وعرفه فقهاء الشافعية: بأنه "تغييب البالغ العاقل حشفة ذكره في أحد الفرجين من قبل، أو دبر ممن لا عصمة بينهما ولا شبهة"١.
وعرفه فقهاء الحنابلة: بأنه "فعل الفاحشة في قبل أو دبر"، وعرف ابن قدامة الزاني بأنه: "من وطئ امرأة في قبلها حرامًا لا شبهة له في وطئها"، ثم يقول: "والوطء في الدبر مثله في كونه زنا؛ لأنه وطء في فرج امرأة لا ملك له فيها، ولا شبه ملك فكان زنا"٢.
وعرفه فقهاء الشيعة: بأنه "إيلاج الإنسان فرجه في فرج امرأة من غير عقد، ولا ملك، ويتحقق بغيبوبة الحشفة قبلًا أو دبرًا"٣.
وعرفه ابن حزم بأنه: "وطء من لا يحل النظر إلى مجردها مع العلم بالتحريم"، أو بأنه "وطء محرمة العين"٤.
من هذا يبين أن فقهاء الأحناف قد قصروا إطلاق الزنا على الوطء المحرم في القبل فقط بين الرجل، والمرأة في دار العدل ممن التزم أحكام الإسلام، وهي امرأة لا توجد بينه وبينها علاقة تبيح ذلك الفعل.
وهم بذلك قد أخرجوا ما عدا الوطء في القبل من دائرة التجريم الخاصة بالزنا، وجعلوا له عقوبة أخرى سواء أكان بين رجل وامرأة، أم كان بين رجلين.
стр. 457
أما جمهور الفقهاء، فإنهم قد أطلقوا الزنا على كل وطء في قبل المرأة، أو دبرها إذا لم توجد علاقة تبيح ذلك الفعل.
كما أدخلوا اللوط أيضًا تحت ما يسمى من الوطء زنا.
وقد اعتمد جمهور الفقهاء في ذلك على ما جاء به القرآن الكريم، الذي سوى بين الزنا واللواط في التسمية، إذا سماها الله بالفاحشة في قوله سبحانه: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ، أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ٢.
كما سمى رسول الله ﷺ أيضًا اللواط زنا في قوله ﷺ : "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان" ٣.
وفقهاء الشريعة، وإن تفاوت آراؤهم، واختلفت نوعية العقوبات عندهم نتيجة اعتبار اللواط زنا أم لا، إلا أنهم متفقون على إطلاق كلمة الزنا على الوطء -المحرم بين الرجل والمرأة اللذين لا يجمعهما زواج صحيح، ويوبجبون عليهما عقوبة فعلهما.
أما فقهاء القانون، فلم يعتبرا وطء الرجل المرأة الأجنبية زنا يوجب العقوبة المقدرة عندهم لهذا الفعل، وإنما قصروا العقوبة على ما يقع من ذلك الفعل بين رجل وامرأة متزوجين، فالعقاب عندهم على انتهاك حرمة الزوجية، لا على الفعل في حد ذاته.
стр. 458
كما أن العقاب عندهم مشروط بأن يقوم المجني عليه بتحريك الدعوى، ويفرق فقهاء القانون بين جريمة زنا الزوج، وبين جريمة زنا الزوجة، من وجوه عدة إذ -لا نقوم هذه الجريمة في حق الزوج إلا إذا وقعت في منزل الزوجية، بخلاف المرأة المتزوجة؛ لأن هذه الجريمة تقوم في حقها إذا وقع منها ذلك الفعل في أي مكان.
كما يفرق القانون بين عقوبتيهما، إذ يعاقب الزوجة بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين، بينما يعاقب الزوج بالحبس مدة لا تزيد على ستة شهور.
ويجعل القانون للزوج الحق في العفو عن زوجته حتى بعد صدور الحكم النهائي عليها، أما الزوجة فليس لها حق التنازل بعد صدور الحكم النهائي عليه.
هذا ما يأخذ به القانونيون في مصر، وهو أحسن حالًا مما عليه كثير من القانونيين في بلاد أخرى، والتي لا تعاقب على الزنا، ولو وقع من زوج، أو زوجة١.
стр. 459
المبحث الأول: الوطء المحرم الذي لا يوجب العقوبة الحدية لقيام شبهة في الركن الشرعي
مدخل
...
المبحث الأول: الوطء المحرم الذي لا يوجب العقوبة الحدية لقيام شبهة في الركن الشرعي
سبق أن ذكرت عند تعريف الزنا أن جمهور الفقهاء يرى أن الزنا هو الوطء المحرم في قبل، أو دبر -لانعدام العلاقة التي تبيح الفعل- كما يولج الميل في المكحلة أو الرشاء في البئر، سواء أصحاب ذلك إنزال أم لم يصاحبه، وجد حائل بين الفرجين أم لم يوجد، هذا هو الفعل المادي الذي تقوم به جريمة الزنا، وهو ما استفسر عنه الرسول ﷺ ممن جاءه مقرًا بالزنا؛ لجواز أن يكون قد أتى فعلًا آخر لا يقوم به الركن المادي لهذه الجريمة، أو أن الأمر قد التبس عليه١.
لأن من أتى فعلًا آخر عم ما ذكر لا يعد مرتكبًا للجريمة الحدية، وإلا يعد مرتكبا لجريمة الزنا أيضًا من قام بالفعل المادي لها مع وجود شبهة من الشبهات التي تحلق الركن الشرعي لجريمة الزنا، نظرًا؛ لأنه يترتب على قيام الشبهة درء العقوبة الحدية عن طرفي الواقعة، أو عن أحدهما، حسبما يرى الفقهاء.
وفيما يلي أورد بعض الوقائع التي اكتمل فيها الركن المادي لجريمة الزنا غير أنه قد يحول بين الجناة، والحد قيام شبهة بالركن الشرعي للجريمة يعتد بها بعض الفقهاء في درء العقوبة، وقد لا يعتد بها البعض الآخر حسبما يأتي:
стр. 460
الوطء بعد النكاح الباطل
...
١- الوطء بعد النكاح البالطل:
يراد بعقد النكاح الباطل: كل عقد أصابه خلل في أركانه، أو في شرط من شروط الانعقاد أو بعبارة أخرى، هو ما لم يصح إلا بأصله ولا بوصفه١.
وقد اختلف الفقهاء في اعتبار الدخول في ظل العقد، والباطل زنا أم لا فيرى الإمام أبو حنيفة، وسفيان الثوري٢، وزفر: أن من عقد على امرأة لا يحل له نكاحها لتحريمها عليه تحريمًا مؤبدًا أو مؤقتًا، ثم دخل بها، فإنه لا يجب عليه الحد بوطئها، حتى وإن علم أنها عليه حرام، وإنما يجب أن يعزر تعزيرًا شديدًا من باب الإصلاح والسياسة.
وعلل الإمام أبو حنيفة هذا الرأي القائل بعدم وجوب العقوبة الحدية بأن العقد، وإن كان باطلًا إلا أنه مضاف إلى محله، والمحلية عنده لا تعني قبول الحل، وإنما تعني قبول المقاصد من العقد، وقبول المقاصد من العقد أمر ثابت بالنسبة للمعقود عليها، لصحة ذلك بالنسبة لغيره عليها.
كما أن المعقود عليها -بالنسبة لمن وجد سبب التحريم بينها وبينه- محل نكاح في الجملة، وامتناع ثبوت حكم العقد بالنسبة له ناتج من وجود المنافاة -بين الحل، الذي هو أثر في الآثار المترتبة على العقد.
والحرمة التي نتجب من وجود العلاقة المقتضية للتحريم بينهما.
والعقد وإن كان وجوده غير نابت ولا مستقر، إلا أنه وجود تقوم به الشبهة التي تدرأ الحد، وتسقطه عند الإمام أبي حنيفة، ومن وافقه٣.
стр. 461
وقال أبو يوسف، ومحمد بوجوب الحد بالدخول في ظل عقد باطل ما دام من دخل في ظل هذا العقد قد علم أن التي عقد عليها، ودخل بها محرمة عليه تحريمًا غير مختلف فيه، فالوطء هنا قد وقع في فرج مجمع على تحريمه من غير ملك، ولا شبهة ملك، والواطئ أهل للحد عالم بالتحريم، فيجب الحد كما لو لم يوجد العقد وليس العقد شبهه؛ لأنه نفسه جناية هنا توجب العقوبة التي انضمت إلى الزنا، كما لو أكرهها ثم زنى بها.
فالعقد هنا لا أثر له؛ لأن محل العقد هو ما يقبل حكمه، وحكمه الحل والمعقود عليها هنا من المحرمات في سائر الحالات، فكان الثابت صورة العقد إلا انعقاده؛ لأنه لا انعقاد في غير المحل، كما لو عقد على ذكر.
ولأن العقد الصحيح لو انفسخ بالطلاق قبل أن يدخل على التي عقد عليها، ثم دخل بها بعد الطلاق، عوقب بالعقوبة الحدية، ولم يبق للعقد السابق أي أثر نفسخه، فما لم ينعقد أصلًا أولى١.
стр. 462
وقال فقهاء الشافعية بوجوب الحد في وطء المحرمة بنسب، أو رضاع أو مصاهرة، سواء أكان ذلك في ظل عقد أم لا؛ لأنه وطء صادف محلًا مقطوعًا بتحريمة ولا شبهة فيه، أما إذا كان الواطئ بجهل الذي بينه، وبين الموطوءة، ولم يظهر كذبه، فقد ذهب الأدرعي إلى أن الظاهر تصديقه، وكذا لو جهل تحريمها عليه بالرضاع، أو بكونها مزوجة، أو معتدة، وأمكن جهله بذلك.
وتحد هي أن علمت التحريم:
يبين الشربيني الخطيب ذلك في قوله: "ويجب الحد في وطء محرم بنسب، أو رضاع أو مصاهرة، وإن كان تزوجها؛ لأنه وطء صادف محلًا ليس فيه شبهة، وهو مقطوع بتحريمه، فيتعلق به الحد".
ثم يقول: لو ادعى الجهل بتحريم الموطوءة بنسب لهم يصدق لبعد الجهل بذلك. قال الأذرعي: إلا أن جهل مع ذلك النسب، ولم يظهر لنا كذبه، فالظاهر تصديقه، أو بتحريمها برضاع، فيقولان: أظهرها كما قال الأذرعي: تصديقه أن كان ممن يخفى عليه ذلك، أو بتحريمها بكونها مزوجة، أو معتدة وأمكن جهله بذلك صدق بيمينه، وحدت هي دونه إن علمت تحريم ذلك، ويحد في وطء نكاح أخت نكحها على أختها، وفي وطاء من ارتهنها، وفي وطء مسلمة نكحها وهو كافر، ووطئ عالمًا بالحال.
стр. 463
وفي وطء وثنية، أو مجوسية نكحها مسلم، ويحد في وطء مطلقته ثلاثًا، وذات زوج وملاعنة، ومعندة لغيره، ومرتدة"١.
وقال فقهاء الحنابلة بوجوب الحد على كل من تزوج ذات محرم ودخل بها؛ لأنه دخول في ظل نكاح باطل للإجماع على تحريم المدخول بها عليه، والعقد في مثل هذا لا تدوم به شبهة؛ لأنه كأن لم يوجد، والشبهة لا تقوم إلا إذا كان المبيح صحيحًا، والعقد هنا باطل، وفعله جناية تقتضي عقوبة أخرى تضم إلى عقوبة الزنا، ما دام الفاعل عالمًا بالتحريم.
أما لو كان جاهلًا بالحكم كمن يتزوج امرأة في عدتها ثم يدخل بها، وأمكن تصور جهله، فلا حد عليه؛ لأن مثل هذا الحكم يخفى على غيره أهل العلم٢. والمشهور عند المالكية أنه لا حد عليه حتى، وإن كان عالمًا٣، وذهب فقهاء الشيعة إلى القول بعدم وجوب الحد، فيما جهل تحريمه مما ذكر من الوطء بشبهة الجهل بشرط أن يكون الجهل عن قصور، أو تقصير في المقدمات مع اعتقاد الحلية حال الوطء، وأما الجهل بالحكم عن تقصير، فلا يعتد به ويجب معه الحد.
وذلك؛ لأن الجهل الأخير وجد معه العلم بالحكم الظاهري، ولذا قالوا بوجب الحد على من تزوجت في عدة طلاق لزوجها عليها الرجعة فيه، ما دامت تعلم أن عليها عدة، وأن كانت لا تدري كم هي؛ لأنها ما دامت علمت أن عليها العدة لزمتها، الحجة، فتسأل حتى تعلم٤.
стр. 464
وذهب فقهاء المالكية إلى القول بأن من يعقد على امرأة محرمة عليه تحريمًا مؤيدا، ثم بدخل بها، فإنه يلزمه الحد، ولا يعتد بذلك العقد الذي دخل عليها في ظله، ولا تقوم به شبهة١.
أما من كان تحريمها عليه تحريمًات مؤقتًا كأخت زوجته مثلًا، فإنه إذا عقد عليها ودخل بها، فإن فقهاء المالكية يفرقون -في القول بالحد حينئذ- بين حالتين:
الأولى: إذا كانت أخت زوجته من النسب، فإنه يجب الحد.
الثانية: إذا كانت أخت زوجته من الرضاع، فإنه لاحد عند بعضهم؛ لأن دليل التحريم بالنسبة للجمع بين الأختين من الرضاع جاء من السنة بخلاف دليل تحريم الجمع بين الأختين من النسب، فقد جاء به القرآن الكريم.
يقول الخرش مبينًا ذلك كله:
وكذلك لا حد على من تزوج أختًا على أختها ودخل بهما، وهل لا حد سواء كانت الأخت من نسب أو رضاع؛ لأن الآية اقتضت تعميم الأختين من نسب أو رضاع، أو محل عدم الحد إذا كانت الأخت من رضاع؛ لأن تحريم الجمع حينئذ -بالنسبة، وأما لو كانت من نسب، فإنه يحد إذا وطئها لتحريم ذلك بالكتاب، وإليه ذهب بعض شيوخ
стр. 465
عبد الحق، وإلى هذا أشار بقوله: "وهل الأخت النسب لتحريمها بالكتاب تأويلان"، ولا حد على من تزوج المرأة على عمتها مثلًا؛ لأن التحريم لذلك بالسنة لا بالكتاب"١، ومن قال بإسقاط الحد في ذلك أوجب عقوبة تأديبية موجعة.
وقال ابن حزم بمثل ما قال به جمهور الفقهاء: "من أن من وقع على ذات محرم كأمه، وأخته أم امرأة أبيه أو عمته، أو خالته، أو واحدة من ذوات محارمة بصهر، أو رضاع -فسواء أكان ذلك بعقد، أو بغير عقد- هوزان عليه الحد، ولا عبرة بعقده على واحد، من هؤلاء؛ لأن وجود عقده على واحدة منهن كلا وجوده إلا إذا كان جاهلًا، فلا شيء عليه.
أما من وقع على امرأة أبيه -بعقد أو بغير عقد، أو عقد عليها باسم نكاح، وإن لم يدخل بها -فإنها بفعل ولا بد- محصنًا كان أو غير محصن ويخمس ماله، وسواء أمه كانت أو غير أمه، دخل بها أبوه أو لم يدخل بها٢، وذهب فقهاء الشيعة إلى من أن زنى بذات محرم يقتل محصنًا كان أو غيره٣، أما من تزوج خامسة، فإن فعله
стр. 466
لا يسمى زواجًا، وإنما هو عهر وعليهما الحد، إن كانا عالمين بأن ذلك لا يحل، ولا حد على من جهل تحريم ذلك، ومثلهما من تزوج امرأة في عدتها، ومن طلق ثلاثًا قبل الدخول، أو بعده ثم وطئ١.
وما ذهب إليه جمهور الفقهاء من إيجاب الحد على كل من دخل على امرأة، وعاشرها معاشرة الأزواج في ظل عقد نكاح هو ما أميل إليه، وأرجحه حفظًا على روح الإسلام، وأخلاقياته وكيان الأمة، وروابطها الشرعية المقدسة؛ لأن من يقدم على ذلك، وهو عالم بتجريم فعله -الذي هو من المحرمات البينة الواضحة- لا شك أنه إنسان عابث منحرف الطبع.
وما قيمة إتيانه فعلًا باطلًا محرمًا في صورة قيامه بعقد نكاحه على من لا تحل له.
إن فعله هذا هو في حد ذاته جريمة تضاف إلى جريمة زناه المتمثل في دخوله بمن عقد عليها عقدًا باطلًا، ومثل هذا لا يتصور القول بإسقاط الحد عنه تذرعًا بوجود شبهه ترتبت على عقده الباطل.
إن العقد الباطل لا يجوز أن يترتب عليه سوى عقوبة من قام به، أن جاز أن يترتب عليه شيء -هذا بالنسبة لإيجاب الحد.
أما ما ذهب إليه ابن حزم، ومن وافقه من القول بقتل من وقع على امرأة أبيه، أو ذات محرم، فهو قول يتفق على إطلاقه٢، والذي أميل إليه، أن من وقع منه ذلك، فهو قد ارتكب جريمة الزنا، ويلمزه بها حدها، فإن تكرر منه ذلك بالنسبة لزوجة أبيه، أو ذات محرم فإنه إن جاز قتله، فإنما يكون على سبيل العقوبة السياسية لا الحدية، ولا يخفى ما ذكره فقهاء الشيعة عند قبولهم القول بشبهة الجهل من اشتراط أن يكون هذا الجهل ناشئًا عن قصور، لا عن تقصير إنه قول له وجاهته؛ لأن ادعاء الجهل أمر سهل يستطيع التذرع به من انحرف طبعه، وساء خلقه
стр. 467
٢- الوطء بعد النكاح الفاسد:
والنكاح الفاسد هو: ما كان عقده صحيحًا بأصله دون وصفه بمعنى أن عقده استوفى أركانه، وشروط انعقاده، لكنه فقد شرطا من شروط الصحة.
ومثل ذلك النكاح بلا ولي، أو بلا شهود، وزواج الأخت في عدة أختها، وزواج خامسة في عدة، الرابعة، وكل نكاح فيه كنكاح المتعة، والشغار والتحليل.
فإذا حدث دخول في ظل عقد من هذه العقود الفاسدة، فإن جمهور الفقهاء يرى درء الحد لقيام شبهة ترتبت على وجود العقد الفاسد، وهم وإن قالوا بذلك إلا أن كلا منهم قد أطلق على هذه الشبهة مسميات غير الآخر، فقد أطلق عليها فقهاء الحنفية، شبهة العقد، إذا قد جاء عن ابن الهمام: "وذكر في شبهة العقد أن يطأ التي تزوجها بغير شهود، أو بغير إذن مولاها وهي أمة، أو طئ العبد من تزوجها بغير إذن مولاه.
وذكر ابن الهمام أن أبا حنيفة يرى القول بإسقاط الحد بالنسبة لمن تزوج أمه على حرة، أو مجوسية، أو خمسًا في عقد، نظرًا لوجود شبهة العقد، وإن كان أبو يوسف، ومحمد قد أوجبا الحد
стр. 468
إذا حدث دخول بالأمة التي تزوجها على الحرة، أو بالمجوسية، أو بالخمس اللاتي تزوجهن في عقد واحد، إذا علم أن ذلك حرام١.
وأطلق عليها المالكية شبهة العقد في قول الخرش: "تحد المرأة لذا مكنت مملوكها من نفسها إذا وطئها عن غير عقد، لا أن كان بعقد للشبهة، وإن كان غير صحيح.
كما يقول: إذا عقد على معتدة من غيره ووطئها عالمًا، فإنه لا حد عليه وهو المشهور، مع أن حد الزنا صدق عليه.
كما أطلقوا عليها أيضًا: شبهة الخلاف في قول الخوشئ "وإن تزوج أم امرأته، فإن دخل بالابنة حد، وإن لم يدخل بها لم يحد للخلاف"٢.
كما يقول الخرشي: "وخرج بقوله: باتقاق، النكاح المختلف فيه كالنكاح بلا ولي، فإن الوطء فيه لا يسمى زنا شرعًا إذ لا حد فيه، فالمراد بالاتفاق اتفاق العلماء لا الاتفاق المذهبي"٣.
ويطلق فقهاء الشافعية على هذه الشبهة شبهة الجهة، أو الطرق فيقول الشربيني الخطيب في معرض حديثه، عما لا يجب به الحد من الزنا: "واحترز عن شبهة الطريق التي تضمنها قوله: "وكذا كل جهه أباحها"، أي قال بالوطء بها عالم "كنكاح بلا شهود" فقط، كما قال به مالك، أو بلا ولي فقط كما قال به أبو حنيفة، أو بولي وشهود،
стр. 469
ولكنه مؤقت، وهو نكاح المتعة كما قال به ابن عباس -رضي الله تعالى عنهم: لا حد بالوطء فيه على الصحيح، وإن اعتقد تجريمه لشبهة الخلاف١.
ويقول ابن قدامة: "ولا يجب الحد بالوطء في نكاح مختلف فيه كنكاح المتعة والشغار، والتحليل، والنكاح بلا ولي، ولا شهود ونكاح الأخت في عدة أختها البائن، ونكاح الخامسة في عدة الرابعة البائن، ونكاح الخامسة في عدة الرابعة البائن، ونكاح المجوسية، وهذا قول أكثر أهل العلم؛ لأن الاختلاف في إباحة الوطء فيه شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات٢.
وجاء عن فقهاء الشيعة إجازة العقد بلا شهود؛ لأن الشهود عندهم من باب تزويج السنة، ولإثبات الولدة فقط، فقد أورد الحلي: "لا بأس بالتزويج ألبته بغير شهود فيما بينه وبين الله تعالى، وإنما جعل الشهود من تزويج السنة٣.
أما ابن حزم، فإنه يرى في الدخول في ظل العقد الفاسد وجوب الحد، إلا إذا وقع ذلك ممن يجهل الحكم، فقد ورد عنه: "وأما العالم بفساد عقد النكاح، أو عقد الملك، فهو عاهر عليه الحد، فلا يلحق به الولد، كما ورد عنه في نكاح الشغار: ومن يدخل في ظله، أن كان عالمًا فعليه الحد كاملًا، ويلحق به الولد، وإن كان جاهلًا، فلا حد عليه٤، وجاء عن فقهاء الشافعية قول بوجوب
стр. 470
الحد على من وطئ في ظل عقد فاسد، وإن اعتقد الإباحة، ويجب الحد أيضًا في نكاح المتعة؛ لأنه ثبت نسخه، وابن عباس رجع عنه كما رواه البيهقي.
واشترطوا في الشبهة التي تدرأ هنا أن تكون شبهة قوية المدرك، لا لمجرد عين الخلاف١.
واشتراط الشافعية ذلك له وجاهته، حتى لا يصبح الحكم عرضة لبعث الأهوء، والرغبات.
وما أرجحه هو أن من دخل في ظل عقد فاسد، وهو يعلم ذلك، ولا عدل له لزمته عقوبة تعزيرية موجعة ورادعة له ولأمثاله؛ لأن حدود الله يجب أن تصان عن العبث.
стр. 471
٣- وطء الميتة:
ويراد به مواقة رجل امرأة أجنبية ميتة، وللفقهاء في إيجاب الحد بذلك.
رأيان:
الأول:
يجب الحد على ما فعل ذلك؛ لأنه أولج في فرج محرم لا شبهة له فيه، ولا فرق بين أن يكون الإيلاج في فرج امرأة حية، أو ميتة.
الثاني:
لا يجب الحد بهذا الفعل؛ لأن وطء الميتة لا يترتب عليه ما يترتب على وطء الأحياء -ولأن عضوها لا حياة فيه، فإنها لا تشتهي، وتعافه النفس، ويؤيد القائلون بهذا الرأي أن الانزجار يتحقق بما عليه الميتة من حال لا بالعقوبة الحدية.
جاء هذان الرأيان فيما ذكره ابن قدامة: من أن وطئ ميتة، ففيه وجهان أحدهما: عليه الحد وهو قول الأوزاعي؛ لأنه وطئ في فرج آدمية، فأشبهه وطء الحية؛ ولأنه أعظم ذنبًا وأكثر إثمًا؛ لأنه انضم إلى فاحشة هتك حرمة الميتة. الثاني لا حد عليه، وهو قول الحسن.
قال أبو بكر: وبهذا أقول؛ لأن الوطء في الميتة كلا وطء؛ لأنه عضو مستهلك؛ ولأنها لا يشتهي مثلها وتعافها النفس، فلا حاجة إلى شرع الزجر عنها، والحد إنما وجب زجرًا"١.
وجاء الرأيان أيضًا عند فقهاء الشافيعة، فقد ذكر الشيرازي: "أن من وطئ امرأة ميتة، وهو من أهل الحد، ففيه وجهان:
أحدهما أنه يجب عليه الحد؛ لأنه إيلاج في فرج محرم، ولا شبهة فيه فأشبه إذا كانت حية.
والثاني: أنه لا يجب؛ لأنه لا يقصد فلا يجب فيه الحد"٢.
وذهب فقهاء الأحناف إلى أنه لا حد في وطء الميتة؛ لأنه لا يعتبر عندهم زنا٣، أما فقهاء المالكية قد أوجبوا الحد في ذلك، نظرًا؛ لأنه زنا، فيقول الخرشي عند حديثه عن الزنا الموجب للحد:
стр. 472
"وكذلك من أتى ميتة غير زوجته بعد موتها في قبلها، أو دبرها فإنه يحد، لانطباق حد الزنا عليه"١.
كما جاء مثل ذلك عند فقهاء الشيعة، فيقول أبو القاسم الموسوي: "لا فرق فيما ذكرناه من الأحكام المترتبة على الزنا بين الحي والميت"، فلو زنى بامرأة ميتة، فإن كان محصنا رجم، وإن كان غير محصن جلد، واستدل لذلك بما روي عن أبي جعفر في رجل نبش قبر امرأة، فسلبها ثيابها ثم نكحها، قال: إن حرمة الميت كحرمة الحي نقطع يده لنبشه وسلبه الثياب، ويقام عليه الحد في الزنا، إن أحصن رجم، وإن لم يكن أحصن جلد مائة"٢.
والذي أميل إليه، وأرجحه هو الرأي القائل بوجوب الحد على من سولت له نفسه انتهاك حرمة الأموات، والقيام بفعل مثل هذا الذي لا يقدم عليه، إلا صاحب الطبع الفاسد، والسلوك الشاذ المعوج، بل ويجب أن يزاد فوق الحد علاجًا لطبعه وشذوذه، فإن عاود فعلته هذه وجب رجمه إن لم يكن محصنًا، على سبيل العقوبة السياسية.
стр. 473
٤- وطء المرأة المستأجرة:
ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن من استأجر امرأة ليزني بها، ثم فعل بها ما استأجرها من أجله، فإنه لا حد عليه.
لأنه قد استوفى منها ما استأجرها من أجله، والإجارة عقد تقوم به الشبهة عنده، ويترتب على قيام هذه الشبهة درء العقوبة الحدية.
واستدل الإمام أبو حنيفة لذلك، بما روي عن عمر -رضي الله تعالى عنه- من أن امرأة استسقت راعيًا، فأبى أن يسقيها حتى تمكنه من نفسها، فدرأ عمر -رضي الله تعالى عنه- الحد عنهما.
وبأن امرأة سألت رجلًا مالًا، فأبى أن يعطيها حتى تمكنه من نفسها، فدرأ الحد، وقال: هذا مهرها.
ويعلق الإمام أبو حنيفة على هذا بقوله: ولا يجوز أن يقال: إنما درأ الحد عنها؛ لأنها كانت مضطرة تخاف الهلاك من العطش؛ لأن هذا المعنى لا يوجب سقوط الحد عنه.
وهذا المعنى غير موجود فيما إذا كانت سائلة مالًا ذكرنا في الحديث الثاني، مع أنه علل نقل: أن هذا مهر، ومعنى هذا أن المهر، والأجر يتقاربان١.
أما جمهور الفقهاء، فإنهم لم يرتضوا ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة، وألزموا من استأجر امرأة ليزني بها، وفعل بها ما استأجرها له العقوبة الحدية.
وذلك؛ لأن عقد الإجارة لا يستباح به البضع، فصار كما لو استأجرها للطبخ ونحوه من الأعمال، قال أبو حنيفة: لو استأجرها لمثل هذه الأعمال، وزنى بها لزمه الحد.
فعقد الإجارة لا أثر له في استباحه ذلك، ولا يورث شبهة، فصار كما لو اشترى خمرًا فشربها.
ولأن محل الاستئجار منفعة لها حكم المالية، والمستوفي بالوطء
стр. 474
ليس بمال أصلًا، والعقد بدون محله لا ينعقد أصلًا، فإذا لم ينعقد به كان هو والإذن سواء، ولو زنى بها بإذنها يلزمه الحد.
وذهب ابن حزم إلى أن جرم المستأجرة للزنى، ومن استأجرها، وزنى بها أعظم من جرم من زنى بامرأة لم يستأجرها لذلك، فقال: "وحد الزنى وجب على المستأجر والمستأجرة، بل جرمهما أعظم من جرم الزاني، والزانية بغير استئجار؛ لأن المستأجر والمستأجرة زنيا كما زنى غير المستأجر ولا فرق، وزاد المستأجر والمستأجرة على سائر الزنى حراما آخر -وهو أكل المال بالباطل"٢، وما ذهب إليه الجمهور أولى، ولا يجوز القول بأن ما أخذته المستأجرة من مال يماثل ما تأخذه من مهر في النكاح الصحيح بجامع أن المهر، والأجرة يتقاربان؛ لأن الله أطلق على المهر أجرًا، في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ٣؛ لأن الفرق بينهما واضح أحل الله الزواج، وأوجب المهر فيه وحرم الزنا، ولو كان على مال.
والمهر أجر مشروع في ظل نكاح حلال أباحه الله، ورغب فيه وحض عليه الرسول ﷺ بينما الزنا حرمه الله، ونهى عنه وبغض فيه، وحدد له عقوبة من العقبات -الشديدة الرادعة.
وأما الاستدلال بما روي عن عمر -رضي الله تعالى عنه، فهو استدلال بما لا دليل فيه؛ لأنه لم يذكر ما فعل عمر بالرجل،
стр. 475
هل أقام عليه الحد أم لا، فإن قبل لم يقم عليه الحد، فلجواز عدم توافر البينة عليه؛ لأن ما قالته المرأة غير ملزم الرجل بالحد.
ما لم تتم عليه بينة؛ لأن رسول الله ﷺ قد جاءه رجل مقرًا بأنه زنى بفلانة، فلما سألها الرسول ﷺ أنكرت ما قاله الرجل، فلم يقم الرسول ﷺ الحد عليه١.
أما عدم إقامة عمر الحد على المرأة، فلجواز أنه رأى أنها كانت مضطرة، وبذا تصبح في حكم المكرهة التي لا حد عليها.
وهذا ما جاء عن ابن قدامة بما رواه من أن عمر سأل عليًا -رضي الله تعالى عنهما- في شأن هذه المرأة، فقال علي: إنها مضطرة٢.
стр. 476
٥- إذا كان أحد طرفي جريمة الزنا غير مكلف:
ذهب فقهاء الأحناف إلى أن الصبي، أو المجنون إذا زنى بامرأة طاوعته، فلا حد عليه ولا عليها، أما سقوط الحد عنه، فلعدم تكليفه، وأما سقوطه عنها؛ فلأن الأصل في باب الزنا فعل الرجل والمرأة تابعة له، فامتناع الحد في حق الأصل يوجب امتناعه في حق التبع، وقد جاءت رواية عن أبي يوسف بإيجاب الحد عليها نظرًا؛ لأنها مكنته من نفسها مختارة راضية، فحكمها حكم المكلف الذي يزني بغير مكلف، وكون الفاعل غير مكلف لا يترتب عليه شبهة تسقط الحد عنها١، وذهب فقهاء الشيعة إلى أن البالغة العاقلة إذا مكنت من نفسها صبيًا، أو مجنونًا تجلد فقط، حتى وإن كانت محصنة؛ لأن من واقعها ليس بمدرك.
стр. 477
كما ذهب بعضهم إلى أن البالغ العاقل المحصن إذا زنى بصبية، أو مجنونة فلا رجم عليه ويجلد الحد، لنقص حرمة الصبية والمجنونة، بالإضافة إلى البالغة العاقلة، ولنقص اللذة في الزنا بالصغيرة١.
أما جمهور الفقهاء، فإنهم يرون وجوب الحد على المكلف، وإن كان هناك رأي عند بعض فقهاء الحنابلة، مؤداه أنه لا حد على من وطئ صغيرة لم تبلغ؛ لأنها لا يشتهي منها، وكذلك لو استدخلت امرأة ذكر صبي لم يبلغ عشرًا لا حد عليها.
وقد علق ابن قدامة على هذا بقوله: "والصحيح أنه أمكن وطؤها، وأمكنت المرأة من أمكنه الوطء، فوطئها أن الحد يجب على المكلف منهما، فلا يجوز تحديد ذلك بتسع ولا عشر؛ لأن التحديد إنما يكون بالتوقيف، ولا توقيف في هذا وكونت التسع وقتًا لإمكان الاستمتاع غالبًا لا يمنع وجوده قبله، كما أن البلوغ يوجد في خمسة عشر عامًا، ولا يمنع من وجوده قبله"٢.
وما أرجحه هو وجوب الحد على المكلف مطلقًا، ولا يعتد بكون من شاركه جنايته غير مكلف؛ لأن هذا لا شبهة فيه بالنسبة للمكلف، ولا مبرر للقول بأنغير المكلف لا يشتهي، أو ينقص اللذة.
كما يلزم تعزير الصغير إن أتى ذلك مطلوعًا، زجرًا له عن المعصية.
стр. 478
٦- وطء الرجل معتدته البائن:
إذا طلق الرجل زوجته ثلاثًا، أو خالعها ثم وقع عليها في عدتها، فإن جمهور الفقهاء يرى إلزامه الحد أن كان عالمًا بتحريمها عليه.
فإن قال بأنه لا يعلم تحريمها، فإن الحد لا يلزمه هذا ما هب إليه فقهاء الأحناف١ الحنابلة٢، وابن حزم٣.
وحكم المرأة في ذلك حكم الرجل:
وذهب فقهاء المالكية، والشافعية إلى القول بوجوب الحد عليهما مطلقًا.
أما إذا عقد الرجل على مطللقته ثلاثًا، ووطئها في العدة، فإن جمهور الفقهاء يلزمهما الحد ما داما عالمين بالتحريم، أما أن كان جاهلين أو أحدهما، فلا حد على من جهل التحريم٤، وذهب الإمام أبو حنيفة
стр. 479
إلى القول بعدم لزوم الحد نظرًا لقيام شبهة العقد، فالإمام أبو حنيفة يرى أن العقد، وإن كان متفقًا على تحريمه، إلا أنه تقوم به شبهة تنتج درء الحد١.
وما ذهب إليه جمهور الفقهاء، هو ما أرجحه إذا كانا جاهلين التحريم، فإن كان أحدهما جاهلًا، والآخر عالمًا لزم عالم التحريم الحد، ويدرأ الحد عن جاهل التحريم بشرط أن يكون هذا الجهل من الجهل الذي يعتد به.
أما إن كان جهلًا لا يعتد به، فلا يلتفت إليه، ولا تقوم به شبهة.
стр. 480
٧- وطء البهائم:
إذا وطئ الرجل حيوانًا، أو مكنت المرأة من نفسها حيوانًا، فإن للفقهاء آراء في اعتبار ذلك زنًا موجبًا للحد، أو التعزير.
فقد ذهب فقهاء الأحناف، والملكية والشيعة إلى أن ذلك ليس في معنى الزنا؛ لأن الطبع السليم ينفر عنه، والحامل عليه نهاية السفه، ولا يجب به حد، وإنما يلزم من أتاه بعقوبة تعزيرية تأديبا له، وقد جاء هذا في قول عند فقهاء الشافعية والحنابلة١.
وذهب فقهاء الشافعية والحنابلة في رأي آخر إلى اعتبار ذلك في حكم اللواط موجبًا للحد.
كما جاء عنهم أيضًا في رأي آخر أنه يجب قتل من فعل ذلك
стр. 481
مستدلين بما روي من قول الرسول ﷺ : "من وقع على بهيمة، فاقتلوه، واقتلوا البهيمة" ١.
والذي أرجحه هو ما ذهب إليه الجمهور من أن ذلك يوجب التعزير.
فإن تكرر ذلك من الجاني حبس حتى يعالج، ويتوب أما من ذهب إلى أن ذلك يوجب الحد كالزنا، فقوله بعيد؛ لأن الحد للردع عما يشتهي، وتميل إليه النفس، ومثل هذا لا يشتهى، ولا يقدم عليه إلا مرضى النفوس.
أما القول بقتله، فما استدل به على ذلك ضعيف الرواية، أو على أساس من أتى ذلك مستحلًا له، ودليل يتطرق إليه الضعف لا يعون عليه في القول بقتل إنسان.
стр. 482
المبحث الثاني: الوطء المحرم الذي لا يوجب العقوبة الحدية لقيام شبهة ترتب عليها انتقاء القصد الجنائي
مدخل
...
المبحث الثاني: الوطء المحرم الذي لا يوجب العقوبة الحدية لقيام شبهة ترتب عليه انتفاء القصد الجنائي
اقتضت عناية الشارع الحكيم، ورحمته بخلقه عدم مؤاخذة أحد، أو معاقبته بعقوبة من العقوبات المقدرة، إلا قصد الفاعل إتيان الفعل المجرم، واتجهت نيته إلى ذلك، وقام به مختارا عالمًا بتجريم الشارع له.
لذا فإن الحديث عن هذا المبحث يتناول ما يأتي:
أولًا: الوطء الذي لا تجب به العقوبة الحدية لقيام شبهة جهل الفاعل بالحكم الشرعي لما وقع منه من أفعال جهلًا يعتد به، وإن أتى هذه الأفعال عن حرية واختيار.
ثانيًا: الوطء الذي لا تجب به العقوبة الحدية لقيام شبهة جهل الفاعل بمن وقع عليه الفعل وشاركه فيه، جهلًا يعتد به وتندرئ بوجودة العقوبة الحدية.
ثالثًا: الوطء الذي لا تجب به العقوبة الحدية نظرًا لانتفاء القصد الجنائي نتيجة إكراه الفاعل، مع علمه بتجريم الشارع لفعله الذي أكره عليه، إكراها يعتد به في درء العقوبة.
هذه هي الحالات التي ينتفي معها وجود القصد الجنائي، ولبيانها أذكر هذا الحديث الموجز بالإضافة إلى ما سبق بيانه عند الحديث عن الشبهات، التي تعتري القصد الجنائي في الفصل الثاني من الباب الأول.
стр. 483
أولًا: الوطء الذي لا تجب به العقوبة الحدية نظرًا لجهل الفاعل بالحكم الشرعي لما وقع منه من أفعال، جهلًا يعتد به
ويعتبر الفقهاء جهل الفاعل بالحكم الشرعي مسقطًا للعقوبة الحدية، إذا كان من أتى الوطء مقيمًا بعيدا عن البلاد الإسلامية، ولم يتيسر له معرفة الأحكام الشرعية بسبب خارج عن إرادته، بحيث تصبح معرفة الأحكام بالنسبة له أمرًا معتذرًا، كمن يقيم بجزيرة نائية، وليس لديه من سبل المعرفة ما يمكنه من الوقوف على الأحكام الشرعية، وكان قد صادق من حدثه عن الإسلام حديثًا موجزًا، فاقتنع به وأمن، ولم يفسر على أحكام تجريم الزنا مثلًا، لضيق وقت من علمه مبادئ الإسلام عن أن يحدثه عن ذلك، ولم يتيسر له معرفة بقية الأحكام، فلو أن هذا الشخص وقع منه الوطء المحرم المعاقب عليه بالعقوبة الحدية، فإنه لا تلزمه هذه العقوبة؛ لأنها تندرئ عنه لجهله بالحكم الشرعي.
ومثله من أسلم حديثًا، ولم يتعلم أحكام الإسلام، وكانت النظم العقابية التي يحتكم إليها قبل إسلامه لا تجرم الزنا، وغيره من العلاقات غير المشروعه في الإسلام بين الرجل، والمرأة فواقع امرأة أجنبية عنه، فإنه لا تجب عليه العقوبة الحدية بفعله هذا لوجود شبهة جهلة بالحكم الشرعي، وهي الشبهة التي يترتب عليها درء العقوبة الحدية، لانتفاء القصد الجنائي، ومثل هذا أيضًا من كان مجنونًا، منذ أن كان طفلًا لا يدرك، ثم ظل على جنونه حتى بلغ ثم أفاق من جنونه، وقبل أن يعلم شيئًا من أحكام الإسلام، واقع امرأة أجنبية، فإن لفعله هذا وإن كان زنا، إلا أنه لا يوجب العقوبة الحدية عليه، لجهله بالحكم الشرعي.
يقول الشيرازي مبينا ذلك: "ولا يجب -الحد- على من لا يعلم تحريم الزنا، لما روى سعيد بن المسيب قال: ذكرنا الزنا بالشام، فقال رجل: زنيت البارحة. فقالوا: ما تقول، قال: ما علمت أن الله
стр. 484
عز وجل حرمه، فكتب، يعني عمر، إن كان يعلم أن الله حرمه فخذوه، وإن لم يكن قد علم فعلموه، فإن عاد فارجعوه، وروي أن جارية سوداء رفعت إلى عمر -رضي الله تعالى عنه، وقيل: إنها زنت فخفقها بالدرة خفقات، وقال: أي لكاع، زنيت. فقالت: من غواش بدرهمين، تخبر بصاحبها الذي زنى بها، ومهرها الذي أعطاها، فقال عمر ﵁: ماذا ترون، وعنده علي وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، فقال علي -رضي الله تعالى عنه: أرى أن ترجمها، وقال عبد الرحمن: أرى مثل ما رأى أخوك، فقال لعثمان: ما تقول؟ قال: أراها تستهل بالذي صنعت، لا ترى به بأسا، وإنما حد الله على من علم أمر الله ، فقال: صدقت، ويعلق الشيرازي على ذلك بقوله: فإن زنى رجل بامرأة وادعى أنه لم يعلم بتحريمه، فإن كان قد نشأ بين المسلمين لم يقبل قوله: لأنا نعلم كذبه.
وإن كان قريب عهد بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة من المسلمين، أو كان مجنونًا، فأفاق وزنى قبل أن يعلم الأحكام قبل قوله: لأنه يحتمل ما يدعيه، فلم يجب الحد١.
ويقبل أيضًا القول بجهل حكم من الأحكام التي تحتاج إلى أعمال الفكر، وإمعان النظر، إذا كان المدعي الجهل من العامة الذين يمكن أن يخفى عليه معرفة ذلك، وينهض ذلك شبهة تدرأ الحد.
وقد ذكر جانبًا من ذلك الخرش في قوله: "ومن طلق زوجته قبل
стр. 485
أن يبني بها طلقه أو طلقتين، ثم وطئها من غير عقد فإنه يحد، إلا أن يعذر بجهل"١.
كما يقول ابن قدامة: "وإن ادعى الجهل بفساد نكاح باطل قبل قوله؛ لأن عمر قبل قول المدعي الجهل بتحريم النكاح في العدة؛ ولأن مثل هذا يجهل كثيرًا، ويخفى على غير أهل العلم"٢.
من هذا كله يبين أن الجهل بالحكم الشرعي، فيما عده الفقهاء جهلًا يعتد به. يترتب عليه درء العقوبة الحدية، لانتفاء القصد الجنائي لدى الفاعل.
стр. 486
ثانيًا: الوطء الذي لا تجب به العقوبة الحدية لقيام شبهة جهل الفاعل، بمن وقع عليه الفعل وشاركه فيه
أي أن الفاعل هنا يعلم الحكم الشرعي للوطء المحرم، غير أنه أتى فعله هذا، وهو يعتقد أن المحل الذي واقعه محل مباح له مواقعته، معتمدًا في ذلك الاعتقاد على الوقائع الجوهرية المصاحبة للفعل، والسابقة عليه.
ويتضح ذلك فيما يأتي:
١-رجل واقع امرأة زفت إليه على أساس أنها زوجته، ثم اتضح له بعد مواقعتها أنها ليست هي التي عقد عليها، فلا حد عليه ما دام قد واقعها معتقدًا حلها له مع وجود ما يبرر هذا الاعتقاد، ويقويه، ولا حد عليها إن كانت تعتقد أنه زوجها.
فإن كان أحدهما يعمل حقيقة صاحبه، وأنه ليس هناك ما يبيح الحل، وجب الحد على من علم ذلك.
стр. 487
أما من لم يعلم فلا حد عليه، يقول ابن الهمام مبينا ذلك: "ومن زفت أي بعثت إليه غير امرأته، وقال النساء: هي زوجتك، فوطئها لا حد عليه وعليه المهر: قضى بذلك علي ﵁ وبالعدة؛ ولأنه اعتمد دليلًا، وهو الإخبار في موضع الاشتباه، لذ الإنسان لا يميز بين امرأته، وبين غيرها في أول الوهلة، وهذه إجماعية لا يعلم فيها خلاف"١.
٢- رجل وجد امرأة في فراشه، فظنها زوجته، لتماثل أوصافهما من حيث الصغر أو الكبر وما إلى ذلك، فلا حد عليه عند الجمهور اعتمادًا على وجودها في فراشه الذي هو قرينة الزوجية، مع وجود هذا التماثل في الأوصاف بينهما، وعدم علمه أن أحدًا في منزله غير زوجته، ولم يبد له منها ما يعرف به حقيقتها، فوجود هذا الظن المبني على الملابسات القوية، والقرائن المصاحبة قد نتج عنه انتفاء القصد الجنائي لدى الفاعل.
يقول ابن قدامة عند حديثه، عما ينتفي به القصد الجنائي، ولا يجب به حد: "أو وجد على فراشه امرأة ظنها امرأته، أو جاريته فوطئها، أو دعا زوجته أو جاريته، فجاءته غيرها فظنها المدعوة فوطئها، أو اشتبه عليه ذلك لعماه، فلا حد عليه، "ويعلق ابن قدامة على ذلك بقوله": ولنا أنه وطء اعتقد إباحته بما يعذر مثله فيه، فأشبه ولو قيل له: هذه زوجتك؛ ولأن الحدود تدرأ بالشبهات وهذه من أعظمها"٢.
стр. 488
وذهب جمهور فقهاء الأحناف إلى أن من وجد امرأة في فراشه، فوطئها فعليه الحد، وبين ابن الهمام رأي جمهور فقهاء الأحناف بقوله: "ولنا أن المسقط شبهة الحل، ولا شبهة هنا أصلًا سوى أن وجدها على فراشه، ومجرد وجود امرأة على فراشه لا يكون دليل الحل ليستند الظن إليه، وهذا؛ لأنه قد ينام على الفراش غير الزوجة من حبائبها الزائرات له، وقرباتها، فلم يستند الظن إلى ما يصلح دليل حل".
ولم يستثن فقهاء الأحناف من وجوب الحد في ذلك إلا حالة واحدة، وهي ما إذا دعي الأعمى زوجته، فإجابته امرأة أجنبية، وقالت: أنا زوجتك فواقعها، فلا حد عليه؛ لأن الإخبار دليل، وجاز تشابه النغمة خصوصًا لو لم تطل الصحبة، وذهب الإمام أبو حنيفة، وأبو يوسف إلى القول بدرء الحد، وإن أتته ساكته١، وما أرجحه في ذلك هو أن القاضي إذا اقتنع بأن الفاعل أشكل عليه الأمر، واعتقد أن من واقعها هي زوجته، لتوافقهما في الصوت والأوصاف. وقيام القرائن الدالة، فإنه لا حد لقيام الشبهة التي ينتفي معها القصد الجنائي.
أما إن كان ذلك من باب التذرع بالحيل، وادعاء الشبهة فالحد واجب إذا العبرة بقوة الشبهة المدركة، لا مجرد وجودها، وفقهاء الجمهور، وإن أسقطوا الحد، فمنهم لم يسقطوه لمجرد أنه وجدها في فراشه، وإنما لما صاحب ذلك من توافق، وقرائن قوية، وصلت به إلى اعتقاد أنها زوجته.
فلا خلاف إذا بينهم، وبين ما ذهب إليه جمهور فقهاء الأحناف الذين لم يسقطوا الحد لمجرد أنه وجدها في فراشه، وأسقطوه إذا اعتقد ذلك بناء على القرائن، وقصر الصحبة.
стр. 489
ثالثا: الوطء الذي لا تجب به العقوبة الحدية نظرا لانتقاء القصد الجنائي نتيجة اكراه الفاعل
...
ثالثًا: الوطء الذي لا تجب به العقوبة الحدية، نظرًا لانتفاء القصد الجنائي نتيجة إكراه الفاعل
سبق الحديث عن الإكراه، ووضح منه أن الذي يعتد به في إسقاط العقوبة الحدية هو الإكراه النام، أو الملجئ١، فالوطء الذي يقع تحت وطأة هذا النوع من الإكراه للفقهاء آراء في إيجاب الحدية، بالنسبة للرجل المكره -بفتح الراء- أما بالنسبة للمرأة، فقد اتفق الفقهاء على إسقاط الحد عنها إذا أكرهت على ذلك.
وتنحصر آراء الفقهاء بالنسبة لمن أكره على فعل الزنا، فيما يأتي:
١- يرى جمهور الفقهاء أنه لا حد على من أكره على فعل الزنا؛ لأن المكره لا إرادة له، ولذا فقد رفع عنه القلم، لقول الرسول ﷺ : "عفي لأمتى عن الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه"، وراه البيهقي٢.
واشترط الإمام أبو حنيفة أن يكون الإكراه على إتيان فعل الزنا من الحاكم لآاك لا يمكنه الاستعانة بمن يخلصه، ولا قدرة له على محاربة الحاكم، ولذا فإنه ينتفى قصده الجنائي، ويعدم رضاه واختياره، أما أن أكرهه شخص آخر غير الحاكم، فإن أبا حنيفة يرى أن مثل هذا الإكراه لا ينهض شبهة، وعليه فإن وقع منه فعل الزنا لزمه الحد.
إذا إن المكره -بفتح الراء يمكنه الاستعانة بالحاكم، أو بغيره ليحميه
стр. 490
ويخلصه ممن تسلط عليه، بين ذلك ابن الهمام بقوله: "ومن أكرهه السلطان حتى زنى، فلا حد عليه ... فإن أكرهه غير السلطان حد عنه أبي حنيفة، لعدم تحقق الإكراه من غيره"١، وذهب الصاحبان إلى القول بعدم إيجاب الحد على المكره مطلقًا، سواء أكرهه السلطان، أو غيره ممن له سطوة، وقوة وخاف المكره التلف على نفسه.
وذكر السرخسي أن الاختلاف بين رأي الإمام، والصاحبين اختلاف عصر، فالسلطان كان مطاعًا في زمن أبي حنيفة، ولم ير لغيره السلطان من القوة ما يقوي به على الإكراه: فقال -الإمام: لا يتحقق الإكراه إلا من السلطان، ثم في عصرهما قد ظهرت القوة لكل متغلب، فقالا: يتحقق الإكراه من غير السلطان، وجه قولهما أن المعتبر خوف التلف على نفسه، وذلك يتحقق إذا كان المكره قدرًا على إيقاع ما هدد به، سلطانا كان أو غيره، بل خوف التلف هنا أظهر؛ لأن المتغلب يكون مستعجلًا لما قصده لخوفه من العزل بقوة السلطان، والسلطان ذو أناة بما يفعله، فإذا تحقق الإكراه من السلطان بالتهديد، فمن المتغلب أولى"٢، وعلى هذا فالخلاف بين الإمام، وصاحبه مرجعه اختلاف العصر، والزمان، وليس الحجة والبرهان.
٢- ذهب فقهاء الحنابلة إلى أن الرجل إذا أكره، فزنى لزمه الحد، ووافقهم في هذا بن الحسن وأبو ثور وزفر، ومبنى ذلك عندهم أن الوطء لا يكون إلا بالانتشار، والإكراه ينافيه، فإذا وجد الانتشار انتفى الإكراه، فيلزمه الحد، كما أكره على غير الزنا، فزنى٣.
стр. 491
ولا وجهة لهؤلاء فيما استدلوا به، إذ إن الانتشار قد يكون طبعًا لا طواعية بدليل ما قد يحدث للنائم من غير قصد ولا رغبة، وقد بين ذلك ابن حزم عند حديثه عن الإكراه على الزنى، بقوله: "لو أمسكن امرأة حتى زنى بها، أو أمسك رجل، فأدخل إحليله في فرج امرأة، فلا شيء عليه، ولا عليها، سواء انتشر أو لم ينتشر أمنى أو لم يمن، أنزلت هي أو لم تنزل؛ لأنهما لم يفعلا شيئًا أصلًا.
والانتشار والإمناء فعل الطبيعة، الذي خلقه الله تعالى في المرء، أحب أم أكره، لا اختيار له في ذلك١.
والذي أرجحه أن من أكره على الزنا إكراها يخشى منه التلف، ولم يجد بدا من الزنا، فلا حد عليه لانتفاء قصده، الجنائي سواء أكرهه السلطان، أو غيره ممن يستطيع تنفيذ ما أكرهه به، وما استدل به من أن الانتشار دليل الطواعية التي ينتفي معها الإكراه، قد وضح خلافه، وثبت أن الانشار قد يكون طبعًا من غير قصد.
هذه هي الحالات التي ينتفي القصد الجنائي لدى الفاعل فيها، وآراء فقهاء الشريعة في درء الحد عن الفاعل.
وما ذكر من آراء تفضي بعدم إيجاب العقوبة الجنائية على الفاعل هنا، قد شملت ما ذهب إليه فقهاء القانون، الذين سبق عرض آرائهم عند الحديث عن الشبهت التي تعتري القصد الجنائي.
وقد ذكر جانبًا من ذلك الأستاذ الدكتور، محمود مصطفى عند حديثه عن القصد الجنائي في جريمة الزنا، فقال:
стр. 492
"يتوافر القصد الجنائي لدى الزوجة، التي ارتكبت الفعل عن إرادة، وعن علم بأنها متزوجة، وأنها تواصل شخصًا غير زوجها، فلا تقوم الجريمة لانعدام القصد إذا ثبت أن الوطء قد حصل على غير رضاء الزوجة، نتيجة لقوة أو تهديد، أو أي سبب من الأسباب المعدمة للرضاء، فإذا تسلل رجل إلى مخدع امرأة، فسلمت له ظنا منها أنه زوجها، فإن المواقعة تكون قد حصلت مباغتة على غير رضاها، فلا ترتكب الزنا، ويرتكب الفاعل جناية الاغتصاب، كذلك ينتفي القصد إذا كانت الزوجة وقت الفعل تجهل أنها مقيدة بعقد زواج، كما لو اعتقدت أنها مطلقة، أو أن زوجها الغائب قد مات"١.
هذا ما ذهب إليه فقهاء القانون، وهم وإن ذكروه بالنسبة للمرأة، فذلك؛ لأنهم يرون أن جريمة الزنا لا تقوم بالنسبة للرجل، إلا إذا كان مترزجًا، ووقعت الجريمة في منزل الزوجية، أما هي فلم يشترطوا بالنسبة لها أن تكون الجريمة قد وقعت في منزل الزوجية، وإنما تقوم الجريمة بالنسبة لها لذا وقعت منها في أي مكان ما دامت متزوجة.
وما ينطبق عليها بالنسبة لانتفاء القصد الجنائي ينطبق على الرجل أيضًا.
стр. 493
المبحث الثالث: الوطء المحرم الذي لا تجب به العقوبة الحدية لقيام شبهة في إثباته
أولا: إذا كان إثباتها عن طريق الإقرار
...
المبحث الثالث: الوطء المحرم الذي لا تجب به العقوبة الحدية لقيام شبهة في إثباته
سبق عند الحديث عن الإثبات أن الشريعة الإسلامية، قد حددت طرقًا معينة لإثبات الجنايات الحدية.
وتقدم ذكر ما يشترط في أدلة الإثبات بصفة تشمل إثبات جميع الجرائم الحدية.
وبالإضافة إلى ما سبق، فإنه يشترط لإثبات جريمة الزنا، وإلزام الحد ما يأتي:
أولًا: إذا كان إثباتها عن طريق الإقرار
أذهب بعض الفقهاء إلى اشتراط أن يتعدد الإقرار بعدد ما يثبت به جريمة الزنا من شهود، وأن يكون كل إقرار في مجلس غير ما سبقه من إقرارات، أي أن يتعدد المجلس بتعدد الإقرار.
وذهب البعض إلى اشتراط تعدد الإقرارات، ولو في مجلس واحد، وقال فريق من الفقهاء: تثبت جريمة الزنا بإقرار واحد، ولكل حجة ودليل.
فقد ذهب فقهاء الحنابلة، والأحناف، وجمهور فقهاء الشيعة إلى اشتراط أن يكون الإقرار الذي تثبت به جريمة الزنا، أربع مرات، فلا يكفي الإقرار مرة واحدة لإثباتها، ووجوب الحد، واستدلوا لذلك بأدلة، منها ما رواه أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه: "من أن رجلًا من المسلمين أتى رسول الله ﷺ ، وهو في المسجد، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله إني زنيت،
стр. 494
فأعرض عنه حتى في ذلك أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله ﷺ ، فقال: "أبك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم، فقال: رسول الله ﷺ : ارجموه" ١.
وقال أصحاب هذا الاتجاه: فلو كان الحد يلزم بالإقرار مرة واحدة لم يعرض عنه رسول الله ﷺ ؛ لأنه لا يجوز ترك حد وجب لله تعالى٢.
كما ثبت من روايات أخرى أن رسول الله ﷺ قد قال: "إنك قد قلتها أربع مرات فبمن؟ قال: بفلانة"، وهذا تعليل منه يدل على أن الإقرارات الأربع هي الموجبة.
كما أن أبا بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه، قال لمن جاء مقرًا بالزنا عند النبي ﷺ : إن أقررت أربعًا رجمك رسول الله ﷺ .
وهذا يدل من وجهين:
أحدهما، أن النبي ﷺ أقره عن هذا ولم ينكره، فكان بمنزلة قوله: "لأنه لا يقر على الخطأ".
الثاني: أنه قد علم هذا من حكم النبي ﷺ ، لولا ذلك ما تجاسر على قوله بين يديه٣.
стр. 495
وزاد الإمام أبو حنيفة على ذلك اشتراط أن تكون أربعة إقرارات في أربعة مجالس متفرقة، بالنسبة للمقر نفسه، ويجوز أن كون القاضي الذي يحكم الواقعة في مكان واحد، ويحتسب مجيء المقر، وذهابه مرة.
ورأى أن ما يدل على ذلك هو ما سبق أن ذكره ابن قدامة، وأظهر منه في إفادة أن الإقرارات في مجالس ما في الصحيح، مما رواه الإمام مسلم، أن ماعزًا أتى النبي ﷺ فرده، ثم أتاه الثانية من الغد، فرده ثم أرسل إلى قومه، فسألهم: "هل تعلمون بعقله بأسًا"؟ فقالوا: ما نعلمه، إلا وفي العقل من صالحينا، فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضًا فسألهم: "فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة، فرجمه" ١.
وذهب الشافعية والمالكية، وبعض فقهاء الشيعة إلى أن الزنا يثبت بالإقرار الواحد، واستدلوا لذلك بما روي من قول الرسول ﷺ : "أغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها"، فالرسول ﷺ لم يطلب من أنيس إلا الذهاب إلى المرأة وسؤالها، فإن أقرت رجمها، ولم يقيد الرسول ﷺ الإقرار بأن يكون أربع مرات.
وما ذكر من أن النبي ﷺ قد راجع ماعزًا، حتى كرر إقراره أربع مرات، فإن ذلك راجع إلى أن النبي ﷺ قد شك في عقله، وإذا فقد سأله: "أبك جنون"؟، وسأل أهله، وذويه من عقله أيضًا.