← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9979

الشبهات وأثرها في العقوبة الجنائية في الفقه الإسلامي مقارنا بالقانون

منصور الحفناوي

Полный текст (668 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

اختياره وينعدم قصده الجنائي، وعليه فإن عقوبته تتناسب تناسبًا عكسيًا مع درجة إكرهه؛ لأن الإكراه منه ما هو إكراه تام ينعدم معه الرضا، ويفسد الاختيار. ومنه ما هو إكراه ناقص ينعدم معه الرضا، ولا يفسد الاختيار١، ولكل منهما أثره في دفع العقوبة، أو التخفيف منها، حسب درجته والجريمة التي ترتبت على قيام المكره -بفتح الراء- بالفعل الذي أكره عليه. ويقتضى بين ذلك حديثًا موجزًا عن الإكراه بقدر ما يتطلبه المقام. الإكراه: ويراد به: ما يفعل بالإنسان مما يضره، أو يؤلمه لحمله على القيام بفعل، أو قول لا يريده٢. أو هو فعل يفعله الإنسان بغيره، فيزول رضاه أو يفسد اختياره، أو هو أن يهدد المكره قادر على الإكراه بعاجل من أنواع العقاب يؤثر العاقل لأجله الإقدام على ما أكره عليه، وغلب على ظنه أنه يفعل به ما هدد به إذا امتنع عما أكرهه عليه٣.

стр. 352

والإكراه نوعان: ١- إكراه تام: ويسمى الإكراه الملجئ، وهو ما خيف فيه تلف النفس، وهذا النوع من الإكراه يفسد الاختيار، ويعدم الرضا. ٢- إكراه ناقص، أو إكراه غير ملجئ، وهو ما لا يخاف فيه التلف عادة كالحبس لمدة قصيرة، والضرب الذي لا يخشى منه التلف، وهذا النوع لا يفسد الاختيار لكنه يعدم الرضا١. والإكراه التام، أو الملجئ منه ما هو مادي، وهو ما كان التهديد والوعيد فيه قائمًا، ومنه ما هو معنوي، وهو ما كان التهديد والوعيد فيه منتظرا، والإكراه التام بنوعيه يتفاوت من جريمة إلى أخرى، ذلك؛ لأن من الجرائم ما لا يؤثر الإكراه في حكمها وتجريم الإقدام عليها، وإلزام عقوبتها لمن ارتكبها حتى ولو كان مكرها -بفتح الراء، ومنها ما يؤثر الإكراه في حكمها، وتجريم الإقدام عليها، وإلزام عقوبتها لمن ارتكبها مع إكراهه، ودرجة تأثيره تتفاوت من جريمة إلى أخرى بمعنى أنه يترتب عليه رفع المسئولية الجنائية عمن ارتكب في ظله جرائم معينة، ويرفع العقوبة بصفة عامة بالنسبة لجرائم أخرى لعده سببا من أسباب إباحة الفعل، كما أنه يتفاوت من شخص لآخر؛ لأن ما يعتبر إكراها لذوي المروءات قد لا يعد إكراها بالنسبة لغيرهم. والإكراه التام، أو الملجئ بنوعيه يؤثر على الإرادة، بمعنى أنها

стр. 353

تنعدم معه، ويذهب الرضا، ولا يوجد اختيار مع وجود هذا الإكراه، إذا فإن القصد الجنائي ينعدم بوجوده، وتندرئ به العقوبة الحدية فيما عدا ما يجب بارتكاب جريمة القتل، أو قطع الطرف أو الضرب المهلك، فالإكراه على ارتكاب مثل هذه الجرائم لا ينتج عنه إعفاء المكره -بفتح الراء- من العقوبة الجنائية١؛ لأن الفقهاء أجمعوا على أن من أكره على قتل غيره لا يجوز له الإقدام على قتله، ولا انتهاك حرمة بجلد أو غيره، فلا بد للمكره أن يصبر على البلاء الذي ينزل به، ولا يحل له أن يفتدي نفسه بغيره٢. أما ما عدا القتل، فأقوال الفقهاء متغايرة في درء الحد أو إقامته، ففي جريمة الزنا اتفق الفقهاء على أن المرأة التي تستكره على الزنا لأحد عليها، وهذا ما قضى به عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في الوليدة التي استكرهت على الزنا، فقد ذكر ابن قدامة أنه: "لا حد على مكرهة في قول عامة أهل العلم، وروي ذلك عن عمر والزهدي، وقتادة والثوري، والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا، وذلك لقول الرسول ﷺ : "عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه"، وعن جابر بن وائل عن أبيه: "أن امرأة استكرهت على عهد رسول الله ﷺ ، فدرأ عنها الحد" ... "إلى أن يقول ابن قدامة"، أتي عمر بامرأة قد زنت، فقالت: إني كنت نائمة فلم أستيقظ إلا برجل قد جثم علي فخلى سبيلها ولم يضربها؛ ولأن هذا شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات

стр. 354

ولا فرق بين الإكراه بالإلجاء، وهو أن يغلبها على نفسها، وبين الإكراه بالتهديد بالقتل ونحوه١. أما بالنسبة للرجل الذي أكره على الزنا، فإن الإمام أبا حنيفة يرى أنه إذا كان الذي أكرهه هو السلطان، فلا حد عليه، وإن أكرهه غير السلطان حد عند أبي حنيفة؛ لأنه يرى أن الإكراه من غيره لا يدوم إلا نادرًا، ولتمكن المكره -فتح الراء- من الاستعانة بالسلطان، أو بجماعة المسلمين، أو يدفع الإكراه عن نفسه بالسلاح، وقال الصاحبان: لا يحد؛ لأن الإكراه كما يتحقق من السلطان يتحقق من غيره، ووافقهما الشافعي، وابن المنذر. وقد علل أبو حنيفة رأيه بأن الزنا لا يتصور من الرجل إلا بعد انتشاره، وذلك دليل الطواعية، ورد على ذلك بأن الانتشار دليل متردد؛ لأنه قد يكون عن غير قصد؛ لأن الانتشار قد يكون طبعًا لا طوعًا كما في النائم، فأورث شبهة٢. وهذا الرأي الأخير هو ما أميل إليه، وأرجحه إعمالًا لما ذكر من حديث الرسول ﷺ برفع جرم الفعل الذي استكره عليه مرتكبه، طالما ليس هذا الفعل قتلًا، أو قطع أحد الأعضاء، أو ضرب مهلك.

стр. 355

وبالنسبة لشرب الخمر، فالفقهاء قد اجتمعوا على أن من أكره على ذلك إكراهًا ملجئًا لا عقوبة عليه، وإن كانوا قد اختلفوا على كون الفعل مباحًا للمكره، أو غير مباح١. والقوانين الوضعية، وإن نصت على أنه لا عقاب على من ارتكبه جريمة ألجأته إلى ارتكابها ضرورة، وقاية نفسه، أو غيره من خطر جسيم على النفس على وشك الوقوع به، أو بغيره ولم يكن بإرادته دخل في حلوله، ولا في قدرته منعه بطريقة أخرى. فهي وإن نصت على هذا إلا أنها لم تعتبر الإكراه سببًا من أسباب الإباحة، كما ترى الشريعة الإسلامية، وإنما عدته فقط سببًا من أسباب موانع المسئولية٢.

стр. 356

الفصل الثالث: الإثبات مدخل ... الفصل الثالث: الإثبات تمهيد: مرت البشرية عبر تاريخها بمراحل متعددة، اختلفت نظم الإثبات فيها تبعًا لاختلاف البيئة الاجتماعية، التي تحكم سير حياة الفرد والمجتمع. ثم أنزل الله على محمد ﷺ الشريعة الإسلامية، فحددت طرق الإثبات وبينت نظمه، وألزمت القاضي بذلك، أو حثته على العدل، وقعد الفقهاء ذلك كله في قواعد فقهية، أكدوا فيها على براءة المتهم حتى يثبت إدانته بالدليل القاطع اليقيني، وعلى الأخص في جرائم الحدود. وبين فقهاء الشريعة طرق الإثبات بصورة بدأ العالم المعاصر يعرف لها حقها، ويستحث خطى مقننية بغية الوصول إليها، والأخذ بها: ابتغاء إحقاق الحق، وطلبا لإقرار العدل، ويراد بالإثبات عند اللغويين: إقامة الحجة الواضحة والبينة القوية، والبرهان الساطع ووضوح الحق، واستجلاء الدليل١، ويراد بالإثبات إقامة الدليل الشرعي أمام القاضي في مجلس قضائه على حق، أو واقعة من الوقائع، ويطلق الإثبات على الوسائل التي تؤدي إلى الكشف عن الحقيقة، والتي يؤسس

стр. 357

القاضي حكمه عليها، ومن هذه الوسائل الإقرار، والشهادة وغيرهما من كتابه وقرائن ومعانيه، وخبره وما إلى ذلك. ويطلق الإثبات أيضًا على النتيجة التي تم التوصل إليها عن طريق الوسائل المذكورة، سواء أكانت مجتمعة، أو عن طريق بعضها فقط. والنتيجة التي يتم التوصل إليها عن طريق وسائل الإثبات، هي ركيزة القاضي فيما يحكم به من وقوع الجريمة، أو عدم وقوعها، ومن أن من أقيمت عليه الدعوى هو الجاني أم أنه بريء، وإن كان هو الجاني فما مدى قصده الجنائي؟. وهل اكتملت أركان الجريمة أم لا؟ وهل له عذرًا أو شبهة يعتد بها في دفع العقوبة عنه، وما مدى حظه من أسباب الإباحة، أو موانع المسئولية إلى آخر ذلك مما يقف عليه القاضي، ويعرفه معرفة دقيقة حتى يكون حكمه للواقعة عادلًا لا جور فيه، ولا تقصير١. ومما هو معروف أن الشريعة الإسلامية قد حددت طرق الإثبات في الجرائم الحدية، وألزمت القاضي هذه الطرق. كما أنها قد أباحت للقاضي حرية الاقتناع في حكمه للجرائم التعزيرية، ولا تكاد تخرج نظم الإثبات عند القانونيين عن ذلك٢.

стр. 358

ونظرًا؛ لأن هذا البحث يتناول الجرائم الحدية، والشبهات التي تعتري أحد أركان جريمة من هذه الجرائم أو دليل إثباتها، كان لزامًا أن يقتصر الحديث هنا على طرق الإثبات التي يمكن على أساسها الحكم بالعقوبة الحدية، وبيان ما يعتري كل طريق منها من شبهات يترتب عليها درء العقوبة الحدية، سواء أنتج ذلك تبرئة المتهم، أو إلزامه بعقوبة تعزيرية تختلف، وعقوبة الجريمة التي لم يكتمل إثباتها عليه نظرًا لقصور في هذه الإثبات، أو لما لحقت به من شبهات. وطرق الإثبات التي سيعرض البحث لها البيان هي: أولًا: الإقرار وما يعتريه من شبهات تدفع الأخذ به في إثبات الجناية الحدية على المقر. ثانيًا: الشهادة، وما يعتريها من شبهات تدفع الأخذ بها، وتنتج إسقاط العقوبة الحدية عن المدعى عليه، بل ويترتب على ذلك أحيانًا إلزام الشهود العقوبة الحدية، أو غيرها من العقوبات التعزيرية. ثالثًا: القرائن، من حيث الاعتداد بها كدليل مستقل يمكن على أساسه إلزام المدعى عليه العقوبة الحدية، أم عدها من الأدلة المصاحبة، التي لا يتم عن طريقها وحدها الإلزام بالعقوبة الحدية. وسيكون الحديث عن كل طريق من طرق الإثبات حديثا عامًا يتناول ما يشترط فيه كدليل إثبات، ثم أذكر ما يجب أن يتوافر فيه من الشروط الخاصة، بإثبات بعض الجرائم الحدية عند الحديث عن كل جريمة من هذه الجرائم.

стр. 359

المبحث الأول: الإقرار مدخل ... المبحث الأول: الإقرار تعريف الإقرار: الإقرار في اللغة: الإذعان للحق والاعتراف به، ويطلق أيضًا على الإثبات، فيقال: قر الشيء يقر إقرارًا إذا ثبت١. وفي اصطلاح الفقهاء: أخبار عن ثبوت حق للغير على نفسه، أو الاعتراف به٢. حجية الإقرار: الإقرار من أقوى البيانات، والحجج بشرط إلا تكذبه قرائن أخرى، إذ قد تدفع المقر بعض العوامل والضغوط، ثم مع ذلك قرينة إثبات لا تتعدى المقر، فلا يجوز إلزام شخص عقوبة نيتجة إقرار آخر بأنه شاركه جريمته، وهذا ما جرى عليه القضاء في عهد رسول الله ﷺ . فقد روي "أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ ، فقال:

стр. 360

أنه قد زنى بامرأة سماها، فأرسل النبي ﷺ إلى المرأة، فدعاها فسألها عما قال، فأنكرت، فحده وتركها"١. وقد ذهب الإمام أبو حنيفة، وأبو يوسف إلى أن الحد في مثل هذا لا يجب على المقر نظرًا؛ لأنه قد كذب من جانب من ادعى مشاركتها له جريمته، ومثل هذا التكذيب يعد شبهة تسقط بها العقوبة الحدية عن المقر. من هذا يبين أن أثر الإقرار لا يتعدى المقر، ولا يلزم غيره بالعقوبة، وإن كان هناك من يرى إمكان أثر الإقرار إلى الشركاء باعتبار أن الإقرار قرينة، وهؤلاء يرون إمكان الإثبات بالقرائن٢، وسيأتي ذلك عند الحديث عن القرائن كوسيلة من وسائل الإثبات.

стр. 361

المطلب الأول: شروط في المقر يشترط في المقر لاعتبار ما أقر به دليل إثبات يعتد به في إلزام المقر ما يترتب على ذلك ما يأتي: ١ البلوغ: فلا عبرة بما أقر الصبي به على نفسه. ٢ العقل: فلا يعتد بقول المجنون، أو من في حكمه. ٣ اليقظة عند الإقرار: لأن النائم لا أثر لما يردده من حديث. هذه الشروط الثلاثة لا بد من توافرها في المقر حتى يعتد بإقراره؛ لأن من لم تتوافر فيه هذه الشروط، أو انتقص منه واحد منها لا يصلح ما يصدر عنه دليل إثبات جناية من الجنايات عليه، إذ أن من المعروف عند فقهاء التشريع الإسلامي ما ورد من "أن القلم رفع عن ثلاثة، عن المجنون، حتى يفيق وعن الصبي حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ"١. ومما هو معروف أيضًا أن رسول الله ﷺ لما جاءه ماعز مقرًا بجنايته، سأله رسول الله ﷺ : "أبك جنون"؟ فالرسول ﷺ قد ثبت لديه بلوغ ماعز، وأنه ليس بنائم، لذا سأله عن عقله. كما روى أنو داود بإسناده قال: "أتى عمر بمجنونة قد زنت، فاستشار فيها أناسًا، فأمر بها عمر أن ترجم، فمر بها علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه، فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: مجنونة آل فلان زنت، فأمر بها عمر أن ترجم، فقال: ارجعوا بها. ثم أتاه فقال: يا أمير المؤمنين أما علمت أن القلم رفع عن ثلاثة؟ وذكر له الحديث السابق.

стр. 362

قال: بلى قال: فما بال هذه؟ قال: لا شيء قال: فأرسلها. فجعل عمر يكبر"١. من هذا يبين أن الصبي والمجنون، ومن في حكمهما لا يعتد بقولهم في إثبات الجنايات عليهم، ولا يلزمون بالعقوبة الجنائية نظيرًا ما وقع منهم، وهذا واضح في شأن المجنون مما ذكر من أن عمر أسقط العقوبة بسبب جنون الفاعل وقت ارتكابه فعلته، ومن هذا يبين أيضًا أن من أقر بشيء، وهو واقع تحت تأثير ما يعيبه كأن يكون تحت عملية جراحية، ومن أثر ما أعطي من "البنج" اعترف بارتكابه جريمة ما من الجرائم، فإنه لا يعد اعترافه هذا دليل إثبات جنائي. إقرار السكران: السكران هو من ذهب عقله بسبب تعاطيه شيئًا مسكرًا، سواء أكان خمرًا، أو غير ذلك. وقد جاء في تفسير القرطبي: أن السكران هو من لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة. وجاء أيضًا أن حد السكر اختلال العقل، فإذا استقرئ خلط في قراءته، وتكلم بما لا يعرف، استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ٢. فالسكران إذا: هو من استتر عقله، فغلب على كلامه الهذيان

стр. 363

والسكران يخالف المجنون في أن الأول استتر عقله، ولكنه لم يذهب كالمجنون. وللفقهاء آراء في الاعتداد بإقرار السكران، ولبيان ذلك يجب التفريق بين حالتي سكره؛ لأنه إما أن يكون معتديًا بسكره، أو يكون غير متعد به. أولًا: المتعدى بسكره: "وهو من شرب مسكرًا عالمًا لغير ضرورة" يرى فقهاء الأحناف أن إقرار السكران المتعدي بكسرها إقرار صحيح يؤخذ به، إلا في الحدود الخالصة حقا لله تعالى، فمن أقر بقتل، أو بجناية على ما دون النفس من الجنايات التي تستوجب عقوبة القصاص، أو الدية أخذ بإقراره هذا؛ لأن هذه حقوق الآدميين، أما من أقر وهو سكران بجناية من الجنايات المتعلقة بحق من الحقوبق الخاصة لله كالزنا مثلًا، فإنه لا يؤاخذ بإقراره هذا؛ لأنه سكران؛ ولأن حقوق الله مبنية على المسامحة١. من هذا يبين أن السكران المتعدي بسكره، إذا أقر بحد خالص لله ، فإنه لا تلزمه العقوبة الحدية بإقراره هذا، أما إذا أقر بحق خالص للآدمي، فإنه يلزم بما أقر به. ويلزم أيضًا بإقراره إذا أقر بما فيه حق لله ، وحق

стр. 364

لآدمي، فإذ أقر بأنه قذف فلانا ممن يلزمه بقذفه الحد لزم بعقوبة ما أقر به هذا ما ذهب إليه فقهاء الأحناف، ومن ذهب مذهبهم١. أما جمهور فقهاء الشافعية، فإنهم يرون أن المتعدي بسكره إقراره صحيح يؤاخذ به في كل ما أقر به من جنايات، سواء وقع الاعتداء فيها على حق الله أو حق العبد؛ لأن المتعدي بسكره يجب أن يتحمل نتيجة عمله تغليظًا عليه، وجزاء لما أقدم عليه، وهو يعلم أنه سيذهب عقله، فعقوبته بإقراره زجر له، وردع لأمثاله كي يقلعوا عما يذهب نور عقولهم، واختار المازني، وأبو ثور عدم مؤاخذة السكران بإقراره؛ لأنه زائل العقل فأشبه النائم، أو مفقود الإرادة -المكره، وهذا ما ذهب إليه ابن حزم٢، وما ذهب إليه جمهور فقهاء الشافعية ومن وافقهم، وإن كان أميل إلى الردع والزجر إلا أن السكران ردعه، وزجره بعقوبته على جريمة الشرب، أما إلزامه بما يقر به، وهو سكران تغليظًا عليه كي يقلع، فهو إلزام له بعقوبة حدية دليل إثبات جريمتها عليه دليل غير مقطوع بصحته لاحتماله البطلان بالقدر الذي يحتمل به الصحة، ودليل إثبات كهذا لا يقام به حد، حتى ولو كان الإقرار من السكران بارتكابه جريمة قذف. ولا يجوز القول بحده نظرًا؛ لأنه وقع منه قذف وقت إقراره سواء أكان الإقرار صحيحًا أم لا، وذلك؛ لأن العقاب على جريمة الشرب قد روعي فيه جواز وقوع مثل ذلك منه، فقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في شارب الخمر: "أنه إذا شرب

стр. 365

سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة"١. إذا، فإن جعل حد الشرب بهذا القدر من الجلد مبني على احتمال الافتراء من السكران، والقذف دخل فيما يصدق عليه لفظ الافتراء، سواء أكان القذف الذي وقع من السكران هو ما جاء في إقراره، أو أنه أقر بقذف وقع منه قبل سكره، وقد جاء يعترف به. ثانيًا: غير المتعدي بسكره -أو من تغيب عقله بسبب غير مجرم، وهو من تغيب عقله بسب شربه خمرًا دست عليه، فسكر بسب ذلك، أو تغيب عقله بسبب ما تعاطاه علاجًا حدده له طبيب عادل، كما يعطى هو البنج مثلًا أثناء العمليات الجراحية، وما إلى ذلك. فمن تغيب عقله بسبب يعذر فيه، ولا يعاقب عليه لا يلزمه الحد بإقراره في حالته هذه، سواء أقر بما يجب فيه الحد حقًا لله خالصًا، أو ما فيه حق العبد أيضًا، وذلك؛ لأن الإقرار المذكور لا يصلح دليل إثبات في الحدود لعدم إفادته الدلالة القطعية، وأدلة إثبات الحدود لا بد، وأن تكون أدلة قطعية لا تحتمل شبهة من الشبهات. ٤ أن يكون المقر مختارا حرا في إقراره وغير مجبر عليه، أو واقع تحت تأثير، أو تحديد من يقدر على تحقيق ما وعد به من تحديد، فلا يعتد إلا بإقرار من كان مختارًا حرًا؛ لأنه إذا أقر باختياره، وحريته انتفت عنه التهمة، إذا الاختيار مدعاة الصدق، أما لو أكره على إقراره، فأقر دفعا للضرر وخوفًا من التهديد والوعيد، فإن إقراره في هذه الحالة لا يعتد به، ولا تلزمه به عقوبة حدية، ولا يلحقه به إثم.

стр. 366

وقد ذكر القرطبي إجماع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل، أنه لا إثم عليه أن كفر، وقلبه مطمئن بالإيمان. وذكر القرطبي ما روي عن ابن مسعود من أنه قال: "ما من كلام يدرء عني سوطين من ذي سلطان، إلا كنت متكلمًا به"١. كما ورد من عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: "ليس الرجل بأمين على نفسه إذا جوعته، أو ضربته، أو وثقته٢. ٥ انتفاء التهمة عن المقر فيما أقر به على نفسه؛ لأن الإقرار شهادة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ٣. فالقوامة بالقسط والشهادة على النفس تقتضي الأمانة، وعدم الطعن في الذمة -فما دامت الشهادة ترد بالتهمة، فالإقرار أيضًا يرد بها٤، فقد يحدث الكذب في الإقرار، بأن يقر الشخص على نفسه

стр. 367

بجرائم لم يتركبها لينفي التهمة عن الفاعل الأصلي، وكثيرًا ما يحدث هذا إذا كان الجاني الحقيقي ذا جاه، أو سلطان ومعاقبته على جنايته سيترتب عليها إلحاق الضرر به، أو إضعاف جاهه أو سلطانه، وهو يستنكف هذا، لذا فإنه يسعى جاهدًا بكل الطرق والوسائل، فيغري غيره من ضعاف الناس والنفوس، أو الذين تخضعهم ظروفهم إلى قبول الإقرار على أنفسهم بجرائم ارتكبها الآخرون طمعًا في الجاه، أو المال أو ما إلى ذلك رغبًا أو رهبًا، فيقر هؤلاء بجرائم لم يقترفوها، وجنايات لم يرتكبوها١. وكم كشفت الأحداث كثيرًا من هذا، ولذا فإن على الذي يحكم الواقعة أن يتحرى الدقة، ويحقق الوقائع، ويعمل جاهدًا لاستظهار الحق. ومعرفة ما يمكن أن يخرج الحق عن نصابه الحقيقي، فيتجنبه، ويعيد الحق إلى نصابه حتى لا تزر وازرة وزر أخرى.

стр. 368

المطلب الثاني: شروط في الإقرار يشترط في الإقرار الذي يعتبره الفقهاء دليل إثبات جنائي ما يأتي: ١ أن يكون الإقرار مبينا مفصلًا ظاهرًا لا يحتمل اللبس، أو التأويل دالا دلالة يقينية تفيد القطع بأن من يقر قد ارتكب الجناية التي جاء مقرا بها. يدل على هذا مراجعة الرسول ﷺ ماعزًا، فقد سأله الرسول ﷺ ، واستوضح منه حقيقة الفعل الذي وقع منه إلى حد أنه ﷺ نطق بلفظه ما كان يجب النطق بها، لولا تحريه لدقة، وبيان صحة ما أقر به ماعز١. مستهدفًا ﷺ من ذلك أن يكون الإقرار صحيحًا واضحًا لا لبس فيه، ولا احتمال لأمر خفي يمكن أن يكون شبهة تدرء الحد عن المقر. فلو احتمل الإقرار اللبس، أو التأويل، أو شابه شيء من الغموض أو الخفاء، اعتبر ذلك شبهة قد تدرء الحد عن المقر لوقوفها حائلًا بينه، وبين إلزامه العقوبة الحدية. وقد بين الفقهاء اشتراط وضوح الإقرار، والاستفسار من المقر عما كان منه، وكيفيته، وزمانه، ومكانه. فيقول المرغيناني: "فإذا تم إقراره سأله عن الزنا ما هو؟ وكيف هو؟ وأين زنى؟ وبمن زنى؟ "٢. ويقول الشربيني الخطيب عند حديثه عن شروط الإقرار المثبت جريمة السرقة: "إأن يفضل الإقرار كالشهادة، فيبين السرقة والمسروق منه، وقدر المسروق والحرز بتعيين أو وصف، بخلاف ما إذا لم يبين ذلك؛ لأنه قد يظن غير السرقة الموجبة للقطع سرقة موجبة له"٣، واشتراط ذلك في الإقرار بالسرقة الموجبة للحد ليس خاصًا بها وحدها

стр. 369

وإنما ينسحب اشتراط ذلك على كل إقرار تثبت به جريمة حدية، ويلزم المقر على أثر إقراره بالعقوبة المحددة من لدن الشارع الحكيم. من هنا كان قول جمهور الفقهاء بعدم الاعتداد بإقرار الأخرس بإشارته، حتى ولو كانت الإشارة مفهمة؛ لأنها تحتمل الشبهة، ولا يفيد القطع واليقين، إذ هي تحتمل ما فهم منها وغيره، واحتمالها لذلك يجعلها إشارة غير مفيدة اليقين، وإقرار كهذا لا يعد دليل إثبات جناية حدية لاحتماله الشبهة التي يندرئ بها الحد. يقول ابن قدامة: "وأما الأخرس، فإن لم تفهم إشارته، فلا يتصور منه إقرار، وإن فهمت إشارته، فقال القاضي: عليه الحد وهو قول الشافعي، وابن القاسم صاحب مالك، وأبي ثور وابن المنذر؛ لأن من صح إقراره بغير الزنا صح إقراره به كالنطق، وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يحد بإقرار ولا بينة؛ لأن الإشارة تحتمل ما فهم منها وغيره، فيكون ذلك شبهة في درء الحد لكونه مما يندرئ بالشبهات، ولا يجب بالبينة لاحتماله أن يكون له شبهة لا يمكنه التعبير عنها، ولا يعرف كونها شبهة، ويحتمل كلام الخرقي أن لا يجب الحد بإقراره؛ لأنه غير صحيح؛ ولأن الحد لا يجب مع الشبهة، والإشارة لا تنتفي معها الشبهات"١. هذا ما قال به جمهور الفقهاء الذين يرون عدم الاعتداد بإقرار الأخرس في إثبات الجرائم الحدية. أما من قالوا بالاعتداد به أن أفهم قياسًا منهم على أنه ثبت به غير الزنا، فكلمة غير هنا عامة، ويجوز أن يقصد بها أنه يثبت به بعض الجنايات غير الحدية، وحتى لو جاز أنهم يقصرون بغير لازنا بعض الجنايات الحدية الأخرى، فإنها لو ثبت بإشارة الأخرس لما لزم بهذا

стр. 370

الجنايات الحدية الأخرى، فإنها لو ثبت بإشارة الأخرس لما لزم بهذا الإثبات الحد لاحتمال الشهبة، وهؤلاء الفقهاء الذين ذكر ابن قدامة أنهم يعتدون بإشارة الأخرس المفهم، قد ورد عنهم القوم بدرء الحدود بالشبهات، وإشارة الأخرس لا تخلو عن شبهة. هذا وإن كنت أميل إلى أن الأخرس لو كان يحسن الكتابة، والقراءة فكتب إقراره، ثم راجعه القاضي عن طريق الكتابة، واستفسر منه عن كل ما يمكن الاستفسار عنه، فأجاب الأخرس كتابة عن كل ذلك، وكانت إجاباته واضحة مفيدة ارتكابه الجناية الحدية إفادة واضحة، وصلت بالقاضي إلى حد اليقين، فإنه والحالة هذه تلزمه العقوبة الحدية بإقراره بهذه الصورة. أما إذا لم يكن الأخرس يعرف الكتابة، فإنه لا يمكن أن تفيد إشارته الإقرار القاطع الذي يثبت به الحد؛ لأنها إشارة لا تفيد اليقين، وتبقى الشبهة عالقة بها، وعليه فإن الحد يندرئ عنه، ولا يلزمه. ٢ ألا يوجد ما يعارض صحة الإقرار أو يثبت نفيه؛ لأن وجود ما يعارض صحة الإقرار ينفي عن الإقرار صفة القطعية، ويلحق به شبهة، ومثل هذا لا يصلح دليل إثبات جنايته من الجنايات الحدية، فمن يقر بأنه سرق ذهبًا مثلًا من خزينة فلان الموجودة بمكان كذا، فأرسل القاضي يطلب صاحب الخزينة الذي حدده السارق في إقراره، فجاء الرجل وذكر بأنه ليست له خزينة في المكان الذي ذكر المقر، وظهر أن المكان لا يوجد فيه ما يسرق منه، أو ثبت أن الخزينة التي حددها المقر لم تفتح، ولم يسرق منها شيء، فإن مثل هذا الإقرار لا يعتد به، ولا يلزم المقر بمقتضاه العقوبة الحدية. ومثل هذا أيضًا من يقر بأنه قتل فلانًا، فإذا بالذي زعم المقر أنه قتله حي يرزق، أو كان هذا الذي زعم المقر بأنه قتله موجودًا بمكان

стр. 371

لا يمكن أن يصل إليه فيه المقر، أو كان الشخص الذي زعم المقر بأنه قتله بالأمس قد مات منذ فترة بعيدة، أو أقر بأنه قد ذبحه بسكين، فإذ به قد مات موتًا طبيعيًا، وكان أهله بجواره، وهو يعالج سكرات الموت. وكما لو أقر بأنه زنى بفلانة، وظهرت رتقاء، أو ظهر أنه مجبوب، فالإقرار في كل هذا وقد وجد ما يعارضه، وينفي عنه صفة القطعية التي هي شرط للاعتداد به، والحكم بمقتضاه. وقد بين هذا ما ذكره ابن نجيم عند الحديث عن شروط الإقرار الذي يعتد به في إثبات الجنايات الحدية، فقال: "أن لا يظهر كذبه في إقراره، فلو أقر فظهر مجبوبًا، أو أقرت فظهرت رتقاء، وذلك بأنه تخبر النساء بأنها رتقاء قبل الحد اندرء الحد، وذلك؛ لأن إخبارهن بالرتق يوجد شبهة"١. فوجود الشبهة في الإقرار أو وجود ما يعارضه أولى بالاعتداد به من الإقرار نفسه؛ لأن الأصل براءة الذمة، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل ثابت يقيني لا يوجد ما يعارضه، أو يوهن منه٢. ٣ يجب أن ييستمر الإقرار قائمًا من المقر بالصورة التي تفيد اليقين، وتبقى ثبوت الإقرار حتى يتم تنفيذ العقوبة الحدية.

стр. 372

فإذا رجع المقر عن إقراره، أو نتفت عن الإقرار صفة القطعية قبل تنفيذ العقوبة الحدية، أو أثناء تنفيذها، فإن جمهور الفقهاء يرى إسقاط العقوبة الحدية، أو ما بقي منها، إذا لم يكن هناك دليل إثبات لهذه الواقعة غير إقرار المقر، وكان الاعتداء قد وقع على حق من حقوق الله . سواء أكان رجوع المقر عن إقراره رجوعا صريحا، أم كان رجوعا ضمنيا، وإن كان الرجوع الضمني يحتاج إلى استيضاح واستفسار. هذا إجمال لوجهة نظر الفقهاء في رجوع المقر تحتاج إلى شيء من التفصيل والبيان أورده فيما يأتي: الرجوع عن الإقرار: الرجوع عن الإقرار إما أن يكون صريحا أو غير صريح، فالرجوع الصريح يتحقق بقول المقر: كذبت في إقراري، أو رجعت عنه، أو لم أفعل ما أقررت به. والمقر الذي رجع في إقراره إما أن يكون قد أقر بحق من حقوق الله التي تدرء بالشبهات، وأما أن يكون قد أقر بحق من حقوق العباد، أو بحق من حقوق الله التي لا تسقط بالشبهات، كالزكاة والكفارات، فإن كان قد أقر بحق من حقوق الله التي تدرء بالشبهات، فإن جمهور الفقهاء يرون إسقاط الحد عنه برجوعه عن إقراره بما يوجبه. واستدلوا لذلك بما روي من أن رسول الله ﷺ لقن المقر بالسرقة الرجوع عن إقراره، وذلك حين أتى -صلى الله عليه

стр. 373

وسلم- بلص، فاعتراف اعترافًا ولم يوجد معه المتاع، فقال له رسول الله ﷺ : "ما أخالك سرقت"؟. فلو لم يكن لرجوع المقر عن إقراره أثر في إسقاط الحد عنه لما لقنه رسول الله ﷺ ذلك١. كما استدل الجمهور: لما ذهبوا إليه أيضًا بما روي عن أن ماعزا لما وجد مس الحجارة صرخ، وقال: يا قوم ردوني إلى رسول الله -صل الله عليه وسلم، فإن قومي قتلوني، وغروني من نفسي، وفي رواية أخرى أنه فر، فتبعه المسلمون ولم يتركوه حتى قتل، فلما رجعوا إلى رسول الله ﷺ ، وأخبروه قال: "فهلا تركتموه، وجئتموني به". يقول الشوكاني: "استدل به على أنه يقبل من المقر الرجوع عن الإقرار، ويسقط عنه الحد، وإلى ذلك ذهب أحمد والشافعية، والحنفية والعترة، وهو مروي عن مالك في قول له٢.

стр. 374

هذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، بالنسبة لمن أقر بحق من حقوق الله ، ثم رجع عن إقراره في حالة ما إذا كان الحق يسقط بالشبهة، أما من أقر بحق من حقوق العباد، أو بحق من حقوق الله التي لا تسقط، بالشبهة ثم رجع في إقراره، فإنه لا أثر لرجوعه هذا، ويلزم بما أقر به، نظرًا؛ لأنه قد ألزم نفسه بحق للغير الذي يمكن أن يكذبه في رجوعه، ويطالب بحقه؛ ولأن حقوق العباد مبنية على المشاحة، وما دام قد ثبت له فلا يمكن إسقاطه بغير رضاه، هذا ما ذهب إليه الجمهور، وإن كان هناك من الفقهاء من لا يعتد بالرجوع مطلقًا، سواء أقر بحق الله تعالى أم بحق للعبد، وهؤلاء قد قاسوا عدم إسقاط حق الله بالرجوع عن الإقرار بحق العبد في ذلك، وقد أورد ابن نجيم رأي الجمهور في قوله: "فإن رجع عن إقراره قبل الحد، أو في وسطه خلى سبيله؛ لأن الرجوع خبر محتمل للصدق كالإقرار، وليس أحد يكذبه فيه فتحقق الشبهة بالإقرار، بخلاف ما فيه حق العبد وهو القصاص، وحد القذف لوجود من يكذبه، ولا كذلك ما هو خالص حق الشرع"١، كما ذكر الشيرازي: أن من أقر بحق لآدمي، أو بحق لله تعالى لا يسقط بالشبهة، ثم رجع في إقراره لم يقبل رجوعه؛ لأنه حق ثبت لغيره، فلم يملك إسقاطه بغير رضاه، وإن أقره بحق لله يسقط بالشبهة نظرت، فإن كان حد الزنا، أو حد الشرب قبل رجوعه٢، والإمام مالك -رضي الله تعالى عنه، وإن قال بسقوط الحد الذي وجب حقا لله بإقرار المقر على نفسه إذا رجع عن اقراره، إلا أنه قد ورد عنه في إحدى الروايات اشتراط أن يرجع المقر عن إقراره لوجود شبهة، أما لو رجع عن إقراره لغيره شبهة، فلا يعتد برجوعه هذا، ويلزم الحد الواجب حقًا لله تعالى٣.

стр. 375

وقد ذكر الشوكاني أن ابن أبي ليلى، والبتي وأبو ثور، ورواية عن مالك، وقول الشافعي أنه لا يقبل الرجوع عن الإقرار بعد كماله، سواء أكان الحد الذي وجب بالإقرار حقا لله تعالى، أم كان حقًا للآدمي قياسًا لحق الله بحقوق الآدميين التي لا يسقط برجوع المقر عن إقراره بها، وثبوتها عليه١. وذهب فقهاء الشيعة الجعفرية إلى أن رجوع المقر عن إقراره، لا يترتب عليه إسقاط حد من الحدود التي وجبت عليه بإقراره، إلا في حالة ما إذا كان الحد الواجب بالإقرار هو الرجم، فإن المقر إذا رجع عن إقراره هذا سقط عنه الرجم، وألزم عقوبة الجلد الحدية بدل الرجم. فالرجوع عن الإقرار لا أثر له عندهم، إلا في هذا فقط بالنسبة للعقوبات الحدية. فقد ذكر أبو القاسم الموسوي أنه: لو أقر شخص بما يوجب

стр. 376

رجمه، ثم جحد سقط عنه الرجم دون الحد، ولو أقر بها يوجب الحد غير الرجم، ثم أنكر لم يسقط١. وقول أبي القاسم الموسوي محل نظر؛ لأنه قد ذكر عند حديثه، عن ثبوت الحد بشهادة الشهود: أن الحد إذا ثبت بشهادة الشهود، ثم رجعوا قبل الحكم، أو قبل استيفاء الحد لم يقم الحد؛ لأن رجوع الشاهد يحقق الشبهة، والحدود تدرء بالشبهات. فإذا كان رجوع الشاهد تنتج عنه شبهة تدرء الحد، فكيف برجوع المقر؟ لا شك أن رجوع المقر أولى بإنتاج الشبهة من رجوع الشاهد؛ لأن الشاهد يرجع نتيجة مساومته على ذلك، ورجوع المقر قد يكون ناتجًا عن اكتشافه حقيقة فعله الذي ارتكبه، ومعرفته أن هذا الفعل لا تقوم به الجريمة التي أقر بها، وليس هناك مبرر لاعبتار الشبهة برجوع الشهود، ونفي قيامها برجوع المقر. هذه مقالة الفقهاء في رجوع المقر عن إقراره رجوعًا صريحًا. أما لو كان الرجوع عن الإقرار غير صريح كهروب الذي يقام عليه الحد مثلًا، فإن جمهور الفقهاء يرى أن هذا الهروب يعتبر رجوعًا عن الإقرار، ويترتب عليه إسقاط العقوبة الحدية -هذا ما ذهب إليه فقهاء الأحناف، والمالكية والحنابلة.

стр. 377

مستدلين بما روي من قول النبي ﷺ لمن تتبع ماعزًا عند هروبه: "هلا تركتموه". فالأئمة الثلاثة يعتبرون أن مجرد الهروب عند التنفيذ دليل رجوع المقر عن إقراره، وبذا يسقط عنه الحد دون حاجة إلى التصريح بالرجوع١. أما جمهور فقهاء الشافعية، فإنهم يرون أن هروب المقر أثناء إقامة الحد عليه لا تعتبر رجوعًا إذا صرح بذلك. وعليه فإن الهروب يقتضي أن يوقف تنفيذ الحد، أو إتمامه حتى يسأل الهارب، ويستفسر منه عن سبب هروبه، فإن صرح بالرجوع عن الإقرار قبل رجوعه، وسقط عنه الحد، أو ما بقي منه، وإن لم يصرح بالرجوع ألزم الحد أو ما بقي منه، واستدل فقهاء الشافعية لما ذهبوا إليه بأن الرسول ﷺ لم يلزم من تتبع ماعزا حتى قتله الدية. إذ لو كان الهروب وحده كافيًا في إسقاط الحد من غير تصريح بالرجوع لكان هؤلاء قد قتلوا، وعليه يلزمون دية من قتلوه. وقيام شبهة وجوب الحد عليه، وهي التي درءت عنهم القصاص، ولكنها لا تدرء الدية٢.

стр. 378

وما ذهب إليه جمهور فقهاء الشافعية، من أن هروب المقر عند تنفيذ الحد من غير تصريح بالرجوع عن الإقرار، لا يعد شبهة مسقطة للعقوبة الحدية هو الرأي الذي يناسب مقام إنزال العقوبة الحدية بالجاني، نظرًا؛ لأن هذه العقوبة من أشق العقوبات، وأشدها إيلامًا بالبدن، والنفس، وقد يحاول الجاني الذي يقام عليه الحد التخلص من آلامه الجسدية بصورة، أو بأخرى دون ما شعور، ومن غير قصد الرجوع عن الإقرار. ومن هنا كان لا بد من أن يستفسر ممن هرب عند تنفيذ العقوبة الحدية عليه، ويسأل عن قصده وسبب هروبه، فإن صرح بالرجوع عن إقراره قبل منه، واعتبر ذلك شبهة تنتج إسقاط العقوبة الحدية عنه، وإن لم يصرح بالرجوع ألزم الحد طالمال لم يوجد ما يعول عليه في إسقاطه. هذه هي مقالة الفقهاء في الاعتداد برجوع المقر عن إقراره، واعتباره شبهة تسقط العقوبة الحدية، وهو ما ذهب إليه جمهورهم، أو عدم اعتباره شبهة، وإعمال الإقرار الذي كان منه، وإلزامه العقوبة الحدية، وعدم الالتفات إلى ما كان من رجوعه عن إقراره، سواء أكان قد أقر بحق الله ، أو بحق العبد. والرأي ما ذهب إليه الجمهور، أما ما ذهب إليه غير الجمهور من عدم الاعتداد برجوع المقر، فهو مجانب لما تقتضيه طبيعة التقنينات الحدية، وما سبق عرضه، والاستدلال عليه من درء الحد بالشبهة. ولقد ساق هؤلاء أدلة على ما ذهبوا إليه، وهي أدلة لا يقوم بها دليل على قضيتهم، لما يأتي: أولًا: استدل المانعون اعتبار الرجوع شبهة تدرء الحد، بما كان من شأن من تتبعوا ماعزا حتى قتلوه، ولم يلزمهم رسول الله ﷺ ديته، أو عقوبة ما من العقوبات.

стр. 379

وليس في هذا دليل لهم على قضيتهم؛ لأنه ما كان من ماعز ما هو إلا رجوع ضمني، وليس رجوعًا صريحًا. فمن تتبع ماعزا لم يتتبعه لعدم قبول رجوعه عن إقراره، وإنما تتبعه؛ لأنه لم يصرح برجوعه، إذ لم يرجع ماعزا رجوعًا صريحًا، كل ما هنالك أنه لما وجد مس الحجارة هرب، وقد فهم من تتبعواه أنه فر من الحد، لا أنه رجع عن إقراره، ولو سلمنا بأن رسول الله ﷺ لم يلزم أصحاب ماعز بديته، فذلكح مبني على أساس ما كان لهؤلاء من شبهة عدم الرجوع الصريح لجواز أنهم فهموا أن الهروب ناتج عن الآلام، ومس الحجارة، وبناء عليه تتبعوه، ومما لا يخفى أن مثل هذا يترتب عليه شبهة، وشك في القصد الجنائي، والشك فسر لصالح المتهم كما أنه يجوز أنه ورثة ماعز -أن كان له ورثة- قد استنكفوا أخذ ديته، سواء من الذين تتبعوه، أو من بيت مال المسلمين. أو أن ماعزا لم يكن له ورثة، وفي مثل هذه الحالة تجب ديته لبيت المال، فإذا كان من تتبعوه هم الذين سيتحملون الدية، فإنه من حق الرسول ﷺ أن يعفيهم منها، فيجوز أنه ﵊ قد عفاهم منها. وإن كان بيت المال هو الذي سيتحملها، فما الفائدة أن يدفع بيت المال لبيت المال. وفوق هذا كله يمكن أن يكون رسول الله ﷺ قد قضى بشيء من شأن دية ماعز، ونظر؛ لأن المقام لم يتطلب الحديث عن الدية، فإن الرواة لم يتعرضوا لذكر شيء عنها لانشغالهم بما هو أهم من جوانب قضية ماعز. ثانيًا: قاس مانعوا اعتبار الرجوع عن الإقرار شبهة يسقط بها الحد الواجب حقا لله ، ما يجب حقًا لله تعالى بما يجب حقا للأفراد مما لا يسقط بالرجوع عن الإقرار به، وقالوا:

стр. 380

أن حق الله كسائر الحقوق التي نجب بالإقرار، فلا يقبل الرجوع عن الإقرار به، كما لا يقبل الرجوع عن الإقرار بها، وعليه فلا تعتبر الرجوع شبهة يندرئ بها الحد الواجب حقا لله ، وقياسهم حقوق الله بحقوق العباد في ذلك قياس غير منضبط لعدم اتحاد العلة في كل: إذ أن حقوق الله سبحانه مبنية على المسامحة، أما حقوق العباد فالأصل فيها المشاحة والمنع، كما أن القياس ما هو إلا استنباط حكم بإعمال العقل بشروط معينة، وإعمال العقل حتى مع هذه الشروط المعينة يحتمل الخطأ، فالقياس يفيد غلبة الظن، ولا يفيد اليقين١، ومثل هذا لا يجوز إعماله في استنباط حكم من أحكام الحدود، من هذا يبين رجحان القول باعتبار الرجوع عن الإقرار شبهة تندرئ بها الحد الواجب حقًا لله . وهو يتفق ومبادئ الشريعة التي تحض على ستر المؤمن إذا وجدت له مندوحة، وتؤكد على براءة المدعى عليه طالما أم دليل إدانته، وخصوصًا في الإدانة بالجرائم الحدية دليل غير قطعي تعتريه الشبهات. ٤ ذهب القاضي ابن أبي ليلى٢ إلى اشتراط أن يكون الإقرار الذي تثبت به الجريمة الحية، عقب وقوع الجريمة، بحيث لا يفصل بينه وبينها مدة تعد تقادمًا، فإن وقع الإقرار من الجاني بعد

стр. 381

ارتكابه الجريمة بمدة يعتبرها تقادمًا، فلا يعد هذا الإقرار مثبتًا لجريمة من الجرائم الحدية، التي وقع الاعتداء على حق من حقوق الله . ومبنى ذلك عنده أن الهدف الأساسي للعقوبة الحدية هو الردع، والزجر لكل من المجتمع والجاني، ولا يتحقق هذا الهدف في رأيه إلا إذا وقعت العقوبة بعد الجناية مباشرة، كما أنه يرى أن الجاني الذي جاء مقرا بجنايته بعد مضي فترة تعد تقادمًا على ارتكابه لها، لا شك أنه قد جاء بدافع من ضميره، ووازع من دينه بعد أن تاب وأناب. وذهب الإمام أبو حنيفة، ووافقه أبو يوسف إلى أن تأخير الإقرار بجريمة الشرب يدفع الأخذ به، لا يعد عندهما دليل إثبات جريمة شرب، فلا يقيمان به حدها. أما الإمام مالك، والإمام الشافعي والإمام أحمد، ومحمد بن الحسن، فإنهم يرون أن الإقرار بالجرائم الحدية المتقادمة يلزم به الحد، ولا يطعن في صحة كون الجاني قد تأخر في الإدلاء به. وقد حكى ابن الهمام آراء الفقهاء هذه في قوله: "والحاصل أن في الشهادة بالحدود القديمة، والإقرار بها أربعة مذاهب: الأول: رد الشهادة بها، وقبول الإقرار بما سوى الشرب، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف. والثاني: ردها وقبول الإقرار بالشرب القديم كالزنا والسرقة، وهو قول ابن الحسن. الثالث: قبولهما، وهو قول الشافعي، ومالك، وأحمد. والرابع: ردهما، نقل عن ابن أبي ليلى١.

стр. 382

وما استدل به ابن أبي ليلى لا تقوم به حجة على رد الإقرار المتأخر بحق من حقوق الله ، التي يلزم الحد بالاعتداء عليه؛ لأن الردع والزجر لا ينقص منهما أن يكونا بعد حدوث الجريمة بمدة تعد تقادمًا؛ لأن زجر الجاني يتحقق بإقامة الحد عليه سواء أكان عقب وقوع الجريمة، أم بعدها بمدة طويلة، كما أن المجتمع يتحقق ردعه بأن يرى العقوبة الحدية تقام، ولا ينفي هذا الردع كون الجريمة المعاقب عليها جريمة قديمة؛ لأن المقول بانتفاء الردع هنا، وإسقاط العقوبة بمقتضاه يفتح الباب أمام المجرمين، فيرتكبون جرائمهم، ثم يهربون فإذا انتقضت مدة تعد تقادمًا عادوا، وهم آمنون من العقوبة الحدية طبقًا لقول ابن أبي ليلى؛ لأن الردع والزجر لا يتحققان كما يرى لكونهما عقوبة على جريمة قديمة. ولا يخفى ما ذكر من خلاف بين الفقهاء في مسألة الردع، والزجر هذه، إذ أن الظاهرية لا يولون حدوث هذا اعتبار ما في الحد، وإيجابه إذ هم لا يبحثون عن تعليل، أو أهداف للعقوبة الحدية١. كما أن ما ذكره ابن أبي ليلى من حديث عن توبة من جاء مقرًا بجريمة قديمة، وأثر هذه التوبة، وصحوة الضمير إذ أنهما لا يعدان من ضمن أسباب إسقاط العقوبة الحدية، أو شبهة من الشبهات التي يندرئ بها الحد إذ أن رسول الله ﷺ ألزم الغامدية الحد، وهي التي تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له، كما أخبر بهذا

стр. 383

الصادق المصدوق ﷺ ، ولا يخفى أن إقامة الحد على الغامدية قد جاء بعد فوات مدة طويلة هي مدة حملها، وإرضاعها١. وهي مدة تعد تقادمًا طبقا لما ذكره فقهاء الأحناف الذي ذهبوا مذهب ثلاثة في هنا. الأول: ويقول به الإمام أبو حنيفة، ونقله عنه أو يوسف في قوله: عهدنا بأبي حنيفة أن يقدر لنا فلم يفعل، وفوضه إلى رأي القاضي في كل عصر، فما يراه بعد مجانبة الهوى تفريطًا تقادما، وما لا يعد تفريط، وأحوال الناس والعرف تختلف في ذلك. الثاني: ويقول به محمد بن الحسن أن المدة التي تعد تأخيرًا هي شهر؛ لأن ما دون الشهر يعتبر عاجلًا، وما بعده لا يعتبر كذلك. وقد ذكر ابن الهمام حين قال: وعن محمد أنه قدره بشهر؛ لأن ما دونه عاجل ... قال أبو حنيفة: لو سأل القاضي الشهود متى زنى بها، فقالوا: منذ أقل من شهر أقيم الحد، وإن قالوا: شهر أو أكثر، درئ عنه. الثالث: يعتبر أن مدة التقادم ستة أشهر؛ لأنه لا تسمع شهادة الشهود بعد حين، وفسر الحين بأنه ستة أشهر٢. وتقدير التقادم طبقًا لما يراه القاضي رأي منطقي إذ أن الأحوال تختلف من جناية لأخرى، ومن بلد لآخر ... فما يراه قوم تقادما قد لا يراه آخرون، بالإضافة إلى أن الجرائم قد تتفشى في وقت ما، أو مكان ما، الأمر الذي يتقضي أن يوضع من النظم، والتقديرات ما يكفل

стр. 384

القضاء على كل ما يؤذي المجتمع ويوقع الضرر به، ويشعر معه الجاني أنه معاقب على جريمته مهما بلغ من التحايل. ولا يعقل ما يرى تقادمًا في جناية الخمر عند البعض من زوال رائحتها من فم الشرب، حتى ولو ثبتت بالشهادة، لا شك أن القول بهذا يفتح باب الغواية إذ أن هذه الجريمة تفتح أبواب ارتكاب الجرائم الأخرى، وإسقاط عقوبتها بزوال رائحة الخمر من فم الشارب قبل إقراره، أو إقامة البينة عليه يوقع في خطر، ويلحق بالمجتمع أضرار لا تحد عواقبها، ولا يخفى ما ذكره أبو حنيفة عند تفويضه لرأي القاضي في ذلك، بأن جعل ذلك مشروطًا بمجانبة الهوى، وهو شرط جوهري للفصل في ما يعد تقادمًا، هذه شروط الإقرار إجمالًا وبصفة عامة عند فقهاء الشريعة الإسلامية، أتبعها بمقال رجال القانون في الإقرار وحجيته تتميما للفائدة. الإقرار عند فقهاء القانون: يراد بالإقرار عند فقهاء القانون: اعتراف المتهم على نفسه أمام القضاء بالتهمة المسندة إليه. فلو لم تكن هناك تهمة مسندة لمن أقر على نفسه بإتيان فعل من الأفعال المجرمة، فإنه لا يلتفت إلى إقراره هذا، كما أنه لو أقر بقيامة بفعل ما من الأفعال الجنائية، وكان ما أقر به غير موضوع الدعوى المقامة عليه، فإنه لا يلتفت إلى إقراره هذا بهذه الوقائع نظرًا؛ لأنها ليست هي موضوع الدعوى المقامة عليه١.

стр. 385

كما أن الإقرار المعول عليه هو ما يكون أمام المحكمة التي تنظر الدعوى المقامة ضد المقر، كما ذهب الشراح وبينوا، فإن أقر أمام سلطة التحقيق، أو في مرحلة جمع الاستدلالات، فإن هذا الإقرار لا تأخذ به المحكمة، ولا تعتد به كدليل إثبات، إلا إذا أصر عليه المقر ولم يرجع عنه، وإن كان قضاء النقض على خلاف ذلك١. وعلى هذا، فإذا أقر المدعى عليه أمام المحكمة التي تنظر موضوع الدعوى، فأخذت المحكمة بإقراره، وحكمت بمقتضاه لم يعد لهذا المقر الحق في الرجوع عن إقراره هذا، وتلزمه العقوبة المحكوم بها عليه. ولقد ذهب الفقه القانوني حديثًا إلى أن الإقرار لا يعد دليلًا يسند إليه وحده في الإدانة، بل لا بد من أن يرافقه ما يؤكده، ويثبت صحته٢. وإن كان قانون الإجراءات الجنائية المصري قد أجاز للمحكمة الاكتفاء باعتراف المتهم، والحكم عليه بمقتضاه دون الحاجة إلى سماع الشهود٣.

стр. 386

والإقرار عند فقهاء الشريعة الإسلامية دليل إثبات قوي، وأكيد بشرط أن يكون مطابقًا للواقع، بحيث لا توجد وقائع تنفيه أو تطعن في صحته، بل إن بعض الجنايات قد اشترط جمهور فقهاء الشريعة لإثباتها عن طريق الإقرار أن يتعدد الإقرار بعدد الشهود الذين تثبت الجريمة بشهادتهم، وزاد البعض أن يكون كل إقرار في مكان غير المكان الذي أقر فيه الجاني إقراره السابق.

стр. 387

من هذا يبين رجحان ما ذهب إليه فقهاء الشريعة، إذ هم لم يعلموا الإقرار بصفة عامة أيا كان هذا الإقرار، كما أنهم لم يتركوا أعماله، والأخذ به إذا لم يرافقه ما يؤكده، ويثبت صحته من أدلة ووقائع، وإنما وضعوا ضوابط، ومقاييس ونظم أصابوا بها قصب السبق، وحسموا بها القضية إذ كيف يمكن أن يقال أن الجاني الذي ارتكب جنايته ولم يره أحد، إذا راجعه ضميره وأراد تطهير نفسه، فذهب وأقر بما ارتكب، فإنه لا يعول على هذا الإقرار، ولا يعتد به في إثبات ما جاء من وقائع نظرًا؛ لأن هذه الوقائع لم تقم بها دعوى على المقر. وأكثر من ذلك إذا أقيمت الدعوى، وأقر الجاني بما ارتكب من الوقائع التي هي موضوع الدعوى، ولم يكن هناك دليل غير إقراره، فإنه لا يعتد أيضًا بهذا الإقرار وحده في إثبات ارتكاب الجاني هذه الوقائع، والتي أقر بها على نفسه١. إن هذا القول يفتح باب الإفلات من العقوبة على مصراعيه، وتصبح معه رقابة الضمير التي هي من أهم ضمانات استقرار الحياة

стр. 388

واحترام نظم الأمة، تصبح تلك الرقابة لا قيمة لها، وتضيع بهذا كثير من حقوق الآخرين وحرياتهم، ويفتح أيضًا باب الظلم والجور لجواز أن يتهم بريء بقتل إنسان ويؤتى بشهود الزور، ويلصقوا التهمة بهذا البري، ويحيكوا له من الأدلة ما يكفي للذهاب له إلى حبل المشنقة، فإذا استيقظ ضمير الجاني الحقيقي وذهب، وأقر على نفسه بما ارتكب، فكيف يتأتى القول إذا بعدم الاعتداد بهذا الإقرار كدليل قانوني. إن رأى الفقه الإسلامي في مثل هذا بين ومعروف يؤكده ما روي من أن أمير المؤمنين علي -رضي الله تعالى عنه- أتى برجل، وجد في خربة وبيده سكين ملطخة بدم، وبين يديه قتيل يتشحط في دمه، فسأله فأقر الرجل بأنه القاتل، وأكد هذا الإقرار قول العسس، والقرائن المصاحبة، فحكم علي بقتله قصاصًا. وإذا برجل يقر بأنه هو القاتل الحقيقي. وتدل الوقائع على براءة الأول، وثبت أن القاتل هو الثاني. الذي جاء مقرا بوازع من ضميره، فيأخذ علي بهذا الإقرار، ويعتد به مع أنه لم تكن هناك دعوى مقامة على من جاء مقرا بعد أن ألزم الرجل الذي أمسك به العسس بعقوبة القتل. ولم يطالب على من جاء مقرًا، ببينة تشهد بصحة ما أقر به١، والفقه الوضعي لم يكتف بعدم الالتفات إلى الإقرار، وعده إقرارًا تشوبه الريبة يخالطه الشك. وإنما ذهب إلى أكثر من ذلك، فيما قررته المادة ١٧٤/ ٢ من قانون التحقيق الجنائي في السوادن، والتي تنص على أنه إذا كانت الجريمة المسندة إلى المتهم معاقبًا عليها بالإعدام

стр. 389

فيجب على رئيس المحكمة أن يدون في المحضر نيابة عن المتهم ردا بأنه غير مذنب١. وهذ النص قد ألزم القاضي بأن يدون في المحضر قولًا منسوبًا للمتهم، حتى ولم يقله المتهم، بل وحتى لو طالب بعكسه، وأصر على أنه هو المذنب الذي ارتكب وقائع هذه الدعوى، وأقر بها. من هذا كله يبين أن الفقه الوضعي يعتبر إقرارا المتهم، حتى وإن كانت الدعوى قد أقيمت عليه، وأقر بوقائعها -من قبيل الاستدلالات، الأمر الذي يترتب عليه إلزام المحكمة أن تبحث عن أدلة أخرى تثبت بها صحة ما أقر به المتهم من وقائع، حتى يمكنها أن تحكم بادانته. أما الشريعة الإسلامية، فهي تعتد بالإقرار بشروطه التي تملأ قلب القاضي طمأنينة، وتأخذ به وتحكم بمقتضاه حتى بالعقوبات الحدية؛ لأنها قد وضعت من الشروط ما يكفل صحة أقوال المقر. ولا يخفى أن هذا النفع للعدالة، وأجدى في تحقيق أمن المجتمع، كما أن جمهور فقهاء الشريعة الإسلامية، قد أجازوا للمقر الرجوع عن إقراره، وأسقطوا عنه ما لزمه من عقوبات حدية نتيجة رجوعه عن إقراره، إذا كانت هذه العقوبات متعلقة بحق من حقوق الله ؛ لأنهم اشترطوا بقاء الإقرار قائمًا صحيحًا، حتى يتم تنفيذ العقوبة، الأمر الذي أغفله الفقه الوضعي.

стр. 390

المبحث الثاني: الشهادة مدخل ... المبحث الثاني: الشهادة ويشتمل لي تقديم ومطلبين. المطلب الأول: شروط في الشاهد. المطلب الثاني: شروط في الشهادة. تقديم: تعريف الشهادة: الشهادة في اللغة: البيان؛ لأن الشاهد يبين الحق من الباطل عند الحاكم: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ١، أي بين. والشهادة مشتقة من المشاهدة؛ لأن الشاهد يخقبر عما شاهده أو؛ لأن الشاهد بإخباره الحاكم بما شاهد ورأى، يجعل الحاكم كالمشاهد الذي يرى المشهود عليه٢. والشهادة عند الفقهاء: إخبار حاكم عن علم ليقضي بمقتضاه، أو إخبار صادق في مجلس الحكم بلفظ الشهادة، وزاد البعض شروط كون الإخبار ناتجًا عن مشاهدة، وعيان لا عن تخمين وحسبان٣.
следующие страницы →