إلا هذه المرة، فقال عمر: كذبت إن الله لا يفضح عبده في أول مرة، والحد يسقط بالشبهة"١، أما ابن حزم، فإنه يرى وجوب حد القذف على القاذف، إذا كانت الواقعة التي قذف غيره بها، لم تثبت على المقذوف بصرف النظر عما كان قبلها، أو بعدها من وقائع، وإن ثبتت هذه الوقائع السابقة، أو اللاحقة على المقذوف وحد فيها، وقد بين هذا بقوله: "فإن قذف إنسان إنسانًا قد زنى بزنى غير الذي ثبت عليه، وبين ذلك وصرح، فعلى القاذف الحد -سواء حد المقذوف في الزني، الذي صح عليه أو لم يجد؛ لأنه محصن عن كل زنى لم يثبت عليه، وقد قلنا: إن الإحصان هو المنع، "فمن منع بشيء، أو امتنع منه، فهو محصن عنه، فإذا هو محصن، فعليه الحد بنص القرآن"٢.
ويرى الإمام أحمد، والثوري وأبو ثور، والمزني وداود، أن الحد إذا وجب بشروطه، فإنه لا يسقط بزوال شرط من هذه الشروط، أو بزوال كل هذه الشروط طالما أن الحد قد وجب؛ لأن هذه الشروط قد وضعها المشرع للوجوب، فمتي وجب الحد بوجوب شروطه، فلا ينقضه انتفاء بعض هذه الشروط، أو انتفائها كلها، وقد بين ذلك ابن قدامة بقوله: "ولنا أن الحد قد وجب، وتم بشروطه فلا يسقط بزوال شرط الوجوب، كما لو زنى بأمه ثم اشتراها، أو سرق عينا فنقصت قيمتها، أو مكها، وكما لو جن المقذوف بعد المطالبة، ورد ابن قدامة على من اشترطوا استدامة الشروط حتى يتم تنفيذ الحد بقوله: "وقولهم: أن الشروط تعتبر استدامتها لا يصح، فإن الشروط للوجوب، فيعتبر وجوبها إلى حين الوجوب، وقد وجب الحد بدليل أنه ملك المطالبة، ويبطل بالأصول التي قسنا عليها، وأما إذا جن من وجب له الحد، فلا يسقط الحد، وإنما يتأخر
стр. 632
استيفاؤه لتعذر المطالبة، فأشبه ما لو غاب من له الحد، وفارق الشهادة، فإن العدالة شرط للحكم بها، فيعتبر وجودها إلى حين الحكم بها، بخلاف مسألتنا، فإن العفة شرط للوجوب، فلا تعتبر إلا إلى حين الوجوب"١.
وما رآه الإمام أحمد، ومن وافقه هو ما أرجحه؛ لأن من وجب الحد بقذفه قد تتغير ظروفه وأحواله، وليس معنى هذا إهدار ما ثبت له من حق بقذف الجاني له؛ لأن القول بإسقاط الحد بعد وجوبه قد ينتج فتح باب التحايل، ومحاولة الإيقاع بمن وجب الحد بقذفه، بغية الخلاص من الحد، ولا يخفى أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، ومصلحة القاذف، ونجاته من الحد في الفساد المقذوف، ونفي إحصانه، وقد يكون الجاني ذا جاه، أو سلطان، فإن رأى نجاته في إفساد مقذوفه، فلن يتورع عن الإيقاع به، وعليه فإن هذا الرأي يدرأ فتح التحايل والإفساد، ويبطل ما قد ينصب من شراك لصيد الآمنين، وما ذهب إليه ابن حزم بحاجة إلى إعادة نظر؛ لأن من لزمه حد الزنا، فإن عفته قد انثلمت بذلك وبطل إحصانه، وليس لكل واقعة إحصان مستقل؛ لأن الإحصان والعفة أمر معنوي إذا انكسرا، فإن إعادة إصلاحهما أمر مشكوك فيه، وبخاصة بالنسبة لما نحن بصدده، وليس معنى هذا إباحة قذفه، وإنما يلزم القاذف التعزير، ويدرأ عنه الحد لشبهة ترجيح احتمال وقوع الفعل منه؛ لأن ما وقع سابقًا أو لاحقًا قبل وجوب الحد يقوي احتمال صدق مقولة القاذف، وينتج شبهة تدرأ حد القذف عمن لم يستطع إثبات مقولته.
стр. 633
الفصل الخامس: جريمة الردة وما يتعلق بها من شبهات
مدخل
...
الفصل الخامس: جريمة الردة وما يتعلق بها من شبهات
تقديم:
الردة في اللغة: الرجوع عن الشيء إلى غيره، وهو اسم مشتق من الارتداد، وهو مطلق الرجوع، يقال: ارتد على أثره ارتدادًا رجع وكذا عن طريقه ودينه١.
وعند الفقهاء: الرجوع عن الإسلام، أو قطع استمراره ودوامه، سواء كانت بقول كفر أو فعله٢.
وعرف ابن حزم المرتد بأنه كل من صح عنه أنه كان مسلمًا متبرئا من كل دين -حاشا دين الإسلام، ثم ثبت عنه أنه ارتد عن الإسلام، وخرج إلى دين كتابي، أو غير كتابي أو إلى غير دين٣.
وتقع الردة بواحد من الأمور الآتية:
١- نية الكفر أو اعتقاده، والعقاب على هذا يختص الله به، طالما لم تترجم هذه النية، أو هذا الاعتقاد في فعل ما من الأفعال، أو قول ما من الأقوال٤.
стр. 634
٢- إتيان فعل ما من الأفعال التي يقع بها الكفر كالسجود لغير الله، أو إلقاء كتاب الله، أو أحد كتب الحديث في القاذورات استهانة بها.
٣- ترك إتيان ما أوجبه الشرع، تركًا ناتجا من حجد وجوبه، كترك أداء الصلاة، والزكاة وما مثل مما أوجبه الشرع"١.
٤- إنكار ما علم من الدين بالضرورة عن طريق قول ما من الأقوال، أو ادعاء ما ينقص أما أخبر به الرسول ﷺ كادعاء النبوة مثلًا، أو سب الله ، أو رسوله -صلى الله عليه وسلم٢.
وسأقتصر في حديثي هنا على الشبهات، التي تعتري الركن الشرعي لهذه الجريمة، وما اختلف الفقهاء في وقوع الردة بإتيانه، وهو السحر.
стр. 635
وقد ورد في حكم الردة قول الله : ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١.
وروي أن رسول الله ﷺ ، قال: "من بدل دينه، فاقتلوه" ٢، وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد٣.
стр. 636
المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي
ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بأن الكافر إذا قال
...
المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي
وصح مما ذكر في تعريف الردة، والمرتد عند فقهاء الشريعة أنه لا يتحقق قيام هذه الجريمة، إلا ممن كان مسلمًا، نظرًا؛ لأن الردة قد عرفت بأنها قطع الإسلام والرجوع عنه، وذلك يقتضي بالضرورة أنها لا تقع إلا من مسلم، لهذا فإن الحديث عن الشبهات التي تلحق الركن الشرعي لهذه الجريمة، يتناول ما ذكره الفقهاء من آراء بالنسبة للقول بصحة إسلام بعض الأشخاص، توطئه لبيان حكم ما وقع منهم من أفعال، أو أقوال نقطع استمرار الإسلام، ودوامه من عدمه.
كما يتناول ما ورد من اختلاف الفقهاء حول بعض الأفعال، من حيث اعتبار هذه الأفعال، تخرج من قام بها عن الإسلام، ويعد بها مرتدًا أم لا.
١- ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بأن الكافر إذا قال:
لا إله إلا الله محمد رسول الله صار بذلك مسلمًا، فإن رجع عن الإسلام اعتبر مرتدًا، ولزمته العقوبة الحدية، واستدل الجمهور لصحة الإسلام الكافر بالنطق بالشهادتين بأدلة كثيرة منها.
أ- ما رواه أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ ، قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله" ١.
ب- روى أنس "أن يهوديًا قال لرسول الله ﷺ : أشهد أنك رسول الله، ثم مات، فقال رسول الله ﷺ : "صلوا على صاحبكم" ٢.
стр. 637
وأكثر من ذلك اعتبر الكتابة مع النية كصريح لفظ إسلام، فقد روى ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا فجعلوه يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا أصبح أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيرى، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على رسول الله ﷺ فقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين"، رواه أحمد والبخاري، وهو دليل على أن الكناية مع النية، كصريح لفظ الإسلام"١.
قال الشوكاني عند شرحه لهذا الحديث: "قوله: صبأنا صبأنا"، أي دخلنا في دين الصابئة، وكان أهل الجاهلية يسمون من أسلم صابئا، وكأنهم قالوا: أسلمنا أسلمنا، والصابئ في الأصل الخارج من دين إلى دين ... وقد استدل المصنف بأحاديث الباب على أنه يصير الكافر مسلمًا بالتكلم بالشهادتين، ولو كان ذلك على طريق الكناية بدون تصريح٢.
وذهب فقهاء المالكية إلى القول بأنها لا يكفي للحكم بإسلام الكافر أن ينطق بالشهادتين، وإنما لا بد للحكم بذلك من أن يقف من نقط بالشهادتين على دعائم الإسلام، ويلتزم الأحكام التي جاء الإسلام بها، وعلى هذا من نطق بالشهادتين، ولم يلتزم بالأحكام الإسلامية، لا يعد مسلمصا فإذا رجع إلى ما كان عليه من كفر، لا يكون مرتدًا حيئنذ، ولا يلزم بعقوبة الردة، وإنما عليه الأدب فقط نظير تلاعبه.
стр. 638
يقول الخرشي مبينًا ذلك: "ولا ينقر الإسلام إلا بالنطق بالشهادتين، والتزام أحكامهما، واحترز به عما لو نطق بالشهادتين، ثم رجع قبل أن يقف على الدعائم -فلا يكون مرتدًا ويؤب فقط"١.
وإلى هذا مال الشيخ أبو زهرة، وذكر مثالًا لذلك ما يجري الآن في مصر، وغيرها من الأقطار من أن يشهد الرجل، أو المرأة على إسلامه لغرض من أغراض الدنيا لا يستطيع قضاءه، وهو على ما كان عليه أولًا كأن يطلق امرأته، أو تطلق هي من زوجها لتتزوج من آخر، فإذا ما نال كل غرضه عاد إلى ما كان عليه قبل أن يعلن إسلامه، وفي حقيقة أمره لم يفارق ما كنا عليه أولًا.
ثم يقول الشيخ أبو زهرة: ولا نقول في هذه الحالة أنه يعفى من عقاب الردة إذا تقرر لها عقاب، أو أي عقاب آخر، بل نقول: إنه إذا أعفي من عقوبة الردة لا يسلم من عقوبة أخرى، ربما تكون أشد وأنكى، وهي عقوبة التزوير في ورقة رسمية، ينص على ذلك في قانون العقوبات.
ثم يعقب على ذلك بقوله: إننا بهذا ننسق الأحكام تنسيقًا سليمًا، فلا يدخل في الإسلام إلا من ذاق بشاشته، وعلم أحكامه ولا تتخذ الأديان هزوًا ولعبًا ... ٢.
وما ذكره فضيلة الشيخ أبو زهيرة يحتاج إلى وقفة، إذ هو قد رأى أن من فعل ذلك لا يسلم من عقوبة، فإن لم تكن عقوبة الردة عوقب بأشد، وأنكى منها وهي عقوبة التزوير، والأمر هنا معكوس؛ لأن عقوبة التزوير عقوبة تعزيرية هينة، إذا قيست بعقوبة الردة التي حددها الشارع للمرتدين.
وما ذهب إليه فقهاء المالكية من القول بأن عدم التزام من أسلم
стр. 639
أحكام الإسلام شبهة تشوب إسلامه، فلا يلزم بالعقوبة الحدية إذا رجع إلى ما كان عليه، وإنما عليه الأدب فقط، فهو كلام قد حمل في طيه قضيتين، أولاهما عدم الحكم بصحة إسلامه، والثانية درء العقوبة الحدية عنه.
أما بالنسبة للقضية الأولى، وهي أن إسلامه هذا غير صحيح، فهي مردودة بما استدل به جمهور الفقهاء من الأحاديث الصحيحة، وإن كانت الشبهة قد شابت إسلامه لعدم صدقه في نيته، إلا أنها شبهة لا يترتب عليها إسقاط العقوبة الحدية عن هذا المتلاعب، وإنما هي شبهة يلزم عنها إلزامه بالعقوبة الحدية وزيادة.
العقوبة الحدية نظير ردته، والزيادة عليها نظير تلاعبه، وتزويره بغية كسب ونفع.
وهذه هي الشبهة الوحيدة، التي أرى أن تخرج عن قاعدة درء الحد بها، إلى قاعدة أخرى هي إلزام الحد بها وزيادة، إلزاما لا يقبل الإسقاط أو التبديل؛ لأن هذا المتلاعب لم يجبر على الإسلام، وإنما جاء طائعًا، وما دام ينوي التلاعب والتحايل، فإنه يكون قد زاد على جناية الردة جناية أخرى، وهي الاستهزاء بالدين، واتخاذه ستارًا يحقق من وراء تلاعبه به أطماعه، وما يبغي ويشتهي ويتخلص من حقوق لزمته، ووجبت عليه، فهو بذلك قد ارتكب جناية تزوير، ثم بعد ذلك يمرق من الدين، وهو يتغامز عليه، وعلى من حققوا له مأربه آملين فيه النفع والهداية، أن من اتخذ من دين الله هزوا، ولعبًا لا يجوز أن يعتبر ذلك الهزو، واللعب مبررًا لإسقاط العقوبة الحدية عنهم، وإنما هؤلاء نشدد عليهم العقوبة بقدر استهزائهم، هؤلاء الذين تاجروا مع الشيطان، فيجب ألا تربح تجارتم، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا
стр. 640
الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ١.
ولقد أمر النبي ﷺ أصحابه بإنزال عقوبة الحرابة بهؤلاء، الذين جاءوا معلنين إسلامهم، ثم ارتدوا بعد قليل، وقتلوا راعي رسول الله ﷺ ، ولو لم يكن هؤلاء قد أعلنوا إسلامهم لما كان ما نزل بهم من عقاب بالصورة، التي سبق الحديث عنها عند بيان عقوبة الردة؛ لأنه لم يعرف عن رسول الله ﷺ أنه نكل بأحد مثل ما فعل بهؤلاء٢.
стр. 641
٢- إسلام السكران:
ذهب جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية والحنابلة، والشيعة إلى القول بأن الراجح صحة إسلام السكران، سواء أكان كافرًا أصليًا، أو مرتدًا، ويعني ذلك عندهم أنه إذا ضحت ردة السكران، وهي محض مضرة، وقول باطل، فلأن يصح إسلامه الذي هو قول حق محض، ومصلحة خالصة أولى:
وعلى هذا لو رجع عن إسلامه، وقال: لم أرد ما قلت لم يلتفت إلى مقالته، وجبر على الإسلام، ولا يقبل منه غيره، فإن أسلم وسلك طريقة الإسلام وتعاليمه، والتزم بأوامره كان له ما للمسلمين، وإلا قتل لاعتباره مرتدًا، وراجعًا عن الإسلام بعد أن دخل فيه١.
وذكر الشربيني الخطيب أن من نطق بكلمة الإسلام، وهو سكران إذا أفاق عرضنا عليه الإسلام، فإن وصفه كان مسلمًا من حين وصف الإسلام، وإن وصف الكفر كان كافرًا من الآن؛ لأن إسلامه صح، فإن لم يتب قتل٢.
стр. 642
والقول المرجوح عند الجمهور أن إسلامه، وردته لا تصح كالطفل والمعتوه؛ لأنه لا يعي ما يقول نظرًا؛ لأن الخمر قد أذهبت عقله.
هذا ما ذهب إليه ابن حزم١، وحسنه الإمام أبو حنيفة، وإن كان القياس عنده أن السكران كالصاحي في اعتبار أقواله وأفعاله، فقد ذكر السرخسي: أن السكران إذا ارتد تبين منه امرأته في القياس؛ لأن السكران كالصاحي في اعتبار أقواله وأفعاله، حتى لو طلق امرأته بانت منه، ولو بلغ أو أقر بشيء كان صحيحًا منه، ولكنه استحسن، وقال: لا تبين منه امرأته؛ لأن الردة تنبني على الاعتقاد، ونحن نعلم أن السكران غير معتقذ لما يقول؛ ولأنه لا ينجو السكران من التكلم بكلمة الكفر في حاله سكره عادة، والأصل فيها ما روي أن واحدًا من كبار الصحابة ﵃، سكر حين كان الشرب حلالًا، وقال رسول الله ﷺ : هل أنتم إلا عبيدي، وعبيد آبائي ولم يجعل ذلك منه كفرًا.
وقرأ سكران سورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في صلاة المغرب، فترك اللا آت فيه، فنزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ، فهو دليل على أنه لا يحكم بدونه في حال سكره، كما لا يحكم به في حال جنونه"٢.
وقد ذهب فقهاء الشافعية إلى التفريق بين حكم المتعدي بسكره، وغير المتعدي، فحكموا بردة المتعدي دون غيره لقيام الشبهة في حق غير المتعدي٣.
وما أرجحه من ذلك، هو ما ذهب إليه فقهاء الأحناف من القول باستحسان عدم الاعتداد، بما يصدر من السكران حين سكره، سواء أكان إسلامًا، أم ردة؛ لأن السكران لا يعي ما يقول، وعقله وإن لم يذهب تمامًا كالمجنون، إلا أنه غير مكتمل تمامًا حتى يلزم بقوله أو فعله،
стр. 643
فالسكران لا تخلو حاله عن شبهة، لا يلزم معها حد عليه، ولا يعفيه ذلك من إلزامه عقوبة تعزيرية رادعة، حتى وإن كان الشرب غير حرام في اعتقاده، فوق ما يلزم به من عقوبة سكره الحدية نظرًا؛ لأنه قد أتى ما يعد تلاعبا يمس العقيدة التي يجب أن تبقى بعيدة عن العبث.
ولقد نظر فقهاء الشريعة عند الحديث عن عقوبة شرب الخمر، إلى أن الشارب إذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، فإلزامه حد الشرب لذلك أما أن يلزم بعقوبة ردة فوق ذلك في حالته هذه، أن نطق بكلمة الإسلام، وقد كان كافرا وبعد إفاقته بقي على كفره، أو إن نطق بكلمة الردة، وقد كان مسلمًا. فهذا بعيد؛ ولأن المسلم يستتاب بعد إفاقته لا خلال سكره، فإن تاب كان بها، وإلا فهذه جريمة أخرى.
стр. 644
٣- إسلام المكره:
من يكره على الإسلام لا يخلو الحال بالنسبة له من أن يكون ذميًا، أو مستأمنًا أو أن يكون حربيًا أو مرتدًا، فإن كان ذميًا أو مستأمنا، فإن جمهور الفقهاء يرى القول بعدم جواز إكراههما على الإسلام، فإن أكرها عليه، فإنه لا يثبت لهما حكم الإسلام، إلا إذا زال الإكراه عنهما، وبقيا على الإسلام طوعًا، فإن زال الإكراه عنهما ورجعا إلى ما كان عليه، فلا يعد هذا الرجوع منهما ردة.
وذهب محمد بن الحسن، صاحب أبي حنيفة إلى القول أن الذمي، أو المستأمن إذا أكرها على الإسلام، فأسلما ولو في الظاهر عدا مسلمين، فإن رجعا عن الإسلام اعتبرا مرتدين، ولزم استتابتهما، فإن عادا إلى الإسلام كان بها، وإلا قتلا، وعلل ذلك بما ذكر من أن الحكم ينبني على ما نسع، ولا أثر لعذر الإكراه، ولنا ما علمناه من علانية ما سمعنا؛ لأنا لا نعلم من سره ما نعلم من علانيته١.
стр. 645
ذكر -ما ذهب إليه الجمهور- ابن قدامة بقوله: وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن، فأسلم لم يثبت له حكم الإسلام، حتى يوجد منه ما يدل عليه طوعًا، مثل أن يثبت على الإسلام بعد زوال الإكراه، فإن مات قبل ذلك، فحكمه حكم الكفار، وإن رجع إلى دين الكفر لم يجز قتله، ولا إكراهه على الإسلام١، أما إن كان المكره على الإسلام حربيًا، أو مرتدًا وأعلن الحربي إسلامه، وعاد المرتد إلى الإسلام، ولو تحت وطأة الإكراه ثبت لهما حكم الإسلام، فإن ارتد أحدهما بعد زوال الإكراه استتيب، فإن عاد عن ردته وإلا قتل، ومبنى
ذلك أن إكراه الحربي، والمرتد على الإسلام إكراه بحق ولذا يحكم، وصحته وصحة ما يأتي به ظاهرًا، وأما الباطن ففيهما بينهم، وبين الله سبحانه وتعالى٢.
وما ذهب إليه محمد بن الحسن مردود؛ لأن إكراه الذمي، والمستأمن إكراه غير جائز؛ ولأن ما بيننا وبينهم من عقود يمنع أن نكرههم على الإسلام؛ لأنه: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ .
стр. 646
تبعًا لوالديه، فإن الإمام الشافعي يحكم بإسلامه، ولا يشترط البلوغ للحكم بذلك، فقد ذكر الشيرازي، أن الرجل إذا أسلم وله ولد صغير تبعه الولد في الإسلام لقوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ، وكذا إذا استلمت المرأة تبعها ولدها.
ولا يشترط سن معين بالنسبة للولد حينئذ، بل يحكم بإسلامه حتى ولو كان لا يزال حملًا.
وذكر الشيرازي أيضًا قول الشافعي بالنسبة لمن أسلم من أولاد الكافرين، فقال: وإن وصف الإسلام صبي عاقل من أولاد الكفار، لم يصح إسلامه على ظاهر المذهب، لما روي عن علي كرم الله وجهه أن النبي ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون، والمغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم"؛ ولأنه غير مكلف، فلا يصح إسلامه بنفسه كالمجنون، فعلى هذا يحال بينه، وبين أهله من الكفار إلى أن يبلغ؛ لأنه إذا ترك معهم خدعوه، وزهدوه في الإسلام، فإن بلغ ووصف الإسلام حكم بإسلامه، وإن وصف الكفر هدد وضرب وطولب بالإسلام، وإن أقام على الكفر رد إلى أهله من الكفار، ثم ذكر الشيرازي أن من أصحابه من قال يصح إسلام الصبي؛ لأنه يصح صومه وصلاته، فصح إسلامه كبالغ١.
وذكر السرخسي أن الغلام العاقل الذي لم يحتلم إذا أسلم، فإسلامه صحيح عندنا استحسانًا، وفي القياس لا يصح إسلامه في أحكام الدنيا، وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله..؛ لأن الصبي غير مخاطب بالإسلام ما لم يبلغ، فلا يحكم بصحة إسلامه كالذي لا يعقل إذا لقن فتكلم به.. والدليل على ذلك، أنه لو لم يصف الإسلام بعد ما عقل لا تقع الفرقه بينه وبين امرأته، ولو صار عقله معتبرًا في
стр. 647
الدين لوقعت الفرقة إذا لم يحسن أن يصف، كما بعد البلوغ"، ثم بين السرخسي حكم من أسلم صغيرًا، ثم عند البلوغ بقوله: "الذي أسلم تبعًا لأبوديه إذا بلغ مرتدًا في القياس يقتل لارتداده بعد إسلامه، وفي الاستحسان لا يقتل، ولكن يجبر على الإسلام؛ لأنه ما كان مسلمًا مقصودًا بنفسه، وإنما يثبت له حكم الإسلام تبعًا لغيره، فيصير ذلك شبهة في إسقاط القتل عنه، وإن بلغ مرتدًا.
وإذا أسلم في صغره، ثم بلغ مرتدًا، فهو على هذا القياس، والاستحسان لقيام الشبهة، بسبب اختلاف العلماء في صحة إسلامه في الصغر١، وذهب فقهاء الحنابلة إلى القول بصحة إسلام الصبي العاقل؛ لعموم قول رسول الله ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة"، وغير ذلك من الأخبار التي يدخل في عمومها الصبي؛ ولأن الإسلام عبادة محضه، فصحت من الصبي العاقل كالصلاة والحج، وعلى هذا فإن رجع، وقال: لم أرد ما قلت لم يلتفت إلى قوله، واعتبر مرتدًا إذا لم يعد إلى الإسلام.
وقد جاءت رواية عن الإمام أحمد، نفيد أن الصبي إذا رجع عن الإسلام لا يجبر على العودة إليه؛ لأن الصبي في مظنه النقص، وفي رواية ثالثة أنه يصح إسلامه، ولا تصح ردته فيقبل منه ما يكتب له، ولا يقبل منه ما يكتب عليه٢، والذي أرجحه من ذلك أن الصبي الذي حكم بإسلامه لأبويه أولًا، حدهما إذا ارتد أجبر على الإسلام، فإن لم يعد انتظر إلى البلوغ، فإن تاب ورجع الحق قبل منه، وإلا ألزم حد الردة، أما من أسلم من أولاد الكفار قبل البلوغ، وارتد فإنه لا يلزم حد الردة؛ لأن الصبي مظنة النقص، وذلك يورث شبهة في إسلامه، والحدود تدرأ بالشبهات.
стр. 648
٥- السحر تعليمه وتعلمه:
من الأمور التي اختلف الفقهاء في وقوع الردة بها تعلم السحر وتعليمه١، هذا التعلم والتعليم، اللذان اتفق جمهور الفقهاء على تحريمها، وإن اعتقاد إباحتهما كفر.
وجاءت رواية عن الإمام أحمد في الساحر، الذي يعلم السحر تفيد عدم الحكم بكفره، وإنما هو في حكم المرتد تجب استثابته، بقول ابن قدامة بعد أن عرض للسحر: إذا ثبت هذا فإن تعلم السحر، وتعليمه حرام لا نعلم فيها خلافًا بين أهل العلم، قال أصحابنا: ويكفر الساحر بتعلمه، وفعله سواء اعتقد تحريمه، أو إباحته، وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكفر، فإن حنبلا روى عنه قال: قال عمر في العراف والكاهن والساحر: أرى أن يستتاب من هذه الأفاعيل كلها، فإنه عندي في معنى المرتد، فإن تاب ورجع يخلى سبيله، قلت له: يقتل؟ قال: لا، يحبس لعله يرجع، قلت: لم لا يقتل؟ قال: إذا كان يصلي لعله يتوب ويرجع، وهذا يدل على أنه لم يكفره؛ لأنه لو كفره لقتله، وقوله في معنى المرتد يعني في الاستتابة"٢، وذهب فقهاء الشافعية إلى أن تعلم
стр. 649
السحر حرام، ولا يكفر بتعليمه إلا من اعتقد إباحته مع العلم بتحريمه، ومن اعتقد ذلك يقتل، كما هو شأن المرتد.
أما من علمه، أو تعلمه مع اعتقاده تحريمه، فإنه لا يكفر بذلك؛ لأن من يتعلم الكفر لا يكفر بتعلمه، فمن باب أولى لا يكفر بتعليم السحر.
يقول الشيرازي بعد أن ذكر أدلة تحريمه: ذم الله الشياطين على تعليمه؛ ولأن تعلمه يدعو إلى فعله، وفعله حرام، فحرم ما يدعو إليه، فإن علم أو تعلم واعتقد تحريمه لم يكفر؛ لأنه إذا لم يكفر بتعلم الكفر، فلأن لا يكفر بتعلم السحر أولى، وإن اعتقد إباحته مع العلم بتحريمه فقد كفر؛ لأنه كذب الله تعالى في خبره، ويقتل كما يقتل المرتد"١.
ولا يعد الإمام الشافعي الساحر كافرًا، إلا إذا وقع منه ما يكفر به من قول، أو فعل كان يشرك بالله تعالى، ويسجد لصنم مثلًا، أو شمس أو قمر، أو يستحل ما حرم الله ، فإن لم يقع من الساحر شيء مما اتفق على الكفر به، فلا يعد كافرًا، وإنما هو مسلم عاص٢.
وهذا ما ذهب إليه ابن حزم أيضًا، إذ يقول: إن كان الكلام الذي يسحر به كفرًا فالساحر مرتد، وإن كان ليس بكفر فلا يقتل؛ لأنه ليس كافرًا.
ويقول: وصح أن السحر ليس كفرًا، وإذا لم يكن كفرًا، فلا يحل قتل فاعله؛ لأن رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، ونفس بنفس" ٣.
ويرى فقهاء الأحناف أن الساحر إذا اعتقد أن الشياطين تفعل له
стр. 650
ما يشاء فهو كافر قتل حدا لا ردة ولا تجب استتابته؛ لأن للحدود لا استتابة فيها، إلا حيث يوجد نص، بذلك كما أنهم يرون قتل المرأة الساحرة، مع أنهم لا يرون قتل المرأة المرتدة١.
وذهب الإمام مالك إلى أن الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب، ولا تقبل توبته بل يتحتم قتله٢.
أما فقهاء الشيعة، فإنهم يرون أن الساحر مرتد، وإن حده القتل بعد الاستتابة إن لم يتب٣، واستدل القائلون بقتل الساحر، بما روي من قول رسول الله ﷺ : "حد الساحر ضربة السيف"، رواه الترمذي والدارقطني، وضعف الترمذي إسناده.
وبما روي أن جارية للسيدة حفصة، أم المؤمنين سحرتها، واعترفت -الجارية بذلك فقتلتها حفصة- أمرت بها فقتلت، فأنكر ذلك عليها عثمان -رضي الله تعالى عنه، فقال له ابن عمر: ما تنكر على أم المؤمنين امرأة سحرت، واعترفت؟ فسكت عثمان.
واستدلوا أيضًا بما جاء في قول الله : ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ٥، "فيعلمون" بدل من "كفرا"، فتعليم السحر كفر.
стр. 651
وما ذهب إليه القائلون بأن الساحر يستتاب قبل قتله، هو ما أميل إليه، وتؤيده الروايات الصحيحة.
أما ما ورد من حديث: "حد الساحر ضربة السيف"، "فحديث ضعيف، قال عنه ابن حزم حديث في غاية السقوط؛ لأنه لا يدري رواية ممن سمعه".
وأما ما روي من حديث السيدة حفصة، فهو يعارض ما جاء عن السيدة عائشة ﵂، من أنها أعتقت جارية لها عن دبر، وأنها سحرتها واعترفت بذلك، وقالت: أحببت العتق، فأمرت بها عائشة -رضي الله تعالى عنها- ابن أخيها أن يبيعها من الأعراب من يسيء ملكيتها، وقالت: ابتع بثمنها رقبة فاعتقها١.
كما أن رسول الله ﷺ لم يقتل لبيد بن الأعصم، وكان قد سحر النبي -صلى الله عليه وسلم٢.
كما أن الشرك أعظم من السحر، ولا يقتل من أشرك بعد إيمانه، إلا بعد أن يستتاب.
أما الآية الكريمة، فيرد بها بيان ما كان في شريعة سليمان، وهي لا تلزمنا أو أن كلمة "كفروا" بها القصة، ثم ابتدئ بكلمة "يعلمون"، قصة أخرى، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، ولحقته الشبهة والحدود لا تلزم بدليل تلحقه شبهة، كما أن الخلاف يورث شبهة أيضًا تسقط الحد عن الساحر، الذي لم يقع منه ما يكفر به.
стр. 652
المبحث الثاني: الشبهات التي تعتري القصد الجنائي
ذكرت فيما سبق عند الحديث عن الشبهات، التي تعتري الركن الشرعي لجريمة الردة، ما ذهب إليه الفقهاء من قول في إسلام السكران، وردته وكذا إسلام المكره، وردته وإٍسلام الصبي وردته، وما ذهب إليه الفقهاء أيضًا من قول في كفر الساحر، سواء وقع منه ما يفكر به، كقول كفر أو فعل كفر، أم لا ولذلك حكم تعلم السحر، وتعليمه وهذا كله وإن كان قد ذكر عند الحديث عن الشبهات، التي تعتري الركن الشرعي، إلا أنه لا يخلو عن صلة بما يلحق القصد الجنائي من شبهات.
لذا، فإني أشير إشارات موجزة إلى ما ورد من آراء في ردة كل ممن سبق، فإذا أضيفت هذه الإشارة إلى ما سبق، اكتملت الصورة.
١- ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بأن من صدر منه قول كفر، أو فعل كفر حكم بكفره، ما دام قد وقع منه ذلك باختياره، حتى ولو لم ينو الكفر به، كان صدر منه عن جهل بما يؤدي إليه، أو أن يكون سكرانا في وقت صدور ذلك منه -إذا كان متعد بسكره، أو كان نتيجة تهور في كلام أو زلل لسان.
يقول الدردير: "لا يعذر أحد في الكفر بالجهل، أو السكر أو -التهور ولا بدعوى زلل اللسان".
وبين الدسوقي ذلك بالنسبة للسكران، ورد ما قد يعرض من اعتراض بقوله: "أو سكر"، أي أدخله على نفسه، ولا يرد قول
стр. 653
حمزة للنبي ﷺ هل أنتم إلا عبيد أبي، كما في البخاري؛ لأنه كان قبل تحريم الخمره، كما في الشفاء والسكران، إذ ذلك يحكم عليه بحكم المجنون١.
ويرى الإمام الشافعي، وابن حزم أنه لا بد من توافر فيه الكفر مع إيان الفعل أو القول، لجواز ان يكون القائل، أو الفاعل لا يعلم مدلول ما وقع منه.
ولا يكفي في ذلك أن يتعمد الفاعل إتيان ما وقع منه؛ ليدل على بنته؛ لأنه قد يتعمد إتيان ذلك، وهو يجهل أنه يؤدي إلى الكفر، ولو علم ذلك لما أقدم عليه.
واستدل الإمام الشافعي، وابن حزم لذلك، بما روي عن رسول الله ﷺ ، من قول: وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى٢.
وما ذهب إليه الإمام الشافعي، وابن حزم هو ما أرجحه، وأميل إليه لاستناده على دليل قوي؛ ولأنه قد سبق أن من جهل حكمًا من الأحكام، وترتب عليه جهله هذا وقوعه في جناية حدية لا حكم عليه
стр. 654
يحدها، مطلقًا من غير نظر في جهله، وإنما لا بد وأن ينظر في ذلك، أهو جهل يعذر به، ويعتد به في إسقاط العقوبة الحدية عنه أم لا.
كما أنه لا يمكن أن يؤاخذ الناس بزلات ألسنتهم، إذا رجعوا عنها فور عملهم بما وقعوا فيه، خصوصًا فيما يتعلق بالعقيدة.
ولأن زلل اللسان، خطأ غير مقصود، والرسول ﷺ قد بين أن الله رفع عن أمته الخطأ، والنسان وما استكرهوا عليه.
ولجواز أن يقع ذلك ممن سكر، وذهب عقله بسكره، ولا يتصور أن السكران يقصد الكفر، فيحكم عليه بالدره خصوصًا إذا رجع بعد إفاقته؛ ولأن السكران يلزم بحد السكر، فلا يجمع عليه معه حد الردة، التي لم يقصدها ورجع عنها. وذلك إن لم يكف للحكم بعدم قيام الجريمة منه أصلًا، فلا أقل من أن تنهض به شبهة، تدرأ عنه الحد أخذا بما قرره جمهور الفقهاء، من أن الحدود تدرأ بالشبهات.
"أثر الشبهات في العقوبة التعزيرية":
وضح مما سبق أثر الشبهات في العقوبات الحدية، فهي تدرأ هذه العقوبة، وينتج عن ذلك أما إسقاط جنس العقوبة عن المدعى عليه، وأما إسقاط نوع العقوبة عنه، بمعنى إعفائه من العقوبة الحدية لوجود الشبهة الدارئة لها، وإلزامه عقوبة تعزيرية مناسبة، بما في ذلك ما يلزم به من تعويضات مالية في بعض الحالات، والهدف من ذلك كله ضمان تحقيق العدالة، واحترام حقوق المدعى عليه، وعدم مؤاخذة بريء بفعل لم يصدر منه، أو لم يثبت عليه بالصورة التي يلزمه بها الحد، إذا الأصل براءة الذمة.
стр. 655
وقد ظهر أثر الشبهات في العقوبات الحدية واضحًا ملموسًا، وما دام الهدف من أعمال مبدأ درء الحد بالشبهة، هو تحقيق العدالة، واحترام حقوق المدعى عليه، فليس هناك ما يمنع من أعمال هذا المبدأ بالنسبة للعقوبات التعزيرية.
ولا يعارض ذلك ما ورده ابن نجيم "من أن التعزير يثبت مع الشبهة"١.
لأن إثبات الجريمة التعزيرية، وإلزام المدعى عليه عقوبة من العقوبات التعزيرية. لا يتطلب شكلية معينة، أو شروطًا محددة يتحتم استكمال عناصرها، بل يكفي لإقامة العقوبة التعزيرية، وإلزام المدعى عليه بها اقتناع القاضي، واستنتاجه، أو أنه المقارف للفعل من خلال الظروف، والملابسات والقرائن المصاحبة.
كما أن أعمال الشبهات بالنسبة للعقوبات التعزيرية، لا يعترض أيضًا عليه بما أورده السيوطي من أن الشبهة لا تسقط التعزير، وإن كانت تسقط الكفارة؛ لأن هذا القول يرده الواقع، إذ أن السيوطي نفسه قد أورد أن الشبهة تنتج التخفيف، وعلى هذا فإن التخفيف في العقوبة، يمتد أثره إلى كل أنواع العقوبات، ولا دليل على قصر أثره على عقوبة دون أخرى.
وقد وضح السيوطي القضية بما يأتي:
"لو جامع ناسيًا في الصوم، أو الحج فلا كفارة للشبهة، وكذا لو وطئ على ظن أن الشمس، أو أن الليل باق، وبان خلافه، فإنه يفطر ولا كفارة".
стр. 656
وذكر السيوطي أن من الفقهاء من قال: بأن الفدية لا تسقط بالنسبة؛ لأنها تضمنت غرامة مالية، بخلاف الكفارة، فإنها تضمنت عقوبة، فالتخفيف في الإسقاط بالحد، وتسقط الإثم والتحريم أن كانت في الفاعل دون المحل١.
وقد وضح ما ذكره السيوطي في آخر عبارته، أن هناك من الشبهات ما يترتب على قيامه إسقاط الإثم والتحريم، وهذا القول وحده يكفي لإثبات ما نحن بصدده، من أن للشبهات أثر في ما يأتيه الفاعل من أفعال، جرمها المشرع، ورتب عليه عقوبة، إذا تم إثباتها على من ارتكبها، سواء أكانت هذه العقوبة حدية أم تعزيرية.
وأثر هذه الشبهات، وأن ظهر بوضوح في العقوبات الحدية، وخفي أثره بالنسبة للعقوبات التعزيرية، فليس ذلك راجعًا إلى عدم إعمال الشبهة بالنسبة للعقوبات التعزيرية، وإنما مرد ذلك هو أن العقوبة التعزيرية، غير محددة في أصل وضعها، وإنما ترك أمر تقديرها إلى ولي الأمر ابتداء، وعليه فإن ما يقرر عند نظر الواقعة، وما يحيط بها من ظروف وملابسات ودوافع، وما خالطها من شبهات، وما إلى ذلك ما هو إلا عقوبة روعي فيها كل ذلك، فلا يجوز بعد هذا
أن يقال:
إن الشبهة التي خالطت الواقعة التعزيرية، لم يترتب عليها أثر في عقوبتها.
стр. 657
ويظهر واضحًا ما للشبهة ما أثر في العقوبة التعزيرية في حالة ما، إذا لم يذكر الجاني للقاضي عند محاكمته، ما خالط فعلته التعزيرية من شبهات، ولم يستطع القاضي الوقوف على شيء من هذه الشبهات، التي خالطت فعلة الجاني، وبعد أن صدر تقدم الجاني، وعرض على القاضي ما خالط الجناية التي ارتكبها هذا الجاني من شبهات، وأُثبت صحة مقولته للقاضي، فإن القاضي والحالة هذا لا يسعه -إذا رأى أن ما ذكر من شبهات يترتب عليها إعفاء الجاني من العقوبة التعزيرية، أو تخفيفها لا يسعه إلا أن يعفي الجاني من العقوبة، أو يخففها عنه.
وعليه فإن الشبهات في هذه الحالة، وما يماثلها قد أثرت تأثيرًا ملموسًا في العقوبة التعزيرية، التي كان القاضي قد حكم بها.
وهذا أمر لا يحتاج في إثباته كثير عناء.
стр. 658
الخاتمة:
بدأت هذا المبحث مستعيًا بالله مستلهما منه الهدى، والرشاد طلبًا منه التوفيق والسداد: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ ، وفي خاتمة هذا البحث أحب أن أبرز بعض الحقائق الموضوعية، المتمثلة فيما وفقني الله إلى الوصول إليه من نتائج.
١- امتازت الشريعة الإسلامية من غيرها في كل مناحي التشريع، ومثالًا لذلك ما امتازت به تشريعاتها في مجال التجريم، والعقاب من سمو يتمثل في رعاية الإنسان، وما تستقيم به حياته من أمور ضرورية، وحاجية وتحسينية.
ففي مبادئ التشريع الإسلامي -العامة والخاصة- في المجال الجنائي كل الحلول القادرة، والحاسمة في مواجهة أي سلوك انحرافي أيا كان سبه ومبعثه، يتتبعه في كل مراحله، ونواحيه حتى يستأصله من النفس، ويصل بها إلى أن تكون نفسا، تراقب خالقها في كل شيء، حتى فيما يخالجها ويدور بخلدها.
إلى هذا الحد الذي لم ولن يصل إليه أي تشريع جنائي آخر من هذه التشريعات، التي وضعها البشر، وصاغها بكل ألوانها المختلفة المصطبغ منها بالقسوة، والعنف أو المتسم منها باللين والرقة، المنحازة إلى جانب الدولة والمجتمع، أو المراعية حق الفرد ورغباته المطلقة عنان الحرية الفردية.
فالتشريع الإسلامي قد بذ ذلك كله، وسما عليه سمو من وضعه، وشرعه على من وضع هذه التقنيات الوضعية وشرعها.
٢- وعلى سبيل المثال أشير إلى ما تميز به التشريعات الجنائية الإسلامية.
стр. 659
أ- ساوت التشريعات الإسلامية بين الناس في الثواب والعقاب، ولا سلطة لأحد في أن يغير من ذلك شيئًا.
أما التشريعات الوضعية، فمع أنها نصت على العقوبات بصورة موضوعية، إلا أنها جعلت تحديدها للعقوبة مرنًا، يخضع لكثير من الاعتبارات التي يراها القاضي، موضوعية كانت أم لا، والتي نص عليها القانون ذاته، بالإضافة إلى أن التشريعات الوضعية تخضع لسلطان التغيير، والتبديل والإلغاء، وهذا أمن له دلالاته.
ب- ساوت التشريعات الإسلامية أيضًا في مجال التجريم، والعقاب بين الجريمة وعقوبتها في جرائم الاعتداء على النفس كما سبق، وليس بخاف ما يحققه ذلك من شفاء صدر المجني عليه، هو وذويه الأمر، والذي يقضي نهائيًا على مصدر خطير من مصادر إشاعة الجريمة، ويحقق الناس أمنهم وأمانهم، ويحفظ عليهم حياتهم، وصدق الله العظيم الذي بين ذلك بقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١.
ج لم تهمل الشريعة الإسلامية المحاسبة، والمعاقبة على أي تصرف مؤثم، إيجابًا كان هذا التصرف أو سلبًا، خصوصًا ما يمس الضروريات الإنسانية، فوضعت الضوابط والمعايير المحكمة دون إسراف أو تضييع، تحقيقًا للعدل وصونًا للفرد والمجتمع، بيد أن القوانين الوضعية كثيرًا ما تغفل الحفاظ على هذه الضروريات الإنسانية، وتترك الاعتداء عليا دون عقاب، بدعوى الحضارة والحرية، إذ العقاب في التشريعات الوضعية، رهن باعتبار السلوك جريمة قد نص عليها المشرع، فما لم يجرمه المشرع لا عقاب عليه، وإن أصاب الأمة في كيانها، وأتلف حرثها ونسلها، وضيع فيها موازين العفاف والشرف.
стр. 660
بل إن هناك أفعالًا حرمها المشرع أجهد القضاءة أنفسهم لإيجاد مخرج للجاني ففلت من العقاب، وضيعت القيم والأخلاقيات على مرأى من القانون١.
د- زعم البعض أن الشريعة الإسلامية لم تراع فيما وضعتها من نظام عقابي نفسية الجاني وظروفه، ولم تهدف إصلاحه، وهؤلاء لم يلمسوا ما وضعتها الشريعة الإسلامية في نظامها العقابي من اهتمام بالجاني، وصل إلى حد تلمسها التخفيف عنه، ودرئها العقوبة الحدية عنه، هذا الأمر الذي وضح من خلال هذا البحث، ولا يخفى أن الشريعة لم تجند عيونها تتلمس الذلل للخلائق، وتتصيد لهم الأخطاء، وتنصب لهم الشراك، ثم تعاقبهم متشفية كما هو حال كثير من النظم الوضعية.
إن رسول هذه الشريعة الرحيمة قد أعرض مرات عمن جاءه يعترف بما ارتكبه، فلما أصر الرجل، وكرر اعترافه قال له الرسول الرءوف الرحيم ﷺ : "ليس عليك من وزر"، ولم يسأله مستفسرًا عن فعلته التي فعلها مع أن المقر قد ذكر أنه ارتكب حدًا من الحدود"٢.
كما قال ﷺ معلمًا أصحابه، ومن أرسل إليهم: "من ستر مسلمًا في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة".
стр. 661
ورد ابن الخطاب -رضي الله تعالى عنه على رجل جاءه يسأله: يا أمير المؤمنين إن لي بنتا أسلمت، وأصابت حدًا من حدود الله، فعمدت إلى الشفرة لتذبح نفسها فأدركتها، ثم أقبلت بتوبة حسنة فهي تخطب إلي، أفأخبر من شأنها الذي كان؟
فقال له عمر: أتعهد إلى ما ستره الله فتبديه؟ والله لأن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نكالًا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاح المسلمة العفيفة.
هذه هي الشريعة الإسلامية، ونظمها العقابية أرحم في منطوقها، وحقيقتها من الوالدة بولدها، ولا يخفى أنها مع اهتمامها بالجاني والظروف المحيطة به، وإصلاحه لم تمهل المجني عليه، بل تعهدته بالرعاية والعناية، وشفت صدروه من كل ما ينؤ به من إتقان فالتقى الناس على محجتها وتحت لوائها إخوة متحابين.
أين عناية التقنيات الوضعية، وعلاجها من ذكل كله من يوم أن خط مشرع وضعي قلم حتى اليوم الذي نحياه.
٣- التشريع الجنائي الإسلامي شق من الشريعة ذاتها، فسلطة التجريم أو الإباحة أم يعطيها الشارع أحدًا من الخلق: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ .
هذا بالنسبة للأحكام القطعية، أما الأحكام الظنية، وهي التي لم يرد فيها نص قطعي ولا إجماع، فإن لولي الأمر سلطة التصرف في تقنينها بما يحقق مصالح الناس على أساس ما وضع المشرع، ولقد أنتج هذا الإحكام التشريعي استقرارًا تشريعيًا، نظرًا؛ لأن القواعد الحاكمة للسلوك قواعد موضوعية، تؤثر في السلوك ولا تتأثر به.
стр. 662
وهذا ما تفتقده، وتفتقر إليه التشريعات الوضعية؛ لأن هذه التشريعات إن وجدت فيها قواعد موضوعية تحكم السلوك، إلا أنها قواعد غير ملزمة أو ثابته، إذا أنها نتاج تناقض مذهبي، وفكري للمدارس التشريعية الوضعية، مع أن الاستقرار القانوني مطلب ملح من مطالب وأهداف القانون، بل ويعلو على مبدأ تحقيق العدالة ذاتها عند الوضعيين أنفسهم١.
٤- عقوبات التشريع الجنائي الإسلامي، ذات الصفة الحدية عقوبات زاجرة قوية في غير ظلم، رادعة دون جور، وقد أحاطها الشارع الحكيم بمعايير وضوابط، وحد بجرائمها شكليه خاصة، ورسم لإثباتها صورة واضحة وجعل له من الشروط المفصلة ما يقض بوصوله حد اليقين، فإذا لم تكتمل صورة الجريمة، كما حددها المشروع، وبين دقائقها لم يترتب عليها ما وضعه الشارع من عقوبة محددة، وكذا إذا انثلم إثباتها، فإذا تم ذلك كله ثم ظهرت شبهة من الشبهات، خالطت أي مرحلة من مراحل الجريمة، أو جزئية من جزئياتها، أو دليل الإثبات، فإن المشرع يدرأ العقوبة بسبب وجود تلك الشبهة، سواء تترتب على ذلك درء جنس العقوبة، أو نوعها فقط، حتى المخالفين لإعمال هذا المبدأ في ظاهره.
٥- لا خلاف إذا على أن اليقين لا يزال بالشك، ومن أن الأصل براءة الذمة، وعليه فلا بد للحكم بالعقوبة الحدية من تيقن لزومها، تيقنًا لا يعتريه أدنى شك.
والقوانين الوضعية قد نصت في دساتيرها على ذلك أيضًا، وقررت قوانين الإجراءات الجنائية فيها أن الشك يسر لصالح المتهم، وأن الأصل افتراض البراءة، وقضت محكمة النقض المصرية بأن الأحكام أعملوه في جوهره ومؤداه، وهذا ما وضح من مناقشة ابن حزم.
стр. 663
الجنائية يجب أن تبنى على الحزم واليقين، لا على الظن والاحتمال، وإن الاحكام الصادرة بالإدانة، يجب ألا تبنى إلا على حجج قطعية الثبوت، تفيد الجزم واليقين.
ولا يخفى أن إعمال الفقه الإسلامي لذلك أشمل من أعمال الفقه الوضعي له، إذ أن الفقه الإسلامي يعمل ذلك في كل أحكامه، وقضاياه بينما أعمال الفقه الوضعي له لا يزال قاصرًا على المجال الجنائي، بالإضافة إلى سبق إعمال الفقه الإسلامي -لهذه القواعد- بما يزيد على أربعة عشرة قرنًا.
٦- لم نقدم كله أوجه دعوة لكل مسلم، ومسلمة حاكم ومحكوم أن يعودوا إلى ما ارتضاه ربهم دستورًا لهم، وأن يحكموه فيما بينهم، وأن يسيروا على هديه منهجه، فلا تخيفهم الدعاوي الباطلة؛ لأن الصورة واضحة ومشرفة، سجلها التاريخ للمجتمع الإسلامي، يوم طبق هذه الأحكام، والتزم بتلك التعاليم.
فإن لم يقبلوا واستمروا على؟؟ للعرب وتقنياته، فلن يجنوا ثمار ذلك إلا خسرانا وهوانًا، فحكم من الحكام، وتسلطًا من السلطة وهتكًا للحرمات، ونهبا وتضييعا للأنس والدماء، والأعراض.
لا تعرنهم فاسقات الغرب التائة، الذي يبحث في وضح النهار، وصفار الشمس وإشراقها، يبحث عن شعاع ضوء غير ما أنعم الله به عليه، فمن أين له ذلك.
إن من طلب الهدى في غير ما أنزل الله وشرع ضل وتاه، ومن رام الشفاء في غير ما أعطاه الله الطبيب العليم الخبير نهشه المريض، وأتى على أخضره ويابسه.
أما من تمسك بحبل الله، وعراه الوثيقة القوية، وطبق شرعه الحكيم
стр. 664
فهو أمن في حمى الله من كل شيء، فمن يهديه الله يشرح صدره للإسلام، فهو على نور من ربه.
٧- كما أرجو من القائمين على شأن الجهات المختصة بالبحوث في مجال الفقه الإسلام، والتعريف بالشريعة الإسلامية كوزارة الأوقاف بأجهزتها المختلفة، والأزهر الشريف بقنواته العلمية، وكل من له صلة بالفقه الإسلامي وعلومه، أن يولوا التعريف بالتقنين الإسلامي بصفة عامة، وما يختص منه بالتشريع الجنائي بصفة خاصة، عناية مركزة، ومكثفة حتى ييسروا لمن أراد المعرفة الحقة بهذا التشريع سبل الوصول، وأن ينشروا كنوز هذا النظام الجنائي، وقواعده وأصوله، ففي ذلك حث للأمة الإسلامية وغيرها على العمل، والتمسك بهذا النظام المتكامل، الذي للإنسان إنسانيته كاملة، وحقوقه غير منقوصة، ويحفظ عليه نفسه ودينه، وعرضه وماله وما يلزم حماية حياته كإنسان، وأن تعيد هذه الجهات نشر هذا التراث الإسلامي العظيم في مجالاته المختلفة، وتشريعاته الجنائية بصفة خاصة، بأسلوب يتفق والصياغة التقنينية، فتخرج ذلك في ثوب يليق به، وتيسر الحصول عليه لكل من يريد.
إن أصحاب الرسالات، أو الدعوات يبحثون دائمًا عمن يدعونه، ويذهبون إليه حيث هو، ويعرفونه بمطبوعاتهم، ويحيطونه بمناهجهم، ويجزلون له العطاء ليقرأها، ويقف على ما فيها.
فما بالنا نحن وكثيرًا من يجد الباحثون عن تراثنا الإسلامي، وعلومه عثرات وعثرات، يجهدون أنفسهم في محاولة تخطيها، وتضيع جهودهم في تذليلها، حتى يصلوا إلى بعض ما يبحثون عنه من كتب هذا التراث الإسلامي الزاخر.
٨- ولا يخفى ما يقابله الباحثون بخاصة، هؤلاء الذين عشقوا العلم، فوجهوا وجوههم وجهته، فأعنتهم نظام دور الكتب، وما تعانيه
стр. 665
من نقص ونظم بالية عقيمة، وموظفون يضنون على عشاق المعرفة باللقاء، الأمر لا يحتاج إلا إقامة مكتبات على النظام المفتوح الذي يطبق في بلادنا في كثير من دور الكتب الأجنبية، إذ يدخل الباحث، ويحضر لنفسه ما شاء من مراجع، دون إضاعة وقت، أو تثاقل موظف.
٩- كما أهيب بالجامعات، التي أنشئت حديثًا أن تسرع في إنشاء مكتباتها المزودة بالمراجع العلمية المتخصصة، فهذه المكتبات هي عماد الدراسات الجامعية والمتخصصة، ففيها يتضح عداء العقل، وبدونها تضعف بنية أبناء هذه الجامعات العلمية، وتعدو هذه المنشآت كالطبل الأجوف، أو كشجر السرو، له رواء وما له ثمر.
١٠- كما أرجو من القائمين على شأن الجامعات المصرية بصفة عامة، وكليات الحقوق، بصفة خاصة أن يولوا دراسة الشريعة الإسلامية في مختلف مجلات التقنين عناية خاصة، فلقد خلت الدراسة حتى في كليات الحقوق من دراسة الفقه الإسلامي، إلا في مجالات محددة، أرجو أن تستكمل، حتى يعطي الطلاب قدرًا كافيًا من معرفة الفقه الإسلامي، والتقنيات الشرعية في مختلف مجالات المعرفة القانونية.
على ذلك يكون فاتحة خير، وحث على تطبيق الشريعة الإسلامية في شتى المجالات: تطبيقا حقيقيًا، فلقد بحث الأصوات مطالبة..
وما توفيقي إلى بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 666
محتويات الكتاب:
٥ تقديم
التمهيد
الفصل الأول
٢١ كلمة عامة عن الجريمة في الفقه الإسلامي
٢٣ المبحث الأول: الجريمة والجناية
٢٣ المبحث الثاني: أقسام الجريمة
٣٠ المبحث الثالث: أركان الجريمة
الفصل الثاني
١٣٧ العقوبة وبعض الجوانب المتعلقة بها
١٣٨ المبحث الأول: العقوبة وأقسامها
١٩٦ المبحث الثاني: بعض سمات التشريع العقابي
الباب الأول
٢٣١ الشبهات
٢٣٣ تمهيد
الفصل الأول
٢٣٧ تعريف الشبهات وأثرها في الحدود
٢٣٩ المبحث الأول: المراد بالشبهات
٢٦٣ المبحث الثاني: أثر الشبهة في الحد
стр. 667
الفصل الثاني
٢٨٩ الشبهات التي تعتري أركان الجريمة
٢٩١ تقديم
٢٩٤ المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي
٣٤٢ المبحث الثاني: الشبهات التي تعتري القصد الجنائي
الفصل الثالث
٣٧١ الإثبات
٣٧٣ تمهيد
٣٧٦ المبحث الأول: الإقرار
٤٠٧ المبحث الثاني: الشهادة
٤٥٩ المبحث الثالث: القرائن
الباب الثاني
٤٧١ الجرائم الحدية والشبهات التي تعتريها
الفصل الأول
٤٧٣ جريمة الزنا وما يتعلق بها من شبهات
٤٧٤ تقديم
٤٧٨ المبحث الأول: للوطء والمحرم الذي لا يجب فيه الحد لقيام شبهة في الركن الشرعي للجريمة
٤٩٩ المبحث الثاني: الوطء المحرم الذي لا يجب فيه الحد لإنتفاء القصد الجنائي
٥٠٩ المبحث الثالث: الوطء المحرم الذي لا يجب فيه الحد لقيام شبهة في إثباته
стр. 668
الفصل الثاني
٥٢٧ جريمة السرقة، وما يتعلق بها من شبهات
٥٢٩ المبحث الأول: جريمة السرقة الصغرى
٥٩٥ المبحث الثاني: جريمة السرقة الكبرى
الفصل الثالث
٦١٣ جريمة شرب الخمر
٦١٥ تقديم
٦١٧ المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي
٦٢٤ المبحث الثاني: شرب الخمر الذي لا يوجب الحد
٦٢٧ المبحث الثالث: الشبهات التي تعتري إثبات جريمة شرب الخمر
الفصل الرابع
٦٣١ جريمة القذف وما يتعلق بها من شبهات
٦٣٣ تقديم
٦٣٦ المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي
٦٤٤ المبحث الثاني: شروط في المقذوف
الفصل الخامس
٦٥٣ جريمة الردة وما يتعلق بها من شبهات
٦٥٥ تقديم
٦٥٨ المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي
٦٧٢ المبحث الثاني: الشبهات التي تعتري القصد الجنائي
٦٧٨ الخاتمة