الإكراه هنا عذرًا يعفيه من العقاب، إذ الراجح عند الشافعية هنا لزوم القصاص، ويرى الأئمة مالك وأحمد، وزفر تخفيف العقوبة، وعند أبي يوسف، ورواية عند الشافعية الدية، ويرى الإمام أبو حنيفة، ومحمد التعزير١.
أما بالنسبة للعلام بالتجريم، فإنه شرط لاعتبار الفعل جناية عمدية يعاقب عليها بالعقوبة الأصلية.
فإذا انتفى العلم بصورة معتبرة شرعًا، فإن الجريمة وإن كانت ثابتة في حق من قام بها، إلا أنه يعاقب عليها بالعقوبة الأصلية الموضوعة لها.
ومثله ما يقع من غير المكلف، فإنه لا يعاقب عليه بالعقوبة الموضوعة لما وقع منه، وإن ألزم بالتعويض المالي؛ لأن الجريمة حينئذ قد اعتبرت مما جرى مجرى الخطأ٢.
أولًا: لا يتصور وجود الشروع المعاقب عليه إلا في الجرائم المقصودة، أما في الجرائم غير المقصودة -وهي الجرائم غير العمدية-، فلا يتصور فيها شروع معاقب، نظرًا؛ لأن إرادة الجاني لم تتجه إلى تحقيق النتيجة.
ثانيًا: الجرائم المقصودة يأثم مرتكبها منذ نية ارتكابها؛ لأنه نوى
стр. 72
إرتكاب معصية، فإذا استمر ولم يعدل عما نواه، وبلغ الإثم تمامه، ووقعت الجريمة لزمت الجاني عقوبة جريمته.
أما إذا عدل عما نواه، وتراجع فلا عقوبة تحلقه على نيته هذه.
أما الجريمة غير المقصودة، فالنية ليست موجودة أصلًا، ومن ثم فلا عقاب ولا إثم إلا إذا وقع من الجاني ما يأثم به، وعقاب الجاني حينئذ على ما كان منه من إهمال، وعدم احتياط.
وهذا مقيد بما إذا كان قصد الفاعل في أول الأمر مباحًا، أما إذا كان غير مباح، فإنه إثم حتى ولو لم تتجسد هناك جريمة.
ثالثًا: لا يتصور وجود الاشتراك إلا في الجرائم المقصودة، أما في الجرائم غير المقصودة، فلا يتصور فيها اشتراك.
فإذا تمت مساهمة من الفاعل الأصلي في الجريمة غير المقصودة اعتبر كل من ساهم فاعلًا أصليًا يعاقب على ما وقع منه من فعل.
رابعًا: الجرائم المقصودة إذا وقع فيها اعتداء على النفس يعاقب عليه بالقصاص بصورته، ومعناه أما الجرائم غير المقصودة، فلا يعاقب عليها بالقصاص من حيث الشكل إذا وقعت على النفس، وإنما العقاب على هذه الجرائم يتم بالقصاص معنى، كاستحقاق الدية مثلًا.
الجرائم المقصودة وغير المقصودة بين المباشر وعدمها:
الجرائم المقصودة غالبًا ما تقع بالمباشرة، التي هي عبارة عن اتجاه الجاني للعدوان على المجني عليه.
ومن غير الغالب تقع الجرائم المقصودة بغير المباشرة، كأن يكون وقوعها بالتسبب مثلًا، كما إذا أتى شخص فعلًا منهيا عنه، كأن وضع
стр. 73
سيارته في مكان غير مسموح بوضعها فيه، ثم جاء شخص آخر لم يكن وجود السيارة، ولم يستطع رؤيتها لوجود ما يمنع ذلك من العوامل الجوية، فنتج عن وجود السيارة الأولى في المكان الممنوع تواجدها فيه اصطدام السيارة الثانية بها مما ترتب عليه موت قائد السيارة الثانية، ومثل ما ترتب على شهادة الشهود زورًا على شخص بريء بأنه ارتكب جناية من الجنايات التي يعاقب عليها بالإعدام، فأعدم نتجية هذه الشهادة الزور.
والجرائم غير المقصودة تقع أيضًا بالمباشرة، كما يحدث عند ما يطلق الصياد مقذوفا ناريًا ليصيد طيرًا، فإذا بهذا المقذوف يصيب إنسانًا.
وتقع أيضًا بغير المباشرة كما إذا قام أحد المزارعين برش زراعته بمبيد حشري، فأتى شخص لا يعلم رش الزراعة بالمبيد، وأكل منها فمات متأثر بما أكل١.
ولقد ذهب جمهور فقهاء الأحناف إلى عدم التسوية بين عقوبة الجريمة المقصودة إذا وقعت بالمباشرة، وبين مثيلتها إذا وقعت بغير المباشرة، فمن يسقي إنسانا سمًا قاتلًا بطريق الإكراه متعمدًا قتله، فيقتل المكره نتيجة شربه هذا السم، فإن الجاني في هذا ومثله يعد مرتكبًا جناية قتل عمدية يجب القصاص فيها.
وإن كان الإمام أبو حنيفة لا يرى في مثل هذا إلا الدية على
стр. 74
العاقلة أما إذا شربه بمحض إرادته، فلا قصاص ولا دية سواء علم الشارب أن ما شربه سم، أو لم يعلم١.
وقد نسب جمهور الفقهاء إلى التسوية بين ما يقع من الجرائم المقصودة بالمباشرة وغير المباشرة، مستدلًا على ذلك بما كان من رسول الله ﷺ مع اليهودية التي دست السم في الطعام، فمات بسببه أحد الصحابة٢.
стр. 75
بامتناعه عن القيام بما ألزم به، قد سلك سلوكًا يعاقب عليه، سواء أكان هذا الإلزام قانونيًا أم أخلاقيًا.
ويتطلب بيان ذلك عربض وجهة النظر الفقهية من فقهاء الشريعة، ورجال القانون، عرضًا موجزًا.
وجهة نظر فقهاء الشريعة:
اتفق فقهاء الشريعة على أن كل ما طلبه الشرع، يأثم من يتركه، ويؤاخذ على هذا الترك قضائيًا، إذ تحققت بسبب هذا الترك نتائج أمكن إثباتها هي، وما تترتب عليه.
فمن كان عنده فضل زاد ولم يعد به على من لا زاد له، كان آثما فإذا كان ذلك في صحراء، أو وقعت مجاعة، ولم يجد المحتاج للطعام غيره، وبخل به مالكه، ونتج عن ذلك أن مات المحتاج إلى الزاد جوعًا، فإن الامتناع من مالك فضل الزاد هنا سلوك يعاقب عليه.
والفقهاء وإن اتفقوا على عقوبته إلا أن منهم من قال: إنه يعاقب بعقوبة القاتل عمدصا، ومنهم من رأى غير ذلك.
وقبل عرض مقالة الفقهاء، أعرض للحديث عن الترك بشيء، من البيان من حيث هو جريمة أم لا، وإذا كان جريمة فهل ترتب عليه حدوث جريمة أخرى أم لم تترتب؟
ينقسم الترك من حيث هو جريمة أم لا إلى قسمين:
١- ترك ليس بجريمة، وذلك كترك الشخص فعل ما أبيح له فعله، تركًا لا يترتب عليه شيء ما.
٢- ترك هو في حد ذاته جريمة، كما إذا ترك الشخص فعل أمر كلفه الشرع بفعله.
وهذا النوع من الترك ينقسم إلى قسمين:
стр. 76
القسم الأول:
ترك هو في حد ذاته جريمة، ولكن لا يترتب عليه حدوث جريمة أخرى، ومثل ذلك ترك القيام بالعبادات الكلف به، من زكاة وصيام وصلاة، وكذا ترك إطعام الجائع، وسقي العطشان في المكان الآهل بالسكان، إذا قام بذلك الإطعام والسقي شخص آخر.
القسم الثاني:
ترك هو في حد ذاته جريمة، وينتج عن جريمة أخرى، ومثله ترك صرة المولود بعد قطعها دون ربطها حتى يموت، ومثله أيضًا ما روي من أن رجلًا استسقى قومًا، فلم يسقوه حتى مات من العطش، فضمنهم عمر بن الخطاب ﵁، الدية١ فالترك المعاقب عليه قضائيًا هو ما كان في حد ذاته جريمة، سواء أنتج عنه جريمة أخرى أم لا -مع ملاحظة أن الترك إذا لم ينتج عنه جريمة، فإنما يعاقب عليه من لازمه، وظل على تركه، وعصيانه لأوامر الشارع الحكيم.
أما من تاب، وانصاع لما أمره به الشرع، فإنه يتوب الله عليه، ويعفو عنه.
أما الترك الذي ينتج عنه جريمة أخرى -كامتناع الأم عن إرضاع ولدها حتى يموت- فهو ما يعاقب عليه؛ لأنه ترك أنتج جريمة تسمى بالجريمة السلبية.
وللفقهاء آراء فيما يلزم به مرتكب الجريمة السلبية من عقوبة فقهاء المالكية قاسوا فعل من منع إنسانًا طعامًا، أو شرابًا قاصدًا قتله، حتى مات بفعل من قام بخنق إنسان، فعندهم أن كل منهما قد ارتكب
стр. 77
جريمة قتل عمدية، تستحق على ارتكابها عقوبة القتل قصاصًا١، ومثل هذا أيضًا قاله فقهاء الشافعية والحنابلة٢.
كما يقول ابن حزم في الذين لم يسقوا شخصًا طلب منهم السقيا حتى مات: "إن الذين لم يسقوه إن كانوا يعلمون أنه لا ماء ألبته إلا عندهم، ولا يمكنه إدراكه أصلًا حتى يموت، فهم قتلوه عمدًا، وعليهم القود ... وهكذا القول في الجائع، والعاري.. وهكذا كمن أدخوله بيتًا، ومنعوه الطعام حتى مات"٣.
من هذا يبين أن الترك الذي هو موقف سلبي قد يكون، وجريمة في حد ذاته، وقد يترتب عليه جريمة أخرى يلزم التارك بعقوبتها ما دام قد قصد العدوان.
هذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، أما الإمام أبو حنيفة، فإنه لا يسوي بين عقوبة الجريمة بالترك، وبين مثيلتها التي وقعت بالعمل الإيجابي.
فهو يرى أن من لم يعط إنسانًا طعامًا، وهو يعلم أن لا طعام هناك يمكن لهذا الإنسان الحصول عليه حتى مات الطالب للطعام جوعًا، فإن الممتنع عن إعطائه الطعام لا تلزمه القصاص، ولا يلزم أيضًا بالدية.
стр. 78
وحكى صاحب البحر الرائق ما ذهب إليه أبو حنيفة من أن من أدخل إنسانًا في بيت حتى مات جوعًا أو عطشًا، لا يضمن شيئًا، ومن طين على آخر بيتا حتى مات جوعًا، أو عطشًا لم يضمن شيئا، أما صاحباه أبو يوسف ومحمد فقد قالا في هاتين الحالتين بوجوب الدية على الفاعل.
وقد ورد أن محمدًا قال: يوجع الفاعل عقوبة والدية على عاقلته، وأن كانت الفتوى في ذلك كله هي ما قاله الإمام أبو حنيفة١.
هذا ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة في مثل هذه الجرائم، مع أن القتل فيها لم يكن نتيجة الترك فقط، وإنما وجد معه عمل إيجابي، ألا وهو حبس هذا الإنسان، ومنعه من أن يصل إليه، أو يصل هو إلى طعام.
كما أنه لا يخفى ما للحبس من دور هام في تحصيل جريمة القتل هذه، ومع هذا فالإمام أبو حنيفة لا يرى فيما ذكر قصاصًا، ولا دية لكون الإهلاك حصل نتجة الجوع والعطش، وهما عنده ليسا من صنع الحابس، فلا يوصف الحابس إذا عند أبي حنيفة بأنها القاتل في كل ذلك٢.
ويبين من هذا أن الإمام أبا حنيفة، والصاحبين لا يسوون بين الجرائم التي تقع بالفعل، وبين مثيلاتها من الجرائم التي تقع بالترك، فيما يترتب على كل منهما من نتائج وأحكام، وما يلزم الجاني من عقوبة.
стр. 79
فهم وإن قرروا عقوبة لما يقع بالترك من جرائم، إلا أنها تقل عن عقوبة نفس الجرائم إذا وقعت بالفعل الإيجابي.
بينما ذهب فقهاء الشافعية، ومن وافقهم وهم الجمهور، إلى التسوية بين عقوبة ما يقع بالفعل، وما يقع بالترك من جرائم ما دامت النتيجة النهائية للفعل والترك واحدة.
بل حتى ولو لم يصاحب الترك عمل إيجابي في تحصيل النتيجة.
فهم قد رأيا أن من يأخذ طعام شخص آخر، وهما في مكان ليس فيه طعام غيره، فمات المأخوذ منه طعامه جوعًا، فإن الآخذ يكون قد ارتكب جريمة قتل عمدية.
علمًا بأن الآخذ للطعام هنا قد ارتكب جريمة اغتصابه، وهي جريمة لا يعاقب عليها بعقوبة القتل العمد، لكنه لما كان أخذه للطعام قد نتج عنه ترك غيره بلا طعام، الأمر الذي يترتب عليه موت المأخوذ منه، فإنه والحالة هذه يعتبر ارتكب جناية قتله عمدًا، وتلزم آخذ الطعام هنا عقوبة القتل العمد.
هذا ما ذهب إليه فقهاء الشريعة من رأي فيما يلزم بكل من الجريمة الإيجابية والسلبية، يبين منه مدى عنايتهم ببحثهما، وفي وقت لم تحظ فيه الجريمة من غيرهم أو بيان.
وجهة نظر فقهاء القانون:
ذكر رجال القانون عند حديثهم عن الجرائم الإيجابية والسلبية أن القصد الجنائي قد يكون إيجابيًا، بمعنى أن يقوم الجاني بعمل من الأعمال العدوانية؛ لتنفيذ قصده الجنائي، كأن يطلق النار على من يريد قتله، أو يطعنه بسلاح قاصدًا القضاء عليه.
стр. 80
وقد يكون سلبيًا، بمعنى أن يمتنع الجاني عن القيام بعمل ما قاصدًا بذلك قتل إنسان.
ولكنهم اعتبروا أن القصد في هذا النوع الأخير ما هو إلا نوع من الإهمال الفاحش، ترتب عليه مسئولية من أهمل، عن وقوع جناية غير عمدية، وبينوا أنه لا يعاقب ما يعاقب به من وقعت منه هذه الجناية بفعل إيجابي١.
هذه وجهة نظر رجال القانون، بصورة إجمالية، وهي تحتاج إلى شيء من الإيضاح، الأمر الذي يقتضي عرض مقالة رجال القانون في بعض بلاد العالم، وعلى الأخص في كل من ألمانيا وفرنسا، نظرًا؛ لأن رجال القانون في مصر قد اهتموا بدراسة اتجاه هاتين المدرستين، كما أن بعض ما ذهب إليه فقهاء الشريعة الإسلامية قد بدا واضحًا، فيما ذهبت إليه آراء هاتين المدرستين.
وجهة نظر رجال القانون الألماني:
ذهب فقهاء القانون الألماني إلى أن الجرائم السلبية التي تقع نتيجة امتناع عن القيام بعمل ما من الأعمال، ينظر قبل الحكم على الممتنع، إلى امتناعه الذي نتج عنه وقوع الجريمة؛ لتحديد ما إذا كان هذا الامتناع عن عمل قد كلفه به القانون، بمعنى أنه وظيفته تحتم عليه القيام بما امتنع عن القيام به.
أم أن مبادئ الأخلاق، والمروءة والدوافع الإنسانية هي التي تطالبه بالقيام بما امتنع عنه، وليس القانون.
стр. 81
فإن كان قد امتنع عن القيام بعمل ألزمه به القانون، وجبت معاقبته على ما وقع من جريمة نتيجة موقفه السلبي، وامتناعه، بعقوبة تماثل عقوبة من ارتكب نفس الجريمة بفعل إيجابي، ويتضح ذلك فيما لو امتنع محول القطارات المكلف بالعمل، عن تحويل القطار من طريق إلى آخر، قاصدًا بذلك وقوع تصادم هذا القطار، وقطار آخر أو وقع حادث غير التصادم أو غيره، فرتب هذا الحادث على امتناعه عن تحويل القطار.
فإن المحول الذي ألزمه القانون بتحويل القطار فامتنع، يعاقب على ما وقع من جرائم نتيجة امتناعه، بعقوبة من يقوم بإحداث هذه الجرائم بعمل إيجابي.
ومثل ذلك أيضًا، الأم التي تمتنع عن إرضاع ولدها: وليس هناك من يرضعه غيرها -قاصدة بامتناعها قتله، فإنها والحالة هذه تعاقب إذا مات الولد بعقوبة القتل العمد.
وكذلك بالنسبة لعامل المجاري الذي يقوم بكشف فتحاتها للإصلاح، ثم يرى طفلًا أو أعمى قد أشرف على الوقوع فيها، فيمتنع هذا العامل عن إبعاده عنها، فإذا وقع فيها الطفل، أو الأعمى مثلًا فمات عوقب هذا العامل بعقوبة القتل العمد.
أما لو لم يكن الممتنع ملزمًا قانونًا بالعمل الذي امتنع عن القيام به، فإنه لا يعاقب على امتناعه، ولا عما نتج عنه من أحداث؛ لأنه في هذه الحالة لم يخالف القانون.
وإن كان قد خالف مبادئ الأخلاق والإنسانية.
فالشخص العادي الذي يمتنع عن إنقاذ أعمي، أو غريق أشرفا على الهلاك حتى هلكا لا يلزمه عقابا على امتناعه هذا بالرغم مما وقع
стр. 82
من هلاك، أو غيره لأشخاص كل يمكن أن يمد إليهم يد عون، أو مساعدة تحول بينهم وبين ما تردوا فيه، نظرًا لكونه غير مكلف بالعون والمساعدة قانونًا.
وجهة نظر رجال القانون الفرنسي:
كان القانون الفرنسي القديم متأثرًا بالقانون الكنسي، ولذا فإنه كان ينص على أن من يقدر على منع الفعل المكون للجريمة ولا يمنعه، يعتبر مقترفًا له.
أما ما ذهب إليه القانون الفرنسي حديثا، فهو أن من يمتنع عن أداء واجب قاصدًا بامتناعه وقوع جريمة، لا يعد مسئولا عن هذه الجريمة مسئولية من قام بارتكابها بفعل إيجابي.
واستثني من ذلك حالات خاصة تعززها أيضًا النصوص القانونية.
وذلك كما جاء في المادة ٣١٢ عقوبات بعد تعديلها في ديسمبر ١٩٥٨، والتي تقرر معاقبة من يمتنع بنية القتل عن تقديم الطعام، أو العناية بصغير يقل عمره عن ١٥ سنة بعقوبة القتل العمد.
كما أضاف البعض حالات أخرى مثل امتناع من أوجب عليه القانون أداء عمل، كمن وكل إليه قيادة أعمى، أو تغذية طفل أو مجنون أو أشل، فمن وكل إليه شيء من ذلك، فامتنع عن أداء واجبه فحدثت إصابة، أو وفاة من وكل به، فإنه والحالة هذه تجب معاقبته على جناية عمدية؛ لأن امتناعه حنيئذ يصل في قسوته حد الارتكاب١.
стр. 83
ما عليه القانون في مصر:
أما ما عليه القانون في مصر، فهو التسوية بين الفعل والامتناع في ترتيب المسئولية الجنائية، متى توافرت علاقة السببية بين السلوك، والنتيجة بشرط أن يكون الامتناع مخالفًا لإلزام قانوني، أو أن الشخص الممتنع هو الذي أوجد الظروف التي أدت إلى وقوع الحادث.
فمن أدى إهماله إلى إشعال النار في مكان كان فيه طفل، وكان في وسعه إنقاذه إلا أنه تعمد تركه حتى يموت، فإنه يسأل عن قتل هذا الطفل عمدًا١.
ورأى رجال القانون في العقوبة على الجرائم التي تقع بالترك يتلاقى في جملته مع ما يراه الإمام أبو حنيفة، وإن كان الفقه الألماني قد توسع إلى حد ما في الجرائم التي تقع بالترك، عن القانون الفرنسي الحديث، أما القديم فإنه كان يقارب ما عليه جمهور الفقهاء الشرعيين الذين رأوا أن الالتزام الديني هو أساس ما يحاسب عليه الإنسان، ولذا فإن للالتزام الديني درجة ما للإلزام القضائي في القوانين الوضعية، من تحمل التبعة المحاسبة القانونية على كل ما ينص القانون على المحاسبة عليه.
стр. 84
المبحث الثالث: أركان الجريمة
مدخل
...
المبحث الثالث: أركان الجريمة
عرف اللغويون الركن بأنه الجانب الأقوى، وأركان كل شيء جوانبه التي يستند إليها ويقوم بها، والتي هي جزء من ماهيته، كالركوع بالنسبة للصلاة١. وعرفه جمهور الفقهاء بأنه ما لا يتم الشيء إلا به، سواء أكان جزءًا من ماهيته أو شرطًا له.
أما فقهاء الأحناف، فإنهم قد عرفوه بأنه ما لا يتم الشيء إلا به، وكان جزءًا منه٢. ويبين من هذا اتقاف اللغويين، وفقهاء الأحناف على أن ركن الشيء ما كان جزءًا من ماهيته.
وطبقًا لهذا فإن ما يصدق عليه مفهوم ركن الجريمة هو ما يأتي:
أولًا: ما يقوم به الجاني من تفكير وتدبير، وإعداد نفسي بإرادة، وإدراك معتبرين شرعًا، مع علمه بما سيترتب على سلوكه من نتائج ومسببات، وهذا هو ما يطلبق عليه الركن المعنوي للجريمة.
ثانيًا: قيام الجاني بالسلوك المادي المكون للجريمة، سواء أكان هذا السلوك إيجابيًا أم سلبيًا -فعلًا أم امتناعًا- قام به الجاني بمفرده أم شاركه غيره.
وهذا هو ما يطلق عليه الركن المادي للجريمة.
هذان وحدهما هما اللذان يصدق عليهما تعريف اللغويين، وفقهاء الأحناف للركن؛ لأنهما جزء من ماهية الجريمة.
стр. 85
وذهب إلى ذلك أيضًا بعض فقهاء القانون، إذ قالوا: إن اعتبار نص القانون الذي يبين الفعل المكون للجريمة، والعقوبة التي تفرض على مرتكبه ركنًا من أركان الجريمة، أمر غير منطقي؛ لأن القانون هو خالق الجريمة، ومن غير المتصور اعتبار الخالق عنصرا فيما يخلقه١.
هذا ما ذهب إليه كثيرون من فقهاء القانون.
غير أن فيما ذهب إليه فقهاء الشريعة حين عرف جمهورهم الركن بأنه ما لا يتم الشيء إلا به، سواء أكان منه أو شرطًا له، في ذلك رد لما قد أثير من اعتراضات فقهاء القانون الوضعي؛ لأن النص على الفعل المكون للجريمة، والعقوبة التي تفرض على مرتكبها، إن لم يكن داخلًا ضمن الفعل المادي الذي يكونت الجريمة، فهو من غير نزاع شرط لتجريم هذا الفعل المادي والعقاب عليه، إذ بدون وجود هذا الشرط لا يعد الفعل جريمة معاقبًا عليها عقابًا قضائيا.
وما دام النص على تجريم الفعل شرطًا للعقاب عليه، فهو إذن ركن بمفهوم الجمهور للركن.
وعد الشرط ركنا لا يترتب عليه عد الخالق عنصرًا فيما يخلقه، كما قال فقهاء القانون؛ لأن هذا العنصر غير خالق لنفسه، وإنما هو من وضع المشرع، الذي رأى أن يرتب على وجود هذا العنصر وجود شيء آخر، وهذا هو ما يساير المنطق.
وقد حاول بعض فقهاء القانون الوضعي أن يتفادى الطعن الموجه
стр. 86
لعد النص المنشئ للجريمة ركنا من أركانها، فقام بتعريف هذا الركن بأنه الصفة غير المشروعة للسلوك.
وقال: فهذه الصفة متميزة عن نص التجريم، وإن كانت مستخلصة منه١، وهذا لا يحل القضية كما عالجها تعريف جمهور فقهاء الشريعة الإسلامية إذ أن ما يعد ركنًا شرعيًا عند فقهاء القانون الوضعي، ليس هو المنطوق المادي للنص المنشئ للجريمة، وإنما هو ما فهم منه، وما أضفاه على السلوك من صفة غير مشروعة.
وعلى هذا فمحاولة تفادي الطعن الموجه بتعريف الركن بأنه الصفة غير المشروعة للسلوك، محاولة لم تقدم جديدًا لحل القضية، وإنما قامت بتفسير المقصود من النص المنشىء للجريمة فقط، وبقى معها لطعن الموجه كما هو.
وإما الذي حسم القضية ورد الطعن الموجه ردًا مقنعًا، فهو تعريف فقهاء الشريعة الإسلامية.
ونخلص من هذا إلى أنه لا بد لقيام جريمة من وجود ثلاثة عناصر أساسية هي العنصر الشرعي، والعنصر المادي، والعنصر المعنوي.
فالعنصر الشرعي هو عبارة عن النص الذي يحرم السلوك، ويعاقب عليه، والعنصر المادي هو عبارة عن السلوك المكون للجريمة.
والعنصر المعنوي هو عبارة عن الصلة النفسية بين السلوك، وبين من قام به، وهو مكلف مسئول عن سلوكه٢.
стр. 87
هذه هي العناصر أو الأركان العامة التي لا بد من وجودها لقيام جريمة ما من الجرائم.
وهذا لا يمنع من وجود أركان خاصة لا بد من توافرها لقيام جرائم معينة؛ لأنه لا يمكن الحكم لقيام هذه الجرائم المعينة، إلا إذا توافرت في السلوك وغيره أركان خاصة بالإضافة إلى الأركان العامة للجريمة.
إذ لا يمكن أن تقوم مثلًا جريمة زنا إلا إذا توافر ركن الوطء، وهو ركن خاص بهذه الجريمة وحدها.
وكذا لا يمكن أن تقوم جريمة السرقة إلا إذا توافر ركن الأخذ خفية.
فهذان الركنان، وما يماثلهما أركان خاصة، لا بد من توافرها في جرائم معينة؛ لأن هذه الجرائم لا تقوم إلا بتوافر بعض هذه الأركان الخاصة، إذ لا يكفي وجود الأركان العامة لقيام مثل هذه الجرائم.
هذه فكرة موجزة عن الأركان العامة والخاصة للجريمة.
ولا يخفى منهج فقهاء الشريعة الإسلامية في دراستهم لهذه الأركان، إذ أنهم قد تحدثوا عن أركان كل جريمة على حدة عند حديثهم عن الجريمة التي تخصها هذه الأركان.
كما أنهم لم يفردوا دراسة مستقلة لأركان الجريمة بصفة عامة، كما هو منهج رجال القانون.
وهذا ما أحاول تناوله مبينًا الأركان العامة للجريمة، تاركًا بيان الأركان الخاصة إلى حين الحديث عن كل جريمة على حدة١.
стр. 88
المطلب الأول: الركن الشرعي للجريمة
يراد بالركن الشرعي: النص الذي يجرم السلوك -إيجابا أو سلبا- ويضع عقابًا يلزم به كل من وقع منه هذا السلوك المجرم، سواء عن طريق الإيجاب أو السلب.
وعلى هذا فإنه إذا لم يرد نص يجرم السلوك، فهو سلوك مباح طالما لم يترتب عليه مضارة؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة١.
أمكا إذا ترتب عليه مضارة، فهو إذا عمل مجرم طبقًا لما ورد به النهي عن المضارة، في قول الرسول ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" ٢.
وقد ناقش الأستاذ الدكتور: سلام مدكور هذه القضية مناقشة مستفيضة يعنينا منها هنا، ما جاء من أن الأصل فيما سكت عنه الشارع، الإباحة هذه هي خلاصة لما ورد في هذه القضية على ألسنة الفقهاء
стр. 89
والأصوليين، من أنه لا حكم لأفعال العقلاء ورود النص، ومن أن الحق أصالة الإباحة فيما ليس فيه نص من الأفعال النافعة، وهو ما يطلق عليه إباحة أصلية.
ومن أنه لا يكلف شرعًا إلا من كان قادرًا على فهم دليل التكليف، أهلًا لما كلف به، ولا يكلف شرعًا إلا بفعل ممكن مقدور للمكلف معلوم له علمًا يحمله على امتثاله١.
وعلى هذا، فإنه يتحتم أن يكون الفعل المكلف به معلومًا للمكلف علما يحمله على الامتثال لما علم، فإن لم يخضع لما كلف به وعلمه، لزمته العقوبة لمخالفته، وعدم امتثاله لما نص عليه الشرع.
ومن هنا فقهاء الشريعة قد اعتادوا عند حديثهم عن كل جريمة، أن يذكروا النصوص التي تجرم الفعل، وتلزم العقاب عليه، مبينين وقت نزول النص وسببه إن اقتضى الأمر.
والحديث عن الركن الشرعي يتطلب بيان ما يجب أن يتوفر للنص التشريعي من سمات تتمثل فيما يأتي من كونه:
١- نافذا وقت وقوع الجريمة.
٢- ساريا على مكان وقوعها.
٣- ملزمًا للشخص الذي وقعت منه.
وقبل الحديث عن هذه السمات الواجب توافرها في النص التشريعي أحب أن أشير في كلمة موجزة إلى موقف الشريعة الإسلامية بالنسبة لتجريم الأفعال والعقاب عليها، والتزامها في ذلك بما شرعته هي من أنه لا تجريم، ولا عقاب بشرع مبلغ.
стр. 90
لا تجريم ولا عقاب إلا بشرع مبلغ:
منذ بدء الخليقة وضع الله قواعد تشريعية عادلة، وقاطعة فلا جريمة ولا عقوبة إلا بشرع مبلغ، ويحدد ويوضح.
وليس ذلك في الأمور القضائية التي تحكم علاقات الناس فحسب، وإنما أيضًا في الأمور الدينية، التي تنظم علاقات الناس بخالقهم.
ولا أدل على ذلك مما جاء به القرآن الكريم مما كان من أمر آدم ﵇ حين أسكنه الله الجنة، وأباحها له، عدا شجرة نهاه عن الأكل منها: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
فهذا النهي تشريع بلغ لآدم أولًا، ثم لما لم يلتزم به ألزم بما ترتب على المخالفة: ﴿فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ ٢ ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ ٣.
كما جاء القرآن الكريم بنصوص واضحة، وصريحة خاصة بتقرير هذا المبدأ السماوي العدل مثل قوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ ٥.
стр. 91
هذا هو المبدأ التشريعي السماوي عرفه آدم أبو البشر، قبل أن تخطو قدم إنسان فوق هذه الأرض.
كما ضمن إليه ما أنزله على خاتم الرسل والأنبياء، هذا المبدأ التشريعي، وطبقه فقهاء المسلمين والتزموا به١.
стр. 92
القوانين الوضعية، وقاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص:
ذكر فقهاء القانون أن هذه القاعدة عرفها القانون الروماني، ونص عليها العهد الأعظم الذي منحه أحد ملوك إنجلترا لرعاياه سنة ١٩١٥م في المادة ٣٩ من هذه العهد١، ولكنه لم يكن مبدأ ملزمًا.
فقد كان قضاة القوانين الوضعية يجرمون ما يشاءون من الأفعال، ويعاقبون بأي عقوبة يرونها دون قيد أو شرط٢.
كما تدخلت عوامل عدة بالنسبة للأشخاص والأفعال، والعقوبات التي أن كان القرن الثامن عشر، الذي تعالت فيه صيحات الفلاسفة والمصلحين، مطالبة بوضع ضوابط للقضاء، والتنديد بهذه الفوضى في التجريم والعقاب، ولكنهم لم يقترحوا حلا إيجابيًا لتحقيق العدالة، وبناء الإصلاح القضائي، حتى قام المحامي الإيطالي "بيكاريا" بنشر مقترحاته البناءة لإصلاح القضاء في كتابه المشهور عن الجرائم والعقوبات، والذي أخرجه سنة ١٧٦٤م، والذي اعتبر بسببه الأب الروحي لعلماء القانون الجنائي٣، ثم ظهر هذا المبدأ -لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص- في إعلان حقوق الإنسان سنة ١٧٧٤م، ولم تتم صياغته الواضحة المحددوة إلا في المادة الثانية من إعلان حقوق الإنسان٤، الذي أصدره رجال الثورة الفرنسية سنة ١٧٨٩م -هذه لمحة موجزة عن قاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص في كل من الشريعة والقانون، ومنها يظهر:
стр. 93
أن الشريعة الإسلامية التي سبقت قواعد التقنين الوضعي قد جاءت بنظام متكامل للتجريم والعقاب.
فهي قد جاءت بتحديد واضح للجرائم وعقوباتها، وشددت في تحديد بعض الجرائم وتعيين عقوباتها، نظرًا لما لهذه الجرائم من طبيعة خاصة ونظرا؛ لأنها تمس أمن المجتمع وسلامته، وعرفت هذه الجرائم بجرائم الحدود والقصاص.
كما وضعت القواعد العامة التي تشمل كل ما يمكن أن يقع من جرائم مختلفة، وأعطت ولي الأمر الحق في أن يختار ما يناسب هذه الجرائم من عقوبات، كما أنه تجدر الإشارة إلى أن الشريعة الإسلامية قد أفسحت مجال الاجتهاد أمام الفقهاء قضاء كانوا أو غير قضاة، وحثتهم على تقصي النصوص، واستنباط الأحكام منها، وقياس القضايا بعضها على بعض، وتطبيق أحكام ما ورد فيه نص على غيره مما لم يرد فيه نص مما يماثله طبقًا لقواعد الفقه وأصوله.
ولذا فإن الفقيه يمكنه الحكم بإباحة بعض ما لم ينص الشرع صراحة على أنه مباح، وطبقًا لمفهوم المخالفة يمكن أيضًا أن يحكم الفقيه بحظر أشياء لم يرد نص من الشارع بحظرها.
وهذا مما امتازت به الشريعة على القانون في مجال التجريم والعقاب، إذ أنه لا يسمح لقضاة القانون الوضعي أن يجرموا أفعالًا، أو أن يحكموا بعقوبات، طبقًا لقياس أو غيره مما أعطت الشريعة فيه الحق للقاضي في الاجتهاد، وأعمال القواعد القياسية١ بشرط أن يستهدف في
стр. 94
ذلك مصلحة الناس جميعًا، دون تفرقة أو تمييز، لحسب أو جاه أو سلطان.
هذه إشارة موجزة وضح فيها ما للشريعة الإسلامية من أصالة في مجال تقعيد القواعد والأصول التشريعية، أعاود بعدها الحديث عما يجب أن يتوافر للنص التشريعي من سمات، وشروط، حتى يمكن أن يلتزم به، ويطبق على كل ما يقع من أحداث.
أولًا: سريان النص من حيث الزمان
اتفق رجال القانون على عدم سريان القوانين الجنائية إلا على ما يقع اعتبارا من تاريخ العمل بها، ولا يرتب القانونيين لها أثرًا فيما وقع قبل صدورها، والعمل بها إلا في حالة ما إذا كان في ذلك نفع للمتهم الذي لم يتم الحكم عليه بصورة نهائية١.
ورجال القانون قد أخذوا في ذلك بما جاءت به الشريعة الإسلامية منذ بدء تشريعها، فيما حكاه القرآن الكريم من قضايا، وأحكام منها على سبيل المثال، وما جاء من قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ، حتى قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٢.
فالآية الأولى حرمت نكاح زوجات الآباء، وذلك منذ نزلت هذه
стр. 95
الآية وبينت أنه فاحشة، وأن كان منه في الماضي لا عقاب عليه١.
أما الآية الثانية، فإنها قد بينت أنواعًا من المحرمات آخرها تحريم الجمع بين الأختين، ثم وضحت أن ما وقع من هذه المحرمات قبل نزول هذه الآية، فإنه لا عقاب عليه٢.
فهذه النصوص وما يماثلها ببين منهما ما وضحته الشريعة الإسلامية من قواعد وأصول تشريعية، تحكم العمل في تطبيق النص الجنائي، وتقضي بأنه لا يجرم سلوك إلا بعد ورود النص الذي يجرمه، وأخذ بهذا وتطبيقا له على ما يلتزم به من نصوص تشريعية، وضع الأصوليون قاعدة عدم رجعية النصوص الجنائية، والتزموا بها، وإن كانوا قد استثنوا منها أمرين.
الأول: ويخص ما وقع قبل ورود النص من جرائم خطيرة تمس النظام، والأمن ففي مثل ذلك أجازوا أن يكون للأحكام المتعلقة بمثل هذه الجرائم أثر رجعي.
الثاني: ويختص بما إذا كان في تطبيق النصوص التشريعية الجديدة نفع للجاني، فإنهم والحالة هذه أجازوه رجعية النص، وتطبيقه حتى لو كان صدور هذا النص بعد الحكم في الواقعة٣.
فهاتان هما الحالتان اللتان استثنيتا من عدم رجعية النص، وإن كان المشرع الوضعي قد استنثى من هاتين الحالتين بعض الوقائع، ورأى عدم الأخذ فيها بتطبيق مبدأ الأخذ بالقانون الأصلح للمتهم٤.
стр. 96
وقد أثيرت بعض أقول حاولت التشكيك في الالتزام بهذه القاعدة، فزعموا أن من النصوص التشريعية ما طبق على وقائع سابقة على نزوله، وضربوا لذلك مثالًا بما جاء في القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ ٢.
ذكر القرطبي أن آية اللعان نزلت بعد قول هلال بن أمية للنبي ﷺ : والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله من أمري ما يبرئ ظهري من الحد٣.
ولا يخفى أن في تطبيق ما نزلت به الآيات من أحكام -في شأن من قذف زوجته ومن ظاهر- تخفيفًا لما كان موجودًا قبل نزول الآيات من عقاب، وفي ذلك نفع للجاني ومصلحة له٤.
стр. 97
أما آية الحرابة، فقد اختلف في سبب نزولها.
والذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين١.
وقال الإمام مالك والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: أنها نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل، ويسعى في الأرض بالفساد٢.
وقال ابن جرير الطبري: أن الآية قد نزلت بعد عقاب العرنيين، فيكون الرسول ﷺ قد عاقبهم طبقًا لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٣.
стр. 98
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ١ وعلى هذا تكون الآية قد نزلت بحكم جديد، يطبق على كل من يأتي مثل ذلك السلوك، وطبقًا لهذا الرأي، فإن الرسول ﷺ لم يطبق حكم الآية بأثر رجعي على من وقعت منه جريمة الحرابة، قبل ورود النص المحدد لعقوبتها٢.
أما على قول الجمهور، فإن الرسول ﷺ بتطبيق ما جاء بها من عقاب على من وقع منه فعل سابق على ورود النص، يكون قد وضع قاعدة رجعية النص الجنائي بالنسبة للجرائم الخطيرة، التي تعرض أمن الدولة وسلامتها للخطر.
هذا هو سريان النص الجنائي، وضحته الشريعة الإسلامية، والتزم به قضاتها ولم تعرفه القوانين الوضيعة إلا بعد مجيء الثورة الفرنسية فقط٣.
ثانيًا: سريان النص من حيث المكان
الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله للناس كافة في كل زمان ومكان، واقتضت حكمته تعالى أن يبقى أناس حتى اليوم لا تطبق شريعة الله وأحكامه، التي ضمنها ما أنزله على رسوله -صلى
стр. 99
الله عليه وسلم-، ومن بين العوامل التي يرجع إليها ذلك، عدم وصول سلطان الدولة الإسلامية إلى حيث يقيمون.
من هنا قسم الفقهاء العالم من حيث بسط سلطان الإسلام عليه إلى دارين دار الإسلام، ودار الحرب، ومنهم من زاد دار العهد.
أما دار الإسلام:
فهي الدار التي تجري عليها أحكام الإسلام، ويأمن من فيها بأمان المسلمين سواء أكانوا مسلمين أم ذميين١.
وبلاد المسلمين كلها تعتبر دار واحدة، ولو اختلفت حكامها، وصارت دولًا شتى، لنفوذ حكم الإسلام فيها؛ لأن هذه الفرقة لا تقضي على نفوذ حكم الإسلام فيها جميعها٢.
والأصل في أهل دار الإسلام الأصليين أن يكونوا مسلمين، ولكن قد يكون من سكانها غير المسلمين، وهم الذميون.
ولأهل دار الإسلام -سواء المسلمين منهم والذميون- العصمة في أنفسهم وأموالهم٣.
стр. 100
أما دار الحرب، فهي الدار التي لا سلطان للمسلمين عليها، وهي الدار التي شوكتها لأهل الكفر، ولا سلطان عليهم.
وأهل دار الحرب هم الحربيون، والحربى لا عصمة له في نفسه، ولا في ماله بالنسبة لنا؛ لأن العصمة لا تكون إلا بالإيمان، أو الأيمان وليس لحربي واحد منهما١، ومن كان مسلمًا ومقيمًا بدار الحرب، فإنه لا يمنع من دخول دار الإسلام، بل إن الإمام أبا حنيفة يرى أنه لا بد من دخوله دار الإسلام حتى يصبح معصوم الدم والمال؛ لأن العصمة عنده أساسها منعة الإسلام القائمة على أساس قوته وسلطانه٢.
أما دار العهد: أو دار الصلح، فهي البلاد التي لم يستول عليها المسلمون استيلاء يمكنهم من تطبيق شرائعهم، وسننهم فيها، ولكن أهلها دخلوا في عقد مع المسلمين، وعهدهم على شرائط معينة٣.
هذا ويرى بعض فقهاء القانون الدولي أن اصطلاح "دار الإسلام"
стр. 101
اصطلاح مقبول في وقت ظهور الإسلام، وذلك؛ لأن اصطلاح "الدولة" بمفهومها الحديث لم يكن معروفًا وقتذاك.
كما أن اصطلاح دار الحرب، اصطلاح عادي يتميز بالعمومية واليسر إذ يجمع بين كل المجتمعات الإنسانية، التي لم يكن يربط بينها، وبين الدولة الإسلامية أي رباط، والتي كانت ترفض التعاون السلمي مع الدولة الإسلامية١.
هذا هو تقسيم الفقهاء للعالم من حيث بسط سلطان الإسلام عليه، أما إمكان أحكام الشريعة الإسلامية، وسريان نصوصها على المقيمين فيه، فهو ما سأتناوله في الصفحات التالية:
стр. 102
الشريعة الإسلامية، والمبادئ التي تحكم سريان النص على المكان:
الأصل كما سبق أن تطبق أحكام الإسلام على الناس عامة، ولكن ما عليه المسلمين من حال أدى إلى قصر تطبيق هذه الأحكام على من يدين بدين الإسلام بصفة خاصة، وبالولاة للدولة الإسلامية بصفة عامة، وعلى ضوء هذا اتجه فقهاء الإسلامي إتجاهين أساسيين، يحكمان سريان تطبيق أحكام الشريعة على المكان، خصوصًا من حيث الإلزام الجنائي.
الاتجاه الأول: ويمكن أن يطلق عليه اتجاه الإقليمية.
يقوم هذا الاتجاه على الأسس الآتية:
الأساس الأول: الولاية على المكان الذي وقعت فيه الجريمة.
الأساس الثاني: من وقعت منه الجريمة.
الأساس الثالث: نوع الجريمة التي وقعت.
أما بالنسبة للاتجاه الأول الذي يقرن العقوبة على الجريمة بالولاية على المكان الذي وقعت فيه الجريمة وقت وقوعها، فإن أقوال الفقهاء بالنسبة لذلك تنحصر فيما يأتي:
١- تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على كل من يقيم في إطار حدود الدولة الإسلامية "أي على إقليمها"، سواء أكان مسلمًا أم ذميًا أم مستأمنا.
٢- تطبق أحكام الشريعة الإسلامية على كل من يقيم على إقليم الدولة الإسلامية، عدا المستأمن إذا ارتكب جريمة تمس حقا لله "هو الذي يعرف الآن بحقوق الجماعة".
стр. 103
وليس معنى هذا أن يترك المستأمن يفلت من الالتزام بضمان ما أتلفه، وإنما عليه ضمانه لا على سبيل العقوبة، وإنما على سبيل التعويض١.
ويتفق هذه الاتجاه، وما يطبقه فقهاء القانون من مبدأ الإقليمية، والذي يعني أن يطبق القانون الجنائي للدولة على كل ما يقع على إقليمها من جنايات، وغيرها، وعدم تطبيق هذا القانون خارج إقليم الدولة٢.
غير أن هذا الإتجاه الأول لفقهاء الشريعة يرى بعض القائلين به عدم معاقبة من لا يقيم إقامة دائمة بالدولة الإسلامية، على ما يأتيه من جرائم يقع الاعتداء فيها على حق خالص، أو غالب لله .
تقييم الاتجاه الأول لفقهاء الشريعة:
راعى الإمام الأعظم أبو حنيفة، ومن وافقه في أخذهم بهذا الاتجاه الحرية الشخصية للأفراد إلى حد كبير، وقد راقت هذه المراعاة كثيرين من فقهاء القانون الوضعي، فنسجوا على منوالها.
غير أن الاتجاه قد فتح الباب على مصراعيه أمام الدولة الإسلامية، إذا ذهبوا إلى دولة أخرى، فإن كثيرين منهم يعبون الجرائم في نهم، وينتهكون الحرمات، لأمنهم حينئذ وبعدهم عن تطبيق عقوبات ما تردوا فيه من جرائم عليهم. وذلك وآثاره ليس يخاف على أحد.
стр. 104
كما أن القول بالتفريق بين المستأمن وغيره، ممن يقيم بالدولة الإسلامية في محاولة إنجاء المستأمن، وغيره من العقاب على بعض ما يرتكبه من جرائم، قد فتح باب مفارقة الجرائم أمام هؤلاء المستأمنين، وقد يكون منهم من لا رادع له من خلق أو دين، وإنجاؤه من العقاب تضييع لحرمات الله، وحث له ولغيره على الإثم والخطيئة، ولكم عانت الأمة من التفريق في المعاملة القانونية، وألوان الحماية المختلفة١.
وإنه لمن الأنفع للدولة وللأفراد جميعًا، أن يدفع الفساد بالعقوبة العنيفة الرادعة. وفي ذلك الخير وحماية الأخلاق، والفضيلة بدلًا من أن تراعى حرية بعض فاسدي النفوس والطبائع، الذين يعيثون في الأرض فسادًا، وهم آمنون من العقاب.
مما لا شك فيه أن الضرب على أيدي هؤلاء، وإلزامهم عقوبة ما ارتكبوه من جرائم حتى ولو لم تكن الأفعال محرمة في قانون وطنهم أنفع من كل الوجوه، مما ذهب إليه، ورعاه الإمام أبو حنيفة، أيا كان هدفه، أو قاعدته التي اعتمد عليها في القول بذلك.
الاتجاه الثاني: ويمكن أن يطلق عليه اتجاه الإلزام الشخصي.
والولاية فيه أعم من سابقه، إذ أنه مبني على أساب ولاية الدولة الإسلامية على كل من يقيم، أو يوجد فيها وقت ارتكابه الجريمة بصرف النظر عن ديانته، أو بلده التابع له، سواء أكان مسلمًا أم ذميًا، أم مستأمنًا.
ثم يلزم القائلون بهذا الاتجاه أيضًا كل مسلم عقوبة جنايته التي
стр. 105
ارتكبها في أي مكان حتى ولو كانت قد وقعت في دار الحرب، وكذا الحال بالنسبة للذي يعد في رعايا الدولة الإسلامية، فمعيار الأفعال، وإلزام العقوبة عليها يلزم به كل رعايا الدولة الإسلامية، سواء ارتكبوا جرائمهم دار الإسلام أم في دار الحرب، ما دامت الشريعة الإسلامية قد جرمت الفعل، وألزمت من قام به العقوبة.
فالإلزام عند أصحاب هذا الاتجاه إلزام شخصي، لا علاقة له بالإقليم الذي وقعت الجريمة على أرضه، من حيث إعفاء من وقعت منه هذه الجريمة، لكون أهل هذا الإقليم لا يعتبرون ما وقع جريمة يعاقب عليها.
إذ المقياس هو نظرة الشريعة الإسلامية لما وقع، من حيث تجريمه أو إباحته، إلى الشخص الذي وقع منه الفعل، أهو أحد رعايا الدولة الإسلامية، أم من غيرهم١.
الاتجاه الثاني: ومبدأ العينية والشخصي
لاحظ فقهاء القانون الوضعي أن مبدأ الإقليمية ترد عليه بعض استثناءات يحتاج علاجها وجود مبادئ أخرى لتدراك إفلات المجرم، ومحاولة لتتبعه وإنزال العقاب به.
لذا فقد وضعوا مبادئ أخرى بجانب مبدأ الإقليمية، وذلك كمبدأ
стр. 106
العينية، ومبدأ الشخصية بنوعيها الإيجابي والسلبي، ويعني مبدأ العينية ملاحقة الجاني بصرف النظر عن جنسيته، إذا ارتكب جنايات معينة، وهي عادة تتمثل في الجنايات التي تمس أمن الدولة وسلامتها، سواء ارتكبت داخل الدولة، أو خارجها بصرف النظر عن كون هذه الأفعال معاقبا عليها في مكان ارتكابها أو لا.
وهذا المبدأ لا يعني إلا بأمن الدولة فقط، وإن كان غالبًا ما يوجه إلى العناية بأمن الحاكم وسلامته، والحفاظ على حكمه وسلطانه، يصرف النظر عن أي شيء آخر.
ومبدأ العينية هذا ما هو إلا بداية سير فقهاء القانون الوضعي نحو الاتجاه الثاني لفقهاء الشريعة الإسلامية، الذي لم يعن بأمن الدولة فقط، أو بالحفاظ على طائفة دون أخرى، أو إقليم دون إقليم، وإنما عني بالحفاظ على الأمة كلها وسلوكياتها وأخلاقياتها؛ لأن ذلك أساس البناء الشامخ للأمم وحضاراتها.
أما مبدأ الشخصية، فإنه يعني في أحد مفهوميه تتبع المواطن إذا ارتكب جريمة في الخارج؛ لأن على الدولة أن تضمن حسن سلوك رعاياها خارج حدودها أيضًا، كما أن ذلك يعمل على مكافحة الجريمة، وتهدئة الشعور العام١.
غير أن هذا المبدأ يشترط للعقاب على السلوك، أن يكون سلوكًا مجرمًا في المكان الذي وقع فيه، وأن يكون سلوكه هذا مكونًا جريمة في قانون بلده "جناية أو جنحة في القانون المصري".
وبذا يظهر شمول الإتجاه الثاني لفقهاء الشريعة الإسلامية، لمبدأ
стр. 107
العينية والشخصية والزيادة عليهما؛ لأنه يعني بالأمن العام للفرد والأمة، ولا يعنيه أن يكون الفعل معاقبًا عليه في المكان الذي وقع فيه أم لا، وإنما المعيار هو ما تقرره الشريعة؛ لأن ما يقرره الأفراد يخضع للأهواء، والرغبات، وهو سهل التغير والتبديل.
أما ما تقرره الشريعة الإسلامية، فهو بجانب كونه قانونًا واجب الاتباع -هو أيضًا جزء من عقيدة ثابتة، لا تخضع لشهوة أو هوى.
كما أن البلاد الإسلامية كلها من وجهة نظر الشريعة، بلد واحد، فالجاني أينما ذهب فشريعة الإسلام تحكمه، وهذا أقدر على استئصال الإجرام والمجرمين، وإحكام القبضة القانونية، وهو حلم مشرعي القانون.
ثالثًا: حدود سريان النصوص الجنائية على الأشخاص
١- القانون الوضعي، وحدود سريان النص الجنائي على الأشخاص:
حتى قيام الثورة الفرنسية لم تكن تعرف القوانين الوضعية طريق المساواة في تطبيق النصوص الجنائية على الأشخاص، فقد كان التمييز واضحًا في وضع المحكمة وسيرها، وفيما يحكم به، بل وفي كيفية تنفيذ العقوبة.
وبعد قيام الثورة الفرنسية، بدأ وضع قاعدة تحكم سريان النص الجنائي على جميع من يقيم على إقليم الدولة.
غير أن هذه القاعدة لم تسلم من الاستثناءات، فخص بعض الأفراد بإعفاءات معينة، وأكثر من ذلك نص عليها في دساتير بعض الدول، ومن هذه الفئات المستثناة على سبيل المثال:
стр. 108
"أ" رئيس الدولة: إذ هو لا يخضع للقانون كما يخضع له باقي الأفراد. بحجة أنه مصدر السلطة العليا والقانون، وإن كانت بعض الدساتير قد نصت على إخضاعه للقانون عند ارتكابه جناية الخيانة العظمى.
"ب" رؤساء الدولة الأجنبية: فهؤلاء لا يخضعون لأي قانون جنائي في أي بلد يذهبون إليه، سواء أكانوا في زيارة رسمية أو غيرها، هم ومن معهم من أفراد أسرهم، ومرافقيهم من حاشية، وأتباع.
"ج" رجال السلك السياسي، وأعضاء الهيئات التشريعية:
وإعفاء هؤلاء ليس مثار جدل -معلن على الأقل-، وإنما الجدل الذي يدور هو حول طبيعة هذه الإعفاءات من تطبيق القانون عليهم، أم إعفاء من المثول أمام القضاء، إلى آخر ما زال يدور همسًا في غالبه١.
هذا هو موقف القوانين الوضعية في مسألة حدود سريان النصوص الجنائية على الأشخاص، في نهاية القرن العشرين.
وهو يماثل ما كان عليه القوم منذ أربعة عشر قرنًا، يوم جاء يلتمسون من رسول الله ﷺ ، إعفاء إحدى شريفاتهم، وكانت قد سرقت، فأنكر رسول الله ﷺ ذلك منهم، وأنزل بها العقوبة٢.
стр. 109
٢- الشريعة الإسلامية، وحدود سريان النص الجنائي على الأشخاص:
سوى الله بين الناس في أصل الخلقة، فالناس جميعًا أبناء لآدم ﵇، وجعل الله أساس المفاضلة بينهم واحدًا، وهو التقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .
وهذا ما التزم به الرسول ﷺ وأكده بقوله: "لا فضل لعربي على أعجمي إلى بالتقوى".
وهذه المفاضلة هي مقياس الناس عند ربهم ، أما عند الاحتكام للقانون الشرعي، فالناس سواسية كأسنان المشط، والتسوية بينهم واجبة١.
والنبي ﷺ قد أبى هذا الأساس الثابت يوم خرج، وهو مريض يتحامل على كتفي بعض أصحابه، حتى وصل إلى المنبر، ولم يستطع الوقوف، فجلس ثم قال: "أيها الناس من كنت جلدت له ظهرًا، فهذا ظهري فليستقد منه، ومن أخذت له مالًا فهذا مالي، فليأخذ منه ولا يخشى الشحناء من قبلي، فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إلي من أخذ مني حقا إن كان له، أو حللني فلقيت ربي، وأنا طيب النفس" ٢.
ولقد علم الصحابة الأجلاء ذلك جيدًا، وطبقو وجعلوا منه قانونًا نافذًا، وأمرًا ساريًا على جميع الناس.
فهذا عمر بن الخطاب خليفة المسلمين، يعلن للناس جميعا في موسم الحج، وقد جمع ولاة أمصاره على مشهد من الحجاج، وقال للجميع: أيها الناس إني لم أرسل إليكم عمالًا ليضربوا أبشاركم، ولا يأخذوا أموالكم
стр. 110
وإنما أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم، فمن فعل به شيئًا سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفس عمر بيده إذن لأقصنه منه، وكيف لا أقص منه: وقد رأيت النبي ﷺ يقص من نفسه١.
وهكذا يسوي الإسلام بين الحاكم والمحكوم، ويشترط في الحاكم شروطًا لا بد من أن تتوفر في سلوكه حتى يكون أهلًا لتولي سلطة حكم الدولة الإسلامية.
وقد رأى بعض فقهاء الشريعة عزل رئيس الدولة إذا ارتكب منكرًا، أو أقدم على فعل محظور، وتحكمت فيه شهوته، وتسلط عليه هواه؛ لأن من كان هذا حخاله عد من الفساق، ولا تنعقد له إمامة المسلمين، ويعزل منها إن كان قد وليها٢.
أما موقف فقهاء الشريعة الإسلامية في سريان النص الجنائي على الأشخاص، فيمكن إجماله في اتجاهين متقاربين.
الاتجاه الأول: يرى الإمام الشافعي، والإمام مالك تطبيق النص الجنائي على الجميع، الحاكم والمحكوم، لا يعفي أحد من انطباق النص الجنائي عليه مهما كان وضعه وسلطانه، وعند أصحاب هذا الاتجاه رئيس الدولة، "الإمام" مسئول عن كل ما يأتيه من جرائم، سواء وقع الاعتداء فيها على حق الله، أم على حق العبد، ويقوم بتنفيذ العقوبة على الإمام من ينوب عنه في القضاء، أو في تنفيذ العقوبات٣.