كما أجاز فقهاء المالكية شهادة الأصم على الأفعال، أما شهادته على الأقوال، فلا تقبل إلا فيما سمعه قبل الصم١.
واستأنس المجيزون لقبول شهادة الأخرس بما روي من أن النبي ﷺ قد أشار، وهو جالس في الصلاة إلى الناس، وهم قيام أن اجلسوا فجلسوا٢.
والاستئناس بهذا فيما نحن بصدده استئناس بعيد لعدم وجود شبهة بين الحالين، فالنبي ﷺ أشار في صلاته، وهو قادر على الكلام، والذي منعه من الكلام الحفاظ على الصلاة؛ لأن الكلام يبطلها، كما أن أصحابه ﵊، وإن تبعوا إشارته إلا أنهم بعد أن فرغوا من صلاتهم سألوه، واستفسروا منه فعلمهم، فإشارته ﷺ لم تكن شهادة والناطق لو شهد بالإيماء بالإشارة لا تصح شهادته، كما أن محاولة قياس الاعتداد بالإشارة المفهمة، بما كان من النبي ﷺ ، وهو في صلاته أمر بعيد؛ لأن إثبات الحدود يقتضي علم وجود الشبهة.
وعليه فإن شهادة الأخرس بإشارته المفهمة لا يعتد بها في إثبات
стр. 422
الجرائم الحدية؛ لأنها وإن أفهمت إلا أنها لا تخلو عن الشبهة، والحدود تدرأ بالشبهات١.
أما إذا أدى أخرس الشهادة عن طريق الكتابة الواضحة المفهمة، وأجاب عن طريق الكتابة عن كل ما يوجه إليه من استفسار، وما يطلب منه بيانه، إجابة أدت إلى اليقين، فلا مانع من الاعتداد بهذا في إثبات الجرائم الحدية، والحكم بعقوباتها؛ لأن شهادته بهذه الطريقة قد بعدت من احتمال الشبهة، وأفادت القطع واليقين.
٩- اليقظة: أي أن يكون يقظًا، وقت حدوث الجناية التي يشهد على الجاني بأنه ارتكبها.
وأن يكون فطنًا فاهمًا غير غافل، ولا مشغول عما يحدث وقت حدوثه -بشيء آخر لجواز أن ينتج عن إنشغاله هذا خلط بين ما وقع من جناية، وغيرها، أو بين الجاني وغيره، أو بينهما معًا.
فمن يكثر نسيانه أو خلطه، أو اشتباه الأمور عليه، فإنه ترد شهادته في الحدود والقصاص؛ لأن من شأن هذا أن تعتري شهادته الشبهة، وشهادة مثل هذه لا يقام بها حد.
فإن كان ينسى أحيانًا، أو يغلط أحيانًا ولكن الحادثة التي يشهد عليها منضبطة في ذهنه واعيًا لها، ذاكرًا دقائقها قبلت شهادته، وأقيمت الحدود بها.
стр. 423
هذا بالنسبة لشهادته ممن يقع منه الخطأ، أو النسيان أو الغفلة، أما الأبله والبليد فلا تصح شهادتهم، ولا يعتمد عليها في الإثبات، أما ذو الغفلة فإنه تقبل شهادته في الحالات التي وضحت الجناية بالنسبة له، ولم يلتبس عليه شيء من أمرها١، ومبنى هذا كله أن الشهادة التي يقام بها حد من الحدود لا بد، وأن تكون صادرة عمن له قدرة ضبط عقلية يستطيع بها التمييز، والتدقيق، والفهم الواعي الضابط للأمور، والمفرق بين الحق والباطل.
فإن لم يكن الشاهد كذلك اعترت شهادته الشبهة، وشهادة مثل هذه مردودة، ولا يثبت بها حد.
стр. 424
المطلب الثاني: شروط في الشهادة
يشترط في الشهادة التي تؤدى وتثبت بمقتضاها الجرائم الحدية، ويلزم الجاني بعقوبة ما اقترفه من الحدود ما يأتي:
١- أن تكون واضحة مفصلة، دالة قاطعة، لا لبس فيها ولا خفاء: مفيدة على سبيل القطع، واليقين أن الجاني قد ارتكب جنايته بفعل يستحق معه العقاب المقرر حدًا، من لدن الشارع الحكيم.
وكون الشاهدة بهذه الصورة من الوضوح، أمر ضروري لما يترتب عليها من إثبات جنايات عقوباتها بالغة الشدة تصل حد القتل قصاصًا، أو الإهلاك رجمًا.
ولهذا فإن الفقهاء اشترطوا تحري الدقة، والوضوح في الشهادة، وألزموا القاضي الاستفسار من الشهود عن مكان الجريمة وزمانها، وعن الجاني وكيفية جنايته. وعمن وقعت عليه إلى آخر ذلك، مما ينتفي معه أي لبس أو شبهة١.
وقد ورد عن فقهاء الأحناف في ذلك كثير من النصوص، منها ما جاء عن البلبرقي٢ شارحًا ما في الهداية: "وإذا شهدوا سألهم الإمام عن الزنا ما هو، احترازا عن الغلط في الماهية، وكيف هو، احترازًا عن الغلط في الكيفية، وأين زنى احترازًا عنه في المكان، ومتى
стр. 425
زنى، احترازًا عنه في الزمان، وعن الزنية احترازًا عنه في المفعول به"، ويدل عن وجوب السؤال عن هذه الأشياء النقل، والعقل أما الأول فما روي "أن رسول الله ﷺ سأل ماعزا إلى أن ذكر النون والكاف ... لكونه صريحًا في الباب، والباقي كناية.
أما العقل؛ فلأن الاحتياط في ذلك واجب؛ لأنه إن كان الفعل في غير الفرج عناه، فلا يكون ماهية الزنا، ولا كيفيته موجودة، أو زنى في دار الحرب، وهو لا يوجب الحد، أو في المتقادم من الزمان، وذلك يسقط الحد، أو كان له في المزنية شبهة لم يطلع عليها الشهود كوطء جارية الابن، فيستقص في ذلك احتيالا للدرء١، كما ذكر السرخسي في الشهادة بالقذف: أن المقذوف إذا جاء بشاهدين، فشهدوا أنه قذفه سئلا عن ماهيته، وكيفيته؛ لأنهما شهدا بلفظ مبهم، فالقذف قد يكون بغير الزنا، فإن لم يزيدا على ذلك لم تقبل شهادتهما؛ لأن المشهود به غير معلوم"٢.
كما يقول في الشهادة بالسرقة: "وإن شهد شاهدان على رجل بالسرقة سئلًا عنم ماهيتها وكيفيتها؛ لأن مبهم الاسم محتمل، فإن من يستمع كلام الغير سدا يسمى سارقًا.. ولأن المسروق قد يكون غير مال، وقد يكون محرزًا، أو غير محرزًا وقد يكون نصابًا وما دونه، فلا بد أن يسألهما عن الماهية والكيفية، وينبغي أن يسألهما متى سرق، وأين سرق كما بيناه في الزنا؛ لأن حد السرقة لا يقام بعد تقادم العهد، ولا يقام على من باشر السب في دار الحرب، فيسألهما عن ذلك"٣.
стр. 426
وقد أورد فقهاء الشافعية اشتراط ما سبق في الشهادة، فيقول الشيرازي: "ومن شهد بالجناية ذكر صفتها، فإن قال: ضربه بالسيف فمات، أو قال: ضربه بالسيف فوجدته ميتًا لم يثبت القتل بشهادته لجواز أن يكون مات من غير ضربه.. ومن شهد بالزنا ذكر الزاني، ومن زنى به؛ لأنه قد يراه على بهيمة ... أو يراه على زوجته أو جارية ابنه، فيظن أنه زنى، ويذكر صفة الزنا، فإن لم يذكر أنه أولج، أو رأى ذكره في فرجها لم يحكم به ... وإن شهد أربعة بالزنا، وفسر ثلاثة منهم الزنا، ومات واحد منهم قبل أن يفسر لم يجب الحد في المشهود عليه ...
ومن شهد بالسرقة ذكر السارق والمسررق منه، والحرز والنصاب وصفة السرقة؛ لأن الحكم يختلف باختلافها، فوجب ذكرها، ومن شهد بالردة بين ما سمع منه لاختلاف الناس، فيما يصير به مرتدًا، فلم يجز الحكم قبل البيان، كما لا يحكم بالشهادة على جرح الشهود قبل بيان الجرح١.
وجاء مثل هذا أيضًا عن فقهاء والمالكية، إذ يقول الخرشي في شروط صحة الشهادة بالزنا: أنهم لا بد أن يشهدوا بزنا واحد في وقت واحد في موضع واحد برؤية واحدة، وأنه أدخل فرجه في فرج المرأة كالمرود في المكحلة٢.
كما جاء في المدونة: قلت: أرأيت إن شهد أربعة على رجل بالزنا، فقال لهم القاضي: صفوا الزنا، فقالوا: لا نزيد على هذا القول.
أيقبل شهادتهم؟ قال: أخبرتك بقول مالك أنه قال: يكشفهم الإمام
стр. 427
فإن وجد في شهادتهم من يدرأ به الحد درأه، قلت: فإن أبوا أن يكشفوا شهادتهم؟ قال: لا يقام الحد إلا بعد كشف الشهادة، وذلك رأيي١.
وقد جاء اشتراط وضوح الشهادة، وتفصيلها، واستفسار القاضي الشهود عن كل ما يمكن أن يكون شبهة تدرأ الحد، أو تسقط العقوبة، عن كل من فقهاء الحنابلة٢، والشيعة٣ أيضًا.
من هذا كله يتضح أن جمهور الفقهاء، يرون اشتراط تحري الدقة في الشهادة التي يثبت بها الحد، ووضوحها وبيانها للجناية المشهود عليها بيانا لا يبقى معه أدنى لبس، حتى يمكن أن يحكم القاضي بناء على هذه الشهادة بالعقوبة المقررة لما ارتكبه الجاني من الجرائم الحدية.
أما ابن حزم، فإنه يرى أن ما يجب أن يستفسر القاضي الشهود عنه هو ما لا تتم الشهادة إلا به، والذي إذا نقص لم تكن الأقوال التي قبلت شهادة، وإذا اختلف الشهود فيه بطلت شهادتهم، ولم تتم.
أما ما لا معنى لذكره في الشهادة ولا يحتاج إليه فيها، وتتم الشهادة مع السكوت عنه، فلا ينبغي أن يلتفت إليه، وسواء اختلفت الشهود فيه، أو لم يختلفوا، وسواء ذكروه، أو لم يذكروه -واختلافهم في قصة أخرى ليست من الشهادة في شيء، ولا فرق، فلما وجب هذا كان ذكر اللون في الشهادة لا معنى له، وكان أيضًا ذكر الوقت في الشهادة في الزنى وفي السرقة، وفي القذف وفي الخمر لا معنى
стр. 428
له -وكان إيضًا ذكر المكان في كل ذلك لا معنى له، فكان اختلافهم في كل ذلك كاتفاقهم، كسكوتهم، ولا فرق؛ لأن الشهادة في كل ذلك تامة دون ذكر شيء من ذلك.
وحسب الشهود أن يقولوا: إنه زنى بامرأة أجنبية نعرفها أولج ذكره في قبلها رأينا ذلك فقط، ما أبالي قالوا: إنها سوداء أو بيضاء أو زرقاء، أو كحلاء مكرهة، أو طائعة، أمس، أو اليوم، أو منذ سنة، بمصر أو ببغداد.
وكذا لو اختلفوا في لون ثوبه حينئذ، أو لون عمامته، ويستدل لذلك ابن حزم، فيقول: "لم يقل الله تعالى قط، ولا رسوله ﷺ : لا تقبلوا الشهادة حتى يشهدوا على زنى واحد، في وقت واحد، في مكان واحد، وعلى سرقة واحدة بشيء واحد في وقت واحد، في مكان واحد، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ "١٩: ٦٤"، وتالله لو أراد الله تعالى ذلك لما أهمله، ولا أغفله حتى بينه فلان وفلان، وحاش لله من هذا"١.
وقبل مناقشة ابن حزم، فيما ذهب إليه أحب أن أذكر هنا بأن ابن حزم قال بأن الحدود لا تدرأ بالشبهات، هذا مذهبه وقد سبقت مناقشته.
وأول ما يناقش فيه ابن حزم هو كونه لا يشترط في الشهادة أن تكون مبينة لحالة المزني بها، أهي طائعة أم مكرهة، وهذا ولا شك أمر ضروري الاستعلام عنه؛ لأنه وإن لم يؤثر بالنسبة للفاعل المختار، إلا أنه يترتب عليه بالغ الأثر بالنسبة له، وللمزني بها إن كان منهما
стр. 429
مكرهًا: وكذا إن كانت هي وحدها المكرهة؛ لأن المكره قد رفع عنه القلم فيما عدا القتل١.
فما دامت أكرهت، فلا عقوبة عليها، فكيف تستوي الشهادة عليها إذا ذكر فيها كونها مكرهة، أو لم يذكر؟. إن إثبات إكراها أو طواعيتها إثبات لأمر جوهري يترتب عليه الإدانة، أو البراءة بالنسبة لها، ولا يخفى ما قد يكون في الإدانة من رجمها وإلحاق العار بأهلها، أما براءتها مما نسب إليها، فإنها مانعة من ذلك كله، فكيف يتسنى إذا أن يعد ابن حزم ذلك من الأمور التي لا يلتزم بيانها في الشهادة؟
أما تعلق ابن حزم بأن الله لم يقل ذلك قط، ولا رسول الله ﷺ ، فهو تعلق واه، فالرسول ﷺ قد راجع ما جاء شاهدًا على نفسه، واستوضحه واستبان منه ما قد يكون خافيًا على الشاهد نفسه، وسأله عن أشياء، وأشياء حتى وصل به الأمر ﷺ إلى النطق بكلمة لم يكن ليحب أن ينطق بها.
ما فائدة هذا كله من رسول الله ﷺ ، إذ أن لم يترتب عليه درء العقوبة، أو تغايرها وهما من الأمور المقصودة من مراجعة الشهود، واستبانتهم، واستيضاحهم.
وما كان الرسول ﷺ لينطق بذلك كله عبثًا، أو مضيعة للوقت حاش لله.
وابن حزم لم يأبه بقول بعض الشهود -إنهم رأوا الجاني يزني بامرأة أجنبية- في بلد كذا، أو قول الباقي منهم -المكمل للعدد المطلوب في الشهادة- لا بل رأيناه يزني بها في بلد آخر.
стр. 430
مع أن قول بعض الشهود في بلد كذا، وقول الباقين لا بل في بلد آخر شهادة بواقعتين مختلفتين لا بواقعة واحدة، ولا بد للشهادة بكل واحد من الواقعتين من أربعة شهود حتى يقام الحد، كما هو متفق عليه، ولا يجوز أن يقام حد بشهادة أربعة شهود كل منهم قد رأى واقعة، غير التي رآها غيره من باقي الشهود، كما لا يخفى أن من جاء يشهد بواقعة زنا قد وقعت منذ سنة، ولم يمنعه مانع من الشهادة بها وقتها، يجب أن يستوضح، ويسأل عن سبب تأخره في الإدلاء بما رأى خصوصًا، وأن الشهادة بهذا تقام حسبة، وتأخيرها بلا سبب جوهري يورث شكًا في من جاء يشهد، وفي الوقائع التي يشهد بها، وعلى ذلك فما ذهب إليه الجمهور أولى بالاتباع.
٢- أن تكون الشهادة مفيدة لليقين بحيث لا يظهر ما يعارضها، ولو ظاهرًا: فإن ظهر ما يعارضها، ولو في الظاهر فإن الفقهاء قد رأوا في إثباتها للحد ما يأتي:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الشهادة إذا وجد ما يعارضها، ولو في الظاهر تصبح محلًا للشبهة، ولا تفيد اليقين والقطع، ولهذا فإنه لا يعول عليها في إثبات جناية من الجنايات الحدية، وقد أورد ابن الهمام في هذا قوله: "وإن شهد أربعة على امرأة بالزنا، وهي بكر بأن نظر النساء إليها، فقلن: هي بكر درئ عنهما أن عن المشهود عليهما بالزنا، وعنهم أي، ويدرأ حد القذف عن المشهود"١.
وقد وضح السرخسي هذ بقوله: "إن نظر إليها النساء قبل إقامة الحد، وقلن: هي عذراء أو رتقاء يدرأ عنها الحد؛ لأن الشبهة
стр. 431
تتمكن بقول النساء، ولا شبهة أبلغ من هذا، فمع الرتق لا يتصور الزنا الموجب للحد، وبعد الزنا الموجب للحد لا يتصور بقاء العذرة"١.
كما يقول: "وإن شهد أربعة على رجل أنه زنى بهذه المرأة في موضع كذا في وقت كذا، وشهد أربعة أنه زنى بهذه المرأة الأخرى في ذلك الوقت بعينه في مكان آخر، والبينتان بينهما بعد لم يحد واحد منهم؛ لأن القاضي تيقن بكذب أحد الفريقين، والشخصان في وقت واحد لا يتصور أن يكونا في مكانين مختلفين، ولا يعرف الصادق من الكاذب".
"وإن شهد أربعة أنه زنى يوم النحر بمكة بفلانة، وشهد أربعة أنه قتل يوم النحر بالكوفة فلانا لم تقبل واحدة من الشهادتين، لتيقن القاضي بكذب أحد الفريقين، ولا حد على شهود الزنا لتكامل عددهم، وعلى هذا سائر الأحكام٢.
وما ذهب إليه فقهاء الأحناف هو ما قال به فقهاء الشافعية، والحنابلة والشيعة، وبعض فقهاء المالكية.
فيقول الشربيني الخطيب: ولو شهد أربعة من الرجال بزناها، وأربع نسوة أو رجلان، كما قال البلقيني، أو رجل وامرأتان كما قاله غيره، أنها عذراء، لم تحد هي لشبهة بقاء العذرة، والحد يدرأ بالشبهات؛ لأن الظاهر من حالها أنها لم توطأ، ولا قاذفيها لقيام البينة بزناها، واحتمال عودة بكارتها لترك المبالغة في الافتضاض.
قال البلقيني: هذا إذا لم تكن غوراء يمكن تغيب الحشفة مع بقاء البكارة، فإن كان كذلك حدث لثبوت الزنا، وعدم التنافي، "هذا
стр. 432
ما ذهب إليه فقهاء الشافعية، وأن كان منهم من قيد عدم حد قاذفيها بما إذا كان بين الشهادتين زمن بعيد يمكن العذرة فيه.
فإن شهدوا أنها زنت الساعة، وشهدن بأنها عذراء، وجب حد الشهود؛ لأنهم قذفوها لقيام ما يخالف ما شهدوا به١، وإن كنت أرى عدم حدهم حد القذف؛ لأن الطب الشرعي قد ذهب إلى إمكان حدوث الإيلاج مع بقاء غشاء البكارة إذا كان من النوع الذي يطلقون عليه الغشاء الهلالي٢، ولا حد عليها نظرًا لقيام ما يعارض ما شهد به الشهود، ولو في الظاهر، إذ الحدود تدرأ بالشبهات.
ووافق فقهاء الحنابلة ما ذهب إليه الجمهور، إذ رأوا أنه لا حد على من شهد النساء ببكارتها، وكذا لا حد على من قامت البينة أنه مجبوب؛ لأن وجود مثل ذلك يعارض إمكان وقوع الجريمة الحدية.
واكتفى فقهاء الحنابلة بوجود امرأة واحدة تشهد ببقاء العذرة، يقول ابن قدامة بعد عرضه آراء الفقهاء في ذلك:
"ولنا أن البكارة تثبت بشهادة النساء، ووجودها يمنع من الزنا ظاهرًا.. وإذا انتفى الزنا لم يجب الحد، كما لو قامت البينة بأن المشهود عليه بالزنا مجبوب، وإنما لم يجب الحد على الشهود لكمال عددهم مع احتمال صدقهم.. ويجب أن يكتفى بشهادة امرأة واحدة؛ لأن شهادتها مقبولة فيما لا يطلع عليه الرجال٣.
وجاء عن فقهاء الشيعة: إذا شهد أربعة رجال على امرأة بكر بالزنا
стр. 433
قبلا وأنكرت المرأة، وادعت أنها بكر، فشهدت أربع نسوة بأنها بكر، سقط عنها الحد.
واستدلوا لذلك بما روي من أنه أتى أمير المؤمنين بامرأة بكر زعموا أنها زنت، فأمر النساء فنظرن إليها فقلن، هي عذراء، فقال: ما كنت لأخرب من عليها خاتم من الله، وفقهاء الشيعة لم يكتفوا بشهادة امرأة واحدة كما ذهب إليه فقهاء الحنابلة، وإنما اشترطوا لاعتبار ذلك شبهة، أن يشهد أربع نسوة ببكارتها.
ولا حد أيضًا عندهم على من شهدوا على هذه المرأة بالزنا، لاكتمال عدد الشهود١.
أما ابن حزم الذي لا يدرأ الحد بالشبهة، فإنه قد فصل القول فيمن شهد عليها أربعة بالزنا، ثم شهد أربع نسوة أنها عذراء، فقال: قال الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ ٢. فواجب إذا كانت الشهادة عندنا -في ظاهرها حقًا، ولم يأت شيء يبطلها أن يحكم بها، وإذا صح عندنا أنها ليست حقا، ففرض علينا أن لا نحكم بها، إذ لا يحل الحكم بالباطل، هذا هو الحق الذي لا شك فيه.
ثم نظرنا في الشهود لها أنها عذراء، فوجب أن يقرر النساء على صفة عذرتها، فإن قلن: إنها عذرة، يبطلها إيلاج الحشفة ولا بد، وأنه صفاق٣ عند باب الفرج، فقد أيقنا بكذب الشهود، وأنهم وهموا فلا يحل إنفاذ الحكم بشهادتهم.
стр. 434
وإن قلن: أنها عذرة واغلة في داخل الفرج، لا يبطلها إيلاج الحشفة، فقد أمكن صدق الشهود، إذ بإيلاج الحشفة يجب الحد، فيقام الحد عليها حينئذ؛ لأنه لم نتيقن كذب الشهود، ولا وهمهم.
أما جمهور فقهاء المالكية، فإنهم قد ذهبوا إلى أن من شهد أربعة رجال بأنها زنت، فإنها تحد ولا تسقط عنها الحد إلا إذا شهد أربعة رجال أنها عذراء.
أما لو قالت: هي أنها عذراء أو رتقاء، وشهد بهذا أربع نسوة، فإن الحد لا يسقط
عنها.
فقد جاء في المدونة، "قلت: أرأيت المرأة إذا شهد عليها بالزنا أربعة عدول، فقالت: أنها عذراء أو رتقاء، تريها للنساء في قول مالك أم لا؟ ".
وكيف إذا نظر النساء، فقلن: هي عذراء أو رتقاء؟ قال: يقام عليها الحد ولا يلتفت إلى قولهن؛ لأن الحد قد وجب٢، وقال الخرشي: "ولو ادعت المرأة بقاء بكارتها، أو أنها رتقاء، أو نظر إليها أربع نسوة وصدقناها على ذلك، فلا يسقط الحد المترتب عليها بشهادة البينة، ولم يقام على العذرة أربعة رجال لسقط الحد"٣.
وذهب اللخمي٤ إلى القول بأن من شهد أربعة نسوة ببكارتها يسقط عنها الحد، كما لو شهد الرجال بذلك، وقال المانعون لإسقاط
стр. 435
الحد، إن شهادة النساء أو الرجال على بقاء بكارتها صحيحة، ولكنها لا تسقط الحد؛ لأنها بكارة قد عادت، وهذا لا يتعارض مع إثبات زناها بشهادة الرجال ابتداء١.
كما ذهب فقهاء المالكية إلى إلزام من ثبت عليه حد السرقة بعقوبة القطع، حتى ولو قال: إن صاحب المال هو الذي أرسله، وجاء صاحب المال، وصدقه في مقالته هذه ورد شهادة الشهود، وكذبهم.
ما لم تكن مع السارق بينة على صدق مقالته، حتى ولو كانت هذه البينة هي القرينة المصاحبة لفعله بأن دخل من مداخل الناس، وخرج من مخاربهم، في وقت يشبه أن صاحب المال أرسل فيه، ذكر ذلك الخرشي في حديثه عن السرقة التي يلزم بها القطع، فقال: "وكذا يقطع السارق إذا أخذ في الليل المتاع المسروق، وقال: رب المتاع أرسلني لأخذه، فلا يصدق، ولو صدقه رب المتاع أنه أرسله".
وهذا مشروط بعدم وجود دليل غير كلام صاحب المال، أما إذا وجد دليل يقوي مقالته سقط الحد عن السارق٢، وما ذكره فقهاء المالكية هنا، وفي عدم إسقاط حد الزنا بشهادة النساء بالبكارة يحتاج إلى مناقشة.
أما بالنسبة لعدم إسقاطهم الحد بوجود البكارة، واعتمادهم في ذلك على جواز أنها عادت بعد واقعة الزنا، فهو مردود؛ لأنه وإن أمكن عودة البكارة، فليس هناك دليل على ذهابها أصلًا سوى شهادة شهود الزنا، وهي شهادة احتملت الشبهة بوجود البكارة فعلًا.
وليس عندنا ما يؤكد أن البكارة الموجودة هي بكارة، قد عادت بعد أن فضت.
стр. 436
واحتمال الشهادة للشبهة يجعلها غير صالحة لإثبات الحدود علمًا بأن فقهاء المالكية، قد أقروا وأثبتوا درء الحدود بالشبهات، كما أن محاولة قياس إيغال العذرة، أو عدم إيغالها أمر فيه عنت، وتكلف ثمرته افتضاح عرض وهتك ستر، وذها ولا شك يتنافى، ومقاصد الشريعة الإسلامية، التي تدعو إلى الستر، فمن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والرسول ﷺ كم أعرض بوجهه عمن جاء مقرًا على نفسه بجريمة حدية.
وعلى هذا، فبقاء العذرة شبهة تدرأ الحد.
أما لو أقر الرجل، والمرأة بواقعة الزنا، وكانا من أهل الإقرار الصحيح الذي يعتد به في إثبات الحدود، وأصروا على إقرارهما بالزنا لزمهما الحد حتى ولو قرر العدول أنة غشاء البكارة موجود؛ لأن اقرار العدول، وشهادتهم لا مبرر لوجودها أصلًا، فلا يلتفت إليها ما دام من أقرا بالواقعة مصرين على إقرارهما.
أما عدم إسقاط المالكية عقوبة القطع بقول صاحب المال: أنه هو الذي أرسل من أخذ المال، وعدم اعتبارهم لهذا القول -نظرًا؛ لأن السارق في رأيهم- قد دخل البيت من طريق غير معهود، أو في وقت غير مناسب- فهو قول ليس له من سند يقويه، أو دليل يدل عليه.
إن إقرار صاحب المال بذلك بينة يقينية يجب ألا تترك لمجرد افتراض واه.
كما أن قول صاحب المال، وإن لم يكن بينة يقينية -على سبيل الفرض، فهو يورث شبهة في حق آخذ المال، وهي شبهة يسقط عنه الحد بسببها.
أما آخذ المال، وإن أخطأ ودخل الدار من مدخل غير مناسب، أو في وقت غير مناسب، فهذ الخطأ -جدلًا- لا يترتب عليه إلزام حد
стр. 437
من الحدود، التي لا تقام إلا باليقين، وحتى من لم يثبتوا درء الحد بالشبهة من فقهاء الظاهرة، قد رأوا أن الحدود لا تثبت بالشبهة.
فما بال من أثبت درء الحد بالشبهة يقيم الحد بالشبهة، ولا يدرأه مع وجودهما؟.
٣ يشترط فقهاء الأحناف أن تكون الشهادة بالجناية الحدية عقب وقوع الجناية من الجاني، ولا يمر وقت فاصل بين وقوع الجناية، وآداء الشهادة بها يعد تقادمًا١.
وقد تقدم بيان هذا عند الحديث عن الإقرار.
أما جمهور الفقهاء، فإنهم لا يرون هذا الشرط، ويقبلون الشهادة بالحدود القديمة، ويحكمون بمقتضاها الحدية المقررة للجناية التي ارتكبها الجاني.
فقد جاء في المدونة: "قلت: أرأيت إن تقادمت السرقة، فشهدوا عليها بعد حين من الزمان، أيقطع في قول مالك أم لا؟ قال: نعم يقطع عند مالك، وأن تقادمت، قلت: وكذلك الحدود كلها، شرب الخمر والزنا؟ قال: نعم لا يبطل الحد في شيء مما ذكرت لك، وإن تقادم ذلك تطاول الزمان٢.
كما جاء عن فقهاء الشافعية أنه لا يشترط جباة الشهود، ولا حضورهم حالة الحكم، ولا قرب عهد الزنا، فتقبل الشهادة به، وأن تطاول الزمان٣.
стр. 438
وقال ابن قدامة مبينًا رأي جمهور فقهاء الحنابلة: "وأن شهدوا بزنا قديم، أو أقر به وجب الحد".
واستدل لذلك بعموم الآيات، وأنه حق يقبت على الفور، فيثبت بالبينة بعد تطاول الزمان كسائر الحقوق، وبأن التأخير يجوز أن يكون لعذر، أو غيبة والحد لا يسقط بمطلق الاحتمال، فإنه لو سقط بكل احتمال لم يجب الحد أصلًا١.
من هذا يبين أن جمهور الفقهاء لم يوافقوا على ما اشترطه فقهاء الأحناف.
ورأي فقهاء الجمهور أن الحدود تثبت بالشهادة، وإن تقادمت هذه الحدود.
واستدل فقهاء الجمهور لذلك بأدلة منها: أن الفقهاء عدا ابن أبي ليلى يرون قبل الإقرار بالجنايات الحدية القديمة، والحكم بمقتضاه بعقوبة هذه الجنايات، والإقرار والشهادة كلاهما وسيلة إثبات في الحدود، فلم يقبل الإقرار فيما تقادم من حدود وترد الشهادة، علمًا بأنه اشترط في الشهود العدالة، فما دام لم تحقق هذا الشرط قبلت الشهادة واعتد بها، وإن انتفت عدالة الشهود، فهذا أمر آخر غير التأخير.
كما أنه لا يخفى أن فقهاء الأحناف يرون قبول الشهادة بما وقع على حقوق العباد من جنايات حدية قديمة، فلم إذا ردوها في ما وقع الاعتداء فيه على حق الله؟.
إن كون حق الله مبني على المسامحة، لا تنهض به حجة لهم على رد الشهادة، فيما تقادم منه.
стр. 439
"شروط لا بد من توافره، فيمن يشهد عليه بحد من الحدود":
ما سبق من شروط كان موضوعها الشاهد والشهادة، أما هذا الشرط، فإنه خاص بالمشهود عليه.
وقد ذهب فقهاء الأحناف إلى أنه لا بد لإثبات الحد بشهادة الشهود أن يكون المشهود عليه قادرًا على الدفاع عنه نفسه، مستطيعًا ذكر ما قد يكون له من الأدلة التي تنفي عنه، أو تسقط عقوبتها، أو تغايرها من عقوبة حدية إلى غيرها.
فإن كان عاجزًا عن الدفاع عن نفسه بسبب علة من العلل، كأن أصيب بجنون مثلًا، أو كان أخرس فإنه حينئذ يصبح عاجزًا عن ذكر ما يدرأ عنه العقوبة، وعليه فإنه إن كان مجنونا، وجب الانتظار حتى يفيق، ويسأل عما شهد به الشهود عليه.
فإن استمر جنونه حتى مات، سقط عنه الحد بموته، أما الأخرس فإنه لا يلزمه حد بشهادة الشهود عليه لجواز أن له ما لو ذكره لدرئ عنه الحد، ولكنه -بسبب علته هذه لا يستطيع ذكر ذلك.
أما الإمام الشافعي، فإنه لا يرى ذلك بالنسبة للأخرس، وقاسه بالأعمى، أو بقاطع اليدين، أو الرجلين، فجعل علته كعلتهما، وألزمه الحد بشهادة الشهود مع علته مثلهم، واحتمل كلام الخرقي١، ما ذكره الشافعي من إلزام الأخرس بشهادة الشهود عليه به، لكنه علل هذا بأن قول المشهود عليه معتبر مع قيام البينة عليه بجناية من الجنايات.
стр. 440
ذكر هذا ابن قدامة عند حديثه عن وجوب الحد على الأخرس بإقراره، أو بالبينة فقال: ولا يجب بالبينة لاحتمال أن يكون له شبهة، ويحتمل كلام الخرقي أن لا يجب الحد بإقراره؛ لأنه غير صحيح؛ ولأن الحد لا يجب مع الشبهة، والإشارة لا تنتفي معها الشبهات، فأما البينة فيجب عليه بها الحد؛ لأن قوله معها غير معتبر١، وجملة القول أن الإمام الشافعي يرى إلزام الأخرس بما قامت البينة به من الجنايات الحدية قياسًا للأخرس بالأعمى، والأقطع.
أما الخرقي فإنه يرى أن البينة التي تقوم بحد من الحدود لا عبرة بما يقال من المشهود في دفع الحد عن نفسه، فقيام البينة يدفع قول المتهم، ويلزمه الحد.
وما ذهب إليه الإمام الشافعي من قياس الأخرس بالأعمى، والأقطع قياس غير منضبط إذ أن الأعمى، والأقطع بإمكان كل منهما أن يرد الحد عن نفسه، إذا كانت له حجة، أو شبهة لوجود آلة الكلام صحيحة لديهما، وإمكان سؤالهما ومراجعتهما، وذلك هو طريق الدفع عن النفس، وذكر الشبهة أن وجدت. والأخرس فاقد لذلك، وعاجز عن بيان حقيقة فعله وملابسته.
ثم إن قول الخرقي: أن قول المشهود عليه لا عبرة له مع البينة قول بحاجة إلى بيان؛ لأن المشهود عليه يجوز أن يكون له ما يدفع عنه العقوبة، وقد خفي هذا عن المشهود، فهلا إذا ذكره وبينه لا يلتفت إليه؟
إن فيما سبق من كلام فقهاء الحنابلة في الشبهة ما يرد قول الخرقي، وينفيه ويؤكد أن للمشهود عليه أن يقول ما شاء مما يدفع عنه العقوبة، وأن على القاضي أن يسمع له، وينظر في مقالته، أما فقهاء
стр. 441
الأحناف، فقد استدلوا لما ذهبوا إليه من إسقاط الحد عن الأخرس، والمجنون بأن كلا منهما ربما تكون له شبهة تدرء عنه الحد، وليس في إمكانهما ذكرها لعلة كل منهما، فيقول السرخسي: ولا يؤخذ الأخرس بحد الزنا، ولا بشيء من الحدود.
وإن أقر بإشارة أو كتابة، أو شهدت به عليه الشهود، وعند الشافعي رحمة الله عليه تعالى يؤخذ بذلك؛ لأنه نفس مخاطبة فهو كالأعمى، أو أقطع اليدين أو الرجلين.. إلى أن يقول: وكذلك أن شهدت الشهود عليه بذلك؛ لأنه لو كان ناطقًا ربما يدعى شبهة تدرء الحد، وليس كل ما يكون في نفسه على إظهاره بالإشارة، فلو أقمنا عليه كان إقامة الحد مع تمكن الشبهة، ولا يوجد مثله في الأعمى، والأقطع لتمكنه من إظهاره دعوى الشبهة.
والذي يجن ويفيق في حال إقامته كغيره من الأصحاء، يلزمه الحد بالزنا في هذه الحالة سواء أقر به، أو شهد عليه الشهود١.
كما يقول ابن الهمام في حديثه عن إقرار الأخرس: لو أقر الأخرس بالزنا بكتابة، أو بإشارة لا يحد للشبهة بعد الصراحة، وكذا الشهادة عليه لا تقبل لاحتمال أن يدعي شبهة، كما لو شهدوا على مجنون أنه زنى في حال إفاقته، بخلاف الأعمى صح إقراره، والشهادة عليه٢.
هذا ما ذكره فقهاء الأحناف في إيجاب الحد على الأخرس بشهادة الشهود، وقد تقدم في الحديث عن إقرار الأخرس إن اختررت قبول إقراره في الحدود، والحكم بعقوباتها إن كان قادرًا على الكتابة، وسأله الإمام عن كل ما يمكن أن يكون من شبهة مسقطة للحد عنه بأن كتب
стр. 442
له الإمام ذلك، فقرأه الأخرس، وأجاب عليه كتابة بما يفيد اليقين بأنه ارتكب الجناية الحدية.
ومثل ذلك هنا أيضًا في إيجاب على الأخرس بشهادة الشهود في حالة ما إذا كان قارئًا، وكاتبًا واستفسر منه الإمام عن كل ما يدفع الحد عنه، فلم يجب بشيء يدفع هذا الحد.
أما لو كتب للقاضي بشبهة من الشبه، فإن على القاضي تحقيق الأمر، واعتبار ما ذكره الأخرس كتابة، فإن كان يسقط الحد عنه أسقطه القاضي، وإن كان يدرء الحد فقط، ويرى القاضي عقابه تعزيريًا عاقبه بعقوبة تعزيرية؛ لأن الأخرس والحالة هذه قد أصبح لديه ما يمكنه من توضيح موقفه، والدفاع عن نفسه.
стр. 443
المبحث الثالث: القرائن: معناها، وأعمالها في إثبات الحدود
معنى القرائن:
القرائن مفردها قرينة، مأخوذة من المقارنة بمعنى المصاحبة، ويراد بها ما يدل على الشيء ويوصل إليه، من قرن الشيء بالشيء يقرنه قرنًا شده به، ووصله إليه١.
والقرينة في اصطلاح الفقهاء هي: الأمر الذي يشير إلى المطلوب٢.
وعند القانونيين هي: الصلة الضرورية التي ينشئها القانون بين وقائع معينة.
أو هي نتيجة يتحتم على القاضي أن يستخلصها من وقائع معينة ليأخذ بها٣.
стр. 444
أعمالها في الإثبات:
أمعمل فقهاء الشريعة القرائن في الإثبات، وألزموا من قامت القرائن تدلل على جنايته، بالعقوبات التعزيرية، والتعويضات المالية.
ووافقهم في هذا فقهاء القانون الذين يرون أن دلالة القرائن دلالة غير مباشرة كدلالة الشهادة والإقرار، إلا أنهم لم يرفعوها من حيث الدلالة إلى مرتبة الشهادة والإقرار، ولا من حيث الأخذ بها، والحكم بمقتضاها، إذ لا يحكم بمقضتاها بعقوبة مساوية لعقوبة الجرائم، ذاتها إذا ثبتت بالشهادة والإقرار.
فالأحداث كثيرًا ما تظهر كذب ظواهر الأمور، وتدل على خطأ الإنسان في كثير من استنتاجاته التي اعتمد فيها على الأمور الظاهرية١، أما أعمال القرائن في إثبات الجرائم الحدية، فإن لفقهاء الشريعة في ذلك رأيين:
الأول: وبه يقول جمهور الفقهاء
عدن إعمالها في إثبات الحدود؛ لأن الإثبات بها لا يصل حد اليقين الدال على أن من قامت القرائن تدينه هو فعلًا ارتكب جناية حدية، تلزمه بها عقوبتها المقدرة.
واستدل جمهور الفقهاء لما ذهبوا بأدلة كثيرة منها ما يأتي:
١ عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها، وهيئتها، ومن يدخل عليها" ٢.
يقول الشوكاني: "أنه لا يجب الحد بالتهم، ولا شك أن إقامة الحد إضرار بمن لا يجوز الإضرار به، وهو قبيح عقلًا وشرعًا، فلا يجوز منه إلا ما أجازه الشارع كالحدود والقصاص، وما أشبه ذلك بعد
стр. 445
حصول اليقين؛ لأن مجرد الحدس والتهمة، والشك مظنة للخطأ، والغلط وما كان كذلك، فلا يستباح به تأليم المسلم، وإضراره بلا خلاف"١.
٢ روي أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه حين رمى هلال بن أمية زوجته بالزنا ولاعنها: "أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الإليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سمحاء"، فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ : "لولا ما مضى من كتاب الله لي ولها شأن" ٢.
٣ لم يقض رسول الله ﷺ بحد الزنا على الغامدية، إلا بعد أن أقرت أمامه، مع أنها كانت حاملًا، والحمل قرينة تدل على ما سبقها، فلو كانت تكفي القرينة وحدها، أو حتى مع إقرار الشريك في الجريمة لاكتفى بها رسول الله ﷺ ، وقضى على الغامدية بالحد، ولكنه لم يقض حتى جاءت، وطلبت أن يطهرها رسول الله ﷺ بإقامة الحد عليها، فقال لها: "ويحك: ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه"، فأصرت على إقرارها٣، ولو لم تصر على إقرارها لما ألزامها الحد مع وضوح حالتها، وظهور حملها، وهو قرينة دالة على فعلتها، لهذا قال فقهاء الأحناف والشافعية والحنابلة، والشيعة بأنه يجوز إثبات الجرائم بالقرائن.
стр. 446
فقد جاء في قول ابن الهمام: "ولا حد على من وجد به ريح الخمر، أو تقيأها؛ لأن الرائحة محتملة، فلا يثبت بالاحتمال ما يندرئ بالشبهات، وكذا الشرب قد يكون عن إكراه، فوجود عينها في القيء لا يدل على الطواعية، فلو وجب الحد وجب بلا موجب، إلى أن يقول: أما عدم وجوب الحد بوجود الرائحة والتقيؤ فظاهر، وطريقه أنه لو ثبت الحد لكان مع شبهة عدمه؛ لأن الرائحة محتملة، وإن استدل عليها، فإن فيها مع الدليل شبهة، فلا يثبت الحد معها"١.
كما أورد الشربيني الخطيب أن عمر -رضي الله تعالى عنه، وعلي معه قد أسقطا الحد عن امرأة أتى بها إليهما، وأقيمت عليها البينة بالزنا، وأقرت لكنها ذكرت جهدها العطش، ولم يسقها الراعي إلا بتمكينه من نفسها، واعتبر هذا إكراها لها.
فإذا كان الإكراه قد أسقط الحد مع قيام البينة، والإقرار وهما أقوى طرق الإثبات، فالأولى أن يسقط احتمال الإكراه الحد الذي تدل عليه القرائن، ومن المعروف أن الاحتمال يسقط به الاستدلال، كما أورد أيضًا أن الحد لا يجب بريح الخمر، أو السكر أو القيء الدال على شرب الخمر: لاحتمال أن يكون قد شربها غلطًا، أو مكرها والحد يدرء بالشبهة.
كما أورد أن القاضي لا يجوز له أن يستوفي في الحد بعلمه على الرأي الصحيح، وقد يكون سبب علم القاضي، وجود قرينة من القرائن الدالة٢، وهذا ما ذهب إليه فقهاء الحنابلة، فيما ذكره ابن قدامة
стр. 447
واستدل لذلك بأدلة ما جاء في قوله، ولنا قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ، وقال عمر: وكان الحبل أو الاعتراف؛ ولأنه لا يجوز له أن يتكلم به، ولو رماه بما علمه منه لكان قاذفًا يلزمه حد القذف، فلم تجز إقامة الحد به كقول غيره؛ ولأنه إذا حرم النطق به، فالعمل به أولى١.
ويقول ابن قدامة: وإذا حبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد، لم يلزمها الحد بذلك وتسأل، فإن ادعت أنها أكرهت أو وطئت بشبهة، أو لم تعترف بالزنا لم تحد ... إلى أن يقول: ولنا: أنه يحتمل أنه من وطء إكراه، أو شبهة والحد يسقط بالشبهات.
وقد قيل: إن المرأة تحمل من غير وطء بأن يدخل ماء الرجل في فرجها، إما بفعلها أو بفعل غيرها، ولهذا تصور حمل البكر فقد وجد ذلك٢.
وجاء عن فقهاء الشيعة في قولهم: إذا حملت المرأة، وليس لها بعل لم تحد لاحتمال أن يكون الحمل بسبب آخر دون الوطء، أوبالوطء شبهة، أو إكراه أو نحو ذلك، وعللوا إسقاط الحد أيضًا بقولهم: ومع احتمال أن يكون الحمل بسبب آخر غير الزنا، لا يثبت الحد٣.
أما ابن حزم، فمع أنه لا يرى درء الحد بالشبهة، كما سبق إلا أنه لا يرى أيضًا أن تقام الحدود بشبهة، وقد جاء هذا صراحة في قوله: وذهب أصحابنا إلى أن الحدود لا يحل أن تدرء بشبهة، ولا أن تقام
стр. 448
بشبهة، وإنما هو الحق لله تعالى ولا مزيد، فإن لم يثبت الحد لم يحل أن يقام بشبهة١.
كما قرر ابن حزم أن الحد لا يقام على شارب الخمر إن أكره على شربها، أو اضطر إليها لعطش، أو علاج أو لدفع ضيق، أو جهلها٢، ومن هذا يبين أن من تقيأها، أو شمت رائحتها من فيه لا تكفي هذه القرينة في إقامة الحد عليه لجواز أن يكون لسبب من الأسباب المذكورة.
هذا هو رأي جمهور الفقهاء، الذي يقرر عدم إثبات حد من الحدود بقرينة من القرائن؛ لأن القرينة لا تفيد إثبات الفعل المؤثم بالطريق الذي يجرمه الشرع، كما أنها دليل لا يخلو عن شبهة، والحدود كما تدرء بالشبهات، فإنها لا تثبت مع وجودها، ولا بدليل يحتملها، ولا يفيد القطع واليقين.
الرأي الثاني:
إعمال القرائن في إثبات الحدود؛ لأن القرائن عند أصحاب هذا الرأي أقوى من البينة، والإقرار إذ أنهما خبران يتطرق إليهما الصدق، والكذب، أما القرينة عندهم فهي دلالة صادقة، ولا يتطرق إليها احتمال الكذب، أو الشبهة في الغالب.
هذا ما ذهب إليه الإمام مالك، وابن قيم الجوزية، واستدل للاعتداد بالقرائن والحكم بمقتضاها بأدلة منها:
١ قول الشاهد الذي ذكر الله شهادته، ولم ينكر عليه، ولم يعبه بل حكاها مقررًا لها، فقال تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي
стр. 449
وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ١.
فتوصل بقد القميص إلى معرفة الصادق منهما من الكاذب، وهذا لوث في أحد المتنازعين، يبين به أولاهما بالحق٢.
٢ حكم النبي ﷺ بموجب اللوث في القسامة، وجوز للمدعين أن يحلفوا خمسين يمينًا، ويستحقن دم القتيل٣.
٣ ما روه ابن عباس عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- من أنه قال: إن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف٤.
يقول ابن القيم: هذا حكم عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه، والصحابة معه برجم المرأة التي ظهر بها الحبل، ولا زوج لها ولا سيد، وذهب إليه مالك وأحمد في أصح روايته -اعتمادًا على القرينة
стр. 450
الحد برائحة الخمر من فم الرجل، أو فيئه خمرًا، اعتمادًا على القرينة الظاهرة. وحكم عمرو ابن مسعود -ولا يعرف لهما مخالف- بوجوب الظاهرة١.
بهذا استدل القائلون بالاعتداء بالقرائن في إثبات الجنايات الحدية، وأوجبوا بناء على ذلك الحكم بالعقوبة الحدية، على ما دلت القرائن على ارتكابه جناية من جناياتها.
فالإمام مالك قد رأى أن من قامت القرائن على إدانته بجناية حدية لا يقبل إنكاره، ولا يسقط به لحد عنه ما لم يقم دليل يشهد له بما يدفع الحد عنه، فإن لم يقم الدليل على براءته، أو أنه أكره على الفعل الذي قامت القرينة تدل عليه لزمته العقوبة، يقول الخرشي مؤكدًا ذلك: أن المرأة إذا ظهر حملها، ولا يعرف لها زوج، أو كانت أمة ولا سيد لها، أو لها سيد وهو منكر لوطئها فإنها تحد، ولا يقبل دعواها الغصب على ذلك بلا قرينة تشهد لها بذاك، وأما إن قامت لها قرينة فلا حد عليها، كما إذا جاءت تدمي وهي مستغيثة عند النازلة، أو أتت متعلقة به على ما مر بيانه عند قوله: وإن دعت استكراها على لائق بلا تعلق٢.
كما يقرر ابن قيم أن عدم الاعتداد بالقرائن يترتب عليه إضاعة كثير من الحقوق، فيقول: "فالحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات، ودلائل الحال ومعرفة شواهده الحالية، والمقلية، كفقهه في كليات الأحكام، أضاع حقوقًا كثيرة على أصحابها، وحكم بما يعمل الناس بطلانه لا يشكون فيه، اعتمادًا منه على نوع ظاهر، ولم يلتفت إلى باطنه، وقرائن أحواله"٣.
стр. 451
ثم يضرب مثالًا لما ذهب إليه، بقوله: "وهل يشك أحد رأى قتيلًا يتشحط في دمه، وآخر قائم على رأسه بالسكين: أنه قتله؟ ولا سيما إذا عرف بعداوته، ولهذا جوز جمهور العلماء لولي القتيل أن يحلف خمسين يمينًا: أن ذلك الرجل قتله، ثم قال مالك وأحمد: يقتل به. وقال الشافعي: يقضي عليه بديته"١.
هذه مقالة من يرى الاعتداد بالقرائن في إثبات الجرائم الحدية، وجرائم القصاص، وإلزام عقوبتها.
لكنها مقالة لا تصل في قوتها ما ذكره جمهور الفقهاء من أدلة نقلية، وعقلية وافقت ما سبق أن اتفق جمهور الفقهاء عليه، ومنهم المالكية من درء الحد بالشبة، ومن أن الأصل براءة الذمة.
أما ما استدل به ابن قيم ومن وافقه ممن يعملون القرائن في إثبات الحدود، فهو يحتاج إلى إعادة نظر.
فما ذكر من الاستدلال بما جاء من قصة يوسف ﵇، أمر لا جدال فيه، والقرائن بينة، ومع هذا لا دليل فيه على إثبات حد؛ لأن الاستدلال في هذا بالقرائن أنتج دفع التهمة عن يوسف ﵇، وأثبت براءته التي هي الأصل، إذ الأصل براءة الذمة لا يعدل عنه إلا بدليل يقيني.
فالقرينة هنا اعتد بها أنها دليل نفي، وليس على أنها دليل إثبات أما ما استدل به على أن رسول الله ﷺ قد حكم بموجب اللوث، وطالب المدعين أن يحلفوا خمسين يمنيًا، ويستحفوا رجم القتيل
стр. 452
فإنه قد جاء عن الجمهور ما يدل على أن رسول الله ﷺ قد حكم لهم بالدية، ولم يقتص لقتيلهم.
وما رواه ابن عباس عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنهم- يمكن حمله على أن كلمة "أو"، التي جاءت بعد كلمة الحبل، وقبل كلمة الاعتراف في قوله: أو كان الحبل أو الاعتراف، يمكن أن تحمل على أنها عاطفة، ويكون قول عمر على هذا: أو كان الحبل والاعتراف.
هذا لا يعارض قواعد العربية، ويؤيده ما جاء عن عمر -رضي الله تعالى عنه- من أنه لم يقم الحد على من جاء معترفًا؛ لأنه أتى جريمته الحدية، وهو مكره.
والقرينة إذا دلت على الجريمة، فإنها لا تدل على الطريقة التي وقعت بها، ولا الظروف التي أحاطتها، وهذه كلها أمور جوهرية لا بد من التثبت منها لإلزام الحد.
وحتى لو حمل قول عمر على الوجه الذي استدل به مثبتوا الحد بالقرائن، فإنه لا يعدو أن يكون اجتهادًا لعمر في هذه الحادثة بعينها لم عن له من ظروف، وملابسات، وأدلة أخرى لم يروها عنه من روى هذه الحادثة، ويؤكد ذلك أن عمر يلتزم بما قضى به هنا، إن صح -في كل ما عرض عليه من قضايا- الحدود.
وقد ذكر جانبًا من هذا الشوكاني في مقالته: إن هذا من قول عمر، ومثل ذلك لا يثبت به مثل هذا الأمر العظيم الذي يفضي إلى هلاك النفوس، وكونه قاله في مجمع من الصحابة، ولم ينكر عليه لا يستلزم أن يكون إجماعًا.. لأن الإنكار في مسائل الاجتهاد غير لازم
стр. 453
للمخالف لا سيما القائل بذلك عمر، وهو بمنزلة من المهابة في صدور الصحابة وغيرهم١.
وما استدل به ابن القيم من أن لفظ البينة يصدق على كل ما يبين الحق، ويظهره دون تخصيص شيء دون شيء لا حجة له فيه، ولا يلزم منه إثبات الحدود بالقرائن؛ لأن الله سبحاه وتعالى لم يذكر كلمة البينة التي تثبت بها الحدود مطلقة، كما أن الرسول ﷺ قد اتبع كلمة البينة التي يعتد بها في إثبات الحدود، بما يفيد ما تصدق عليه بأنها الشهادة، والإقرار المفيدان القطع واليقين، فقد جاء ذكر البينة في الحديث مقابلًا بما ظهر من تلك المرأة من ريبة، وقرائن مختلفة دالة على سلوكها، وسمعتها هي ومن يدخل عليها.
ومع قيام كل هذه القرائن لهم يقم الرسول ﷺ على المرأة المذكورة حدًا.
ولم يلزم رسول الله ﷺ الغامدية الحد مع قيام القرائن على جريمتها -من كونها حبلى، واعترف ماعز- إلا بعد مجيئها واعترافها، ومع ذلك يقول لها الصادق الأمين الرءوف الرحيم: "ويحك: ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه".
ويطعن فيما ذكر ابن القيم من أنه لا شك أحد رأى قتيلًا يتشحط في دمه، وآخر قائم على رأسه بالسكين أنه قتله، ما ذكره هو نفسه من قصة الأعرابي الذي أتى به لعلي ﵁، وبيده سكين ملطخة بالدم، وقد وجد في خربه، وأمامه قتيل يتشحط في دمه، فسأله علي فقال: أنا قتلته، ومع هذا كله تثبت براءته٢.
стр. 454
من هذا كله يبين أن القرائن مهما وصلت قوتها الاستدلالية في أداة إثبات احتمالية تلحقها الشبهات وتحفها الظنون، فلا يعتد بها في الجنايات الحدية، والقصاص إلا إذ صاحبتها شهادة الشهود، أو إقرار.
أما ما عدا ذلك من الجنايات الأخرى ذات العقوبات التعزيرية، أو التعويضات المالية، فإنه يمكن الاعتماد على القرائن في إثباتها.
لأن أمرها مفوض فيه للقاضي، وهذا ما أميل إليه وأرجحه.
стр. 455
الباب الثاني: الجرائم الحدية الشبهات التي تعتريها ومالها من أثر في عقوبتها
الفصل الأول: جريمة الزنا
مدخل
...
الباب الثاني: الجرائم الحدية الشبهات التي تعتريها ومالها من أثر في عقوبتها
الفصل الأول: جريمة الزنا
تقديم:
عرف فقهاء الأحناف الزنا بأنه: "اسم الوطء الحرام في المرأة الحية عن حقيقة الملك وعن شبهته، وعن حق الملك، وعن حقيقة النكاح وعن شبهة الاشتباه في موضع الاشتباه في الملك، والنكاح جميعًا"١.
وعرفه فقهاء المالكية بأنه: "الوطء المحرم شرعًا في غير ملك أو شبهة الملك، سواء كان في قبل، أو دبر في ذكر، أو أنثى"٢.
стр. 456
وعرفه فقهاء الشافعية: بأنه "تغييب البالغ العاقل حشفة ذكره في أحد الفرجين من قبل، أو دبر ممن لا عصمة بينهما ولا شبهة"١.
وعرفه فقهاء الحنابلة: بأنه "فعل الفاحشة في قبل أو دبر"، وعرف ابن قدامة الزاني بأنه: "من وطئ امرأة في قبلها حرامًا لا شبهة له في وطئها"، ثم يقول: "والوطء في الدبر مثله في كونه زنا؛ لأنه وطء في فرج امرأة لا ملك له فيها، ولا شبه ملك فكان زنا"٢.
وعرفه فقهاء الشيعة: بأنه "إيلاج الإنسان فرجه في فرج امرأة من غير عقد، ولا ملك، ويتحقق بغيبوبة الحشفة قبلًا أو دبرًا"٣.
وعرفه ابن حزم بأنه: "وطء من لا يحل النظر إلى مجردها مع العلم بالتحريم"، أو بأنه "وطء محرمة العين"٤.
من هذا يبين أن فقهاء الأحناف قد قصروا إطلاق الزنا على الوطء المحرم في القبل فقط بين الرجل، والمرأة في دار العدل ممن التزم أحكام الإسلام، وهي امرأة لا توجد بينه وبينها علاقة تبيح ذلك الفعل.
وهم بذلك قد أخرجوا ما عدا الوطء في القبل من دائرة التجريم الخاصة بالزنا، وجعلوا له عقوبة أخرى سواء أكان بين رجل وامرأة، أم كان بين رجلين.
стр. 457
أما جمهور الفقهاء، فإنهم قد أطلقوا الزنا على كل وطء في قبل المرأة، أو دبرها إذا لم توجد علاقة تبيح ذلك الفعل.
كما أدخلوا اللوط أيضًا تحت ما يسمى من الوطء زنا.
وقد اعتمد جمهور الفقهاء في ذلك على ما جاء به القرآن الكريم، الذي سوى بين الزنا واللواط في التسمية، إذا سماها الله بالفاحشة في قوله سبحانه: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ، أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ٢.
كما سمى رسول الله ﷺ أيضًا اللواط زنا في قوله ﷺ : "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان" ٣.
وفقهاء الشريعة، وإن تفاوت آراؤهم، واختلفت نوعية العقوبات عندهم نتيجة اعتبار اللواط زنا أم لا، إلا أنهم متفقون على إطلاق كلمة الزنا على الوطء -المحرم بين الرجل والمرأة اللذين لا يجمعهما زواج صحيح، ويوبجبون عليهما عقوبة فعلهما.
أما فقهاء القانون، فلم يعتبرا وطء الرجل المرأة الأجنبية زنا يوجب العقوبة المقدرة عندهم لهذا الفعل، وإنما قصروا العقوبة على ما يقع من ذلك الفعل بين رجل وامرأة متزوجين، فالعقاب عندهم على انتهاك حرمة الزوجية، لا على الفعل في حد ذاته.
стр. 458
كما أن العقاب عندهم مشروط بأن يقوم المجني عليه بتحريك الدعوى، ويفرق فقهاء القانون بين جريمة زنا الزوج، وبين جريمة زنا الزوجة، من وجوه عدة إذ -لا نقوم هذه الجريمة في حق الزوج إلا إذا وقعت في منزل الزوجية، بخلاف المرأة المتزوجة؛ لأن هذه الجريمة تقوم في حقها إذا وقع منها ذلك الفعل في أي مكان.
كما يفرق القانون بين عقوبتيهما، إذ يعاقب الزوجة بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين، بينما يعاقب الزوج بالحبس مدة لا تزيد على ستة شهور.
ويجعل القانون للزوج الحق في العفو عن زوجته حتى بعد صدور الحكم النهائي عليها، أما الزوجة فليس لها حق التنازل بعد صدور الحكم النهائي عليه.
هذا ما يأخذ به القانونيون في مصر، وهو أحسن حالًا مما عليه كثير من القانونيين في بلاد أخرى، والتي لا تعاقب على الزنا، ولو وقع من زوج، أو زوجة١.
стр. 459
المبحث الأول: الوطء المحرم الذي لا يوجب العقوبة الحدية لقيام شبهة في الركن الشرعي
مدخل
...
المبحث الأول: الوطء المحرم الذي لا يوجب العقوبة الحدية لقيام شبهة في الركن الشرعي
سبق أن ذكرت عند تعريف الزنا أن جمهور الفقهاء يرى أن الزنا هو الوطء المحرم في قبل، أو دبر -لانعدام العلاقة التي تبيح الفعل- كما يولج الميل في المكحلة أو الرشاء في البئر، سواء أصحاب ذلك إنزال أم لم يصاحبه، وجد حائل بين الفرجين أم لم يوجد، هذا هو الفعل المادي الذي تقوم به جريمة الزنا، وهو ما استفسر عنه الرسول ﷺ ممن جاءه مقرًا بالزنا؛ لجواز أن يكون قد أتى فعلًا آخر لا يقوم به الركن المادي لهذه الجريمة، أو أن الأمر قد التبس عليه١.
لأن من أتى فعلًا آخر عم ما ذكر لا يعد مرتكبًا للجريمة الحدية، وإلا يعد مرتكبا لجريمة الزنا أيضًا من قام بالفعل المادي لها مع وجود شبهة من الشبهات التي تحلق الركن الشرعي لجريمة الزنا، نظرًا؛ لأنه يترتب على قيام الشبهة درء العقوبة الحدية عن طرفي الواقعة، أو عن أحدهما، حسبما يرى الفقهاء.
وفيما يلي أورد بعض الوقائع التي اكتمل فيها الركن المادي لجريمة الزنا غير أنه قد يحول بين الجناة، والحد قيام شبهة بالركن الشرعي للجريمة يعتد بها بعض الفقهاء في درء العقوبة، وقد لا يعتد بها البعض الآخر حسبما يأتي:
стр. 460
الوطء بعد النكاح الباطل
...
١- الوطء بعد النكاح البالطل:
يراد بعقد النكاح الباطل: كل عقد أصابه خلل في أركانه، أو في شرط من شروط الانعقاد أو بعبارة أخرى، هو ما لم يصح إلا بأصله ولا بوصفه١.
وقد اختلف الفقهاء في اعتبار الدخول في ظل العقد، والباطل زنا أم لا فيرى الإمام أبو حنيفة، وسفيان الثوري٢، وزفر: أن من عقد على امرأة لا يحل له نكاحها لتحريمها عليه تحريمًا مؤبدًا أو مؤقتًا، ثم دخل بها، فإنه لا يجب عليه الحد بوطئها، حتى وإن علم أنها عليه حرام، وإنما يجب أن يعزر تعزيرًا شديدًا من باب الإصلاح والسياسة.
وعلل الإمام أبو حنيفة هذا الرأي القائل بعدم وجوب العقوبة الحدية بأن العقد، وإن كان باطلًا إلا أنه مضاف إلى محله، والمحلية عنده لا تعني قبول الحل، وإنما تعني قبول المقاصد من العقد، وقبول المقاصد من العقد أمر ثابت بالنسبة للمعقود عليها، لصحة ذلك بالنسبة لغيره عليها.
كما أن المعقود عليها -بالنسبة لمن وجد سبب التحريم بينها وبينه- محل نكاح في الجملة، وامتناع ثبوت حكم العقد بالنسبة له ناتج من وجود المنافاة -بين الحل، الذي هو أثر في الآثار المترتبة على العقد.
والحرمة التي نتجب من وجود العلاقة المقتضية للتحريم بينهما.
والعقد وإن كان وجوده غير نابت ولا مستقر، إلا أنه وجود تقوم به الشبهة التي تدرأ الحد، وتسقطه عند الإمام أبي حنيفة، ومن وافقه٣.