المجلد الأول
المقدمات
الإفتتاحية: افتتاحية الطبعة الثانية
...
افتتاحية الطبعة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن نهج نهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد كانت -ولا تزال- رغبة أمتنا العربية والإسلامية تواقة ومتشوقة ومتطلعة إلى العودة إلى العمل بالشريعة الإسلامية، وتطبيقها في كل ربوع الحياة، والاستفادة بهديها في إصلاح عقائد الناس وأخلاقهم وتصرفاتهم وجميع علاقاتهم أفرادًا وجماعات.
وهذه الرغبة أزكاها إيمانها الذي لا يتزعزع بأنها شريعة الله الذي يعلم مَن خلق ويعلم ما يصلحه في معاشه ومعاده، وثقتها التامة في أن الابتعاد عنها هو سبب انحطاط هذه الأمة وتأخرها، ووقوعها في براثن المستعمرين ومخالب الغزاة وتفكك عراها، وتشعب أغراض أفرادها، وتنافر أهدافهم وتباين مصالحهم.
لكل ذلك وبعد تجربة قاسية مضى عليها زمن ليس باليسير عادت تنشد عودة العمل بشريعتها الغراء، وتطلبه على كل المستويات، مدركة أن ما هي فيه الآن من ابتعاد عن هذا المسلك الذي اختاره لها الله تعالى هو ابتعاد
стр. 2
عن حقيقتها وجهل بشخصيتها ونسيان لذاتها وانصهار في بوتقة الاستعمار واستبقاء لأثر من آثاره البغيضة.
ومن ثم اتجه الباحثون في كل أرجاء العلاقات الإنسانية إلى دراسة التشريع الإسلامي، ومعرفة ما يحويه من حلول لمشكلات المجتمع خاصها وعامها، نفسيها وأخلاقيها وتشريعيها.
ولما كان أكثر تراث أمتنا الإسلامية يحتاج إلى تقريب لأذهان غير المتمرسين على دراسته، وتبسط يلائم ما تعوده العصر من تقديم المعلومة في أبسط الأساليب وأقربها؛ لذلك كان واجب فقهاء علوم الشريعة أن يوجهوا جهودهم إلى أمرين:
أولهما: إبراز هذا التراث في صورة تغذي بيسر سهولة عقول الراغبين في المعرفة على كل المستويات.
وثانيهما: التصدي للجديد من مشكلات المجتمع وأحداثه ونظمه بوضع الحلول الملائمة لها والمنبثقة من شريعة الله تعالى التي أحاطت بكل شيء.
وإنني في هذا المؤلَّف قد بذلت جُهْدي في إبراز جانب من جانب فقهنا العريق، متوخيًا في إبرازه الإحاطة بآراء فقهاء المسلمين على اختلاف مذاهبهم، مع بسط لأدلة كل رأي، ومناقشة جميع الأدلة، وترجيح ما يرجحه الدليل، ثم عارضًا رأي الفقه الوضعي، ومبينًا ما احتوى عليه من ثالب ما جره هذا القانون على المجتمع من تفشي الجرائم وتقلص الأمن وزعزعة الطمأنينة.
وقد أضفت في هذه الطبعة أبحاثًا جديدة منها "الجناية على الجنين، القسامة، انتفاع الإنسان بجسمه، أو جسم غيره: حيًّا أو ميتًا"، وكذلك بينت أحكام الجناية على ما دون النفس.
стр. 3
وإنني لأرجو الله تعالى أن يتقبل مني هذا الْجُهْد المحدود، وأن يجعله شعاعًا على الطريق يهدي ويرشد، وأن يوفقنا إلى متابعة المسيرة، وأن يجنبنا الزلل.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ .
دكتور حسن علي الشاذلي
رئيس قسم الفقه المقارن
كلية الشريعة والقانون
تحريرًا في: ١٩ من ذي الحجة ١٣٩٧هـ
الموافق: ٢٩ من نوفمبر سنة ١٩٧٧م
стр. 4
افتتاحية الطبعة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد أسعد الله البشرية بما ميزها به من العقل والتفكير، وكرمها أيما تكريم بإرسال الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- هداة ومصلحين ومرشدين الناس إلى ما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة، وما فيه نجاتهم من الشرور في أولاهم وأخراهم، فهم رحمة الله المهداة، ونوره المبين، ورعايته التامة للخلق.
ولقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تتابع رسالاتهم عبر القرون تتابعًا يتفق ونمو المجتمع الإنساني العقلي والاجتماعي، واتساع مداركه وأفكاره، وتشابك مصالحه وأغراضه، وتطور حضارته ومتطلباته.
فكان لكل زمن تشريعه المناسب، ولما بلغ المجتمع الإنساني أشده، ووصل إلى درجة من النضج الفكري والحضاري تؤهله لتلقي التشريع تامًّا كاملًا أرسل الله -جل شأنه- محمدًا -عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام- خاتم النبيين بالتشريع التام الكامل الذي حوى تنظيمًا شاملًا لكل العلاقات: علاقة الفرد بربه، وعلاقة الفرد بالفرد، وعلاقة الفرد بالجماعة، وعلاقة الجماعة بالجماعة،
стр. 5
وعلاقة كل هؤلاء بالدولة، وعلاقة الدولة بهم، وعلاقة الدول بعضها ببعض في تشريع تام كامل ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ١، يعلم ما يصلح حالنا فيأمرنا به، وما يفسد حياتنا فيحرمه علينا.
ولقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يضع لنا تنظيمًا دقيقًا للعبادات، وأن يرسيَ لنا القواعد الكلية في المعاملات مبينة الحلال والحرام، وأن يترك لفقهاء الأمة الإسلامية المجتهدين النظر في كثير من الأمور الجزئية، ومن هنا كانت مرونة هذا التشريع وصلاحيته لكل زمان ومكان، وكان اختلاف الفقهاء في بعض المسائل، الكل رائده الوصول إلى الحق، والوصول إلى الحكم الشرعي، باذلًا في سبيل ذلك أقصى جُهْده وطاقته العلمية والفكرية، وما يهيئ لهما العمل السليم للوصول إلى حكم الله جل شأنه.
وحسبنا اليوم في دراستنا لفقه الكتاب والسُّنة أن نبين بدقة وجهة كل منهم في استنباطه الحكم الشرعي، ثم نقارن بين هذه الآراء، وأخيرًا نرجح ما نراه راجحًا، عمادنا في ذلك ما وضعه لنا سلفنا الصالح من معايير وقواعد للترجيح.
وقد وقع اختيارنا على أحد الموضوعات الهامة في الفقه الإسلامي؛ وهو: "أنواع الجنايات وحكم كل جناية"؛ لأن هذا الموضوع يمثل قسمًا هامًّا من الدراسات الفقهية والقانونية لم يظفر بمثل ما ظفر به غيره من الموضوعات من البحث في العصر الحديث، ويحتاج إلى مثابرة للدراسة ومتابعتها حتى ينكشف لفقهائنا المحدثين ما يحتوي عليه الفقه الإسلامي من رعاية لمصالح الأمة أفرادًا وجماعات، ودرء للمفاسد عنها صغيرها وكبيرها؛ وبذلك يتحقق -بمشيئة الله تعالى- ما يُرجى لهذه الدراسة من أهداف.
стр. 6
ونجعل هذا الموضوع في تمهيد وبابين:
التمهيد: ويحتوي على تعريف للجناية، ثم بيان لميزات العقوبات في الفقه الإسلامي.
الباب الأول: ونبين فيه أنواع الجنايات على نفس الغير، والعقوبات المقررة لكل جناية.
الباب الثاني: ونبين فيه أنواع الجنايات على ما دون النفس، وعقوبة كل جناية.
وستكون دراستنا المقارنة -بإذن الله تعالى- شاملة للمذاهب الفقهية، كما سنقارن نتائج هذه الدراسة بالقانون الوضعي في مصر وغيرها.
وإننا لنستعين بالله تعالى في دراستنا راجين أن يهبنا من هداه وتوفيقه وعونه ما ينير لنا الطريق إلى ما نصبو إليه من أهداف، وأن يرينا الحق حقًّا فنتبعه والباطل باطلًا فنجتنبه، وأن يكتب التوفيق لأبنائنا الدارسين حتى يكونوا نواة صالحة وبذرة طيبة لوطنهم ولأمتهم وللإنسانية جميعًا.
والله ولي التوفيق.
حسن علي الشاذلي
مدرس الفقه المقارن
بكلية الشريعة والقانون
القاهرة في: ٦ من شوال ١٣٩٠هـ
٥ من ديسمبر ١٩٧٠م
стр. 7
التمهيد:
الجريمة والجناية في الفقه الإسلامي:
الجريمة والجرائم لغة: الذنب، تقول منه جرم وأجرم وأجترم وجرم أيضًا: كسب، وبابهما ضرب.
وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا﴾ ١ أي: لا يحملنكم بغض قوم ... أو لا يكسبنكم ...
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ ٢ أي: عما اكتسبنا.
والإجرام مصدر أجرم، وهو اقتراف السيئة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ ٣ أي: عقوبة إجرامي، أو جزاء جرمي وكسبي.
فالجرم يستعمل بمعنى الذنب، ويستعمل بمعنى كسب الآثم.
والجرائم في الشرع: هي محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد أو تعزير، ولها عند التهمة حال استبراء تقتضيه السياسة الدينية، ولها عند ثبوتها وصحتها حال استيفاء توجبه الأحكام الشرعية٤.
والمحظورات الشرعية: هي عصيان أوامر الله تعالى ونواهيه، فعصيان النواهي جرائم إيجابية؛ لأنها فعل ما نهى الله تعالى عنه، كالقتل أو الزنا، وعصيان أوامره جرائم سلبية؛ لأنها امتناع عن أداء ما أوجبه الله ، كترك الصلاة، ومنع الزكاة.
стр. 8
والحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر، وترك ما أمر به؛ لما في الطبع من مغالبة الشهوات الملهية عن وعيد الآخرة بعاجل اللذة، فجعل الله تعالى من زواجر الحدود ما يردع به ذا الجهالة حذرًا من ألم العقوبة، وخيفة من نكال الفضيحة؛ ليكون ما حظر من محارمه -جل شأنه- ممنوعًا، وما أمر به من فروضه متبوعًا، فتكون المصلحة أعم والتكليف أتم، وتتحقق الرحمة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: في استنقاذهم من الجهالة، وإرشادهم من الضلالة، وكفهم عن المعاصي، وبعثهم على الطاعة، وتحقيق مصالحهم الحقيقية في الدارين.
والجريمة بهذا المعنى إنما تكون إذا شرع الله تعالى للمحظور عقوبة، وما لم يشرع له عقوبة لا يكون جريمة.
إلا أن دائرة المحظورات التي شرعت لها عقوبة في الفقه الإسلامي أوسع بكثير من دائرة الجرائم في الفقه الوضعي.
وذلك لأن التشريع الإسلامي جاء بأمور ثلاثة: إصلاح العقائد، وإصلاح الأخلاق، وإصلاح علاقات الإنسان بربه -جل شأنه- وبالمجتمع الذي يعيش فيه أفرادًا جماعات، أحياء أو أمواتًا، وبالكائنات الأخرى، وفي كل مجال من هذه المجالات أحكام إما أوامر توجب عملًا من الأعمال أو نواهي توجب تركًا من التروك أو تحظر فعلًا من الأفعال، وهي في كل ذلك تشرع للناس ما يحقق مصالحهم بجلب النفع لهم، ودرء الضر عنهم، حتى يعيش المجتمع آمنًا مطمئنًا مستقرًّا لا يعكر صفوه شاذ أو ناد، أو متهور أو أناني.
أما القوانين فإنها وإن كان أساس التجريم فيها خلقي، وهو قصد تحقيق مصالح الناس، إلا أنها تقتصر على استيعاب دائرة الفقه الإسلامي تصورًا شنيعًا؛ لأنها لا تقوم على أساس الدين، الذي يرقق النفس البشرية ويترقَى
стр. 9
بها ويصفيها من الأثرة والأنانية حتى يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه.
ولكنها تقوم على أساس الواقع، وما تعارف الناس عليه من عادات وتقاليد، حتى ولو كان ذلك في الحقيقة والواقع مثلبة من المثالب، ونقيصة من النقائص، يرفضها العقل السليم والنفس السوية، فالزنا لا تعاقب عليه القوانين، إلا إذا أكره أحد الطرفين الآخر، أو كان الزنا بغير رضاه رضاء تامًّا، مع أن أيًّا من مشرعي هذه القوانين يأبَى هذه الجريمة لأمه أو لأخته أو لابنته -حتى لو كانت برضا الطرفين- كما لا يرضاها لابنه ولأخيه ولأبيه، ومن هنا وتحت ظل هذه القوانين انحط المستوى الأخلاقي إلى أدنى دركاته، فسيطر الهوى والغرائز والشهوات على كل التصرفات، وأصبح الصالحون هم الذي يسيرون على نهج ما يمليه عليهم دينهم أو ترشدهم إليه أسرتهم من تعاليم اقتبسوها من دينهم الحنيف، فأصبح الناس في الواقع يتجاذبهم قانونان: قانون وضعي غير راضين عنه، وتشريع سماوي يمتزج بقلوبهم وعقولهم رضًا ومحبة، إيمانًا واعتقادًا، علمًا وعملًا، خلقًا وفلسفة، فهم دائمًا في شوق إلى العمل به، حتى وإن شاءت الظروف إلى تجافيه في بعض الأمور، فإن الضمير والقلب يظل مذكرًا صاحبه حتى يعود إليه.
أنواع الزواجر:
والزواجر ضربان: حد أو تعزير.
فأما الحدود:
-وهي العقوبات المقدرة بالشرع- فهي ضربان: أحدهما ما كان من حقوق الله تعالى، وثانيهما ما كان من حقوق الآدميين، وكل واحد منهما إما أن يكون قد وجب الحد فيه لترك مأمور به أو لفعل محظور.
стр. 10
أ- فأما ما وجب بترك ما أمر الشرع به، فإما أن يكون حقًّا لله تعالى أو حقًّا للآدمي.
فأما الأول -وهو ما كان حقًّا لله تعالى- فمثله تارك الصلاة، فإن تركها استنكارًا قتل كالمرتد، وإن تركها استثقالًا قتل عند بعض الفقهاء "الحنابلة وبعض أصحاب الحديث، وكذا الشافعية إذا لم يجد نصحه بعد استتابته، ويضرب عند أبي حنيفة في وقت كل صلاة حتى يؤديها" ومن تركها نسيانًا فليصلها إذا ذكرها.
فأما الثاني -وهو ما كان من حقوق الآدميين- فمثله الديون وغيرها، فيؤخذ الدين جبرًا عن المدين إذا أمكن ذلك، ويحبس بها إذا تعذر، إلا أن يكون المدين بها معسرًا فينظر إلى ميسرته.
ب- وأما ما وجب بارتكاب المحظورات فضربان:
أحدهما: ما كان من حقوق الله تعالى، وهي: حد الزنا، وحد السرقة، وحد المحاربة، وحد الخمر.
وثانيهما: ما كان من حقوق الآدميين، وهي: حد القذف والقصاص في الجنايات١.
стр. 11
وأما التعزيز:
فهو عقوبة غير مقدرة شرعًا، أو هو التأديب على ذنوب لم تشرع فيها حدود، ويختلف حكمه باختلاف حاله وحال فاعله، فيوافق الحدود من وجه، وهو أنه تأديب استصلاح وزجر يختلف بحسب اختلاف الذنب، ويخالف الحدود من ثلاثة وجوه:
١- أنه يتفاوت بتفاوت أحوال الناس، فذو الهيئة من أهل الصيانة تعزيره أخف من أهل البذاءة والسفاهة.
٢- وأن الحد لا يجوز العفو عنه ولا الشفاعة فيه، وأما التعزيز فيجوز فيه ذلك إن تعلق بحق آدمي وعفا عنه، وأما إن تعلق بحق الله تعالى فقد اختلف في جوازه.
٣- وأن الحد إذا ترتب عليه تلف يكون التلف هدرًا، وأما التعزير فإنه يوجب ضمان ما حدث عنه من التلف.
التعريف بحق الله تعالى وحق الآدمي:
ولما كانت العقوبات تدور حول الحفاظ على حقين: حق الله وحق العبد، فإنه يصبح من الضروري أن نبين رأي الفقهاء في التعريف بهما، وميزات العقوبة التي وضعها المشرع الحكيم جزاء لمن ينتهك حرمتها.
أ- حق الله تعالى:
المقصود بحق الله تعالى هو كل ما تعلق به النفع العام للعالم من غير اختصاص بواحد معين من الناس، فالنفع في هذا الحق يعود على المجتمع كله والضرر من اقتراف المحظور فيه، أو الابتعاد عن المأمور به يعم الناس، وقد نسب هذا الحق إلى الله تعالى -مع أن الله غني عن العالمين- مع أن نفعه يعود على المجتمع تشريفًا لهذا النوع من الحق وتنبيهًا إلى أهميته وضرورة الحرص عليه، وبيانًا لشدة العقوبة على مكتسبه، حتى لا يتهاون الناس ولا يستخفون بآثاره، فيفسد حال المجتمع ويضطرب حال الأمن ويختل
стр. 12
استقرارهم وتسوء حياتهم.
وللفقهاء تقسيمات لهذا النوع من الحق عدها الحنفية ثمانية حقوق:
١- عبادات خالصة: كالإيمان بالله تعالى وما يتفرع عنه من العبادات كالصلاة والصيام.
٢- عبادة فيها مؤنة: كصدقة الفطر، فإن من تحققت فيه الشروط اللازم توافرها لإخراج صدقة الفطر وجب عليه إخراجها عن نفسه وعمن يعوله ويتولى الإنفاق عليه، فجهة المؤنة فيها هي وجوبها على الإنسان بسب الغير -كالنفقة- وجهة العبادة فيها تسميتها صدقة وكونها طهرة للصائم، واشتراط النية في أدائها.
٣- مؤنة فيها عبادة: كالعشر، وهو ما يؤخذ مما تخرجه الأرض العشرية المملوكة لمسلم.
٤- عقوبات كاملة: كالحدود: حد الزنا، حد السرقة، حد شرب الخمر ...
٥- عقوبات قاصرة: كحرمان القاتل من الميراث، فإن هذا الحرمان حق الله تعالى؛ لأنه لا نفع فيه للمقتول، وأنه عقوبة للقاتل لكونه غرما لحقه بجنايته؛ حيث حرم من الميراث مع وجود علة الاستحقاق، وهي القرابة، وهي عقوبة قاصرة؛ لأن القاتل لم يلحقه ألم في بدنه ولا نقصان في ماله، بل امتنع ثبوت ملكه في تركة المقتول؛ لقوله ﷺ : "من قتل قتيلًا فإنه لا يرثه وإن لم يكن له وارث غيره، وإن كان والده أو ولده، فليس لقاتل ميراث" رواه أحمد في مسنده.
٦- مؤنة ليس فيها عبادة: كالخراج، وهو ما يؤخذ من الأرض الخراجية من ضريبة تقدر حسب قدرة الأرض على الإنتاج.
стр. 13
٧- حقوق دائرة بين العبادة والعقوبة: كالكفارات مثل: كفارة القتل، أو كفارة الفطر في رمضان.
٨- حق قائم بذاته: وهو الحق الذي يثبت بذاته في شيء من الأشياء من غير أن يتعلق بذمة إنسان يؤديه بطريق الطاعة؛ كخمس الغنائم والمعادن والكنوز التي توجد في باطن الأرض.
ب- حق العبد:
أما حق العبد فيقصد به: ما تعلق به مصلحة خاصة لصحابه، وأمثلته كثيرة منها: الديون بأنواعها، والحقوق المكتسبة إثر بيع أو إجارة أو شركة، أورهن، أو حوالة، أو كفالة، والنفقات المستحقة لزوجة أو ولد أو قريب.
وحق العبد وإن كان خالصًا له إلا أن فيه حق الله تعالى؛ إذ إن نفس الإنسان وماله وكل شئونه فيها حق الله تعالى، فليس له التصرف في شيء من ذلك إلا في حدود ما رسته الشريعة الإسلامية.
فإن تجاوزها فكان ظالما وحق عليه العقاب، وكذلك حق الله تعالى فيه مصلحة للعبد؛ لأنه شرع لتحقيق مصالحه من جلب نفع أو دفع ضرر بالنسبة للأفراد والجماعات.
ويضيف الحنفية قسمين آخرين للحقوق:
ج- ما اجتمع فيه الحقان "حق الله، وحق العبد" وكان حق الله هو الغالب مثل حد القذف١، فلم يجوزوا العفو عنه، كما هو الحال في حق العبد.
стр. 14
د- ما اجتمع فيه الحقان وكان حق العبد هو الغالب، مثل القصاص في الجنايات، ونظرا لما روعي فيه من المماثلة، قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ، وماشرع فيه من جواز عفو ولي الدم عن الجاني.
الآثار التي تترتب على هذا التقسيم:
لا بد لكل تقسيم من فائدة وراءه وإلا لما كان هناك داعٍ إليه؛ ولذلك يلزمنا أن نوضح آثار هذا التقسيم، سواء من ناحية نوع العقوبة، أو الجزاء الذي وضع للجريمة في كل من الحقين، أو من ناحية مميزات كل من العقوبتين.
أ- أما نوع الجزاء الذي وضع لمن انتهك حقا لله تعالى فهو: الحد، أو التعزير، أو الكفارة، أو الحرمان من الميراث، والأولان عقوبة بدنية، والأخيران عقوبة مادية، إلا أن الكفارة قد تؤدَّى بالصوم.
ب- ميزات العقوبة في كلا الحقين:
أ- تتميز عقوبة حق الله تعالى بما يأتي:
١- لا يجرى فيها عفو ولا صلح ولا إبراء؛ بل لا بد من تطبيق العقوب، ة وآية ذلك قوله ﷺ حين شُفع إليه في المخزومية التي سرقت: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".
٢- لا يجرى فيه التوارث، فلا يعاقب ورثة الجاني بما اقترفه؛ لقوله
стр. 15
تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ١، وقوله جل شأنه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ٢.
٣- يفوض استيفاء العقوبة إلى الإمام أو نائبه؛ لأنه هو الذي نصب شرعًا لتنفيذ الأحكام ورعاية الأمة.
٤- يجرى فيها التداخل، فإذا قذف شخص جماعة بكلمة أو كلمات متفرقة لا يقام عليه إلا حد واحد، وهذا الحكم إنما يكون إذا تكررت جناية معينة واحدة.
٥- تتنصف العقوبة بالرق؛ لقوله تعالى في شأن الأرقاء: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ٣.
ب- كما تتميز عقوبة حق العبد بما يأتي:
١- يجرى فيها العفو والإبراء والصلح.
٢- يجرى فيها التوارث بالنسبة لورثة المجني عليه أو وليه.
٣- تتكرر العقوبة فيها بتكرار الجناية، فلو شج شخصًا وقطع آخر وقتل ثالثًا، أخذ بجميع ذلك.
٤- لا تتنصف العقوبة فيها بالرق.
٥- يفوض استيفاؤها إلى المجني عليه أو وليه٤.
стр. 16
وإذا نظرنا إلى حقوق الله تعالى أو ما اجتمع فيه الحقان، وجدنا أنها تحيط بالعلاقات الثلاث التالية:
١- دائرة العبادات: وهي تنظم علاقة الإنسان بربه، فالإيمان بالله تعالى، وفروع الإيمان من صلاة وصيام وحج، يندرج تحت هذه الدائرة.
٢- دائرة العقوبات: وهي تنظم علاقة الناس بعضهم ببعض، وما يجب عليهم من حفظ الدين والنفس والمال والعرض والعقل، وكل من خالف ذلك استحق العقوبة، حتى يسير المجتمع آمنا مطمئنا محققا أهدافه، وكل من عكر صفو هذا الاطمئنان استحق عقوبة تردعه وتزجره عن مثل هذا العمل، ورعاية لهذه المصلحة كانت دائرة العقوبات كلها حقوق الله تعالى؛ أي: لا يجوز أن يسقطها بإبراء أو عفو أو صلح ... كما بينا آنفا، وحتى ما اجتمع فيه الحقان، وكان حق العبد غالبا كالقصاص، نجد أنه إذا كان الشخص خطرا على الأمن، فإن حق الله تعالى يصبح هو الغالب، وننتزع هذا النوع من الحق ونجعله في دائرة حق الله تعالى، نحرم الجاني من التخفيف الذي جعله الشارع لمرتكب هذه الجناية، فيقتل الإمام الجاني القاتل حدا لا قصاصا، ولا يعتد بعفو المجني عليه أو ورثته، وسياتي تفصل ذلك.
٣- دائرة الموارد المالية للدولة ومصارفها: وهي تنظم علاقة المواطن بدولته من حيث كفايتها المادية؛ فزكاة الأموال بأنواعها الواجبة على المسلمين، والخراج سواء كان خراجا على الفرد -الجزية- أم خراجا على الأرض المنتجة الواجب على غير المسلمين، وصدقة الفطر وخمس الغنائم، وما في الأرض من معادن وكنوز ... كل ذلك داخل في حق الله تعالى، وقد بين الله تعالى مصارف كل نوع منها، وذلك أيضا إنما وجب بهذه المثابة حفظا لأمن الدولة وصيانة لسيرها، وتعميرًا
стр. 17
لمرافقها وتدعيما لمستقبلها، فالمال عصب حياة الفرد، وكذلك عصب حياة الدولة؛ إذ به تمحو الجهل والفقر والمرض، وتنشئ الجيوش وتدعمها، وتبني المرافق العامة وتشيدها، وتدعم أجهزة الدولة بالأَكْفَاء الذين يديرون شئونها التنظيمية والقضائية والتشريعية والاجتماعية، كل ذلك لا يقوم إلا بموارد مالية ثابتة؛ ولذلك كانت هذه الموارد حقا لله تعالى.
стр. 18
الجناية:
الجناية لغة:
اسم لما يكتب من الشر، تسمية بالمصدر؛ إذ هي في الأصل مصدر جنَى يجني، ويسمى مكتسب الشر جانيا، والذي وقع الشر عليه مجنيا عليه.
والجناية شرعًا:
كل فعل محرم حل بالنفس أو غيرها.
فكل فعل محرم من الشرع "سواء كان في صورته الإيجابية كارتكاب ما نهى عنه الشرع، أو في صورته السلبية كعدم الإيتان بما وجب الإتيان به" يصدر عن الإنسان يسمى جناية، سواء وقع هذا الفعل على آدمي، أو على أرض، أو على دين، أو على غير ذلك مما يعاقب عليه الشرع.
إلا أن أكثر الفقهاء١ قد تعارفوا أن الجناية هي التعدي على
стр. 19
الإنسان بما يوجب قصاصا أو مالا أو كفارة، وأما ما عدا ذلك من الجنايات فإنها تسمى حدودًا أو تعازير، وقد سبق بيان أنواعها.
وتعارف هؤلاء الفقهاء على إطلاق "الجناية" على الاعتداء على النفس لم يمنع من استعمال بعضهم لفظ "الجناية" في كل ما فيه تعد، ولو على حق من حقوق الله تعالى هو عبادة خالصة، كجناية المحرم -بضم الميم وكسر الراء- على إحرامه باقترافه ما حرم عليه من أفعال؛ كلبس مخيط، أو وضع طيب، أو حلق شعر ... فقد عنون فقهاء الحنفية لهذا النوع من الأفعال بـ"الجنايات" مع إطلاقهم نفس الاسم على ما كان اعتداء على النفس، وقد شعر بعض فقهائهم بهذا التشابه في المسميات فأجاب الكمال بن الهمام على هذا بقوله: "الجناية فعل محرم، والمراد هنا -أي: في الحج- خاص منه، وما تكون حرمته بسبب الإحرام أو الحرم"، ويقول البابرتي في العناية: "الجناية اسم لفعل محرم شرعًا، سواء حل بمال أو نفس، ولكنهم -أعني الفقهاء- خصوها بالفعل في النفوس والأطراف، فأما الفعل في المال فسموه غصبا، والمراد هاهنا -أي: في الحج- فعل ليس للمحرم أن يفعله".
والذي دعاء هؤلاء الفقهاء إلى التمييز بين بعض الجرائم وبعضها وإطلاق اسم الجنايات على ما كان على النفس ... ، وأما غيرها فقد عنونوا له بالحدود أو التعازير هو الخصائص المتغايرة بين العقوبتين؛ إذ الحدود لا يجرى فيها
стр. 20
عفو ولا صلح ولا تورث -إلى آخر ما ذكرنا آنفا- وعكس ذلك القصاص؛ لأن حق العبد فيه غالب، كما يجرى هذا التغاير حتى في إثبات الجريمة، أو في تأثير التوبة فيها.
ولقد أدرك بعض الفقهاء هذا اللبس؛ فبعضهم أدرج تحت "الجرائم" كل أنواع المحظورات المعاقب عليها، ثم قسمها، وخص ما كان على النفس "بالقود في الجنايات" كالماوردي وأبي يعلى١ أو "الجراح" كالشافعية والحنابلة والإباضية في مقابل "الحدود" و"التعزيرات"٢.
إلا أنك تدرك أن إطلاق الجراح أو الدماء عليها هو فضلا عن كونه لا يشمل ما كان من الجنايات بغير جرح وبغير إسالة دماء، كالقتل بالكهرباء أو السم أو الخنق أو المثقل، فهو أيضا لا يتلاءم مع ما يقابله من الجنايات وهو الحدود، لأن الحد هو العقوبة، والتعزير هو العقوبة، وأما الجرح أو الجناية فهو ذات الفعل غير المشروع.
فإما أن يتفق المنهج في الكل من ناحية التسمية بنوع الفعل المحظور الذي ارتكب، أو من ناحية نوع العقوبة، حدا أو قصاصًا أو تعزيرًا، مع أن بعض الفقهاء قد صرح بأن القصاص حد من الحدود.
والذي أرجحه في هذا المقام هو أن يظل الاصطلاح الشرعي للجناية على عمومه، فيندرج تحته كل أنواع الجنايات، سواء أوجبت قصاصا أو مالا أو كفارة، أو أوجبت حدا أو تعزيرا، ويمكن أن يبوب لكل جناية بما وقع الاعتداء عليه، فإن كانت على آدمي قلنا: "الجناية على الآدمي"، وإن كانت على العرض قلنا: "الجناية على العرض"، وإن كانت على المال قلنا: "الجناية على المال"، وهكذا حتى ما كان منها في دائرة العبادات مثل جناية المحرم قلنا: "الجناية على الإحرام"، وهذه التسمية هي التي أسلكها بمشيئة الله تعالى في هذا المؤلَّف.
стр. 21
الجريمة والجناية في الفقه الوضعي:
عرف بعض فقهاء القانون الجريمة بأنها "الواقعة التي ورد بتحريمها نص جنائي -إذا أحدثها- في غير حالات الإباحة المقررة قانونا شخص مسئول جنائيا"١.
وأما الجناية عندهم فهي أحد أقسام الجرائم؛ إذ الجرائم من حيث جسامة العقوبة المقررة لها، أو عدم جسامتها قسمها التقنين الجنائي المصري في المادة ٩ إلى ثلاثة أقسام: جنايات، وجنح، ومخالفات٢.
وعرف الجنايات في المادة ١٠ بأنها "الجرائم المعاقب عليه بالعقوبات الآتية:
الإعدام، الأشغال الشاقة المؤبدة، الأشغال الشاقة المؤقتة، السجن"٣.
стр. 22
ونص في المادة ١١ على أن الجنح هي "الجرائم المعاقب عليها بالعقوبات الآتية:
الحبس الذي يزيد أقصى مدته على أسبوع، الغرامة التي يزيد أقصى مقدارها على جنيه مصري"١.
ونص في المادة ١٢ على أن المخالفات هي "الجرائم المعاقب عليها بالعقوبات الآتية:
الحبس الذي لا يزيد أقصى مدته على أسبوع، الغرامة التي لا يزيد مقدارها على جنيه مصري"٢.
الفرق بين اصطلاحات الفقه الإسلامي والفقه الوضعي:
تبين لنا مما سبق رأي الفقه الإسلامي في مدلول الجريمة والجناية، وأنهما مترادفان، وإن كان بعض الفقهاء تعارفوا إطلاق لفظ الجناية على الاعتداء على الآدمي، إلا أن الآخرين جعلوهما سواء في دلالتهما على ارتكاب فعل محظور شرعا وضع الشرع له عقوبة، إما مقدرة بنص أو باجتهاد من وكل إليه تقديرها الإمام أو نائبه.
ومن هذا يتبين لنا التفاوت بين الفقهين: تفاوت يظهر في عدة جوانب: يظهر في أن التجريم والعقاب في الفقه الإسلامي هو من وضع الخالق جل شأنه، فلا تغيير ولا تبديل ولا نقصان، إلا في حدود ما رسمه وقدره
стр. 23
وفي هذا المسلك ثابت واستقرار لفكرة التحريم والعقاب، وعكس ذلك القانون الوضعي.
وفي أن كل الأفعال المحظورة شرعًا والمعاقب عليها هي جرائم وهي جنايات، سواء كانت عقوبتها جسيمة أو غير جسيمة؛ لأنها كلها متساوية في أنها انتهاك لحرمات الله تعالى.
وإذا اتفق الفقهان في أن الهدف من تجريم بعض الأفعال ووضع العقوبات لها هو رعاية مصالح المجتمع، فإن الشريعة الإسلامية تتميز باتساع دائرة رعاية هذه المصالح، وربما تهدف إليه من تعميق جذور الصلة بين الإنسان وخالقه -جل شأنه- أولا، وبين الإنسان ومجتمعه ثانيا، وهذا ما تفتقده نظرة المجتمع إلى القوانين الوضعية، مما أدى إلى انتشار الجرائم، واعتياد الإجرام، وأدى هذا بدوره إلى إقلاق الأمن ووأد الطمأنينة في ظل هذه القوانين، وقد سبق أن أشرنا إلى هذا.
стр. 24
العقوبات:
العقوبة لغة: هي ما وقع من جزاء على ذنب ارتكبه الإنسان.
ولعل الوجه في تسميتها بهذا الاسم أنها تعقب اقتراف الإثم وتتلوه.
وقد يطلق على العقوبة أنها الجزاء، فيقال: جزى فلان فلانا بما صنع، ويجزيه جزاء، ويقال: جازاه أيضا، إلا أن الجزاء قد يكون على الخير وقد يكون على الشر، أما العقوبة فلا تكون إلا على فعل محظور.
فالعقوبة في اصطلاح الفقهاء: هي الجزاء الذي قرره الشرع لمصلحة الناس على عصيان شرعه.
وتشريع العقوبات وإقامتها أمر توجبه مصلحة الأفراد والجماعات؛ لأن جميع البشر لا يختلفون في ضرورة وجودها، القوى منهم والضعيف، السيد منهم والمسود؛ لأنها حماية لهم من انتشار الفساد، وسد لأبواب المضار، ففي تشريعها جلب للمنافع، ودفع للمضار.
فمفاسد القتل عدوانا لا يمكن حدها، ولا حصر نتائجها، من إزهاق روح؛ بل قد تتلوها أوراح، وضياع عائل ومعول، وذهاب حلقة من حلقات الفكر، أو الرأي، أو التطور المنوط بالبشر، وهدم للأمن والاستقرار.
ومفاسد الزنا من ضياع الذرية وإماتتها معنى بسبب اشتباه النسب ... ، ومفاسد الشرب من زوال العقل، وإفساد الأعراض، وضياع الأموال والأهل والذرية ... ، ومفاسد أخذ المال عدوانا ضياع لجهد العاملين، وتقويض لآمالهم في إسعاد أنفسهم وغيرهم.
стр. 25
وقبح هذه الأمور جمعيها مستقر في العقول والفطر السليمة؛ ولذا لم تبح الأنفس والأديان والأموال والأعراض وزوال العقول في ملة من الملل؛ بل الكل أجمع على تحريمها، وقرر العقوبة على من يقترف شيئا من ذلك.
وقد جاءت الشريعة الإسلامية بتقرير العقوبة على من ينتهك حرمات الله، ويتجاوز حدوده.
وحكمة تشريعها -كما ينقل الكمال بن الهمام عن بعض مشايخه- "أنها موانع قبل الفعل زواجر بعده" أي: أن العلم بشرعية العقوبة يمنع الإقدام على الفعل المحظور، وإيقاع العقوبة بعد ارتكاب المحظور "يمنع من العود إليه".
ولذلك حث الرسول ﷺ على إقامتها فقال: "حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحًا" ١.
وروي عن ابن عباس مرفوعا بلفظ: "وحد يقام في الأرض بحقه أزكى من مطر أربعين صباحا"٢.
وقد سبق أن بينا أنواع العقوبات في الفقه الإسلامي، وأشرنا إلى سبب تميز بعضها عن بعض، ويجمل بنا هنا أن نبين الأسس العامة التي تقوم عليها العقوبة في الفقه الإسلامي:
стр. 26
الأسس العامة التي تقوم عليها العقوبة:
أولا: تطبيق الحدود الشرعية يحقق مصالح الناس:
تبين لنا مما سبق أن الحدود إنما شرعت لتصون للناس وتحفظ عليهم دينهم ونفوسهم وأعراضهم وعقولهم وأموالهم؛ أي: لتحفظ عليهم مقومات حياتهم، ودعائم إنسانيتهم، والركائز الأساسية لتحقيق أمنهم، واستقرار مسيرة حياتهم، وتهيئة الجو الملائم لأعمال فكرهم، وإزكاء عوامل التقدم والتطور بين أفرادهم وجماعاتهم، وكل ذلك إنما يتحقق بإبعاد شبح الجريمة والمجرمين عنهم.
فإن البشرية بطبائعها وغرائزها وشهواتها وانفاعلاتها وعواطفها -مائلة إلى قضاء الشهوة واقتناص الملذات، وتحصيل مقصودها، وكل محبب لديها من ال شرب، والزنا، والتشفي بالقتل، وأخذ مال الغير، والاستطالة على الآخرين بالسب والشتم والضرب، وبخاصة من القوي على الضعيف، ومن العالي على من دونه، فاقتضت الحكمة شرع هذه العقوبات حسما لمادة الفساد، وزجرا عن ارتكابه؛ ليبقى العالم على نظم الاستقامة، وعلى المنهج السوي؛ لأن إخلاء العالم عن إقامة الزواجر يؤدي إلى انحرافه واختلاله، وفيه من الفساد ما لا يخفى على عاقل مدرك.
وكان من الضروري أن يكون شرع هذه العقوبات من الخالق جل شأنه؛ لأنه العالم بمن خلق، الخبير لما يكتنف مخلوقه من صفات، وما يؤثر فيه من عوامل متعددة، المحيط بما يؤثر تأثيرا فعالا في مخلوقه، فيبعده عن ارتكاب ما لا يحل، واقتراف ما لا يرضى.
وإذا كانت هذه التشريعات صادرة من العليم الخبير، كانت علاجا حاسما وداء شافيا لكل نفس مريضة.
ومع ذلك فقد نبه المشرع الحكيم إلى حكمة تشريع هذه العقوبات
стр. 27
وما يعود على الخلق من منافع من تطبيقها، ففي بيان الحكمة من شرعية القصاص يقول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، فالقصاص في الظاهر موت للجاني؛ لكنه في الحقيقة والواقع أحياء لأنفس كثيرة بعد ذلك، ولا اعتداد بالجزء إذا ترتب عليه فساد الجسم كله.
وفي بيان الحكمة من تحريم الخمر والميسر يقوله الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ١، وآثار العداوة والبغضاء على المجتمع لا يمكن حدها ولا حصرها؛ ولذلك سميت الخمر "أم الخبائث".
كما أن الله بعد أن بين عقبة الزنا والقذف يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢.
فقد بين أن من اتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر، والعقل والشرع لا يقبل أن يأمر إنسان بذلك، فيجب الابتعاد عنه.
وإذا كانت هذه الحدود الشرعية محققة لمصالح الأفراد والجماعات كان من الواجب إقامتها، حتى لا يهلك الجميع، مصداقًا لحديث الرسول ﷺ : "مثل القائم في حدود الله، والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا" رواه البخاري والترمذي.
стр. 28
ثانيًا: عدالة العقوبة في التشريع الإسلامي:
لقد برزت العدالة في أجلى صورها في تقرير العقوبة، وفي تطبيقها، أما العدالة في تقرير العقوبة:
فإنك تلحظها في القصاص؛ إذ إنه يقضي بأن يفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجني عليه، وذلك قمة العدالة، ومثل ذلك في إتلاف الأموال ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ .
وفي حد الزنا عدالة، فإن الزنا إهدار النطفة وهدم لبنيان الأسرة، وإخلال بالأنساب، وتقويض للروابط الاجتماعية والحقوقية، وكل ذلك هدم لنظام المجتمع الاجتماعي والتشريعي، فكان الزنا قتلا معنى، فناسب ذلك أن تكون عقوبته للمحصن الرجم؛ لأنه ما كملت نعمته كلمت عقوبته، ولغير المحصن الجلد؛ لأنه لما قصرت نعمته قصرت عقوبته، وتلك عدالة تامة.
وفي حد السرقة عدالة؛ لأن المال هو بمثابة اليد العاملة في حياتنا، وبه قوام الحياة والقدرة على النهوض بأعبائها فأخذه ظلما هو اجتثاث لهذه اليد وتلك القدرة، فكان جزاؤه من جنس العمل، وهو قطع يده، واجتثاث قدرته، وبخاصة أن السرقة قد تمت غالبا بواسطتها.
وحد الحرابة فيه عدالة؛ لأن تنوع عقوبة المحاربة يوحي بأن لكل جناية ما يقابلها من العقاب حتى إن قلنا: إن الأمر بيد الإمام أو نائبه، فالواجب أن تشتد العقوبة وتضعف تبعًا لخطورة الجناية وعدم خطورتها.
وأما عدالة التطبيق، فيكفي أن نشير هنا إلى ما روي عن السيدة عائشة ﵂ أنها قالت: إن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ ثم قالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حِب رسول ﷺ فكلمه أسامة، فقال
стр. 29
رسول الله ﷺ : "يا أسامة، أتشفع في حد من حدود الله؟! " ثم قام فاختطب، فقال: "إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ١.
فالعقوبة إذا ثبتت وجب تطبيقها على من ثبتت عليه لا فرق بين شريف وضعيف، ولا فقير وغني، ولا قريب وبعيد، الكل أمام التشريع سواء.
وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول في حجة الوداع: "يأيها الناس، إن ربكم واحد،وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، وليس لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت اللهم فاشهد، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب".
ثالثًا: استقرار التجريم والعقاب في الفقه الإسلامي:
من مقتضيات العدالة ودواعي الرحمة والموضوعية أن يكون التجريم والعقاب مستقرا في المجتمعات، معروفا لدى الناس جميعا لا يتغير بتغير الأماكن وتوالي الأزمان، حتى ينهج الناس في حياتهم المنهج الذي يجنبهم الوقوع فيما يستوجب العقاب، ويحولوا فكرهم وعقولهم وتدبيرهم وكل أمور حياتهم نحو الأهداف المشروعة، نحو الأرض الطيبة التي تنبت لهم أحسن الزرع وتعطي أجمل الثمار.
стр. 30
وإذا لم يتحقق الاستقرار في تجريم الأفعال، وفي نوعية العقوبة، لترتب على ذلك اهتزاز ميزان العدالة؛ حيث يعاقب إنسان ما على جرم معين، وغدا لا يعاقب آخر بهذا الجرم نفسه، أو أن تطبق اليوم عقوبة ما على إنسان معين، وغدا تطبق على مثيله عقوبة أخف وطئا، أو أشد ثقلا وأثرا ... ومثل هذا يؤدي إلى زعزعة عقول الناس واضطراب أفكارهم ومناهج حياتهم وفقدان الإيمان بفكرة التجريم والعقاب مما يجعلهم يجترئون عليها ولا يحترمون ما يصدر من أحكام في هذا السبيل ... وبذلك تزكو الجريمة، وتنمو بذور الشر في المجتمع.
إن الشريعة الإسلامية كانت وستظل علاجا قويا حكيما رحيما لكل هذه الأدواء؛ إذ قامت على أساس ثابت، وهو أن كل ما جاءت به من عند الله تعالى، فهو الذي حدد الحرام وبين الحلال، وحدد ما يعاقب عليه ما لا يعاقب.
فالحق حق دائما، والباطل باطل دائما، والطيب طيب دائما، والخبيث خبيث دائما في كل مكان وفي كل زمان، وكذلك العقوبة المحددة لكل جرم لا يملك أحد تغييرها أو تبديلها بعد ثبوتها واستيفاء أركانها ... كما لا يملك أحد إسقاطها إلا بما فتحه المشرع من أبواب.
وإذا كنا في تربيتنا لأبنائنا وطلابنا نوجب على المربين وحدة الكلمة وثباتها، وعدم التراجع فيما اتخذناه من قرارات في سبيل التقويم بعد دراستها ومعرفة حقيقتها، حتى يشب النشء على هذه الفضيلة فإن الأمم والشعوب أولى بهذه التربية؛ لأن بها ومنها ستنبثق فروع التربية المختلفة، وبهذا تستقر الأفكار، ويستتب الأمن، ويتحقق النظام المثالي للأمة الذي يبتغيه الإسلام.
رابعا: الواقعية والموضوعية في تقرير نوع العقوبة:
لقد جبل الإنسان على حب ذاته، وغيرته على نفسه، وخوفه من كل
стр. 31
ما يصيبه بأي مكروه، أو يعرضه لأي أذى، حتى وإن أوقع الضرر بالآخرين.. وكل عقوبة توضع من أجل ردع الجاني تتناسى هذا الجانب النفسي والطبيعي والواقعي تضل هدفها، ولا تحقق غرضها، وتعود على المجتمع بنقيض مقصدها.. وقد أثبت صدق ما نقول أن كثيرا من الدول التي قررت وقف عقوبة الإعدام عادت إليها مرة أخرى حانية الرأس أمام هذا المبدأ إثر انتشار الجرائم تحت ظل هذه العقوبة وزعزعة الأمن وإقلاق المواطنين.
ولكن الشريعة الإسلامية سجلت في هذا المجال -كغيره- عمق نظر، وواقعية متناهية فيما يصلح شأن البشر، فقررت جعل جل العقوبات بدنية، ومتجانسة مع الجرم؛ حيث يتأتَى التجانس، وسائره معه ارتفاعا وانخفاضا حتى يشعر الجاني بأن ما يصدر منه من مثالب سيعود عليه مرة أخرى، فكما اكتوى الغير بناره سيكتوي هو أيضا، وكما أضرب الغير سيقع الضرر عليه أيضا، وكما تعدى على حرمات الله، ونال من حقوقه سينال جسمه حقه من العقاب.. فإذا شعر الجاني بذلك راجع نفسه ألف مرة قبل الإقدام على جنايته، وحاسب نفسه حسابا عسيرا، وهذا ما يهدف إليه التشريع من تربية النفس وصقلها وشفافيتها، وإشعارها بأن أذى إنسان ما هو أذى للناس جميعا، وأن الرحمة والمودة لإنسان ما هي إلا رحمة ومودة للناس جميعا.
وفي قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ١ إشارة جلية وواضحة إلى أن الجناية في نظر الشريعة الإسلامية لا تقع
стр. 32
على المجني عليه فقط، وإنما تقع على المجتمع كله؛ لأنها تنتهك حرمته وتهدد مسيرته، وتقلق هدوءه، وتعوق تقدمه، وإذا كان ضررها عاما فإن العلاج الناجع ليس في ترك الفلسفات والأهواء التي تعمل عملها في درء العقوبة عن المجرمين لأسباب وتعليلات لا تستند إلى دليل مما يؤدي إلى إقلاق شأن الآمنين، وإنما في مجابهة مواطن الداء بكل حزم، تأمل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ١.
لذلك كانت الواقعية والموضوعية والحزم في تقرير العقوبات في الفقه الإسلامي هي أكمل السبل وأتمها في تقرير نوعية العقوبة، وبهذا المسلك الحازم يبعد شبح الجريمة، وتصلح مسيرة الناس جميعًا، ويسود الأمن والاستقرار.
فقسا ليزدجروا ومن يك حازما ... فليقسُ أحيانا على من يرحم
خامسا: العقوبات تكتنفها الرحمة:
قد يظن البعض أن هذه العقوبات فيها شدة على الجناة، وعدم مراعاة لظروف ضعفهم والدوافع التي أحاطت بجريمتهم.. ولكن الدارس للفقه الإسلامي يجد أن رحمة الله بخلقه أصدق وأبقى وأشمل من كل ما يُدعى ويقال، ويكفي أن نشير هنا إلى بعض الجوانب التي تتجلى فيها الرحمة:
١- فقد وضع المشرع شروطا متعددة لإقامة الحد، بعضها في
стр. 33
الجاني، وبعضها في وسائل إثباتها في الإقرار بها، أو في الشهادة عليها، تنبثق منها آيات الرحمة، التي لا يحس بها إلا دارس هذا الفقه والعالِم به.
فلا حد على قاصري العقل؛ لصغر أو عته أو جنون.. لانعدام المعنى المقصود من شرعية العقوبة تحت ظل هذا القصور العقلي، وهو ردع الجاني عن الجناية، ولأن الجناية تعتمد القصد الصحيح وهؤلاء لا قصد لهم..
ولا حد على مَن فقد إرادته بسبب يعذر فيه.. كجهل بالحرمة أو العقوبة إذا توافرت شروطه، أو نوم، أو إغماء، أو سكر بمباح.
ولا حد على من فقد اختياره أو رضاه.. كالمكره.. ولا حد على مضطر.. ففي كل ذلك رحمة.
وفي فتح باب العفو عن القصاص إلى الدية رحمة، ففي الوقت الذي استحقت فيه النفس فتح باب كبير لنجاتها، بل إن المشرع الحكيم قد حث على الانتفاع بهذا الباب في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ .
قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ﴾ ، وقال صلى عليه وسلم: "ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزا" ١، وقال أنس: "ما رفع إلى رسول الله ﷺ أمر فيه القصاص إلا أمر فيه بالعفو"٢، وقد انعقد الإجماع على مشروعيته.
стр. 34
بل وفي جعل عقوبة الزنا للمحصن الرجم -لا القتل بالسيف- رحمة؛ لأن الرجم لا يصاحبه الموت فور حدوثه، وخاصة إذا لاحظنا أنه لا يكون بأحجار كبيرة.
والتنفيذ بهذا المسلك يفتح بابا واسعا لتدارك ما قد يكون من خطأ، أو كذب، وقع فيه الشهود، أو ظروف أدت إلى الإقرار، وليكون وسيلة لسبر غور نفس الشاهد، أو المقر، فعساه قد رضي الشهادة زورا، أو أقدم على الاعتراف تحت ظروف جعلته ييئس من الحياة، فشهد الشاهد أو أقر المقر بما يوجب عقوبة الزنا.
فسلك المشرع الحكيم مسلكا رائعا في الكشف عن النوايا؛ حيث أوجب أن يبدأ بالرجم الشهود وعددهم أربعة، ويشترط في كل منهم عدة شروط، سواء من حيث العدالة أو رؤية الحادثة أو ظروف الجناية، مما يتعذر حدوثه إلا في مجتمع بهيمي لا أخلاقي؛ ساعتئذ لا بد من انكشاف الحقيقة ولو من واحد منهم عند رؤية إنسان يهاجمه الموت دون وجه حق، فلو نطق بما يدرأ الحد كان تدارك النفس ممكنا، وهذا ما لا يتأتى مع تنفيذ الحد بالسيف، كما أوجب المشرع أن يبدأ القاضي أو من ينوب عنه برجم المعترف لنفس المعنى، خوفا من قصور في التحقيق، أو تهاون في تقصي الظروف المحيطة بما يثبت صحة الاعتراف، فلا تطيق نفس الحاكم الإقدام على التنفيذ إلا حيث وصلت إلى درجة التيقن باستيفاء كل سبل الإدانة، حتى يكون كل من الشاهد والقاضي مسئولا عن قتله إذا ثبت تواطؤ أو كذب أو تقصير متعمد، ومع هذا فلو ولي المحكوم عليه وهرب أثناء الرجم اعتبر ذلك رجوعا في الإقرار الصادر منه، وحينئذ لا يوالي عليه الرجم، وترفع عنه هذه العقوبة.
فقد جاء فيما رواه أبو هريرة بشأن رجم ماعز الذي أقر بالزنا أربع مرات -أمام رسول الله ﷺ أنه أثناء رجمه هرب، فتعقبه
стр. 35
الراجمون، فلما ذكروا لرسول الله ﷺ أنه فر حين وجد مس الحجارة ومس الموت، فقال رسول الله ﷺ : "هلا تركتموه"، وفي رواية: "هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه" ١.
وبهذا الحديث أخذ الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والعترة، والإمام مالك في رواية عنه أنه يقبل من المقر الرجوع عن إقراره ويسقط الحد عنه، مع العلم أن حد الزنا يندر أن يثبت بغير الإقرار، ولم يحدث في تاريخ الأمة الإسلامية أن ثبت الحد بغير الاعتراف.
ومن هذا يتبين لنا أن تنفيذ عقوبة الزنا بالرجم فيها رحمة؛ لأنها تتيح للمتهم فرصة النجاة من الحد، إذا ما حدث رجوع عن شهادة، أو عدول عن إقرار أثناء تنفيذ الحد، وهذا ما لا يمكن حدوثه إذا كان التنفيذ بالسيف.
وقبول توبة الجاني قبل القدرة عليه رحمة.
ودر الحدود بالشبهات رحمة.
إذن فالرحمة بالجاني في ظل تطبيق الحدود الشرعية متعددة الجوانب.
وأيضا فإن في تطبيق هذه العقوبات على الجناة رحمة بالناس جميعا؛ لأنها تنفي عن المجتمع كل خبث، وتقتل الأفكار السيئة التي تعشعش في رءوس قلة جانحة من هذه الأمة لتنمو على إثرها الأفكار الطيبة وتترعرع، وتزهو زهور التقدم والتطور.
وصدق القائل لرسول الله ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢.
стр. 36
فالمسلك الذي سلكته الشريعة الإسلامية في العقوبات في المواءمة والتعايش والتوافق بين الرهبة والرحمة، بين الخوف والرجاء، بين رعاية المجتمع ورعاية الجاني، هو مسلك فريد يدفع الأفراد إلى الخشية والخوف من الوقوع في الجرائم، ويدفع الناس جميعا إلى الابتعاد عن ارتكاب هذه الجناية، ويحول أنظارهم إلى الاتجاه إلا ما أحل الله، وبذلك ينقي المجتمع من الأدران، وتصان الأسر والأعراض من الهوان.
سادسا: اقتران توقيع العقوبة بتطهير الذنب:
لقد تميز التشريع الإسلامي بنصه على أن استيفاء العقوبة جابر للذنب الذي ارتكب، مطهر للجاني مما ارتكبه مقرب له من ربه، ويؤيد هذا ما روي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه"، فبايعناه على ذلك.
وفي لفظ: "فلا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق" متفق عليه.
وقوله ﷺ : "فعوقب به في الدنيا" أعم من أن تكون عقوبته حدا أو تعزيرا، وكذا إذا كان قصاصا -كما يرى بعض العلماء- لما روى الطبراني عن ابن مسعود أنه قال: "إذا جاء القتل محا كل شيء".
ولما رُوي عن عائشة مرفوعًا: "لا يمر القتل بذنب إلا محاه، فلولا القتل ما كفرت ذنوبه، وأي حق أعظم إليه من هذا؟ ولو كان حد القتل إنما شرع للردع فقط لم يشرع العفو عن القاتل".
стр. 37
ومن هذا يتبين لنا التفسير الواضح لما كان يحرص عليه الجناة في عهد رسول الله ﷺ من التقدم إليه طواعية طالبين توقيع عقوبة ما اقترفوه من ذنوب، ومصرين على توقيعها، بالإقرار عدة مرات كما حدث مع ماعز، وكما حدث مع الأسلمي حينما قال له الرسول ﷺ بعد أن أقر بالزنا أيضا: "فما تريد مني بهذا القول؟ " قال: أريد أن تطهرني.
والربط بين توقيع العقوبة وتطهير النفس في الشريعة الإسلامية يجعل الإنسان دائما في حساب مع نفسه بعد ارتكاب جرمه. إنه إن ستر ذنبه ظل الحق معلقا به، ولا ينفع معه التخفي والتستر؛ لأنه سيأتي اليوم الذي يلقى حسابه فيه ممن لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وحسابه -جل شأنه- لا يقارن بتطبيق العقوبة في الدنيا، فلأن يلقى الله نقي الصحيفة متطهرا من ذنوبه خير له من أن يلقاه مدنسا إياها بالأعمال السيئة.
إذن فالعقوبة في ظل الشريعة الإسلامية مستوفاة إن عاجلا وإن آجلا، وإذا كانت على هذه المثابة فإنه لا تجدي محاولة الإنسان تبرئة نفسه من الجرائم بالاحتيال والتزوير والتمويه والتدبير؛ لأن المطلع والمحاسب الحقيقي لا تنفع أمامه كل هذه الأمور، فأولى به أن يترك الإجرام، وأن ينأى عن المعاصي، وساعتئذ يتحقق المعنى السامي الذي يهدف إليه التشريع؛ وهو القضاء على الجريمة، وبث الأمن والاستقرار في ربوع المجتمع.
سابعا: تدرج العقوبات بتدرج نوعية الجرائم:
لقد لاحظنا التدرج في العقوبة في الفقه الإسلامي بتدرج الجرم قوة وضعفا حسب تأثيره على مسيرة المجتمع، ومدى إخلاله بأمنه واستقراره وإعاقته لمعاني الخير.
стр. 38
أ- ففي المقام الأول:
وضع المشرع الحكيم أعلى العقوبات لأعلى الجرائم وأشدها خطرا على المجتمع.
وسمى هذه الجناية "محاربة لله ولرسوله"؛ إظهارا لبشاعتها وشدة آثارها على المجتمع.. فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١.
فالعقوبة المنصوص عليها في آية المحاربة هي المهيمنة على كل الجرائم التي تشكل خطورة على المجتمع، الجرائم التي تجاوزت الاعتبارات والظروف العادية، فجريمة أخذ المال خفية لها حد السرقة، وأما أخذه مكابرة وقهرا وغلبة، فيجب أن تكون له عقوبة أشد، وهي عقوبة المحاربة.
وكذلك جريمة الزنا، لها حد مقرر في حالة الاختيار، وأما إذا تمت بالقهر والغلبة والقوة، فيجب أن تكون لها عقوبة أشد، وهي عقوبة المحاربة، فيُقتل الزاني "أو الزانية" مطلقا محصنا أو غير محصن عند جمع من الفقهاء.
وكذلك من قتل عمدا عقوبته القصاص إذا رضي الأولياء؛ ولكن هذه الجريمة قد تكتنفها ظروف تدل على خطورة الجاني.. كما إذا تعود القتل بعد انتفاعه بالعفو الذي وضع رحمة به، فرد أثره للمجتمع غلظة وقسوة.. أو قتل غيلة، كما لو أسكر المجني عليه ثم قتله، أو أسقاه
стр. 39
سُمًّا فقتله، فقد اتخذ من غفلة المجني عليه أو ثقته به والاطمئنان إليه وسيلة للانقضاض عليه والفتك به، أو قتل شخصا له خطورته على الأمة كالإمام؛ إذ بقتله يختل صرح النظام، ويرتج بنيان الأمن وقد يودي بالأمة، ويُمكِّن أعداءها منها، في كل ذلك تطبق على الجاني آية المحاربة فيقتل حدا لا قصاصا عند بعض الفقهاء؛ ومن ثم لا عفو ولا صلح ولا إبراء.
وفي المقام الثاني:
وضع المشرع الحكيم بعد ذلك الحدود، فقدر عقوبة كل جرم ووضع الشروط اللازمة لتطبيقها، فكانت هذه الصورة هي صورة الجرائم في صورتها العادية.
وفي المقام الثالث:
وضع المشرع عقوبة التعزير؛ لتحافظ على حقوق الله وحقوق العباد التي نال منها الجاني، والتي لم تصعد لإحدى العقوبتين السابقتين؛ لعدم توافر الشروط اللازمة لتطبيق الحد، وجعل أمرها للإمام أو من ينوب عنه.
وهذه العقوبة تناولها الفقهاء بالبحث، سواء من حيث مقدارها أو من حيث الجرم الذي تطبق فيه ونوعه، وهم وإن اختلفوا في شيء من ذلك فقد آثر المشرع ترك هذا الأمر لاجتهاد الإمام أو نائبه، وأعطاه هذه السلطة لكي تعالج مشكلة الجريمة في الجرائم غير الجسيمة التي تخضع لهذه العقوبة على ضوء حالة الجاني ونوعية الجناية.
ولكن قد يكون من المفيد وضع ضوابط عامة تتناول نهاية العقوبة التعزيرية، وأرى ألا تصل إلى القتل أو إلى الحد المقرر لهذا الجرم حتى لا تتداخل العقوبات، وبخاصة وأن هذه العقوبة تقديرية، وللاجتهاد فيها مجال، ولأن يخطئ القاضي في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة.
стр. 40
وبهذا يتبين لنا أن التشريع الإسلامي جعل العقوبة متمشية ومتعادلة مع حقيقة الجرم وأثره على المجتمع، وجعل العقوبة شاملة لكل أنواع الجرائم، وبهذا المسلك القويم سد التشريع الإسلامي كل الأبواب أمام الأفراد والطوائف التي تسول لها أنفسها النيل من حقوق الله أو حقوق العباد، كما أنه فتح لها الطريق وأنار لها السبيل نحو إعمال فكرها وعقلها نحو كل ما هو خير لهذا المجتمع.
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١.