← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9979

الشبهات وأثرها في العقوبة الجنائية في الفقه الإسلامي مقارنا بالقانون

منصور الحفناوي

Полный текст (668 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

المطلب الثالث: شبهة الملك وتتأتى شبهة الملك عندما يكون للفاعل نوع ما من الملك في المحل الذي نيط الفعل به. ويترتب على وجود هذه الشبهة درء العقوبة الحدية عن هذا الفاعل الذي ثبت له نوع من الملك في المحل الذي نيط به الفعل الجنائي. وقد عد فقهاء الأحناف هذه الشبهة ضمن ما أطلقوا عليه شبهة المحل، ووافقهم في ذلك أيضًا فقهاء الشافعية، فشبهة المحل عندهم تشمل كلا من شبهة الدليل، وشبهة الحق وشبهة الملك، كما سبق بيانه عند الحديث عن شبهة الحق، والملك الذي تنشأ عنه هذه الشبهة، إما أن يكون ملكًا خالصًا للمحل الذي قام بالفعل به، ووقع الاعتداء عليه سواء أكان ملكًا حقيقًا، أم ملكًا حكميًا. وإما أن يكون مشتركًا، وإما أن يكون لشخص آخر غير الفاعل، إلا أن مالكه قد أباحه لهذا الذي قد وقع منه الفعل الجنائي، إلى غير ذلك من أنواع الملك التي ستضح فيما يأتي من أمثلة، قامت في كل منها شبهة الملك، وترتب على وجودها دراء العقوبة عن الفاعل. ١- شبهة سببها الملك الخالص: أ- وتقوم هذه الشبهة في حق من يطأط أمته التي بينها، وبينه حرمة نسب لكنها لا تعتق بملكه لها، كعمته أو ابنة أخيه مثلًا فمثل هذا لا تلزمه العقوبة الحدية نظرًا لقيام شبهة الملك في حقه، وهي التي ترتب عليها عدم إلزامه الحد.

стр. 317

والذين أسقطوا العقوبة الحدية هنا ألزموا الجاني عقوبة تعزيرية رادعة، يقول الخرشي عند حديثه عن شبهة الملك المسقطه للعقوبة الحدية: "وكذلك يؤدب من اشترى أمة لا تعتق عليه بنفس الملك كعمته، وابنة أخيه، وما أشبه ذلك ثم وطئها وهو عالم بتحريمها، وإنما لم يحد لعدم انطباق حد الزنا عليه، ويلحق به الولد، وتباع عليه خشية أن يعود لوطئها ثانية١. ويقول ابن قدامة: وإن اشترى أمه أو أخته من الرضاعة ونحوهما، ووطئها فذكر القاضي عن أصحابنا أن عليه الحد؛ لأنه فرج لا يستباح بحال، فوجب الحد بالوطء كفرج الغلام٢، وقال بعض أصحابنا: لا حد فيه وهو قول أصحاب الرأي والشافعي؛ لأنه وطء في فرج مملوك به يملك المعاوضة عنه، وأخذ صداقه فلم يجب به الحد كوطء الجارية المشتركة. فأما إن اشترى ذات حرمة من النسب ممن يعتق عليه، ووطئها٣ فعليه الحد لا نعلم فيه خلافًا؛ لأن الملك لا يثبت فيها فلم توجد الشبهة، وقد ذكر الشيرازي أن للشافعي رأين في هذا: إحدهما أنه يجب عليه الحد؛ لأنه ملكه لا يبيح وطأها بحال من الأحوال، فلم يسقط الحد. والثاني: أنه لا يجب عليه الحد، وهو الصحيح؛ لأنه وطء في ملك فلم يجب به الحد٤.

стр. 318

ب- شبهة تقوم بسبب الملك الحكمي، وذلك كما في حق الأب الذي يسرق مال ابنه كما مر، أو يطأ الجارية التي يمكلها ابنه، فإن هذا الأب تقوم في حقه شبهة الملك الحكمي؛ لأنه مالك حكمًا لكل ما يمتلكه ابنه، وعليه فإن هذا الملك الحكمي تنشأ عنه شبهة تسقط العقوبة الحدية. يقول ابن قدامة: الأب إذ وطئ جارية ولده، فإنه لا حد عليه في قول أكثر أهل العلم، منهم مالك وأهل المدينة، والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور وابن المنذر: عليه الحد إلا أن يمنع منه إجماع؛ لأنه وطء في غير ملك، أشبه وطء جارية أبيه. ولنا أنه وطء تمكنت الشبهة منه فلا يجب به الحد، كوطء الجارية المشتركة والدليل على تمكن الشبهة قول النبي ﷺ : "أنت ومالك لأبيك"، فأضاف مال ولده إليه وجعله له، فإذا لم يثبت حقيقة الملك، فلا أقل من جعله شبهة دارئه للحد الذي يندرئ بالشبهات؛ ولأن القائلين بانتفاء الحد في عصر مالك والأوزاعي، ومن وافقهما قد اشتهر قولهم، ولم يعرف لهم مخالف، فكان ذلك إجماعًا، ولا حد على الجارية؛ لأن الحد انتفى عن الواطئ لشبهة الملك، فينتفي عن الموطوءة كوطء الجارية المشتركة؛ ولأن الملك من قبيل المتضايفات إذا ثبت في أحد المتضايفين ثبت في الآخر فكذلك شبهته، ولا يصح القياس على وطء جارية الأب؛ لأنه لا ملك للولد فيها، ولا شبهة ملك بخلاف مسألتنا١. ٢- شبهة الملك المشترك: وتقوم هذه الشبهة في حق المحارب المستحق جزءًا من الغنيمة إذا

стр. 319

قام بسرقة بعض هذه الغنيمة قبل أن تقسم على مستحقيها، فالسرقة هنا قد تحققت صورتها بأخذ المحارب المال خفية، لكنه لما كان مالكا لجزء من المال الذي أخذ منه خفية ملكية صحيحة، غير أنها لم تتأكد بالقسمة أنتجت هذه الملكية غير المستقرة شبهة تدرء الحد عنه١. وتقوم شبهة الملك المشترك أيضًا في حق كل من يقع منه فعل جنائي على محل له فيه شركة. كمن يطأ أمة مشتركة بينه وبين غيره، والعقوبة الحدية وإن سقطت على الجاني بسبب قيام شبهة الملك المشترك، إلا أنه يلزم بعقوبة تعزيرية موجعة ورادعة. يقول الخرشي: يؤدب من وطئ أمة مشتركة من أحد الشريكين، أو الشركاء؛ لأن الشريك له في الأمة المشتركة ملك قوي، والشبهة إذا قويت تدرء الحد أي تسقطه٢. وقد ذكر ابن قدامة أن أب ثور قد خلف جمهور الفقهاء، وقال بوجوب الحد على من وطئ جارية مشتركة بينه، وبين غيره. غير أن ابن قدامة قد رجح رأي الجمهور على أساس أن وجود الملك المشترك يدفع الحد عن الجاني في هذه المسألة٣.

стр. 320

٣- شبهة إباحة الملك: يأتي القول بهذه الشبهة في حالة ما إذا مالك الأمة لغيره وطأها، وقد ذهب الفقهاء في حكم هذا، وما يجب به إلى ما يأتى:- أ- ذكر الشربيني الخطيب إنه حكي عن عطاء جواز إباحة مالك الأمة لغيره وطأها١. كما ذكر الخرشي عند حديثه عن هذا: أن القول بعدم الحد بوطء الأمة المحللة ما هو إلا مراعاة المذهب عطاء القائل بجواز التحليل ابتداء٢، كما جاء في الروضة البهية: وتباح الأمة لغير مالكها بالتحليل، وحل الأمة بذلك هو المشهور بين الأصحاب بل كاد يكون إجماعًا، ولا بد من صيغة دالة عليه مثل أحللت لك وطأها، أو جعلتك في حل من وطئها، وفي صحته بلفظ الإباحة قولان، والأشبه أنه ملك يمين لا عقد نكاح؛ لأن عقد لازم ولا شيء من التحليل بلازم٣، وجاء في الاستبصار تحت عنوان "أبواب تحليل الرجل جاريته لأخيه"، يجوز أن يحل الرجل جاريته لأخيه المؤمن، وروي في ذلك عدة أخبار عن فقهاء الشيعة٤.

стр. 321

ب- وجاء في المغني أنه حكي عن النخعي أنه يعزر، ولا حد عليه أي أن من وطئ جارية زوجته لا يلزمه بذلك الحد؛ لأنه يملك امرأته، فكانت له شبهة في مملوكتها، حتى وإن لم تحلها له١. جـ- ذكر الخرشي عند شرحه لعبارة المصنف "وكأمة محللة وقومت، وإن أبيا" المشهور أنه لا حد على من وطئ أمة قد حللها له مالكها للشبهة، وإنما عليه الأدب فقط، وسواء أكان عالمًا بالتحليل أم جاهلًا، والولد لاحق به؛ لأنه وطء الشبهة، وتقوم تلك الأمة على واطئها لتتم الشبهة، وسواء أرضيا بذلك أي صاحبها والواطئ لها أم لا، وعدم الحد مراعاة لمذهب عطاء القائل بجواز التحليل ابتداء٢. د- جاء في المغني أن من وطئ جارية امرأته بإذنها، فإنه يجلد مائة، ولا يرجم أن كان ثيبًا، ولا يغرب إن كان بكرًا، وإن لم تكن أحلتها له، فهو زان حكمه حكم الزاني بجارية الأجنبي. وقد اختار هذا الرأي ابن قدامة، بقوله: ولنا: ما روى أبو داود بإسناده عن حبيب بن سالم أن رجلًا يقال له عبد الرحمن بن حنين، وقع على جارية امرأته فرفع إلى النعمان بن بشير، وهو أمير على الكوفة، فقال: لأقضين فيك بقضية رسول الله ﷺ إن كانت أحلتها لك جلدناك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمناك بالحجارة، فوجدوها أحلتها له فجلد مائة٣.

стр. 322

هذه هي جملة أقوال من رأوا الإباحة، وأسقطوا العقوبة بها، ومن رأى إلزام الواطئ العقوبة التعزيرية سواء أعلم تحليل مالكها له ذلك أم لم يعلم. ورأى من قصر ذلك على تحليل المرأة جاريتها لزوجها، وإلزامه الجلد مائة إن فعل ثيبًا أو بكرًا. هـ- روي عن عمر وعلي ومالك، والشافعي وقتادة١، وغيرهم أن وطء الأمة التي أحلتها له زوجه كوطء الأجنبية سواء بسواء؛ لأنه لا شبهة له فيها، فأشبه وطء جارية أخيه أو أخته؛ ولأنه إباحة لوطء محرمة عليه، فلم يكن شبهة كإباحة الملاك٢. كما جاء في فقه الشيعة الإسماعيلية، "عن جعفر بن محمد أنه نهى عن عارية الفرج كالرجل يبيح للرجل وطء أمته، أو المرأة تبيح لزوجها، أو لغيره وطء أمتها من غير نكاح ولا ملك يمين، وقال جعفر بن محمد: عارية الفرج هي الزنا وأنا بريء إلى الله ممن يفعله، والقرآن ينطق بهذا قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ ٣. فلم يبح الله تعالى وطء الفروج إلا بوجهين: بنكاح، أو بملك

стр. 323

يمين١، ويعلق الدكتور سلام مدكور على ما ذهب إليه القائلون بجواز إباحة مالك الأمة لغيره أن يطأها بقوله: وهذا مسلك من مسالك الشيعة الجعفرية التي نرى شذوذها، وأنها لا تتفق مع مذهب من مذاهب غيرهم من المسلمين، ولا تتمشى مع ما عرف من أحكام الدين، وأصوله العامة مهما كان لهم تأويل، أو تبرير. فإن هذه الأبضاع "الفروج" محرمة في أصلها، ولم تستبح في الإسلام إلا بالعقد، أو ملك اليمين عند وجود الرق، لا بما يسمونه ملك المنفعة، والظاهر أن هذا تطرف إليهم من قياس فاسد لا يعتمد على مصدر من مصادر الشرع المعقول منها والمنقول. وهو أشبه شيء بمذهبهم في المتعة التي هي في حقيقتها احتيال على الزنا، وإباحة صوره باسم الدين، افتراء على الله، بل إباحتهم أبضاع الإماء لغير مالكها أكثر شذوذًا من إباحتهم للمتعة، فقد يكون في تلك بعض الشهبة من ظواهر بعض النصوص٢. وما ورد من أقوال تجيز إباحة مالك الأمة لغيره أن يطأها، فهي أقوال مردودة حتى وإن أسندت لأي إمام من الأئمة٣. لأنه لا يعقل أن يجيز إمام ما هو مخالف لما علم من الدين بالضرورة، كما أن ما رواه الخرشي من أنه بلغه ذلك عن بعض البربر وغيرهم، فهي رواية ضعيفة لا سند لها، ومثل هذه لا يجوز الاعتماد عليها

стр. 324

كما أنها رواية عن قوم لا قوم لهم في المسائل الفقهية بل هم قوم جاهلون، ولو كانوا غير ذلك لكانوا مرتدين، وفي كلا الحالين لا قول لمثلهم في المسائل الفقهية. وعليه فلا شبهة في مثل ذلك، وما ذهب إليه النخعي من القول بالشبهة على أساس أن الزوج يملك امرأته هو قول مردود. لأن عقد الزواج لا يفيد ملك الرجل لزوجته، وإنما يفيد إباحة معاشرتها، والاستمتاع بها ولا يحق له امتلاك ما لها من أموال وغير ذلك، وحتى وإن أمكن القول بوجود شبهة له في مالها بحكم المخالطة، وإباحة الانتفاع به بأمرها، وعليه فالقول بوجود مثل ذلك بالنسبة للجارية التي تملكها الزوجة مردود؛ لأن إباحة الوطء حق لله بين الطريق إليه، وليس لغيره ترخيص فيه أو إباحة. لأنه كما يقول أستاذي الدكتور سلام مدكور: إن كل ملك في الإسلام لا يأخذ صفة الإباحة الشرعية بمجرد إذن صاحبه، إلا إذا كان على وفق إذن الشارع١. ولم يبق بعد هذا القول حجة لمخالف، أو رأي يعتد به. ٤- ذكر فقهاء الأحناف أن الإمام أبا حنيفة -رضي الله تعالى عنه- يرى أن من استأجر امرأة ليزني بها، فلا حد عليه، وإنما يعاقب تعزيريًا لقيام شبهة الملك باستجاره إياهال ليزني بها. لأن المستوفي منها هو المتعة، وهي المعقود علهي في الإجارة أما لو

стр. 325

استأجرها لعمل آخر من الأعمال، ثم وطئها فإنه يعاقب بالعقوبة الحدية؛ لأن المعقود عليه غير الوطء. فقد جاء في البحر الرائق: لا يجب الحد بوطء من استأجرها ليزني بها عند أبي حنيفة، وقالا -الصاحبان- يجب الحد لعدم الشبهة، ولهذا لا يثبت النسب وتجب العدة، وله -أي لأبي حنيفة- أن الله تعالى سمى المهر أجرة بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ، فصار شبهة؛ لأن الشبهة ما يشبه الحقيقة لا الحيقية، فصار كما لو قال: أمهرتك كذا لأزني بك، قيدنا بأن يكون استأجرها ليزني بها؛ لأنه لو استأجرها للخدمة، فزنى بها يجب الحد اتفاقًا؛ لأن العقد لم يضف إلى المستوفي بالوطء، والعقد المضاف إلى محل يورث الشبهة في ذلك المحل لا في محل آخر. واستدل الإمام أبو حنيفة لذلك بما روي من أن امرأة جاءت أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه، فقالت له: إنها استسقت راعيًا، فأبى أن يسقيها حتى تمكنه من نفسها، فدرء أمير المؤمنين الحد عن هذه المرأة. وبما روي أيضًا من أنه جاءته امرأة أخرى، فقالت له: إنها سألت رجلًا مالًا، فأبى الرجل أن يعطيها حتى تمكنه من نفسها، فدرء أمير المؤمنين الحد عنها أيضًا، وقال هذا مهر. هذا ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة -رضي الله تعالى عنه١.

стр. 326

أما الأئمة الثلاثة، فقد قالوا بوجوب الحد في مثل هذا لعموم الآيات القرآنية الموجبة للحد، ولعموم النصوص المأخوذة من السنة أيضًا، وعدم تخصيصها بغير المستأجرة للزنا، أو استثنائها من عموم الآيات. وكذا لوجود المقتضي لوجوب الحد، وادعاء وجود الشبهة هنا نتيجة عقد استئجاره إياها ادعاء لا طائل تحته١، وما ذهب إليه الأئمة الثلاثة هو ما يقبله العقل، ويتفق مع تعاليم الشريعة الغراء؛ ولأنه لو أخذ بما ذهب إليه أبو حنفية لكان ذلك سبيلًا للفساق، والفجار تحت سمع وبصر الفقه الإسلامي، وبحماية منه، وهذا مما لا يقبل، أما ما استدل به أبو حنيفة حتى وإن صحت روايته، فقد يكون هناك ما قد ظهر للخليفة العادل عمر الغيور على حرمات الإسلام، وحدوده من أمور قد أغفلها الرواة ولم يذكروها، وسهو الرواة أمر ليس ببعيد، وفوق ذلك كله لا يجوز تخصيص عموم النص بمثل هذه الروايات المتعارضة وأهداف التشريع، هذه هي الشبهات التي تتعلق بالركن الشرعي، للجريمة وهي في جملتها تنضوي تحت شبهة الدليل بمفهومها العام،

стр. 327

نظرًا؛ لأنها في جملتها شبهات ننتجت لدى القائلين بها من وجود دليل من الأدلة المتعمدة عندهم، أو نتيجة ترجيح رأي على آخر لدى فقيه من الفقهاء. ومن هنا فهي كلها لا تخرج عن شبهة الدليل، ولا يخفى أن شبهة الجهة التي يقول بها فقهاء الشافعة والحنابلة، ما هي إلا محصلة لاختلاف الفقهاء على إيجاب الحد نتيجة اتيان فعل ما من الأفعال، أو عدم إيجاب الحد بذلك. بمعنى أن بعض الفقهاء يرى الحد جزاء ما وقع من فعل، والبعض الآخر لا يرى على اتيان ذلك الفعل، وعليه فإن شبهة الجهة يتسع مفهومًا ليشمل كل خلاف في إيجاب الحد. والمسائل الخلافية مسائل ورد فيها أكثر من رأي نتيجة تعارض الأدلة، أو ثبوت دليل إيجاب الحد بفعل من الأفعال عند بعض الفقهاء، وعدم ثبوت ذلك الدليل عند الآخرين. وعليه فمرجع الاختلاف ناشيء عن الدليل ومتعلق به، ولا يخفى أن بعض هذه الشبهات، وإن دخلت تحت المفهوم العام لشبهة الدليل، إلا أن بعضها يتميز عن غيره بنوعية تعليل، أو جوانب أو إضافات لا تتوافر في باقي الشبهات التي تنضوي تحت المفهوم العام لشبهة الدليل. ومن هنا تسمياتها بمسميات متغايرة حسب ما توافر فيها من جوانب خاصة، أو تعليل متميز.

стр. 328

المبحث الثاني: الشبهات التي تعتري القصد الجنائي مدخل ... المبحث الثاني: الشبهات التي تعتري القصد الجنائي ويشتمل على مطلبين: المطلب الأول: الجهل. المطلب الثاني: الإرادة. تمهيد: بين القرآن الكريم أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وأن لكل نفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت. كما بين الله تعالى مشروعية أن يدعوه عباده، وأن يطلبوا منه رفع المؤاخذة عنهم، وإعفاءهم من العقاب عندما ينسون أو يخطئون: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ١. ذلك؛ لأن الله أن العصيان والمخالفة لأوامر الشرع، ونواهيه يترتب عليهما العقاب، والمؤاخذة ومن هنا بنى الفقهاء قيام مسئولية المكلف على أساس عصيانه أوامر الشرع ونواهيه، فمن خالف أمرًا ونهيًا، فإنه بمخالفته هذه يعتبر عاصيًا لذلك الأمر أو النهي. وقيام المسئولية على هذا الأساس يجعلها تختلف باختلاف درجة العصيان من المكلف، إذا كان العصيان مقصودًا شددت العقوبة على الجاني، أما إذا كان العصيان غير مقصود نظرًا لجهل الجاني، أو خطئه فإن العقوبة تختلف عن الحالة السابقة؛ لأن الجهل أو الخطأ أمران مخففان لما يترتب على الإثم من عقوبة إن لم ينتج عنهما إسقاط العقوبة

стр. 329

عن العاصي، إن كان مكلفًا، وذلك؛ لأن الجهل أو الخطأ يترتب عليهما انتفاء القصد الجنائي، وينتج عن هذا تخفيف العقوبة، أو الإعفاء منها؛ لأن الجهل أحيانًا يكون سببًا من أسباب عدم المؤاخذة، ومثله الخطأ والنسيان؛ لأن أساس المسئولية في الشريعة الإسلامية هو الإدراك، والاختيار لدى الشخص المكلف١، وبانتفائها تنتفي المسئولية الجنائية عن المكلف؛ لأنهما سبباها، وانتفاء السبب يترتب عليه انتفاء المسبب٢. ويراد بالقصد الجنائي: تعمد اتيان الفعل المجرم، أو ترك فعل ما أمر الشارع به من العلم بأن الشارع قد نهى عن الفعل الأول، وأوجب الثاني. أو هو: اتجاه الإرادة إلى ارتكاب جريمة مع العلم بعناصرها القانونية، ومن هنا كانت الجريمة العمدية هي الجريمة التي يقترفها الفاعل، وهو عالم بحقيقتها الواقعية، وبعناصرها القانونية٣.

стр. 330

من هذه التعريفات يتضح أن للقصد الجنائي عنصرين هما: العلم والإرادة. والتحقيق من وجود هذين العنصرين عند قيام الجريمة شرط لإلزام الجاني عقوبتها الجنائية. أذ بدونهما أن بدون أحدهما لا تتحقق الجريمة العمدية، إذ هما شرطان لقيامها١. ويراد بالعلم معرفة ما جاءت به النصوص التشريعية من تجريم أفعال معينة، وتحديد عقوبات لكل من قام بفعل من هذه الأفعال؛ لأن مثل هذه العقوبات أوردتها النصوص التشريعية ونصت عليها، ولم تدعها لاجتهاد مجتهد. ومثل هذا من الأحكام بين الإمام الشافعي حكم الجهل به بقوله أن هناك من الأحكام، ما لا يتسع بالغا غير مغلوب على عقله في دار الإسلام جهله مثل الصلوات، وصوم رمضان والزكاة، والحج وتحريم القتل، والزنا والخمر والسرقة وغيره مما لا يجوز التنازع فيه، وهناك من الأحكام ما يحتمل التأويل، ويستدرك قياسًا، وهذا درجة من العلم ليس تبلغها العامة٢.

стр. 331

ولهذا، فإنه لما كانت جرائم الحدود، وعقوباتها مما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ لأنه مكلف بمعرفتها، فإن فرط فلا عذر له بجهله بها بل هو بهذا الجهل قد عرض نفسه للوقوع في الحرمات. يقول الإمام مالك -رضي الله تعالى عنه، فيمن جهل من المسلمين المقيمين بدار الإسلام حكمًا من الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، وعلى الأخص أحكام الحدود: قد ظهر الإسلام ونشأ، فلا يعذر جاهل بشيء من الحدود١. كما يقول الأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور مفصلًا ذلك مبينا أن إمكام العلم يقوم مقام العلم، وعليه فلا عذر لمقصر: ويكفي أن نقول أخيرًا: إن أمكان العلم بحكم الشرع يقوم مقام العلم الحقيقي، فمتى بلغ الإنسان عاقلًا وكان ميسرًا له أن يعلم ما حرم عليه، إما بالرجوع إلى النصوص، وإما بالرجوع إلى أهل الذكر ما دام قادرًا على الرجوع إليهم، ما كان له أن يعتذر بالجهل بالحكم سواء عن طريق ادعائه بالجهل بذات النص، أو بمعناه الحقيقي٢. أما إذا كان قد حال بين المسلم، وبين معرفة حكم الشرع سبب قوي لم يستطع مغالبته، والنفاذ منه كأنه يكون قد نشأ بعيدًا عن كل من يعرف الحكم الشرعي، ولم يستطع الوصول إلى معرفة ما يوجبه عليه دينه. أو يكون قد أسلم حديثًا، ولم يتمكن من معرفة أحكام الإسلام لقرب عهده به، فإنه في هاتين الحالتين يصبح ذا عذر مقبول، ويقوم في حقه ما يدرء العقوبة الحدية عنه. وهذا هو الجهل الذي يمكن القول به لدفع العقوبة الجنائية عن هذا الفاعل الذي جهل بالحكم، وتردى في فعلته. وفيما يأتي بيان للمراد بالجهل، وأقسامه وأنواعه، وما يقبل القول به منه، وما لا يقبل. ثم بيان للإرادة وما تنثلم به، فلا يبقى للقصد الجنائي وجود.

стр. 332

المطلب الأول: الجهل وردت كلمة الجهل كثيرًا فيما كتبه الفقهاء، وعلماء الأصول، وعلماء الكلام لارتباطها بكثير من الأحكام والقضايا. والذي يعنينا هنا من الجهل هو الجهل بالحكم الشرعي لمسألة ما من المسائل؛ لأن هذا الجهل هو محل نظر الفقهاء، وبحوثهم من حيث الاعتداد به، أو عدم النظر إليه، واعتباره غير قائم. قسم الفقهاء والأصوليين الجهل أقسامًا عدة يتصل بموضوع هذا البحث منها ما يأتي: أولًا: الجهل الذي لا يعتد به، ولا يعتبر عذرًا ولا شبهة، ومن هذه جهل الباغي الخارج على الإمام الحق -كالخلفاء الراشدين مثلًا بتأويل فاسد، وجهل من عارض اجتهاده الكتاب الكريم، وجهل المسلم المقيم بدار الإسلام بتحريم الخمر وغيرها مما يوجب الحد. ثانيًا: الجهل الذي يعتد به، ويصلح عذرًا وتنتج عنه شبهة يترتب عليها درء الحدود، والكفارات ونحوها، ومن هذا الجهل في موضوع اجتهاد صحيح لا يخالف الكتاب ولا السنة المشهورة ولا الإجماع، وذلك كقتل أحد الوليين لقاتل موليهما بعد عفو الآخر، فإن القاتل هنا

стр. 333

لا يقضي منه لاختلاف الفقهاء في القول بسقوط دم المولى بعفو أحد الأولياء. وهذا الأختلاف قد أنتج شبهة تدرء الحد عن الولي القاتل١، ومثل هذا جهل الحربى الذي دخل دار الإسلام، فأسلم ثم شرب الخمر لجهله بحرمة شربها، نظرًا؛ لأن تحريم ذلك لم تنص عليه جميع المعتقدات المخالفة للإسلام، كما أنه حديث عهد بالدين، هذا بخلاف ما لو أسلم ثم شرب الخمر، وادعى جهله بتحريمها، فإنه يلزم بالعقوبة؛ لأن جهلة هذا لا يعد عذرًا دارئًا للعقوبة الحدية، نظرًا لشيوع تحريم الخمر في دار الإسلام، وهو ممن يقيمون بها. وبخلاف ما لو دخل الحربي -الكتابي- دار الإسلام، فأسلم ثم زنى جاهلًا التحريم، فإن جهله هذا لا يعد عذرًا، لحرمة الزنا في جميع الأديان٢، من هذا يبين أن الجهل بالأحكام لا يعتبر دائمًا عذرًا رافعًا للإثم والحرج في ترك امتثال أوامر الشارع، وإنما يكون عذرًا يعتد به درء العقوبة الحدية في بعض الحالات، سواء أنتج رفع الإثم عن الفاعل، وإسقاط جنس العقوبة عنه أم درء الحد فقط مع بقاء الإثم، وإلزام الفاعل العقوبة التعزيرية. كما أن القول بأن لا عذر بالجهل في دار الإسلام قول لا يؤخذ على عمومه وإطلاقه، فهناك من الأمور ما يعد بالجهل بأحكامها من بعض المقيمين في دار الإسلام عذرًا، نظرًا لعدم تيسير ذلك لهم. وقد أشار إلى ذلك الأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور بقوله: وقد لمست روح الشريعة في هذا المقامن فيما أورده الكمال وغيره من

стр. 334

الأصوليين والفقهاء من أن الأمة كانت في دار الإسلام تعذر بجهل أحكام الشريعة لتشاغلها بخدمة سيدها، وقد يكون مسلمًا بل من علماء المسلمين، فماذا عسى أن يقولوا على مقتضى هذا الاتجاه الفقهي السليم في شأن أولئك الذين شغلهم فوق ما شغل تلك الأمة من العدو، وراء مطالب الحياة اندفاعًا في فلك الدهر، وسيرًا مع عجلة الحياة التي لا ينقطع بها السير في لحظة من اللحظات مع بعدهم عن موجهات الدين، واللوافت إليه من العلماء، وأمراء وعدم التفكير في شيء من ذلك، ولا محاولته مع تمام الجهل بلغته التي كان يجب أن نفكر في إيصالها إليهم، كما فكرنا في إيصال لغاتهم إلينا١، هذا وإن كان الجهل بسبب الانشغال بمطالب الحياة أمرًا يعذر به المسلم، ومن يقيم بدار الإسلام، فإن العذر بهذا يقبل القول به في غير ما يوجب العقوبة الحدية، أما ما يوجبها، فالجهل بحكمة لا يقبل الاعتذار به؛ لأن أحكام ما يوجب العقوبة الحدية من الأحكام التي تعلم من الدين بالضرورة، والاعتذار بالجهل بها لا يقبل؛ ولأن العلم بها لا يقصد به العلم بالفعل فقط، وإنما يشمل أيضًا مجرد إمكان العلم بالحكم الشرعي، فالعلم بالقوة ينزل منزلة العام بالفعل ويقوم مقامه، لذا لا يعذر بالغ عاقل بجهله بما فرض عليه، وطلب منه الالتزام به على وجه القطع طالما يسر له علم ما فرض، ومعرفة ما حرم عليه، بالرجوع إلى نصوص القرآن والسنة، وبسؤال أهل العلم ما دام قادرًا على ذلك، وفيما يأتي بيان لقصص الجهل المذكورين:

стр. 335

أولًا: الجهل الذي لا يعتد به، ولا يعتبره الفقهاء شبهة اتضح مما سبق ومن الحديث عن الجريمة، وأركانها أن الصفة غير المشروعة للسلوك ركن أساسي من أركان الجريمة، فلكي يحكم على العمل بأنه عمل إجرامي لا بد من أن يكون هذا العمل قد نهى عنه الشرع، وحرمه نهيًا جازمًا غير قابل للإباحة إلا بمسوغ شرعي، وعلى هذا كان من اللازم معرفة الجاني تجريم الشرع للأفعال، حتى يمكن إلزامه العقوبة الحدية. وعلى هذا فما المراد إذن بعلم الجاني بتجريم الشرع للأفعال معينة؟ أهو علم الجاني في الحقيقة والواقع؟ أم إمكان علمه لو أراد لكنه قصر في التحصيل، والمعرفة مع قدرته على ذلك؟. لو أن المقصود بعلم الجاني علمه في الحقيقة، والواقع لنتج عن ذلك إلزام من سيحكم بالعقوبة على متهم إثبات أن هذا المتهم الذي ارتكب الفعل الجنائي كان يعلم تجريم الشرع لما أتاه من أفعال قبل أن يقوم بهما، وإثبات علم الجاني بذلك أمر صعب إمكانه والتحقق منه، الأمر الذي يترتب عليه إفلات الجناة من العقاب المستحقق على ما قاموا به من جرائم، أو تغاير هذا العقاب، وتخفيفه لدرجة لا تتفق وهدف المشرع من الردع بالعقوبة المقررة للفعل. ويصبح ادعاء الجهل بتجريم الأفعال ثغرة ينفذ منها الجناة، ويحول دون سريان النصوص، وعليه فليس المقصود بالعلم هنا قيام العلم في الحقيقة والواقع بالنسبة للجاني، وإنما يقصد به العلم المفترض وجوده افتراضًا حتى ولو كان الجاني جاهلًا في الحقيقة والواقع؛ لأن جهله إذن غير معتبر الوجود عند الفقهاء، فوجوده كعدمه

стр. 336

من حيث الاعتداد به في دفع العقوبة الحية، إذ المعتبر هنا إمكان العلم لا تحققه١. هذه هي القاعدة وورد الاستثناء عليها لا يخرجها عن كونها الأصل، وعليه فلا يعتد بجهل المسلم الذي يقيم في بلاد الإسلام٢، ولا بجهل الذي يقيم في البلاد الإسلامية بالنسبة للأفعال التي لا تختلف أحكامها من ديانة إلى أخرى، كما أن إقامة الذمي بالبلاد الإسلامي توجب عليه معرفة الأحكام المطبقة في هذه البلاد، فإن قصر فلا يعذر بتقصيره، فرسول الله ﷺ قد أمر بإقامة الحد على يهوديين زنيا، وأقيم الدليل على جريمتهما عنده٣، ولو كان لهما ما يدرء الحد عنهما لادعياه.

стр. 337

ما ذكر خاص بالجهل بذات النص المحرم للفعل، ويلحق به الجهل بالمعنى الحقيقي للنص في عدم الاعتداد بكل منهما في درء العقوبة الحدية، فلا عبرة بمن يخرج عن المعنى الحقيقي للنص الذي فهمه العلماء منه، سواء أكان خروجه هذا ناشئًا عن جهله بالمعنى الحقيقي، أم مرادًا به التحريف والتزييف، وهذا ما قرره أمير المؤمنين عمر الفاروق حين جاءه رجل من المهاجرين، وقد شرب الخمر فأمر به أن يجلد، فقال للرجل: لم تجلدني وبيني وبينك كتاب الله؟ فقال عمر: وفي أي كتاب الله تجد ألا أجلدك؟ فقال له الرجل: إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ ١، فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا، ثم اتقوا وأحسنوا.... فقال عمر: ألا تردون عليه ما يقول؟ فقال ابن عباس: إن هؤلاء الآيات أنزلت لمن عذر، وحجة على الناس. فقال عمر لابن عباس: صدقت ماذا ترون؟. فقال علي -رضي الله تعالى عنه: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى،

стр. 338

وعلى المفتري ثمانون جلده: فأمر عمر -رضي الله تعالى عنه، فجلد ثمانين جلده١. وفي رواية أخرى قال عمر -رضي الله تعالى عنه- لمن احتج بالآية، وفسرها على غير وجهها، وأخطأ التفسير -أخطأت التأويل، إذا اتقيت الله، اجتنبت ما حرم الله، وأمر به فجلد٢. مما سبق يتضح حكم من جهل ذات النص المحرم، أو معناه الحقيقي، وهذا النوع من الجهل الذي لا يعتد به، ولا يعد شبهة دارئة للعقوبة الحدية هو أحد شطري الجهل بالقانون. وهناك نوع آخر من الجهل يسمى الجهل بالوقائع، وهو شطران: أحدهما: جهل بالوقائع غير الجوهرية، وقد يطلق عليه لفظ الغلط، وهو من الجهل الذي لا يعتد به أيضًا في دفع العقوبة، أو إسقاط الحد؛ لأنه لا يترتب عليه انتفاء القصد الجنائي، فمن ذهب لسرقة مال شخص معين يقيم في مكان ما، فيسرق مالًا فيتضح أنه جهل مكان الشخص الذي يريد سرقته، ودخل مكانا آخر، وسرق مال شخص آخر لا حق للسارق في ماله، فإن هذا الجهل جهل غير جوهري لا ينفي القصد الجنائي لدى الجاني، وبالتالي لا أثر له في إسقاط العقوبة الحدية. ومثله من ذهب لقتل غريم له، ودخل مكان نومه، وأجهز على من وجده نائمًا في الفراش على أساس أنه هو الشخص الذي يريد قتله، فاتضح أن المقتول غير الشخص الذي أراد الجاني قتله، فإن جهل الجاني هنا بشخص المقتول لا يعد شبهة، ولا يترتب عليه إسقاط العقوبة المقررة لجنايته، إذ الجهل هنا لا يترتب عليه انتفاء القصد الجنائي،

стр. 339

كما أنه في الحالتين جهل وقع في أمر جوهري خارج عن عناصر الجريمة التي يعد الجهل نافيًا للقصد الجنائي، إذ الجهل هنا يتعلق بموضوع النتيجة، وليس منصبًا على ذات النتيجة، وموضوع النتيجة لا يلتفت إليه، ولا يعد أساسًا بالنسبة للقول بتجريم الفعل، والعقوبة عليه ما دام الشرع قد كفل له الحماية١. وثانيهما: الجهل بالوقائع الجوهرية، وسيأتي الحديث عنه في الجهل الذي لا يقبل القول به في إسقاط العقوبة الحدية. ثانيًا: الجهل الذي يقبل به، ويعتبره الفقهاء شبهة تدرء الحد من حكمة الله ، ورحمته بعباده، وعنايته بهم أنه رفع عنهم المؤاخذة، وحجب عنهم العقاب إذا جهلوا حكم ما وقع منهم جهلًا يعذرون فيه، ويقبل قولهم به، وهذا مستمد من قول الله : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٢، ومن قول الرسول ﷺ : "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" ٣. فالمؤاخذة مقيدة بإرسال الرسول الذي يبلغ عن الله تعالى: فمن لم تبلغه الدعوة، أو لم يبلغه جزء خاص منها يحرم عملًا ما من الأعمال لا يعاقب إتيان هذا العمل.

стр. 340

كما أن حديث الرسول ﷺ قد بين أن من من أخطأ في إتيان عمل ما من الأعمال المحرمة مع علمه بالتحريم، فلا يعاقب عليه، وهذا أحسن حالًا ممن لم يعلم الحكم أساسًا، فالثاني أولى بالعفو لعدم تبليغ الحكم إليه؛ لأن التبليغ أساس التكليف، وهذا ما نُقل عن الصحابة رضوان الله عليهم، إذ يقول ابن قدامة: "ولا حد على من لم يعلم تحريم الزنا، قال عمر وعثمان وعلي: لا حد إلا على من علمه، وبهذا قال عامة أهل العلم، فإن ادعى الزاني الجهل بالتحريم، وكان يحتمل أن يجهله كحديث عهد بالإسلام، والناشيء ببادية، قبل منه؛ لأنه يجوز أن يكون صادقًا ... "إلى أن يقول"، وإن ادعى الجهل بفساد نكاح باطل قبل قوله؛ لأن عمر قبل قول المدعى الجهل بتحريم النكاح في العدة؛ ولأن مثل هذا يجهل كثيرًا، ويخفى على غير أهل العلم"١. وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه، لما كتب إليه في شأن الرجل الذي قيل له: متى عهدك بالنساء؟ فقال: البارحة، قيل: بمن؟ قال: بفلانة، فقيل له: هلكت، قال: ما علمت أن الله حرم الزنا -أجاب عمر بأن يستحلف ما علم أن الله حرم الزنا، ثم يخلي سبيله٢. وقد توسع ابن حزم في القول بإسقاط العقوبة بسبب جهل الجاني بحكم ما وقع منه من أفعال، سواء أكانت أفعالًا يعاقب عليها بالعقوبة الحدية، أو بالعقوبة التعزيرية، متى أمكن تصديق الجاني في ادعائه جهل الحكم. يقول ابن حزم: "من أصاب شيئًا محرمًا -فيه حد أو لا حد

стр. 341

فيه- وهو جاهل بتحريم الله تعالى له، فلا شيء عليه فيه- لا إثم ولا حد، ولا ملامة- لكن يعلم، فإن عاد أقيم عليه حد الله تعالى، فإن ادعى جهالة نظر، فإن كان ذلك ممكنًا، فلا حد عليه أصلا، وقد قال قومه بتحليفه، ولا نرى عليه حدًا، ولا تحليفًا- وإن كان متيقنًا أنه كاذب لم يلتفت إلى دعواه". واستدل ابن حزم على ما ذهب إليه بأدلة كثيرة، منها ما روي عن السلف من أن امرأة أتت علي بن أبي طالب رضى الله تعالى عنه، فقالت: إن زوجي زنى بجاريتي، فقال: صدقت، هي ومالها لي حل، فقال له علي: اذهب ولا تعد، كأنه درء عنه الحد بالجهالة١. من هنا كان القول: بأن من يجهل الحكم جهلًا يعد معذورا فيه كان جهله هذا مسقطا العقوبة الحدية عنه، سواء أكان جهله نتيجة عدم وصول الحكم الشرعي إليه دون تقصير منه، أم كان الحكم من الدقة بحيث لا يصل إلى معرفته إلا المتخصصون، وكان من جهله في مكان لا يستطيع فيه لقاء المتخصصين، أو سؤالهم. ويعد الحل بالحكم دارئًا للعقوبة الحدية في الحالات الآتية: أولًا: إذا كانت سبل العلم بالحكم بعيدة المنال، ووسائله غير ميسرة، وذلك كجهل من يقين بعيدًا عن الديار الإسلامية بأحكام الإسلام، فالجهل هنا بكل أحكام الإسلام لعدم وصول التبليغ، فلا عقوبة إذا ولا إثم. ثانيًا: جهل من أسلم حديثًا بالأحكام الشرعية التي لم يتيسر له معرفتها لكونه قد نشأ بعيدًا عن الديار الإسلامية، ولم تكن هذه الأحكام معروفة له، ولم يكن النظام الذي كان يدين به قبل أن يسلم

стр. 342

يحرم ما حرمه الإسلام، فالجهل هنا ينفي وصف الجريمة عما وقع من أفعال، وإن كانت مجرمة طبقًا للنظام الإسلامي. ثالثًا: جهل الذمي الذي يقيم ببلاد المسلمين بحكم من أحكام الإسلام التي تختلف باختلاف الديانات، بمعنى أن الفعل الذي حرمه الإسلام مباح، فيما يدين به هذا الذمي، فجهل الذمي إذا جهل يعذر به، ويقبل منه في دفع العقوبة الحدية عنه، فلو شرب هذا الذمي خمرًا لم تبلغ به حد الإسكار، فلا حد عليه، وإن كان الإسلام يحرم ذلك؛ لأن جهله بتحريم الإسلام ذلك، مع إباحته فيما يدين به الذمي يدرأ الحد عنه١. رابعًا: الجهل الناتج عن انتفاء العلم بالعلاقة المحرمة، مع معرفة الحكم واشتهاره، وذلك كمن يعقد على امرأة، ثم يدخل بها وبعد فترة يظهر له أنها محرمة عليه بسبب نسب، أو رضاع لم يكن يعلمه قط، ولم يخبره أحد ممن علمه بذلك، فهنا والحالة كذلك لا عقوبة عليهما لانتفاء علمهما بالتحريم لجهلهما ما بينهما من علاقة، أو رضاع وإن كانا يعلمان أحكام الشرع بالنسبة لزواج المحرمات، ومن هن. ومثل هذا ما إذا حكم بموت إنسان نظرًا لفقده في حرب من الحروب، ومضت مدة بعد تبادل الأسرى، ولا دليل على وجوده حيًا، فإن زوجة هذا الذي قد حكم بموته إذا تزوجت شخصًا آخر، ودخل بها ثم ظهر زوجها الأول، فإن دخول الزوج الثاني بها، وهو لا يعلم أن زوجها الأول موجود لا يعد زنا، ولا يوجب عقوبة. خامسًا: جهل المسلم بحكم من الأحكام التي هي موضع اجتهاد الفقهاء، أو حكم من الأحكام التي لم يجمع الفقهاء على رأي واحد

стр. 343

فيها، ولم يكن في وسعه الوصول إلى الحكم، فالجهل هنا يقبل القول به، نظرًا؛ لأن الوصول إلى الحكم في مثل ذلك أمر يحتاج إلى إعمال الفكر والبحث، وذلك غير ميسر إلا للعلماء، كما أن اختلاف الفقهاء في حد ذاته شبهة تدرأ الحد كما قال بذلك فقهاء الشافعية، والحنابلة، ومن وافقهم١. والجهل في كل ما ذكر جهل بحكم الفعل الذي وقع من الفاعل، وجهل حكم الفعل فيما ذكر ينفي القصد الجنائي لدى الفاعل، ومن ثم يسقط العقوبة عنه. الجهل بالوقائع الجوهرية: بالإضافة إلى ما سبق ذكره من جهل الأحكام، فإن هناك نوعًا آخر من الجهل يسمى الجهل بالوقائع الجوهرية، وهو جهل يترتب عليه انتفاء القصد الجنائي لدى الفاعل، نظرًا؛ لأن الوقائع التي جهلها وقائع جوهرية، وقد عد الفقهاء -الذين يرون أن هذا النوع من الجهل ينفى القصد الجنائي لدى الفاعل، هذا النوع من الجهل مسقطًا للعقوبة الحدية. ويطلق الفقهاء على هذا الجهل المتعلق بمحل الجريمة، جهل العين، أو جهل الفاعل، وما ينشأ عنه من شبهة يطلقون عليها شبهة جهل العين، أو شبهة جهل الفاعل، وهي تنشأ عندما يأتي الفاعل الفعل معتقدًا إباحته. ومثلوا لما توجد فيه هذه الشبهة من الوقائع بما يأتي: ١- رجل زفت إليه امرأة على أساس أنها زوجته بأن قيل له: إنها

стр. 344

زوجتك، ودخل بها ثم ظهر بعد ذلك أنها ليست زوجته، فلا حد عليه لانتفاء قصده الجنائي نظرًا لجهله المتعلق بمحل الجريمة، أو بالوقائع الجوهرية المتصلة بها، يقول ابن قدامة: "فإن زفت إليه غير زوجته، وقيل: هذه زوجتك فوطئها يعتقدها زوجته، فلا حد عليه، لا نعلم فيه خلافًا، وإن لم يقل له هذه زوجتك، أو وجد على فراشه امرأة ظنها امرأته، أو جاريته فوطئها، أو دعا زوجته أو جاريته، فجاءته غيرها فظنها المدعوة فوطئها، أو اشتبه عليه ذلك لعماه فلا حد عليه، وبه قال الشافعي وحكي عن أبي حنيفة أن عليه الحد؛ لأنه وطء في محل لا ملك له فيه، ولنا أنه وطء اعتقد إباحته بما يعذر مثله فيه، فأشبه ما لو قيل له: هذه زوجتك؛ ولأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهذه أعظمها"١. وذكر ابن حزم: أن المرأة إذا هيأت جاريتها بهيأتها، وخلعتها في حجلتها، وجاء زوجها فوطئها، فإن المرأة تنكل ولا جلد على الرجل، وعلى الجارية حد الزنى إن كانت تدري أن ذلك لا يحل. ولو أن المرأة نفسها لأجنبي، فوطئها يظن أنها امرأته فهي زانية، ثم يقول: ولا يختلف اثنان من الأمة في أنه من دست إليه غير امرأته، فوطئها وهو لا يدري من هي يظن أنها زوجته، فلا حد عليه"٢. هذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.

стр. 345

أما فقهاء الأحناف، فإنهم يوجبون الحد فيما مضى من وقائع إلا في حالة واحدة، وهي ما إذا نادى الأعمي زوجته، فأجابته وقالت: أنا زوجتك فواقعها؛ لأن الأخبار دليل، وهو أعمى لا يستطيع رؤية من أجابته، ولجواز تشابه النغمة خصوصًا لو لم تطل الصحبة بينهما. وقيد فقهاء الأحناف ذلك بأن تجيبه بقولها: أنا زوجتك؛ لأنها لو لم تجبه بذلك واقتصرت على الإجابة بنعم ونحوه فوطئها، فإنه يحد نظرًا؛ لأنهم يرون أنه يمكنه أن يميزها بأكثر من ذلك بحيث يكون الحال متوسطًا في اطمئنان النفس إلى أنها هي زوجته. فقد ذكر ابن الهمام١: عند شرحه لقول المصنف، ومن وجد امرأة على فراشه فوطئها فعليه الحد "خلافًا للأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد فهؤلاء الأئمة قاسوها على المزفوف بجامع ظن الحل، أما فقهاء الأحناف، فإنهم يرون أن المسقط شبهة الحل: ولا شبهة هنا أصلًا سوى أن وجدها على فراشه، ومجرد وجود امرأة على فراشه لا يكون دليل الحل ليستند الظن إليه، وهذا؛ لأنه قد ينام على الفراش غير الزوجة من حبائبها الزائرات لها وقراباتها، فلم يستند الظن إلى ما يصلح دليل حل ... وكذا إذا كان أعمى؛ لأن الوجود على الفراش ليس صالحًا لاستناد الظن إليه، وغيره -مثله- مما يحصل بالنعمة، والحركات المألوفة فيحد أيضًا٢.

стр. 346

وذهب زفر إلى أن الحد يدرأ عن الأعمى؛ لأنه عدم آلة التمييز، وقول الأحناف هذا قد جاء على غير ما هو متوقع منهم، إذ أن الإمام يدرأ بشهبة العقد على من لا يحل نكاحها حتى ولو كان الذي عقد عليها، ودخل بها يعلم أنه لا يحل له نكاحها، والشبهة في مثل هذا أضعف من شبهة جهل الأعمى الذي يدخل بيته، فيجد امرأة في فراشه، فتتصنع له مثل حركات زوجته، ونغمة صوتها، فيظنها الأعمى أنها زوجته ويطؤها. مما لا يخفى أن شبهة جهل الأعمى، فيما ذكرت أولى بأن يعتد بها في درء الحد عنه، عما ذكره الإمام من شبهة العقد على من لا تحل له، ودرئهم الحد بها. ٢- رجل يصيد حيوانًا في غابة من الغابات، فرأى شيئًا اعتقد أنه حيوان فأطلق عليه النار، فإذا به إنسان، فإن هذا الذي أطلق النار لا يعد مرتكبًا جريمة قتل عمدية موجبة للعقوبة المقدرة، نظرًا لجهله المتعلق بالوقائع الجوهرية، إذ هو لم يقصد إنسانًا، وإنما قصد صيد الحيوان، فالقصد الجنائي إذا غير موجود، وانتفاء القصد الجنائي يحول بين الجاني، وبين عقوبة القتل العمد. ٣- رجل أخذ مالًا معتقدًا أنه ماله، فظهر أن هذا المال مملوك للغير، وأن أمره اشتبه عليه، ففي مثل هذا يكون القصد الجنائي منتفيًا لدى الآخذ، ولذا تسقط عنه العقوبة الحدية. ٤- ومن الخطأ في الوقائع الجوهرية أيضًا من يشرب من الإناء الذي اعتاد أن يشرب منه الماء، فإذا به يجد أن ما شربه ليس بماء، وإنما هو خمر، فلا حد عليه بذلك لانتفاء قصده الجنائي١، وفي

стр. 347

كل ما سبق لا بد من قيام ما يدل على انتقاء القصد الجنائي لدى الفاعل من قرائن وأدلة. ولقد أخذ فقهاء القانون بما ذهب إليه الفقهاء هنا، وبحثوه عندهم، وأطلقوا عليه الجهل بالوقائع الجوهرية١. وجهة نظر فقهاء القانون الوضعي في الجهل بالأحكام: القاعدة العامة عند فقهاء القانون هي: افتراض العلم بالقانون، وعليه فلا يعذر المرء بجهله القانون. ولا يجوز له أن يحتج بذلك، ولا يعفيه جهله في الحقيقة من المسئولية الجنائية. ويعتبر العلم بالقانون قرينة قانونية قاطعة لا تقبل إثبات العكس. كما أن المقصود بالعلم هو مكان العلم به على وجهه الصحيح، ويستهدف القانونيون من تقرير هذا المبدأ حماية مصالح المجتمع، واستقراره هو لو أجيز إسقاط العقوبة عن المتهم لجهله بالقانون لأصبح من العسير تطبيق الأحكام على الجناة؛ لأن في وسع كل منهم إدعاء الجهل بالقانون، أو بمعناه الصحيح، وإثبات عكس هذا الادعاء أمر بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلًا. ونظرًا؛ لأن هذا المبدأ في رأي بعضهم يعد قاسيًا، وغير منطقي خاصة في العصر الذي تلجأ فيه الدولة إلى الجزاء الجنائي لتدعيم أحكام قوانينها المختلفة، وفي ظل هذا السبيل العرم من القوانين الجنائية التي يثقل على القانونيين ملاحقتها، فقد وجد اتجاه عند الوضعيين يميل إلى التخفيف من مبدأ افتراض العلم بالقانون.

стр. 348

وأوردوا عليه استثناء من وقع تحت ظروف قوية حالت بينه، وبين العلم بالقانون، كما إذا حوصر بعض الناس في سجن من السجون التي لا يسمح فيها بوصول أداة للمعرفة، أو وقوف السجناء على أية أخبار، فالسجناء والحالة هذه إذا خرجوا من سجنهم، وارتكب بعضهم أفعالًا جنائية مخالفة لما تنص عليه القوانين الجنائية التي صدرت في المدة التي كانوا فيها سجناء، فإنهم يعفون من العقوبة الجنائية التي يعاقب بها من ارتكب فعلًا من هذه الأفعال عمدًا: نظرا لانتفاء القصد الجنائي لديهم، وقيد ها بمدة محدودة لا يجوز الاحتجاج بعد فواتها بالجهل بالقانون١. كما اتجه القانونيون أيضًا إلى قصر قاعدة افتراض العلم بالقانون على القوانين الجنائية فقط، وعليه فإن المتهم يستطيع أن يدفع بجهله أحد القوانين غير الجنائية كالقانون الإداري، أو التجاري، أو المدني، أو قانون الأحوال الشخصية، ورتب القانونيون على الاعتذار بالجهل بهذه القوانين إعفاء من ادعى ذلك من المسئولية. وطبقًا لهذا قضت محكمة النقض ببراءة متهم في قضية تزوير في محرر رسمي: هو وثيقة زواج، أقر فيها بعدم وجود مانع من الموانع الشرعية، رغم تزوجه بابنة أخت الزوجة قبل ذلك أيضًا، وبقائها في عصمته؛ لأن مثله لا يدرك مثل هذه الأحكام، كما أن هذه الأحكام هي

стр. 349

أحكام لقانون غير قانون العقوبات، وقالت المحكمة في تسيب الحكم "وحيث أنه متى كانت الواقعة الثابتة بالحكم، هي أن المتهمين أملوا بسلامة نية على المأذون عند مباشرة عقد نكاحهم بعدم وجود موانع شرعية: وكانوا في الواقع يجهلون وجود ذلك المانع، فإن جهلهم هذا لم يكن عدم علم بقانون العقوبات، بل جهلًا بواقعة حال هي ركن من أركان جريمة التزوير المرفوعة بها الدعوى عليهم، أساسه عدم علمهم بحكم من أحكام قانون آخر هو قانون الأحوال الشخصية ... فهو خليط مركب من جهل مركب بالواقع، ومن عدم علم بحكم ليس من أحكام قانون العقوبات، ما يجب قانونًا في حدود المسائل الجنائية اعتباره في جملته جهلًا بالواقع، ومعاملة المتهمين على هذا الاعتبار١. وفقهاء القانون، وإن قالوا بذلك إلا أنهم قيدوا اعتبار هذا الجهل عذرًا بقيام المتهم بتقديم الدليل القاطع على أنه تحري، وسأل واستفسر، وأنه اعتقد بأنه كان يباشر عملًا مشروعًا، وأنه كان لاعتقاده هذا أسباب معقولة، وإلا فإن جهله هذا يعد جهلًا مشوبًا بالتقصير من جانب المتهم٢. ويلاحظ أيضًا أن تفرقة القانونيين بين القوانين الجنائية، وغيرها من القوانين الأخرى من حيث افتراض العلم بها تفرقة غير مقبولة، ولا تستند إلى منطق قانوني، وإنما هي وسيلة تخفيف، أو تهرب مما يفرضه مبدأ افتراض العلم بالقانون.

стр. 350

المطلب الثاني: الإرادة ويقصد بها هنا النشاط النفسي الذي يهدف إلى تحقيق غرض معين، ويقتصر دورها عند البعض على الحركة الإجرامية المتمثلة في النشاط الإجرامي؛ لأن هؤلاء يرون أن حدوث النتيجة ما هو إلا ثمرة لقوانين طبيعية لا تستطيع الإرادة السيطرة عليها، والعمد عندهم يتحقق بمباشرة النشاط الإجرامي مع الرغبة في حدوث النتيجة١. فالجاني حينما يقبل على فعلته المجرمة، ويقدم عليها باختياره عن قصد مستهدفًا أحداث نتيجة معينة، يسمى في هذه الحالة فاعلًا مختارًا مريدًا بفعله أحداث نتيحة معينة. فالإرادة إذا عنصر لا بد من وجوده لقيام القصد الجنائي، الذي هو أساس قيام المسئولية الجنائية، إذ لا يسأل شخص عن نشاطه، وما نتج عنه إلا إذا كان هذا النشاط تعبيرًا عن إرادته، يستوي في ذلك أن تكون الجريمة عمدية، أو غير عمدية، إيجابية أو سلبية٢. فالإرادة الواعية أمر لا بد من التحقق من وجوده للحكم بتحقق القصد الجنائي؛ لأن العلم بالتجريم أمر مفترض كما سبق. أما لو أكره الفاعل على ارتكاب العمل الإجرامي بأن وقع تحت ضغط زال بسببه رضاه، وانعدمت إرادته، فإنه والحالة هذه يفقد

стр. 351

اختياره وينعدم قصده الجنائي، وعليه فإن عقوبته تتناسب تناسبًا عكسيًا مع درجة إكرهه؛ لأن الإكراه منه ما هو إكراه تام ينعدم معه الرضا، ويفسد الاختيار. ومنه ما هو إكراه ناقص ينعدم معه الرضا، ولا يفسد الاختيار١، ولكل منهما أثره في دفع العقوبة، أو التخفيف منها، حسب درجته والجريمة التي ترتبت على قيام المكره -بفتح الراء- بالفعل الذي أكره عليه. ويقتضى بين ذلك حديثًا موجزًا عن الإكراه بقدر ما يتطلبه المقام. الإكراه: ويراد به: ما يفعل بالإنسان مما يضره، أو يؤلمه لحمله على القيام بفعل، أو قول لا يريده٢. أو هو فعل يفعله الإنسان بغيره، فيزول رضاه أو يفسد اختياره، أو هو أن يهدد المكره قادر على الإكراه بعاجل من أنواع العقاب يؤثر العاقل لأجله الإقدام على ما أكره عليه، وغلب على ظنه أنه يفعل به ما هدد به إذا امتنع عما أكرهه عليه٣.

стр. 352

والإكراه نوعان: ١- إكراه تام: ويسمى الإكراه الملجئ، وهو ما خيف فيه تلف النفس، وهذا النوع من الإكراه يفسد الاختيار، ويعدم الرضا. ٢- إكراه ناقص، أو إكراه غير ملجئ، وهو ما لا يخاف فيه التلف عادة كالحبس لمدة قصيرة، والضرب الذي لا يخشى منه التلف، وهذا النوع لا يفسد الاختيار لكنه يعدم الرضا١. والإكراه التام، أو الملجئ منه ما هو مادي، وهو ما كان التهديد والوعيد فيه قائمًا، ومنه ما هو معنوي، وهو ما كان التهديد والوعيد فيه منتظرا، والإكراه التام بنوعيه يتفاوت من جريمة إلى أخرى، ذلك؛ لأن من الجرائم ما لا يؤثر الإكراه في حكمها وتجريم الإقدام عليها، وإلزام عقوبتها لمن ارتكبها حتى ولو كان مكرها -بفتح الراء، ومنها ما يؤثر الإكراه في حكمها، وتجريم الإقدام عليها، وإلزام عقوبتها لمن ارتكبها مع إكراهه، ودرجة تأثيره تتفاوت من جريمة إلى أخرى بمعنى أنه يترتب عليه رفع المسئولية الجنائية عمن ارتكب في ظله جرائم معينة، ويرفع العقوبة بصفة عامة بالنسبة لجرائم أخرى لعده سببا من أسباب إباحة الفعل، كما أنه يتفاوت من شخص لآخر؛ لأن ما يعتبر إكراها لذوي المروءات قد لا يعد إكراها بالنسبة لغيرهم. والإكراه التام، أو الملجئ بنوعيه يؤثر على الإرادة، بمعنى أنها

стр. 353

تنعدم معه، ويذهب الرضا، ولا يوجد اختيار مع وجود هذا الإكراه، إذا فإن القصد الجنائي ينعدم بوجوده، وتندرئ به العقوبة الحدية فيما عدا ما يجب بارتكاب جريمة القتل، أو قطع الطرف أو الضرب المهلك، فالإكراه على ارتكاب مثل هذه الجرائم لا ينتج عنه إعفاء المكره -بفتح الراء- من العقوبة الجنائية١؛ لأن الفقهاء أجمعوا على أن من أكره على قتل غيره لا يجوز له الإقدام على قتله، ولا انتهاك حرمة بجلد أو غيره، فلا بد للمكره أن يصبر على البلاء الذي ينزل به، ولا يحل له أن يفتدي نفسه بغيره٢. أما ما عدا القتل، فأقوال الفقهاء متغايرة في درء الحد أو إقامته، ففي جريمة الزنا اتفق الفقهاء على أن المرأة التي تستكره على الزنا لأحد عليها، وهذا ما قضى به عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في الوليدة التي استكرهت على الزنا، فقد ذكر ابن قدامة أنه: "لا حد على مكرهة في قول عامة أهل العلم، وروي ذلك عن عمر والزهدي، وقتادة والثوري، والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا، وذلك لقول الرسول ﷺ : "عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه"، وعن جابر بن وائل عن أبيه: "أن امرأة استكرهت على عهد رسول الله ﷺ ، فدرأ عنها الحد" ... "إلى أن يقول ابن قدامة"، أتي عمر بامرأة قد زنت، فقالت: إني كنت نائمة فلم أستيقظ إلا برجل قد جثم علي فخلى سبيلها ولم يضربها؛ ولأن هذا شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات

стр. 354

ولا فرق بين الإكراه بالإلجاء، وهو أن يغلبها على نفسها، وبين الإكراه بالتهديد بالقتل ونحوه١. أما بالنسبة للرجل الذي أكره على الزنا، فإن الإمام أبا حنيفة يرى أنه إذا كان الذي أكرهه هو السلطان، فلا حد عليه، وإن أكرهه غير السلطان حد عند أبي حنيفة؛ لأنه يرى أن الإكراه من غيره لا يدوم إلا نادرًا، ولتمكن المكره -فتح الراء- من الاستعانة بالسلطان، أو بجماعة المسلمين، أو يدفع الإكراه عن نفسه بالسلاح، وقال الصاحبان: لا يحد؛ لأن الإكراه كما يتحقق من السلطان يتحقق من غيره، ووافقهما الشافعي، وابن المنذر. وقد علل أبو حنيفة رأيه بأن الزنا لا يتصور من الرجل إلا بعد انتشاره، وذلك دليل الطواعية، ورد على ذلك بأن الانتشار دليل متردد؛ لأنه قد يكون عن غير قصد؛ لأن الانتشار قد يكون طبعًا لا طوعًا كما في النائم، فأورث شبهة٢. وهذا الرأي الأخير هو ما أميل إليه، وأرجحه إعمالًا لما ذكر من حديث الرسول ﷺ برفع جرم الفعل الذي استكره عليه مرتكبه، طالما ليس هذا الفعل قتلًا، أو قطع أحد الأعضاء، أو ضرب مهلك.

стр. 355

وبالنسبة لشرب الخمر، فالفقهاء قد اجتمعوا على أن من أكره على ذلك إكراهًا ملجئًا لا عقوبة عليه، وإن كانوا قد اختلفوا على كون الفعل مباحًا للمكره، أو غير مباح١. والقوانين الوضعية، وإن نصت على أنه لا عقاب على من ارتكبه جريمة ألجأته إلى ارتكابها ضرورة، وقاية نفسه، أو غيره من خطر جسيم على النفس على وشك الوقوع به، أو بغيره ولم يكن بإرادته دخل في حلوله، ولا في قدرته منعه بطريقة أخرى. فهي وإن نصت على هذا إلا أنها لم تعتبر الإكراه سببًا من أسباب الإباحة، كما ترى الشريعة الإسلامية، وإنما عدته فقط سببًا من أسباب موانع المسئولية٢.
следующие страницы →