← Адаб

Адаб · id 9981

الأدب العربي المعاصر في مصر

شوقي ضيف

Полный текст (289 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

مرجان، بخيت، مرزوق، فعجب الفتى، وقال: وما تصنعين بهؤلاء كلهم؟ لا تُتعبي الخدم يا شوشو بلا داع. والتفت، فإذا ثلاثة كلاب تصعد مسرعة على السلم، وتقبل عليها، وتتوثب حولها، وتتمسَّح بثوبها، وتحرك أذنابها، وتعلق حذاءها. فأشارت إليها، فربض واحد إلى يمين الفتى وثانٍ أمامه وثالث إلى يساره. وعادت هي تحادث قريبها، حتى عرضت مناسبة، فنهضت، وأخبرته أنها ستغيب عنه برهة قصيرة، ولم تنتظر أن تسمع ما هَمَّ أن يقوله، إذا صح أنه فتح فمه ليتكلم! وتركته". ويتخلل الحوار عنده بعض الألفاظ العامية؛ ولكنه لا يأتي بها إلا نادرًا، وفي المواضع التي تكون فيها العربية نابية، أما في غير الحوار فإنه كان يلتزم الفصحى. وكان من رأيه أنها لا تنقصها عناصر التعبير، وشرح ذلك في مقدمة قصته، فقال: إن محاكاة الواقع بالمعنى الحرفي لا معنى لها في الأدب؛ لأنه ليس مجرد نقل عن الطبيعة ومحاكاة؛ بل هو تحوير وتعديل. ومن ثم آثر للحوار أن يكون بالعربية إلا في مواقف قليلة رأى فيها الألفاظ العامية أقوى في التصوير وأوضح في التعبير. ولاحظ النقاد على هذه القصة أن كاتبها تأثر بقصة "سانين" التي ترجمها قديمًا تأثرًا واضحًا؛ بل زعموا أنه نقل عنها كثيرًا. ولكن ذلك لا يقلل من أهمية هذه القصة البديعة التي تعرض لنا إبراهيم الكاتب شخصية حية تضطرب في محيط حياتنا المصرية بريفها ومدنها وروحها وتقاليدها. وظن غير ناقد أن المازني إنما صور شخصيته على لسان هذا البطل وأفكاره ومشاكله وأزمات نفسه وسخريته بالحياة وكل ما انطوى في قلبه من حزن ومرارة وكل ما ارتسم على شفته من ابتسام وفكاهة. والحق أن أكثر قصص المازني ومقالاته يشبه أن يكون اعترافات، فهو دائم التصوير لنفسه وخصاله وحياته اليومية، وهو لذلك تفيض كتاباته بالحيوية؛ لأنها كتابات عقل غزير وروح غنية.

стр. 247

٧- محمد حسين هيكل ١٨٨٨-١٩٥٦م: أ- حياته وآثاره: في "كفر غنام" من أعمال مركز السنبلاوين بمديرية الدقهلية وُلد محمد حسين هيكل سنة ١٨٨٨ لأسرة ريفية مصرية صميمة، لها بعض الوجاهة والثراء. ولما بلغ الخامسة من عمره ألحقه أبوه بكُتَّاب القرية، فتعلم القراءة والكتابة وحفظ نحو ثلث القرآن الكريم، وتحول من هذا الكُتَّاب في السابعة من عمره إلى القاهرة، فالتحق بمدرسة الجمالية الابتدائية، ثم مدرسة الخديوية الثانوية، ولما أتم هذه المرحلة انتظم في مدرسة الحقوق وتخرج فيها سنة ١٩٠٩. وظهر فيه ميله إلى الأدب منذ أن كان في الحقوق، فعكف على قراءة الآثار العربية القديمة. واتصل بلطفي السيد محرر الجريدة، وفتح له صدر هذه الصحيفة ليكتب الحقوقي الصغير، ورعاه خير رعاية، وكان لهذه الرعاية أثرها البعيد في نفسه، فقد التقى بمعلم الشباب الناهض مباشرة، أصبح من مريديه وممن يتلقون عنه دروسه في السياسة والاجتماع والأخلاق. وشعر شعورًا كاملًا بما كان يدعو إليه لطفي من الإيمان بالمصرية والعمل على إبرازها في حياتنا السياسية والأدبية واللغوية، كما شعر شعورًا عميقًا بما كان يدعو إليه من وَصْل حياتنا العقلية بالغرب والتزود من ينابيعه، وظهر أثر ذلك فيما كان يكتبه بالجريدة. فلما تخرج في الحقوق رأى أن يتم تعليمه في فرنسا، فسافر إلى باريس، والتحق بكلية الحقوق فيها، وحصل منها على الدكتوراه في الاقتصاد السياسي سنة ١٩١٢. وكتب وهو في باريس "قصة زينب" وهي أول محاولة قصصية بارعة في أدبنا، عمد فيها إلى وصف حياة الريف والفلاحين بصورة لم يسبقه فيها أحد من المصريين.

стр. 248

وعاد إلى مصر، فاشتغل بالمحاماة في مدينة "المنصورة". ومنذ سنة ١٩١٧ أخذ يلقي بعض المحاضرات في الجامعة المصرية الأهلية، حتى إذا أنشأ حزب الأحرار الدستوريين جريدة السياسة سنة ١٩٢٢ تولى تحريرها. وطبيعي أن ينضم إلى هذا الحزب وأن يتولى تحرير جريدته؛ لأنه امتداد لحزب الأمة الذي كان يحرر أستاذه لطفي السيد صحيفته "الجريدة". وانضم إليه في هذا التحرير زميل من تلاميذ لطفي السيد، عاد هو الآخر إلى مصر من باريس، هو طه حسين، فنهضا معًا بتحرير صحيفة الأحرار الدستوريين. وغلبت على هيكل في كتاباته النزعة السياسية، بينما غلبت على طه حسين النزعة الأدبية. وأخرج هيكل في سنة ١٩٢١ جزءًا عن جان جاك روسو وأتبعه بجزء ثانٍ في سنة ١٩٢٣، فتم له بذلك كتاب طريف عن روسو وآرائه وتعاليمه. ولم يقصر هيكل نفسه على السياسة؛ بل أخذ يكتب مع طه حسين فصولًا في الأدب والنقد، وجمع طائفة من هذه الفصول ونشرها في كتاب "أوقات الفراغ" سنة ١٩٥٢، والكتاب مقسم إلى ثلاث مجموعات؛ وتتناول المجموعة الأولى مباحث قيمة في النقد، وهو فيها يدل دلالة واضحة على تمثله للثقافة الغربية مع تعلقه بشعبه وثقافته وأمانيه في الحياة الفكرية الراقية. وترجم في هذه المجموعة ترجمة باهرة لأناتول فرانس وبيير لوتي، وتحدث حديثًا طويلًا عن قاسم أمين ودعوته إلى تحرير المرأة، وما كان يكنه لوطنه ودينه من حب وإجلال، ووصَف كيف رد في أثناء تعلمه بفرنسا على دوق داركور الذي عزا تأخر المسلمين إلى دينهم، فلما عاد إلى مصر تحول مصلحًا اجتماعيًّا، يريد أن ينفي عن أمته كل ما يعوق تأخرها، كما ينفي عن الدين كل ما يوصم به من جمود؛ ولذلك دعا دعوة حارة إلى النهوض بالمرأة المصرية المسلمة، حتى تكون على قدم المساواة للمرأة الغربية. وتناول هيكل في المجموعة الثانية بعض الشئون المصرية بمناسبة كشف مقبرة توت عنخ آمون، وهو يصور هنا إيمانًا شديدًا بقومه وتاريخهم القديم. وفي المجموعة الثالثة خواطر في التاريخ والأدب، دعا فيها إلى الأدب القومي الذي يمثل بيئتنا وعصرنا وحياتنا؛ حتى تتضح ذاتيتنا، وحتى ننفصل في أدبنا بطوابع تميزنا من قدمائنا

стр. 249

وجيراننا، فلا نكون نسخة من غيرنا أو نسخة مطموسة في النسخ العربية المعاصرة؛ بل يكون لنا وجودنا وكياننا الأدبي المستقل. وأخرج بعد ذلك في سنة ١٩٢٧ كتابه "عشرة أيام في السودان"، وهو إلى أن يكون مناسبات صحفية أقرب منه إلى أن يكون فصولًا أدبية. ومنذ سنة ١٩٢٦ كان يصدر ملحقًا لصحيفة السياسة اليومية باسم "السياسة الأسبوعية"، وكاد هذا الملحق أن يكون قاصرًا على مباحث في الأدب والنقد. وكان يكتب معه فيه طه حسين ونخبة من الأدباء. وتحول هذا الملحق إلى ما يشبه مدرسة يتمرن فيها الأدباء الناشئون على الكتابة والتحرير. وفي سنة ١٩٢٩ نشر طائفة من مقالاته باسم "تراجم مصرية وغربية"، وتبدأ تراجمه الأولى بكليوباترا، ثم يتبعها بتراجم لكبار المصريين السياسيين والمصلحين مثل: مصطفى كامل وعبد الخالق ثروت وبطرس غالي، أما التراجم الغربية فقصرها على بيتهوفن وتين وشكسبير وشللي. ويوضح هذا الكتاب امتلاء نفسه بحب وطنه ورجاله الأفذاذ وحب الغرب وأعلام الفن والشعر والنقد فيه. وفي سنة ١٩٣٠ صادر إسماعيل صدقي رئيس الوزارة المصرية حينئذ صحيفة السياسة؛ ولكن هيكلًا لا يخلد إلى الراحة، فنراه يخرج مع المازني ومحمد عبد الله عنان كتاب "السياسة المصرية والانقلاب الدستوري" ولا تميز مقالات هذا الكتاب من كتبوها، إلا أنه يمكن معرفة الجزء الخاص به من أسلوبه القانوني ومسحته الغربية. وألف في هذه الفترة السياسية فترة حكم صدقي كتابه "ولدي"، وهو كتاب تذكاري لابنه المتوفَّى سنة ١٩٢٥. وفي هذا الكتاب يصف رحلاته إلى أوربا مع زوجته في شهور الصيف من سنة ١٩٢٦ إلى سنة ١٩٢٨، ونراه يصف وصفًا بارعًا مصايف سويسرا، ويقارن مقارنة طريفة بين باريس الحديثة وباريس القديمة أيام دراسته بها، ويتحدث عن إستانبول وما بعث فيها حكم مصطفى كمال من حياة حرة قوية. وفي سنة ١٩٣٣ نشر كتابه "ثورة الأدب"، وهو في هذا الكتاب يتحدث

стр. 250

عن نهضتنا الأدبية منذ ثورة عرابي، ويبدأ حديثه بفصل عن "الطغاة وحرية القلم"، وكأنه يرد على الحرب العلنية التي شنَّها صدقي على كُتَّاب الصحف والسياسة. ثم يتحدث عن المراحل المختلفة لشعرنا ونثرنا ويعرض بالتفصيل لما أصاب النثر من تطور بينما جمد الشعر ولم يستطع اللحاق به، وأكَّد في غير موضع ضرورة تثقف الأديب المصري الناشئ بالآداب الغربية؛ حتى نستطيع أن نحصل على مراتب الكمال الفني. وعرض في إسهاب لنواحي النقص عندنا في الإنشاء الأدبي وخاصة في بابي القصة والمسرحية. ورفع صوته مجلجلًا بضرورة إقامة أدب مصري وطني، وقدَّم نماذج قصصية استلهم فيها أساطيرنا الفرعونية. ونراه بعد ذلك يعمد إلى مصادر الإسلام الأولى، فيُلقي عليها أضواء جديدة بمباحث تاريخية في الرسول الكريم محمد ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر. ومن المحقق أنه يتفوق في الكتابة التاريخية لاتساع نظرته ودقة بحثه، وقد أخذ في أثناء ذلك يتولى شئون بعض الوزارات، وكان أول ذلك في سنة ١٩٣٧ حين جعله محمد محمود في وزارته وزيرًا للدولة، ثم جعله وزيرًا للتربية والتعليم، وما زال يتولى هذه الوزارة من حين إلى حين حتى عُين في سنة ١٩٤٥ رئيسًا لمجلس الشيوخ، وظل في هذه الرياسة حتى سنة ١٩٥٠. ونشر "مذكرات في السياسة المصرية" جعلها في جزأين، أماط فيها اللثام عن كثير من حقائقنا وشئوننا السياسية في هذا القرن. ورجع أخيرًا إلى كتابة القصة، فأخرج في سنة ١٩٥٥ قصة "هكذا خُلقت"، وهي قصة طويلة تقص حياة امرأة مصرية عصرية أصيبت بشذوذ الغيرة، واضطربت بهذا الشذوذ في محيط الدعوة الجديدة إلى الحرية النسوية، وسلَّطته على حياتها الزوجية فحطمتها مرتين كما يحطم الطفل لعبته. ونراه يقول عنها بلسانها: "إنها تروي حكاية حياتها في بساطة ويسر يكاد يُخيَّل إليك معها أنها حياة عادية لأية امرأة تعرفها؛ ولكنك تقف بعد قليل دهشًا تتساءل: ما هذه المرأة؟ ومَن هي؟ إنها فريدة في طرازها؛ بل هي نسيج وحدها، إنها تحب الحياة ولا تريد مع ذلك أن تسلم للحياة أمرها؛ بل تريد أن تصوغ الحياة كما

стр. 251

تشاء هي، فإذا صدمها الواقع لم تذعن لصدمته؛ بل حاولت أن تواجهه في كبرياء المعتز بنفسه". ويتابع هيكل بعد ذلك كتابة القصة القصيرة، وينشرها في الصحف الأسبوعية. وما يلبث أن يلبِّي داعي ربه في ديسمبر سنة ١٩٥٦. ونحن نعرض بشيء من التفصيل لقصة "زينب" باعتبارها أولى محاولات أدبائنا في عالم القصة بمعناها الغربي.

стр. 252

ب- زينب: كتب هيكل هذه القصة وهو يدرس القانون بباريس، ونراه يقول في مقدمتها: إنها "ثمرة الحنين للوطن وما فيه، صوَّرها قلمُ مقيمٍ في باريس مملوء مع حنينه لمصر إعجابًا بباريس وبالأدب الفرنسي". وتتخلص حوادث القصة في أن فتى متعلمًا يسمى حامدًا من أبناء أعيان الريف أحب ابنة عم له تسمى عزيزة، ومنعته تقاليد الريف من الاعتراف لها بحبه، وفوجئ بزواجها. وبحث عن سلوى لحبه فوجدها عند زينب الجميلة، إحدى الأجيرات اللائي يشتغلن في حقل أبيه، وشعرت بحبه لها؛ ولكنها رأت أن زواجها منه غير ممكن لما بين أسرتها وأسرته من فروق اجتماعية، فمنحت قلبها شابًّا من وسطها وعلى شاكلتها. وتلعب التقاليد الريفية العتيقة دورها، فلا تبوح الفتاة بحبها لأهلها، وترضخ لرغبتهم في قرانها من شاب لم تكن تحبه؛ بينما يرحل محبوبها إبراهيم إلى السودان عاملًا في الخدمة العسكرية. ويترك حامد القرية إلى القاهرة ليبدأ حياة جديدة، على حين تقع زينب فريسة لآلام نفسية كثيرة، تفضي بها إلى مرض ذات الرئة، ويقضي عليها هذا المرض. والقصة تعرض علينا في أثناء ذلك الريفَ المصري بعاداته وتقاليده وبساطة أهله ومحاسن حياتهم ومساوئها وما رَانَ عليها من اعتقادات في الجن والشياطين ومشايخ الطرق. ونقل ذلك هيكل نقلًا دقيقًا؛ بحيث تمثِّل قصته واقعَ حياة الريف المصري في أول القرن تمثيلًا صادقًا. ونراه يقف كثيرًا لينقد هذا الواقع

стр. 253

وما فيه من نظم اجتماعية غير متسقة، وخاصة من حيث الزواج، وأن المرأة ليس لها رأي في اختيار زوجها وشريك حياتها. ونشعر هنا بترديد المؤلف لآراء قاسم أمين ودعوته إلى تحرير المرأة. ومن غير شك تأثر هيكل في وضع هذه القصة بما قرأه من القصص الفرنسي، ويتبين ذلك في تصويره زينب، فقد جعلها رقيقة أكثر مما ينبغي لفتاة ريفية ساذجة، واختار لها وسيلة تتخلص بها من آلام حبها هي مرض السل، طبقًا لنموذج بعض القصص الفرنسية التي قرأها، والتي تتخذ هذه الوسيلة لتخليص العاشقات المعذبات، وتحريرهن من عذابهن وآلامهن. ولم يفسح هيكل لنفسه في تصوير الشخصيات الجانبية وطبائعها، الجانبية وطبائعها، وربما كان ذلك راجعًا إلى أنه كان لا يزال في مقتبل عمره، ولم تتسع خبرته بالحياة وتجاربها العميقة. ولكن إن كان فاته ذلك فإنه عوَّضه بأوصافه الغنية للطبيعة الريفية في مصر، وفي الحق أنه نجح إلى أبعد حد في وصف حياة القرية المصرية، وكثير من صفحات قصته يتحول إلى ما يشبه لوحات بديعة، كهذه اللوحة التي عرض فيها صراع حامد النفسي إزاء بَوْحِه لابنة عمه بحبه، وهي تجري على هذا النسق: "انساب المسكين بين المزارع ينهبها نهبًا، حتى جاء إلى شط الترعة، وهناك أخذ مقعده في ظل توتة "شجرة" كبيرة، وجلس كأن به مسًّا من الجن يسأل نفسه: هل في المستطاع إخراج تلك الفتاة من بين هؤلاء المحيطين بها، ليجلس إليها جنبًا لجنب، ولتحدثه وليمضها إليه، ولتكون ملكه؟ ومكث بقية النهار في حساباته هذه، ثم قضى كل ليلته لا ينام إلا غرارًا، وما كادت تهتك يد الصبح ستار الليل حتى نبا به مضجعه، وصاحبه القلق، فانحدر إلى الجامع، وما عهده به في تلك الساعة التي عرفها ساعة هجود وهمود، وانساب وسط ظلمات يتسلل فيها النور كما يتسلل الأمل إلى قلب اليائس، والسماء لم تميَّز بعد، قد بهت عليها حجاب الليل الهزيم والنجوم تتقلص واحدة بعد الأخرى، والسكوت الأخرس يخيم على الوجود فلا تسمع هسيسًا، إلا أن يقطعه

стр. 254

من حين لآخر صوت الدِّيَكة تتجاوب من جوانب القرية، ثم أذان المؤذن بالفجر يشق عباب الجو إلى السماوات. ولما صلى حامد ركعتيه مع الجماعة خرج إلى جهة المزارع التي لا تزال خالية من كل حي، وهواء تلك الساعة خالطته الرطوبة يزيد في نشاطه، وكل شيء يخرج قليلًا قليلًا من دثار الخفاء، والأفق يتجلى عند مرمى النظر، فتنكشف أمام العين المزروعات بعد أن أخذت نصيبها من الطل، ثم احمرت السماء في المشرق، وطلعت الشمس تلامس الأرض وتحيِّي الموجودات تحية الصباح، ثم تعلو وترتفع، وينقلب لون القرص الأحمر الهادئ الباسم في مطلعه، ويرسل بأشعته فتتلألأ تحتها قطع الطل على أوراق الشجيرات والحشائش النابتة على الْمَرْوَى، فتطوق المزرعة الهائلة بقلادة تزينها. وحامد بين هاته الموجودات يمشي مفكرًا يطرق أحيانًا، ويتطلع إلى ما حوله أخرى. ثم ابتدأ الفلاحون يفدون إلى عملهم فُرادى، كل ييمم نحو مزرعته الصغيرة التي يملك ورثها عن أبيه عن جده، أو جاد بها الحظ وأعطته إياها المصادفة التي لا ينتظر، ومعه بقرته أو جاموسته، أو هو قد اكتفى بفأسه، فإذا مر بحامد ألقى عليه تحية الصباح، ثم استمر في سيره مندهشًا، ما شأن هذا الإنسان هنا في تلك الساعة من النهار. وحامد يفكر كيف يتسنى له أن يكون إلى جانب عزيزة وليس عليهما من رقيب، أو أن يبثها ما في نفسه ليسمع منها أنها تحبه. يريد أن يسمع تلك الكلمة من فمها، فهل لذلك من سبيل؟ واستولى ذلك على كل جوارحه، وملَك كل عواطفه؛ حتى لجعله ينظر لأهله المحيطين بها نظرة الغضاضة. وما كان ليقدر على إطلاع غيره على حبه، وهو يعلم ما تكنه النفس المصرية لذلك الإحساس من الضحك منه والاستهزاء به. تلك النفس القاسية التي تنظر لكل جمال في الوجود أو الإحساس به نظرة ساخرة؛ لأنها لا تفهم منه شيئًا، وتحسب أن حياة الجد هي التي يقضيها صاحبها بين العمل والتسبيح، وكأن الوجود لم يكُ إلا طاحونًا نقطع فيه أعمارنا لاهثين لغوبًا ونصبًا، مغمضين أعيننا عن كل حسن، واجبنا أن نرضى بحظنا، ونقنع بما يقدَّم لنا بعد كل علفة من العلف، وإلا كان جزاؤنا ما يصيبنا من سخط

стр. 255

الناس علينا وانهيالهم بما لا يقل عن سياط السائق إيلامًا ووخزًا، أو كأن النفس الإنسانية من الخسة والميل إلى الشر بحيث يجب الوقوف أمام كل إرادتها ومعارضتها في أغراضها وتقييدها بما قيدتنا به العادات العتيقة البالية". وبهذا الأسلوب الساخر من العادات والتقاليد الاجتماعية وبما يُطْوَى فيه من وصف حسي بارع للريف والقرية المصرية كتب هيكل قصته في لغة عذبة ليس فيها سجع ولا بديع؛ بل حاول أن يجعلها لغة مصرية، فاستعار في بعض المواضع -وخاصة في الحوار- كلمات من العامية الريفية، وكأنه يستجيب لدعوة أستاذه لطفي السيد؛ إذ دعا إلى أن تكون لنا في الأدب لغة تميزنا بحيث تقترب الفصحى من العامية. غير أن هيكلًا لا يتوسع في ذلك؛ بل عاد في مقالاته وفيما ألفه بعد زينب إلى الأسلوب الفصيح. وفي الحق أنه أحد من طوعوا العربية ومرَّنوها لتؤدي المعاني والأفكار الحديثة في أسلوب شفاف بديع. وقد عاون جاهدًا منذ أوائل القرن في أن يكون لنا أدب مصري قومي منبعث من بيئتنا وشخصيتنا وحاضرنا وماضينا وعواطفنا ومشاعرنا، وكانت قصة زينب اللبنة الأولى في هذا الأدب المصري الجديد.

стр. 256

٨- طه حسين ١٨٨٩-١٩٧٣م: أ- حياته وآثاره: وُلد طه حسين سنة ١٨٨٩ لأب مصري من قرية في صعيد مصر على مقربة من مدينة مغاغة الواقعة على الجانب الأيسر للنيل. وكان أبوه موظفًا صغيرًا في شركة زراعية من شركات السكر، وأنجب أبناء كثيرين، كان طه سابعهم، وفقد بصره في الثالثة من عمره؛ ولكنه عُوِّض عن بصره ذكاء حادًّا وذاكرة قوية. وحدَّد فقده لبصره الطريق الذي يختاره في حياته، وهو طريق التعليم

стр. 257

الديني، فالتحق بكُتَّاب، حفظ فيه القرآن الكريم، ولما أتم حفظه أخذ في حفظ "مجموع المتون" وقراءة بعض الكتب والأشعار القديمة استعدادًا لدخول الأزهر، وكان قد سبقه إليه أخ أكبر منه، فصحبه معه وهو في الثالثة عشرة. وعكف طه على دراسة العلوم الدينية واللغوية بالأزهر، وكان الشيخ سيد المرصفي يدرس الأدب، فأعجب به، ولزم دروسه التي كان يقرأ فيها الكامل للمبرَّد والأمالي لأبي علي القالي وحماسة أبي تمام. ولم يلبث أن أخذ يضطرب في محيط الحركات الإصلاحية التي كان ينادي بها تلاميذ محمد عبده، من مثل قاسم أمين الذي كان يدعو إلى حرية المرأة، ولطفي السيد الذي أخذ يدعو في "الجريدة" إلى مقاييس جديدة في السياسة والأخلاق والاجتماع. وسرعان ما تحول إلى هذا المعلم يستضيء به في حياته العقلية، فاختلف إلى صحيفته، مستمعًا لأفكاره تارة، وكاتبًا بإرشاده وعلى هديه تارة أخرى. وفتحت الجامعة الأهلية أبوابها للطلاب سنة ١٩٠٨ فانتظم فيها، وسمع إلى مَن كانوا يحاضرون بها من المصريين أمثال: الشيخ المهدي ومحمد الخضري وحفني ناصف، ومن المستشرقين أمثال: نالينو وجويدي. وسرعان ما انكشف له آفاق جديدة في بحث الأدب ودراسته؛ بفضل المناهج العلمية في النقد التي استمع إليها من الأساتذة الأوربيين. واتجه توًّا إلى تعلم الفرنسية في مدارس ليلية وعلى أيدي بعض المعلمين؛ حتى يفهم المحاضرات التي كانت تُلْقَى بهذه اللغة. ولا نصل إلى سنة ١٩١٤ حتى نجده يتقدم إلى درجة الدكتوراه برسالة عن أبي العلاء، ويظفر بالدرجة التي يبتغيها بين الإعجاب والثناء. وطُبعت الرسالة باسم "ذكرى أبي العلاء" وهي تصور استعدادًا علميًّا واضحًا، لا بما فيها من حاسة تاريخية سليمة فقط؛ بل أيضًا بما فيها من أحكام أدبية جديدة لا تتأثر رأيًا سابقًا ولا عقيدة سابقة. وعلى الرغم من أنه لم يكن قد وسَّع محيط قراءته في الآداب الغربية وفي آثار المستشرقين نجده يبحث الضرير العربي القديم بحثًا دقيقًا يستوفي فيه حياته وبيئته وعصره وظروفه التي أحاطت به، وكوَّنت أدبه وفلسفته. لذلك قررت الجامعة الأهلية إرساله في بعثة إلى فرنسا، فنزل في مونبلييه

стр. 258

والتحق بجامعتها يدرس العلوم التاريخية وظل فيها نحو عام، عاد في نهايته إلى مصر لسوء حالة الجامعة المالية. وسرعان ما تحسنت ظروف الجامعة، فرجع بعد ثلاثة أشهر ولكن لا إلى مونبلييه، وإنما إلى باريس. وهناك أخذ يختلف إلى محاضرات المؤرخين والأدباء في السوربون والكوليج دي فرانس، تارة يستمع إلى محاضرات في التاريخ اليوناني والروماني القديم، وتارة ثانية يستمع إلى محاضرات في الفلسفة وعلم النفس، وتارة ثالثة يستمع إلى محاضرات بعض المستشرقين. ويتعلم في أثناء ذلك اليونانية واللاتينية، تعاونه فتاة فرنسية كريمة تعرَّف عليها في أثناء الدرس، وهي التي اختارها فيما بعد شريكة لحياته؛ إذ وجد عندها كل ما كان يفقده، وقد وصفها فقال: إنها بدلته من البؤس نعيمًا، ومن اليأس أملًا، ومن الفقر غنًى، ومن الشقاء سعادة وصفوًا. وكان أهم ما شُغف به من دراسات في السوربون المشاكل الفلسفية والاجتماعية، وانتهى به هذا الشغف إلى أن يجعل رسالته للدكتوراه "فلسفة ابن خلدون الاجتماعية". ومن المحقق أنه استطاع بجانب ذلك أن يفهم الأدب اليوناني واللاتيني القديم فهمًا عميقًا، كما استطاع أن يفهم الأدب الفرنسي الحديث فهمًا دقيقًا، حتى إذا عاد إلى مصر عقب الحرب العالمية الأولى أخذ يُعْنَى في محاضراته بالجامعة بدرس تاريخ اليونان وأدبهم؛ حتى يفهم المصريون الحضارة القديمة. وأخرج كتابين هما: "صحف مختارة من الشعر التمثيلي عند اليونان". و"نظام الأثينيين" لأرسططاليس. وكأنه بذلك يريد أن نعتمد في نهضتنا الأدبية على الأصول اليونانية التي اعتمد عليها الأوربيون في تكوين نهضتهم الأدبية، وإليه وإلى أستاذه لطفي السيد مترجم أرسططاليس يرجع اهتمامنا بالحضارة اليونانية القديمة. ونقل فيما بعد طائفة من تمثيليات سوفوكليس باسم "من الأدب التمثيلي اليوناني". ويُصدر حزب الأحرار الدستوريين صحيفة السياسة، ويصبح محررها الأدبي، وهنا نراه يعدِّل في اتجاهه؛ إذ ينشر يوم الأحد قصة ملخصة من الأدب الفرنسي، وفي يوم الأربعاء ينشر بحثًا في الشعر العربي. وأكبر

стр. 259

الظن أنه انصرف عن الأدب اليوناني؛ لأنه لم يجد قبولًا له عند المصريين حينئذ. وكان المسرح المصري متأخرًا، فرأى أن يُطْلع القراء على بعض المسرحيات الفرنسية؛ حتى يفهموا هذا المسرح الغربي الحديث، فنشر في سنة ١٩٢٤ كتابه "قصص تمثيلية" لطائفة من أشهر الكتاب الفرنسيين، كما نقل بعد ذلك مسرحية "أندروماك" لراسين و"زاديج" لفولتير. وحاول في المقالات التي نشرها في الشعر العربي أن يفهم طبيعة العصر العباسي الأول -عصر أبي نواس- فهمًا جديدًا غير متأثر فيه بآراء من سبقوه، ودعاه عصر الشك والزندقة والمجون. وثار عليه كثيرون في مقدمتهم أديب سوريا رفيق العظم؛ لأنهم عدوه مشوهًا لتاريخ العرب في حقبة باهرة من حقب حياتهم. ورد طه حسين بأن العلم ينكر مذهب تقديس السلف، وبأن النقد العلمي ينبغي ألا يعرف الهوى، وألا يتأثر بالميول والعواطف، واستشهد بعصور في تاريخ اليونان القديم وتاريخ فرنسا الحديث كانت من أزهى العصور، وكانت من أكثرها لهوًا ومجونًا، وانتهى إلى أن القرن الثاني الهجري كان قرن لهو ولعب وشك ومجون. وتحولت الجامعة الأهلية في سنة ١٩٢٤ إلى جامعة حكومية، وأصبح أستاذًا لآداب اللغة العربية في الجامعة الجديدة بكلية الآداب. ونراه بعد أن ترجم في سنة ١٩٢٢ كتابًا في علم النفس التربوي من تأليف لوبون بعنوان "روح التربية" ينشر في سنة ١٩٢٥ كتاب "قادة الفكر"، وفيه يصور مراحل التطور الفكري والثقافي في الغرب، وقد جعلها أربعة مراحل: مرحلة شعرية يصورها هوميروس، ثم مرحلة فلسفية يمثلها سقراط وأفلاطون وأرسططاليس، ثم مرحلة سياسية يمثلها الإسكندر الأكبر، وأخيرًا مرحلة دينية تمثلها المسيحية والإسلام. وفي سنة ١٩٢٦ نشر كتابه "في الشعر الجاهلي"، وبنى دراسته فيه على منهج ديكارت الذي يدعو إلى الشك في كل شيء حتى نصل إلى اليقين على أسس وطيدة، وبهذا المنهج اعتبر الأحكام التاريخية القديمة إضافية يمكن أن يعاد النظر فيها، فإذا قال القدماء رأيًا في

стр. 260

شاعر فلا مانع من أن نذكر بجانب هذا الرأي رأيًا آخر، ربما كان أدق وأصدق، فكثير من الأشياء يمكن أن يكون قد فات القدماء. وقد انتهى إلى نظرية عامة هي نظرية الانتحال في الشعر الجاهلي. وفي أثناء ذلك دعا إلى حرية الفكر، وأن ننظر في الأدب نظرًا غير مقيد بمذهب أو عقيدة سوى روح البحث التحليلي. وثارت ثائرة النقاد وخاصة مصطفى صادق الرافعي ورجال الأزهر، وتخلف عن هذه الثورة كثير من الكتب وتدخلت الحكومة؛ ولكن العاصفة مرت بسلام، وأعاد طبع كتابه باسم "في الأدب الجاهلي". ووجهته هذه المعركة العنيفة إلى النظر في شأنه وتطوره، ومن هنا بدأ يكتب ترجمته الذاتية "الأيام"؛ فأخرج الجزء الأول منها في سنة ١٩٢٩ بعد أن نشره فصولًا في مجلة الهلال ... وأصبح عميدًا لكلية الآداب، إلا أن عهد إسماعيل صدقي يُظلُّ مصر، وتدخل في أيام مظلمة، في السياسة وغير السياسة، فيُبْعَدُ طه حسين عن الجامعة، ويستقيل منها لطفي السيد. ولا يلبث أن ينضم إلى حزب الوفد، ويكتب في "صحيفة كوكب الشرق"، ويخرج صحيفة "الوادي"، ويحول قلمه إلى ما يشبه سوطًا، يلهب به لحم صدقي الطاغية. ويظل في هذا الصراع من سنة ١٩٣١ إلى سنة ١٩٣٤؛ أي: طوال حكم صدقي، ولكنه لا ينصرف عن الأدب والكتابة فيه؛ فقد أخرج في سنة ١٩٣٢ كتابه "في الصيف"، وهو مجموعة رسائل كتبها بأوربا في صيف سنة ١٩٢٨ يصف فيها رحلته في البحر وأثرها فيه، ويجره ذلك إلى ذكريات أول رحلة له إلى فرنسا، وتتجسم في مخيلته صور أخرى من شبابه حين كان في الأزهر وحين كان يشغف مع رفقائه فيه بالنزعة العقلية المتحررة التي دعا إليها محمد عبده. وفي سنة ١٩٣٣ ينشر دراسته عن "حافظ وشوقي"، كما ينشر أول جزء له من سلسلته البديعة "على هامش السيرة"، وظهر له بعد هذا الجزء جزآن. وفي الأجزاء الثلاثة يتخذ من السيرة النبوية وما فيها من أحداث وأشخاص مادة لقصص رائع.

стр. 261

ويعود إلى عمادة كلية الآداب في نهاية سنة ١٩٣٤، وينشر سلسلة من محاضراته في نشأة النثر العربي وفي طائفة من الشعراء العباسيين باسم "من حديث الشعر والنثر"، كما ينشر طائفة من مقالات كتبها في باريس وفي بلجيكا وفيينا باسم "من بعيد". ومن أروع مقالاته في هذه المجموعة مقالته عن "ديكارت" ومذهبه في الشك واليقين. وهو في دراساته المختلفة يُعد مثلًا حيًّا لتطبيق هذا المذهب الفلسفي وحَمْل الباحثين في الأدب العربي عليه. وفي هذه الفترة نشر قصة "أديب" صور فيها أحد زملائه في البعثة، وتحدث في أثناء ذلك عن الجامعة القديمة وعن سفره إلى أوربا، ويُعد هذا الكتاب من روائع أدبنا التصويري الحديث. وعقب ذلك وضع كتابًا عن المتنبي سنة ١٩٣٦ سماه "مع المتنبي"، حلل فيه حياته وشعره. ويتصادف أن يقضي الصيف في قرية من قرى جبال الألب ويلتقي بتوفيق الحكيم، وتكون ثمرة هذا اللقاء "القصر المسحور"، وهو مجموعة رسائل أدبية، تخيلا فيها شهرزاد، وأفضى كل منهما أمامها بآرائه في الأدب والحياة. ومضى طه حسين يفكر في حياتنا الثقافية والتعليمية، ووضع لها برنامجًا مفصلًا في كتابه "مستقبل الثقافة" الذي أصدره في سنة ١٩٣٩ وهو يقع في جزأين. وكان قد ترك الجامعة ليعمل في وزارة التربية والتعليم. وعُين مستشارًا فنيًّا لهذه الوزارة، ثم عين مديرًا لجامعة الإسكندرية سنة ١٩٤٢ فأتم إنشاءها. وفي أثناء ذلك يقبل على الدرس والكتابة، فنراه بعد أن أعاد كتابه القديم عن أبي العلاء باسم "تجديد ذكرى أبي العلاء" ينشر عنه بحثًا جديدًا باسم "مع أبي العلاء في سجنه"، يصور فيه جوانب نفسية وفلسفية دقيقة لهذا العقل الكبير، وأفرده بعد ذلك بكتيب سماه "صوت أبي العلاء" نثر فيه بعض أشعاره. واتجه إلى القصة، فنشر "أحلام شهرزاد" و"شجرة البؤس" و"دعاء الكروان"، وهو فيها جميعًا يعبر عن مُثُله القومية والإنسانية. أما

стр. 262

في الأولى فيعرض مشاكل العصر ونظام الطبقات خلال هذه الأسطورة القديمة عن شهرزاد وشهريار، وبذلك تُبعث الأسطورة من جديد وتحيا في محيط حياة الكاتب وآرائه. وأما القصة الثانية فيعرض علينا فيها صورة حية لأسرة مصرية تعاقب فيها ثلاثة أجيال، أعدوا لظهور صراع عنيف بين المثل العليا للعقل والعلم وبين التقاليد البالية، وفي أثناء ذلك تصوَّر الطبقة المصرية الفقيرة وما تعاني من بؤس واعتقاد في التوكل والقضاء. وفي القصة الثالثة يشترك الكروان مع أشخاص القصة في الآلام، وتصوَّر حياة المصريين في طوائف من البدو والفلاحين والموظفين كما تصور مشاكل التعليم، ويقوم صراع بين الغريزة والضمير ومطالب الفرد والجماعة. وينشر في هذه الفترة مجموعة من مقالاته في النقد باسم "فصول في الأدب والنقد"، كما ينشر طائفة من نظراته التحليلية في القصص والمسرحيات الفرنسية بعنوان "صوت باريس" و"لحظات". وتستقيل الوزارة الوفدية، ويخرج من الحكومة، فيحرر صحيفة "الكاتب المصري"، ويعمل على نهضة كبيرة في الترجمة، ويترجم أوديب لأندريه جيد. ويكتب في صحيفته مقالات أدبية مختلفة تتناول بعض الأدباء الغربيين وبعض الدراسات في الأدب العربي، وينشر منها مجموعة باسم "ألوان". ويؤلف كتابًا عن "عثمان" يصور فيه فتنته وكل ما اقترن بها من مؤثرات ودوافع بشرية. ويصف رحلة له إلى أوربا في صيف سنة ١٩٤٨ ويذيعها باسم "رحلة الربيع". وينشر كتاب "جنة الحيوان" وهو مجموعة رسائل أدبية رمزية، كما ينشر "مرآة الضمير الأدبي" وهي رسائل في نقد الأخلاق والمجتمع. ويذيع "جنة الشوك" وهي تجري في محاورات قصيرة بين شيخ وتليمذه، وهي محاورات لاذعة ترمي إلى إصلاح الفاسد في مجتمعنا وتقويم المعوج في صور قوية. ويكتب أقاصيصه "المعذبون في الأرض" راسمًا فيها ما كان يقع على المصريين من ظلم في عهود الإقطاع والفساد السياسي. ويصبح في سنة ١٩٥٠ وزيرًا للتربية والتعليم، فينادي بتكافؤ الفرص ويصيح بأن التعليم ضروري لكل أفراد الشعب ضرورة الغذاء والماء والهواء،

стр. 263

ويفكه من عقال المصاريف، ويجعله مجانًا للشعب كله. ويخرج قصته "الوعد الحق" مصورًا فيها ظهور الإسلام، وداعيًا إلى مثله الاشتراكية في الحياة. وينشر كتابًا باسم "بين بين"، وهو خواطر في الحياة والمجتمع. وتقوم ثورتنا المباركة ويجد مجالًا فسيحًا لنشر آرائه في السياسة والأدب، ويؤلف كتابًا عن "علي بن أبي طالب"، وكتابًا ثانيًا عن أبي بكر وعمر، وينشر كتابه "مرآة الإسلام"، كما ينشر مجاميع من مقالاته في الحياة والأدب والنقد. وهذه هي حياة طه حسين حتى وفاته سنة ١٩٧٣، وهي حياة كانت حافلة بالكفاح؛ إذ نراه يكافح المحافظين في الدين والأدب والسياسة، ويكافح من أجل تغذية أمته بالمثل الأدبية عند اليونان وعند الغربيين، ويختط طرقًا جديدة في أبحاثه الأدبية وفي عالم القصة، يسعفه في ذلك استعداد أدبي أصيل، وهو استعداد شهد له به عالمه العربي، فمنح في سنة ١٩٥٩ جائزة الدولة التقديرية في الآداب تنويهًا بجهوده الأدبية، كما شهد له به العالم الغربي فمنح درجة الدكتوراه الفخرية من جامعات أوربية مختلفة. ونقف وقفة قصيرة عند قصته الأولى "الأيام".

стр. 264

ب- الأيام: في رأي كثير من النقاد الشرقيين والغربيين أن هذه القصة أروع ما كتبه طه حسين، وقد أخرج منها جزأين يقص في أولهما طفولته، وفي الثاني صباه وشبابه الأول قَصَصًا بديعًا، يتحول إلى اعترافات صادقة صريحة، وهي اعترافات لا تقل روعة وجمالًا عما كتبه أدباء الغرب المشهورون من أمثال: جيته وروسو وشاتوبريان؛ إذ يعرض طه ذكرياته عن طفولته وشبابه برقَّة وصراحة منقطعة النظير. وهو يقص علينا في الجزء الأول كيف نما هذا الطفل الضرير وسط بيئته المتوسطة، وكيف أخذ يسيطر تدريجًا على صورة العالم الخارجي من حوله يرعاه

стр. 265

حنان أبويه وسط دائرة كبيرة من الإخوة والأخوات. وينتقل بنا إلى الكُتَّاب الذي حفظ فيه القرآن ويعرض علينا صورته في أمانة، لا يستر عيبًا ولا يخفي شيئًا؛ بل يضع بين يدينا كل النقائص التعليمية في هذا الكُتَّاب، الذي لم يستطع أن يقدم لعقله المتطلع شيئًا سوى القرآن الكريم. ويصف وصفًا مؤثرًا آلام أبويه لوفاة أخت له، كما يصف آلامه. وما تكاد الأسرة تفرغ من الجزع عليها؛ حتى تفاجأ بوفاة أخ من إخوته، نزعته من بينهم "الكوليرا". وينتقل بنا إلى الجزء الثاني، فنراه يتبع أخاه إلى الأزهر؛ حيث زاول الدراسة القديمة فيه إلى جانب عمود من أعمدته، يستمع إلى هذا الشيخ أو ذاك. ووصف لنا في أثناء ذلك المصاعب التي واجهته، والإهمال الذي عاناه من أخيه، وأعطانا صورة دقيقة لحياة الأزهري الضرير من أمثاله في أوائل هذا القرن وما كان يشقى به في غدوِّه ورواحه ويقظته ونومه. وكأنما كان يحمل في عقله آلة تصوير دقيقة، تسجل كل ما يقع حولها في دوائر الطلاب، وهو يتنقل بهذه الآلة بين حلقات الشيوخ المختلفين يلتقط ويختزن. ويظل في ذلك ثماني سنوات، قضاها بين الضجر والملل من حياة الأزهر الضيقة الراكدة حينئذ، وتفتح الجامعة الأهلية أبوابها، فينتقل إلى هذه الجامعة الجديدة، ويتتلمذ على أساتذتها المصريين والأوربيين. وعلى هذا النحو يعرض الجزآن صُوَرَ المجتمع المصري في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن، ويجلوان علينا صورة الثقافة والتعليم في الكُتَّاب وفي الأزهر من جميع أطرافهما. ويتحول طه حسين إلى ما يشبه آلة دقيقة من آلات الرصد تُحصي كل هزة كبيرة أو صغيرة في محيطه، وهو يضع تحت عينيك هذا الرصد في صدق يخلبك، لا بأسلوبه فحسب؛ بل بصراحته ودقته وإخلاصه لحكاية الواقع بجميع حقائقه ودقائقه على هذا النحو الذي يتحدث فيه عن نفسه لابنته مقارنًا بين حاضرها الرَّغْد وماضيه: "عرفته في الثالثة عشرة من عمره حين أرسل إلى القاهرة ليختلف إلى دروس العلم في الأزهر، إن كان في ذلك الوقت لصبي جِدٍّ وعمل. كان نحيفًا شاحب اللون مهمل الزي أقرب إلى الفقر منه إلى الغني، تقتحمه العين اقتحامًا في

стр. 266

عباءته القذرة وطاقيته التي استحال بياضها إلى سواد قاتم، وفي هذا القميص الذي يبين أثناء عباءته وقد اتخذ ألوانًا مختلفة من كثرة ما سقط عليه من الطعام، وفي نعليه الباليتين المرقعتين. تقتحمه العين في هذا كله؛ ولكنها تبتسم له حين تراه، على ما هو عليه من حال رثة وبصر مكفوف، واضح الجبين، مبتسم الثغر، مسرعًا مع قائده إلى الأزهر، لا تختلف خطاه، ولا يتردد في مشيته، ولا تظهر على وجهه هذه الظلمة التي تغشى عادة وجوه المكفوفين. تقتحمه العين ولكنها تبتسم له، وتلحظة في شيء من الرفق، حين تراه في حلقة الدرس، مصغيًا كله إلى الشيخ يلتهم كلامه التهامًا، مبتسمًا مع ذلك لا متألمًا ولا متبرمًا، ولا مظهرًا ميلًا إلى لهو؛ بينما الصبيان من حوله يلهون أو يشرئبون إلى اللهو. عرفته يابنتي في هذا الطور، وكم أحب لو تعرفينه كما عرفته، إذن تقدرين ما بينك وبينه من فرق. ولكن أنَّى لك هذا وأنت في التاسعة من عمرك ترين الحياة كلها نعيمًا وصفوًا. عرفته ينفق اليوم والأسبوع والشهر والسنة لا يأكل إلا لونًا واحدًا يأخذ منه حظه في الصباح، ويأخذ منه حظه في المساء لا شاكيًا ولا متبرمًا ولا متجلدًا ولا مفكرًا في أن حاله خليقة بالشكوى. ولو أخذت يابنتي من هذا اللون حظًّا قليلًا في يوم واحد لأشفقت أمك، ولقدمت إليك قدحًا من الماء المعدني، ولانتظرت أن تدعو الطبيب. لقد كان أبوك ينفق الأسبوع والشهر لا يعيش إلا على خبز الأزهر، وويل للأزهريين من خبز الأزهر، إن كانوا يجدون فيه ضروبًا من القش وألوانًا من الحصى وفنونًا من الحشرات. وكان ينفق الأسبوع والشهر والأشهر لا يغمس هذا الخبز إلا في العسل الأسود، وأنت لا تعرفين العسل الأسود، وخير لك ألا تعرفيه". وبهذا الأسلوب البارع الذي يمس القلوب ويثير العواطف بما فيه من سلاسة وعذوبة وصفاء وقدرة على التصوير والتلوين، كتب طه حسين هذه الترجمة الذاتية "الأيام" كما كتب بقية قصصه وكتبه. وقد تُرْجمت الأيام إلى الإنجليزية والفرنسية والروسية والصينية والعبرية. ومن أهم ما يميز طه حسين في "الأيام" -وغير الأيام- أسلوبه المتموج الزاخر

стр. 267

بالنغم، فلا تستمع إلى كلام له حتى تعرفه بطوابعه المعينة في عباراته الملفوفة التي يأخذ بعضها برقاب بعض في جرس موسيقي بديع. وكأنه يرى أن الأدب الجدير بهذا الاسم هو الذي يروع السمع كما يروع القلب في آنٍ واحد؛ وهو لذلك يوفر لصوته كل جمال ممكن. ومن الغريب أنه لا يعدل عبارة يمليها، ولا يعد محاضرة قبل إلقائها، فقد أصبح هذا الأسلوب جزءًا من نفسه وعقله، فهو لا يملي ولا يحاضر إلا به، وكثيرًا ما تجد فيه الألفاظ المكررة، وهو يعمد إلى ذلك عمدًا؛ حتى يستتم ما يريد من إيقاعات وأنغام ينفذ بها إلى وجدان سامعه وقارئه. وطه حسين من هذه الناحية يشبه أدباءنا القدماء من أمثال الجاحظ الذين كانوا يقصدون قصدًا إلى التأثير بموسيقى كلامهم، فالكلام لا يؤدَّى بأوجز عبارة؛ وإنما يُبْسَط بسطًا ليحمل أداء موسيقيًّا يضاف إلى أداء الأفكار والمعاني. وقد يكون سبب ذلك في القديم أن الناس لم يكونوا -مثلنا الآن- يقرءون الأدب بعيونهم؛ بل كانوا يقرءونه بأصواتهم وآذانهم، فكان الشعر ينشد إنشادًا، وكان النثر يُتلى في الصحف تلاوة؛ لذلك حافظوا على موسيقى الكلام محافظة دقيقة. واحتفظ لنا في هذا العصر طه حسين بخصائص لغتنا القديمة، فوفر لأسلوبه كل ما يستطيع من جمال صوتي، وأتاح لهذا الجمال أن يعبر تعبيرًا طبيعيًّا عن نظراته وتحليلاته وكل ما نقله إلينا من الغرب، وكل ما جدده وابتكره من أبحاث في الأدب ومن قصص وصور فنية مختلفة. فلم يعد الجمال الصوتي عنده فارغًا؛ بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من أدبه؛ بل لقد غدا في يده أداة مرنة شفافة، تنقل إلينا كل ما يختلج في عقله وقلبه من خواطر ومشاعر نقلًا دقيقًا، فالأسلوب ليس عنده كساء أو طلاء؛ وإنما هو قوام أدبه ومادة فنه، يسند به كل ما يتدفق على ذهنه من معانٍ وأفكار وألفاظ وكلمات.

стр. 268

٩- توفيق الحكيم: ب- حياته وآثاره: وُلد توفيق الحكيم في الإسكندرية سنة ١٨٩٨ لأب كان يشتغل في السلك القضائي، من قرية "الدلنجات" إحدى أعمال إيتاي البارود بمديرية البحيرة. وورث هذا الأب عن أمه ضيعة كبيرة، فهو يُعد من أثرياء الفلاحين، وقد تعلم وانتظم في وظائف القضاء، واقترن بسيدة تركية، أنجب منها توفيقًا، وكانت صارمة الطباع، تعتز بعنصرها التركي أمام زوجها المصري، وتشعر بكبرياء لا حد له أمام الفلاحين من أهله وأقاربه. وقضت أيامها الأولى مع الطفل بين هؤلاء الفلاحين في الدلنجات، فكانت تعزله عنهم وعن أترابه من الأطفال، وتسد بكل حيلة أي طريق يصله بهم. ولعل ذلك ما جعله يستدير إلى عالمه العقلي الداخلي؛ إذ كانت تغلق في وجهه كل الأبواب التي تصله بالعالم الخارجي. ولما بلغ السابعة من عمره ألحقه أبوه بمدرسة دمنهور الابتدائية، وظل بها ردحًا من الزمن، حاول فيه أن يحرر نفسه من وثاق أمه وحياة الانفراد التي أخذته بها؛ ولكنه لم يستطع إلا في حدود ضيقة. ولما أتم تعليمه الابتدائي رأى أبوه أن يرسله إلى القاهرة ليلتحق بإحدى المدارس الثانوية، وكان له بها عَمَّان يشتغل أحدهما مدرسًا بإحدى المدارس الابتدائية، أما الثاني فكان طالبًا بمدرسة الهندسة، وكانت تقيم معهما أخت لهما. فرأى أبوه أن يسكن مع عمَّيه وعمته؛ ليساعدوه على التفرغ للدرس، وأتاح له بُعْده عن أمه شيئًا من الحرية، فأخذ يُعْنَى بالموسيقى والتوقيع على العود. وإذا كان الفتى المراهق قد عُنِي بالموسيقى فإنه أخذ يُعْنَى بالتمثيل والاختلاف إلى فرقه المختلفة، وفي هذه الأثناء أتم تعليمه الثانوي والتحق بمدرسة الحقوق، وكانت مواهبه الأدبية قد أخذت تستيقظ في قلبه وعقله، ورأى محمد تيمور

стр. 269

وكثيرًا من الشباب حوله يقدمون لفرق الممثلين مسرحيات يقومون بتمثيلها وعَرْضها على الجمهور، وكانت الثورة المصرية قد انبعثت قبل ذلك، ووجهت الممثلين والمؤلفين من الشباب إلى العناية بالروح القومية. ولم يلبث توفيق أن ألَّف في سنة ١٩٢٢ مجموعة من المسرحيات مثلت بعضها فرقة عكاشة على مسرح الأزبكية؛ منها: "المرأة الجديدة" و"الضيف الثقيل" و"علي بابا". وهي في جملتها محاولات ناقصة. وتخرج توفيق في الحقوق سنة ١٩٢٤، وزيَّنَ لأبيه سفره إلى باريس لإكمال دراسته في القانون، ووافق الأب على رغبته، وهناك أمضى نحو أربع سنوات لم يعكف فيها على دراسة القانون؛ وإنما عكف على قراءة القصص وروائع الأدب المسرحي في فرنسا وغير فرنسا، وشُغف بالموسيقى الغربية شغفًا شديدًا، واستطاع بما لأبيه من ثراء أن يعيش في باريس عيشة فنية خالصة، فَوَقْتُهُ كله موزَّع بين المسارح والموسيقى والتمثيل، وهو في أثناء ذلك يقرأ ويفهم ويتمثل ثقافات العصور الغابرة والمعاصرة. واستقر في ضميره أنه أُعِدَّ ليكون أديب وطنه القصصي والمسرحي، ورأى أوربا تؤسِّس مسرحها على أصول المسرح الإغريقي فتحول إلى هذا المسرح يدرسه، ويتقن درسه وما انتهى إليه من تطور على أيدي الغربيين المحدثين، كما أخذ يدرس القصة الأوربية ومدى تمثيلها لروح أقوامها وأحوالهم النفسية والاجتماعية. ووعى ذلك كله وعيًا دقيقًا، وأخذ يحاول كتابة قصة تصور كفاح الشعب المصري في سبيل الحرية، فكتب قصته "عودة الروح" وحاول أن يكتبها بالفرنسية، ثم حولها إلى العربية ونشرها في سنة ١٩٣٣ في جزأين. وفيها يعرض المحيط الاجتماعي في بلاده قبل ثورة سنة ١٩١٩، واختار لذلك أسرة متباينة الأمزجة، هي نفس الأسرة التي كان يعيش معها بالقاهرة أسرة عمَّيه وعمته وما اضطربوا فيه من علاقات. وهو نفسه محسن الفتى المراهق الذي وقع في حب جارة له، هي فتاة ضابط متقاعد، وكانت واقعية النظر، فلم تَجْرِ معه في حبه أشواطًا بعيدة؛ بل انصرفت عنه إلى شاب كانت تعجب به، ويتعكر صفو السلام بين أسرتها وأسرته. وفي الجزء الثاني من القصة

стр. 270

نرى محسنًا في الريف، ونسمع خلال فنون من الحوار إلى دفاع عن الفلاح المصري وعراقة روحه، تلك الروح التي أنشأت عصر الفراعنة، والتي تنشئ نهضتنا الحديثة. ويعود إلى القاهرة ليرى حبه يتحطم، وتنشب الثورة المصرية، ويضطرب أفراد الأسرة فيها ويتَّحدون في مثل أعلى سامٍ، هو الجهاد في سبيل الحرية. وقد كُتبت هذه القصة في كثير من جوانبها بلغتنا العامية. وقد عاد توفيق إلى مصر في سنة ١٩٢٨ ووُظف في سلك النيابة حتى سنة ١٩٣٤، ثم انتقل مديرًا للتحقيقات بوزارة التربية والتعليم، وظل بها إلى سنة ١٩٣٩؛ إذ نقل إلى وزارة الشئون الاجتماعية مديرًا لمصلحة الإرشاد الاجتماعي. وصَمَّم منذ عاد من بعثته أن يقتحم فن التمثيل الغربي بعد أن عرف أصوله وتلقَّن أسسه عند الإغريق والفرنسيين، وأُلْهم كما ألهم لطفي السيد وطه حسين أنه لا بد من الرجوع إلى الإغريق الذين هيئوا لأوربا نهضتها في التمثيل وغير التمثيل؛ لنبني نهضتنا الثقافية على نفس القواعد التي بَنَى عليها الأوربيون. ويتعمق بنظره المأساة الإغريقية، فيجدها تستمد موضوعها من الأساطير ومن شعور ديني بصراع عنيف بين الإنسان والقوى الإلهية المسيطرة على الكون، وتصوِّر المأساة هذا الصراع صاعدًا إلى نهايته، وهي الفاجعة التي تنتج عن صرامة القضاء. ولم يلبث توفيق الحكيم أن عمد إلى تطبيق ذلك في أسطورة إسلامية عَرضتْ لها الروايات المسيحية، وهي قصة أهل الكهف التي أشير إليها في القرآن الكريم، وهم سبعة نفر ماتوا في الكهف، وظلوا نحو ثلاثمائة سنة، ثم بُعثوا، وعادوا إلى الموت بعد أن ظهرت معجزتهم الخارقة، إلا أن توفيقًا جعلهم يستأنفون الحياة، وجعل لهم مغامرات بناها على صراع عنيف بين الإنسان والزمن، فقد كان كل شيء مُعَدًّا ليعيشوا معيشة رغد وهناءة؛ ولكن حائلًا يحول بينهم وبين هذه المعيشة؛ هو الحقيقة التي تصطرع مع الواقع. فهذا أحدهم يعلم أن ابنه مات منذ مائة عام، فيؤثر الموت على الحياة، ويعود إلى الكهف، وهذا ميشلينا الذي كان قد وقع قديمًا في حب بريسكا بنت ديقيانوس يلتقي في قصر الملك المسيحي بحفيدة جميلة لها سميت باسمها، وانطبعت على وجهها صورتها، فظنها معشوقته القديمة، وتُفْتَنُ به، ويتبادلان

стр. 271

الحب. وتتضح لهما الحقيقة، فتُفسد واقعهما، ويعود ميشلينا إلى الكهف مؤثرًا للموت كما يعود جميع رفقائه، وقد رأوا أنهم لا يستطيعون استئناف الحياة في هذا الواقع الجديد، وبذلك ينهزم الواقع أو الإنسان أمام الزمن أو أمام هذا الشيء الغيبي الغامض الذي يسمى الحقيقة. وعلى هذا النحو بدأ توفيق كتابة المأساة مؤمنًا بأن قوة تسيطر على الإنسان، فهو لا يعيش وحده في الكون؛ بل تسيطر عليه قوة إلهية عُلْوية، توجهه وتوحي إليه، وتدفعه يمينًا أو شمالًا. وتوفيق في ذلك يخضع لروحنا الشرقية المتدينة التي تؤمن بالقوى الغيبية المهيمنة على الناس. وأخذت تنبثق في نفسه هذه الروح لا بشعورها الديني فحسب؛ بل بشعورها الصوفي الذي يُعْلِي الروح والقلب على المادة والعقل. ويتبين ذلك في مأساته الثانية "شهرزاد" التي مثَّل في بطلها "شهريار" الصراع بين الإنسان والمكان، فقد استنفد في صاحبته كل ما أراد من متاع ولذة، وتحول قلقًا ظامئًا يريد معرفة الكون وأسراره. وهنا يبدأ الصراع العنيف بين الإنسان الشقي بقصور فهمه وبين حقائق العالم وأسراره. ويحاول شهريار أن يرحل عن واقعه ومكانه ناشدًا للمعرفة، ولكن لا يلبث أن يعود، فهو لا يستطيع فرارًا من مادته، ويصطدم بخيانة شهرزاد، وينتهي إلى حال شاذة. وعلى هذا النحو لن يستطيع الإنسان أن يخلص من مكانه وزمانه والقوى الغيبية التي تسيطر عليه، وإن خيرًا للعالم أن يعتصم بقيم الشرق الروحية؛ بل إن علينا أن نحارب العقل الغربي الذي يؤمن بالمادة وحدها، وينفي عن عالمنا قيمه الروحية الجميلة. وبهذه الروح الشرقية مضى يكتب قصته "عصفور من الشرق" وفيها يقول: "وما صنع لنا العلم وماذا أفدنا منه؟ الآلات التي أتاحت لنا السرعة وماذا أفدنا من هذه السرعة؟ البطالة التي تلم بعُمَّالنا وإضاعة ما يزيد من وقت فراغنا فيما لا ينفع". وأتاح له عمله في النيابة وفي مراكز ريفية مختلفة أن يكتب "يوميات نائب في الأرياف"، وفيه وصَف وصفًا دقيقًا ريفنا، وكيف أن أهله لا يفهمون مدلول

стр. 272

القانون، وكيف يتعسف الحكام في حكمهم مبينًا عيوب النظم الإدارية والقضائية والتشريعية، وهو في أثناء ذلك يعرض الحوادث والأشخاص عرضًا واقعيًّا حيًّا في سخرية مرة وفي مقابلة حادة بين واقعية الفلاحين والمثالية. ويُخْرج "أهل الفن" وهي ثلاث قطع مسرحية، فكاهية قصيرة وأقصوصتان. ويخرج سيرة "محمد" ﷺ في قالب حواري، حافظ فيه على حوادث السيرة محافظة تامة. ويلتقي مع طه حسين في صيف سنة ١٩٣٦ بقرية من قرى جبال الألب في فرنسا، ويكتب معه "القصر المسحور" متحدثين معًا عن سر شهرزاد وعن حقائق مختلفة في الأدب والفن. ويستقيل من الوظيفة الحكومية في سنة ١٩٤٣ ويخلص لفنه، ويتعاقب إنتاجه بين مقالات نقدية في الصحف، يجمعها وينشرها، وبين قصص وأقاصيص اجتماعية مثل عهد الشيطان، ويتضخم إنتاجه في المسرحيات تارة يستوحيها من محيطه الاجتماعي المصري على نحو ما نعرف في مجموعته "مسرح المجتمع" التي نشرها في الصحف أولًا ثم جمعها في هذا الكتاب معالجًا فيها مشاكلنا الاجتماعية والسياسية بروح فكهة، وتارة يستوحيها من موضوعات قديمة وأساطير إغريقية وغير إغريقية حتى يأخذ الفرصة كاملة لمسرحه الذهني الذي اشتهر به من قبل في "أهل الكهف" و"شهرزاد"، والذي يذهب بعض النقاد إلى أن صلاحية مسرحياته للقراءة فيه أكثر من صلاحيتها للتمثيل. وقد مضى فألف مسرحية "براكسا أو مشكلة الحكم" التي نشرها في سنة ١٩٣٩، وهي تعرض لمشكلة توزيع السلطات، وتكشف عن فسادنا السياسي قبل الثورة. ونراه ينشر في سنة ١٩٤٢ مأساة بيجماليون، يستوحيها أيضًا من أسطورة إغريقية، تصور المشكلة بين الفن والحياة، فهذا مَثَّال انصرف عن النساء إلى فنه، وصنع تمثالًا آية في الجمال والفتنة، وأحب هذا التمثال الذي صنعه بيديه، وسوَّلت له نفسه أن يطلب إلى "فينوس" أن تبعث الحياة فيه،

стр. 273

فاستجابت له، وأحالت تمثاله امرأة اقترن بها. وحوَّل الحكيم هذه الأسطورة إلى مأساة يقوم فيها صراع عنيف بين الفنان وإخلاصه لفنه وبين نداء الحياة الذي يلاحقه ولا يستطيع فكاكًا منه، وبعبارة أخرى: يصعد صراع بين ملكات الفنان وبين الإنسان الراقد في أطوائه. ويطلب بيجماليون إلى الآلهة أن تعيد له تمثاله، وتستجيب إليه، وما يلبث أن يتولاه القلق ويثور، فيحطم تمثاله، وتنتهي حياته بنفس الحيرة التي أنهى بها توفيق حياة شهريار في مأساته "شهرزاد". ويعود توفيق إلى موضوعاتنا الدينية، ويختار سليمان الحكيم وقصة الهدهد وبلقيس التي جاءت في القرآن الكريم. ويمزج بين ذلك وبين قصة الجني والصياد في ألف ليلة وليلة، ويكتب مسرحيته "سليمان الحكيم"، يعرض فيها مُلْكه العظيم وحبه لبلقيس. وتتوالى الأحداث كما يميلها القضاء، وتتعطل إرادة الأشخاص حتى سليمان الحكيم نفسه، وقد اتخذ توفيق من الجني أو العفريت رمزًا للعقل المغرور الذي يظن واهمًا أنه قادر على كل شيء. وفي سنة ١٩٤٩ يخرج قصة "الملك أوديب" التي تزعم الأسطورة الإغريقية أنه قتَل أباه وتزوج أمه، بدون معرفته. وكانت الآلهة قد تنبأت للأب بذلك نتيجة لخطيئة أحلت عليه اللعنة، فلما رُزق هذا الولد أمر راعيًا أن يحمله إلى أحد الجبال المهجورة ويقتله؛ ولكن الطفل أنقذ وتربى في بلاط ملك آخر، وتطورت الأحداث كما شاءت الآلهة. وعرَف أوديب وأمه أو زوجته ذلك أخيرًا، فانتحرت، وفقأ عينيه وحلت عليه اللعنة الأبدية. وأخذ الحكيم هذه الأسطورة، فجردها من النبوءة الوثنية عند الإغريق وما يعتقدون في آلهتهم، ومضى في ظلالها يهاجم العقل ومحبته للبحث والاستطلاع، فإن أوديب يسعى للبحث عن حقيقته، بعد أن استوى ملكًا وتزوج أمه، وتصدمه الحقيقة هو وأمه؛ بل تقضي عليهما قضاء مبرمًا. وإنما أطلنا في عرض هذه المسرحيات والمآسي؛ ليقف القارئ على أن لتوفيق فلسفة في مسرحه الذهني. وهي فلسفة يستمدها من الشرق وروحه العميقة التي تؤمن بقوى غيبية تسيطر على الإنسان وملكاته، والتي تشك في العقل وكل

стр. 274

ثمراته. ومعنى ذلك: أنه أوجد لنا مسرحًا مصريًّا، له فلسفته التي يقف بها بجانب المسارح الغربية القديمة والحديثة. وكتب بنفس هذه الفلسفة وما يتصل بها من صوفية الشرق كثيرًا من قصصه، ولعل ذلك ما جعل الغربيين يترجمون آثاره إلى لغاتهم؛ بل لقد مثَّلوا بعض مسرحياته، وخاصة شهرزاد؛ إذ وجدوها خليقة حقًّا بالتمثيل؛ لما فيها من جمال ودقة وعمق. وكان طه حسين قد أشاد بهذا الكاتب الفذ حين أخرج أول آثاره المسرحية "أهل الكهف" سنة ١٩٣٣ فقال: إنها حَدَثٌ في تاريخ الأدب العربي، وإنها تضاهي أعمال فطاحل أدباء الغرب. فلما تولى وزارة التربية والتعليم عينه مديرًا لدار الكتب المصرية سنة ١٩٥١. وعُين في سنة ١٩٥٦ عضوًا متفرغًا في المجلس الأعلى للآداب والفنون. وفي سنة ١٩٥٩ عُين مندوبًا مقيمًا لجمهوريتنا العربية المتحدة في "اليونسكو" بباريس، غير أنه فضل العودة في سنة ١٩٦٠ إلى عمله بالمجلس الأعلى. وقد أخرج في السنوات الأخيرة ثلاث مسرحيات رائعة؛ هي: "إيزيس" و"السلطان الحائر" و"صفقة"، وفيها عصير شعبي بديع.

стр. 275

ب- شهرزاد: استلهم توفيق في كتابة هذه المسرحية الأسطورة الفارسية التي تزعم أن كتاب ألف ليلة وليلة قَصَصٌ قصته شهرزاد على زوجها شهريار. وذلك أنه فاجأ زوجته الأولى بين ذراعي عبد خسيس، فقتلهما، ثم أقسم أن تكون له كل ليلة عذراء، يبيت معها، ثم يقتلها في الصباح انتقامًا لنفسه من غدر النساء. وحدث أن تزوج بنت أحد وزارئه "شهرزاد"، وكانت ذات عقل ودراية. فلما اجتمعت به أخذت تحدثه بقصصها الساحر الذي لا ينضب له معين، وكانت تقطع حديثها بما يحمل الملك على استبقائها في الليلة التالية لتتم له الحديث، إلى أن أتى عليها ألف ليلة وليلة، رُزقت في نهايتها بطفل منه، فأرته إياه وأعلمته حيلتها، فاستعقلها واستبقاها.

стр. 276

ويبدأ توفيق مسرحيته بنهاية الأسطورة، فإن شهرزاد كشفت لشهريار عن معارف لا تُحَد، وأصبح ظامئًا للمعرفة، ولم يعد يُعْنَى بالجسد ولذاته، فقد تحول عقلًا خالصًا يبحث عن الألغاز والأسرار حتى ليريد أن ينطلق من قيود المكان لعله يطَّلع على مصادر الأشياء وغاياتها، ويعرف كُنْهَهَا وحقائقها. والمسرحية في سبعة فصول، ونلتقي في الفصل الأول بجلاد الملك وعبد أسود يحاوره في شأن الملك وما يقال عن خبله، وكيف يغدو إلى كاهن يطلب عنده حلًّا لبعض ألغازه، ونسمع بوزيره قمر. ويتراءى لنا العبد مثالًا للبوهيمية التي تقبع في داخله؛ إذ يرى عذراء مع الجلاد، فيقول: "ما أجمل هذه العذراء! وما أصلح جسدها مأوى! " ويتحول متسائلًا عن شهرزاد. وننتقل إلى الفصل الثاني، فنجد قمرًا الوزير مع الملكة في قاعتها، ونعرف من الحوار أنه يحبها محبة العابد لمعبوده لا محبة العاشق لمعشوقته، فقد سما بعواطفه إزاءها سموًّا بعيدًا، وهي تعرف ذلك وتعبث به، ويخشى أن تكتشف سره، فينقل الحديث معها إلى الملك على هذا النحو: قمر: إني ... أردت أن أقول: إنك غيَّرتِه، وإنه انقلب إنسانًا جديدًا منذ عرفكِ. شهرزاد: إنه لم يعرفني. قمر: لقد قلت لك قبل اليوم: إن الملك بفضلك قد أمسى أيضًا لغزًا مغلقًا أمامي، وكأنما كُشف لبصيرته عن أفق آخر لا نهاية له، فهو دائمًا يسير مفكرًا باحثًا عن شيء، منقبًا عن مجهول، هازئًا بي كلما أردت اعتراض سبيله إشفاقًا على رأسه المكدود. شهرزاد: أتسمِّي هذا فضلًا يا قمر؟ قمر: وأي فضل يا مولاتي، فضل من نقل الطفل من طور اللعب بالأشياء إلى طور التفكير في الأشياء. ويُشيد قمر بحبها للملك، فتعترضه قائلة: ما أبسط عقلك يا قمر! أتحسبني فعلت ما فعلت حبًّا للملك؟

стр. 277

قمر: لمن غيره إذن؟ شهرزاد: لنفسي. قمر: لنفسك! ماذا تعنين؟ شهرزاد: أعني أني ما فعلت غير أني احتلت لأحيا. ويعود شهريار من لدن الساحر كاسفًا مقهورًا، شاعرًا بالفناء ككل قوة في نهايتها. وتحاول شهرزاد أن تسترده من قلقه وحيرته، وتقول له: إنها جسد جميل وقلب كبير، فيقول: سحقًا للجسد الجميل والقلب الكبير، ويكون بينهما حوار طويل، تتخلله هذه القطعة: شهريار: ما عدت أحفل بك ولا بشيء. شهرزاد: تُشيح بوجهك أيها الأعمى! لو كانت تبصر قليلًا! شهريار: لقد أبصرت أكثر مما ينبغي. شهرزاد: أنت غافل يا شهريار. شهريار: أنا أطلب شيئًا واحدًا. شهرزاد: ما هو؟ شهريار: أن أموت. شهرزاد: لماذا؟ ما الذي بك؟ شهريار: ليس في الحياة من جديد، استنفدت كل شيء. شهرزاد: الطبيعة كلها ليس فيها لذة تغريك بالبقاء! شهريار: الطبيعة كلها ليست سوى سَجَّان صامت يضيِّق عليَّ الخناق. شهرزاد: أقسم أنك جُننت، أجهدت عقلك حتى اضطرب، أي سر تبحث عنه أيها الأبله؟ ألا تراك تضيع عمرك الباقي وراء حب اطلاع خادع؟ شهريار: ما قيمة عمري الباقي؟ لقد استمتعت بكل شيء وزهدت في كل شيء. شهرزاد: وهل تحسب هذا هو السبيل إلى ما تطلب؟ بل مَن أدراك أن ما تطلب موجود؟ أترى شيئًا في ماء هذا الحوض؟ أليست عيناي أيضًا

стр. 278

في صفاء هذا الماء؟ أتقرأ فيهما سرًّا من الأسرار؟ شهريار: تبًّا للصفاء وكل شيء صافٍ! لشد ما يخيفني هذا الماء الصافي! ويل لمن يغرق في ماء صاف. شهرزاد: ويل لك يا شهريار. شهريار: الصفاء! الصفاء قناعها. شهرزاد: قناع مَن؟ شهريار: قناعها، هي، هي، هي. شهرزاد: إني أخشى عليك يا شهريار. شهريار: قناعها منسوج من هذا الصفاء، السماء الصافية، الأعين الصافية، الماء الصافي، الهواء، الفضاء، كل ما هو صاف، ما بعد الصفاء؟ إن الحجب الكثيفة لأشفُّ من الصفاء! شهرزاد: كل البلاء يا شهريار أنك ملك تَعِسٌ، فقد آدميته وفقد قلبه. شهريار: إني براء من الآدمية، براء من القلب، لا أريد أن أشعر، أريد أن أعرف. ويمضي شهريار متحدثًا عن حقيقة شهرزاد، وكيف تحولت في نفسه إلى لغز عقلي هائل، يقول موجهًا الخطاب إليها عنها: "قد لا تكون امراة، من تكون؟ إني أسألك من تكون؟ هي السجينة في خدرها طول حياتها، تعلم بكل ما في الأرض كأنها الأرض! هي التي ما غادرت خميلتها قط تعرف مصر والهند والصين! هي البكر تعرف الرجال كامرأة عاشت ألف عام بين الرجال! وتدرك طبائع الإنسان من سامية وسافلة، هي الصغيرة لم يكفها علم الأرض، فصعدت إلى السماء، تحدث عن تدبيرها وغيبها كأنها ربيبة الملائكة، وهبطت إلى أعماق الأرض تحكي عن مردتها وشياطينها وممالكهم السفلى العجيبة، كأنها بنت الجن! من تكون تلك التي لم تبلغ العشرين، قضتها كأترابها في حجرة مسدلة السُّجُف، ما سِرُّها؟ أعمرها عشرون عامًا أم ليس لها عمر؟ أكانت محبوسة في مكان أم وُجدت في كل مكان؟ إن عقلي ليغلي

стр. 279

في وعائه يريد أن يعرف.. أهي امرأة تلك التي تعلم ما في الطبيعة كأنها الطبيعة". وتلك صورة شهرزاد في عين شهريار بالمسرحية، فهي لغز عميق ينطوي على أسرار الوجود. أما في عين قمر الوزير فملاك سماوي، بينما هي في عين العبد الأسود القبيح بنت الأرض بغريزتها الجسدية، وكأنها الطبيعة، يرى كل من الثلاثة فيها نفسه مطبوعة كأنها المرآة المصقولة، شهريار بحيرته وتنقيبه عن المجهول وأسراره، والوزير بطهارة روحه وسمو نفسه، والعبد بغريزته الحيوانية التي ستنكشف لنا عما قليل لا عنده وحده؛ بل عند شهرزاد أيضًا التي تخضع كغيرها من النساء لمطالب المرأة الجسمية. وفي الفصل الثالث تصعد أزمة شهريار وتشتد، فنجده مع الساحر وقمر مصممًا على الرحيل في أطراف العالم، ويحاول قمر أن يرده عن عزمه قائلًا: "هل يحسب مولاي، لو جاب الدنيا طولًا وعرضًا، أنه يعلم أكثر مما يعلم وهو في حجرته هذه". وتظهر شهرزاد وتحاول أن ترجعه إليها، قائلة: "إن رجلًا بقلبه قد يصل إلى ما لا يصل آخر بعقله"؛ ولكنه يصمم على الرحيل حتى يتحرر من عقال المكان. ويرحل في الفصل الرابع مع وزيره، وتلتقي شهرزاد بالعبد رمز الشهوة الجسدية في الفصل الخامس وتنغمس معه في إثم الخطيئة رغم سواده وغلظته وضَعة أصله ومنبته. ويدخل شهريار مع وزيره في الفصل السادس "خان" أبي ميسور، ويعلمان فيه خيانة شهرزاد وترتجف نياط قلب العابد الولهان قمر، ويعود بمولاه في الفصل السابع إلى شهرزاد، لعله ينتقم من زوجته وعبدها الخسيس؛ ولكن شهريار قد تحوَّل وأصبح فكرًا محضًا، فلا ينتقم. وينتحر قمر، ويحس مولاه بالهزيمة، وأنه لا يستطيع انطلاقًا من المكان، من الأرض: "دائمًا هذه الأرض، لا شيء غير الأرض، هذا السجن الذي يدور، إنا لا نسير، لا نتقدم ولا نتأخر، لا نرتفع ولا ننخفض؛ إنما نحن ندور، كل شيء يدور". ويصبح معلقًا بين الأرض والسماء ينهشه القلق والحيرة. وأكبر الظن أنه قد اتضحت فلسفة توفيق في هذه المسرحية، وأنه يؤمن

стр. 280

بالقلب أكثر مما يؤمن بالعقل الذي يحطم حياة الناس، ومع ذلك تَحْلم به البشرية، وتحاول عن طريقه أن تكشف أسرار الكون وتجتاز حدود المكان، وفي ذلك اندحارها وهزيمتها كما انهزم شهريار. وقد دفعت ضرورات المسرحية كاتبنا إلى هذا الوضع الشائن لشهرزاد التي عُرفت بعقلها وحكمتها، فسقط بها سقطة بشعة، ومن أجل ذلك تولى طه حسين في "القصر المسحور" الدفاع عنها عاتبًا على توفيق صنيعه بها، غير أن توفيقًا حولها إلى صورة جديدة تتمشى مع تطور الأشخاص في مسرحيته، ولم يُعْنَ بصورتها التاريخية.

стр. 281

١٠- محمود تيمور ١٨٩٤-١٩٧٣م: أ- حياته وآثاره: في درب سعادة -أحد دروب القاهرة- وُلد محمود سنة ١٨٩٤ لأحمد تيمور "باشا" أحد مفاخر مصر الحديثة في تحصيل الكتب العربية القديمة وجمع مخطوطاتها ونفائسها، وأحد علمائنا الباحثين في اللغة والأدب والتاريخ. ويرجع تيمور "باشا" إلى أصول كردية عربية، وقد ورث ثروة كبيرة عن آبائه، فكانت له ضياع وأملاك، ولم يبدِّد هذه الثروة؛ وإنما احتفظ بها لأبنائه، وأهدى إلى مصر ودار كتبها أنفس مكتبة أهديت إليها في تاريخنا الحديث. وكان تيمور "باشا" دمثَ الأخلاق متواضعًا، واتخذ من بيته منتدى للأدباء والعلماء من أمثال: محمد عبده والشنقيطي. وكثيرًا ما حج إلى هذا البيت المستشرقون ورجال الأدب والعلم في الأقطار الشقيقة. ولما تُوفيت زوجته انتقل بأبنائه إلى "عين شمس" إحدى ضواحي القاهرة، ثم اتخذ له بيتًا في "الزمالك".

стр. 282

وكان يقضي الصيف في بعض ضياعه، مختلطًا هو وأبناؤه بالفلاحين، كأنهم منهم. وفي هذا الوسط وتلك البيئة نشأ محمود، وأخوه محمد، وبقية إخوتهما، يتنفسون في هذا الجو الهادئ السعيد. وانتظم محمود في المدرسة الابتدائية، ثم الثانوية، وعَيْنُ أبيه ترعاه، وقد أخذ يصله بهوايته من قراءة الأدب، وألزمه هو وإخوته حِفْظَ معلقة امرئ القيس، وكأنه يريد أن يعلق في ذاكرتهم تميمة اللغة العربية، ووصَلَهم بالكتب القديمة، وخاصة القصصي منها مثل ألف ليلة وليلة. ولم يلبث الأخوان محمد ومحمود أن أصدرا صحيفة منزلية يسجلان فيها أخبار المنزل والأصدقاء، وأنشآ مسرحًا بيتيًّا يمثلان فيه بعض المسرحيات الساذجة، ودفعهما ذلك إلى الإقبال على قراءة الروايات والقصص المترجمة، وأكثرا من قراءة المنفلوطي والآثار الجديدة التي كان يُحْدثها أدباء المهجر من أمثال جبران. وأخذ محمود ينظم الشعر، ويكتب طرائف من الشعر المنثور. وسافر محمد إلى باريس سنة ١٩١١، وظل بها إلى سنة ١٩١٤، وهناك استوت له معرفة دقيقة بأدب القصة والمسرحية. وفي هذه الأثناء كان محمود قد أتم تعليمه الثانوي والتحق بمدرسة الزراعة العليا، إلا أنه مرض بمرض التيفود وأثَّر في بنيته وقواه الجسمية، فاضطُر إلى قطع دراسته. وعاد محمد، فوقف منه على ما وراء البحر من أدب قصصي وتمثيلي، وأخذ يصور له قواعده وأصوله، وحبَّب إليه قراءة حديث "عيسى بن هشام" للمويلحي و"زينب" لهيكل. ولم يلبث محمد -كما مر بنا في غير هذا الموضع- أن انضم إلى جمعية من هواة التمثيل، وألف بعض مسرحيات وأقاصيص بلغتنا العامية. وأخذ محمد يلقن أخاه محمودًا المذهب الواقعي في الأقصوصة الغربية، وأخذ محمود يقرأ فيه، وخاصة في موباسان القصاص الفرنسي الواقعي، الذي كان يعجب به أخوه إعجابًا شديدًا. وقد جرى في إثره يعجب به وبأسلوبه القصصي القائم على التركيز وتماسك الأحداث في الأقصوصة تماسكًا متينًا.

стр. 283

وبدأ يكتب محاولاته في هذا الفن، فكتب أقصوصتي: "الشيخ جمعة" و"يُحْفَظُ بالبوسطة". ويموت محمد في شرخ شبابه سنة ١٩٢١ فلا تَهْوِي الراية من يده؛ بل يتسلمها منه محمود، ليُتم ما بدأه، ولا يصل إلى سنة ١٩٢٥ حتى تتجمع له مادة من الأقاصيص، تتيح له أن ينشر في الناس في مجموعته الأولى: "الشيخ جمعة وقصص أخرى"، ومجموعته الثانية: "عم متولي وقصص أخرى". ونراه في المجموعة الأولى يتحدث عن الأقصوصة ومكانتها في عالم الأدب كما يتحدث عن المذهب الواقعي وضرورة الأخذ به في التأليف القصصي. ثم ينشر "الشيخ سيد العبيط وأقاصيص أخرى"، ويتحدث في مقدمتها عن القصة في اللغة العربية وعن جهد المويلحي وهيكل وأخيه محمد تيمور مبينًا أنه يعبِّد فيها طريقًا جديدًا بدأه من قبله أخوه، وهو يحاول أن يسير بها في نفس الطريق مستمدًّا من البيئة المصرية بأشخاصها وجوِّها وصورها المختلفة في الريف والمدينة. ولا تظن أن فن محمود تيمور استوى تمامًا في هذه المجاميع الأولى، فإنه يغلب عليها المبالغة، كما يغلب عليها شيء من النزعة الخيالية التي تركتها في نفسه قراءاته للمنفلوطي ولأدباء المهجر، وإن كنا نلاحظ من طرف آخر أنه ينزع إلى الخير والإصلاح الاجتماعي، فهو يسعى بأقاصيصه التي يكشف بها عن نقائص المجتمع إلى غاية خلقية. ويتاح له أن ينزل في فرنسا سنتين، يقضيهما فيها وفي سويسرا، فيطلع على الأدب الفرنسي من قريب، ويقبل على قراءة الأدب الروسي عند تورجنيف وتشيخوف وأضرابهما، كما يقبل على قراءة الآداب الغربية المختلفة، وتستوي في نفسه للأقصوصة صورة أدق من الصورة الأولى، وتتببين له معالم الطريق واضحة، ويأخذ في إنتاجه الضخم الذي بلغ إلى اليوم نحو عشرين مجموعة من الأقاصيص والقصص الطويلة. وأقاصيصه في هذه المجاميع منوعة تنويعًا واسعًا، وهي في أكثرها لوحات لحوادث ومواقف وأحوال اجتماعية ونفسية، ويظهر في كثير منها نزعة تحليلية،

стр. 284

كما يظهر في كثير منها نوع من العطف على شخوصه، مع الاعتدال في التصوير، فالخيال لا يجمح به. وقد يسوق لك عقدة نفسية، أو صراعًا نفسيًّا باطنًا؛ ليصور لك جوانب الضعف في الإنسان. وهو في كل ذلك يتخذ أسلوبًا بسيطًا لا مبالغة فيه ولا إغراق؛ وإنما فيه الصدق وتمثيل الواقع في بساطة. ولم يقف بأقاصيصه عند غايات محلية، فقد جعلها تتسع لنزعات إنسانية عامة؛ كنزعة الخير أو نزعة الكمال أو نزعة الإحساس بالجمال في الطبيعة أو في الموسيقى والأشياء. والحق أنه بلغ في ذلك كله مرتبة رفيعة، ويكفي أنه مؤسس فن الأقصوصة في الأدب العربي الحديث، حقًّا سبقه إليها أستاذه وأخوه محمد؛ ولكنه هو الذي نَمَّاها ووسَّع طاقتها، وجعلها شبيهة بما ينتجه أدباء الغرب في هذا المضمار، مما كان سببًا في أن تُتَرجم كثير من أقاصيصه إلى الفرنسية والإيطالية والألمانية والإنجليزية والروسية، فهو أستاذ الأقصوصة في عصرنا غير منازَع، وهو فيها لا يقف عند مذهب غربي معين. يؤثر المذهب الواقعي، وقد يعدل عنه إلى بعض صور خيالية أو بعض صور تأثيرية؛ إذ نراه يقدم الحادثة ويتركها بدون شرح؛ لنتأثر بها على النحو الذي نريده. ومن بديع مجموعاته التي تصور كل ما قدمنا: "مكتوب على الجبين" و"كل عام وأنتم بخير" و"إحسان لله" و"شفاه غليظة" و"شباب وغانيات". ومن خير أقاصيصه الطويلة "ثائرون"، وهو يصور فيها ما كان يحتدم في قلوب شبابنا من ثورة على أوضاع العهد البائد الفاسد، وقد كتبها في صورة مذكرات على لسان طالب جامعي. ولم يقف محمود تيمور عند محاولة الأقصوصة القصيرة، فقد حاول أيضًا القصة الطويلة وأخرج فيها: "نداء المجهول" و"كليوباترا في خان الخليلي" و"سلوى في مهب الريح". وهو ينزع في القصة الأولى منزع توفيق الحكيم الذي يسعى إلى تصوير الروح الشرقية، وهي قصة تشبه قصص الحب العذري القديمة، وحوادثها تجري في لبنان. ونحس فيها النزعة الخيالية واضحة، وفي الوقت نفسه يحلل الكاتب البيئة والشخصيات وعواطفهم تحليلًا واقعيًّا،

стр. 285

فالخيال والواقع يتقابلان، كما تتقابل معهما روح الفكاهة ممثلة في الأستاذ كنعان المتعالم المغرور. و"كليوباترا في خان الخليلي" قصة خيالية، يتصور فيها الكاتب مؤتمرًا للسلام عُقد في القاهرة. واجتمع فيه فلاسفة العالم، وقد رأى أحدهم أن يتصل ببعض الأرواح من العالم الآخر، فتحضر كليوباترا ويحضر تيمورلنك المحارب التتري القديم، وكل منهما يغاير الصورة المعروفة له، فلا يفيد منهما المؤتمر ما كان يرجوه. ويأخذ المؤتمر في مناقشة أمور فرعية. ويعرض تيمور في القصة نقدًا ساخرًا للمؤتمر وحماقات الإنسان وترهاته، وفي ذلك كله تجري روح الفكاهة والدعابة. أما "سلوى في مهب الريح" فقصة تحليلية واقعية للجانب العابث في حياة الطبقة الأرستقراطية، وبطلتها سلوى فتاة فقيرة تضطرب في خضم الحياة، وتدفعها عوامل البيئة والوراثة إلى الزلل. وهذه الموهبة القصصية البارعة رأى محمود تيمور أن يستغلها في صنع المسرحية، فكتب مسرحيات من فصل واحد، كما نرى في "حقله شاي" وهي مسرحية تصور حب الظهور في أنماط متباينة من الناس لا نكاد نقرؤهم حتى نغرق في الضحك. ولم يقف بهذه المسرحيات القصيرة عند واقع بيئته، فقد تحول بموضوعها إلى التاريخ القومي والعربي يتخذ منه موضوعه كما نرى في "مسرحية المنقذة" التي صور في بطلتها بنت خليل بك شيخ البلد الصراعَ النفسيَّ بين الاعتراف بالجميل وإنكاره. وبجانب هذه المسرحيات القصيرة يكتب مسرحيات طويلة يستمدها من التاريخ العربي مثل "ابن جلا"، وفيها صور الحجاج الثقفي لا في صورته التاريخية؛ وإنما في صورة إنسانية جديدة، ومثل "حواء الخالدة" التي عالج فيها حب عنترة وعبلة، ومثل "اليوم خمر" وقد صور فيها حياة امرئ القيس، ومثل "صقر قريش" التي صور فيها عبد الرحمن الداخل أول الخلفاء الأمويين في الأندلس. وقد يستمد مسرحياته الطويلة من الحياة الواقعة كما نرى في
следующие страницы →