← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9980

الجنايات في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون

حسن علي الشاذلي

Полный текст (467 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فالمسلك الذي سلكته الشريعة الإسلامية في العقوبات في المواءمة والتعايش والتوافق بين الرهبة والرحمة، بين الخوف والرجاء، بين رعاية المجتمع ورعاية الجاني، هو مسلك فريد يدفع الأفراد إلى الخشية والخوف من الوقوع في الجرائم، ويدفع الناس جميعا إلى الابتعاد عن ارتكاب هذه الجناية، ويحول أنظارهم إلى الاتجاه إلا ما أحل الله، وبذلك ينقي المجتمع من الأدران، وتصان الأسر والأعراض من الهوان. سادسا: اقتران توقيع العقوبة بتطهير الذنب: لقد تميز التشريع الإسلامي بنصه على أن استيفاء العقوبة جابر للذنب الذي ارتكب، مطهر للجاني مما ارتكبه مقرب له من ربه، ويؤيد هذا ما روي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه"، فبايعناه على ذلك. وفي لفظ: "فلا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق" متفق عليه. وقوله ﷺ : "فعوقب به في الدنيا" أعم من أن تكون عقوبته حدا أو تعزيرا، وكذا إذا كان قصاصا -كما يرى بعض العلماء- لما روى الطبراني عن ابن مسعود أنه قال: "إذا جاء القتل محا كل شيء". ولما رُوي عن عائشة مرفوعًا: "لا يمر القتل بذنب إلا محاه، فلولا القتل ما كفرت ذنوبه، وأي حق أعظم إليه من هذا؟ ولو كان حد القتل إنما شرع للردع فقط لم يشرع العفو عن القاتل".

стр. 37

ومن هذا يتبين لنا التفسير الواضح لما كان يحرص عليه الجناة في عهد رسول الله ﷺ من التقدم إليه طواعية طالبين توقيع عقوبة ما اقترفوه من ذنوب، ومصرين على توقيعها، بالإقرار عدة مرات كما حدث مع ماعز، وكما حدث مع الأسلمي حينما قال له الرسول ﷺ بعد أن أقر بالزنا أيضا: "فما تريد مني بهذا القول؟ " قال: أريد أن تطهرني. والربط بين توقيع العقوبة وتطهير النفس في الشريعة الإسلامية يجعل الإنسان دائما في حساب مع نفسه بعد ارتكاب جرمه. إنه إن ستر ذنبه ظل الحق معلقا به، ولا ينفع معه التخفي والتستر؛ لأنه سيأتي اليوم الذي يلقى حسابه فيه ممن لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وحسابه -جل شأنه- لا يقارن بتطبيق العقوبة في الدنيا، فلأن يلقى الله نقي الصحيفة متطهرا من ذنوبه خير له من أن يلقاه مدنسا إياها بالأعمال السيئة. إذن فالعقوبة في ظل الشريعة الإسلامية مستوفاة إن عاجلا وإن آجلا، وإذا كانت على هذه المثابة فإنه لا تجدي محاولة الإنسان تبرئة نفسه من الجرائم بالاحتيال والتزوير والتمويه والتدبير؛ لأن المطلع والمحاسب الحقيقي لا تنفع أمامه كل هذه الأمور، فأولى به أن يترك الإجرام، وأن ينأى عن المعاصي، وساعتئذ يتحقق المعنى السامي الذي يهدف إليه التشريع؛ وهو القضاء على الجريمة، وبث الأمن والاستقرار في ربوع المجتمع. سابعا: تدرج العقوبات بتدرج نوعية الجرائم: لقد لاحظنا التدرج في العقوبة في الفقه الإسلامي بتدرج الجرم قوة وضعفا حسب تأثيره على مسيرة المجتمع، ومدى إخلاله بأمنه واستقراره وإعاقته لمعاني الخير.

стр. 38

أ- ففي المقام الأول: وضع المشرع الحكيم أعلى العقوبات لأعلى الجرائم وأشدها خطرا على المجتمع. وسمى هذه الجناية "محاربة لله ولرسوله"؛ إظهارا لبشاعتها وشدة آثارها على المجتمع.. فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١. فالعقوبة المنصوص عليها في آية المحاربة هي المهيمنة على كل الجرائم التي تشكل خطورة على المجتمع، الجرائم التي تجاوزت الاعتبارات والظروف العادية، فجريمة أخذ المال خفية لها حد السرقة، وأما أخذه مكابرة وقهرا وغلبة، فيجب أن تكون له عقوبة أشد، وهي عقوبة المحاربة. وكذلك جريمة الزنا، لها حد مقرر في حالة الاختيار، وأما إذا تمت بالقهر والغلبة والقوة، فيجب أن تكون لها عقوبة أشد، وهي عقوبة المحاربة، فيُقتل الزاني "أو الزانية" مطلقا محصنا أو غير محصن عند جمع من الفقهاء. وكذلك من قتل عمدا عقوبته القصاص إذا رضي الأولياء؛ ولكن هذه الجريمة قد تكتنفها ظروف تدل على خطورة الجاني.. كما إذا تعود القتل بعد انتفاعه بالعفو الذي وضع رحمة به، فرد أثره للمجتمع غلظة وقسوة.. أو قتل غيلة، كما لو أسكر المجني عليه ثم قتله، أو أسقاه

стр. 39

سُمًّا فقتله، فقد اتخذ من غفلة المجني عليه أو ثقته به والاطمئنان إليه وسيلة للانقضاض عليه والفتك به، أو قتل شخصا له خطورته على الأمة كالإمام؛ إذ بقتله يختل صرح النظام، ويرتج بنيان الأمن وقد يودي بالأمة، ويُمكِّن أعداءها منها، في كل ذلك تطبق على الجاني آية المحاربة فيقتل حدا لا قصاصا عند بعض الفقهاء؛ ومن ثم لا عفو ولا صلح ولا إبراء. وفي المقام الثاني: وضع المشرع الحكيم بعد ذلك الحدود، فقدر عقوبة كل جرم ووضع الشروط اللازمة لتطبيقها، فكانت هذه الصورة هي صورة الجرائم في صورتها العادية. وفي المقام الثالث: وضع المشرع عقوبة التعزير؛ لتحافظ على حقوق الله وحقوق العباد التي نال منها الجاني، والتي لم تصعد لإحدى العقوبتين السابقتين؛ لعدم توافر الشروط اللازمة لتطبيق الحد، وجعل أمرها للإمام أو من ينوب عنه. وهذه العقوبة تناولها الفقهاء بالبحث، سواء من حيث مقدارها أو من حيث الجرم الذي تطبق فيه ونوعه، وهم وإن اختلفوا في شيء من ذلك فقد آثر المشرع ترك هذا الأمر لاجتهاد الإمام أو نائبه، وأعطاه هذه السلطة لكي تعالج مشكلة الجريمة في الجرائم غير الجسيمة التي تخضع لهذه العقوبة على ضوء حالة الجاني ونوعية الجناية. ولكن قد يكون من المفيد وضع ضوابط عامة تتناول نهاية العقوبة التعزيرية، وأرى ألا تصل إلى القتل أو إلى الحد المقرر لهذا الجرم حتى لا تتداخل العقوبات، وبخاصة وأن هذه العقوبة تقديرية، وللاجتهاد فيها مجال، ولأن يخطئ القاضي في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة.

стр. 40

وبهذا يتبين لنا أن التشريع الإسلامي جعل العقوبة متمشية ومتعادلة مع حقيقة الجرم وأثره على المجتمع، وجعل العقوبة شاملة لكل أنواع الجرائم، وبهذا المسلك القويم سد التشريع الإسلامي كل الأبواب أمام الأفراد والطوائف التي تسول لها أنفسها النيل من حقوق الله أو حقوق العباد، كما أنه فتح لها الطريق وأنار لها السبيل نحو إعمال فكرها وعقلها نحو كل ما هو خير لهذا المجتمع. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١.

стр. 41

الباب الأول: جناية القتل مدخل ... الباب الأول: جناية القتل: ونجعل هذا الباب في تمهيد وثلاثة فصول، نبين في التمهيد حكم جناية الإنسان على نفسه أو على غيره، وفي الفصل الأول: القتل العمد، وفي الثاني: القتل شبه العمد، وفي الثالث: القتل الخطأ وما يجب فيه. تمهيد: أ- أول جناية قتل وقعت في التاريخ: لقد وجدت الجناية بوجود الإنسان نتيجة للصراع الذي يجري بين الرغبات والإمكانات المتاحة العاجزة عن تحقيق هذه الرغبات، وبين الآمال الضخمة والواقع الناكص عن تحقيق هذه الآمال، وبين الأنانية والمصلحة العامة. وقد كانت أول جريمة قتل وقعت في التاريخ١ هي تلك الجريمة التي

стр. 42

تحدث عنها القرآن الكريم، والتي وقعت بين ابني آدم ﵇ نتيجة رغبة جامحة وشهوة عمياء، لم تعتد بنظم ولا شرائع.. فأرادت أن تحقق لنفسها ما لا يعطيه لها الحق والشرع عن طريق القتل، فكانت من الخاسرين. وذلك أن آدم ﵇ -وهو أول البشر- كانت تلد لو زوجه "حواء" في كل بطن ذكرًا وأنثى، وكان يزوج الذكر من هذا البطن الأنثى من البطن الآخر، ولا تحل لأخ توءمته، فولدت حواء مع "قابيل" أختا جميلة اسمها "إقليميا" ومع "هابيل" أختا اسمها "ليوذا" ليست جميلة، فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل: أنا أحق بأختي، فأمره آدم فلم يأتمر، وزجره فلم ينزجر، فاتفقوا على التقرب إلى الله بأن يقدم كل منهما قربانا، ثم تقدم كل منهما بقربان، وكان قربان "قابيل" حزمة من سنبل -لأنه كان صاحب زرع- واختارها من أردأ زرعه.. وكان قربان "هابيل" كبشا -لأنه كان صاحب غنم- أخذه من أجود غنمه، فتقبل الله تعالى قربان "هابيل" لأنه كان مؤمنا، فقال له قابيل حسدا -لأنه كان كافرًا: "لأقتلنك" حتى لا يراك الناس أفضل مني، ثم قتله. وفي هذا يقص علينا القرآن الكريم بأسلوبه المعجز البليغ ما دار من حوار بين الأخوين، وما انتهى إليه أمرهما من قتل الأخ أخاه ثم ندمه وحسرته ومواراة رفاته التراب، فيقول جل شأنه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ،

стр. 43

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ١ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ ٢. وهذه الحادثة تمثل لنا حقيقة الصراع الدائر بين العقل والشهوات، بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، بين الخير والشر. ب- حكم الجناية على الإنسان: حرمت الشريعة الإسلامية الاعتداء على النفس الإنسانية كلا أو بعضا، سواء كان الاعتداء صادرًا من الإنسان على نفسه، أو منه على غيره، وقد أفاضت في ذلك نصوص الكتاب والسنة. ١- أما اعتداء الإنسان على نفسه، فقد نهى الله عنه، سواء كان إهلاكا للنفس، أو تعريضا لها للهلاك. قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ ٤.

стр. 44

وأيضا فإن عموم النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ١ يندرج تحته قتل الإنسان نفسه. فإن هذا البنيان الذي شيده الله -جل شأنه- وبعث فيه الحياة وميزه بالعقل؛ ليباشر مهامه في المجتمع، ويؤدي دوره في الحياة الدنيا.. لايرضى الله تعالى عمن يهدمه، أو يناله بأي أذى، سواء كان هذا الأذى واقعا على النفس أم على جزء منها، وسواء كان الجاني جانيا على نفسه أم على غيره، كل ذلك منهي عنه، وكل مرتكب لشيء من ذلك معاقب، حتى وإن قتل نفسه أو قتر عليها في الإنفاق، أو حجب العقل عن أن يباشر مهامه التي خلق من أجلها؛ لأن هذا البنيان هو بنيان الله لا يملكه أحد سواه، ولا يهدمه إلا مالكه، قال رسول الله ﷺ : "إن هذا الإنسان بنيان الله ملعون من هدم بنيانه". ولذلك نجد أن عقوبة قاتل نفسه عقوبة متناهية في الشدة، أوضحها الرسول ﷺ بقوله: "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدًا، ومن تحسى سُما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدا مخلدًا فيها أبدًا" رواه البخاري ومسلم٢. كما روي عن جندب البجلي عن النبي ﷺ قال: "كان ممن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينا، فجز بها يده، فسال الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة" أخرجه البخاري ومسلم.

стр. 45

٢- وأما اعتداء الإنسان على غيره فقد حرمه الله تعالى في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله -صلى الله علي وسلم- وأجمعت عليه الأمة. أما الكتاب الكريم: فقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ ١. وقوله تعالى في وصفه لعباد الرحمن: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٢. وقوله جل شأنه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ٣.

стр. 46

أما السُّنة النبوية الشريفة١: فروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" رواه الجماعة. وعن عائشة: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا من ثلاثة: إلا من زنى بعدما أحصن، أو كفر بعدما أسلم، أو قتل نفسا فقتل بها" رواه أحمد والنسائي ومسلم بمعناه. وفي لفظ: "لا يحل قتل مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال: زان محصن فيرجم، ورجل يقتل مسلما متعمدا، ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض" رواه النسائي. وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة الإسلامية على تحريمه، فإن فعله إنسان متعمدا فسق أمره إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له٢. ويتضح لنا من هذه النصوص ما يأتي: أولا: حرمة قتل النفس بغير حق. ثانيا: قتل النفس بالحق يكون في الحالات التالية:

стр. 47

١- الزاني المحصن: فقد رجم رسول الله ﷺ ماعزا والغامدية وكانا محصنين. ٢- المرتد عن دينه: لقوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه"، وللأحاديث الواردة آنفا. ٣- قتل نفس الغير عمدا: فإن من قتل غيره عمدا يقتل به، وهذا قتل بحق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ... ﴾ الآية١، وقوله جل شأنه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... ﴾ الآية٢. ٤- الخارجون على حكم الإمام "المحاربون" الذين حددت عقوبتهم الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . ٥- الحربيون: وهم الكفار الذين يحاربون المسلمين فإن قتلهم قتل بحق، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ .

стр. 48

الفصل الأول: القتل العمد وعقوبته المبحث الأول: حقيقة القتل العمد ... الفصل الأول: القتل العمد وعقوبته: ويشمل هذا الفصل خمسة مباحث، نوضح في الأول آراء الفقهاء في تحديد ما يتحقق به القتل العمد، وفي الثاني أركان الجريمة عمدا في الفقه الإسلامي، وفي الثالث أركانها عند فقهاء القانون الوضعي مع المقارنة بالفقه الإسلامي، وفي الرابع عقوبة القتل عمدا في الفقه الإسلامي، وفي الخامس عقوبة القتل عمدا في القانون مع مقارنتها بعقوبة في الفقه الإسلامي. المبحث الأول: حقيقة القتل العمد: العمد لغة: القصد، يقال "عمد" بفتحتين للشيء: قصد له أي: تعمد، وهو ضد الخطأ. العمد اصطلاحًا: قد بين القرآن الكريم لنا في الآيات المذكورة آنفا وصفين من صفات القتل؛ أحدهما: القتل عمدا، والثاني: القتل خطأ، كما بينت السنة وصفا ثالثا، وهو الجناية "شبه العمد" أي: الجناية التي يختلط فيها العمد والخطأ؛ أي: القصد وعدم القصد، فقال رسول الله ﷺ : "ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط أو العصا، فيه مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها" رواه الخمسة إلا الترمذي.

стр. 49

لقد كان لذكر القرآن الكريم لوصفين فقط من أوصاف الجناية وعدم ذكره الوصف الثالث وهو "شبه العمد" أثر في اختلاف الفقهاء في القول بهذا الوصف، وتبعا لذلك اختلفوا في بيان حقيقة القتل العمد والقتل شبه العمد، ونوضح آراءهم فيما يلي كما وردت في كتب المذاهب مع تحليل رأي كل مذهب. القتل العمد عن الحنفية: يرى الإمام أبوحنيفة أن القتل العمد هو: ما تعمد فيه شخص ضرب آخر بسلاح كالسيف، أو ما أجرى مجرى السلاح في تفريق الأجزاء -كالمحدد من الرصاص أو الذهب أو الفضة أو الزجاج، وأمثال ذلك، وكالنار لأنها تعمل عمل السلاح- ولا يشترط الجرح في ظاهر الرواية١. وإنما اشترط الإمام ذلك في القتل العمد؛ لأن العمد هو قصد إزهاق الحياة، والقصد فعل القلب، وهو أمر لا يتوقف عليه؛ لأنه أمر باطني أقيم استعمال الآلة القاتلة غالبا مقامه تيسيرا، كما أقيم السفر مقام المشقة، والبلوغ مقام اعتدال العقل تيسيرا، والآلة القاتلة غالبا هي المحددة؛ لأنها هي المعدة للقتل، فيكون القصد إلى إزهاق الحياة بالسلاح عامل في الظاهر والباطن جميعا، وذلك بخلاف ما ليس بمحدد؛ لأنه غير معد للقتل، حتى لو ضرب بحجر كبير أو خشبة كبيرة كانت الجناية شبه عمد ولا يجب القصاص عنده. وقال الصاحبان "أبو يوسف ومحمد": العمد هو ما تعمد فيه شخص ضرب آخر بما يقتل غالبا، سواء كان بسلاح وما جرى مجرى السلاح، أم بغيرهما كحجر كبير أو خشبة كبيرة، وبهذا قال جمهور الفقهاء.

стр. 50

وتطبيقا لهذه القاعدة: "لو ألقى شخص آخر من جبل أو سطح أو غرقه في الماء أو خنقه حتى مات، كل ذلك شبه عمد عند الإمام أبي حنيفة، وعند الصاحبين عمد إن كان ذلك يقتل غالبا، وإن كان لا يقتل غالبا يكون خطأ العمد"، وفي رواية عن أبي حنيفة: إن غرز الإبرة في مقتل كان عمدا ويقتص منه، وإن لم يضعها في مقتل لا يكون عمدا١. ومن هذا التعريف يتضح لنا أن القتل العمد الموجب للقصاص عند الحنفية له أركان ثلاثة: ١- قصد الجاني ضر آدمي معين بغير حق، وفي بعض الكتب قالوا: العمد ما تعمد قتله بالحديد فصرحوا بأن يقصد الجاني القتل، ولكن عامة كتبهم صرحت بأن العمد هو "ما تعمد ضربه بسلاح"، جاء في الذخيرة أنه إن "قصد أن يضرب يد رجل فأصاب عنقه فهو عمد وفيه القود، ولوأصاب عنق غيره فهو خطأ"، قال في المجتبى: "وبهذا تبين أن قصد القتل ليس بشرط لكونه عمدا"٢. اهـ. ٢- استعمال السلاح أو ما جرى مجراه في تفريق الأجزاء عند الإمام أبي حنيفة "وعندهما استعمال ما يقتل غالبا، سواء كان سلاحا وما جرى مجراه أم غيرهما". ٣- أن يكون القتل مباشرة، فإن كان بسبب لا يجب القصاص؛ لأن القتل بسبب لا يساوي القتل مباشرة، والجزاء قتل بطريق المباشرة٣.

стр. 51

................................................................................................

стр. 52

القتل العمد عند المالكية: ويرى المالكية أن القتل١ العمد الموجب للقصاص نوعان؛ لأنه إما أن يباشر الجاني القتل بنفسه أو يفعل فعلا يكون سببا في القتل. فالنوع الأول "إتلاف مباشرة" لا بد فيه من توافر ثلاثة أمور: أولها: قصد المكلف ضرب شخص معصوم الدم، سواء قصد الشخص المضروب نفسه أو قصد أن يضرب شخصا عدوانا فأصاب غيره٢، ولا يشترط قصد القتل٣. ثانيها: أن يكون قصد الضرب بسبب عداوة أو غضب؛ أي: عدوانا، سواء قصد القتل أو لم يقصده، أما إن كان بقصد اللعب أو التأديب فإنه لا يكون عدوانا فلا يكون عمدا، بشرط أن تكون الآلة موضوعة لذلك

стр. 53

نحو السوط أو العصا، أما بنحو السيف فإنه يكون عمدا؛ لأنه غير مستعمل في هذا الغرض. فالمالكية بهذا يرون أن استعمال السلاح القاتل كالسيف لا يحتاج معه إلى التعرف على قصد الجاني القتل أو عدم قصده، قصده الاعتداء أو اللعب أو التأديب؛ وذلك لأن السلاح موضوع بطبيعته للقتل وليس لغير ذلك، فإذا استعمله أيا كان قصده كان متعديا فيكون عمدا، وهم بهذا يجعلون السلاح أمارة ظاهرة على إرادة القتل، لا حاجة معها للبحث عن الإرادة الباطنة. ثالثها: استعمال آلة تؤدي إلى القتل، سواء كانت مما يقتل غالبا كالآلات المحددة كالسيف وما جرى مجراه، وكالأشياء الثقيلة كالحجر الكبير والخشبة العظيمة، أم كانت مما لا يقتل غالبا كالسوط والعصا ونحوهما، وكذا إذا استعمل ما يؤدي إلى الموت دون ضرب كالخنق ومنع الطعام والشراب إذا قصد بذلك قتله١، وقيل: لا يشترط؛ بل إن فعل ذلك بقصد التعذيب فمات وجب القصاص. والنوع الثاني: "القتل بسبب": ومن أمثلته: أن يربط دابة بالطريق للإضرار بشخص معين. أو يضع في الطريق ما يؤدي إلى انزلاقه -مثل ماء أو قشر بطيخ- أو يتخذ كلبا عقورا -أي: شأنه العقر بلا سبب- بقصد الإضرار به. أو يحفر له بئرا ولو كان حفرها ببيته.

стр. 54

فإذا قتل الشخص المقصود بسبب من هذه الأسباب وجب القصاص، وإذا وجدت قيود ثلاثة: ١- أن يقصد الفاعل بفعله الضرر. ٢- وأن يكون الشخص الذي قصد الإضرار به معينا. ٣- وأن يهلك ذلك الشخص المعين بسبب ذلك. وإن لم يهلك الشخص المقصود المعين بل هلك غيره، أو قصد ضرر غير معين فهلك بها إنسان غيره كان خطأ، الواجب فيه الدية في الإنسان الحر على العاقلة، والقيمة في غيره. وإن لم يقصد ضررا فلا شيء عليه إن حفر البئر بملكه أو بأرض موات بقصد منفعة ولو لعامة الناس، أما أن حفرها بملك غيره بلا إذن، أو بطريق أو بأرض موات لا لمنفعة، فالدية في الحر والقيمة في غيره. القتل العمد عند الشافعية: يرى الشافعية أن العمد هو"أن يعمد الجاني إلى الاعتداء على شخص مقصود بالجناية بشيء يقتل غالبا". ثم أخرج فقهاؤهم محترزات هذا التعريف فقالوا: "أن يعمد الجاني إلى الاعتداء" خرج ما لو عمد إلى ضربه وكان ضربه مستحقا؛ أي: غير عدوان١.

стр. 55

"الاعتداء على شخص" خرج ما لو زلقت رجله فوقع على شخص فمات فإنه خطأ. "شخص مقصود بالجناية" خرج ما لو رمى زيدا فأصاب عمرًا فهو خطأ أيضا. "بشيء يقتل غالبا" أي: بأي شيء يقتل غالبا كان ذلك محددا أم مثقلا أم غيرهما؛ كخنق أو إلقاء في بئر، أو تقديم طعام مسموم أو سحر، أو حبس دون طعام أو شراب، أو شهادة زور أدت إلى القتل. "يقتل غالبا" خرج ضربه بما يقتل نادرا، فإن هذا يكون شبه عمد، كما لو ضربه في غير مقتل بعصا صغيرة أو حجر صغير وما أشبه ذلك. وهل يشترط المذهب أن يكون الجاني قاصدًا قتل المجني عليه؟ الراجح في المذهب أنه لا يشترط ذلك، فالفعل الذي أدى إلى القتل إذا توافرت فيه الشروط المذكورة آنفا يكون عمدا موجبا للقصاص، قصد القتل أم لم يقصده بأن قصد الضرب دون القتل؛ لأن المذهب لما جعل العمد ما كان بآلة تقتل غالبا، أقام هذه الآلة معيارا أو دليلا على قصد القتل، فلا حاجة إلى التعرف حينئذ على إرادته الباطنة هل قصد القتل بذلك أم لا؟ خاصة وأن الآلة التي تقتل غالبا، لا تستعمل عادة في الضرب إلا بقصد القتل، فكانت دليلا ظاهرا على إرادته قتله. وفي رأي مرجوح في المذهب يشترط لكي تكون الجناية عمدا أن يقصد الجاني قتل شخص معين١.

стр. 56

وواضح من هذا التحليل أن الشافعية يجعلون أركان القتل العمد ثلاثة: أولها: أن يقصد الجاني بجنايته شخصا معينا فيقتله بهذه الجناية، حتى إنه لو قصد ضرب عمرو فأصاب خالدًا، لم يكن القتل عمدا؛ بل يكون خطأ. ثانيها: أن يقصد الفعل، ولا يشترط قصد القتل على الراجح في المذهب. ثالثها: أن يرتكب الجاني جنايته بما يقتل غالبا، سواء كان ذلك بالمباشرة، أو التسبب؛ وذلك لأن الفاعل إما أن يقصد عين المجني عليه أو لا يقصده، فإن قصده بالفعل الذي يؤدي إلى الهلاك بلا واسطة فهو المباشرة، وإن أدى إليه بواسطة فهو السبب، وإن لم يقصد عين المجني عليه فهو الشرط، ونوضح كل نوع منهما فيما يلي: أولهما: أن يكون القتل مباشرة، ويقصد بالمباشرة كل فعل يؤثر في الهلاك ويحصله، ويكون القتل مباشرة إذا وقع بما يقتل غالبًا؛ كما لو ضربه بمجرد كالسلاح وما جرى مجراه في تفريق الأجزاء، أو بمثقل كحجر كبير ونحوه مما يقتل غالبا، وكذلك بما يقتل نادرا إذا وضع في مقتل كغرز إبرة في مقتل كالعين وأصل الأذن والحلق، وتكرار ضرب بعصا صغيرة ونحوها، وأيضا ضرب يقتل المريض دون الصحيح؛ لأن هذا يقتل مثله غالبا، وكذا لو حبسه ومنه الطعام والشراب، فمات جوعا أو عطشا بعد مضي مدة بموت مثله فيها غالبا، كل هذا عمد موجب القصاص.

стр. 57

الثاني: القتل بسبب؛ وهو أن يقصده بالفعل الذي يؤدي إلى الهلاك بواسطة، والسبب ينقسم إلى ثلاثة أضرب: الأول: سبب شرعي: كما لو شهد بقصاص، فقتل المشهود عليه، ثم رجعا وقالا: تعمدنا الكذب، لزمهما القصاص؛ لأنهما تسببا في إهلاكه بما يقتل غالبا، فأشبه ذلك الإكراه الحسي١. الثاني: سبب عرفي: كتقديم طعام مسموم لمن يأكله، وكما لو ترك المجروح علاج جرح مهلك له، فمات وجب القصاص جزاما على الجارح؛ لأن البرء غير موثوق به لو عولج، والجراحة في نفسها مهلكة، أما ما لا يهلك، كأن فصده فلم يعصب العرق حتى مات، فإنه لا ضمان؛ لأنه هو الذي قتل نفسه، وكذا لو ألقاه في ماء يعد مغرقا وكان لا يمكنه التخلص منه، ولو أمسكه فقتله آخر، أو حفر بئرا فراده فيها آخر، أو ألقاه من شاهق، فتلقاه آخر فقده، فالقصاص على القاتل في الصورة الأولى لحديث: "إذا أمسك الرجل الرجل حتى جاء آخر فقتله، قتل القاتل وحبس الممسك" رواه الدارقطني، وأيضا القصاص على المردي في الثانية تقديما للمباشرة؛ لأن الحفر شرط ولا أثر له مع المباشرة، وعلى القاد القصاص في الصورة الثالثة؛ لأن فعله قطع أثر السبب. الثالث: السبب الحسي: كما لو أكرهه على قتل شخص بغير حق فقتله، فعلى المكره -بكسر الراء- القصاص؛ لأنه أهلكه بما يقصد به الإهلاك غالبا، فأشبه ما لو رماه بسهم فقتله، وكذا يجب القصاص على المكره -بفتح الراء- في الأظهر؛ لأنه قتله عمدا عدوانا لاستبقاء نفسه، فأشبه ما لو قتله المضطر ليأكله بل أولى؛ لأن المضطر على يقين من التلف إن لم يأكل،

стр. 58

بخلاف المكره، والثاني، لا قصاص على المكره -بكسر الراء- لأنه متسبب بل على المكره -بفتح الراء- لأنه مباشر، والمباشرة مقدمة. القتل العمد عند الحنابلة: عرف الحنابلة١ القتل العمد بـ"أن يقتل قصدا بما يغلب على الظن موت المقتول به عالما بكون المقتول آدميا معصوم الدم". فلا قصاص بما لا يقتل غالبا؛ لأن حصول القتل بما لا يغلب على الظن موته به يكون اتفاقا لسبب أوجب الموت غيره، وإلا لما تخلف الموت عنه في غير تلك الحال على الأكثر. وكذا لا قصاص إن لم يقصد قتله، أو قصد غير معصوم الدم٢.

стр. 59

...............................................................................................

стр. 60

..............................................................................................

стр. 61

..............................................................................................

стр. 62

...............................................................................................

стр. 63

أركان القتل العمد عن الحنابلة: يبتين لنا من تحليل الحنابلة للقتل العمد أنه لا بُد فيه من توافر ما يأتي: أولا: أن يقصد بالقتل من يعلمه آدميا معصوما، وقصد القتل يظهر في بعض كتب الحنابلة مثل: كشاف القناع، والأحكام السلطانية لأبي يعلى، ولا يظهر في بعضها الآخر، مثل: المغني والشرح الكبير الذي عرفه بقوله: "فالعمد ما ضربه بحديدة أو خشبة كبيرة فوق عمود الفسطاط أو حجر كبير الغالب أن يقتل مثله، أو أعاد الضرب بخشبة صغيرة، أو فعل به فعلا الغالب من ذلك الفعل أنه يتلف"، وأيضا ما جاء في الروض المربع: "القتل العمد أن يقصد من يعلمه آدميا معصوما فيقتله بما يغلب على الظن موته به، فلا قصاص إن لم يقصد قتله، ولا إن قصده بما لا يقتل غالبا". ثانيا: أن يكون الفعل الذي أدى إلى القتل من الأفعال التي تقتل غالبا، سواء كان هذا الفعل بالمباشرة أم بالتسبب، وقد وضح المذهب آنفا بالتفصيل هذه الأفعال. ثالثا: أن يكون الفعل بقصد الاعتداء، أما لو كان بقصد التأديب فإنه لا يكون عمدا إذا لم يتجاوز الحد "فمن أدب ولده أو أدب امرأته في النشوز أو أدب المعلم صبيه، أو أدب السلطان رعيته، ولم يسرف الأب أو الزوج أو السلطان فأفضى التأديب إلى تلف المؤدَّب -بفتح الدال- لم يضمن المؤدِّب -بكسر الدال- لأنه مأذون فيه شرعا، فلم يضمن ما تلف به كالحد، وإن أسرف في التأديب بأن زاد فوق المعتاد، أو زاد على ما يحصل به المقصود، أو ضرب من لا عقل له -أي غير صالح للتأديب- من صبي غير مميز وغيره كمجنون ومعتوه ضمن؛ لأنه غير مأذون في ذلك شرعًا"١.

стр. 64

القتل العمد عند الزيدية: يرى الزيدية أن القتل العمد هو "أن تكون الجناية مباشرة من مكلف قاصد للمقتول بما مثله يقتل في العادة، أو قصد القتل بما مثله لا يقتل في العادة بالنظر إلى المجني عليه، فمن مات بذلك فإنه يقتل فاعله، وإن ظن الاستحقاق له بالمجني عليه؛ نحو أن يظنه قاتل أبيه فقتله فانكشف القاتل غيره، فإنه يلزمه القود ما لم يكن فعله بأمر الحاكم أو بإقرار المجني عليه فيكون خطأ؛ لأن الحاكم ألجأه، والمجني عليه غرر عليه، فيلزم القاتل الدية وتكون على عاقلته"١. تحليل أركان القتل العمد عند الزيدية: يتضح لنا من التعريف المتقدم أن الزيدية يرون أن القتل العمد الموجب للقصاص هو ما توافر فيه ما يأتي: أولا: أن يقصد بجنايته إنسانا معينا، فلو رمى زيدا فأصاب عمرًا كانت جنايته خطأ، ولا عبرة بظنه أن دم المجني عليه مستحق له، ثم ظهر خلاف ظنه. ثانيا: لا يشترط قصد القتل إلا إذا كان القتل بما لا يقتل عادة، فإن قصد إيلامه فقط بفعل لا يقتل عادة كانت الجناية خطأ، كما سيأتي إيضاحه في الجناية خطأ. أما في إن كانت الجناية بما مثله يقتل في العادة، فإنه لا يشترط قصد القتل، فمجرد مباشرة الجناية بذلك يكفي في جعل الجريمة عمدية موجبة للقصاص،

стр. 65

سواء قصد القتل أم قصد التأديب؛ لأن مثل هذا الفعل لا يستعمل إلا في القتل عادة، فكانت مباشرة الجناية به دليلا ظاهرا على إرادته لا حاجة معه إلى التعرف على نيته وقصده؛ لأنها أمر باطني. ثالثا: الظن الخاطئ لا يخرج الجريمة عن كونها عمدا، فلو ظن أن دم المجني عليه مستحق له، نحو أن يظنه قاتل أبيه فقتله، ثم انكشف أن القاتل غيره، فإن قتله يكون عمدا موجبا للقصاص. رابعا: أن تكون الجناية من مكلف -بالغ عاقل- فأما الصبي والمجنون فعمدهما خطأ، وهذا القيد وإن صرح به الزيدية في تعريفهم للقتل العمد، فهو شرط لاستيفاء القصاص بإجماع الفقهاء كما سيأتي. خامسا: أن تكون الآلة مما يقتل عادة، سواء كانت بمحدد أم بغير محدد، بماشرة أم بسبب ولم يوجد من يتعلق به القتل إلا المسبب، أما إذا كانت بما لا يقتل عادة فإنه يجب أن يقترن بها قصد القتل كما ذكرنا آنفا١.

стр. 66

...............................................................................................

стр. 67

القتل العمد عند الإمامية: عرف الإمامية العمد فقالوا: "أن يتعمد الفعل والقصد، بمعنى أن يقصد الشخص المعين، وفي حكمه تعمد الفعل دون القصد إذا كان الفعل مما يقتل غالبا"١. فإذا قصد الجاني قتل إنسان معين فقتله كان عمدا، سواء كان ذلك بفعل يقتل غالبا أو يقتل نادرًا؛ لأن العمد يتحقق بقصد القتل من غير نظر إلى الآلة. وإذا لم يقصد القتل، ولكنه فعل به فعلا يقتل غالبا كان عمدا. وإذا لم يقصد القتل، ولكنه فعل به فعلا نادرًا ما يؤدي إلى القتل، فإنه لا يكون عمدا، وإن اتفق موته بهذا الضرب، كما لو ضربه بالعود الخفيف أو العصا الخفيفة في غير مقتل بغير قصد القتل؛ لانتفاء القصد إلى القتل، وانتفاء القتل بذلك عادة، فيكون القتل شبه الخطأ. وللشيخ٢ قول بأنه هنا عمد، استنادًا إلى روايات ضعيفة أو مرسلة لا تعتمد في الدماء المعصومة. أما لو كرر ضربه بما لا يحتمل مثله الضرب به بالنسبة إلى بدنه؛ لصغره أو مرضه، أو زمانه لشدة الحر أو البرد فهو عمد؛ لأنه حينئذ يكن الضرب بحسب العوارض مما يقتل غالبا، ولا عبرة بكون الآلة مما لا تقتل إلا نادرًا. ومن هذا يتبين لنا أنه يلزم توافر ما يأتي؛ لكي تكون الجريمة عمدا عند الإمامية:

стр. 68

أولا: أن يقصد الإضرار بشخص معين. ثانيا: لا يشترط توافر قصد القتل إذا كان الفعل مما يقتل غالبا؛ ولكن يشترط تعمد الفعل دون القصد القتل. أما إذا كان الفعل مما يقتل نادرا فإنه لا بد من توافر قصد القتل، فإن لم يتوافر قصد القتل لا يكون عمدا، ويعتبر تكرارًا لضرب بآلة تقتل نادرًا لشخص لا يحتمل مثله بمثابة الآلة التي تقتل غالبا، سواء كان عدم احتماله بسبب مرض أو صغر أو غيرهما كما ذكرنا آنفا. ثالثا: يسوي الإمامية بين الآلة التي تفرق الأجزاء والتي تقتل بثقلها، وكذا الخنق والنار، والماء، والسم، وكذا من يسبب الموت مثل حفر بئر في طريق ليقع فيها المجني عليه، أو أغرى به كلبا عقورا، أو إلقاه إلى أسد بحيث لا يمكنه الفرار منه١.

стр. 69

القتل العمد عند الظاهرية: يرى الظاهرية أن الجريمة عمد أو خطأ ولا ثالث لهما، وأن القتل باعتبار أداة القتل نوعان: "أحدهما: ما تعمد به المرء مما قد يمات من مثله وقد لا يمات من مثله، قال أبو محمد ﵁: هذا عمد وفيه القود أو الدية كما في سائر العمد؛ لأنه عدوان، وقال : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ . والثاني: ما تعمد به المرء مما لا يموت أحد أصلا من مثله، فهذا ليس

стр. 70

قتل عمد ولا خطأ ولا شيء فيه إلا الأدب فقط"١. "وقال أبو محمد٢: إن القصاص واجب في كل ما كان بعمد من جرح أو كسر لإيجاب القرآن ذلك في كل تعد وفي كل حرمة وفي كل عقوبة وفي كل سيئة، وورود السنن الثابتة عن رسول الله ﷺ ". ومن هذا يتبين لنا أن الظاهرية يرون أن القتل العمد هو ما يتوافر فيه ما يأتي: ١- قصد ضرب المجني عليه عدوانا، ولا يشترط عندهم توافر قصد القتل. ٢- أن يكون الفعل الذي أدى إلى الموت يمكن تصور حدوث الموت منه؛ أي: أنه كما عبروا "مما قد يمات من مثله وقد لا يمات من مثله". ٣- أن يباشر الجاني الجناية؛ أي: أن تكون الجناية حادثة بفعل مباشر منه، سواء كان ذلك بقتله مباشرة، أو بدفع من لا إرادة له إلى قتله -كحيوان ومعتوه مثلا- أما لو دفعه إلى من له إرادة ليقتله فقتله كان المدفوع إليه هو القاتل، لا الأول حتى لو احتوى هذا الدفع على غش أو خداع، أو كان المدفوع إليه سما، فتناوله المجني عليه دون إكراه، فإنه لا يكون عمدا موجبا للقصاص. ومباشرة القتل يمكن أن تكون بفعل منه، أو بالامتناع عن تقديم ما تتوقف عليه حياة الشخص المجني عليه؛ كحبسه دون طعام أو شراب،

стр. 71

أو الامتناع عن تقديمها أو أحدهما إليه، ولم يكن للمجني عليه سبيل يستطيع الحصول منه عليهما غير هذا السبيل؛ وهو طلبهما من هذا الشخص "الجاني" ... فإذا مات الطالب جوعا أو عطشا كان المانع لهما قاتلا عمدًا١.

стр. 72

..............................................................................................

стр. 73

...............................................................................................

стр. 74

..............................................................................................

стр. 75

المبحث الثاني: أركان الجريمة العمدية في الفقه الإسلامي أولاً: أن يكوت الأعتداء واقعًا على آدمي حي ... المبحث الثاني: أركان الجريمة العمدية في الفقه الإسلامي: يمكننا بعد هذا العرض المفصل لآراء الفقهاء في الجريمة العمدية الموجبة للقصاص أن نستخلص أركان هذه الجريمة في الفقه الإسلامي ونحددها فيما يلي: أولا: أن يكون الاعتداء واقعا على آدمي حي: فإذا كان الاعتداء واقعا على غير آدمي؛ كالجناية على الحيوانات وما شابهها، فإن له بحثا آخر١؛ إذ نخص بالبحث في هذا الباب الجناية على الأشخاص. ولا بد أن يكون الآدمي المعتدَى عليه حيا؛ لأنه لو لم يكن حيا، لما سميت الجريمة قتلا، لا لغة ولا اصطلاحا؛ لأن القتل -كما سبق أن عرفناه- هو إزهاق روح المجني عليه، فإذا لم يتحقق هذا الإزهاق بأن كان الاعتداء واقعا على إنسان ميت لا تسمى الجناية قتلا، ولكنها تصبح هتكا لحرمة الميت، وتعرضا لجسد لا روح فيه بما لا يرضى عنه الشرع ولا العقل، وبما تأباه النفس البشرية والطبيعية المستقيمة، ومثل هذه الجناية وضع الفقهاء لها ضوابط تبين ما يحل منها وما يحرم، ووضعوا لمن يقترف ما حرم عقوبة وهي التعزير.
следующие страницы →