← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9983

منهاج المحدثين في القرن الأول الهجري وحتى عصرنا الحاضر

على عبد الباسط مزيد

Полный текст (470 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يصلي ركعتين، فإن نزل قام شطر الليل ويرتل القرآن حرفًا حرفًا، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب١. وعن مُعتمر بن سليمان، عن شعيب بن درهم، عن أبي رجاء قال: رأيت ابن عباس وأسفل من عينيه مثل الشِّرَاك البالي من البكاء٢. وعن أبي أمية بن يعلى، عن سعيد بن أبي سعيد قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال: يابن عباس! كيف صومك؟ قال: أصوم الإثنين والخميس. قال: ولِمَ؟ قال: لأن الأعمال تُرفع فيهما، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم٣. وعن طاوس قال: ما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا لحرمات الله من ابن عباس٤. وقال القاسم بن محمد: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلًا قط٥. وروى أبو عوانة عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه لم يكن يدخل الحمام إلا وحده، وعليه ثوب صفيق، يقول: إني أستحيي الله أن يراني في الحمام متجردًا٦. - تواضعه في طلب العلم: روى الحاكم والطبراني وغيرهما بسند صحيح عن جرير بن حازم، عن يعلى

стр. 142

ابن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما توفي رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلم نسأل أصحاب رسول الله ﷺ فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبًا يابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي ﷺ من ترى؟ فتركت ذلك وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح عليَّ التراب، فيخرج فيراني، فيقول: يابن عم رسول الله! ألا أرسلتَ إليَّ فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك، فأسألك، قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس عليَّ، فقال: هذا الفتى أعقل مني١. روى محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس قال: وجدت عامة علم رسول الله ﷺ عند هذا الحي من الأمصار، إن كنت لآتي الرجل منهم، فيقال: هو نائم، فلو شئت أن يوقظ لي، فأدعه حتى يخرج لأستطيب بذلك قلبه٢. - تثبته في العلم: كان ابن عباس ﵁ معروفًا بالتشدد في قبول الرواية، وأخذ العلم من الصحابة ﵃ فقد روى يزيد بن إبراهيم، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄ قال: إن كنتُ لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم٣. - علمه وفقهه: لقد بلغ علم ابن عباس ﵄ وفقهه مبلغًا يثير الدهشة والإعجاب، وذلك

стр. 143

بشهادة الصحابة وكبار التابعين، وقد بلغ هذه الدرجة من العلم والفقه بفضل دعاء النبي ﷺ له بالعلم والفقه ومعرفة التأويل. وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص: سمعتُ أبي يقول: ما رأيت أحدًا أحضر فَهْمًا، ولا ألب لبًّا، ولا أكثر علمًا، ولا أوسع حلمًا من ابن عباس، لقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات فيقول: قد جاءت معضلة، ثم لا يجاوز قوله، وإن حوله لأهل بدر١. وقال الواقدي: حدثنا موسى بن محمد التيمي، عن أبيه، عن مالك بن أبي عامر، سمع طلحة بن عبيد الله يقول: لقد أُعطي ابن عباس فهمًا، ولَقْنًا، وعلمًا، ما كنت أرى عمر يُقدِّم عليه أحدًا٢. وروى ابن سعد بسند صحيح عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد٣، وفي رواية: ما عاشره٤. وقال الأعمش: حدثونا أن عبد الله قال: ولنعم ترجمان القرآن ابن عباس٥. وروى الأعمش عن إبراهيم قال: قال عبد الله: لو أن هذا الغلام أدرك ما أدركنا ما تعلقنا معه بشيء٦. وعن محمد بن أُبي بن كعب، سمع أباه يقول -وكان عنده ابن عباس فقام- فقال: هذا يكون حبر هذه الأمة، أرى عقلًا وفهمًا. وقد دعا له رسول الله ﷺ أن يفقهه في الدين٧.

стр. 144

وعن عكرمة: سمعتُ معاوية يقول لي: مولاك والله أفقه مَن مات ومَن عاش١. ويُروى عن عائشة قالت: "أعلم من بقي بالحج ابن عباس"٢. قال الذهبي: قلت: "وقد كان يرى متعة الحج حتمًا"٣. قال الواقدي: حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله قال: كان ابن عباس ﵄ قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبق، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم، ونسب، ونائل. وما رأيت أحدًا أعلم بما سبقه من حديث رسول الله ﷺ ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه، ولا أعلم بما مضى، ولا أثقب رأيًا فيما احتيج إليه منه، ولقد كنا نحضر عنده فيحدثنا العشية كلها في المغازي، والعشية كلها في النسب، والعشية كلها في الشعر٤. وعن طاوس قال: ما رأيت أروع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس٥. وقال مجاهد: ما رأيت أحدًا قط مثل ابن عباس، لقد مات يوم مات وإنه لحبر هذه الأمة٦. وعن مجاهد قال: كان ابن عباس يُسمى البحر؛ لكثرة علمه٧. وعن مجاهد أيضًا قال: ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عباس، إلا أن يقول قائل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم٨.

стр. 145

وعن طاوس قال: أدركت نحوًا من خمسمائة من الصحابة، إذا ذاكروا ابن عباس فخالفوه، فلم يزل يُقرِّرهم حتى ينتهوا إلى قوله. وقال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجًّا معه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب ممن يطلب العلم. وعن الأعمش: حدثنا أبو وائل قال: حطبنا ابن عباس، وهو أمير على الموسم، فافتتح سورة النور، فجعل يقرأ ويفسر، فجعلتُ أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثل هذا، لو سمعَتْه فارس والروم والترك لأسلمَتْ، وروى عاصم بن بهدلة عن أبي وائل مثله١. وقال إسرائيل: أخبرنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كل القرآن أعلمه إلا ثلاثًا: "الرقيم"، و"غِسلين"، و"حَنَانًا"٢. وروى يحيى بن يمان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير قال: قال عمر لابن عباس: لقد علمتَ علمًا ما علمناه٣. وعن مسروق قال: كنت إذا رأيت ابن عباس، قلت: أجمل الناس. فإذا نطق، قلت: أفصح الناس. فإذا تحدث، قلت: أعلم الناس٤. وقال سفيان بن عيينة: لم يُدرَك مثل ابن عباس في زمانه، ولا مثل الشعبي في زمانه، ولا مثل الثوري في زمانه٥.

стр. 146

وروى البخاري وآخرون غيره بسند صحيح عن أيوب، عن عكرمة: أن عليًّا حرق ناسًا ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم أنا بالنار، إن رسول الله ﷺ قال: "لا تعذبوا بعذاب الله"، وكنت قاتلهم لقوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه". فبلغ ذلك عليًّا فقال: ويح ابن أم الفضل، إنه لغواص على الْهَنَات١. وقد خلَّف ابن عباس تراثًا ضخمًا من العلم وكمًّا هائلًا من الفقه. قال ابن حزم في كتاب "الإحكام"٢: جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن المأمون أحد أئمة الإسلام فتاوى ابن عباس في عشرين كتابًا. وعن عكرمة قال: كان ابن عباس في العلم بحرًا ينشق له الأمر من الأمور، وكان النبي ﷺ قال: "اللهم ألهمه الحكمة وعلمه التأويل"، فلما عمي، أتاه الناس من أهل الطائف ومعهم علم من علمه -أو قال: كتب من كتبه- فجعلوا يستقرئونه، وجعل يُقدِّم ويؤخر، فلما رأى ذلك قال: إني قد تَلِهْتُ من مصيبتي هذه، فمن كان عنده علم من علمي، فيلقرأ عليَّ، فإن إقراري له كقراءتي عليه، قال: فقرءوا عليه٣.

стр. 147

- مكانته عند عمر ﵄: روى ابن عيينة عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن قال: كان ابن عباس من الإسلام بمنزل، وكان من القرآن بمنزل، وكان يقوم على منبرنا هذا، فيقرأ البقرة وآل عمران فيفسرهما آية آية. وكان عمر ﵁ إذا ذكره قال: ذلك فتى الكهول، له لسان سَئُول، وقلب عَقول١. وروى معمر عن الزهري قال: قال المهاجرون لعمر: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ قال: ذاكم فتى الكهول؛ إن له لسانًا سئولًا وقلبًا عقولًا٢. وروى عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن ابن عباس قال: دعاني عمر مع الأكابر ويقول لي: لا تتكلم حتى يتكلموا، ثم يسألني، ثم يقبل عليهم فيقول: ما منعكم أن تأتوني بمثل ما يأتيني به هذا الغلام الذي لم تستوِ شئون رأسه٣. وروى البخاري في صحيحه من طريقين، عن أبي بشر، وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني من أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لِمَ تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعا ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم. قال: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ؟ فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا. فقال لي: أكذاك تقول يابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول٤.

стр. 148

وقال أبو يحيى الحماني: حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، قال عمر: لا يلومني أحد على حب ابن عباس. وعن مجالد، عن الشعبي قال: قال ابن عباس ﵄: قال لي أبي: يا بني، إن عمر يدنيك، فاحفظ عني ثلاثًا: لا تفشين له سرًّا، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا يُجَرِّينَّ عليك كذبًا١. وروى عبد الرزاق في مصنفه، عن معمر، عن علي بن بَذِيمة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال: قدم على عمر رجلٌ، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا. فقلت: والله ما أحب أن يسارعوا يومهم هذا في القرآن هذا المسارعة. قال: فزَبَرَني عمر، ثم قال: مَهْ. فانطلقت إلى منزلي مكتبئًا حزينًا، فقلت: قد كنت نزلت من هذا بمنزلة، ولا أراني إلا قد سقطت من نفسه، فاضطجعت على فراشي، حتى عادني نسوة أهلي وما بي وجع، فبينا أنا على ذلك، قيل لي: أجب أمير المؤمنين. فخرجت، فإذا هو قائم على الباب ينتظرني، فأخذ بيدي، ثم خلا بي فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفًا؟ قلت: يا أمير المؤمنين، إن كنت أسأت، فإني أستغفر الله وأتوب إليه، وأنزل حيث أحببت. قال: لتخبرني. قلت: متى ما يسارعوا هذه المسارعة يحتَقُّوا٢، ومتى ما يحتقوا يختصموا، ومتى ما اختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا. قال: لله أبوك. لقد كنتُ أكتمها الناس حتى جئتَ بها٣.

стр. 149

- بعض شعره: قال ابن عبد البر في ترجمة ابن عباس١: هو القائل ما رُوي عنه من وجوه: إن يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور قلبي ذكي وعقلي غير ذي دَخَل ... وفي فمي صارم كالسيف مأثور - بعض ما قيل فيه من الشعر: مما قال حسان ﵁ فيه: إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه ... رأيتَ له في كل أقواله فضلا إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بمنتَظَمَات لا ترى بينها فصلا كفَى وشفَى ما في النفوس فلم يدع ... لذي أَرَبٍ في القول جِدا ولا هزلا سموتَ إلى العليا بغير مشقة ... فنِلْتَ ذراها لا دَنِيًّا ولا وغلا خُلِقْتَ حليفًا للمروءة والندى ... بَلِيجًا ولم تُخْلَقْ كَهَامًا ولا خَبْلا٢ ولأبي الطفيل الكناني حين منع ابن الزبير عبدَ الله بن عباس من الاجتماع بالناس، كان يخافه، وإنما أخَّر الناس عن بيعة ابن عباس -أن لو شاء الخلافة- ذَهاب بصره:

стр. 150

لا دَرَّ دَرُّ الليالي كيف تضحكنا ... منها خُطُوب أعاجيب وتُبكينا ومثل ما تُحدث الأيام من غير ... في ابن الزبير عن الدنيا تُسَلِّينا كنا نجيء ابن عباس فيقبسنا ... فقهًا ويكسبنا أجرًا ويَهدينا ولا يزال عبيد الله مُتْرَعة ... جفانه مُطعِمًا ضيفًا ومسكينًا فالبر والدين والدنيا بدارهما ... ننال منها الذي نبغي إذا شينا إن الرسول هو النور الذي كُشف ... به عَمَايات ماضينا وباقينا ورهطه عصمةٌ في ديننا ولهم ... فضلٌ علينا وحق واجب فينا ففيم تمنعهم منا وتمنعنا ... منهم وتؤذيهم فينا وتؤذينا لن يُؤتِيَ الله إنسانًا ببغضهم ... في الدين عزًّا ولا في الأرض تَمْكِينا١ - وفاته: قال ابن الحنفية لما دفن ابن عباس: اليوم مات ربَّانيُّ هذه الأمة٢. وروى غير واحد عن أبي الزبير قال: لما مات ابن عباس جاء طائر أبيض، فدخل في أكفانه، فكانوا يرون أنه علمه٣. قال الذهبي: وروى عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير نحوه، وزاد: فما رُئي بعد؛ يعني الطائر٤. وروى حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن بُجَيْر بن أبي عبيد قال:

стр. 151

مات ابن عباس بالطائف، فلما خرجوا بنعشه، جاء طير عظيم أبيض من قِبَلِ وَجٍّ حتى خالط أكفانه، ثم لم يروه، فكانوا يرون أنه علمه١. وروى الذهبي بسنده عن سالم الأفطس، عن سعيد قال: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائر لم يُرَ على خلقته، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجًا منه، فلما دفن، تليت هذه الآية على شفير القبر لا يُدرَى من تلاها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧] الآية٢. وقال الذهبي رواه بسام الصيرفي، عن عبد الله بن يامين، وسَمَّى الطائر: غُرْنوقًا٣. وروى فرات بن السائب، عن ميمون بن مهران: شهدت جنازة ابن عباس ... بنحو من حديث سالم الأفطس٤، قال الذهبي: فهذه قضية متواترة٥. قال علي بن المديني: تُوفي ابن عباس سنة ثمان أو سبع وستين. وقال الواقدي، والهيثم، وأبو نعيم: سنة ثمان. وقيل: عاش إحدى وسبعين سنة٦. - مروياته: قال الحافظ الذهبي في السير٧: ومسنده ألف وستمائة وستون حديثًا. وله من ذلك في "الصحيحين" خمسة وسبعون، وتفرد البخاري له بمائة وعشرين حديثًا، وتفرد مسلم بتسعة أحاديث.

стр. 152

٦- جابر بن عبد الله ١: - نسبه وأهم ملامحه: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، الإمام الكبير، المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله ﷺ أبو عبد الله، وأبو عبد الرحمن، الأنصاري الخزرجي السلمي المدني الفقيه. من أهل بيعة الرضوان، وكان آخر مَن شهد ليلة العقبة الثانية موتًا، وكان مفتي المدينة في زمانه، عاش بعد ابن عمر أعوامًا. شهد ليلة العقبة مع والده، وكان والده من النقباء البدريين، استشهد يوم أُحُد وأحياه الله تعالى وكلمه كِفَاحًا٢، وقد انكشف عنه قبره؛ إذ أجرى معاوية عينًا عند قبور شهداء أُحُد، فبادر جابر إلى أبيه بعد دهر، فوجده طريًّا لم يَبْلَ، وكان جابر قد أطاع أباه يوم أحد وقعد لأجل أخواته، ثم شهد الخندق وبيعة الشجرة. وشاخ وذهب بصره، وقارب التسعين. روى حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: استغفر لي رسول الله ﷺ ليلة البعير خمسًا وعشرين مرة٣.

стр. 153

قال يعلى بن عبيد: حدثنا أبو بكر المدني قال: كان جابر لا يبلغ إزاره كعبه، وعليه عمامة بيضاء، رأيته قد أرسلها من ورائه١. وقال عاصم بن عمر: أتانا جابر وعليه مُلاءتان -وقد عمي- مُصفِّرًا لحيته ورأسه بالوَرْس٢، وفي يده قدح٣. وقال الواقدي: أخبرنا سلمة بن وَرْدان: رأيت جابرًا أبيض الرأس واللحية رضي الله عنه٤. - شيوخه وتلاميذه: روى علمًا كثيرًا عن النبي ﷺ وعن عمر، وعلي، وأبي بكر، وأبي عبيدة، ومعاذ بن جبل، والزبير، وطائفة. وحدث عنه: ابن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وسالم بن أبي الجعد، والحسن البصري، والحسن بن محمد ابن الحنفية، وأبو جعفر الباقر، ومحمد بن المنكدر، وسعيد بن ميناء، وأبو الزبير، وأبو سفيان طلحة بن نافع، ومجاهد، والشعبي، وأبو المتوكل الناجي، ومحمد بن عباد بن جعفر، ومعاذ بن رفاعة، ورجاء بن حيوة، ومحارب بن دثار، وسليمان بن عتيق، وشرحبيل بن سعد، وطاوس، وعبيد الله بن مقسم، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وعمرو بن دينار، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وأبو بكر المدني، وطلحة بن خراش، وعثمان بن سراقة، وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، وعبد الله بن أبي قتادة وخلق. - مشاهده: قال الذهبي: قد رُوي أنه شهد بدرًا٥.

стр. 154

وروى أبو عوانة وغيره عن الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر قال: كنت أمنح لأصحابي الماء يوم بدر١. قال الذهبي: وقيل: إنه عاش أربعًا وتسعين سنة، فعلى هذا كان عمره يوم بدر ثماني عشرة سنة. قال الواقدي: أخبرنا إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، عن جابر قال: غزوت مع رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة، لم أقدر أن أغزو حتى قُتل أبي بأُحُد، كان يخلفني على أخواتي، وكن تسعًا، فكان أول ما غزوت معه حمراء الأسد٢. وروى الطبراني من طريق محمد بن عبد الله الحضري، حدثنا عمر بن الحسن، حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن ياسين الزيات، عن أبي الزبير، عن جابر قال: غزوت مع رسول الله ﷺ ثلاث عشرة غزوة٣. ورُوي عن جابر قال: كنت في جيش خالد في حصار دمشق٤. وقال ابن سعد: شهد جابر العقبة مع السبعين، وكان أصغرهم٥. وروى الشيخان عن جابر: قال لنا رسول الله يوم الحديبية: "أنتم اليوم خير أهل الأرض"، وكنا ألفًا وأربعمائة٦.

стр. 155

- رحلته في طلب الحديث: روى غير واحد من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله ﷺ فاشتريت بعيرًا، ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا، حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس ﵁ فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثًا بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الناس يوم القيامة- أو قال العباد- عراة غرلًا بُهْمًا"، قال: قلنا: وما بُهمًا؟ قال: "ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه مَن بَعُدَ -أحسبه قال- كما يسمعه مَن قرب: أنا الملك، أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة". قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله عراة غرلًا بُهمًا؟! قال: "بالحسنات والسيئات" ١. - وفاته: قال محمد بن عمر: حدثني خارجة بن الحارث قال: مات جابر بن عبد الله سنة ثمان وسبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنة. وكان قد ذهب بصره، ورأيت على سريره بُردًا، وصلى عليه أبان بن عثمان وهو والي المدينة٢. والصحيح والراجح وفاته سنة ثمان وسبعين، كما جاء في الرواية السابقة،

стр. 156

وكما قال الواقدي، ويحيى بن بكير، وطائفة، وقد قال أبو نعيم: سنة سبع وسبعين١. وكان ﵁ آخر مَن شهد العقبة موتًا٢. - مروياته: بلغ مسنده ألفًا وخمسمائة وأربعين حديثًا، اتفق له "الشيخان" على ثمانية وخمسين حديثًا، وانفرد له "البخاري" بستة وعشرين حديثًا، و"مسلم" بمائة وستة وعشرين حديثًا.

стр. 157

٧- أبو سعيد الخدري ١: هو: الإمام، المجاهد، الفقيه، المجتهد، مفتي المدينة، سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج. واسم الأبجر: خُدْرَة، وقيل: بل خدرة هي أم الأبجر٢. وأخو أبي سعيد لأمه هو قتادة بن النعمان الظفري أحد البدريين. قال عبد الله بن عمر عن وهب بن كيسان قال: رأيت سعيد الخدري يلبس الخز٣. - مشاهده: عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: عرضت يوم أُحُد على النبي ﷺ وأنا ابن ثلاث عشرة، فجعل أبي يأخذ بيدي ويقول: يا رسول الله! إنه عَبْل العظام. وجعل نبي الله يصعد فيَّ النظر ويصوبه، ثم قال: رده، فردني٤. وروى الطبراني من طريق زيد بن جارية قال: استصغر النبي ﷺ ناسًا يوم أحُد، منهم زيد بن جارية- يعني نفسه- والبراء بن عازب، وسعد بن خيثمة، أبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله٥. واستشهد أبوه مالك يوم أحد، وشهد أبو سعيد الخندق، وبيعة الرضوان.

стр. 158

- علمه: روى حنظلة بن أبي سفيان عن أشياخه: أنه لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله ﷺ أعلم من أبي سعيد الخدري١. حدث عن النبي ﷺ فأكثر وأطاب، وعن أبي بكر، وعمر، وطائفة، وكان أحد الفقهاء المجتهدين. حدث عنه: ابن عمر، وجابر، وأنس، وجماعة من أقرانه، وعامر بن سعد، وعمرو بن سليم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ونافع العمري، وبسر بن سعيد، وبشر بن حرب الندبي، وأبو الصديق الناجي، وأبو المتوكل الناجي، وأبو ندرة العبدي، وأبو صالح السمان، وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن خباب، وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وعبد الرحمن بن أبي نُعْم، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعطاء بن يزيد الليثي، وعطاء بن يسار، وأبو هارون العبدي، وعياض بن عبد الله، ومحمد بن علي الباقر، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وخلق كثير. روى الذهبي وغيره من طريق إسماعيل بن عياش: أنبأنا عقيل بن مدرك أن رجلًا أتى أبا سعيد فقال له: أوصني يا أبا سعيد. فقال له: سألتَ عما سألتُ من قبلك، قال: عليك بتقوى الله، فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنه روحك في أهل السماء وذكرك في أهل الأرض، وعليك بالصمت إلا في حق، فإنك تغلب الشيطان٢. روى الذهبي بسنده عن حماد بن زيد، عن المعلى بن زياد، عن العلاء بن بشير، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد قال: أتى علينا رسول الله ﷺ ونحن أناس من ضَعَفَة المسلمين ما أظن رسول الله يعرف أحدًا منهم، وأن بعضهم

стр. 159

ليتوارى من بعض العُرْي، فقال رسول الله بيده، فأدارها شبه الحلقة، قال: فاستدارت له الحلقة، فقال: "بِمَ كنتم تراجعون"؟ قالوا: هذا رجل يقرأ لنا القرآن، ويدعو لنا، قال: "فعودوا لما كنتم فيه"، ثم قال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم" ثم قال: "ليُبشَّر فقراء المؤمنين بالفوز يوم القيامة قبل الأغنياء بمقدار خمسمائة عام، هؤلاء في الجنة يتنعمون، وهؤلاء يُحاسبون" ١. وقال الذهبي: تابعه جعفر بن سليمان عن المعلى، أخرجه أبو داود٢ وحده. - وفاته: توفى -رحمه الله تعالى- سنة أربع وسبعين من الهجرة على الصحيح. - مروياته: بلغ مسند أبي سعيد الخدري ألفًا ومائة وسبعين حديثًا، في البخاري ومسلم ثلاثة وأربعون حديثًا، وانفرد البخاري بستة عشر حديثًا، وانفرد مسلم باثنين وخمسين حديثًا. وقال الواقدي: أخبرنا سلمة بن وردان: رأيت جابرًا أبيض الرأس واللحية رضي الله عنه٣.

стр. 160

الفصل التاسع: أسباب تفاوت الصحابة في رواية الحديث الشريف ... الفصل السابع: أسباب تفاوت الصحابة في رواية الحديث الشريف يرجع تفاوت الصحابة ﵃ في رواية الحديث إلى عدة أسباب؛ منها ما يلي: أحدها: طول الصحبة للنبي ﷺ وطول مدة ملازمته له، وكثرة مصاحبته في السفر والحضر. ثانيها: طول الأجل بعد وفاته كان مدعاة للإكثار من تحمل الحديث وروايته، ومَن مات في حياة النبي أقل رواية ممن مات بعده. ثالثها: الانشغال بأمور الخلافة والحروب؛ ولذلك نجد الخلفاء أقل رواية من كثيرين غيرهم، فالشواغل تعيق الكثرة تحملًا ورواية. رابعها: ظهور الحوادث المختلفة؛ حيث يحتاج الناس إلى بيان أحكامها؛ فحينئذ يظهر الحرص على طلب الحديث لمعرفة الأحكام الشرعية في هذه الحوادث وغيرها. خامسها: وقوع الفتنة وظهور الكذب في الرواية من أصحاب البدع الداعين إلى بدعتهم من شيعة وخوارج وغيرهم. سادسها: كثرة الأتباع وقلتهم ونشاطهم وخمولهم كان له الدور الكبير في كثرة الرواية وقلتها. سابعها: التفرغ للعبادة والانشغال بها. ثامنها: الحيطة من الرواية مخافة وقوع الخطأ أو التحريف، ولأن الكذب في الحديث يبوء بصاحبه إلى النار. تاسعها: التفاوت في الحفظ قوة وضعفًا. عاشرها: الاستعداد الفطري والموهبة. أحد عشر: ضعف الطريق إلى بعض الصحابة فيترك هذه الطريق؛ ولذلك لم يخرج أصحاب الصحيحين عن أبي عبيدة بن الجراح شيئًا١.

стр. 161

الفصل العاشر: دور أمهات المؤمنين في خدمة الحديث الشريف مدخل ... الفصل العاشر: دور أمهات المؤمنين في خدمة الحديث الشريف ١ من عهد النبوة والنساء شقائق الرجال في خدمة الدين ورواية الحديث الشريف، وقد بلغ عدد الصحابيات اللاتي روين الحديث في مسند الإمام أحمد "١٤١" صحابية، وإن كان بعضهن لم يروِ إلا حديثًا واحدًا. وقد كان لأمهات المؤمنين٢ خاصة ﵅ فضل عظيم في تبليغ الدين، ونشر السنة النبوية بين الناس وخاصة بين النساء، فكانت حجراتهن ﵅ مدارس يقصدها طلاب العلم، فيجد السائل عندهن جوابه والمستفتي فتواه، والشاك يقينه ... ومن نعمة الله تعالى على هذه الأمة أن تعددت هذه المدارس بتعدد زوجاته ﷺ حيث توفي ﷺ عن تسع نسوة أو إحدى عشرة كلهن سمعن منه وشاهدن تفاصيل حياته المعيشية والعبادية على تفاوت بينهن في الحفظ والرواية. ولقد كان لأمهات المؤمنين ﵅ مكانة جليلة لدى الصحابة -رضوان الله عليهم- والتابعين، كما كان الناس يستنكرون أن يسألهم أحد أو يستفتيهم في الأحوال الخاصة مع وجود أمهات المؤمنين٣.

стр. 162

دور أم المؤمنين عائشة ﵂ في رواية الحديث: الحديث عن عائشة ﵂ يأخذ أبعادًا شتى، في فضلها أو سَعَة علمها أو فقهما أو أدبها. - مناقبها ﵂: مناقب عائشة ﵂ كثيرة منثورة في كتب السنة، بفضلها ومكانتها، ولقد فتحت ﵂ عينيها في بيت قد نوَّره الله بنور الإسلام، فكانت تقول: "لم أعقل أبويَّ إلا وهما يدينان الدين"١. فنشأت في هذا البيت النقي العظيم البركات تحت رعاية أبيها أبي بكر ﵂ أحب رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم٢- وأول مَن ساند الدعوة الإسلامية، وأنفق من ماله ليشتد عود الإسلام. ثم انتقلت ﵂ إلى البيت النبوي وهي ما زالت صبية تلعب٣، فاستقبلها سيد الخلق ﷺ فأتم رعايتها وتوجيهها، فصلب عودها في بيت كان منزل الوحي، وكتب له فيما بعد أن يكون منارة من منارات العلم، وفوق هذا أحبها ﷺ حبًّا شديدًا كان يعلن به، وكثيرًا ما كانت تفخر بهذه المزية، وتعدها ضمن الخصال الكثيرة التي حباها الله تعالى بها دون سائر أمهات المؤمنين ﵅ جميعًا٤، ولو لم يكن لها ﵂ إلا هذه المنقبة لكفتها. فرسول الله ﷺ لا يحب إلا طيبًا. وكانت مظاهر حب النبي ﷺ لعائشة ﵂ بيِّنة عليه، وكان يعتبر إيذاء

стр. 163

عائشة ﵂ من إيذائه، معللًا ذلك بأن الوحي كان ينزل عليه في لحافها دون غيرها من نسائه، فقال ﷺ : "فإنه والله ما نزل عليه وهو في لحاف امرأة منكن غيرها" ١. وقد تعددت بذلك مناقبها وفضائلها، وقد جمع لها الزركشي في كتابه "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة" أربعين منقبة لها وحدها لم تشترك معها فيها امرأة من نساء النبي ﷺ . وهذه الأفضلية كان النبي ﷺ حريصًا على بيانها للناس؛ ليعرفوا قدرها فقال كما روى البخاري: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ٢. ويعلق الإمام الذهبي على هذا الحديث بقوله: "وقرائن تدل على أن هذه الأفضلية بأمر إلهي، وإن هذا من أسباب حبه ﷺ الشديد لها"٣. وقد أدرك الناس مكانة عائشة عند النبي -صلى الله عليه وسلم٤- وقبيح كل مَن ينال منها، كما صرح بذلك عمار بن ياسر وهو يرد على رجل نال من عائشة بقوله: "اغرب مقبوحًا، أتؤذي حبيبة رسول الله ﷺ ؟! "٥. - سعة علمها ﵂: لقد وهبها الله تعالى ذكاء وذاكرة قوية وحفظًا سريعًا، فقد نشأت في بيت أبي بكر ﵁ وعاشت في بيت النبوة، ونهلت من المعين النبوي الصافي، وعُرِفت

стр. 164

بالتطلع الواسع إلى الاستفادة من العلم والفَهْم، فكانت كثيرة السؤال والاستفسار، شديدة التمحيص والتنقيب، وقد شهد لها بذلك الأكابر، فعن أبي مليكة ﵁ قال: "إن عائشة كانت لا تسمع شيئًا إلا راجعت فيه حتى تعرفه"١. - علمها بالقرآن: لقد كانت ﵂ -وهي صبية تلعب- تسمع الآية من القرآن فتحفظها وتضبط مكان نزولها ووقت النزول؛ حيث تقول: لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] ، وما نزلت البقرة ولا النساء إلا وأنا عنده٢. ثم بعد أن انتقلت إلى البيت النبوي حضرت الكثير من نزول القرآن، وإن الوحي كان ينزل على النبي ﷺ في لحافها؛ لذلك وصفت أحواله حين نزول الوحي عليه٣، الأمر الذي جعلها تلتقط الآية من فم النبي ﷺ فتحفظها وتعي الأحكام والمقاصد٤، فجمعت إلى حفظ القرآن معرفة معانيه وتفسيره، فأصبحت من كبار المفسرين للقرآن الكريم، وساعدها على ذلك معرفتها باللغة العربية وأشعارها وآدابها٥، وكان لها مصحف خاص بها جمعت القرآن إلى تفسيره؛ ولذا كان بحجم المصحف ثلاث مرات٦. - علمها بالحديث ﵂: لقد كانت ﵂ من كبار المحدثين المتميزين، وحُفاظ السنة المتقنين الضابطين،

стр. 165

وقد امتازت عن غيرها من الصحابة أنها سمعت تلك الأحاديث مشافهة من النبي ﷺ وأنها انفردت برواية أحاديث لم يروها عنه غيرها لمكانتها عنده. ولذلك يرجع الفضل إليها في نقل السنة النبوية ونشرها بين الناس، ولو لم تنقلها لضاع قسم كبير منها، خاصة في الأمور التي تتعلق بتصرفات النبي ﷺ في بيته ومع أهله. وكان حفظها لحديث رسول الله ﷺ وإتقانه مرجعًا للصحابة فيما اختلفوا فيه من الأحاديث، فيجدون عندها الجواب الشافي الذي يحسم الخلاف ويرد الشك١، وقد كان أبو هريرة من عادته الجلوس إلى حجرة عائشة يُسمعها ما يحدث به الناس، ثم يقول: "يا صاحبة الحجرة، أتنكرين مما أقول شيئًا؟ "٢. وقد بلغت درجة عالية في التمكن من العلم حتى صارت مرجعًا لكبار الصحابة، و"صار معاوية في خلافته يكتب إليها سائلًا عن حكم، أو حديث، أو شيء من فعل النبي ﷺ ولا يطمئن إلى يقين مما يسمع من غيرها حتى يرد عليه جوابها فيبرد صدره"٣. - فقهها ﵂: إن عائشة ﵂ كانت فقيهة جدًّا حتى قيل: إن ربع الأحكام الشرعية منقول عنها٤، وجزم الإمام الزهري بأنها أفقه نساء الأمة على الإطلاق٥، وذكر ابن حزم أن فتواها يمكن أن تجمع في سِفْرٍ ضخم٦.

стр. 166

وأقوال العلماء المشهود لهم بالفضل والعلم في مكانة عائشة ﵂ العلمية تعكس إمامة عائشة ﵂ فيما ورثته من العلم النبوي، فقد كانت من القلة القليلة التي حظيت بهذا المركز المرموق، وكان يأتيها صحابة رسول الله ﷺ يسألونها عن عويص العلم ومشكله، فتجيبهم جوابًا مشبعًا بروح التروي والتحقيق، وقد شهد لها بهذا أبو موسى الأشعري إذ قال: "ما أُشكل علينا -أصحابَ محمد- أمر فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها فيه علم"١. وكانت بعد وفاة النبي ﷺ قد استقلت بالفتوى مدة خلافة أبي بكر وعمر إلى أن تُوفيت٢. - علمها بالطب والشعر وأخبار العرب: وكما كانت عائشة مرجعًا مهمًّا في الشئون الفقهية والتشريعية وكبيرة محدثات عصرها، كانت من أبرع الناس في الطب والشعر وأحاديث العرب وأنسابهم، قال ابن أختها عروة بن الزبير: "لقد صحبت عائشة فما رأيت أحدًا قط كان أعلم بآية نزلت، ولا بفريضة، ولا سنة، ولا بشعر، ولا أروى له، ولا بيوم من أيام العرب، ولا بنسب، ولا بكذا ولا كذا، ولا بقضاء، ولا طب منها، فقلت لها: يا خالة، الطب من أين تعلمتيه؟ فقالت: كنت أمرض فيُنعت لي الشيء، أو يمرض المريض فينعت له، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض فأحفظه"٣. كما امتازت بفصاحة اللسان، وبلاغة المقال، إذا خطبت ملكت على الناس مسامعهم، وإذا تكلمت أخذت بمجامع قلوبهم، فعن الأحنف بن قيس قال: سمعت خطبة أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والخلفاء هلم جرًّا إلى يومي هذا، فما سمعت الكلام من مخلوق أفخم ولا أحسن من فِي عائشة٤.

стр. 167

كما كان لأم المؤمنين دورها في حياة المسلمين في مختلف مجالات الحياة، ولم تكن بمنأى عن الأحداث التي مرت بالمسلمين خلال حياتها التي اقتربت من السبعين، وكانت لها مواقف مشهورة، وآثار معروفة في الأحداث السياسية والاجتماعية التي مرت بالمسلمين بعد مقتل سيدنا عثمان بن عفان، وقد سجلت كتب التاريخ كثيرًا من الأحداث التي تركت فيها أم المؤمنين لمسات بارزة١. - تلاميذها ﵂: لقد شاع علم السيدة عائشة ﵂ وانتشر فضلها، وفاقت غيرها في الفرائض والسنن والفقه. وروى عنها خلق كثير من طبقات مختلفة، وقد قضت حياتها -التي قاربت السبعين- تروي حديث رسول الله ﷺ وتفتي في الدين، فقد تزوجها النبي ﷺ وهي ابنة تسع، وتوفي عنها وهي ابنة ثماني عشرة سنة، فكانت من آخر أمهات المؤمنين وفاة ﵅ جميعًا- وقد استفاد الناس من ذلك كثيرًا، فتيسر لكبار الصحابة وصغارهم، وكبار التابعين وصغارهم، السماع منها والإفادة من علمها وفقهها. وقد روى عنها من الصحابة أبوها أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وأبو هريرة، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس، وربيعة بن الجرشي، والسائب بن يزيد، وعمرو بن العاص، وزيد بن خالد الجهني، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وصفية بنت شيبة، وغيرهم. وروى عنها من آل بيتها: عروة بن الزبير ابن أختها أسماء، والقاسم بن محمد بن أبي بكر ابن أخيها، وأختها أم كلثوم، وأخوها من الرضاعة عوف بن الحارث، وبنتا أختها عبد الرحمن: حفصة وأسماء، وابن أختها أسماء عبد الله

стр. 168

ابن الزبير، وحفيدا أسماء: عباد وحبيب ولدا عبد الله بن الزبير، وبنت أختها أم كلثوم عائشة بنت طلحة ... وغيرهم. ومن مواليها: ذكوان، وأبو يونس، وفروخ. ومن التابعين: مسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد النخعي، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والشعبي، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وعمرة بنت عبد الرحمن، ومعاذة العدوية، وخيرة أم الحسن البصري، وصفية بنت أبي عبيد، وعلقمة بن قيس، وابن أبي مليكة، وسليمان بن يسار، وخلق سواهم. - مروياتها ﵂: روت أم المؤمنين عائشة عن النبي ﷺ الكثير الطيب، وحديثها منثور في كتب الحديث المختلفة، ولتتضح مرتبتها بين المكثرين في الرواية نورد هنا عدد مرويات كل واحد من المكثرين مرتبين حسب الكثرة١: ١- أبو هريرة: رُوي له عن النبي ﷺ خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا٢. ٢- عبد الله بن عمر: ألفان وستمائة وثلاثون حديثًا "٢٦٣٠". ٣- أنس بن مالك: ألفان ومائتان وستة وثمانون حديثًا "٢٢٨٦". ٤- عائشة: ألفان ومائتان وعشرة أحاديث "٢٢١٠". ٥- عبد الله بن عباس: ألف وستمائة وستون حديثًا "١٦٦٠".

стр. 169

٦- جابر بن عبد الله: ألف وخمسمائة وأربعون حديثًا "١٥٤٠". ٧- أبو سعيد الخدري: ألف ومائة وسبعون حديثًا "١١٧٠". فإذا كانت عائشة ﵂ تروي "٢٢١٠"١ حديثًا، فهل تحتل الدرجة الرابعة باعتبار كثرة الرواية عامة٢، أما باعتبار الكثرة في الكتب الستة فتحتل الدرجة الثانية بعد أبي هريرة مباشرة؛ إذ له في الكتب الستة ثلاثة آلاف وثلاثمائة وسبعون حديثًا "٣٣٧٠"، ورُوي لعائشة في الكتب الستة ألفا حديث وواحد وثمانون حديثًا "٢٠٨١"٢. - واتفق لها البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثًا "١٧٤". - وانفرد البخاري بأربعة وخمسين حديثًا "٥٤". - وانفرد مسلم بتسعة وستين حديثًا "٦٩"٣. وبهذا يصبح مجموع حديثها عند الشيخين مجتمعًا ومنفردًا "٢٩٧"٤. - محتوى مروياتها: المتفحص لكتب الحديث المختلفة -كالصحاح، والمسانيد، والسنن، والجوامع- يلحظ كثرة روايتها وتنوعها، وأن مروياتها طرقت معظم أبواب الأحكام، وإن غلب على مروياتها طابع الأفعال على الأقوال، ولا سيما ما يتعلق بأعمال رسول الله ﷺ البيتية والمعيشية، كما تميزت عائشة ﵂ في مروياتها بنقل أحكام النساء الخاصة بهن، ولم يضارعها في ذلك أحد. إن مروياتها تناولت أحاديث تتعلق بأبواب الإيمان والوحي والعلم والقراءة

стр. 170

التفسير، وآداب قضاء الحاجة، والوضوء والغسل في يوم الجمعة، وفي الجنابة، وبمسائل في الحيض والاستحاضة، وما يتعلق بجواز مباشرة الرجل الحائض، وقد برعت وفاقت غيرها في هذا المجال ... وكذا أحاديث في التيمم، تتعلق بسبب نزول آية التيمم -وهي صاحبة القصة- وكذا حوت مروياتها أبوابًا في الصلاة تتعلق بالأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وبكيفية فريضة الصلوات، وأحاديث في الأذان، وما كان لرسول الله ﷺ من المؤذنين، وأحاديث تتعلق بأحكام الصلاة، وما ورد من الأذكار والأدعية خلالها وفي دبرها، وبالإمامة، وفضل الجماعة، وأحاديث في المساجد وآدابها وفضلها، وحضور النساء المساجد، وأحاديث بخصوص صلاة العيدين، والخسوف والكسوف، وما يتعلق بالسنن الراتبة والنوافل وقيام الليل، وصلاة التراويح، وما ورد في الوتر، وصلاة الجنازة وما يتعلق بها من ثياب الكفن، وأحاديث في إثبات عذاب القبر، والتحذير من اتخاذ القبور مساجد، وغير ذلك مما يتعلق بالقبور وأهلها. كما تناولت مروياتها أحاديث كثيرة في الصدقة وأجرها، وإنفاق المرأة من مال زوجها بغير إذنه، وكذا اشتملت على أحاديث كثيرة في الصوم تتعلق بمسائل شتى في تحري هلال شعبان لمعرفة هلال رمضان، وفي السحور، وفي الصائم الذي يصبح وهو جنب، وتقبيل الصائم، وأحاديث في صيام التطوع، وأخرى في الاعتكاف، وفي تحري ليلة القدر، وفي قضاء الصيام، وفي النهي عن الوصال في الصوم، وأيضًا روايات كثيرة جدًّا في الحج تتعلق بالتلبية وأنواع الحج الثلاثة، واستعمال الطيب قبل الدخول في الإحرام وقبل طواف الإفاضة وبعد التحلل الأصغر، وبفتل القلائد للهدي، وبعدد عُمَرِ النبي ﷺ وعمرة عائشة نفسها من التنعيم ونزول المحصب، وما يتعلق ببناء الكعبة وفضلها. وكذا روايات في الأضاحي وفي الذبائح وبعض ما يتعلق بهما نحو العقيقة، كما أن لها مرويات في

стр. 171

البيوع وما يتعلق بها، وفي العتق، والمكاتبة. وتشتمل على أحاديث في باب اللباس، والأطعمة، والأشربة، والطب فيما يتعلق بعلاج المريض والدواء وبالرقية والدعاء، وبأحاديث في النذور والشهادات، وأيضًا أحاديث تتعلق بالجهاد، والمغازي، والإمارة. كما تتضمن مروياتها مجموعة من الأحاديث تدور حول النكاح وحسن المعاشرة بين الزوجين، والطلاق وما يتعلق به، وروايات في أبواب الحدود، وأبواب المناقب والسير، وجملة كبيرة من الأحاديث في الآداب المعيشية، وفي البر والصلة، كما روت أحاديث في الزهد والرقاق، وأحاديث في الفتن، وأشراط الساعة، والقدر، وما يتعلق بالقيامة، وأحاديث في الاستغفار، والدعاء، والتوبة. - مكثرو الرواية عن عائشة ﵂ ورواياتهم عنها في الكتب الستة: نبغ كثير من تلاميذ عائشة ﵂ وأصبحوا بدورهم مثابة لطلاب العلم يضرب الناس إليهم أكباد الإبل ابتغاء ما ورثوه من علم عائشة، فتلاميذها أوعية حافظة لعلمها، نذكر هنا ستة، هم أكثر الرواة المكثرين عنها ﵂: ١- عروة بن الزبير: ابن العوام بن خويلد الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه، مشهور من الثانية مات سنة ٩٤هـ على الصحيح، مولده في أوائل خلافة عمر الفاروق، وهو أكثر رواية عن خالته عائشة ﵂ حتى روى عنها وحده "١٠٥٠" حديثًا من مجموع أحاديثها البالغ عددها "١٩٩٩"، وهو نصف مسندها١. قال عنه الزهري: "كان عروة بحرًا لا ينزف ولا تكدره الدلاء"٢، وقد كان شديد الملازمة لخالته عائشة، كثير السؤال، مما كان يثير غبطة طلاب العلم من كثرة دخوله عليها؛ فأصبح مرجعًا لعلمها.

стр. 172

٢- القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق١: التيمي أبو عبد الرحمن، ثقة، أحد الفقهاء بالمدينة، ومن كبار الثالثة، مات سنة "١٠٦هـ" على الصحيح، قُتل أبوه محمد سنة "٣٨هـ" في مصر لما قدم أميرًا عليها من قبل علي بن أبي طالب، فبقي القاسم يتيمًا في حجر عمته عائشة ﵂. وكان يلازمها مع ما عرف به من النباهة، وهو حديث السن مما يسر له استيعاب ما تسمعه آذانه وإدراك ما يحفظه من حديث رسول الله ﷺ أو فتاوى من عائشة وغيرها، وله "١٣٧" حديثًا يرويها عنها في الكتب الستة فقط. ٣- الأسود بن يزيد النخعي٢: الكوفي أبو عمرو، الثقة، العابد، من الثانية، روى الأسود عن عائشة "١١٧" حديثًا في الكتب الستة فقط. ٤- عمرة بنت عبد الرحمن٣: ابن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، وكانت في حجر عائشة، مدنية تابعية ثقة ثبت حجة، قال ابن حبان: "كانت من أعلم الناس بحديث عائشة"، وقال ابن سعد: "كانت عالمة"، وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم أن يكتب له أحاديث عمرة ... كما شهد لها الزهري بقوله: "فأتيتها -أي عَمْرَة- فوجدتها بحرًا لا ينزف". ولها في الكتب الستة "٧٢" حديثًا ترويها عن عائشة ﵂. - أصح الأسانيد عن عائشة: من ذلك: ١- هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة٤.

стр. 173

٢- يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمرو بن حفص العمري، عن القاسم، عن عائشة ﵂ قال ابن معين: ترجمة مشبكة الذهب١. ٣ عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قال ابن معين: "ليس إسناد أثبت من هذا"٢. ٤- أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة٣. ٥- الزهري، عن عروة، عن عائشة٤. فمن خلال هذا الغرض الموجز جدًّا في حق أكبر المحدثات عبر العصور، أم المؤمنين عائشة ﵂ ندرك الجهود الكبيرة التي قدمتها للأمة الإسلامية، فكانت وما زالت ﵂ قدوة النساء والرجال في العلم والفقه والزهد وسائر أعمال المعروف.

стр. 174

دور أم المؤمنين أم سلمة ﵂ في رواية الحديث: - ترجمتها وفضلها: هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية، أبوها أحد أبناء قريش المعدودين، وأجوادهم المشهورين، وكان يُدعَى بـ"زاد الراكب"١. كانت قبل النبي ﷺ عند أبي سلمة، عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، الصحابي ذو الهجرتين، ابن عمة المصطفى ﷺ برَّة بنت عبد المطلب، وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب، وكانت وزوجها من السابقين الأولين، وهاجرا مع العشرة الأولين إلى الحبشة، حيث وُلد ابنهما "سلمة". ثم هاجر إلى المدينة بعد قدومهما مكة بعد بيعة العقبة٢، فكانت أم سلمة ﵂ بهذا أول ظعينة دخلت المدينة، وفي المدينة عكفت ﵂ على تربية صغارها، وعكف زوجها على الجهاد، فشهد بدرًا وأحدًا وأبلى فيها بلاء مشهودًا، ورُمي في عضده، ثم انتكأ هذا الجرح فظل به حتى مات سنة أربع للهجرة "٤هـ"، وكان من دعاء أبي سلمة: "اللهم اخلفني في أهلي بخير"، فأخلفه رسول الله ﷺ على زوجته أم سلمة، فصارت أمًّا للمؤمنين، وعلى بنيه: سلمة، وعمر، وزينب، فصاروا ربائب في حجره المبارك ﷺ وذلك سنة أربع للهجرة "٤هـ". وكانت أم سلمة ﵄ آخر مَن مات من أمهات المؤمنين، عمرت حتى بلغها قتل الحسين، لم تلبث بعده إلا يسيرًا، وانتقلت إلى الله تعالى سنة "٦٢هـ"، وكانت قد عاشت نحوًا من تسعين سنة٣.

стр. 175

وأما منزلتها في قوة البلاغة، ورجاحة العقل، وحصافة الرأي، ودقة الفهم، فقريبة من منزلة السيدة عائشة ﵄، وقد أشارت على النبي ﷺ يوم الحديبية بما يدل على ذلك؛ حيث أشارت عليه بأن يتقدم الناس بنحر الهدي والحلق لما امتنعوا أن ينحروا ويحلقوا ليحلوا من الإحرام، فلما فعل ذلك قام الناس فنحروا وحلقوا١. كما كانت تُعد من فقهاء الصحابة ممن كان يفتي؛ إذ عدها ابن حزم ضمن الدرجة الثانية التي تشمل متوسطي الفتوى بين الصحابة ﵃ حيث قال: "المتوسطون فيما روى عنهم من الفتوى: عثمان، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وأنس، وأم سلمة ... " إلى أن عدهم ثلاثة عشر، ثم قال: "ويمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير"٢. - مروياتها ﵂ وتلاميذها: روت أم المؤمنين أم سلمة ﵂ الكثير الطيب؛ حيث تعد ثاني راوية للحديث بعد أم المؤمنين عائشة ﵂ إذ لها جملة أحاديث قدرت حسب كتاب بقي بن مخلد ثلاثمائة وثمانية وسبعين حديثًا "٣٧٨". اتفق لها البخاري ومسلم على ثلاثة عشر حديثًا، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بثلاثة عشر٣. ومجموع مروياتها حسب ما ورد في تحفة الأشراف مائة وثمانية وخمسون حديثًا "١٥٨"٤.

стр. 176

- محتوى مروياتها ﵂: كان وجود أم المؤمنين أم سلمة، وأم المؤمنين عائشة ﵄ خاصة بين الصحابة، وتأخر وفاتهما بعد النبي ﷺ من العوامل المهمة التي جعلت الناس يقصدونهما خاصة للسؤال والفتيا، وبعد وفاة أم المؤمنين عائشة ﵂ سنة "٥٨هـ"، تربعت أم سلمة ﵂ على باب الرواية؛ لكونها آخر مَن تبقى من أمهات المؤمنين، الأمر الذي جعل مروياتها كثيرة؛ إذ جمعت بين الأحكام والتفسير والآداب والأدعية والفتن ... إلخ. ففي أبواب الطهارة روت في: غسل الجنابة، وغسل الرجل مع زوجه، وكيفية اغتسال النساء، وفي دخول الحائض والجنب المسجد، والنوم مع الحائض في لحاف واحد، والاستحاضة، وفي ذيول النساء وما يطهرها ... وغيرها. وفي أبواب الصلاة وما تعلق بها من أحكام روت في: الركعتين بعد العصر، وهي صاحبة هذه الرواية، وقد أخذتها عنها عائشة وغيرها، كما روت في قراءة النبي ﷺ وكيفية صلاته، ووتره ونوافله، وروت في الدعاء دبر الصلاة، كما روت في عدم قضاء الحائض الصلاة، وصلاة النبي ﷺ جالسًا، والمرأة تصلي في درع وخمار ليس لها إزار إذا لم تظهر قدماها، وفي القنوت ... وفي الزكاة روت في: الإنفاق على الأولاد والزوج، وفي فضل الصدقة، في زكاة الحلي. وفي أبواب الصوم روت في: الجنب يدركه الفجر، وفي القُبْلة للصائم، وفي فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وفي الصوم في ذي الحجة. كما روت في أبواب الحج: في حج النساء، وفي ما بين بيت النبي ﷺ ومنبره، وفيمن أهلَّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى، وفي طواف الخروج. وروت أيضًا في الجنائز: في الدعاء للميت، والدعاء عند المصيبة، والنهي عن اكتحال الحادَّة.

стр. 177

وروت في الأدب، وفي ستر العورة، وفي رفع الرأس إلى السماء عند الخروج من البيت، والمرأة ترخي من إزارها ذراعًا، وروت في الأشربة، والنهي عن عجم النوى طبخًا، وخلط النبيذ بالتمر، وفي النكاح، روت زواجها، وفي الإحداد والرضاع. كما روت في المغازي، والمظالم والفتن، في الجيش الذي يخسف به، وفي المهدي، وروت في المناقب في ذكر علي وذكر عمار. فهذا الكم من المرويات وغيرها -كما نلاحظ- تغلب عليه الصفة العلمية مع وجود مرويات في غير ذلك، في الأقوال النبوية وفي الأدعية، مما يعطي أم المؤمنين أم سلمة ﵂ شهادة أيضًا على حفظها واهتمامها بما يصدر عن النبي ﷺ وروايته للناس. وقد نقل عنها مروياتها جيل من التلاميذ رجالًا ونساء، من مختلف الأقطار؛ حيث روى عنها ﵂ خلق كثير: - فمن الصحابة: أم المؤمنين عائشة، وأبو سعيد الخدري، وعمر بن أبي سلمة، وأنس بن مالك، وبُرَيْدة بن الحصيب الأسلمي، وسليمان بن بريدة، وأبو رافع، وابن عباس. - ومن التابعين: أشهرهم: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وشقيق بن سلمة، وعبد الله بن أبي مليكة، وعامر الشعبي، والأسود بن يزيد، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وشهر بن حوشب، ونافع بن جبير بن مطعم ... وآخرون. - ومن النساء: ابنتها زينب، وهند بنت الحارث، وصفية بنت شيبة، وصفية بنت أبي عبيد، وأم ولد إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وعمرة بنت عبد الرحمن، وحكيمة، ورميثة، وأم محمد بن قيس. - ومن نساء أهل الكوفة: عمرة بنت أفعى، وجسرة بنت دجاجة، وأم مساور الحميري، وأم موسى "سُرِّيَّة علي"، وجدة ابن جدعان، وأم مبشر١.

стр. 178

دور أم المؤمنين ميمونة ﵂ في رواية الحديث: بعد أم المؤمنين أم سلمة التي تحتل المرتبة الثانية من حيث كثرة الرواية بين كل الروايات عمومًا وبين أمهات المؤمنين خصوصًا، تأتي أم المؤمنين ميمونة، وأم المؤمنين أم حبيبة، وأم المؤمنين حفصة، في الدرجة الثالثة، وقد صنفهن بقي بن مخلد في أصحاب العشرات بهذا الترتيب١. - ترجمتها وفضلها ﵂: هي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن روبية بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية٢، وهي أخت أم الفضل زوجة العباس، وخالة خالد بن الوليد وابن عباس. تزوجها أولًا مسعود بن عمر الثقفي قبيل الإسلام، ففارقها، وتزوجها أبو رهم بن عبد العزى فمات عنها، فتزوجها النبي ﷺ في وقت فراغه من عمرة القضاء سنة "٧هـ" في ذي القعدة، وبَنَى بها بسَرِف٣. كانت ميمونة ﵂ من سادات النساء، وخير شهادة على ذلك ما ذكرته عنها ضرتها عائشة لابن أختها يزيد بن الأصم، وقد أقبلت تلومه في أمر؛ حيث يقول: ".... ثم وعظتني موعظة بليغة، ثم قالت: أما علمت أن الله ساقك حتى جعلك في بيت نبيه، ذهبت والله ميمونة، ورمَى بحبلك على غاربك، أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم"٤.

стр. 179

وفي هذا الخبر ما يفيد أن ميمونة ماتت قبل عائشة، فقد ذكر خليفة بن خياط موتها سنة "٥١هـ"١. وقد دفنت في الظلة التي بَنَى فيها رسول الله ﷺ بسرف٢. - تلاميذها ومروياتها ﵂: روت أم المؤمنين ميمونة ستة وسبعين حديثًا "٧٦"٣، وبالتالي تأتي مباشرة بعد أم المؤمنين أم سلمة في الترتيب حسب كثرة الرواية، وعدد أحاديثها في الكتب الستة واحد وثلاثون حديثًا "٣١"٤، ورُوي لها في الصحيحين سبعة أحاديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بخمسة أحاديث٥. وقد روى عنها: ابن عباس ابن أختها، وابن أختها الثاني عبد الله بن شداد بن الهاد، وابن اختها الثالث عبد الرحمن بن السائب، وابن أختها الرابع يزيد بن الأصم، وعبيد بن السباق، وكريب مولى ابن عباس -وكان يدخل على أمهات المؤمنين- ومولاها سليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وعمران بن حذيفة، ومولاتها ندبة، والعالية بنت سُبَيْع، وأم منبوذ. - محتوى مروياتها: يلاحظ أن مروياتها توزعت على هؤلاء الرواة السابق ذكرهم، وأغلبهم من محارمها وفيهم الحبر ابن عباس، إضافة إلى أن مروياتها غلبت عليها الصفة العملية؛ أي: أنها تصف فعل النبي ﷺ في بيته ومع أهله. فقد رُوي عنها في أبواب الطهارة: في كيفية الغسل من الجنابة، وفي

стр. 180

وضوء النبي ﷺ بفضل غسل نسائه، ومباشرة الحائض وهي مؤتزرة، وقراءة القرآن في حجر الحائض، والصلاة بعد الأكل بدون وضوء، وهي كلها أفعال نبوية. وفي أبواب الصلاة: رُوي عنها في فضل الصلاة في مسجد النبي ﷺ وفي سجود النبي ﷺ ... ، وفي الجنائز: في الميت يصلي عليه أمة من الناس ... ، وروت في الصيام: في صيام النبي ﷺ في عرفة. ورُوي عنها في الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة، وفي رقية النبي ﷺ كما رُوي عنها في العتق، ولعل أبرز حكم ارتبط باسم ميمونة ﵂ هو تزويج المحرم، فقد تضاربت الروايات في قصة تزويج النبي ﷺ ميمونة، هل كان حلالًا أم محرما؟ وقد عاشت أم المؤمنين ميمونة في البيت النبوي ثلاث سنوات، وبقيت بعده إلى سنة "٥١هـ"، فثلاث سنوات وإن كانت مدة قصيرة إلا أنها سمحت لها بأن تنقل عنه ﷺ مجموعة لا بأس بها من الأحاديث -كما رأينا- ساهمت في إعطاء نظرة مفصلة عن حياته ﷺ في بيته، وكفى بها شرفًا أن قصة زواجها منه ﷺ فرع من الفروع المهمة في الفقه الإسلامي، الذي كثرت حوله الآراء. ومما ساعد على كثرة مروياتها -مقارنة بغيرها من أمهات المؤمنين، رغم كونها آخر مَن تزوجها النبي ﷺ من نسائه- أمران؛ هما: - تأخر وفاتها ﵂ "٥١هـ". - كون أحد المكثرين من الرواية من محارمها وهو ابن عباس، ولا شك أن هذا يسهل عليه الدخول عليها وسؤالها في القضايا المختلفة؛ إذ إن أمهات المؤمنين كانت لهن حرمة خاصة.
следующие страницы →