارق منهم، أو أذن له في دخول حرزه، فاعتبرت المطالبة لتزول هذه الشبهة١. أما الإمام مالك وأبو ثور، فإنهما يريان أن السارق يقطع، ولا يفتقر إلى دعوى ولا مطالبة، إذ إن قيام الخصومة عندهما ليست بشرط لاسيتفاء الحد. وأكثر من ذلك يرى أن الإمام مالك أن السارق إذا جاء مقرًا بسرقته، فكذبه رب المال المسروق، فإن السارق يقطع أيضًا ويصير المتاع المسروق للسارق، إلا أن يدعيه ربه بعد ذلك. وكذا يقطع السارق إذا أخذ في الليل المتاع المسروق، وقال السارق: رب المتاع أوصلني لأخذه، فلا يصدق ولو صدقه رب المتاع أنه أرسله لكنه إذا أتى بما يشبه، فإنه يصدق ولا يقطع، بأن دخل من مداخل الناس

стр. 46

وخرج من مخارجهم في وقت يشبه أنه أرسله فيه١. وما ذهب إليه الأئمة أبو حنيفة، والشافعي، وابن حنبل هو ما أرجحه لقيام شبهة الإباحة، فقد يكون المال المسروق قد أباحه مالكه للسارق، أو جعل له حقًا فيه. واستنادًا لما روي من أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إني سرقت جملًا لبني فلان، فطهرني فأرسل رسول الله ﷺ إليهم، إنا افتقدنا جملًا لنا، فأمر به النبي ﷺ فقطعت يده٢. فلو لم تكن الخصومة شرطًا لإقامة الحد هنا لما أرسل النبي ﷺ لأصحاب الجمل حتي يحضروا، ويسألهم فيؤكدوا ما وقع تأكيدًا على سبيل الخصومة. ب- مواصفات الإثبات: حدد الشارع الحكيم طريق إثبات الجرائم الحدية تحديدًا لا مجال معه لإضافة أو انتقاص، فقد بين عدد شهود إثبات كل جريمة ومواصفاتهم، وصيغة شهادتهم، وبين الأقرار وحدد ما يكون به ملزمًا كل ذلك وما يتعلق به، وصحة الشارع بطريقة لم يرد عن فقيه من الفقهاء إن قال بما يغايرها، كل ما هنالك أن منهم من حاول التدقيق التماسًا للشبهة، ودفعًا للعقوبة.

стр. 47

فقد اشترط فقهاء الأحناف لإثبات الجريمة المتعلقة بحق الله عن طريق الإقرار، أن يكون إقراره بعد الشهود الذين حدد الشارع عددهم لإثبات الجناية الحدية. فقد نقل عنهم: فلما أوجب سبحانه في الشهادة على الزنا أربعة على خلاف المعتاد في غيره، فكذا يعتبر في إقراره، إنزالًا لكل إقرار منزلة شهادة واحدة، ولو لم يكن ذلك لكان القياس يقتضيه١. وقولهم: "إن كل ما يسقط بالرجوع عن الإقرار، فعدد الإقرار فيه كعدد الشهود٢، وفقهاء الأحناف لم يشترطوا ذلك في الإقرار بحق العبد"٣. وما ذهب إليه فقهاء الأحناف هنا لم يتشرطه الإمام مالك، والإمام الشافعي سواء أكنت الجناية قد وقعت على حق خالص لله ، أم على حق شاركه فيه العبد٤. كما أن الإمام الشافعي قد أجاز إثبات جناية القذف بنكول القاذف عن اليمين، وألزمه العقوبة الحدية بنكوله٥.

стр. 48

هذا ما ذهب إليه الفقهاء، في اعتبار التسوية بين عدد الشهود، وعدد مرات الإقرار تسوية لازمة. أما من حيث الرجوع عن الإقرار، فإن فقهاء الأحناف والحنابلة قد رأوا أن الرجوع عن الإقرار يسقط الحد الواجب على من اعتدى على حق من حقوق الله . أما جمهور فقهاء الشافعية، فقد نقل عنهم: أن المقر إذا أقر بحق لله تعالى لا يسقط بالشبهة، ثم رجع في إقراره لم يقبل رجوعه؛ لأنه قد أقر بحق ثبت لغيره، فلم يعد يملك إسقاطه بغير رضاه، وإن أقر بحق لله يسقط بالشبهة نظر، فإن كان حد الزنا، أو حد الشرب قبل رجوعه١. أما الإمام مالك، فقد فصل القول في ذلك بأنه إذا كان الرجوع لشبهة قبل، وأما إن كان إلى غير شبهة فقد وردت عنه، روايتان إحداهما يقبل وهي الرواية المشهورة، والثانية لا يقبل رجوعه٢. وقد ذهب ابن أبي ليلى٣، وأبو ثور٤ وغيرهما إلى عدم

стр. 49

قبول الرجوع عن الإقرار بذلك، نظرًا؛ لأنه حق ثبت بالإقرار، فلا يسقط بالرجوع كالقصاص وحد القذف. وما ذهبوا إليه مردود بما روي أن النبي ﷺ قد عرض للمقر بالرجوع بإعراضه عنه، ولو لم يكن لذلك التعريض فائدته لما فعله النبي ﷺ -١، وسيأتي الحديث عن ذلك مفصلًا عند بيان الرأي في الرجوع عن الإقرار٢. هذا بالنسبة للرجوع عن الإقرار بحق من حقوق الله ، أما الرجوع عن الإقرار بحق العبد، فإنه لا يلتفت إليه، ولا يسقط ما ألزم المقر به نفسه. وفرق من أسقط بالرجوع عن الإقرار حق الله ، ولم يسقط بالرجوع حق العبد، بأن الرجوع في الأول خبر يحتمل الصدق، وليس أحد يكذبه فيه، فتتحقق به الشبهة في الإقرار السابق عليه، فيندرئ بالشبهة؛ لأنه أرجح من الإقرار السابق. بخلاف ما فيه حق العبد من القصاص وحد القذف؛ لأن العبد يكذبه في أخباره الثاني، فينعدم أثره في إخباره الأول بالكلية٣. ج- التقادم وما يترتب عليه: قبل نظر الدعوى أو الحكم فيها، أو بعد صدور الحكم. أ: يراد بالتقادم هنا أن تمضي مدة كان يمكن للمدعي أن يتقدم

стр. 50

خلالها بدعواه للقاضي لم يتقدم بها، مع عدم وجود مانع يمنعه١. والفقهاء قد فرقوا حينئذ بين أن قيام الدعوى حسبة، أو من المجني عليه، ويتم إثباتها عن طريق البينة، وبين أن يكون الجاني هو الذي أتى مقرًا بجنايته رافعًا أمره للقاضي طالبًا تطهير نفسه. وقد رأي الفقهاء عدا ابن أبي ليلى أن التقادم لا يؤثر إذا جاء الجاني مقرًا على نفسه بجنايته؛ لأنه والحالة هذه يسند لنفسه ما يلزمه العقوبة الحدية التي قد يترتب عليها القضاء عليه، ومثل من يقدم على ذلك لا يتصور منه الكذب على نفسه. هذا بالنسبة للإقرار بالجرائم الحدية المتقادمة عدا جريمة شرب الخمر، إذ إن الإمام أبو حنيفة، وصاحبه أبو يوسف قد رأيا أن

стр. 51

الإقرار بها متقادمة لا يترتب عليه إلزام المقر بها عقوبتها الحدية١. ومن الفقهاء من يرى أن الحدود جميعها تسقط بالتقادم، فلا تقام عقوبتها المقدرة على الجاني سواء أجاء مقرًا بجنايته المتقادمة، أم أقيمت عليه الدعوى، وتم إثباتها بالبينة. وأساس ذلك القول عند من يراه: أن الهدف من إقامة الحدود هو الردع، والزجر للجاني وغيره، وذلك -في رأي من قال بهذا القول- لن يتحقق إلا إذا أقيمت العقوبة الحدية فور وقع الجريمة الموجهة لها. كما أن التأخير -في رأيهم- قد يتأتى معه توبة الجاني، وإقراره بجنايته بعد فوات مدة تعد تقادما عليها، ما هو إلا دليل على توبته، وطلبه التطهير من كل ما علق به، حتى وإن كانت نتائجه إزهاق روحه. وعقاب من أصحاب هذه حالة عقاب لنفس ثابت، وأنابت وعادت إلى رشدها، وأتبعت طريق ربها وهديه٢.

стр. 52

وهذا الرأي، وإن كانت له وجاهته مما جعل الماوردي١، وأبا يعلي٢ وابن قيم الجوزية٣ يرونه، إلا أنه رأي يحتاج إلى دليل؛ لأن القول بأن الهدف من الحدود هو الردع، والزجر لم يسلم به كل الفقهاء كما سيأتي. كما أن مسألة التوبة هذه لا تصلح شبهة لدرء الحد؛ لأن ادعاءها أمر يسهل على الجاني، والتحقق من صدقه أمر غير ميسور؛ لأن ذلك سر بين العبد وربه، ولا يلعم السر أو يحصل ما في الصدور إلا الله.

стр. 53

ولو كان الأمر، كما رأى أصحاب هذا الرأي، الذي يسقط الحدود بالتقادم لسأل رسول الله ﷺ ، من جاءه معترفًا بالزنا متى زنيت لجواز أن يكون إقراره بزنا قديم، لكنه لم يسأله، وليست هناك قرينة تدل على حداثة الواقعة كما أن هذا المقر لا يشك أحد في توبته؛ لأن رسول الله ﷺ قد أخبر أن توبته لو تابها أهل مكس١ لغفر لهم، ومع ذلك أقيم عليه الحد هذا هو أثر التقادم في الإقرار بالجناية الحدية المتقادمة. أما إقامة دعوى بالجناية المتقادمة، وإثبات هذه الجناية الحدية، عن طريق البينة، فللفقهاء فيها آراء. ١- يرى فقهاء الأحناف، وابن أبي ليلى القول بعدم سماع شهادة على جريمة حدية قيدمة، وقع الاعتداء فيها على حق من حقوق الله ، وذلك؛ لأن الشهادة بهذه الجرائم تؤدي حسبة، ولا يلزم أن يسبقها دعوى من أحد، فإذا تأخر الشهود من غير عذر مقبول، حامت الشبهات حول شهادتهم، وشهادة مثل هذه لا يثبت بها حد من حدود الله سبحانه وتعالى٢. أما الجرائم الحدية القديمة التي تتعلق بحق العبد، فإن الشهادة تسمح فيها وتثبت الجناية بها، ويلزم الجاني بما يترتب على جناية. وذلك مبني على أساس أن مثل هذه الجرائم يلزم أن تقام الدعوى

стр. 54

بها من جانب الحق المعتدى عليه حتى يمكن أن تسمح الدعوى، والشهادة بها. وعلى هذا فإن تأخر قيام الدعوى من جانب المجني عليه، لا يعد مطعنًا في صحة ما يدلي به الشهود، ولا تقوم به شبهة في شهادتهم١. ٢- يرى الأئمة مالك، والشافعي، وأحمد بصحة سماع الشهادة على الجرائم الحدية القديمة، والحكم بمقتضاها بالعقوبة الحدية، سواء أوقعت هذه الجريمة الحدية المتقادمة على حق من حقوق الله ، أم على حق من حقوق العبد. أما بالنسبة لسماع الشهادة بالجريمة الحدية المتقادمة الواقعة على حق العبد، والاعتداد بها، فقد سبق الحديث عنه، ولم يختلف الفقهاء عليه أما بالنسبة لما وقع على حق من حقو الله ، فإن الأئمة مالكا والشافعي، وابن حنبل قد قاسوه بما وقع على حقوق العبد. وقالوا: ما دام التقادم لا يمنع سماع الشهادة بما وقع من جرائم حدية على حق من حقوق العباد، والاعتداد بها في إلزام الجاني بالعقوبة الحدية المقررة لجنايته، فإنه لا يوجد ما يمنع سماعها أيضًا في حقوق الله ، ما دام الشهود عدولًا غير مطعون في عدالتهم. والتأخير وحده في آداء الشهادة لا يكفي لرد شهادتهم، وعدم الاعتداد بها٢.

стр. 55

وقياس أصحاب هذا الرأي حقوق الله على حقوق العباد في جواز سماع الشهادة بالجناية المتقادمة، والعمل بمقتضاها قياس فيه نظر. وذلك؛ لأن الإعتداء على حق من حقوق الله ، يمكن أن تقام الدعوى به حسبة، بخلاف الاعتداء على حق العبد، فالتأخير إذا كان في قيام الدعوى إذا اعتدى على حق من حقوق الله ، مع انعدام ما يبرر التأخير، يورث شبهة، ويوجد شكا. والحدود تدرأ بالشبهات. كما أن الشهود لو طلبوا لأداء الشهادة بجناية حدية، وقعت على حق العبد، فتأخروا في الحضور دون سبب مقبول لتأخرهم، ثم جاءوا بعد مرور مدة تعد تقادمًا، فإن شهادتهم والحالة هذه تصبح مشوبة بشك، وشبهة، فهم متهمون -لذا، فإنه لا تثبت بها الجريمة الحدية، ولا يلزم بها عقوبة مقدرة، وكل ما يلزم بها في جريمة السرقة هو رد المال فقط، ولا يلزم بها حد في باقي الجرائم الحدية. لقيام الشبهة في الشهادة المتأخرة، هذا مع عدم تحقق التهمة بالنسبة للشهود، أما إذا تحققت التهمة، فإن شهادتهم ترد لاتهامهم بها شيء من مال، أو حد١. ب- آراء الفقهاء في تنفيذ الحكم المتقادم: ذهب الإمام أبو حنيفة، والصاحبان إلى أن تأخير تنفيذ الحكم بالعقوبة الحدية، التي ألزم بها الجاني نتيجة شهادة الشهود عليه بجنايته التي ارتكبها باعتدائه على حق الله تعالى الخالصة بترتب على هذا التأخير منع إقامة هذه العقوبة الحدية.

стр. 56

أما إذا كانت الجناية قد وقعت على حق من حقوق العباد، فإن تأخير تنفيذ العقوبة الحدية لا يترتب عليه أي أثر، ويلزم الجاني بها متى أمكن تنفيذها عليه. وقد بنى الإمام أبو حنيفة، ومن وافقه قولهم هذا على أساس أن الإمضاء عندهم من القضاء بحقوق الله ، بخلاف حقوق الآدميين، كما أن الحاكم بلا شبهة، وعلى هذا فإن الاستيفاء من تتمة القضاء، أو هو هنا إذا لم يحتج إلى التلفظ بلفظ القضاء حتى جاز له الاستبقاء من غير تلفظ به، بخلافه في حقوق العباد، فإنه فيها لإعلام من له الحق بحقية حقه، وتمكينه من استيفائه، وإذا كان كذلك كان قيام الشهادة شرطًا حال الاستيفاء، كما هو شرط حال القضاء بقح العباد إجماعًا، وبالتقادم لم تبق الشهادة، فلا يصح هذا القضاء الذي هو الاستيفاء، فانتفيى الاستيفاء١. أما الإمام مالك، والشافعي وابن حنبل، وزفر من فقهاء الأحناف، ومن وافقهم وهم الجمهور، فإنهم قد نفوا وجود أي أثر لتقادم الحكم يمنع تنفيذه متى أمكن التنفيذ على الجاني، ما دام لم يطرأ رجوع من الشهود عن شهادتهم التي أدين الجاني على أساس قيامها صحيحة متكاملة الأركان، والشروط عند نظر القضية أمام القاضي، فإذا حكم القاضي بالعقوبة الحدية، ولم يرجع الشهود عن شهادتهم لزمت الجاني العقوبة الحدية، متى أمكن تنفيذها عليه، ولا علاقة عندهم بين الاستيفاء

стр. 57

وحضور الشهود، أو غيابهم وكذا حياتهم أو موتهم؛ لأن المعول عليه عندهم هو قيام الشهادة على الجناية الحدية قيامًا صحيحًا حال القضاء، واستمرار ذلك دون رجوع من الشهود كما في الإقرار. أما إذا رجع الشهود عن شهادتهم، فإن رجوعهم هذا يترتب عليه وقف تنفيذ العقوبة الحدية، كما في الرجوع عن الإقرار أيضًا١، وسيأتي بيان ذلك مفصلًا٢. وما ذهب إليه جمهور الفقهاء هو الذي يناسب طبيعة العقوبة الجنائية، ويلائم أحوال الناس، وظروف الحياة. لأن إلزام الشهود بالحضور في أوقات متعددة فيه إثقال عليهم، وتعطيل لمصالحهم، ومدعاة وتحريض على عدم الإقدام على تحمل الشهادة، والإدلاء بها. وهذا أمر ملحوظ في الحياة اليومية إذ يقع كثير من الجرائم، والأحداث تحت سمع وبصر العامة، ولا يحاول أحد أن يمد يده ليمنعها حتى ولو بأداء الشهادة على الجاني، نظرًا لما يتبع ذلك من إلزام بالحضور للإدلاء بأقواله وشهادته بما رأى، وغالبًا ما يصيبه بسبب كثرة استدعائه للإدلاء بأقواله ضرر جسيم وتعطيل وإرهاق، ولهذا فإنه إذا حضر الشاهد، وأدى شهادته وحكم بمقتضاها، فليس هناك ما يدعو، لأن تلزمه بما لا يطيقه، وأن تشترط وجوده عند التنفيذ أيضًا، وعلى الأخص

стр. 58

إذا تقادم الأمر؛ لأن ذلك يوقع الإضرار به، ويدعوه إلى أن يكتم شهادته. بالإضافة إلى أن الفقهاء قد تحروا الدقة في طرق إثبات الجنايات الحدية إلى الحد الذي يكاد ينعدم فيه ذلك عن طريق شهادة الشهود. وقد ذهب الشيخ أبو زهرة إلى محاولة تغليب وجهة نظر الإمام أبو حنيفة، والصاحبين بقوله: ولعل الأولى أن تقول: إن التأخير عن التنفيذ يكون مظنه توبة المرتكب، والحكم في ذاته زجر، والناس يتزجرون بصدوره، وما يريد الله تعالى عذاب عبيده، ولكن يريد إصلاح قلوبهم ويطهر جمعهم، ولعلهم قاسوا حال التأخير في التنفيذ حتى هرب، ولم يعد إلا بعد زمن، بحال رجوع المقر في إقراره بعد الحكم، وقبل التنفيذ١. وهذا القول فيه نظر إذ إن الشيخ أبو زهرة قد بنى تغليب وجهة نظر الإمام، والصاحبيين على أساس أن من هرب مدة تعد تقادمًا قد انصلح قلبه، وبذا يكون الهدف قد تحقق، فلم يبق هناك داع لإقامة الحد الذي وصفه بأنه عذاب. إذ كيف يكون الهرب دليلًا على الصلاح؟ كما أنه لو كان إصلاح القلب هو هدف العقوبة وحده، لكان من انصلح قلبه من غير هروب بالعفو عنه ممن هرب حتى انصلح قلبه. هذا مع أن إصلاح القلب -وهو أمر لا يستطيع الوقوف عليه إلا من أعلمه الله- لا يكفي وحده لإسقاط العقوبة الحدية عمن لزمته، ولا أدل على ذلك مما سبق من أن رسول الله ﷺ قد

стр. 59

أقام الحد على أشخاص، أخبر بأنهم قد تابوا توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم. التقادم وأثره في القانون الوضعي: تحديث فقهاء القانون الوضعي عن التقادم، وأثره في إسقاط الاتهام في الدعوى، وإسقاط العقوبة المحكوم بها، وإن كانوا قد فرقوا بين المدة المعتبرة تقادمًا مسقطًا بالنسبة للحاليين، وكذا بالنسبة لكل عقوبة، فقد نصت المادة ١٥ من قانون الإجراءات الجنائية على ما يأتي: تنقضي الدعوى الجنائية في مواد الجنايات بمضي عشر سنين من يوم وقوع الجريمة، وفي مواد الجنح بمضي ثلاث سنين، وفي مواد المخالفات بمضي سنة ما لم ينص القانون على خلاف ذلك. كما نصت المادة ٥٢٨ من قانون الإجراءات الجنائية على ما يأتي: تسقط العقوبة المحكوم بها في جناية بمضي عشر سنين ميلادية إلا عقوبة الإعدام، فإنها تسقط بمضي ثلاثين سنة، وتسقط العقوبة المحكوم بها في جنحة بمضي خمس سنين، وتسقط العقوبة المحكوم بها في مخالفة بمضي سنتين١، هذا وإن التقى أثر التقادم في القانون مع ما قرره فقهاء الشريعة إلا أن هناك فروقًا جوهريرة سأشير إليها فيما يأتي:

стр. 60

التقادم بين الشريعة والقانون: تمثل الفروق الجوهرية بين مقالة فقهاء الشريعة، ورجال القانون في التقادم، وما له من أثر، فيما يأتي: أولًا: من حيث المادة المعتبرة تقادمًا: وضح مما سبق عرضه أن من الفقهاء من حدد مدة معينة للتقادم تصل في أقصاها إلى ستة أشهر، وقد ذهب الإمام أبو حنيفة، ومن رافقه إلى أن تحديد المدة المعتبرة تقادمًا أمر متروك للقاضي، أو لولي الأمر بقدراته حسبما تقتضي الوقائع والأحوال١. أما رجال القانون، فقد حددوا المدة المعتبرة تقادمًا سواء أكان ذلك بالنسبة لانقضاءالدعوى، أم بالنسبة لإسقاط العقوبة تحديدًا وضح منه مدى القارق الزمني ما حدده بعض الفقهاء، وما حدده القانون٢. وإن كان الإمام أبو حنيفة، ومن وافقه قد ترك الأمر في التحديد لولي الأمر، أو القاضي ولم ينص على مدة معينة. وما ذهب إليه أبو حنيفة له وجاهته، إذ أنه قد عالج الأمر علاجًا مناسبًا لاحظ فيه الوقائع والأشخاص. ورجال القانون وإن لاحظوا فيما حددوه اختلاف المدة المعتبرة تقادمًا باختلاف التكييف القانوني للواقعة، إلا أنهم قد ساووا بين الأشخاص والبلاد، ولم يراعوا اختلاف الطبائع والعادات، ويبين

стр. 61

مما سبق أيضًا أن فقهاء الشريعة لم يفرقوا بين المدة المعتبرة تقادمًا مسقطًا لإقامة الدعوى، وما يعد مسقطًا للعقوبة الحدية المحكوم بها، إلا ما جاء خاصًا بجناية شرب الخمر كما سبق. أما رجال القانون، فإنهم قد فرقوا بين ما يعد تقادما مؤثرًا في إسقاط الدعوى، وبين ما يعد تقادمًا مؤثرا في إسقاط العقوبة المحكموم بها، بل غرقوا أيضا فيما يؤثر في الحالين باعتبار الكيف القانوني للواقعة والعقوبة؟ وهذا الأمر يحتاج إلى إعادة نظر، وتقنين يناسب كل واقعة، وظروفها بشرط أن يوكل ذلك لذويه، وأن يباعد بينه وبين الرغبات التي قد تخرجه عن إطار تحري العدالة. ثانيًا: باعتبار ما وقع عليه السلوك الإجرامي وضح مما سبق أن الجرائم الحدية التي وقع الاعتداء فيها على حق من حقوق العباد لا تتأثر بالتقادم، سواء من حيث سماع الدعوى، أو من حيث إلزام الجاني بما حكم به من عقوبة حدية، وإن تقادم الحكم لا يؤثر ما دام لم يوجد ما ينقضه من انتقاض في الإثبات، أو غيره عدا التقادم. أما ما وقع فيه الاعتداء حق من حقوق الله ، وجاء إثباته عن طريق شهادة الشهود، فقد ذهب فقهاء الأحناف، وابن أبي ليلى أن مثل ذلك يؤثر فيه التقادم سواء في سماع الدعوى به، أو في تنفيذ الحكم المتقادم الناتج عنه. أما فقهاء القانون، فإنهم لم يفرقوا بين ما وقع عليه السلوك الإجرامي من حيث هو حق للفرد أم للمجتمع.

стр. 62

فالسلوك الإجرامي بصفة عامة عند فقهاء القانون خاضع لتأثير التقادم فيه، كل ما هنالك اختلاف ما يعد تقادمًا مؤثرًا بإختلاف وصف هذا السلوك، ونوع العقوبة المحددة له. ولا يخفى ما في هذا السلوك الذي سلكه القانون من إضاعة كثير من حقوق الآدميين، الأمر الذي يترتب عليه غرس الاضطراب، وعوامل الفوضي بين صفوف المجتمع، وإشاعة الأحقاد فيه. ثالثًا: من حيث التلازم بين عدم سماع الدعوى وزوال آثار الجريمة، من ذهب من فقهاء الشريعة إلى عدم سماع الدعوى في جريمة من الجرائم المتقادمة التي وقع الاعتداء فيها على حق من حقوق الله ، لم يقل بإسقاط كل ما للجريمة من آثار بالنسبة للجاني. فمن لم يلزم الجاني في جريمة الزنا -إذا تقادمت- العقوبة الحدية لا يلزم الشهود الذين جاءوا يشهدون عليه بها -بعد فوات مدة تعد تقادمًا- عقوبة القذف. وذلك؛ لأن الجريمة وإن سقطت إقامة الدعوى بها لتقادمها إلا أن آثارها باقية. لذا فلا تقوم في حق الشهود عليها جريمة قذف للجاني. أما فقهاء القانون، فإنهم يرون أن إسقاط الدعوى يسقط معه كل آثارهما أما إسقاط العقوبة، فإن من أسبابه ما يقتصر على إسقاط العقوبة فقط، وتبقى الآثار، ومنها ما يمحو كل الآثار الجنائية١.

стр. 63

رابعًا: من حيث إمكان إلزام الجاني عقوبة من نوع آخر ذهب من يعمل أثرًا للتقادم من فقهاء الشريعة الإسلامية إلى أن من سقطت الدعوى بالجريمة الحدية في حقه، أو زالت عنه العقوبة الحدية المحكوم عليه بها، لتقادم ذلك بالنسبة له، يمكن للقاضي أن يلزمه بعقوبة تعزيرية حسبما يرى. فسقوط سماع الدعوى، أو إلزام العقوبة للتقادم، لا ينفي حق القاضي في إلزام الجاني عقوبة من العقوبات التعزيرية المناسبة. أما فقهاء القانون، فلا يرون مثل ذلك، إذ أن من سقط سماع الدعوى في حقه، أو زالت عنه العقوبة للتقادم لا يمكن للقاضي أن يلزمه بعقوبة أخرى نظير جنايته، أو العقوبة التي سقطت لتقادم أي منهما. ولا يخفى ما في النظم العقابي الذي أخذ به فقهاء الشريعة في هذا الموضوع من علاج، وإصلاح للمجرم. إذ أن تركه بلا أي عقاب، قد يكون فيه بالنسبة لكثير من المجرمين تحريض على الجريمة، واستساغة لها طالما قد أعفي، ونجا من كل عقوبة بأمر من القانون نفسه.

стр. 64

د: التوبة وما ينتج عنها من آثار الجرائم: التي يأتيها الجاني إما أن تكون جرائم تعزيرية، أو جرائم حدية. والجرائم التعزيرية قد فوض الشارع فيها ولي الأمر في اختيار ما يناسب كل جريمة، ومن جناها من العقوبات. وعلى هذا فإن ولي الأمر إذا رأى أن الجاني قد تاب توبة ظهرت أماراتها، فإن له أن يعفو عنه، ويكفي ما كان من أمر إحضاره، أو حضوره لمجلس القضاء، ويطالب بما للآدميين من أموال، إن كانت جنايته قد أتت عليها إلا أن يسامحوه فيها. يدل على قبول التوبة، وإسقاط العقوبة التعزيرية بها ما ورد من أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا، فأقمه علي، ولم يسأله الرسول، وحضرت الصلاة، فصلى الرجل مع النبي ﷺ فلما انتهت الصلاة، قام الرجل، وقال: يا رسول الله إني أصبت حد، فأقم علي ما في كتاب الله قال ﷺ : "أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك، أو حدك". أخرجه البخاري ومسلم. وفي رواية: إني عالجت امرأة من أقصى المدينة، فأصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا فأقم علي ما شئت، فقال له عمر: لقد ستر الله عليك، لو سترت على نفسك١. فرسول الله ﷺ أسقط العقوبة عن هذا الرجل لتوبته التي رأى أماراتها في مجيئه تائبًا يطلب أن تقام عليه العقوبة.

стр. 65

والعقوبة هنا عقوبة تعزيرية بدليل ما جاء في الرواية الأخيرة، وأمرها هنا مفوض لولي الأمر. أما الجرائم الحدية، فإن ما وقع منها على حق العبد، فإنه لا أثر للتوبة فيه، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء. يقول الإمام الشافعي عند حديثه عن التوبة، وأثرها في إسقاط الحدود: "فإما حدود الآدميين من القذف وغيره، فتقام أبدًا لا تسقط"١. أما ما وقع من الجرائم الحدية على حق من حقوق الله ، فإن للفقهاء فيه مقالًا. إذ إن منه جرائم اتفق الفقهاء على إسقاط عقوباتها الحدية بالتوبة، ألا وهي جريمة الحرابة بشرط أن تكون من المحارب قبل القدرة عليه أخذا بما جاء من قول الله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. فالآية قد نصت على أن توبة المحارب قبل القدرة عليه تسقط عنه حد الحرابة.

стр. 66

أما ما لزمه من حدود أخرى، فإن بعض فقهاء الشافعية، والحنابلة قد قالوا بأن توبة المحارب قبل القدرة عليه يترتب عليها إسقاط كل ما لزمه من حدود، وقع الاعتداء على حق من حقوق الله . وقد أجاب الإمام الشافعي على ما يمكن أن يثار من أن الآية الكريمة إنما تتكلم عن الحرابة، وهذه قرينة على أن أثر التوبة قاصر على التأثير في الحرابة فقط، فقال بعد أن ذكر أن الحد حدان، حد الله تعالى وحد للآدميين: "فأما أصل حد الله ﵎ في كتبه، فقوله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ، إلى قوله ﴿رَحِيم﴾ ، فأخبر الله تبارك اسمه بما عليهم من الحد إلا أن يتوبوا من قبل أن يقدر عليهم، ثم ذكر حد الزنا والسرقة، ولم يذكر فيما استثنى، فاحتمل ذلك أن لا يكون الاستثناء إلا حيث جعل في المحارب خاصة، واحتمل أن يكون كل حد لله ، فتاب صاحبه قبل أن يقدر عليه سقط عنه، كما احتمل حين قال النبي ﷺ في حد الزنا في ماعز "ألا تركتموه" أن يكون كذلك عند أهل العلم، السارق إذا اعترف بالسرقة، والشارب إذا اعترف بالشرب، ثم رجع عنه قبل أن يقام عليه الحد، سقط عنه. ومن قال هذا: قاله في كل حد لله ، فتاب صاحبه قبل أن يقدر عليه سقط عنه حد الله ﵎ في الدنيا، وأخذ بحقوق الآدميين، واحتج بالمرتد عن الإسلام، ثم رجع إلى الإسلام، فيسقط عند القتل١. وما دام إطلاق الآية الكريمة قد احتمل أن يكون أثر التوبة مسقطًا لكل حد لله ، فلم يضيق الأمر إذا.

стр. 67

كما أن في إسقاط كل ما لزمهم زمن حرابتهم، وما كان قبله نتيجة توبتهم في ذلك حيث لهم على الإسراع إلى التوبة، وترغيب لهم فيها، ومزيد العون لهم وضمهم إلى صفوف الأمة. ولا يخفى أن في إلزامهم عقوبة ما ارتكبوا من حدود غير الحرابة، ومطالبتهم بهذه الحدود بعد توبتهم عن الحرابة، وعودتهم إلى حوزة الأمة، فيه تنفير لهم فقد يكون منهم من ارتكب جناية حدية يترتب عليها إلزامه الرجم، فإذا علم أنه إذا تاب وعاد إلى حوزة الأمة، أقيم عليه حد الرجم -فإنه لا بد أن يحجم عن العودة إلى صفوف الأمة. ويثبت على ما هو فيه من تشريد لنفسه، وإضرار للآخرين. والتوبة إذا أسقطت حد الحرابة مع ما فيها من هتك للحريات، واستباحة للأموال، وإرهاب وقطع سبيل فأولى بها أن تسقط ما دون ذلك من حدود. وهذا ما ذهب إليه ابن تيمية، وابن القيم من فقهاء الحنابلة١. كما ذهب جمهور فقهاء الشيعة الزيدية إلى أن من جاء إلى الإمام تائبًا قبل القدرة عليه سقط عنه كل ما لزمه من حد، وسقط عنه أيضًا ما قد أتلف من حقوق الآدميين، ولو كان الذي عليه قتلًا٢. ولا يخفى ما في القول بإسقاط كل حد بالتوبة من تعويض حقوق الآدميين إلى الضياع، ودمائهم إلى الإهدار وحرمانهم إلى تهتك، فما أسهل على أصحاب النزوات إذا انكشف سترهم، ادعاء التوبة كي يفلتوا من عقاب جرائمهم.

стр. 68

المطلب الرابع: أقسام الجريمة من حيث القصد وعدمه تنقسم الجرائم من حيث القصد، وعدمه إلى جرائم مقصودة، وجرائم غير مقصودة. أولًا: الجرائم المقصودة هي الجرائم التي تعمد الجاني القيام بها مريدًا تحقيق نتيجة سلوكه عالمًا بأن سلوكه هذا منهي عنه معاقب عليه. ومن هذا يتضح أن عناصر الجريمة العمدية، أو أركانها المكونة لها هي: العمد، والإرادة الفاعلة المختارة، والعلم بالنهي والتجريم. ثانيًا: الجرائم غير المقصودة هي الجرائم التي لم تكتمل أركانها من عمد، وإرادة فاعله مختارة وعلم بالتحريم. فالجريمة إذا وقعت، وكانت غير متعمدة، فهي الجريمة الخطئية١. والخطأ نوعان: خطأ في القصد، وخطأ في الفعل.

стр. 69

فالخطأ في القصد يتمثل في أن يأتي الفاعل فعلًا لا يريد به إصابة المقتول، كأن يريد صيد طير وهدف، وما يجوز له فعله، فيئول الأمر إلى اتلاف إنسان حر مسلمًا كان أو كافرًا له عهد، فيكون الواجب بذلك دية على عاقلة الفاعل ويلزم هو بعتق رقبة مؤمنة، والأصل في وجوب الدية والكفارة قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًَا وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ١. ولا قصاص في شيء من هذا؛ لأن الله تعالى، أوجب الدية ولم يذكر قصاصًا؛ ولأنه لم يوجب قصاصا في عمد الخطأ، ففي الخطأ أولى. والخطأ في الفعل يتمثل في أن يقصد الفاعل -وهو في أرض الحرب قتل من يظنه كفرًا، ويكون مسلمًا أسلم، وكتم إسلامه إلى أن يقدر على التخلص إلى أرض الإسلام، ولا خلاف في أن هذا خطأ لا يوجب قصاصًا؛ لأنه لم يقصد قتل مسلم، فأشبه ما لو ظنه صيدًا فبان أدمي، إلا أن هذا لا يجب فيه دية أيضًا ولا يجب إلا الكفارة، وهذا ما روي عن ابن عباس، وبه قال عطاء، ومجاهد وعكرمة وقتادة، والأوزاعي والثوري، وأبي ثور وأبي حنيفة، وعن الإمام أحمد رأيان أحدهما تجب به الدية، والكفارة وهو ما ذهب إليه الإمام مالك، والإمام الشافعي لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ؛ ولأنه قتل مسلما خطأ، فوجبت ديته كما لو كان في دار الإسلام. وذهب ابن قدامة إلى القول بوجوب الدية فقط، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ، ولم يذكر

стр. 70

دية هنا مع أنه ذكرها فيما قبله، وذكره لهذا قسمًا مفردًا يدل على أنه لم يدخل في عموم الآية التي احتج بها من أوجب الدية مع الكفارة هنا، ويخص بها عموم ما ورد١. وقد علل ذلك التقسيم بأن الإنسان يتصرف بفعل القلب، والجوارح، فيحتمل في كل منهما الخطأ على الانفراد٢. أما بالنسبة للإرادة الفاعلة المختارة، فهي شرط أساسي لكي تكون الجناية عمدية. فإذا انتفت يعتد به، تغير التجريمي للواقعة أما إذا كان انتفاء الإرادة لا يرقى إلى تغيير الوصف التجريمي للواقعة، فإنه يعد انتفاء لا أثر له، ويعامل الفاعل معاملة المريد المختار لسلوكه. وعلى هذا إذا ما أكره شخص على ارتكاب جناية قتل، فقام بارتكابها فإن هذا الشخص يعامل على أساس أنه فاعل مختار لما أتى، وذلك؛ لأن الضرر المدفوع عن نفسه لا يزيد عن الضرر الذي وقع منه. كما أن الضرر الذي يدفعه عن نفسه غير متيقن، ومثل هذا لا يجوز دفعه بما هو أكثر منه، أو مثله من ضرر متيقن، وعلى هذا فإنه لا يجوز أن يقوم شخص بقتل آخر تحت تأثير الإكراه بالقتل، وأنه إن فعل ذلك لم يكن له فيما فعله عذر. وأيضًا لا يجوز لمكره قطع عضو من إنسان تحت تأثير الإكراه بقطع عضو من أعضائه هو إن لم يفعل، فإن نفذ ما أكره عليه لم يعد

стр. 71

الإكراه هنا عذرًا يعفيه من العقاب، إذ الراجح عند الشافعية هنا لزوم القصاص، ويرى الأئمة مالك وأحمد، وزفر تخفيف العقوبة، وعند أبي يوسف، ورواية عند الشافعية الدية، ويرى الإمام أبو حنيفة، ومحمد التعزير١. أما بالنسبة للعلام بالتجريم، فإنه شرط لاعتبار الفعل جناية عمدية يعاقب عليها بالعقوبة الأصلية. فإذا انتفى العلم بصورة معتبرة شرعًا، فإن الجريمة وإن كانت ثابتة في حق من قام بها، إلا أنه يعاقب عليها بالعقوبة الأصلية الموضوعة لها. ومثله ما يقع من غير المكلف، فإنه لا يعاقب عليه بالعقوبة الموضوعة لما وقع منه، وإن ألزم بالتعويض المالي؛ لأن الجريمة حينئذ قد اعتبرت مما جرى مجرى الخطأ٢. أولًا: لا يتصور وجود الشروع المعاقب عليه إلا في الجرائم المقصودة، أما في الجرائم غير المقصودة -وهي الجرائم غير العمدية-، فلا يتصور فيها شروع معاقب، نظرًا؛ لأن إرادة الجاني لم تتجه إلى تحقيق النتيجة. ثانيًا: الجرائم المقصودة يأثم مرتكبها منذ نية ارتكابها؛ لأنه نوى

стр. 72

إرتكاب معصية، فإذا استمر ولم يعدل عما نواه، وبلغ الإثم تمامه، ووقعت الجريمة لزمت الجاني عقوبة جريمته. أما إذا عدل عما نواه، وتراجع فلا عقوبة تحلقه على نيته هذه. أما الجريمة غير المقصودة، فالنية ليست موجودة أصلًا، ومن ثم فلا عقاب ولا إثم إلا إذا وقع من الجاني ما يأثم به، وعقاب الجاني حينئذ على ما كان منه من إهمال، وعدم احتياط. وهذا مقيد بما إذا كان قصد الفاعل في أول الأمر مباحًا، أما إذا كان غير مباح، فإنه إثم حتى ولو لم تتجسد هناك جريمة. ثالثًا: لا يتصور وجود الاشتراك إلا في الجرائم المقصودة، أما في الجرائم غير المقصودة، فلا يتصور فيها اشتراك. فإذا تمت مساهمة من الفاعل الأصلي في الجريمة غير المقصودة اعتبر كل من ساهم فاعلًا أصليًا يعاقب على ما وقع منه من فعل. رابعًا: الجرائم المقصودة إذا وقع فيها اعتداء على النفس يعاقب عليه بالقصاص بصورته، ومعناه أما الجرائم غير المقصودة، فلا يعاقب عليها بالقصاص من حيث الشكل إذا وقعت على النفس، وإنما العقاب على هذه الجرائم يتم بالقصاص معنى، كاستحقاق الدية مثلًا. الجرائم المقصودة وغير المقصودة بين المباشر وعدمها: الجرائم المقصودة غالبًا ما تقع بالمباشرة، التي هي عبارة عن اتجاه الجاني للعدوان على المجني عليه. ومن غير الغالب تقع الجرائم المقصودة بغير المباشرة، كأن يكون وقوعها بالتسبب مثلًا، كما إذا أتى شخص فعلًا منهيا عنه، كأن وضع

стр. 73

سيارته في مكان غير مسموح بوضعها فيه، ثم جاء شخص آخر لم يكن وجود السيارة، ولم يستطع رؤيتها لوجود ما يمنع ذلك من العوامل الجوية، فنتج عن وجود السيارة الأولى في المكان الممنوع تواجدها فيه اصطدام السيارة الثانية بها مما ترتب عليه موت قائد السيارة الثانية، ومثل ما ترتب على شهادة الشهود زورًا على شخص بريء بأنه ارتكب جناية من الجنايات التي يعاقب عليها بالإعدام، فأعدم نتجية هذه الشهادة الزور. والجرائم غير المقصودة تقع أيضًا بالمباشرة، كما يحدث عند ما يطلق الصياد مقذوفا ناريًا ليصيد طيرًا، فإذا بهذا المقذوف يصيب إنسانًا. وتقع أيضًا بغير المباشرة كما إذا قام أحد المزارعين برش زراعته بمبيد حشري، فأتى شخص لا يعلم رش الزراعة بالمبيد، وأكل منها فمات متأثر بما أكل١. ولقد ذهب جمهور فقهاء الأحناف إلى عدم التسوية بين عقوبة الجريمة المقصودة إذا وقعت بالمباشرة، وبين مثيلتها إذا وقعت بغير المباشرة، فمن يسقي إنسانا سمًا قاتلًا بطريق الإكراه متعمدًا قتله، فيقتل المكره نتيجة شربه هذا السم، فإن الجاني في هذا ومثله يعد مرتكبًا جناية قتل عمدية يجب القصاص فيها. وإن كان الإمام أبو حنيفة لا يرى في مثل هذا إلا الدية على

стр. 74

العاقلة أما إذا شربه بمحض إرادته، فلا قصاص ولا دية سواء علم الشارب أن ما شربه سم، أو لم يعلم١. وقد نسب جمهور الفقهاء إلى التسوية بين ما يقع من الجرائم المقصودة بالمباشرة وغير المباشرة، مستدلًا على ذلك بما كان من رسول الله ﷺ مع اليهودية التي دست السم في الطعام، فمات بسببه أحد الصحابة٢.

стр. 75

بامتناعه عن القيام بما ألزم به، قد سلك سلوكًا يعاقب عليه، سواء أكان هذا الإلزام قانونيًا أم أخلاقيًا. ويتطلب بيان ذلك عربض وجهة النظر الفقهية من فقهاء الشريعة، ورجال القانون، عرضًا موجزًا. وجهة نظر فقهاء الشريعة: اتفق فقهاء الشريعة على أن كل ما طلبه الشرع، يأثم من يتركه، ويؤاخذ على هذا الترك قضائيًا، إذ تحققت بسبب هذا الترك نتائج أمكن إثباتها هي، وما تترتب عليه. فمن كان عنده فضل زاد ولم يعد به على من لا زاد له، كان آثما فإذا كان ذلك في صحراء، أو وقعت مجاعة، ولم يجد المحتاج للطعام غيره، وبخل به مالكه، ونتج عن ذلك أن مات المحتاج إلى الزاد جوعًا، فإن الامتناع من مالك فضل الزاد هنا سلوك يعاقب عليه. والفقهاء وإن اتفقوا على عقوبته إلا أن منهم من قال: إنه يعاقب بعقوبة القاتل عمدصا، ومنهم من رأى غير ذلك. وقبل عرض مقالة الفقهاء، أعرض للحديث عن الترك بشيء، من البيان من حيث هو جريمة أم لا، وإذا كان جريمة فهل ترتب عليه حدوث جريمة أخرى أم لم تترتب؟ ينقسم الترك من حيث هو جريمة أم لا إلى قسمين: ١- ترك ليس بجريمة، وذلك كترك الشخص فعل ما أبيح له فعله، تركًا لا يترتب عليه شيء ما. ٢- ترك هو في حد ذاته جريمة، كما إذا ترك الشخص فعل أمر كلفه الشرع بفعله. وهذا النوع من الترك ينقسم إلى قسمين:
следующие страницы →