Полный текст (289 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
مستلهمًا في ذلك قصة أهل الكهف التي وردت في القرآن الكريم، وما تشير إليه من أن سبعة دخلوا أحد الكهوف فماتوا، وظلوا في موتهم ثلاثمائة سنة وازدادو تسعًا، ثم بُعثوا من رقادهم، فكانوا معجزة خارقة في مدينتهم.
فألهمت هذه القصة المويلحي أن يختار بطل قصته أحمد "باشا" المنيكلي ناظر الجهادية الذي تُوفي سنة ١٨٥٠. فبينما كان عيسى بن هشام يطوف بالمقابر في ليلة قمراء مستعبرًا مفكرًا في سُنَّة الموت والحياة إذا به يخرج عليه من أحد القبور هذا الدفين، ويكون بينهما حوار يعرف منه عيسى بن هشام حقيقته وهويته. ويعود معه إلى القاهرة، ويرافقه في رحلة كبرى بعالم الأحياء المصري في فترة الاحتلال. ويلاحظ المنيكلي أن كل شيء قد تغير في هذا العالم بالقياس إلى ما كان في عصره زمن محمد علي، فقد أصبح المصريون يعيشون في عالم جديد، هو خليط من نظم تقليدية ونظم غربية، وهو عالم مليء بالعيوب الخلقية والاجتماعية.
وتتوالى علينا مشاهد القصة، فمن وصف للمُكارين إلى وصف لرجال الشرطة ووصف للمحاكم على اختلاف أنواعها، ومن وصف لحياة الحكام والتجار والأغنياء ومباذلهم إلى وصف لدور اللهو والتمثيل، وفي أثناء ذلك يوصَف ما في الحياة الحديثة من تقدم في العمران وفي العلم وخاصة الطب. ويكاد الإنسان يظن أن المويلحي لم يترك جانبًا من حياتنا حينئذ إلا تناوله بالوصف والنقد، ويسوق ذلك في سخرية مرة تصور ضعف المصريين وانقيادهم لأهوائهم وملذاتهم.
والمويلحي يرسم في تضاعيف ذلك بعض الشخصيات رسمًا بارعًا، ومن بديع رسومه رسم "العمدة" الذي يُبْرز فيه ثراءه وغفلته حين ينزل القاهرة، فيُلم به بعض السماسرة وبعض القوَّادين، ويُغْوونه، ويخدعونه عن ماله وشرفه، فإذا هو يسقط سقوطًا مزريًا في ملذاته. وبنفس البراعة والمهارة في رسم الشخصيات وتحليل طباعها يرسم "المحامي الشرعي" الذي قصده المنيكلي مع عيسى للمطالبة بوقف له، ويدور الحوار بين المحامي وعيسى على هذا النحو:
стр. 212
المحامي: قولا لي ما حقكم فيه الوقف؟ وما شرط الواقف؟ وكم يقدر ثمن العين لتقدر قيمة الأتعاب بحسبه؟
عيسى بن هشام: إن لصاحبي هذا وقفًا عاقته عنه العوائق، فوضع سواه عليه يده، ونريد رفع الدعوى لرفع تلك اليد.
المحامي: سألتك: ما قيمة العين؟
عيسى بن هشام: لست أدري على التحقيق؛ ولكنها تبلغ الألوف.
المحامي: لا يمكن أن يقل مقدم الأتعاب حينئذ عن المئات.
عيسى بن هشام: لا تَشْطُطْ أيها الشيخ في قيمة الأتعاب، وارفق بنا، فإننا الآن في حالة عسر وضيق.
غلام المحامي: وهل ينفع في رفع الدعوى اعتذار بإعسار؟ ألم تعلم أن هذا شغل له "اشتراكات" ولكتبته والمحضرين "تطلعات"؟ وأنَّى لكما بمثل مولانا الشيخ، يضمن ربح الدعوى وكسب القضية بما يهون معه دفع كل ما يطلبه في قيمة أتعابه؟ وهل يوجد مثله أبدًا في سعة العلم بالحيل الشرعية ولطف الحيلة في استمالة محامي الخصم واستجلاب عناية القضاة؟
عيسى بن هشام: دونك هذه الدراهم التي معنا، فخذها الآن ونكتب لك صكًّا بما يبقى لحين كسب القضية، وليس يفوتك شيء من ذلك ما دام ربحها مضمونًا لديك على كل حال.
المحامي -بعد أن استلم الدراهم بعدِّها: أنا أقبل منك هذا العدد القليل الآن ابتغاء ما ادَّخره الله لعباده من الأجر والثواب في خدمة المسلمين. وعليك بشاهدين للتوكيل.
ويستمر الحوار على هذا النحو، فنطَّلع منه على طباع المحامين الشرعيين وجشعهم وطرق احتيالهم. ولم يسجع المويلحي في هذه القطعة؛ ولكن هذا إنما يأتي شذوذًا، فالأصل في الكتاب كله السجع على طريقة المقامات. وهو
стр. 213
يمضي فيصف المحكمة الشرعية حين وصلها عيسى بن هشام مع صاحبه على هذا النمط:
"ولما وصلنا إلى هذه المحكمة وجدنا ساحتها مزدحمة بالمركبات، تجرها الجياد الصاهلات، وبجانبها الراقصات من البغال والحمير، عليها سُرُج الفضة والحرير، فحسبناها مراكب للعظماء والأمراء، في بعض مواكب الزينة والبهاء، وسألنا: لمن هذي الركاب؟ فقيل لنا: إنها لجماعة الكُتَّاب، فقلنا: سبحان الملك الوهاب، ومن يرزق بغير حساب. ونحونا نَحْوَ الباب، في تلك الرحاب، فوجدنا عليه شبحًا حنتْ ظهرَه السنون، فتخطته رسل المنون، قد اجتمع عليه العمش والصمم، ولَجَّ به الخرف والسقم. وعلمنا أنه حارس بيت القضاء، من نوازل القضاء. ثم صعدنا في السلم فوجدناه مزدحمًا بأناس، مختلفي الأشكال والأجناس، يتسابُّون ويتشاتمون، ويتلاكمون ويتلاطمون، ويُبرقون ويُرعدون، ويتهددون ويتوعدون، وأكثرهم آخذ بعضهم بتلابيب بعض، يتصادمون بالحيطان ويتساقطون على الأرض. وما زلنا نزاحم على الصعود في الدَّرَج، والعمائم تتساقط فوقنا وتتدحرج، حتى منَّ الله علينا بالفرج، ويسر لنا المخرج، في وسط الجمع المتلاصق، والمأزق المتضايق".
وواضح أن هذا الوصف يعتمد إلى حد ما على محاولة الإغراب باللفظ الفصيح والسجع، وكأن المويلحي يحتال للمواقف، حتى يعرض مهارته البيانية على طريقة بديع الزمان والحريري في مقاماتهما، وله في ذلك طرائف كأن يصف روضًا من الرياض أو يصف الأهرام أو يصف الصباح، وفيه يقول:
"جلسنا نتجاذب أطراف الحديث، من قديم في الزمان وحديث، إلى أن صارت الليلة في أخريات الشباب، واستهانت بالإزار والنقاب، ثم دب المشيب في فودها، وبان أثر الوضح في جلدها، فعبثت بالعقود والقلائد، من الجواهر والفرائد، ونزعت من صدرها كل منثور ومنظوم، من درر الكواكب ولآلئ النجوم، وألقت بالفرقدين من أذنيها، وخلعت خواتيم الثريا من يديها، ثم إنها مزقت جلبابها، وهتكت حجابها. وبرزت للناظرين عجوزًا شمطاء،
стр. 214
ترتعد متوكئة على عصا الجوزاء، وتردِّد آخر أنفاس البقاء، فسترها الفجر بملاءته الزرقاء، ودرجها الصبح في أرديته البيضاء، ثم قبرها في جوف الفضاء، وقامت عليها بنات هديل، نائحة بالتسجيع والترتيل، ثم انقلب المأتم في الحال عرس اجتلاء، وتبدَّل النحيبُ بالغناء، لإشراق عروس النهار، وإسفار مليكة البدور والأقمار".
والمويلحي في مثل هذا الوصف إنما يحاول صنع قطعة أدبية على الطريقة القديمة، التي كان يُعْنَى أصحابها بسرد عبارات مختارة دون تحديد ما يصفون، وكأنه يصف كل صباح لا صباحًا بعينه شاهده وأثَّر في نفسه تأثيرًا خاصًّا، فأفرده بالوصف والتصوير.
غير أن هذه القطع تمتد في حوار طويل بين المنيكلي وعيسى بن هشام أو بين أحدهما وبعض شخصيات القصة أو بين الشخصيات نفسها. ومن الحق أنه وسَّع جنبات المقامة القديمة التي كانت تعتمد على مثل هذا السرد اللفظي في قطعة الصباح، وخرج بها إلى حوار واسع؛ تأثر فيه بطريقة الغربيين في قصصهم. فالحوادث تتطور والشخصيات تصوَّر بنزعاتها النفسية في المواقف المختلفة. ومن حين إلى حين نشاهد ضروبًا من الصراع كما نشاهد ضروبًا من السخرية المستمدة من طباع الشخصيات ومن مفارقات الحوادث ومفاجآتها. وهو في حواره وشخصياته وحوادثها يستمد من الواقع المحلِّي ونُظُم بيئته المصرية، إلا أن ذلك كله وُضع في إطار المقامة الضيق بسجعه.
ومع ذلك استطاع المويلحي أن يكتب في هذا الإطار نحو ثلاثمائة وسبعين صحيفة. وفي الطبعة الرابعة للكتاب أضاف إلى رحلة المنيكلي وعيسى بن هشام في عالم الأحياء المصري رحلة ثانية إلى باريس؛ ليشاهد المنيكلي معالم المدنية في الغرب وليرى بعض معارضها. ويعودان إلى مصر وقد اقتنع المنيكلي بأن المدنية الغربية ليست شرًّا خالصًا، وأنه لا بأس من أن نستمد منها؛ ولكن على أن يوافق ما نستمده تقاليدنا وطباعنا وأمزجتنا وروحنا الشرقية، وبعبارة أدق: على أن نمصِّره على نحو ما مصَّر المويلحي القصة الاجتماعية في حديث عيسى بن هشام.
стр. 215
٤- مصطفى صادق الرافعي ١٨٨٠-١٩٣٧م:
أ- حياته وآثاره:
وُلد مصطفى صادق الرافعي في سنة ١٨٨٠ لأسرة لبنانية الأصل من "طرابلس الشام"، هاجر كثير من أفرادها في القرن الماضي إلى مصر، واشتغلوا فيها بالقضاء الشرعي. وكان والد مصطفى رئيسًا للمحاكم الشرعية في كثير من أقاليمنا المصرية، ويسمى عبد الرزاق. وقد عُين أحد أفراد هذه الأسرة -وهو الشيخ عبد القادر الرافعي- مفتيًا بعد وفاة الشيخ محمد عبده، إلا أن القدر لم يمهله طويلًا. فالجو الذي تنفس فيه مصطفى كان جوًّا إسلاميًّا عربيًّا. وقد عُني به أبوه، فحفَّظه القرآن ولقنه تعاليم الدين الحنيف، ثم ألحقه في سن الثانية عشرة بمدرسة دمنهور الابتدائية؛ حيث كان يتولى عمله القضائي. ونُقل إلى المنصورة فأتم مصطفى دراسته الابتدائية هناك، وهو في السابعة عشرة من عمره. وبمجرد فراغه من هذه الدراسة أصابته حمى عنيفة -لعلها حمى التيفويد- وشفي منها، إلا أنها خلفت وراءها حُبْسة في صوته، ووقرًا في أذنيه، ولم يفد العلاج معه شيئًا؛ بل لقد أخذ سمعه يضعف، حتى انتهى إلى الصمم الخالص في سن الثلاثين.
وكان هذه الصدمة سببًا في أنه لم يتم تعلمه، غير أنه عكف على الكتب ينهل منها ويفيد معتمدًا على ذكائه، وعُين في إبريل سنة ١٨٩٩ كاتبًا بمحكمة طلخا الشرعية، ونُقل منها إلى محكمة إيتاي البارود ثم محكمة طنطا الشرعية، فالأهلية، وظل في هذه الوظيفة إلى وفاته. ويقال: إن أواصر الصداقة انعقدت بينه وبين الكاظمي، وهو لا يزال بطلخا، ولعله هو الذي شجعه على نظم الشعر في باكورة حياته، كما يقال: إنه عرف الحب في إيتاي البارود.
стр. 216
ونحن نلتقي به في مطالع القرن العشرين شاعرًا ناضجًا من ذوق مدرسة البارودي، وقد قرَّظه وأشاد بفضله حين نشر الجزء الأول من ديوانه سنة ١٩٠٢ كما نوَّه به المنفلوطي، وفي العام التالي نشر الجزء الثاني من هذا الديوان، فقرظه البارودي ثانية، وحيَّاه الشيخ محمد عبده راجيًا أن يسدي في خدمة الإسلام ما أسداه حسان في خدمة الرسول ﵊. ونشر الجزء الثالث من ديوانه سنة ١٩١٢، وناب حافظ إبراهيم عن البارودي في تقريظه. وبجانب هذا الديوان نشر ديوانًا ثانيًا بعنوان النظرات سنة ١٩٠٨، كما نشر قصائد متفرقة في مجلتي فتاة الشرق وأبولو. ويبدو في أشعاره جميعها تمسكه -على شاكلة مدرسة البارودي- بالصياغة القديمة. وقد فسح للغزل في دواوينه كما فسح للتهاني والمراثي والمشاعر الوطنية والإسلامية وأحاسيس المرارة من حالة مصر الاجتماعية حينئذ. ونراه دائمًا يحاول أن يبعث شعور الثقة إلى بني وطنه، كما نراه مهتمًّا بقضية المرأة العربية محذرًا لها من المغالاة في تقليد الأوربيات اللائي لا يعصمهن دين ولا عقيدة. وقد عُني إلى ذلك بوصف الطبيعة ووصف بعض المخترعات الحديثة كالخيالة وآلة التصوير.
ولا نكاد نتقدم في العقد الثاني من هذا القرن حتى نراه يتجه باطراد إلى النثر، وتصادف أن رصدت الجامعة المصرية جائزة لكتاب في "أدبيات اللغة العربية"، فعكف على الأدب العربي يدرسه، ولم يلبث أن نشر الجزء الأول من كتابه "تاريخ آداب العرب" سنة ١٩١١، وهو يدل على إيمانه الشديد بهذه الآداب، وأنها تعلقت قلبه حتى الشغاف. ودار العام، فأصدر الجزء الثاني من هذا التاريخ، وقصره على إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، وقد طبعه فيما بعد مستقلًّا باسم إعجاز القرآن، وكتب سعد زغلول تقريظًا له شبَّه فيه أسلوب المؤلف بالتنزيل الحكيم، وهو تشبيه يصور حقيقة كبيرة، فإن الرافعي يتأثر في نثره العبارة القرآنية في بلاغتها وسموها.
ويتراءى الرافعي منذ هذا التاريخ مالكًا لأزمة اللغة والبيان، وكان أول ما جاشت به نفسه من النثر الفني كتابه "حديث القمر" الذي نشره في سنة
стр. 217
١٩١٢ بعد رحلة طاف بها لبنان، وعرف شاعرة كان بينه وبينها حديث عاطفي طويل في الحب، ومن ثم كان الكتاب فصولًا في الحب والجمال والزواج والطبيعة، تتخللها أشعار متفرقة. وهو فيه يتفنن في معانيه وأساليبه تفننًا رائعًا. ونتقدم معه إلى سنة ١٩١٧ فنراه يخرج كتابه "المساكين" معارضًا به كتاب "البؤساء" لفيكتور هيجو، وهو فصول شتى تصف بؤس البائسين وآلامهم، وتعرض آراء مختلفة في الفقر والحظ والحب والجمال والخير والشر.
ونراه بعد ثورتنا في سنة ١٩١٩ يُعْنَى بأناشيدنا الوطنية، ونشيده "اسلمي يا مصر" يدور على كل لسان. ويهتم بقضية المرأة، فيؤلف من أجلها كتابه "رسائل الأحزان" الذي نشره في سنة ١٩٢٤، ويزعم في مطلعه أنه رسائل صديق بعث بها إليه، وهو يقص فيه حكاية حب مصورًا خواطره في العشق والزواج بقلمه البليغ.
وقد مضى ينشر في نفس السنة كتابه "السحاب الأحمر" يتحدث فيه عن فلسفة الغضب وحمق الحب وخبث المرأة. وانطوت ست سنوات فعاد إلى هذا الموضوع ونشر "أوراق الورد" مصورًا آراءه في الحب والجمال. والرافعي في هذه الكتب جميعها يفتنُّ في العبارة وفي توليد المعاني.
ونراه منذ احتدمت المعركة بين القديم والجديد في سنة ١٩٢٣ يحمل لواء المحافظين مدافعًا بقوة عن مُثله العربية الإسلامية، وقد عرضنا لهذه المعركة وموقفه منها في غير هذا الموضع، إلا أنه ينبغي أن نعود فنشير إلى كتابه "تحت راية القرآن أو المعركة بين القديم والجديد" الذي نشره في سنة ١٩٢٦ عقب ظهور كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي"، وفيه صوَّب سهامه إلى كل ما في هذا الكتاب من آراء وأفكار. وتحول إلى المجددين في الشعر ممثَّلين في عباس العقاد يرميهم بأقذع صور الهجاء في كتابه "على السَّفُّود". وظل بقية حياته ثابتًا للمجددين من الشعراء والكتاب جميعًا، ينقدهم نقدًا مرًّا، كما ظل مؤمنًا بالميراث العربي في لغته وآدابه، وأن نهضة العرب لا تقوم إلا على أساس وطيد من الدين وعربيته الفصحى السليمة، وكان يكتب في ذلك المقالات المختلفة في المجلات. ودعاه أحمد حسن الزيات للإسهام في تحرير مجلة الرسالة، فلبَّى
стр. 218
الدعوة، وأخذت مقالاته في الإسلام والعروبة تتوالى، حتى وافاه القدر، وقد جُمعت هذه المقالات وطُبعت في لجنة التأليف والترجمة والنشر باسم "وحي القلم" وهي في ثلاثة أجزاء.
стр. 219
ب- "مقالات وحي القلم":
رأينا الرافعي ينشأ نشأة إسلامية عربية، وهي نشأة تغلغلت أصداؤها في فؤاده ونمت مع الزمن، فإذا هي تتحول إلى نثر فني بليغ يفيض بالإخلاص والطهر والإحساس بآلام الجماعة وكوارثها والشعور الدقيق بمآثر العرب ودَوْرهم في التاريخ وبمعاني الإسلام ومُثله الرفيعة. وهو إلى ذلك يصف الحب ومعانيه والجمال وألوانه والطبيعة ومفاتنها وما أودع الله فيها من المعاني التي تبهج الإنسان. وفي كل ذلك يغمس قلمه متأنيًا مترويًا، فالكتابة البيانية ليست شيئًا يسيرًا؛ بل هي شيء عسير، لا بد فيه من تأمل طويل، تأمل في الفكرة واستنباط فيها وتوليد، حتى تستحيل إلى موضوع متشعب كبير، وقد صوَّر ذلك في تقديمه للجزء الأول من وحي القلم، فقال:
"لا وجود للمقالة البيانية إلا في المعاني التي اشتملت عليها، يقيمها الكاتب على حدود، ويديرها على طريقة، مصيبًا بألفاظه مواقع الشعور، منيرًا بها مكامن الخيال، آخذًا بوزن، تاركًا بوزن؛ لتأخذ النفس كما يشاء وتترك. ونقل حقائق الدنيا نقلًا صحيحًا إلى الكتابة أو الشعر هو انتزاعها من الحياة في أسلوب، وإظهارها للحياة في أسلوب آخر يكون أوفى وأدق وأجمل، لوضعه
стр. 220
كل شيء في خاص معناه، وكشفه حقائق الدنيا كشفة تحت ظاهرها الملتبس. وتلك هي الصناعة الفنية الكاملة، تستدرك النقص فتتمه، وتتناول السر فتعلنه، وتلمس المقيد فتطلقه، وتأخذ المطلق فتحدُّه، وتكشف الجمال فتظهره، وترفع الحياة درجة في المعنى، وتجعل الكلام كأنه وجد لنفسه عقلًا يعيش به. فالكاتب الحق لا يكتب ليكتب؛ ولكنه أداة في يد القوة المصورة لهذا الوجود، تصور به شيئًا من أعمالها فنًّا من التصوير. الحكمة الغامضة تريده على التفسير، تفسير الحقيقة، والخطأ الظاهر يريده على التبيين، تبيين الصواب، والفوضى المائجة تسأله الإقرار، إقرار التناسب، وما وراء الحياة يتخذ من فكره صلة بالحياة، والدنيا كلها تنتقل فيه مرحلة نفسية لتعلو به أو تنزل. ومن ذلك لا يُخْلق الملهم أبدًا إلا وفيه أعصابه الكهربائية، وله في قلبه الرقيق مواضع مهيأة للاحتراق، تنفذ إليها الأشعة الروحانية، وتتساقط منها بالمعاني. وإذا اختير الكاتب لرسالة ما شعر بقوة تفرض نفسها عليه، منها سناد رأيه، ومنها إقامة برهانه، ومنها جمال ما يأتي به، فيكون إنسانًا لأعماله وأعمالها جميعًا، له بنفسه وجود، وله بها وجود آخر، ومن ثم يصبح عالمًا بعناصره للخير أو الشر كما يوجَّه، ويُلْقَى فيه مثل السر الذي يلقى في الشجرة لإخراج ثمرها بعمل طبيعي يُرى سهلًا كل السهل حين يتم، ولكنه صعب أي صعب حين يبدأ. هذه القوة هي التي تجعل اللفظة المفردة في ذهنه معنى تامًّا، وتحوِّل الجملة الصغيرة إلى قصة، وتنتهي باللمحة السريعة إلى كشف عن حقيقة ... ولهذا ستبقى كل حقيقة من الحقائق الكبرى كالإيمان والجمال والحب والخير والحق سبتقى محتاجة في كل عصر إلى كتابة جديدة من أذهان جديدة".
وهو يشير في أول كلامه إلى معاني المقالة البيانية وما تستلزم من الدقة حتى تؤثر في العاطفة والخيال، ويقول: إنه لا بد لصاحبها من أن تكون له بصيرة نافذة يزيح بها الأستار عن حقائق الدنيا الخارجية، وبذلك ينكشف له عالمها الداخلي وما يموج به من أسرار ويلمع فيه من أفكار، فيعيش فيه هذه المعيشة التي تجعله يحمله إلينا بكل ما فيه من جمال وروعة.
стр. 221
والرافعي حقًّا من كتابنا القلائل الذين عاشوا معيشة داخلية في حقائق دنيانا، متجاوزًا ظاهرها الحسي إلى قواها الروحية الباطنة، وقد أعانه على ذلك صممه المبكر الذي جعله يحيا بين الناس وكأنه غريب عنهم، ويتحدث إليهم وهو لا يسمعهم. فكان طبيعيًّا أن يفضي إلى ذات نفسه، وأن يعيش هذه المعيشة الداخلية التي عكف فيها على عقله، وانطلق به متجولًا في باطن الحقائق الظاهرة، مسلطًا عليها من إشعاعاته العقلية ما جعل معانيها الخفية تتألق أمام عينيه.
واقرأ له في وحي القلم أي مقالة، فستراه يحوِّل أي موضوع اجتماعي أو سياسي أو تاريخي وأي مشهد في الطبيعة أو في حياة الناس وأي خبر من أخبار العرب أو الإسلام إلى ما يشبه ينبوعًا لا تزال تتفجر منه المعاني الخفية التي تروع بدلالاتها، وبما أخرجها فيها من صيغة عربية بديعة. فتملكه لزمام اللغة لا يقل عن تملكه لزمام المعاني، وبصره بجمال أساليبها لا يقل عن بصره بالقوى الكامنة في حقائق الأشياء.
ولمن يكن يتقن لغة أجنبية إلا أطرافًا من الفرنسية ليس فيها غناء؛ ولكنه وجد في موارده الداخلية ما يعوِّض هذا النقص؛ بل ما جعله يتقدم بطرائف فكره كثيرين ممن تعمقوا الآداب الغربية وأفادوا من كنوزها المعنوية. وحقًّا قد يجري الغموض والالتواء في جوانب من كتابته، وهما طبيعيان لمثل هذا الكاتب الذي كان يسرف في التعمق والتغلغل في معانيه إسرافًا تنوء به اللغة، فلا تنهض بما يريد أحيانًا، غير أنها حين تواتيه، يجتمع لتعبيره جلال الإدراك العقلي وجمال الأسلوب اللفظي؛ إذ كان له ذوق مهذب مصفى وحس دقيق مرهف وعقل يقتدر على التجريد والتوليد والنفوذ إلى العلاقات والدلالات البعيدة.
وهو في مقالاته بوحي القلم يستلهم دائمًا مثله الإسلامية مستضيئًا بها في كل ما يكتب، كما يستلهم مثله العربية الرفيعة؛ بحيث يمكن أن نلقبه "كاتب الإسلام والعروبة". واقرأ له مقالاته: "الإشراق الإلهي وفلسفة الإسلام" و"الإنسانية العليا" و"الله أكبر" و"وحي الهجرة" وغير ذلك من مقالات إسلامية فستراها حافلة بمعانٍ تملأ النفس إعجابًا. وحين تراءت
стр. 222
محنة فلسطين في الأفق وقف يستصرخ المسلمين للذود عن هذا الوطن المقدس وأهله من العرب أمام اليهود الجشعين، داعيًا إلى جهادهم وجهاد المستعمرين من ورائهم بأسلوب ناري متأجج، وقد جعل عنوان هذا الاستصراخ "أيها المسلمون" وفيه يقول:
"ابتلوهم باليهود يحملون في دمائهم حقيقتين ثابتتين من ذل الماضي وتشريد الحاضر. ويحملون في قلوبهم نقمتين طاغيتين: إحداهما من ذهبهم والأخرى من رذائلهم. ويخبئون في أدمغتهم فكرتين خبيثتين: أن يكون العرب أقلية، ثم أن يكونوا بعد ذلك خدم اليهود. في أنفسهم الحقد وفي خيالهم الجنون، وفي عقولهم المكر، وفي أيديهم الذهب الذي أصبح لئيمًا لأنه في أيديهم ... يقول اليهود: إنهم شعب مضطهد في جميع بلاد العالم، ويزعمون أن من حقهم أن يعيشوا أحرارًا في فلسطين، كأنها ليست من جميع بلاد العالم!
وقد صنعوا للإنجليز أسطولًا عظيمًا لا يسبح في البحار ولكن في الخزائن. وأراد الإنجليز أن يطمئنوا في فلسطين إلى شعب لم يتعود قط أن يقول: أنا. ولكن لماذا كنستكم كل أمة من أرضها بمنكسة أيها اليهود، أجهلتم الإسلام؟ الإسلام قوة كتلك التي توجد الأنياب والمخالب في كل أسد. قوة تخرج سلاحها بنفسها؛ لأن مخلوقها عزيز لم يوجد ليؤكل، ولم يخلق ليذل. قوة تجعل الصوت نفسه حين يزمجر، كأنه يعلن الأسدية العزيزة إلى الجهات الأربع. قوة وراءها قلب مشتعل كالبركان، تتحول فيه كل قطرة دم إلى شرارة دم. ولئن كانت الحوافر تهيئ مخلوقاتها ليركبها الراكب، إن المخالب والأنياب تهيئ مخلوفاتها لمعنى آخر. لو سئلت: ما الإسلام في معناه الاجتماعي؟ لسألت: كم عدد المسلمين؟ فإن قيل: ثلثمائة مليون، قلت: فالإسلام هو الفكرة التي يجب أن يكون لها ثلاثمائة مليون قوة. أيها المسلمون! كونوا هناك، كونوا هناك مع إخوانكم بمعنى من المعاني".
ويصرخ بنفس الصوت في شباب العرب ناعيًا عليهم قعودهم عن كفاح المستعمرين وجهادهم وانحصارهم في طعامهم وشرابهم ولذاتهم، يستثير بذلك عزائمهم، حتى يضربوا عدوهم الضربة القاضية، وفي تضاعيف ذلك يقول: "ألا إن المعركة بيننا وبين الاستعمار معركة نفسية، إن لم يقتل فيها الهزل قُتل
стр. 223
فيها الواجب، والحقائق التي بيننا وبين هذا الاستعمار إنما تكون فيكم، أنتم بحثها التحليلي، تكذب أو تصدق.
يا شباب العرب! لم يكن العسير يعسر على أسلافكم الأولين، كأن في يدهم مفاتيح من العناصر يفتحون بها. أتريدون معرفة السر؟ السر أنهم ارتفعوا فوق ضعف المخلوق، فصاروا عملًا من أعمال الخالق. غلبوا على الدنيا لما غلبوا في أنفسهم معنى الفقر ومعنى الخوف والمعنى الأرضي، وعلمهم الدين كيف يعيشون باللذات السماوية التي وضعت في كل قلب عظمته وكبرياءه، واخترعهم الإيمان اختراعًا نفسيًّا، علامته المسجلة على كل منهم هذه الكلمة: لا يذل. هكذا اخترع الدين إنسانه الكبير النفس الذي لا يقال فيه: انهزمت نفسه.
يا شباب العرب! كانت حكمة العرب التي يعملون عليها: "اطلب الموت تُوهَبْ لك الحياة". والنفس إذا لم تخشَ الموت كانت غريزة الكفاح أول غرائزها تعمل. وللكفاح غريزة تجعل الحياة كلها نصرًا؛ إذ لا تكون الفكرة معها إلا فكرة مقاتلة. غريزة الكفاح يا شباب هي التي جعلت الأسد لا يسمَّن كما تسمن الشاة للذبح. وإذا انكسرت يومًا فالحجر الصلد إذا تَرَضْرَضَتْ منه قطعة كانت دليلًا يكشف للعين أن جميعه حجر صلد.
يا شباب العرب! إن كلمة "حقي" لا تحيا في السياسة إلا إذا وضع قائلها حياته فيها. فالقوة القوة يا شباب! القوة الفاضلة المتسامية التي تضع للأنصار في كلمة "نعم" معنى نعم، القوة الصارمة النفاذة التي تضع للأعداء في كلمة "لا" معنى لا.
يا شباب العرب! اجعلوا رسالتكم: إما أن يحيا الشرق عزيزًا وإما أن تموتوا".
ودائمًا ينفخ في روح الشباب المصري، موقظًا فيه حميته لوطنه، حتى ينقض كالأسد الكاسر على الإنجليز ويذيقهم وبال استعمارهم، إن كل مصري ينبغي أن يتحول شعلة آدمية تأتي عليهم كأن لم يكونوا شيئًا مذكورًا. إنه لم يبقَ لهم إلا لحظات وأنفاسها، فقد اتقدت الشعل، وسيرون عما قريب مسها وتحريقها، ويومها يولون على أعقابهم نادبين مولولين. واقرأ له في ذلك مقالاته: "أجنحة المدافع المصرية" و"الطماطم السياسي" و"المعنى السياسي
стр. 224
في العيد" يقول: "ليس العيد إلا إشعار هذه الأمة بأن فيها قوة تغيير الأيام، لا إشعارها بأن الأيام تتغير ... ألا ليت المنابر الإسلامية لا يخطب عليها إلا رجال فيهم أرواح المدافع لا رجال في أيديهم سيوف من خشب".
وتشغله في كثير من مقالاته قضية المرأة، ونراه يقدم لها النضج دائمًا بروح المسلم المحافظ على تقاليده الدينية. واسترعته حياتها الجديدة على شوطئ الإسكندرية صيفًا، فوصف هذه الحياة في مقالين بعنوان "لحوم البحر" و"احذري" أدارهما على أنشودتين لشيطان وملاك، لاعنا للرذيلة وداعيا إلى الفضيلة، ومحذرًا المرأة من أن تُخدع عن نفسها وتتعرى من ثيابها أمام الصقور الجائعة، فتجلب على نفسها العار الذي يزلزل كيان أسرتها زلزالًا عنيفًا.
ويفسح في مقالاته لآلام البؤساء والمشرَّدين وأسقامهم، ويئن بصوت الإنسانية الرحيم، حتى لكأنه المشرد أو البائس الذي يصفه، وتتدفق عليه أنات البشرية وعبراتها من كل صوب. ومن خير ما يصور ذلك عنده مقالته "أحلام في الشارع" وفيها يصور بؤس طفل مشرد وأخته رآهما نائمين على عتبة "بنك" يفترشان الرخام البارد ويلتحفان السماء، فأَنَّ وأعول في أنينه. وبهذا الشعور الرقيق نراه يصف جمال الطبيعة في غير مقال، فيكسبها من روحه جمالًا فوق جمالها، ويزيدها بصناعته حسنًا فوق حسنها، يقول في مقالة بعنوان الربيع:
"في الربيع تظهر ألوان الأرض على الأرض، وتظهر ألوان النفس على النفس، ويصنع الماء صنيعه في الطبيعة، فتخرج تهاويل النبات، ويصنع الدم صنيعه، فيخرج تهاويل الأحلام. ويكون الهواء كأنه من شفاه متحابة، يتنفس بعضها على بعض. ويعود كل شيء يلتمع لأن الحياة كلها ينبض فيها عرق النور. ويرجع كل حي يغنِّي؛ لأن الحب يريد أن يرفع صوته".
ونراه في بعض مقالاته يصور مُثله الخاصة في الشعر. وأكبر الظن أنه قد اتضحت لنا شخصية الرافعي في مقالاته وأدبه بكل خصائصها الروحية والعقلية واللغوية، فقد كان يؤمن بِمُثُل الإسلام والعروبة والوطنية، وكان يحس كل
стр. 225
ما حوله من طبيعة وغير طبيعة. وقد استطاع أن يمتلك ناصية اللغة وأن يصرف ألفاظها في يده كما يشاء. وأعانته على ذلك كله عزلة ضربها الصَّمَم من حوله، فإذا هو يخلص لعالمه الباطني، يغوص فيه على المعاني الدقيقة فيبرزها. وكان لا يزال يتعمقها حتى يحدث فيها ضربًا من الفلسفة المنطقية، وكان ذلك من أهم الأسباب في غموضه والتوائه أحيانًا.
والذي لا شك فيه أنه كان يكتب في حذر شديد، فهو لا يكتب كل ما يفد على ذهنه؛ بل ما زال ينتخب ويختار، ينتخب المعاني ويختار الألفاظ محتاطًا في ذلك أشد الاحتياط. وكأنه لم يكن يريد أن يكون أديبًا فحسب؛ بل كان يريد أن يكون أديبًا ممتازًا بفكره العميق وعبارته الدقيقة، ومن ثم آثر في أدبه ومقالاته الجهد العنيف والعناء الشاق، حتى يصبح حقًّا من راضة المعاني وصاغة الكلام.
стр. 226
٥- أحمد لطفي السيد ١٨٧٢-١٩٦٤م:
ب- حياته وآثاره:
في قرية "بَرْقين" من أعمال مركز السنبلاوين بمحافظة المنصورة وُلد أحمد لطفي السيد سنة ١٨٧٢ لأب مصري ريفي ثري هو "السيد باشا أبو علي"، وكان وقورًا مهيب الشخصية حليمًا عطوفًا، وأنشأ ابنه على غراره. ولما بلغ الرابعة من عمره أدخله على عادة أبناء الريف كُتَّاب القرية، وكانت مقرئته "الشيخة فاطمة" فعُنيت به، وحفَّظته القرآن الكريم، وهو لا يزال في العاشرة.
ولما أتم حفظ القرآن ألحقه أبوه بمدرسة المنصورة الابتدائية، فأمضى بها ثلاث سنوات ظفر في نهايتها بالشهادة الابتدائية سنة ١٨٨٥. وتحول بعد ذلك إلى المدرسة الخديوية بالقاهرة. فاجتاز بها مرحلة التعليم الثانوي التي انتهى منها
стр. 227
سنة ١٨٨٩، ودل في هذه المرحلة على نبوغ في الدرس، وخاصة درس اللغة العربية. وأقبل على قراءة الكتب المترجمة، وكان مما أعجب به كتاب "أصل الإنسان" لداروين؛ إذ ترجمه شبلي شميل في هذا التاريخ.
وعقب إنهائه لمرحلة التعليم الثانوي التحق بمدرسة الحقوق، وكان من مدرسيها حفني ناصف، وحسونة النواوي الذي تولى بعد ذلك مشيخة الأزهر، وكان يعجب بتلميذه الحقوقي، فكان يدعوه إلى منزله، وما لبث أن اصطفاه ليقرأ له درس الفقه الذي كان يلقيه بالأزهر في الصباح الباكر. وفتح له ذلك بابًا كان مغلقًا أمام أقرانه، وهو باب التزود بالدراسات الدينية. وتصادف أن اشترك محمد عبده في لجنة امتحان العلوم العربية بالحقوق، فلفتته كتابة التلميذ الناضج وهنأه بما كتب.
وكان لذلك أثره في نفس التلميذ، فإنه عُني مع طائفة من رفقائه بإخراج مجلة "التشريع"، وأحس أن فيه مواهب صحفية، فكتب في صحيفة المؤيد، واشتغل فترة في القسم الخاص بنقل رسائل البرق الأجنبية. وسافر وهو لا يزال بالحقوق إلى إستانبول فوجد هناك علي يوسف صاحب صحيفة المؤيد وسعد زغلول، فعرَّفاه بجمال الدين الأفغاني، وكان ينزل حينئذ هناك، فلازمه فترة ونفخ فيه من روحه ودعوته إلى الحرية ونهوض الأمم الإسلامية ضد الاستعمار والمستعمرين.
وأتم دراسته في "الحقوق" سنة ١٨٩٤ وعُيِّن في سلك النيابة، غير أن تعيينه لم يصرفه عن التفكير في شئون بلده السياسية، فألف مع جماعة من زملائه القانونيين جمعية سرية غرضها تحرير البلاد من الاحتلال الأجنبي. وعرفه مصطفى كامل، فعرض عليه في سنة ١٨٩٧ أن يؤلف معه ومع محمد فريد وطائفة من أصدقائهما الحزب الوطني، فلبى دعوته، واتفق معه مصطفى أن يعتزل الحكومة ويذهب إلى سويسرا، فيمكث بها سنة لينال حق الجنسية السويسرية، ثم يعود إلى مصر فيحرر صحيفة تقاوم الاحتلال البريطاني، فلا تستطيع بريطانيا أن تحول بينه وبين ما يريد بحكم جنسيته الأجنبية. وصدع
стр. 228
لمشيئته، فسافر إلى سويسرا، وتصادف أن سافر إليها أيضًا قاسم أمين ومحمد عبده وسعد زغلول، وأخذ يختلف مع ثانيهما إلى ما يلقي من محاضرات في جامعة جنيف، وكان قاسم أمين يؤلف حينئذ كتابه "تحرير المرأة"، فكان يقرأ منه فصولًا عليهم.
ورجع لطفي إلى مصر فوجد الخديو عباسًا غاضبًا لاتصاله بمحمد عبده، وكان الخديو ناقمًا عليه. ولم ينشئ الجريدة التي أشار بها مصطفى كامل؛ لأنه وقر في نفسه أن سياسته التي كان يمليها عليه الخديو ليست هي السياسة التي تنقذ مصر؛ إذ كان مصطفى ينادي بالجامعة الإسلامية في ظل تركيا، ولم يكن غرض مصطفى أن تعود مصر حقًّا إلى تركيا؛ ولكنه كان يظن أن هذه الدعوة تساعد مصر في التخلص من نير الاحتلال.
ونرى لطفي ينتظم في سلك النيابة ثانية، حتى إذا كانت سنة ١٩٠٥ تركها مستقيلًا منها لخلاف بينه وبين النائب العمومي واشتغل بالمحاماة. ولم يلبث أن أخرج صحيفة "الجريدة" سنة ١٩٠٧، وألف مع طائفة من نابهي المصريين حزب الأمة، واختير سكرتيرًا له، واختير محمود سليمان رئيسًا وحسن عبد الرزاق وكيلًا. وكان برنامج هذا الحزب المطالبة بالاستقلال التام وبالدستور وتوسيع اختصاص مجلس شورى القوانين ومجالس المديريات.
وانضم إلى هذا الحزب كثيرون من أعيان البلاد المصرية المختلفة، وأهم من ذلك أنه انضم إليه أكثر المفكرين المصريين الذين كانوا يلتفون حول الشيخ محمد عبده والذين يرجع إليهم أكثر الفضل في وضع أسس نهضتنا المباركة من أمثال: قاسم أمين وفتحي زغلول وعبد العزيز فهمي وعبد الخالق ثروت. وكان هؤلاء المفكرون يؤلفون في أول هذا القرن طبقة ممتازة تشعر بآلام الشعب وآماله، وتصور لنفسها -بفضل ثقافتها الواسعة بآداب الغرب- مُثله العليا غير المحدودة في الحرية والاستقلال والحكم العادل الرشيد، وهي نفسها الطبقة التي عملت على إقامة الجامعة المصرية الأهلية وفتح أبوابها للطلاب منذ سنة ١٩٠٨. غير أنه يلاحظ على هذه الطبقة أنها لم تكن ثائرة ثورة مصطفى كامل على الإنجليز،
стр. 229
هي تدعو إلى التخلص من احتلالهم؛ ولكن في رفق ومع اصطناع الدهاء؛ بل مصانعتهم أحيانًا. وقد يكون من أسباب ذلك أن كثيرًا من أعضاء الحزب كانوا يحتلون المناصب العليا في مرافق البلاد المختلفة، فرأى الحزب أن يعرض للإنجليز في دقة واحتياط حتى لا يقصوهم عن مناصبهم، وكانوا يرون أن العلة الحقيقة في الاحتلال هي القصر وحاكمه التركي، فهاجموه مهاجمة عنيفة.
وعلى العكس من ذلك كان مصطفى كامل وأعضاء الحزب الوطني ثائرين ثورة عنيفة على الإنجليز؛ ولذلك عدهم الشعب رُسُل الوطنية الحقيقيين؛ ولكن ينبغي ألا نتهم حزب الأمة ورجاله في وطنيتهم، فقد كانوا يرون التريث في هذه الحرب السافرة، حتى تتاح الفرصة الحقيقية لها عن طريق النهوض بالشعب في التعليم وغير التعليم، واستقر في نفوسهم أن أعداء مصر ليسوا هم الإنجليز وحدهم؛ بل أيضًا الخديو التركي وبطانته.
وعن هذه المبادئ كان يصدر محرر الجريدة لطفي السيد فيما يكتب من مقالات سياسية واجتماعية، يصور فيها دعوات حزبه الإصلاحية. وظل على ذلك سبع سنوات، حتى كانت الحرب العالمية الأولى، وأعلنت إنجلترا في ديارنا الأحكام العرفية، فحاول أول الأمر أن يكسب شيئًا لبلده من الإنجليز، حين ترفرف راية السلام، وقابل ممثِّل إنجلترا مع بعض رفاقه يدعوه أن يعرض الأمر على حكومته، فماطله. ويئس لطفي، فاستقال من تحرير الجريدة، وعاد إلى بلدته "برقين" وكأنه رأى أن الجهاد السياسي العلني أصبح مستحيلًا في هذه الظروف.
وتطورت الأمور فأُعلنت الحماية على مصر، وعاد لطفي ولكن لا ليشترك في تحرير الجريدة، وإنما ليتقلد بعض الوظائف، وعُين مديرًا لدار الكتب المصرية، فاعتزل في هذه الركن الثقافي، وأخذ يترجم في "أرسططاليس" وبدأ بكتابه "الأخلاق". حتى إذا وضعت الحرب أوزارها استأنف نشاطه السياسي مع سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي وغيرهم، وظل معهم في جهادهم وبلائهم، حتى ظهرت بوادر الخلاف والانشقاق في الصفوف، فاعتزل السياسة ثانية وعاد إلى وظيفته في دار الكتب وإلى أرسططاليس يقرأ فيه
стр. 230
ويترجم، حتى انتهى من كتاب الأخلاق وفصوله الخمسة.
وفكرت الحكومة المصرية في تحويل الجامعة الأهلية -وكان وكيلًا لها- إلى جامعة حكومية، ونُفِّذَت الفكرة، فاختير مديرًا للجامعة الجديدة، وفتح أبوابها للفتاة المصرية، فحقق الأمل الذي كان يراود صديقه قاسم أمين في أول القرن، أمل النهوض الحقيقي بالمرأة المصرية. وفي سنة ١٩٢٨ ترك الجامعة إلى وزارة التربية والتعليم، فنهض بشئونها المختلفة. واستقالت وزارة محمد محمود الذي كان يعمل معه، فلزم بيته وعاد إلى أرسططاليس، وسرعان ما استدعى إلى الجامعة، فلبى الدعوة. وتطورت الأمور فتولى إسماعيل صدقي الوزارة وألغى الدستور ووقف الحياة النيابية، وتدخل في شئون الجامعة، وأقال طه حسين عميد كلية الآداب حينئذ، فغضب لطفي بسبب هذا الاعتداء على استقلال الجامعة، وقدم استقالته، حتى إذا استقالت وزارة صدقي، عاد إلى الجامعة في إبريل سنة ١٩٣٥.
وأخرج في فترة حكم صدقي كتاب الكون والفساد لأرسططاليس سنة ١٩٣٢، وتبعه بكتاب الطبيعة سنة ١٩٣٥، وفي سنة ١٩٤٠ نشر كتاب السياسة، وهو آخر الكتب التي ترجمها للمعلم الأول. وظل في الجامعة إلى سنة ١٩٤١؛ إذ رأى أن يستمتع بنصيب من الراحة، فعُين عضوًا بمجلس الشيوخ، ثم اختير رئيسًا للمجمع اللغوي، وما زال يشغل هذا المنصب حتى وفاته سنة ١٩٦٤. وقد منح في سنة ١٩٥٩ جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية؛ اعترافًا بجهوده العقلية.
стр. 231
ب- مقالات الجريدة:
رأينا لطفي ينشأ في وسط ثري من أوساط ريفنا المصري، وقد ورث عن أبيه اعتداده بنفسه وسمو أخلاقه، كما ورث عنه ذكاء فطريًّا سليمًا. وأخذ هذا الغرس الطيب ينمو في عصر الاحتلال، ويتلون بالمعارف المختلفة من عربية إسلامية وغربية فرنسية. وكان منذ شبابه يفكر في أحوال بلده، فصحب
стр. 232
جمال الدين الأفغاني فترة في إستانبول كما صحب محمد عبده في جنيف وبعد جنيف، ولم تلبث مبادئهما أن تسربت إلى روحه؛ بل أخذت تتأجج بين ضلوعه نارُ الشوق إلى التخلص من الاحتلال، وأن تُرَدَّ إلى بلده كرامته القومية.
ووضع يده في يد مصطفى كامل؛ ولكنه كان يختلف عنه؛ إذ كان من مدرسة أخرى، مدرسة الشيخ محمد عبده، التي لم تكن ترى الثورة حينئذ على الأوضاع عملًا ناجعًا لإنقاد الوطن، ولم يكن يعجبها صنيع مصطفى كامل في الاتجاه تارة إلى الدولة العثمانية، وتارة إلى فرنسا والأمم الغربية ظانًّا أن هذه الدول تنقذ مصر من براثن الاحتلال، وترد إليها حريتها.
إن الكفاح لاستقلال أي شعب ينبغي أن يصدر عنه، وإن من الخطأ أن نطالب أممًا باستقلالنا، وهي إنما تحرص على مطامحها السياسية التي قد تتعارض مع رغباتنا وأمانينا الوطنية. وفعلًا اتفقت إنجلترا مع فرنسا على أن تطلق الأولى يدها في مصر، نظير إطلاق يد فرنسا في مراكش. فلا أمل في الخارج ولا في الدول الغربية المستعمرة، وكذلك لا أمل في الدولة العثمانية المريضة.
ونحن في كفاحنا ينبغي أن نفكر أول ما نفكر في الإصلاح، فنعلِّم الشعب، ونلقِّنه حقوقه وواجباته السياسية، ونوجد فيه الرغبة الأكيدة لاستقلاله، وندعو دعوة حارة إلى أن تسود فيه مبادئ الحرية، حرية الفرد وحرية الأمة، ونحضه على أن يستمسك بشخصيته ومصريته؛ حتى يذود بروحه عن كيانه ووجوده، ولكن كيف يكون ذلك؟ إنه لا بد من تربية الشعب وتعريفه المثل العليا التي ينبغي أن يحوزها لنفسه في النظم السياسية والاجتماعية، وفي شئون حياته المختلفة.
وآمن أعضاء حزب الأمة بأن هذه التربية هي الوسيلة الحقيقية للتخلص من الاحتلال، وهي وسيلة متأنية؛ إذ تحتاج وقتًا لبثها في أفراد الشعب، فهي ليست ثورة وطنية عنيفة كثورة مصطفى كامل؛ وإنما هي دعوة للتطور والرقي من الداخل؛ حتى تقف الأمة على أقدامها، وتصرخ في وجه الإنجليز الصرخة المدوية المنبعثة من أعماقها. وكان يؤمن بذلك رجالات حزب الأمة من هؤلاء المصلحين المختلفين الذين انبثوا في أعمال الدولة، والذين استطاعوا بفضل ثقافتهم أن يفهموا
стр. 233
فَهْمًا صحيحًا الأصول السياسية والاجتماعية التي عُرفت في الغرب، وكانوا يرون من الواجب أن تدخل مصر؛ ولكن مع التطور والتدرج، والانتفاع منها بالصالح، مما يلائم طبائع المصريين.
وتولى لطفى بحكم تحريره لصحيفة الحزب "الجريدة" هذه المهمة التربوية، وكانت مهمة صعبة؛ إذ عليه أن يربي شعبًا، ويغرس فيه أطماعه الوطنية وحقوقه وواجباته السياسة. ومن هنا أخذ لقب "المعلم"، والحق أنه علم الشعب كثيرًا مما أصبح بعد تصريح ٢٨ من فبراير سنة ١٩٢٢ قائمًا قيام الأهرامات الراسخة في حياتنا السياسية من مثل سلطة الأمة والحرية الدستورية وتعليم الفتاة وغير ذلك من معانٍ وطنية.
فقد عكف على قراءة ما كتبه المصلحون الغربيون في شئون التربية القومية وفي الحقوق السياسية، ونقل ذلك إلى المصريين في مقالاته بالجريدة، فتارة يردد ذكر المبادئ التي قامت عليها الثورة الفرنسية، وتارة يردد آراء المفكرين والفلاسفة الغربيين الذين قرروا تلك المبادئ من مثل روسو وستيوارت مل وتولستوي ومونتسكيو وفولتير؛ وبذلك وُجدت عندنا المقالة السياسية بالمعنى الدقيق، فهي ليست كلامًا ارتجاليًّا يقال؛ وإنما هي دراسة وخبرة بالفكر الغربي ونقل ما يلائمنا منه. ونكتفي بذكر مقتطفات من بعض مقالاته، يقول في مقالة بعنوان "غرض الأمة هو الاستقلال":
"استقلال الأمة في الحياة الاجتماعية كالخبز في الحياة الفردية لا غنى عنه؛ لأنه لا وجود إلا به، وكل وجود غير الاستقلال مرض يجب التداوي منه، وضعف يجب إزالته؛ بل عارٌ يجب نفيه ... استقلال الأمة عمن عداها أو حريتها السياسية حق لها بالفطرة، لا ينبغي لها أن تتسامح فيه، أو أن تَنِيَ في العمل للحصول عليه؛ بل ليس لها حق التنازل عنه لغيرها -لا بكله ولا بجزئه- لأن الحرية لا تقبل القسمة ولا تقبل التنازل، فكل تنازل من الأمة عن حريتها كلها أو بعضها باطل بطلانًا أصليًّا لا تلحقه الصحة بأي حال من الأحوال. فلا جرم مع هذا المبدأ المسلَّم به عند علماء السياسة، إن قلت: إنه يجب على الأمة
стр. 234
أن توجه كل قواها بغير استثناء إلى الحصول على وجودها أي الحصول على الاستقلال ...
أما نية الاستقلال فهي فهمه والتشبث بمزاياه، وتمثل هذا الفهم في شعور الأمة تمثلًا صحيحًا شائعًا؛ أي: اعتقاد الأمة بضرورته وأنه هو العيش، وهو الكساء، وهو المبيت، وهو الوجود وبغيره لا وجود. ولا بد لذلك من أن يربَّى في الأمة معنى القومية المصرية.
إن أول معنى للقومية المصرية هو تحديد الوطنية المصرية، والاحتفاظ بها والغيرة عليها غيرة التركي على وطنه والإنجليزي على قوميته، لا أن نجعل أنفسنا وبلادنا على المشاع وسط ما يسمى خطأ بالجامعة الإسلامية ...
يعجبني في هذا المعنى أن أورد عبارة أحد الكتاب الإنجليز، قال: مهما كان اللوم على الأمة المتغلبة على غيرها، فإنه لا يصح أن تنجو الأمة المغلوبة من اللوم؛ فإنه من السهل أن يدوس الإنسان بقدمه حشرة، لكن إذا كانت هذه الحشرة من العقارب يصعب دَوْسُها بالقدم. وعندنا أن الأمة كائن طبيعي يستحيل مهما كانت ضعيفة أن تكون مجردة من آلات الدفاع عن نفسها؛ لأن الله قد سلح جميع كائناته بسلاح الدفاع عن ذواتها، والأمة بصفتها إحدى هاته الكائنات الطبيعية لا يمكن أن تكون فاقدة السلاح، فلئن تركته أو أساءت استعماله فاللوم عليها بمقدار تقصيرها. ولقد كُتب على مصر أن ترتقي بالسلام وتستقل بالسلام، فما أسلحة السلام إلا ذكاء في العقل والقلب يهدينا إلى معرفة مصريتنا، وقَصْر عملنا على مصرنا وإنماء كفاءتنا قبل كل شيء".
ويقول في مقال بعنوان "الحرية":
"لو كنا نعيش بالخبز والماء لكانت عيشتنا راضية وفوق الراضية؛ ولكن غذاءنا الحقيقي الذي به نحيا ومن أجله نحب الحياة ليس هو إشباع البطون الجائعة؛ بل هو غذاء طبيعي أيضًا كالخبز والماء؛ لكنه كان دائمًا أرفع درجة وأصبح اليوم أعز مطلبًا وأغلى ثمنًا. هو إرضاء العقول والقلوب، وعقولنا وقلوبنا لا ترضى إلا بالحرية. إنا إذا طلبنا الحرية لا نطلب بها شيئًا كثيرًا؛ إنما نطلب الغذاء الضروري لحياتنا، نطلب ألا نموت. ولا يوجد مخلوق أقنع من الذي
стр. 235
لا يطلب إلى الحياة ووسائل الحياة، كما أنه لا أحد أقل كرمًا من ذلك الذي يضن على الموجود الحي بأن يستوفي قسطه من الحياة، إن الحرية هي المقوِّم الأول للحياة، ولا حياة إلا بالحرية".
وفي مقال بعنوان "مصريتنا":
"إن الانتساب إلى مصر لا يمكن أن يكون عارًا؛ فإن مصر بلد طيب، قد ولد التمدن مرتين، وله من الثروة الطبيعية والشرف القديم ما يكفل له الرقي، متى كرم أهلوه، وكرمت عليهم نفوسهم، وكبرت أطماعهم، فاستردوا شرفه، وسموا به إلى مجد آبائهم الأولين".
وبمثل هذا الأسلوب الجزل الرصين كان لطفي يعلم أمته بمقالاته، وهي ليست مقالات فارغة؛ وإنما هي مقالات مليئة بالثقافة الواسعة وبالفكر العميق. ووسَّع دائرة هذه المقالات وجعلها تشمل كل ما يتصل بتربية الأمة من وجهات أخلاقية واجتماعية؛ إذ عُنِيَ بكل جوانب الحياة المصرية عناية فاحصة دقيقة، تقوم على الدرس وتبين الخصائص والصفات حتى نعرف ما ينقصنا بالقياس إلى مُثلنا العليا معرفة واضحة.
ومن أهم ما يمتاز به في كتابته المنطق والوضوح وحشد الأدلة والأقيسة والانتقال من العام إلى الخاص والخاص إلى العام، يُلهمه في ذلك ذكاؤه واتساع قراءاته في الفكر الغربي. وهو يعبر عن ذلك كما في هذه الفقرات بسهولة، ويصل دائمًا قاصدًا إلى غايته مما يريد التعبير عنه، فأنت لا تجد عنده أي تعبير شائك أو معقد في أي جانب من جوانب مقالاته؛ إنما تجد التعبير السريع الواضح الذي يصور لك ما بنفس الكاتب من جميع أطرافه.
وهذا التعبير المباشر الذي يقصد إلى غايته بدون أي تعقيد هو أهم خصائص لطفي، وهو تعبير يصور القمة التي استطاع مفكرونا أن يصلوا إليها منذ أوائل هذا القرن، مسلحين بالثقافة الغربية؛ بل إن لطفي يصل من ذلك إلى أبعد الغايات بفضل عقله الذي خُلق ليكون عقل معلِّم. وأكبر الظن أننا لا نبالغ إذا قلنا: إنه خُلق ليكون عقل "فيلسوف" يبحث في خصائص الأشياء وصفاتها، ويردها
стр. 236
إلى عناصرها ومكوناتها.
فأنت في قراءة مقالاته التي جُمعت طائفة منها ونشرت باسم "المنتخبات" و"تأملات" تحس بأنك تجد غذاء محققًا لعقلك ولقلبك ولشخصيتك المصرية التي عمل على إنمائها وإذكائها بكل ما استطاع، حتى لنجده يدعو إلى تقريب العربية من لغتنا العامية؛ حتى تكون لنا لغة مصرية مستقلة. ولم يدع إلى العامية -كما يُظَنُّ- وإنما دعا إلى التقريب بينها وبين العربية واستخدام ما فيها من كلمات أصلها فصيح، وهي تدور على كل لسان. ولم يجد حرجًا في أن تدخل منها بعض الألفاظ في أساليبنا الأدبية. وكان لذلك أثره عند المازني وهيكل وتوفيق الحكيم، فإنهم عمدوا إلى ذلك في بعض آثارهم.
وأظن ليس من العجب أن نرى هذا المعلم الأول لناشئة الأدباء والمفكرين بيننا يسعى إلى ترجمة أرسططاليس، وكأنه أحس إحساسًا عميقًا بأنه لا بد أن تؤسَّس حياتنا العقلية على أصول غربية، ورأى هذه الأصول عند الغربيين تتجاوز عصرهم الحديث إلى الإغريق وإلى المعلم الأول عندهم أرسططاليس، الذي كان له أكبر الأثر في حضارة الغرب الحديثة، وكان له نفس الأثر عند العرب في العصر العباسي وما بعده من عصور، فتحوَّل إليه يريد أن يترجمه ترجمة دقيقة؛ حتى يضع بين يدي المثقفين هذا العقل الإغريقي الخصب، فيساعدهم على تكوين عقولهم وما تحتاجه من قدرة على التفلسف والتبويب والتنظيم.
ولعلنا بذلك كله نستطيع أن نعرف فضل هذا الكاتب الكبير، فقد عمل جاهدًا على تربية الشعب المصري وتطوير حياته العقلية على ضوء الفكر الغربي قديمه وحديثه، وكانت جريدته المنارة التي ترسل هذه الأشعة الهادية إلى عقول الشباب وقلوبهم؛ بل كانت أشبه ما يكون بملعب "الليسيه" الذي كان يحاضر فيه أرسططاليس تلاميذه. وعلى نحو ما كان الفيلسوف الإغريقي يمرن تلاميذه على بحث الموضوعات المختلفة كان لطفي يمرن محمد حسين هيكل وطه حسين وغيرهما على الكتابة في المسائل السياسية والأدبية، وقد بعث في قلوب الشباب الشعور
стр. 237
بقيمة الغرب ووجوب الاقتباس من أضوائه. وهو بذلك يعد حقًّا خير من أعدونا من مفكري أول القرن لنمو حياتنا العقلية، هذا النمو الذي سنرى آثاره عند الأدباء التالين.
стр. 238
٦- إبراهيم عبد القادر المازني ١٨٨٩-١٩٤٩م:
أ- حياته وآثاره:
في بيت عتيق على حدود الصحراء في القاهرة وُلد إبراهيم عبد القادر المازني سنة ١٨٨٩ في بيئة دينية متواضعة؛ إذ كان أبوه محاميًا شرعيًّا ولم يكن على شيء من الثراء. ولم يتمتع إبراهيم طويلًا برعاية أبيه، فقد توفي وهو في سنيه الأولى، ولم تقعد بأمه فاقتها، فقد رعته وألحقته بالمدرسة الابتدائية، حتى إذا أتمها التحق بالمدرسة الثانوية، وعينها من ورائه.
وطمح بعد إكمال دراسته الثانوية إلى الالتحاق بمدرسة الطب؛ لكنه لم يكد يدخل غرفة التشريح، حتى أصابه غثيان شديد، فانصرف عن الطب، وفكر في الالتحاق بمدرسة الحقوق، إلا أن ضيق ذات يده رده عنها إلى مدرسة المعلمين. وفي هذه المدرسة أخذت ملكته الأدبية في الظهور، فعكف على قراءة الأدب القديم يقرأ في كتابات الجاحظ وفي كتاب الأغاني وفي الكامل للمبرد والأمالي لأبي علي القالي وغير ذلك من عيون النثر العربي القديم، كما أخذ يقرأ في الشريف الرضي ومهيار وابن الرومي والمتنبي وأضرابهم من الشعراء البارعين.
وكانت مدرسة المعلمين تهتم باللغة الإنجليزية وآدابها، فأقبل على هذه الآداب لا فيما يُصْرَفُ إليه من كتبها فحسب؛ بل أيضًا في عيونها عند شعرائها من مثل شللي وشكسبير وبيرون وكتابها مثل: ديكنز وثاكري ووالتر سكوت وشارلز لام. واتجه
стр. 239
إلى مؤلفات النقاد الإنجليز الممتازين مثل: هازليت وأرنولد وسانتسبري.
واستقامت له من كل هذه القراءات في الأدبين العربي والغربي صورة جديدة من التفكير في الحياة وفي الأدب شعره ونثره، نرى آثارها فيما كان يكتبه في صحيفة "الجريدة" وهو لا يزال طالبًا في مدرسة المعلمين. وانعقدت أسباب المودة بينه وبين أحد رفقائه، وهو عبد الرحمن شكري، وأخذ ينظم معه الشعر على أسلوب جديد في ضوء ما قرآ من شعر الإنجليز، وخاصة عند أصحاب النزعة الرومانسية أمثال شللي شعراء البحيرة.
وتخرج في مدرسة المعلمين سنة ١٩٠٩ فعُين أستاذًا للترجمة في المدرسة السعيدية، ثم في المدرسة الخديوية، وعُني بأن يترجم لتلاميذه قطعًا مختلفة من كليلة ودمنة إلى الإنجليزية، كما ترجم لهم من هذه اللغة كثيرًا من نماذجها الممتازة التي قرأها لكبار كتابها وشعرائها. وسرعان ما تعرَّف على العقاد وكوَّن معه ومع شكري الجيل الجديد الذي سبق أن تحدثنا عنه. وكان أهم ما اتجه إليه هذا الجيل في أوائل القرن صنع الشعر على شاكلة ما يصنع الغربيون شعرهم الغنائي، ونشر شكري أول محاولة للجماعة ممثلة في ديوانه "ضوء الفجر"، وأخذ المازني يشيد بالمحاولة، وجرَّه ذلك إلى نقد حافظ وشعره التقليدي نقدًا عنيفًا، وتصادف أن كان وزير التربية والتعليم حينئذ -أحمد حشمت "باشا"- صديقًا لحافظ، فكان يتهدد المازني بأن سيلقى جزاء نقده. ونقل المازني إلى مدرسة دار العلوم، فغضب، وقدم استقالته، وخرج إلى الحياة الحرة، فاشتغل مدرسًا مع العقاد بالمدرسة الإعدادية، وظل على ذلك أربع سنوات، أخرج فيها الجزء الأول من ديوانه سنة ١٩١٤ ثم الجزء الثاني سنة ١٩١٧.
وشعره في هذين الجزأين على غرار شعر شكري ليس فيه سياسة ولا وطنية ولا دعوات اجتماعية؛ وإنما هو تجربة نفسية تامة، وهي تجربة تفيض بالألم والكآبة إزاء الطبيعة والتفكير في النفس والحياة الإنسانية ومتاعس البشرية، ويأخذ ذلك شكل انفجارات وجدانية. وربما كان مرجع ذلك عنده إلى أنه كان صاحب نفس حساسة وشعور مرهف إلى أبعد ما يكون الإرهاف الدقيق. ولم يكن شيء في حياته مفرحًا، فقد ذاق ألم اليتم صغيرًا،
стр. 240
وكان قصيرًا تقتحمه العين، وأحس ذلك في نفسه، فضاق بحياته وتبرَّم بها غاية التبرم، وزاد تبرمه حدة أن أصيب ساقه في حادثة سببت فيه عرجًا، لازمه إلى مماته.
ويقرأ المازني وتتسع قراءته، وينفتح أمامه العالم الغربي عن طريق إتقانه للإنجليزية، فلا يقف عند ما يقرؤه في الأدب الإنجليزي؛ بل يقرأ كل ما استطاع في الآداب الغربية المختلفة، يقرأ لتورجنيف ولهاتزيباشيف الروسيين، ويترجم للأخير قصة "سانين" باسم "ابن الطبيعة" كما يقرأ لمارك توين الأمريكي ولغير هؤلاء جميعًا ممن يُطْبَعُ أدبهم بطوابع السخرية.
وتُحْدث هذه القراءات أثرها العميق في نفس المازني، فإذا هو ينقلب من شاعر وجداني تطفح نفسه بالمرارة والألم إلى كاتب من طراز ساخر يستخف بالحياة وبكل من فيها وما فيها من أشخاص وأشياء وأمانٍ وآلام. ويترك المدرسة الإعدادية، وينتظم في سلك الصحافة إلى نهاية حياته؛ ولكنه لا ينغمر في السياسة؛ إذ يظل مستقلًّا بآرائه وأفكاره شاعرًا بأنه من رجال الأدب لا من رجال السياسة؛ بل تظل له شخصيته الأدبية الساخرة، وكأنه وجد نفسه التي كان يبحث عنها من أوائل القرن كما وجد فلسفته، وهي فلسفة تقوم على لقاء الحياة بالابتسام والسخرية في كل الأحوال والظروف. فلم تعد عيناه تدوران في جوانبها الحالكة، ولم يعد يندبها ويبكيها، فهي لا تستحق عنده سوى الاستخفاف والاستهانة؛ بل لكأنما شعر أن عليه لقرائه واجبًا أن يعينهم بسخريته وفكاهته على تحمل أعباء دنياهم والنهوض بأثقالها.
ونراه يبدأ هذه المرحلة الجديدة بمهاجمة المنفلوطي وأسلوبه الإنشائي الفارغ من الفكر العميق ومن الثقافة، وذلك في كتاب "الديوان" الذي أخرجه مع العقاد، كما يهاجم شكري في شعره الجديد، وربما كان ذلك دليلًا على أنه استوى شخصًا آخر غير الشاعر القديم الذي كان يدعو دعوة حارة لمحاولة التجديد في الشعر. إنه لم يعد يعجب بهذه المحاولة ولا بصاحبها شكري، وإنه يحاول الآن محاولة جديدة؛ ولكن ليست في الشعر؛ وإنما هي في النثر وفي
стр. 241
توسيع جنباته؛ بحيث تسمح بإدخال الأفكار الغربية التي لم يكن يعرفها هذا النثر من قبل. واتخذ المقالة الصحفية طريقه إلى ذلك، وحَمَّلها كل ما أراد من فكر جديد، ومن سخرية مُرة تارة، ومن ظرف وخفة روح تارة أخرى.
وهو في الحق أحد كتابنا الممتازين الذين استطاعوا أن يحدثوا لنا أدبًا مصريًّا جديدًا، وهو أدب مليء بالفكر والشعور والسخرية الحادة. وليس هذا كل ما يميزه، فإنه يتميز أيضًا بأسلوب خاص كان لا يتحرج فيه من استخدام بعض كلماتنا العامية، ما دامت توجد في العربية الفصيحة، وبذلك كان له أسلوبه الشخصي الذي ينفرد به بين معاصريه، لا بخصائصه اللفظية فحسب؛ بل أيضًا بخصائصه المعنوية وما فيه من سخرية وفكاهة مستملحة.
ولعل من الطريف أنه كان من السابقين إلى الإيمان بفكرة جامعة الدول العربية، فقد كتب في سنة ١٩٣٥ مقالًا تحت عنوان "القومية العربية"، دعا فيه إلى جمع كلمة العرب وأن تنتظمهم هيئة سياسية واحدة تؤلف بينهم ضد الاستعمار والمستعمرين، ومن قوله في هذا المقال:
"لقد أحطنا قوميتنا بمثل سور الصين، ولو أن هذه القومية العربية لم تكن إلا وهما لا سند له من حقائق الحياة والتاريخ لوجب أن نخلقها خلقًا، فما للأمم الصغيرة أمل في حياة مأمونة ... وإن أية دولة تتاح لها الفرصة تستطيع أن تثب عليهم وتأكلهم أكلًا بلحمهم وعظمهم؛ ولكن مليون فلسطين إذا أضيف إليه مليونا الشام وملايين مصر والعراق مثلًا يصبحون شيئًا له بأس يُتَّقَى".
وهو لا يبارَى في مقالاته التي يصف فيها مشاعره وخوالجه؛ إذ كان مرهف الإحساس، وكان إذا تعمق التأثر نفسه فاضت عليه خواطره، وكأنها تفيض من نبع لا ينضب. ومن خير ما دبجته يراعته من ذلك ما جاء بكتابه "في الطريق" من حديثه عن ابنته الصغيرة التي اختطفها القدر من بين يديه
стр. 242
وهي في غرارة الطفولة، فقد صوَّر ذكرياته معها وما كانت تأتيه من لعب وعبث تصويرًا باكيًا رائعًا.
وقد نشر أول مجموعة مختارة من مقالاته سنة ١٩٢٤ بعنوان "حصاد الهشيم"، وفيها نراه يتحدث عن شكسبير ورواية تاجر البندقية التي نقلها إلى العربية خليل مطران، كما يتحدث عن ماكس نوردو وآرائه في مستقبل الأدب والفنون، ويناقش آراءه مناقشة تدل على اتساع ثقافته الغربية. ويدرس بجانب ذلك المتنبي وابن الرومي، ويترجم بعض رباعيات الخيام عن الإنجليزية، ويعرض لكثير من مشاكل الأدب والنقد.
وفي سنة ١٩٢٧ نشر مجموعة ثانية من مقالاته باسم "قبض الريح"، وفيها تعرض بالنقد الساخر لكثير من آراء طه حسين في الأدب الجاهلي وفي الأدب العربي بعامة. ونشر في سنة ١٩٢٩ مجموعة ثالثة باسم "صندوق الدنيا"، وفيها اتجه إلى المقالات الساخرة التي تمسح عليها الدعابة والفكاهة، ومما جاء في تقديمه لهذه المجموعة:
"كنت أجلس إلى الصندوق في أيام طفولتي وأنظر إلى ما فيه، فصرت أحمله على ظهري وأجوب به الدنيا، أجمع مناظرها وصُوَرَ العيش فيها، عسى أن يستوقفني نفر من أطفال الدنيا الكبار، فأحط "الدكَّة" وأضع الصندوق على قوائمه، وأدعوهم أن ينظروا، ويعجبوا، ويتسلوا ساعة بملاليم قليلة، يجودون بها على هذا الأشعث الأغبر".
وبهذا الأسلوب المستملح الساخر الخفيف كتب مقالات هذه المجموعة ومقالاته في المجموعة الرابعة "خيوط العنكبوت" التي نشرها في سنة ١٩٣٥، وصور فيها بأسلوبه الفكه معايب حياتنا الاجتماعية. ويدخل في هذا الباب من كتابة المقالة كتابه: "رحلة الحجار".
واتجه منذ سنة ١٩٣٢ إلى كتابة القصة، وله فيها آثار مختلفة هي "إبراهيم الكاتب"، وأتبعها بمجموعات من القصص القصيرة، هي في "الطريق" سنة ١٩٣٦ ثم "ميدو وشركاه" و"عود على بدء" و"ثلاثة رجال وامرأة" و"عَ الماشي"
стр. 243
و"إبراهيم الثاني" و"من النافذة". والمسرحية الوحيدة التي نشرها "بيت الطاعة أو غريزة المرأة".
والمازني في كل هذه القصص كاتب اجتماعي يستمد من بيئته وألوانها المحلية المصرية محللًا شخصيات قصصه وأبطالها تحليلًا نفسيًّا واسعًا، باسطًا في هذا التحليل وصف علاقات الرجل بالمرأة خلال أحداث وتجارب يومية.
وهو يتأثر في ذلك بالقصص الأوربي الواقعي التحليلي مما قرأه في الآداب الغربية المختلفة، ومما ينهج فيه الكُتَّاب منهجًا نفسيًّا يحللون فيه الشعور وما وراء الشعور وما يصيب الإنسان أحيانًا من عقد نفسية تكمن في أطواء قلبه. ويصور ذلك بأسلوبه الساخر، الذي يستمد السخرية فيه من مفارقات الأمزجة واختلاف الطبائع، وما يقيمه في القصة من مآزق مختلفة.
وللمازني بجانب ذلك جهد ممتاز في ترجمة بعض الذخائر الغربية، ومن أهم ما ترجمه قصة "ابن الطبيعة" التي سبقت الإشارة إليها، ومسرحية "الشاردة" لجازورثي و"مختارات من القصص الإنجليزي". وهو يعد في طليعة من حذقوا الترجمة والنقل من الآداب الأجنبية. وقد برهن في ترجماته كما برهن في كتاباته أن اللغة العربية مرنة، وأنها تتسع لكل المعاني الحديثة. ومما يذكر له بالثناء بحثه الأدبي في "بشار بن برد" زعيم المحدثين في العصر العباسي.
وتقديرًا له ولمكانته الأدبية وما بذل من جهود قيمة في أدبنا المعاصر اختير عضوًا بمجمع اللغة العربية. وما زال مكبًّا على التحرير في الصحف وإخراج القصص والأعمال الأدبية المختلفة حتى انطفأت شعلة حياته في سنة ١٩٤٩. ونقف الآن وقفة قصيرة عند قصة "إبراهيم الكاتب".
стр. 244
٢- إبراهيم الكاتب:
تدور هذه القصة حول مشكلة عامة؛ هي إمكان أن يحب الرجل أكثر من امرأة، وهي مشكلة تتحول إلى أزمات متعاقبة في حياة إبراهيم الكاتب ومَن يبادلهن حبه، فقد كانت له زوجة لبَّت داعي ربها، وتركت له ولدًا. ويحدث
أن يصيبه المرض، ويدخل مستشفى، فيشغف حبًّا بماري ممرضته. ويترك المستشفى إلى الريف، فيلتقي ببنت خالته "شوشو" الفتاة الجميلة التي كان يبادلها في القديم علاقات تطورت إلى حب، وهو يعود إليها الآن ويعود إليه حبه القديم، ويتمنى لو تزوجها وسكن إليها؛ ولكن عائقًا من التقاليد يقف في طريقهما، فإن لها أختًا تكبرها، فإذا كان يريد الزواج فعليه بالكبرى، وليترك الصغرى، فالدور ليس دورها، ولو "دفع لأهلها وزنها ذهبًا". ويحز الألم في نفس إبراهيم ضحية التقاليد الجامدة، ويسافر إلى الأقصر، فيلتقي بفتاة متحررة من الطراز الحديث تسمى "ليلى" على نصيب من الجمال، فيقع في حبها، وتبادله حبًّا بحب، ويمرض إبراهيم. ثم يعود إلى القاهرة، وقد عرفنا أن ليلى تزوجت، أما هو فيتزوج بسميرة التي اختارتها له أمه.
وهذا الهيكل العام للقصة يساق في تحليل واسع للمواقف العاطفية وللأشخاص ونفسياتهم وانفعالاتهم وعلاقاتهم الجنسية تحليلًا بسيكولوجيا صريحًا. وأشار إلى ذلك في تقديمه للقصة؛ إذ يقول: إنها "فوق استيفائها كل ما يجعل الأدب ساميًا تكاد أن تكون بحثًا بسيكولوجيا يعرض بالتحليل لمشكلة الحب الأبدية".
وهو يبدؤها بوصف شوشو وصفًا يبرز ملامحها الجسمية والنفسية، يقول:
"شوشو فتاة يقول لك جسمها: إنها ناهزت التاسعة عشرة، ويشهد حديثها وحركاتها أنها لم تجاوز السابعة عشرة، وهي ذات قامة معتدلة وجسم غض ووجه صبيح متألق، ترتاح العين إلى النظر إلى معارفه جملة، وتُشْغَل بوقعها مجتمعة عن التعلق بواحد منها على الخصوص. وقد قضت الشطر الأول من عمرها في عزلة، قلما أتيح لها فيها أن تخالط الرجال إلا أن يكونوا من ذوي قرابتها الأدنين، فلم تألف أذنها عبارات الإعجاب بحسنها، وبقيت نفسها مرسلة على سجيتها، وخلا كل ما فيها ولها من ذلك التعمل الذي يدرب الفتاة عليه تنبه الشعور بنفسها وتوقعها من الجليس أن تأخذها عينه من فرعها إلى قدمها وأن تحس محاسنها وتنقدها. وقد انفردت عيناها بمزية؛ هي أن من يراهما لا يحتاج أن يعدوهما أو ينقل لحظه إلى سواهما، ففيهما يجتلى نفسها وروحها
стр. 245
وطبيعتها وجمالها مركزًا، وهما سوداوان غير أنه سواد فيه من العمق أكثر مما فيه من الالتماع، تحدق فيه تحديقك في بئر، ولا ترنو إليه كما ترنو إلى رسم".
وهي صورة حية تامة الملامح الجسدية والقسمات النفسية، ويسترسل في بيان ذلك، فيقول:
"ومن الفتيات مَن لا يفطن المرء إليها على فرط حسنها لأول وهلة؛ ولكن صاحبتنا هذه كانت من قوة الجذب؛ بحيث لا يسعك إلا أن تحس وجودها وتشعر بما تفيضه حولها، ولا تكاد تجلس إليها خمس دقائق حتى تلم بما فُطرت عليه من جرأة الجنان الذي لا يدري أن في الدنيا ما يُتَّقَى، ومن حرارة النفس الغريرة التي لم يصدمها من التجاريب ما يطفئها، ومن خفة الروح التي لا يثقلها إلحاح اللحم. ويعرف من يعرفها أن لها أحيانًا تبدو فيها كالظمأى إلى مجهول، أو كالتي تعتلج في صدرها خواطر وإحساسات هي أغمض من أن تتولى الكشف عنها عبارة أو أوجع من أن ترفه عنها دمعة. ولم تكن كذلك الآن في هذه الفترة التي زخرت فيها تيارات حياتها والتي نخصها بالذكر! ".
وواضح أن المازني يحاول منذ السطور الأولى من قصته أن يحلل الصفات النفسية للأشخاص وما يرتبط بها من تعبيرات الجسد، وهو يعمد إلى التفصيل في ذلك مستطردًا إلى تعليقات ومقابلات من شأنها أن تضعف الحركة في قصته.
وفي القصة حوار مرن شفاف في مواضع مختلفة، وهو ينتهز الفرصة فيه كثيرًا ليضيف تحليلاته النفسية. وأنت لا تشتعر بملل في قراءته لسببين؛ هما: غِنَى خواطره وخوالجه، ومسحه على هذه الخواطر بظرفه وفكاهته. ويأخذ عنده الحوار هذا الشكل الخفيف الذي يصادفنا في أول القصة.
"قالت شوشو لقريبها بعد أن أصاب حظًّا من الراحة: تعالَ بنا إلى بهو السلم؛ فإن الجو بديع في هذه الليلة.
- ولكن السلم يؤدي إلى "الغيط" مباشرة بلا حاجز ... والكلاب.
- آه. الكلاب، أتخافها؟ إنها لن تؤذيك.. تعالَ، تعالَ.. أيصح أن تكون أضعف مني قلبًا؟ فمضيا إلى البهو، وجلسا، ثم شرعت فتاتنا تنادي:
стр. 246
مرجان، بخيت، مرزوق، فعجب الفتى، وقال: وما تصنعين بهؤلاء كلهم؟ لا تُتعبي الخدم يا شوشو بلا داع.
والتفت، فإذا ثلاثة كلاب تصعد مسرعة على السلم، وتقبل عليها، وتتوثب حولها، وتتمسَّح بثوبها، وتحرك أذنابها، وتعلق حذاءها. فأشارت إليها، فربض واحد إلى يمين الفتى وثانٍ أمامه وثالث إلى يساره. وعادت هي تحادث قريبها، حتى عرضت مناسبة، فنهضت، وأخبرته أنها ستغيب عنه برهة قصيرة، ولم تنتظر أن تسمع ما هَمَّ أن يقوله، إذا صح أنه فتح فمه ليتكلم! وتركته".
ويتخلل الحوار عنده بعض الألفاظ العامية؛ ولكنه لا يأتي بها إلا نادرًا، وفي المواضع التي تكون فيها العربية نابية، أما في غير الحوار فإنه كان يلتزم الفصحى. وكان من رأيه أنها لا تنقصها عناصر التعبير، وشرح ذلك في مقدمة قصته، فقال: إن محاكاة الواقع بالمعنى الحرفي لا معنى لها في الأدب؛ لأنه ليس مجرد نقل عن الطبيعة ومحاكاة؛ بل هو تحوير وتعديل. ومن ثم آثر للحوار أن يكون بالعربية إلا في مواقف قليلة رأى فيها الألفاظ العامية أقوى في التصوير وأوضح في التعبير.
ولاحظ النقاد على هذه القصة أن كاتبها تأثر بقصة "سانين" التي ترجمها قديمًا تأثرًا واضحًا؛ بل زعموا أنه نقل عنها كثيرًا. ولكن ذلك لا يقلل من أهمية هذه القصة البديعة التي تعرض لنا إبراهيم الكاتب شخصية حية تضطرب في محيط حياتنا المصرية بريفها ومدنها وروحها وتقاليدها. وظن غير ناقد أن المازني إنما صور شخصيته على لسان هذا البطل وأفكاره ومشاكله وأزمات نفسه وسخريته بالحياة وكل ما انطوى في قلبه من حزن ومرارة وكل ما ارتسم على شفته من ابتسام وفكاهة.
والحق أن أكثر قصص المازني ومقالاته يشبه أن يكون اعترافات، فهو دائم التصوير لنفسه وخصاله وحياته اليومية، وهو لذلك تفيض كتاباته بالحيوية؛ لأنها كتابات عقل غزير وروح غنية.
стр. 247
٧- محمد حسين هيكل ١٨٨٨-١٩٥٦م:
أ- حياته وآثاره:
في "كفر غنام" من أعمال مركز السنبلاوين بمديرية الدقهلية وُلد محمد حسين هيكل سنة ١٨٨٨ لأسرة ريفية مصرية صميمة، لها بعض الوجاهة والثراء. ولما بلغ الخامسة من عمره ألحقه أبوه بكُتَّاب القرية، فتعلم القراءة والكتابة وحفظ نحو ثلث القرآن الكريم، وتحول من هذا الكُتَّاب في السابعة من عمره إلى القاهرة، فالتحق بمدرسة الجمالية الابتدائية، ثم مدرسة الخديوية الثانوية، ولما أتم هذه المرحلة انتظم في مدرسة الحقوق وتخرج فيها سنة ١٩٠٩.
وظهر فيه ميله إلى الأدب منذ أن كان في الحقوق، فعكف على قراءة الآثار العربية القديمة. واتصل بلطفي السيد محرر الجريدة، وفتح له صدر هذه الصحيفة ليكتب الحقوقي الصغير، ورعاه خير رعاية، وكان لهذه الرعاية أثرها البعيد في نفسه، فقد التقى بمعلم الشباب الناهض مباشرة، أصبح من مريديه وممن يتلقون عنه دروسه في السياسة والاجتماع والأخلاق. وشعر شعورًا كاملًا بما كان يدعو إليه لطفي من الإيمان بالمصرية والعمل على إبرازها في حياتنا السياسية والأدبية واللغوية، كما شعر شعورًا عميقًا بما كان يدعو إليه من وَصْل حياتنا العقلية بالغرب والتزود من ينابيعه، وظهر أثر ذلك فيما كان يكتبه بالجريدة.
فلما تخرج في الحقوق رأى أن يتم تعليمه في فرنسا، فسافر إلى باريس، والتحق بكلية الحقوق فيها، وحصل منها على الدكتوراه في الاقتصاد السياسي سنة ١٩١٢. وكتب وهو في باريس "قصة زينب" وهي أول محاولة قصصية بارعة في أدبنا، عمد فيها إلى وصف حياة الريف والفلاحين بصورة لم يسبقه فيها أحد من المصريين.
стр. 248
وعاد إلى مصر، فاشتغل بالمحاماة في مدينة "المنصورة". ومنذ سنة ١٩١٧ أخذ يلقي بعض المحاضرات في الجامعة المصرية الأهلية، حتى إذا أنشأ حزب الأحرار الدستوريين جريدة السياسة سنة ١٩٢٢ تولى تحريرها. وطبيعي أن ينضم إلى هذا الحزب وأن يتولى تحرير جريدته؛ لأنه امتداد لحزب الأمة الذي كان يحرر أستاذه لطفي السيد صحيفته "الجريدة". وانضم إليه في هذا التحرير زميل من تلاميذ لطفي السيد، عاد هو الآخر إلى مصر من باريس، هو طه حسين، فنهضا معًا بتحرير صحيفة الأحرار الدستوريين. وغلبت على هيكل في كتاباته النزعة السياسية، بينما غلبت على طه حسين النزعة الأدبية. وأخرج هيكل في سنة ١٩٢١ جزءًا عن جان جاك روسو وأتبعه بجزء ثانٍ في سنة ١٩٢٣، فتم له بذلك كتاب طريف عن روسو وآرائه وتعاليمه.
ولم يقصر هيكل نفسه على السياسة؛ بل أخذ يكتب مع طه حسين فصولًا في الأدب والنقد، وجمع طائفة من هذه الفصول ونشرها في كتاب "أوقات الفراغ" سنة ١٩٥٢، والكتاب مقسم إلى ثلاث مجموعات؛ وتتناول المجموعة الأولى مباحث قيمة في النقد، وهو فيها يدل دلالة واضحة على تمثله للثقافة الغربية مع تعلقه بشعبه وثقافته وأمانيه في الحياة الفكرية الراقية. وترجم في هذه المجموعة ترجمة باهرة لأناتول فرانس وبيير لوتي، وتحدث حديثًا طويلًا عن قاسم أمين ودعوته إلى تحرير المرأة، وما كان يكنه لوطنه ودينه من حب وإجلال، ووصَف كيف رد في أثناء تعلمه بفرنسا على دوق داركور الذي عزا تأخر المسلمين إلى دينهم، فلما عاد إلى مصر تحول مصلحًا اجتماعيًّا، يريد أن ينفي عن أمته كل ما يعوق تأخرها، كما ينفي عن الدين كل ما يوصم به من جمود؛ ولذلك دعا دعوة حارة إلى النهوض بالمرأة المصرية المسلمة، حتى تكون على قدم المساواة للمرأة الغربية. وتناول هيكل في المجموعة الثانية بعض الشئون المصرية بمناسبة كشف مقبرة توت عنخ آمون، وهو يصور هنا إيمانًا شديدًا بقومه وتاريخهم القديم. وفي المجموعة الثالثة خواطر في التاريخ والأدب، دعا فيها إلى الأدب القومي الذي يمثل بيئتنا وعصرنا وحياتنا؛ حتى تتضح ذاتيتنا، وحتى ننفصل في أدبنا بطوابع تميزنا من قدمائنا
стр. 249
وجيراننا، فلا نكون نسخة من غيرنا أو نسخة مطموسة في النسخ العربية المعاصرة؛ بل يكون لنا وجودنا وكياننا الأدبي المستقل.
وأخرج بعد ذلك في سنة ١٩٢٧ كتابه "عشرة أيام في السودان"، وهو إلى أن يكون مناسبات صحفية أقرب منه إلى أن يكون فصولًا أدبية. ومنذ سنة ١٩٢٦ كان يصدر ملحقًا لصحيفة السياسة اليومية باسم "السياسة الأسبوعية"، وكاد هذا الملحق أن يكون قاصرًا على مباحث في الأدب والنقد. وكان يكتب معه فيه طه حسين ونخبة من الأدباء. وتحول هذا الملحق إلى ما يشبه مدرسة يتمرن فيها الأدباء الناشئون على الكتابة والتحرير. وفي سنة ١٩٢٩ نشر طائفة من مقالاته باسم "تراجم مصرية وغربية"، وتبدأ تراجمه الأولى بكليوباترا، ثم يتبعها بتراجم لكبار المصريين السياسيين والمصلحين مثل: مصطفى كامل وعبد الخالق ثروت وبطرس غالي، أما التراجم الغربية فقصرها على بيتهوفن وتين وشكسبير وشللي. ويوضح هذا الكتاب امتلاء نفسه بحب وطنه ورجاله الأفذاذ وحب الغرب وأعلام الفن والشعر والنقد فيه.
وفي سنة ١٩٣٠ صادر إسماعيل صدقي رئيس الوزارة المصرية حينئذ صحيفة السياسة؛ ولكن هيكلًا لا يخلد إلى الراحة، فنراه يخرج مع المازني ومحمد عبد الله عنان كتاب "السياسة المصرية والانقلاب الدستوري" ولا تميز مقالات هذا الكتاب من كتبوها، إلا أنه يمكن معرفة الجزء الخاص به من أسلوبه القانوني ومسحته الغربية. وألف في هذه الفترة السياسية فترة حكم صدقي كتابه "ولدي"، وهو كتاب تذكاري لابنه المتوفَّى سنة ١٩٢٥. وفي هذا الكتاب يصف رحلاته إلى أوربا مع زوجته في شهور الصيف من سنة ١٩٢٦ إلى سنة ١٩٢٨، ونراه يصف وصفًا بارعًا مصايف سويسرا، ويقارن مقارنة طريفة بين باريس الحديثة وباريس القديمة أيام دراسته بها، ويتحدث عن إستانبول وما بعث فيها حكم مصطفى كمال من حياة حرة قوية.
وفي سنة ١٩٣٣ نشر كتابه "ثورة الأدب"، وهو في هذا الكتاب يتحدث
стр. 250
عن نهضتنا الأدبية منذ ثورة عرابي، ويبدأ حديثه بفصل عن "الطغاة وحرية القلم"، وكأنه يرد على الحرب العلنية التي شنَّها صدقي على كُتَّاب الصحف والسياسة. ثم يتحدث عن المراحل المختلفة لشعرنا ونثرنا ويعرض بالتفصيل لما أصاب النثر من تطور بينما جمد الشعر ولم يستطع اللحاق به، وأكَّد في غير موضع ضرورة تثقف الأديب المصري الناشئ بالآداب الغربية؛ حتى نستطيع أن نحصل على مراتب الكمال الفني. وعرض في إسهاب لنواحي النقص عندنا في الإنشاء الأدبي وخاصة في بابي القصة والمسرحية. ورفع صوته مجلجلًا بضرورة إقامة أدب مصري وطني، وقدَّم نماذج قصصية استلهم فيها أساطيرنا الفرعونية.
ونراه بعد ذلك يعمد إلى مصادر الإسلام الأولى، فيُلقي عليها أضواء جديدة بمباحث تاريخية في الرسول الكريم محمد ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر. ومن المحقق أنه يتفوق في الكتابة التاريخية لاتساع نظرته ودقة بحثه، وقد أخذ في أثناء ذلك يتولى شئون بعض الوزارات، وكان أول ذلك في سنة ١٩٣٧ حين جعله محمد محمود في وزارته وزيرًا للدولة، ثم جعله وزيرًا للتربية والتعليم، وما زال يتولى هذه الوزارة من حين إلى حين حتى عُين في سنة ١٩٤٥ رئيسًا لمجلس الشيوخ، وظل في هذه الرياسة حتى سنة ١٩٥٠. ونشر "مذكرات في السياسة المصرية" جعلها في جزأين، أماط فيها اللثام عن كثير من حقائقنا وشئوننا السياسية في هذا القرن.
ورجع أخيرًا إلى كتابة القصة، فأخرج في سنة ١٩٥٥ قصة "هكذا خُلقت"، وهي قصة طويلة تقص حياة امرأة مصرية عصرية أصيبت بشذوذ الغيرة، واضطربت بهذا الشذوذ في محيط الدعوة الجديدة إلى الحرية النسوية، وسلَّطته على حياتها الزوجية فحطمتها مرتين كما يحطم الطفل لعبته. ونراه يقول عنها بلسانها: "إنها تروي حكاية حياتها في بساطة ويسر يكاد يُخيَّل إليك معها أنها حياة عادية لأية امرأة تعرفها؛ ولكنك تقف بعد قليل دهشًا تتساءل: ما هذه المرأة؟ ومَن هي؟ إنها فريدة في طرازها؛ بل هي نسيج وحدها، إنها تحب الحياة ولا تريد مع ذلك أن تسلم للحياة أمرها؛ بل تريد أن تصوغ الحياة كما
следующие страницы →