ما أخذ منه هذا الشراب، معتمدين في ذلك على ما روي من قول رسول الله ﷺ : "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" ١.
ونتيجة لهذا فرق الإمام أبو حنيفة بين عقوبة الشرب، وعقوبة السكر، فمن شرب خمرًا لزمه الحد سكر أم لا، كثر ما شرب منها أم قل، أما من شرب شيئًا آخر غيرها مما يسكر، فلا حد عليه إلا إذا سكر، أما جمهور الفقهاء فقد قالوا بوجوب الحد على من شرب مسكرًا خمرًا كان، أو غيره كثر ما شربه أم قل، وقد نتج عن هذا كله شبهات تتصل بالركن الشرعي للجريمة، أوردها هي وغيرها مما يتصل بهذه الجريمة من شبهات.
стр. 597
المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي
مدخل
...
المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي
كان اختلاف الفقهاء في تعريف الخمر، وتحديد ما يقصد بها سببًا للقول بتحريم شرب بعض الأنبذة عند جمهور الفقهاء، والقول بعدم تحريم قدر لا يصل بشاربه حد الإسكار عند فقهاء الأحناف.
والفقهاء وإن اختلفوا في ذلك، إلا أنهم اتفقوا على أن السكر نتيجة شرب أي نوع، مما يسكر جريمة توجب العقوبة الحدية، إذا توافرت فيمن سكر شروط إلزامه الحد، كما اتفق الفقهاء، سواء أكان هذا القدر المشروب كثيرًا، أم قليلًا أسكر شاربه، أم لم يسكره.
ولقد ترتب على ما قال به فقهاء الأحناف، وما ذهب إليه الجمهور قيام شبهة بالنسبة لمن شرب بعض الأنبذة، ولم تصل حد السكر.
كما نشأت شبهة أخرى نتيجة اختلاف فقهاء الأحناف، على الحد الذي إذا وصل إليه الشارب يعد قد سكر، ويلزمه بذلك عقوبة شارب الخمر، وذلك نظرًا لعدم اتفاقهم على معيار محدد لسكر من شرب الأنبذة، التي لا يطلقون عليها خمرًا، وشبهة ثالثة لاختلاف الفقهاء في حكم وصول الخمر إلى الجوف من غير طريق الفم.
стр. 598
١- شرب قليل الأنبذة:
ذهب فقهاء الأحناف إلى أن الشرب الموجب للحد هو شرب الخمر، وهي المتخذة من ماء العنب، أو نقيع البلح والزبيب بالصورة، التي سبق بيانها عند الامام، وعند صحابه.
أما شرب غيرها من عصير العنب إذا طبخ، فذهب ثلثاه، ونقيع البلح والزبيب إذا طبخ ولم يذهب ثلثاه، ونبيذ الحنطة، والذرة، والشعير وما إلى ذلك من غير ما يسمى خمرًا عندهم، فلا يوجب -شربه- الحد، إلا إذا بلغ من شربه حد السكر، فإن لم يبلغ به حد السكر، فلا حد بشربه.
واستدلوا لذلك بأدلة منها: ما جاء من قول الله : ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ ١، قال الإمام أبو حنيفة وأصحابه السكر هو المسكر، ولو كان محرم العين لما سماه الله تعالى رزقًا حسنًا، والسكر ما لا يسكر من الأنبذة، والدليل على ذلك أن الله امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك، ولا يقع الامتنان إلا بمحلل لا بمحرم ... وعضدوا هذا بما رواه أبو هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة"، رواه الجماعة إلا البخاري٢. كما قالوا: "إن القرآن قد نص على أن علة التحريم في الخمر، إنما هي الصد عن ذكر
الله، ووقوع العداوة والبغضاء، أخذ مما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ٣، وهذه العملية توجد في القدر المسكر لا فيما دون ذلك، فوجب أن يكون ذلك القدر هو الحرام.
إلا ما انعقد الإجماع على تحريمه من كثير الخمر وقليلها٤.
стр. 599
وخلاصة القول أن الإمام أبا حنيفة، وأصحابه يفرقون بين ما يعد خمرًا، وبين ما يسكر مما لا يعد خمرًا عندهم، فما يسكر مما لا يعد خمرًا عندهم لا يعاقب على شربه، وإنما يعاقب على السكر منه؛ لأن المسكر هنا حرامًا في حد ذاته، وإنما الحرام هو الكمية التي أوصلت إلى السكر فيها، فلو شرب شخص مما يسكر غير الخمر قد حين مثلًا، ولم نسكر منهما، أم شرب قدحا ثالثًا، فالمحرم هو هذا القدح الثالث، ويلزمه عندئذ حد السكر.
وذهب جمهور الفقهاء إلى القول بتحريم جميع ما يسكر كثيره من الأنبذة وغيرها، ومساواة ذلك بالخمر المتخذة من عصير العنب، فلا عبرة بما أخذ منه المسكر، إذ يستوي في ذلك التحريم، وإيجاب الحد بشربه ما كان من ماء العنب، أو التمر أو غير ذلك من عسل، أو شعير أو حنطة وما إلى ذلك؛ لأن العبرة في التحريم هو الإسكار، فما دام شرب الكثير منه يؤدي إلى الإسكار، فشرب القليل منه حرام موجب للحد، حتى ولو لم يسكر شارب هذا القليل، فالحد عند جمهور الفقهاء هو حد الشرب لا حد الإسكار.
واستدل جمهور الفقهاء لما ذهبوا إليه بأدلة منها:
أ- ما رواه ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "من الحنطة خمر، ومن الشعير خمر، ومن التمر خمر ومن الزبيب خمر، ومن العسل خمر" ١.
ب- روي أن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى- خطب على المنبر، وقال: "ألا إن الخمر قد حرمت، وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير".
стр. 600
وقد قالت السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها: "لا أحل مسكرًا، وإن خبزا أو ماء"١.
ج- روي عن السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: "سئل رسول الله ﷺ عن العنب -وهو شراب العسل، وكان أهل اليمن يشربونه، فقال: "كل شراب أسكر، فهو حرام"، وما أسكر الفرق منه، فملء الكف منه حرام"٢.
د- روى ابن عمر -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ ، أنه قال: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" ٣.
هـ- ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما أسكر كثيره، فقليله حرام" ٤.
كما أن ما جاء به علماء اللغة يؤيد ما ذهب إليه الجمهور، إذ إن الخمر إنما سميت بذلك عندهم؛ لأنها تخامر العقل، وعليه فإن ما يخامر العقل، ويستره يسمى خمرًا: سواء كثر أو قل.
ورد القرطبي على ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة، وأصحابه من أن الله قد امتن على عباده، ولا يكون امتنانه إلا بما حل، يقوله: "إنه يحتمل أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر"، أما ما ذكره
стр. 601
الإمام أبو حنيفة وأصحابه من أحاديث، فإنها أحاديث ضعيفة؛ لأنه قد جاء عن النبي ﷺ بالنقل الثابت، ما يردها، ويفيد أن ما أسكر كثيره، فقليله حرام١.
كما أن المقصود من الرزق الحسن في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ ، ليس هو القليل الذي لا يسكر، بل المقصود هو التمر، والزبيب وما أشبههما مما ليس بحرام٢.
مما سبق يتضح ما بين أبي حنيفة وأصحابه، وبين جمهور الفقهاء من خلاف في إيجاب الحد على من شرب من النبيذ، قدرا لم يصل به حد السكر، وهو خلاف لا تقوم به شبهة الجهة، وذلك؛ لأن أدلة من أجاز أدلة ضعيفة، والدليل لا يقوى على درء ما أوجبه الدليل القوي الثابت بيقين.
كما ان المختلف فيها، يغاير سائر ما اختلف فيها مما يوجب الحد من جرائم من وجهين:
أولهما: أن فعل المختلف فيه ههنا يفتح الباب إلى فعل ما أجمع الفقهاء على تحريمه، ويرغب فيه ويحض عليه.
ثانيهما: أن الأحاديث الشريفة التي بينت تحريم قليل ما يسكر كثيره، أحاديث كثيرة مستفيضة لم تبق عذرًا لأحد في اعتقاده إباحة ذلك.
وعليه، فلا يقوى الخلاف هنا على درء الحد لضعف الشبهة، ضعفًا يكاد لا يبقى لها وجود.
стр. 602
٢- وصول الخمر إلى الجوف عن غير طريق الفم:
السلوك المادي الذي تقوم به جريمة شرب الخمر، هو عبارة عن قيام الجاني بشرب المسكر، ويقصد بذلك وصول المسكر إلى الحلق، ومن باب أولى وصوله إلى الجوف عن الطريق الطبيعي: أي عن طريق الحلق؛ لأن الشرب لا يكون إلا عن هذا الطريق.
فمن لم يصل المسكر إلى حلقه لا يلزمه الحد، كمن تمضمض به ثم مجه، أوكمن تروقه بلسانه، ولم يصل إلى حلقه.
ومن وصل الخمر إلى جوفه عن غير طريق الفم، كأن يكون قد استعط به، أو احتقن، فإن كلمه الفقهاء لم تنفق على إلزامه الحد.
فقد ذهب فقهاء الأحناف، والمالكية إلى أن الحد لا يجب إلا إذا وصلت الخمر إلى الجوف عن طريق الفم، فإن وصلت عن طريق الأنف، أو الشرج أو الحقن، فإن ذلك يورث شبهة لعدم وصولها من الطريق الطبيعي، ويترتب على هذه الشبعة درء الحد، وإن كان درء الحد لا يمنع الإمام من تعزير من فعل ذلك١.
وذهب فقهاء الشعية إلى إيجاب الحد على كل من أدخل خمرًا في جوفه، حتى ولو لم يصدق على فعله عنوان الشرب٢.
стр. 603
وقد جاء عن فقهاء الشافعية ثلاثة آراء:
أولها: لا حد بذلك لقيام الشبهة التي تدرأ الحد.
وثانيها: يجب الحد مطلقًا بوصول الخمر إلى الجوف.
وثالثها: يجب الحد على من استعط المسكر، أما من احتقن به، فلا حد عليه١.
ووافق جمهور فقهاء الحنابلة ما ذهب إليه الشافعية، وإن كان الإمام أحمد قد رأى الحد على من احتقن بالخمر لوصولها لجوفه٢.
وما ذهب إليه الأحناف، والمالكية هو ما أرجحه إلا إذا تعمد متعاطي المسكر التحايل، وسكر مما أدخله إلى جوفه، لتحقق علة إيجاب الحد من كونه قد يصل الافتراء، وسدا لباب التحايل.
стр. 604
المبجث الثاني: شرب الخمر الذي لا يوجب الحد، لقيام شبهة في القصد الجنائي
...
المبحث الثاني: شرب الخمر الذي لا يوجب الحد، لقيام شبهة في القصد الجنائي
جريمة شرب الخمر من الجرائم التي لا بد قيامها من توافر القصد الجنائي لدى الفاعل، وعلى هذا فمن أقدم على شرب الخمر، وهو مكره فلا تقوم الجريمة بالنسبة له بمعنى أنه لا يلزم عقوبتها، وهذا ما أجمع عليه الفقهاء، ومثله من اضطر لدفع عطش أو لعلاج، ومثل ذلك من شربها، وهو يجهل كونها خمرًا، وإن سكر، أما من شرب الخمر وهو يجهل حكمها، ولا يعلم أنها حرام، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بدرء الحد عنه لشبهة جهله هذه.
وهؤلاء الذين لم يلزموه الحد، وإن اتفقوا على ذلك، إلا أن منهم من قد بنوا رأيهم في ذلك على أساس عدم قيام الجريمة أصلًا في حقه، فيقول ابن حزم: "من أكره على شرب الخمر، أو اضطر إليها لعطش، أو علاج أو لدفع خنق، فشربها أو جهلها، فلم يدر أنها خمر، فلا حد على أحد من هؤلاء، ثم فصل المراد بجهلها، فقال: "ما الجاهل -فإنه لم يتعد ما حرم الله عليه، ولا حد إلا على من علم التحريم- ولا يختلف اثنان من الأمة في أنه من دست إليه غير امرأته، فوطئها وهو لا يدري من هي يظن أنها زوجته، فلا حد عليه"١.
وجاء عن فقهاء الشيعة: "لو أن رجلًا دخل الإسلام، وأقربه ثم شرب الخمر وزنى، وأكل الربا ولم يتبين له شيء من الحلال والحرام، لم أقم عليه الحد إن كان جاهلًا"٢.
стр. 605
ومن هؤلاء من قال بدرء الحد عنه لشبهة جهله: وقد فصل هؤلاء القول في ذلك، فيقول الشربيني: "لو قرب إسلامه، فقال: جهلت تحريمها لم يحد؛ لأنه قد يخفى عليه ذلك، والحدود تدرأ بالشبهات١، وقد فصل فقهاء الحنابلة القول، فيمن يدعي الجهل بتحريم الخمر، ووافقهم الأذرعي، فرأوا أن مدعي الجهل إن كان ناشئًا ببلاد الإسلام بين المسلمين، لم تقبل دعواه؛ لأن هذا لا يكاد يخفى على مثله، فلا تقبل دعواه ففيه، وإن كان حديث عهد بالإسلام، أو ناشئا ببادية بعيدة عن البلدان قبل منه؛ لأنه يحتمل ما قاله"٢.
وإن كان الرأي الظاهر عند فقهاء الشافعية، إسقاط الحد عمن قال بجهله حكم تحريمها؛ لقرب عهده بالإسلام دون تفصيل، سواء أكان ممن نشأ بين المسلمين، أو من غير هؤلاء، فقد جاء عن الشربيني قوله بعد أن ذكر رأي الأذرعي "ظاهر كلام الأصحاب الإطلاق، وهو الظاهر"٣.
وذهب فقهاء المالكية إلى القول: بأنه لا حد على من شرب خمرًا يظنها غيرها، كما إذا ظنها ماء، أو عسلًا فشرب، ثم ظهر أنها خمر، أو أن هذا الشراب مسكر، وقاسوا ذلك بمن وطئ أجنبية لظنها زوجته إن كان يتأتى الاشتباه.
أما من جهل وجوب الحد، وعلم الحرمة، فإنه يلزمه الحد، ولا يلتفت إلى جهله هذا؛ لأنه جهل لا يعتد به في إسقاط الحد، وكذا يلزم الحد
стр. 606
من جهل الحرمة نفسها، حتى وإن كان قريب عهد بالإسلام، ومثلوا له بالاعجمي الذي دخل دار الإسلام، فمثل هذا لا يعذر بجهله تحريم الخمر.
ورد فقهاء المالكية على ما يمكن أن يوجه لرأيهم من نقد، أنهم لم يعذروا الجاهل عنا، وعذروه في الزنا، فقالوا: إن مفاسد الشرب لما كانت أشد من مفاسد الزنا لكثرتها؛ لأنه ربما زنى وسرق، وقتل كان أشد من الزنا؛ ولأن الشرب أكثر وقوعًا من غيره"١.
وما ذهب إليه فقهاء المالكية من القول بوجوب الحد على من جهل الحكم هنا على عمومه قول مردود؛ لأن الجهل المعتد به، وإن لم يقو على عدم إيجاب الحد ابتداء، فلا أقل من أن يورد شبهة يترتب عليها درء الحد، أما أن الشر مفاسدة أكثر، فهذا إعمال الحدود على أساس من الحدس والتخمين، وهو مردود في هذا الباب، لقيام الدليل على درء الحد بالشبهة، ولم يفصل بين حد وآخر، من حيث كونه أكثر وقوعًا من عدمه في مسائل هذا الباب، وهذا ما أرجحه.
стр. 607
المبحث الثالث: الشبهات التي تعتري إثبات شرب الخمر
أولا: إثباتها بالإقرار وما يعتريه من شبهات
...
المبحث الثالث: للشبهات التي تعتري إثبات شرب الخمر
أولًا: إثباتها بالإقرار وما يعتريه من شبهات
يرى جمهور الفقهاء أن جريمة شرب الخمر، تثبت بإقرار الجاني، ولو مرة واحدة، وذلك نظرًا؛ لأن الحد الواجب على المقر لا يترتب عليه إتلاف، ولهذا قاس جمهور الفقهاء إثباتها بالإقرار الواحد بإثبات جريمة القذف، فيقول بن قدامة: "ولا يجب الحد حتى يثبت شربه بأحد شيئين الإقرار، أو البينة، ويكفي في الإقرار مرة واحدة في قول عامة أهل العلم؛ لأنه حد لا يتضمن إتلافًا، فأشبه حد القذف"١.
ولم يقيد جمهور الفقهاء الإثبات بالإقرار بوجود رائحة الخمر، وإن كان الإمام أبو حنيفة، وأبو يوسف قد اشترطا للاعتداد بالإقرار هنا، أن يكون رائحة الخمر موجودة بفم المقر، فإن أقر بشربه الخمر، ولم تشم منه رائحتها، فلا يحد عند أبي حنيفة، وأبي يوسف٢.
كما ذهب أبو يوسف إلى القول: باشتراط أن يعتدد الإقرار من الجاني بعدد الشهود الذين تثبت الجريمة بشهادتهم، وذلك؛ لأنه يرى أن كل إقرار يسقط بالرجوع، فعدد الإقرر فيه كعدد الشهود٣.
كما قد جاء عن فقهاء الشيعة اشتراط ذلك التعدد، وإن كان هذا الرأي خلافًا للمشهور عندهم٤.
وما أرجحه من ذلك، هو أنه يكفي لإثبات جريمة الشرب، وإلزام الحد إقرار الجاني، ولو مرة واحدة، وجدت رائحة الخمر، أو لم توجد نظرًا لانتقاء التهمة؛ لأن الإنسان لا يتهم نفسه، فلا يشترط التعدد، ولا وجود الرائحة، فلا يسقط الحد بشيء من ذلك، ولا يرد الإقرار، وما يترتب عليها إلا الرجوع عنه، فإذا رجع المقر عن إقراره درئ الحد عنه؛ لأن الحق هنا خالص لله
стр. 608
وذهب فقهاء المالكية إلى وجوب حد الشرب على المشهود عليه، إذا شهد عليه عدل واحد بشربها، وشهد أخر بأنه رآه يتقاياها، وكذا يلزمه حد الشرب إذا شهدا بأنهما شما من فمه رائحة الخمر، وأكثر من ذلك ذهب فقهاء المالكية إلى القول: بوجوب الحد إذا شهد عليه عدلان بأن رائحة فمه مسكر، وشهد عدلان آخران أنه ليس برائحة مسكر، وذلك مبني عندهم على أساس أن الشهادة المثبتة تقدم على النافية١.
وما ذهب إليه المالكية مردود؛ لأن شهادة العدلين بأن فمه رائحته خمرًا، لا تصلح دليلًا أساسا لجواز أنه تمضمض بها، ثم مجها أو أنه شربها مكرها، أو غير عالم بأنها خمر، وهذه كلها شبهات، كما أن شهادة الأولى، فلا أقل من أن تورث شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.
стр. 609
ثانيًا: إثبات جريمة الشرب بالبينة، وما يعتريه من شبهات
تثبت جريمة شرب الخمر بشهادة شاهدين، فأكثر بالشروط التي سبق بيانها، عند الحديث عن الإثبات بالبينة.
وذهب الإمام أبو حنيفة، وأبو يوسف إلى اشتراط وجود رائحة المسكر بفم الشارب، عند تأدية الشهود شهادتهم عليه، فإذا جاء الشهود من مكان بعيد، فاستغرق حضورهم وقتًا، زالت فيه رائحة الخمر من فم لزمهم الشارب أن يقولوا: أخذناه، وريح الخر موجودة بفمه١.
ويرى جمهور العلماء عدم اشتراط وجود الرائحة بفم الشارب، فيكفي شهادة رجلين أنهما رأياه يشرب الخمر، فإذا لم يشهدا بأنهما رأياه يشربها فلا حد. كأن يقولا: شممنا منه يرحها أو رأينها سكرانا، أو وجدناه يقيء خمرًا ودرء الحد عنه هنا مبني على أساس احتمال أن يكون شرب الخمر غلطًا، أو مكرها، والحد يدرأ بالشبهة، بين ذلك ابن قدامة بقوله: "وإن وجد سكرانًا أو تقيأ الخمر فعن أحمد لا حد عليه لاحتمال أن يكون مكرهًا، أو لم يعلم أنها تسكر، وهذا مذهب الإمام الشافعي"٢.
стр. 610
ثالثًا: إثبات جريمة الشرب بالقرائن
ذهب الإمام مالك -رضي الله تعالى عنه- إلى أن وجود رائحة الخمر من فم شخص، تعتبر دليلًا على شربه لها، وعلى هذا لو شهد بوجود الرائحة شاهدان لزم المشهود عليه حد الشرب الخمر، يقول الخرشي:
"وكذا يحد لو يشهد عليه عدلان بأن رائحة فمه رائحة مسكر"١.
ويظهر لي أن إلزام المشهود عليه الحد، مشروط بعدم ذكره سببًا من الأسباب المبيحة له شرب الخمر، أو أنه مجها من فمه قبل أن تصل إلى حلقه؛ لأن الخرشي قد ذكر بعد قوله السابق: "ويجوز شرب الخمر عند الإكراه على شربه، وكذا يجوز شربها لمن غص بالطعام، وخاف على نفسه الهلاك، وتقدم أن ابن عرفه يقول بعدم الجواز، لكن المعول عليه الإباحة، وعلى كل لا حد"١.
стр. 611
وقد وافق الإمام أحمد في أحد رأييه، ما ذهب إليه الإمام مالك -رضي الله تعالى عنهما١.
وذهب الإمام الشافعي، والإمام أحمد في رأيه الراجح إلى القول بعدم الاعتداد بالشهادة، التي أخبر فيها الشهود بأنهم قد شموا رائحة الخمر من فم المشهود عليه، لجواز أنه شربها لسبب من الأسباب التي ذكرتها، أو؛ لأنه مجها قبل أن تصل إلى حقه، واحتمال الدليل مثل هذا لا يصلح لأن يقام به حد، وقد وافقهما في ذلك الثوري، أما الإمام أبو حنيفة، فإنه قد زاد على ذلك، فقال إذا شهدا عليه بانهما رأياه يشرب الخمر، فلا بد من أن تشم منه رائحتها، إلا إذا كانت المسافة التي حضروا منها بعيدة، ويتحتم على الشهود أن يذكروا في أقوالهم ما يفيد أنهما أخذاه، وريح الخمر بفمه٢.
وما ذهب إليه الإمام الشافعي، ومن وافقه هو ما أميل إليه، وأرجحه؛ لأن الحدود لا تقام إلا بدليل لا يتطرق إليه شك.
стр. 612
الفصل الرابع: جريمة القذف وما يتعلق بها من شبهات
مدخل
...
الفصل الرابع: جريمة القذف وما يتعلق بها من شبهات
تقديم:
القذف في اللغة: الرمي، وقذف المحصنة أي سبها، ورماها بالزنا أو ما كان في معناه، ويطلق أيضًا على السب والشتم، ومن ذلك ما جاء من حديث السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها: ".... وعندها قينتان تغنيان بما تقاذفت به الأنصار يوم بعاث"، أي تشاتمت في أشعارها وأراجيزها"١.
وعرفه الجمهور الفقهاء بأنه الرمي بالزنا٢، وهذا التعريف للقذف قد جاء تعريفًا عامًا، ولذا فإن بعض الفقهاء قد أورد للقذف الموجب للحد تعريفًا، ذكر فيه بعض القيود والشروط، فيقول البابرتي: القذف في اصطلاح الفقهاء نسبة من أحصن إلى الزنا صريحًا أو دلالة، عند انعدام الشبهة٣.
وذكر الشربيني أن المراد بالقذف الموجب للحد، هو الرمي بالزنا في معرض التعبير، ليخرج الشهادة بالزنا، فلا حد فيها إلا أن يشهد به دون أربعة٤.
وجاء عن فقهاء المالكية أن القذف الأعم: نسبة آدمي غيره لزنا، أو قطع نسب مسلم، والأخص لإيجاب الحد: نسبة آدمي مكلف غيره حرا عفيفًا مسلمًا بالغًا، أو صغيرة تطيق الوطء لزنا، أو قطع نسب مسلم٥.
стр. 613
وما ذكرته هذه التعريفات من قيود، وشروط هو ما سأعرض له بالحديث؛ لأنه قد ينشأ عنها شبهات، نظرًا لاختلاف الفقهاء، بعضهم البعض في القول بذلك.
أما فقهاء القانون، فإنهم لم يشترطوا أن يكون القذف بالزنا، وإنما أطلقوه على كل ما يمس سمعة المقذوف، حتى ولو كان اختلاسه لمال في عهدته، وفرقوا بين القذف، والسبب، فجعلوا القذف قاصرًا على إسناد واقعة وقائع معينة للمقذوف في حقه، كان ينسب لموظف أنه اختلس مالًا في عهدته، أو أنه ارتشى في عملية، أو أن شخصا حملته أمه سفاحًا، أو أن طالبًا غش في الامتحان، أما السب فهو يخلو من إسناد واقعة معينة، ولكنه يتضمن خدشًا للشرف والاعتبار، كأن يقال لشخص: إنه لص.
ولا تستخلص التفرقة بين القذف، والسب من صيغة العبارة وحدها، وإنما من مجموع ما يحيط بها من ظروف، فقد تجري على الألسن بعض العبارات على أساس أنها من قبيل السب، ولكن هذه العبارات قد يريد بها الجاني أمر محددًا، وعندئذ تعد قذفًا، فمن يقل لآخر: إنه ابن حرام، فقد تؤخذ على أنها سب، وقد تعتبر قذفًا إذا ثبت أن الجاني كان يقصد أن أم المجني عليه حملتها سفاحًا١.
كما أن فقهاء القانون يرون أن جريمة القذف، لا تنتفي إذا كانت الوقائع المسندة للمقذوف صحيحة، وهذا يغاير ما عليه فقهاء الشريعة، الذين لا يرون حدا على من قذف شخصًا بوقائع صحيحة وثابتة.
والمقذوف في حقه عند فقهاء القانون، قد يكون شخصًا طبيعيًا،
стр. 614
وهذا هو المتعارف عليه عند فقهاء الشريعة، وقد يكون شخصًا معنويًا، ويلزمون القاذف بالعقوبة، وهذا ما لا نعده الشريعة من جرائم القذف الحدية، وإن ألزمت به عقوبة تعزيرية، وعمومًا فالتفرقة لا طائل تحتها؛ لأن العقوبة عند القانونيين عقوبة تعزيرية في كل وقائع القذف.
ويبقى شرط جوهري عند فقهاء القانون، ويتمثل في أنه لا تقوم هذه الجريمة إذا لم يعلم بها أحد، فمن قذف آخر، ولم يسمعه أحد غير المقذوف لا يلزم بالعقوبة، التي حددها القانون أما الشريعة، فإنها تعد ذلك قذفًا، وتلزم به العقوبة الحدية، حتى ولو لم يسمعه أحد غير المقذوف إذا أقر القاذف به.
ويقتضي ما ذكرته هنا بيان الوسائل التي تؤدي بها الركن المادي لهذه الجريمة، وما يشوبها من شبهات أيضًا، بالإضافة إلى ما ترتب على ما ذكره بعض الفقهاء من شبهات أنتجت درء العقوبة الحدية.
стр. 615
المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي
أولا: القذف بطريق الكتابة أو التعريض
...
المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي
نتج من اختلاف فقهاء الشريعة في تعريف القذف، وإيراد البعض شروطًا لم يرها الآخرون، وعدم اتفاقهم في إيجاب الحد ببعض صيغ القذف من الكنايات أو التعريض، شبهات تعتري الركن الشرعي للجريمة، يترتب عليها درء العقوبة الحدية، ويأتي في مقدمة هذه الشبهات، ما ترتب على اختلاف الفقهاء في إيجاب الحد على من قذف بلفظ يحتمل القذف وغيره، ثم ما اشترطه بعض الفقهاء من شروط في المقذوف.
أولًا: القذف بطريق الكتابة، أو التعريض
يرى فقهاء المالكية وجوب حد القذف على من عرض بآخر، إذا فهم المراد من التعريض، كان عليه قرينة ما من القرائن، ما لم يكن المعرض أبا للمقذوف، فيقول الخرشي: "اعلم أن التعريض المفهم لأحد الأمور الثلاثة المتقدمة، وهي: الزنا واللواط، ونفي النسب عن الأب، أو الجد كالتصريح بذلك، فإذا قال له: ما أنا بزان فكأنه قال له: يا زاني، أو قال: أما أنا فلست بلائط، فكأنه قال له: يا لائط، وقال له: أما أنا فأبي معروف، فكأنه قال له: أبوك ليس بمعروف، فيترتب على قول ذلك وجوب الحد، ولا فرق في التعريض بين النثر، والنظم، وأما الأب إذا عرض لولده، فإنه لا يجد لذلك لبعده عن التهمة في ولده، ولا أدب"١.
стр. 616
وجاء عن الإمام أحمد في أحد رأييه، أن حد القذف يجب في التعريض، وقد روي ذلك عن عمر -رضي الله تعالى عنه، فقد حكم على من عرض بآخر بالجلد ثمانين١.
وقد أورد جانبا من ذلك ابن حزم، حين عرض أدلة من رأى ذلك، وذكر أن رجلين استبا في زمان عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه: فقال أحدهما: ما أبي بزان، ولا أمي بزانية، فاستفتى في ذلك عمر بن الخطاب، فقال قائل: مدح أباه وأمه، وقال آخرون: قد كان لأبيه، وأمه مدح سوى هذا، نرى أن يجلد الحد، فجلده عمر ثمانين"٢.
وروي أن عمر -رضي الله تعالى عنه، قد قال في شأن هذا الرجل:
"قد عرض بصاحبه"، وكان عمر يجلد في التعريض٣.
كما ذكر ابن خزم أن رجلًا في إمارة عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- قال لآخر: أنت تسري على جاراتك، فلما سئل القائل: عن قصده بذلك قال: والله ما أردت الانخلات كان يسرقهن، فحده عمر بن عبد العزيز٤.
ورأى القائلون بوجوب الحد بالتعريض، أن الحد إنما يجب في القذف لإزالة المعرة التي أوقعها القاذف بالمقذوف، وعليه فإذا حصلت المعرة بالتعريض، صار التعريض قذفًا كالصريح، ووجب به الحد.
فوجود المعرة سبب يوجب الحد المسبب عنه٥؛ ولأن الكناية مع
стр. 617
القرينة الصارفة إلى أحد محتملاتها، كالصريح الذي لا يحتمل إلا ذلك المعنى، ولذلك وقع الطلاق بالكناية١.
وذهب جمهور الفقهاء إلى القول بقصر وجوب الحد على القذف الصريح، فإذا لم يكن اللفظ صريحًا في القذف، فلا حد على قائله كتابة، كان هذا اللفظ المستعمل أو تعريضًا، فقد جاء عن فقهاء الأحناف: "لو قال رجل لآخر: يا فاسق يا خبيث، أو يا فاجر أو يا ابن الفاجر، أو يا ابن القحبة، فلا حد عليه؛ لأنه ما نسبه، ولا أمه إلى صريح الزنا، فالفجور قد يكون بالزنا وغير الزنا، والقحبة من يكون منها ذلك الفعل، فلا يكون هذا قذفًا بصريح الزنا: فلو أوجبنا به الحد إنما يوجب بالقياس، ولا مدخل لقياس في الحد"، وقالوا أيضًا: "وإذا قال له: فجرت بفلانه وجامعتها، أو فعلت بها فسمي الفحش لم يكن عليه في ذلك حد؛ لأنه ما صرح بالقذف بالزنا، وفي الأسباب الموجبة للحد يعتبر عين النص، فما لم يقذفه بصريح الزنا لا يتقرر السبب٢، وإذا عرض بالزنا، فقال: أما أنا فلست بزان، فلا حد عليه.. وإن قال له: أخبرت أنك زان فلا حد عليه؛ لأنه ما نسبه إلى الزنا، وإنما حكى خبر مخبر، والخبر قد يكون صدقًا وقد يكون كذبًا، فالمخبر يكون حكاية للقذف عن الغير لا قاذفًا٣.
وقال ابن حزم بعد أن عرض آراء القائلين بوجوب حد القذف بالتعريض، ورد عليها: "وصح أن لا حد في التعريض أصلًا"٤.
стр. 618
وذكر ابن قدامة أن الإمام أحمد، قد روي عنه أنه لا حد في التعريض بالقذف، ولا حد إلا على من صرح، فقال: "وكلام الخرقي يقتضي أن لا يجب الحد على القاذف، إلا بلفظ صريح لا يحتمل غير القذف، وهو أن يقول: يا زاني أو ينطق باللفظ الحقيقي في الجماع، فأما ما عداه من الألفاط، فيرجع فيه إلى تفسيره لما ذكرنا في هاتين المسألتين، فلو قال: يا مخنث أو لامرأة يا قحبة وفسره بما ليس بقذف مثل أن يريد بالمخنث أن فيه طباع التأنيث، والتشبه بالنساء، وبالقحبة أنها تستعد لذلك، فلا حد عليه، وكذلك إذا قال: يا فاجرة يا خبيثة.
وحكى أبو الخطاب في هذا رواية أخرى، أنه قذف صريح، ويجب به الحد، والصحيح الأول قال أحمد في رواية حنبل: لا أرى الحد إلا على من جرح بالقذف والشتيمة، قال ابن المنذر: الحد على من نصب الحد نصبًا؛ ولأنه قول غير الزنا، فلم يكن صريحًا في القذف كقوله: يا فاسق، وإن فسر شيئًا من ذلك بالزنا، فلا شك في كونه مقذفًا"١.
وذكر فقهاء الشافعية أنه لا حد في القذف بالكتابة، إلا إذا نوى القائل القذف، وإثبات ذلك يحتاج إلى مراجعة القائل لبيان قصده ونيته.
أما التعريض، فقد جاء فيه رأيان عندهم، أحدهما أنه ليس بقذف؛ لأن الله علق الحد على الزنا، والثاني أنه يجب به الحد٢، وذكر
стр. 619
فقهاء الشيعة أن القذف هو الرمي بالزنا، أو اللواط، وما يؤدي معنى ذلك١.
واستدل القائلون بعد إلزام حد القذف بالكناية، أو التعريض بأدلة كثيرة منها:
١- ما روي أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلامًا أسود -وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه- وفي رواية وأنا أنكره، فقال النبي ﷺ : "هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: أحمر، قال: فهل فيها من أوراق؟ قال: نعم، فيها ذو ورق: قال: مما ذاك ترى؟ قال: لا أدري لعله أن يكون نزعة عرق، قال رسول الله ﷺ : وهذا لعله أن يكون نزعه عرق"، ولم يرخص له في الانتفاء منه، ولم يلزمه بذلك حدا ولا غيره، رواه البخاري عن أبي هريرة٢.
٢- روي أن معاذ بن جبل، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ قالا جميعًا: ليس الحد إلا في الكلمة ليس لها مصرف، وليس لها إلا وجه واحد.
وعن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: "إذا بلغ الحد -لعل عسى- فالحد معطل٣.
٣- روي أن رجلًا شاتم رجلًا، فقال: يا بن شامة الوذر -يعني ذكور الرجال، فقال له عثمان: أشهد عليه؟ فرفعه إلى عمر، فجعل الرجل يقع في عثمان، فينال منه، فقال عمر: أعرض عن ذكر
стр. 620
عثمان، فجعل الرجل لا ينزع، فعلاه عمر بالدرة وقال: أعرض عن ذكر عثمان، وسأل عن أم الرجل، فإذا هي قد تزوجت أزواجًا، فدرأ عنه الحد١.
٤- فرق الله بين التعريض بالخطبه والتصريح بها، فأباح التعريض بها في العدة، وحرم التصريح -فكذلك في القذف.
فقد قال الله : ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ٢، فإذا ثبت من الشرع نفي اتحاد حكمهما في غير الحد، لم يجز أن يعتبر التعريض كالتصريح، على وجه يوجب الحد المحتاط في درئه٣.
وما ذهب إليه جمهور الفقهاء، هو ما أرجحه وأميل إليه لقوة ما استدلوا به، وموافقته لما أقره القرآن الكريم من التفريق بين حكم كل من التصريح، والتعريض، وما ورد عن الرسول ﷺ ، ومقالته لمن جاء ينفي ابنه، وعدم إلزامه عقوبة بذلك يدرأ كل ما استدل به فقهاء المالكية، ولجواز حمله على أن ذلك اجتهاد، من عمر -رضي الله تعالى عنه- بدليل استشارته أصحابه، وهو مع ذلك: لا يقوى على معارضه ما جاء عن رسول الله ﷺ من حديث صحيح، معغ أن القرائن الصارفة التعريض إلى حد التصريح قائمة، وواضحة في حديث ومقالته.
كما أن الخلاف ها هنا قد اعتمد على أدلة قوية فإن لم ينف وجوب الحد فلا أقل من أن يورث شبهة تدرأ العقوبة المقدرة، وقد سبق الحديث عن شبهة الجهة، عند بيان ما يلحق الركن الشرعي من شبهات، وهي هنا بارزة واضحة وقوية.
стр. 621
ثانيًا: الشهادة بالزنا إذا جرح الشهود، أو أحدهم
ذهب فقهاء الأحناف، والشافعية إلى أن الشهود باعتبار تحملهم الشهادة، وآدائها أنواع، فمنهم من هو أهل لتحمل الشهادة، وأدائها فيعتد بقوله وتقبل شهادته، وتثبت بها الجرائم، وقد سبق بيان هؤلاء عند الحديث عن شروط في الشاهد.
ومن الشهود من له تحملها -ولكنه تحمل- لا يعتد به في إلزام المشهود عليه العقوبة الحدية؟ وذلك راجع لقصور في الشهود لتهمتهم، وما يتصل بهذا الموضوع هو شهادة الفساق على شخص بالزنا.
والشهادة هذه إذ أداها أربعة منهم، لا يلزم المشهود عليه بالعقوبة الحدية لفسق الشهود، كما أن هؤلاء الشهود لا يلزمهم حد القذف بشهادتهم هذه التي لم يثبت بها الزنا الموجب الحد، وعدم إلزام حد الزنا بشهادتهم، لا يترتب عليه إلزامهم حد القذف؛ لأن الحد يحتاط فيه، فيسقط عن المشهود عليه لعدم الثبوت، وعن الشهود لثبوت شبهة الثبوت، وقد جاء عن فقهاء الأحناف عند حديثهم عن ذلك، أنه لو شهد أربعة على شخص بالزنا، وهم فساق أو ظهر أنهم فساق لم يحد المشهود عليه، ولم يحد الشهود؛ لأن الفاسق من أهل الأداء والتحمل، وإن كان في أدائه نوع من القصور لتهمة الفسق، ولهذا لو قضى القاضي بشهادة -في غير الحدود- نفذ، ويثبت بشهادتهم شبهة الزنا، وباعتبار قصور في الأداء لتهمة الفسق، يثبت شبهة عدم الزنا، فلهذا امتنع الحدان١.
стр. 622
ويقول الشربيني الشافعي: "لو شهد أربعة بالزنا، وردت شهادتهم بفسق ولو مقطوعًا به كالزنا، وشر ب الخمر لم يحدوا، وفارق ما مر في نقص العدد بأن نقص العدد متيقن، وفسقهم إنما يعرف بالن والاجتهاد، والحد يدرأ بالشبهة"١.
وذهب الإمام مالك -رضي الله تعالى عنه- إلى أن جريمة القذف تقوم في حق الشهود، الذين ترد شهادتهم لقيام حرج بهم؛ لأن شهادتهم لم تثبت بها جريمة الزنا الحدية، وعليه فهم قذفة يلزمهم حد القذف، فقد جاء في المدونة: "وقت أرأيت أن جرح واحد من الشهود، وقد شهدوا عليه بالزنا، وهم أربعة أيحد جميعهم حد الفرية في قول مالك"، قال: نعم في رأيي؛ لأن مالكًا قال: إذا كان أحدهم مسخوطًا جلد، وحد الثلاثة معه"٢، وذكر ابن قدامة أن الشهود على الزنا إذا كملوا أربعة غير مرضيين، أو واحد منهم كالعبيد والفساق، والعميان ففيهم ثلاث روايات، إحداهن عليهم الحد، وهو قول مالك: قال القاضي هذا الصحيح؛ لأنها شهادة لم تكمل فوجب الحد على الشهود، كما لو كانوا ثلاثة.
والثانية: لا حد عليهم، وهو قول الحسن والشعبي وأبي حنيفة ومحمد....
والثالثة أن كانوا عميانًا، أو بعضهم جلدوا، وإن كانوا عبيدًا أو فساقا، فلا حد عليهم، وهو قول النووي وإسحاق ... لجواز صدقهم٣.
وما ذهب إليه القائلون بعدم الحد عليهم، هو الراجح لتردد الأمر بين الصدق والكذب، ومثل ذلك يورث شبهة والحدود تدرأ بالشبهات.
стр. 623
المبحث الثاني: شروط في المقذوف
أولا: البلوغ والعقل
...
المبحث الثاني: شروط في المقذوف
ذكر بعض الفقهاء شروطًا، لا بد من توافرها في المقذوف لإيجاب الحد على قاذفه، والذين ذكروا هذه الشروط منهم من توسع فيها، ومنهم من اقتصر على بعضها إلى حد أن من الفقهاء من حكم بحد القذف في وقائع، لم ير فيها الآخرون، وفيما يلي بيان لذلك، وما ينشأ عنه من شبهات.
أولًا: البلوغ والعقل
ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بأن غير البالغ العاقل، لا يلحقه عار بقذفه ونسبته إلى الزنا، وعلى هذا فلا يلزم قاذف الحد، فقد جاء عند فقهاء الأحناف: "والعامة يمنعون كون الصبي، والمجنون يلحقهما عار بنسبتهما إلى الزنا، بل ربما يضحك من القائل لصبي، أو مجنون يا زاني إما لعدم صحة قصده، وإما لعدم خطابهما بالحرمات، ولو فرض لحقوق عار لمراهق، فليس إلحقًا على الكمال فيندرئ، وهذا أولى من التعليل بعدم تحقق فعل الزنا منهما؛ لأنه مؤول بأن المراد بالزنا المؤثم، وإلا فهو يتحقق منهما، إذ يتحقق منهما الوطء في غير الملك "كن القذف إنما يوجب الحد إذا كان بزنا يؤثم صاحبه"١.
كما ذكر فقهاء الشافعية: أن من قذف صغيرًا، أو مجنونًا لم يجب عليه الحد؛ لأن ما يرمى به الصغير والمجنون لو تحقق لم يجب به الحد، فلم يجد الحد على قاذفه، كما لو قذف بالغًا عاقلًا بما دون الوطء٢، كما ذكر فقهاء الشيعة أن قاذف الصبية لا حد
стр. 624
عليه حتى تبلغ، وذكر بعضهم أن الرجل يقذف الجارية الصغيرة، فأجيب بأنه لا يجلد إلا أن تكون أدركت أو قاربت، والظاهر أن المراد بالإدراك هنا هو رؤية الحيض، وبالقرب من ذلك أكملها تسع سنين، فالنتيجة أن تكون بالغة"١.
وذكر فقهاء الحنابلة أن في اشتراط بلوغ المقذوف، وكونه عاقلًا رأيين، أولهما أن ذلك شرط؛ لأن ذلك من شروط التكليف: ولأن زناها لا يوجب حدًا، فلا يجب الحد بالقذف به.
والثاني: لا يشترط البلوغ والعقل، نظرًا لكونهما يعيران بهذا القول الممكن، فأشبها الكبير العاقل٢.
وذهب فقهاء المالكية إلى أن اشتراط البلوغ إنما هو في الذكر الفاعل، وأما المفعول فلا يشترط بلوغه ذكرًا كان أو أنثى، فمتى كان مطيقًا للزنا حد قاذفه٣.
وذهب ابن حزم إلى القول بوجوب الحد على قاذف الصغير، والمجنون؛ لأن الصغار محصونون بمنع الله تعالى لهم من الزنى، ويمنع أهليهم، وكذلك المجانين -وكذا المجبوب والرتقاء والقرناء، والعينين وإسقاط الحد عن قاذف هؤلاء خطأ محض لا إشكال فيه.
وذكر ابن حزم أن القذف لا يخلو من أحد أوجه ثلاثة، لا رابع لها إما أن يكون صادقًا، وقد صح صدقه، فلا خلاف في أنه لا حد عليه.
стр. 625
أو يكون ممكنًا صدقه وممكنًا كذبه، فهذا عليه الحد بلا خلاف، لإمكان كذبه فقط، ولو صح صدقه لما حد.
أو يكون كاذبًا قد صح كذبه، فالآن حقًا طابت النفس على وجوب الحد عليه بيقين، إذ المشكوك في صدقه أو كذبه لا بد له من أحدهما ضرورة، "فلو كان صادقًا لما صح عليه حد أصلًا، فصح يقينا إذ قد سقط الحد عن الصاقد أنه باق على الكاذب"١، وما ذهب إليه ابن حزم هو ما أرجحه، سواء أكان المقذوف يجامع مثله أم لا؛ لأن حد القذف لا ينتهي بكذب القاذف، وإنما يلزم بكذبه كما أن أهل الصغير، أو المجنون يعيرون بذلك، ولا ينجو الصغير، أو المجنون من ملاحقة العار له طوال حياته إذا لم يحد القاذف، ويظهر كذبه، هذا ولا يعد الخلاف هنا من باب الخلاف الذي يورث شبهة يندرئ بها الحد؛ لأن دليل المانعين للحد دليل لا تقوم به حجة، والمعول عليه هو قوة المدرك لا مطلق الشبهة.
стр. 626
ثانيًا: إسلام المقذوف
ذهب جمهور الفقهاء إلى اشتراط إسلام المقذوف لإيجاب الحد على قاذفه، فإذا لم يكن المقذوف مسلمًا، فلا يلزم قاذفه الحد.
فقد ذكر فقهاء الأحناف، أنه لا حد على قاذف الكافر؛ لأن الإسلام من شرائط الإحصان، واستدلوا لذلك بما روي من قول الرسول ﷺ : "من أشرك بالله، فليس بمحصن"، وقد فسر ابن مسعود قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ ، بقوله: "أسلمن"، وهذا يكفي في إثبات اعتبار الإسلام في الإحصان١.
стр. 627
وذكر فقهاء المالكية عند حديثهم عن القذف، وإخراجهم لمحترزات التعريف "قولهم: أو قطع نسب مسلم أخرج به ما إذا لم يقطع نسبًا، أو قطع نسب غير مسلم، فإنه لا يسمى قذفًا"١.
وجاء على لسان الشيرازي من فقهاء الشافعية: أن قذف غير المحصن لا يجب به الحد، والمحصن الذي يجب الحد بقذفه من الرجال والنساء، من اجتمع فيه البلوغ، والعقل والإسلام، والحرية، والعفة، إلى أن يقول: وإن قذف كافرًا لم يجب عليه الحد٢.
ويقول ابن قدامة: ومن قذف من كان مشركًا، وقال: أردت أنه زنى وهو مشرك لم يلتفت إلى قوله، وحد القاذف إذا طلب المقذوف.
وعلل ذلك بقوله: "إنما كان كذلك؛ لأنه قذفه في حال كونه مسلمًا محصنًا، وذلك بمقتضى وجوب الحد عليه لعموم الرواية، ووجود المعنى، ثم يقول: إن قال له: زنيت في شركك فلا حد عليه، وبه قال الزهري، وأبو ثور وأصحاب الرأي، وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى"، ثم يقول: ولنا أنه أضاف القذف إلى حال ناقصه، أشبه ما لو قذفه في حال الشرك"٣، كما أورد فقهاء الشيعة من بين الشروط الواجب توافرها في المقذوف الإسلام، فمن قذف من ليس على الإسلام، فلا حد عليه بذلك؛ لأنه لو لم يكن كذلك، فإن القاذف يكون قد ذكب، ويلزمه غير الحد، لاعتبار الإسلام شرطًا في المقذوف٤.
هذا ما ذهب إليه الجمهور:
стр. 628
أما ابن حزم، فإنه يرى وجوب الحد على من قذف شخصًا آخر، حتى ولو كان المقذوف كافرًا؛ لأن الحد حكم الله تعالى على كل قاذف١، والذي أرجحه هو وجوب الحد على من قذف البالغ العاقل العفيف من أهل الكتاب؛ لأن الله وصفهم بالإحصان في قوله: والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب"٢: ولأن الشارع قد كمل للذمي، والمستأمن في دار الإسلام حماية أنفسهم وإعراضهم وأموالهم، فلهم ما لنا وعليهم ما علينا.
فإن كان المقذوف مسلمًا، ثم ارتد فلا حد على من قذفه قبل ردته؛ لأن وقوع الرده منه تورث شبهة في إسلامه، وقت قذفه، وقيام هذه الشبهة يدرأ الحد عن الجاني.
وذهب فقهاء المالكية إلى القول: بإسقاط الحد عن الجاني، حتى ولو تاب المقذوف، ورجع عن ردته إلى الإسلام ثانية٣.
وأورد فقهاء الشافعية في ذلك رأيين أحدهما:
أن الردة من المقذوف تسقط الحد عن القاذف، نظرًا؛ لأنها تورث شبهة في إسلام المقذوف، وقت قذفه قبل إظهار ردته والثاني: أن ردة المقذوف لا تسقط الحد عن القاذف؛ لأن الردة تدين والعادة فيها الإظهار، وعليه فإن وقوعها لا ينتج شبهة قيامها إظهارها٤.
وما أرجحه من ذلك، هو ما ذهب إليه فقهاء المالكية من القول بأن الردة تسقط الحد عن القاذف حتى ولو تاب، وذلك؛ لأن جمهور الفقهاء يرى أن حد القذف سببه قيام المعرة بالمقذوف، ولا يخفى أن ردة المقذوف تلحق به من المعرة ما لا تبقي أثرا لغيرها، وعليه فلا معرة بما كان من قذفه.
стр. 629
ثالثًا: عفة المقذوف
العفة هي الكف عما لا يحل ولا يجمل، والعفيفة من النساء: السيدة الخيرة، وامرأة عفيفة، عفة الفرج، والرجل كذلك أيضًا١.
وذكر فقهاء الأحناف أن الرجل العفيف هو من لم يطأ امرأة بالزنا، ولا بشبهة، ولا بنكاح فاسد في عمره؟ فإن كان فعل ذلك مرة سقطت عدالته، ولا حد على قاذفه٢.
وعفة المقذوف، يعتبرها جمهور الفقهاء شرطًا لإلزام القاذف الحد، فإن انثلمت عفة المقذوف درئ الحد عن القاذف؛ لأن انثلامها ينتج شبهة صدق القاذف، ولا يتحقق معها كذبه، والحد لا يلزم في مثل هذا.
وقال فقهاء الأحناف: "وأما لاشترط العفة؛ فلأن غير العفيف لا يلحقه العار بنسبته إلى الزنا؛ لأن تحصيل الحاصل محال، ولو لحقه عار آخر فهو صدق، وحد القذف للفرية لا للصدق"٣.
فإذا كان المقذوف عفيفًا، ثم حكم على القاذف بالحد، وقبل أن يتم
стр. 630
تنفيذ الحد وقع المقذوف في الزنا، فإن الحد والحالة هذه لا يلزم القاذف؛ لأن إحصان المقذوف قد انتقض، وبانتقاصه انثلمت عفته، وسلامتها شرط حتى يقام الحد ذكر ذلك السرخسي بقوله: "وإذا زنى المقذوف قبل أن يقام الحد إلى القاذف، أو وطئ حرامًا غير مملوك، فقد سقط الحد عن القاذف: لأن لحصان المقذوف شرط، فلا بد من وجوده عند إقامة الحد، وقد زال إحصانه بهذا الوطء، وكذلك إذا ارتد المقذوف، وإن أسلم بعد ذلك، فلا حد على القاذف؛ لأنه قد سقط الحد لزوال إحصانه بالردة، ولا حد على القاذف إذا صار المقذوف معتوهًا ناقص العقل، أو أصيب بالخرس وبقي كذلك؛ لأن إصابة المقذوف بذلك، وإن كانت لا تذهب إحصانه إلا أنها تقوم بها شبهة إمكان تصديق القاذف، لو كان المقذوف صحيحًا.
وبهذا لو زالت العلة، وطاب المقذوف بالحد، فله ذلك١، وذكر فقهاء المالكية أن عفة المقذوف قبل القذف، وبعده شرط لإقامة الحد على قاذفه، فقد جاء عنهم: أن عفاف المقذوف الموجب لحد قاذفه واضح في أنه السلامة من فعل الزنا قبل القذف وبعده، ومن ثبوت حده لاستلزمه إياه"٢.
وجاء عن فقهاء الشافعية: "وإن قذف محصنًا، ثم زنى المقذوف أو وطئ وطأ زال به الإحصان سقط الحد عن القاذف، وقال المزني، وأبو ثور: لا يسقط؛ لأنه معنى طرأ بعد وجوب الحد، فلا يسقط ما وجب من الحدة كردة المقذوف، وثبوته الزاني وحريته، وهذا خطأ؛ لأن ما ظهر من الزنا يوقع شبهة في حال المقذوف، ولهذا روي أن رجلًا زنى بامرأة في زمان أمير المؤمنين عمر -رضي الله تعالى عنه، فقال: والله ما زنيت
стр. 631
إلا هذه المرة، فقال عمر: كذبت إن الله لا يفضح عبده في أول مرة، والحد يسقط بالشبهة"١، أما ابن حزم، فإنه يرى وجوب حد القذف على القاذف، إذا كانت الواقعة التي قذف غيره بها، لم تثبت على المقذوف بصرف النظر عما كان قبلها، أو بعدها من وقائع، وإن ثبتت هذه الوقائع السابقة، أو اللاحقة على المقذوف وحد فيها، وقد بين هذا بقوله: "فإن قذف إنسان إنسانًا قد زنى بزنى غير الذي ثبت عليه، وبين ذلك وصرح، فعلى القاذف الحد -سواء حد المقذوف في الزني، الذي صح عليه أو لم يجد؛ لأنه محصن عن كل زنى لم يثبت عليه، وقد قلنا: إن الإحصان هو المنع، "فمن منع بشيء، أو امتنع منه، فهو محصن عنه، فإذا هو محصن، فعليه الحد بنص القرآن"٢.
ويرى الإمام أحمد، والثوري وأبو ثور، والمزني وداود، أن الحد إذا وجب بشروطه، فإنه لا يسقط بزوال شرط من هذه الشروط، أو بزوال كل هذه الشروط طالما أن الحد قد وجب؛ لأن هذه الشروط قد وضعها المشرع للوجوب، فمتي وجب الحد بوجوب شروطه، فلا ينقضه انتفاء بعض هذه الشروط، أو انتفائها كلها، وقد بين ذلك ابن قدامة بقوله: "ولنا أن الحد قد وجب، وتم بشروطه فلا يسقط بزوال شرط الوجوب، كما لو زنى بأمه ثم اشتراها، أو سرق عينا فنقصت قيمتها، أو مكها، وكما لو جن المقذوف بعد المطالبة، ورد ابن قدامة على من اشترطوا استدامة الشروط حتى يتم تنفيذ الحد بقوله: "وقولهم: أن الشروط تعتبر استدامتها لا يصح، فإن الشروط للوجوب، فيعتبر وجوبها إلى حين الوجوب، وقد وجب الحد بدليل أنه ملك المطالبة، ويبطل بالأصول التي قسنا عليها، وأما إذا جن من وجب له الحد، فلا يسقط الحد، وإنما يتأخر
стр. 632
استيفاؤه لتعذر المطالبة، فأشبه ما لو غاب من له الحد، وفارق الشهادة، فإن العدالة شرط للحكم بها، فيعتبر وجودها إلى حين الحكم بها، بخلاف مسألتنا، فإن العفة شرط للوجوب، فلا تعتبر إلا إلى حين الوجوب"١.
وما رآه الإمام أحمد، ومن وافقه هو ما أرجحه؛ لأن من وجب الحد بقذفه قد تتغير ظروفه وأحواله، وليس معنى هذا إهدار ما ثبت له من حق بقذف الجاني له؛ لأن القول بإسقاط الحد بعد وجوبه قد ينتج فتح باب التحايل، ومحاولة الإيقاع بمن وجب الحد بقذفه، بغية الخلاص من الحد، ولا يخفى أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، ومصلحة القاذف، ونجاته من الحد في الفساد المقذوف، ونفي إحصانه، وقد يكون الجاني ذا جاه، أو سلطان، فإن رأى نجاته في إفساد مقذوفه، فلن يتورع عن الإيقاع به، وعليه فإن هذا الرأي يدرأ فتح التحايل والإفساد، ويبطل ما قد ينصب من شراك لصيد الآمنين، وما ذهب إليه ابن حزم بحاجة إلى إعادة نظر؛ لأن من لزمه حد الزنا، فإن عفته قد انثلمت بذلك وبطل إحصانه، وليس لكل واقعة إحصان مستقل؛ لأن الإحصان والعفة أمر معنوي إذا انكسرا، فإن إعادة إصلاحهما أمر مشكوك فيه، وبخاصة بالنسبة لما نحن بصدده، وليس معنى هذا إباحة قذفه، وإنما يلزم القاذف التعزير، ويدرأ عنه الحد لشبهة ترجيح احتمال وقوع الفعل منه؛ لأن ما وقع سابقًا أو لاحقًا قبل وجوب الحد يقوي احتمال صدق مقولة القاذف، وينتج شبهة تدرأ حد القذف عمن لم يستطع إثبات مقولته.
стр. 633
الفصل الخامس: جريمة الردة وما يتعلق بها من شبهات
مدخل
...
الفصل الخامس: جريمة الردة وما يتعلق بها من شبهات
تقديم:
الردة في اللغة: الرجوع عن الشيء إلى غيره، وهو اسم مشتق من الارتداد، وهو مطلق الرجوع، يقال: ارتد على أثره ارتدادًا رجع وكذا عن طريقه ودينه١.
وعند الفقهاء: الرجوع عن الإسلام، أو قطع استمراره ودوامه، سواء كانت بقول كفر أو فعله٢.
وعرف ابن حزم المرتد بأنه كل من صح عنه أنه كان مسلمًا متبرئا من كل دين -حاشا دين الإسلام، ثم ثبت عنه أنه ارتد عن الإسلام، وخرج إلى دين كتابي، أو غير كتابي أو إلى غير دين٣.
وتقع الردة بواحد من الأمور الآتية:
١- نية الكفر أو اعتقاده، والعقاب على هذا يختص الله به، طالما لم تترجم هذه النية، أو هذا الاعتقاد في فعل ما من الأفعال، أو قول ما من الأقوال٤.
стр. 634
٢- إتيان فعل ما من الأفعال التي يقع بها الكفر كالسجود لغير الله، أو إلقاء كتاب الله، أو أحد كتب الحديث في القاذورات استهانة بها.
٣- ترك إتيان ما أوجبه الشرع، تركًا ناتجا من حجد وجوبه، كترك أداء الصلاة، والزكاة وما مثل مما أوجبه الشرع"١.
٤- إنكار ما علم من الدين بالضرورة عن طريق قول ما من الأقوال، أو ادعاء ما ينقص أما أخبر به الرسول ﷺ كادعاء النبوة مثلًا، أو سب الله ، أو رسوله -صلى الله عليه وسلم٢.
وسأقتصر في حديثي هنا على الشبهات، التي تعتري الركن الشرعي لهذه الجريمة، وما اختلف الفقهاء في وقوع الردة بإتيانه، وهو السحر.
стр. 635
وقد ورد في حكم الردة قول الله : ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١.
وروي أن رسول الله ﷺ ، قال: "من بدل دينه، فاقتلوه" ٢، وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد٣.