← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9983

منهاج المحدثين في القرن الأول الهجري وحتى عصرنا الحاضر

على عبد الباسط مزيد

Полный текст (470 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

- محتوى مروياتها ﵂: كان وجود أم المؤمنين أم سلمة، وأم المؤمنين عائشة ﵄ خاصة بين الصحابة، وتأخر وفاتهما بعد النبي ﷺ من العوامل المهمة التي جعلت الناس يقصدونهما خاصة للسؤال والفتيا، وبعد وفاة أم المؤمنين عائشة ﵂ سنة "٥٨هـ"، تربعت أم سلمة ﵂ على باب الرواية؛ لكونها آخر مَن تبقى من أمهات المؤمنين، الأمر الذي جعل مروياتها كثيرة؛ إذ جمعت بين الأحكام والتفسير والآداب والأدعية والفتن ... إلخ. ففي أبواب الطهارة روت في: غسل الجنابة، وغسل الرجل مع زوجه، وكيفية اغتسال النساء، وفي دخول الحائض والجنب المسجد، والنوم مع الحائض في لحاف واحد، والاستحاضة، وفي ذيول النساء وما يطهرها ... وغيرها. وفي أبواب الصلاة وما تعلق بها من أحكام روت في: الركعتين بعد العصر، وهي صاحبة هذه الرواية، وقد أخذتها عنها عائشة وغيرها، كما روت في قراءة النبي ﷺ وكيفية صلاته، ووتره ونوافله، وروت في الدعاء دبر الصلاة، كما روت في عدم قضاء الحائض الصلاة، وصلاة النبي ﷺ جالسًا، والمرأة تصلي في درع وخمار ليس لها إزار إذا لم تظهر قدماها، وفي القنوت ... وفي الزكاة روت في: الإنفاق على الأولاد والزوج، وفي فضل الصدقة، في زكاة الحلي. وفي أبواب الصوم روت في: الجنب يدركه الفجر، وفي القُبْلة للصائم، وفي فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وفي الصوم في ذي الحجة. كما روت في أبواب الحج: في حج النساء، وفي ما بين بيت النبي ﷺ ومنبره، وفيمن أهلَّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى، وفي طواف الخروج. وروت أيضًا في الجنائز: في الدعاء للميت، والدعاء عند المصيبة، والنهي عن اكتحال الحادَّة.

стр. 177

وروت في الأدب، وفي ستر العورة، وفي رفع الرأس إلى السماء عند الخروج من البيت، والمرأة ترخي من إزارها ذراعًا، وروت في الأشربة، والنهي عن عجم النوى طبخًا، وخلط النبيذ بالتمر، وفي النكاح، روت زواجها، وفي الإحداد والرضاع. كما روت في المغازي، والمظالم والفتن، في الجيش الذي يخسف به، وفي المهدي، وروت في المناقب في ذكر علي وذكر عمار. فهذا الكم من المرويات وغيرها -كما نلاحظ- تغلب عليه الصفة العلمية مع وجود مرويات في غير ذلك، في الأقوال النبوية وفي الأدعية، مما يعطي أم المؤمنين أم سلمة ﵂ شهادة أيضًا على حفظها واهتمامها بما يصدر عن النبي ﷺ وروايته للناس. وقد نقل عنها مروياتها جيل من التلاميذ رجالًا ونساء، من مختلف الأقطار؛ حيث روى عنها ﵂ خلق كثير: - فمن الصحابة: أم المؤمنين عائشة، وأبو سعيد الخدري، وعمر بن أبي سلمة، وأنس بن مالك، وبُرَيْدة بن الحصيب الأسلمي، وسليمان بن بريدة، وأبو رافع، وابن عباس. - ومن التابعين: أشهرهم: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وشقيق بن سلمة، وعبد الله بن أبي مليكة، وعامر الشعبي، والأسود بن يزيد، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وشهر بن حوشب، ونافع بن جبير بن مطعم ... وآخرون. - ومن النساء: ابنتها زينب، وهند بنت الحارث، وصفية بنت شيبة، وصفية بنت أبي عبيد، وأم ولد إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وعمرة بنت عبد الرحمن، وحكيمة، ورميثة، وأم محمد بن قيس. - ومن نساء أهل الكوفة: عمرة بنت أفعى، وجسرة بنت دجاجة، وأم مساور الحميري، وأم موسى "سُرِّيَّة علي"، وجدة ابن جدعان، وأم مبشر١.

стр. 178

دور أم المؤمنين ميمونة ﵂ في رواية الحديث: بعد أم المؤمنين أم سلمة التي تحتل المرتبة الثانية من حيث كثرة الرواية بين كل الروايات عمومًا وبين أمهات المؤمنين خصوصًا، تأتي أم المؤمنين ميمونة، وأم المؤمنين أم حبيبة، وأم المؤمنين حفصة، في الدرجة الثالثة، وقد صنفهن بقي بن مخلد في أصحاب العشرات بهذا الترتيب١. - ترجمتها وفضلها ﵂: هي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن روبية بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية٢، وهي أخت أم الفضل زوجة العباس، وخالة خالد بن الوليد وابن عباس. تزوجها أولًا مسعود بن عمر الثقفي قبيل الإسلام، ففارقها، وتزوجها أبو رهم بن عبد العزى فمات عنها، فتزوجها النبي ﷺ في وقت فراغه من عمرة القضاء سنة "٧هـ" في ذي القعدة، وبَنَى بها بسَرِف٣. كانت ميمونة ﵂ من سادات النساء، وخير شهادة على ذلك ما ذكرته عنها ضرتها عائشة لابن أختها يزيد بن الأصم، وقد أقبلت تلومه في أمر؛ حيث يقول: ".... ثم وعظتني موعظة بليغة، ثم قالت: أما علمت أن الله ساقك حتى جعلك في بيت نبيه، ذهبت والله ميمونة، ورمَى بحبلك على غاربك، أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم"٤.

стр. 179

وفي هذا الخبر ما يفيد أن ميمونة ماتت قبل عائشة، فقد ذكر خليفة بن خياط موتها سنة "٥١هـ"١. وقد دفنت في الظلة التي بَنَى فيها رسول الله ﷺ بسرف٢. - تلاميذها ومروياتها ﵂: روت أم المؤمنين ميمونة ستة وسبعين حديثًا "٧٦"٣، وبالتالي تأتي مباشرة بعد أم المؤمنين أم سلمة في الترتيب حسب كثرة الرواية، وعدد أحاديثها في الكتب الستة واحد وثلاثون حديثًا "٣١"٤، ورُوي لها في الصحيحين سبعة أحاديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بخمسة أحاديث٥. وقد روى عنها: ابن عباس ابن أختها، وابن أختها الثاني عبد الله بن شداد بن الهاد، وابن اختها الثالث عبد الرحمن بن السائب، وابن أختها الرابع يزيد بن الأصم، وعبيد بن السباق، وكريب مولى ابن عباس -وكان يدخل على أمهات المؤمنين- ومولاها سليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وعمران بن حذيفة، ومولاتها ندبة، والعالية بنت سُبَيْع، وأم منبوذ. - محتوى مروياتها: يلاحظ أن مروياتها توزعت على هؤلاء الرواة السابق ذكرهم، وأغلبهم من محارمها وفيهم الحبر ابن عباس، إضافة إلى أن مروياتها غلبت عليها الصفة العملية؛ أي: أنها تصف فعل النبي ﷺ في بيته ومع أهله. فقد رُوي عنها في أبواب الطهارة: في كيفية الغسل من الجنابة، وفي

стр. 180

وضوء النبي ﷺ بفضل غسل نسائه، ومباشرة الحائض وهي مؤتزرة، وقراءة القرآن في حجر الحائض، والصلاة بعد الأكل بدون وضوء، وهي كلها أفعال نبوية. وفي أبواب الصلاة: رُوي عنها في فضل الصلاة في مسجد النبي ﷺ وفي سجود النبي ﷺ ... ، وفي الجنائز: في الميت يصلي عليه أمة من الناس ... ، وروت في الصيام: في صيام النبي ﷺ في عرفة. ورُوي عنها في الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة، وفي رقية النبي ﷺ كما رُوي عنها في العتق، ولعل أبرز حكم ارتبط باسم ميمونة ﵂ هو تزويج المحرم، فقد تضاربت الروايات في قصة تزويج النبي ﷺ ميمونة، هل كان حلالًا أم محرما؟ وقد عاشت أم المؤمنين ميمونة في البيت النبوي ثلاث سنوات، وبقيت بعده إلى سنة "٥١هـ"، فثلاث سنوات وإن كانت مدة قصيرة إلا أنها سمحت لها بأن تنقل عنه ﷺ مجموعة لا بأس بها من الأحاديث -كما رأينا- ساهمت في إعطاء نظرة مفصلة عن حياته ﷺ في بيته، وكفى بها شرفًا أن قصة زواجها منه ﷺ فرع من الفروع المهمة في الفقه الإسلامي، الذي كثرت حوله الآراء. ومما ساعد على كثرة مروياتها -مقارنة بغيرها من أمهات المؤمنين، رغم كونها آخر مَن تزوجها النبي ﷺ من نسائه- أمران؛ هما: - تأخر وفاتها ﵂ "٥١هـ". - كون أحد المكثرين من الرواية من محارمها وهو ابن عباس، ولا شك أن هذا يسهل عليه الدخول عليها وسؤالها في القضايا المختلفة؛ إذ إن أمهات المؤمنين كانت لهن حرمة خاصة.

стр. 181

دور أم المؤمنين حبيبة ﵂ ... دور أم المؤمنين أم حبيبة ﵂: - ترجمتها وفضلها: هي بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي١، وهي من بنات عم الرسول ﷺ ليس في أزواجه مَن هي أقرب نسبًا إليه منها، كانت قبل رسول الله ﷺ عند عبيد الله بن جحش، وهاجر بها إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم تنصر هناك ومات على النصرانية، وبقيت أم حبيبة ﵂ على دينها، فأرسل النبي ﷺ مَن يخطبها له بالحبشة سنة ست للهجرة، فتزوجها ﷺ زوجها إياه النجاشي٢، ومهرها أربعة آلاف، وبعث بها مع شرحبيل ابن حسنة، وجهازها كله من عند النجاشي، فلا يوجد في نسائه ﷺ من هي أكثر صداقًا منها، ولا من تزوج بها وهي نائية الدار أبعد منها، فلما بلغ أبا سفيان نكاح النبي ﷺ ابنته قال: "ذاك الفحل لا يُقرع أنفه"٣. تُوفيت أم حبيبة ﵂ سنة أربع وأربعين للهجرة٤، وكانت ولدت قبل البعثة بسبعة عشر عامًا، وقبيل موتها دعت عائشة ﵂ فقالت: "قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فغفر الله لي ولكِ ما كان من ذلك". فقالت عائشة: "غفر الله لكِ ذلك كله وحللت من ذلك"، فقالت: سررتني سرك الله. وأرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك٥.

стр. 182

- مروياتها وتلاميذها ﵂: روت أم المؤمنين أم حبيبة ﵂ عن النبي ﷺ عدة أحاديث، عدها بقي بن مخلد فوجدها خمسة وستين حديثًا١، ولها في مجموع الكتب الستة تسعة وعشرون حديثًا٢، اتفق لها البخاري ومسلم على حديثين٣. روى عنها: أخواها معاوية وعنبسة، وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، وعروة بن الزبير، وشتير بن شكل، وشهر بن حوشب، وأبو سفيان بن سعيد بن الأخنش وهي خالته، وأبو صالح ذكوان السمان، وصفية بنت شيبة، وزينب بنت أبي سلمة. - محتوى مروياتها: حديثها ﵂ مشهور في تحريم الربيبة وأخت المرأة٤، وأيضًا حديثها في فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن مشهور، وقد رواه عنها معظم التلاميذ الذين ذكرناهم. كما حوت مروياتها أحاديث في وجوب الإحداد للمرأة المتوفَّى عنها زوجها، وعدم جوازه لغير الزوج فوق ثلاثة أيام، والكحل للحادة ... وفي الحج، كما روت في استحباب دفع الضعفة من النساء وغيرهن من المزدلفة إلى منًى في أواخر الليل قبل زحمة الناس. وفي أبواب الطهارة: ترك الوضوء مما مسته النار، وفي صلاة الرجل في الثوب الذي جامع فيه، وما يجوز للرجل من المرأة الحائض ... وفي أبواب الصوم: روت في جواز القبلة للصائم، وفي الدعاء بعد الأذان ... وروت في العير التي فيها الجرس لا تصحبها الملائكة، وغيرها.

стр. 183

دور أم المؤمنين حفصة بنت عمر ﵂: - ترجمتها وفضلها ﵂: هي بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي١، كانت قبل النبي ﷺ عند خنيس بن حذافة السهمي، فلما توفي عنها "بأحد" خطبها النبي ﷺ بعد أن كان عمر عرضها على أبي بكر ثم على عثمان، فلم يردا عليه بالقبول إلا لكون النبي ﷺ قد ذكرها، ولما شكى عمر إلى رسول الله ﷺ ما كان من أبي بكر وعثمان، وقال له: "يتزوج حفصة مَن هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان مَن هي خير من حفصة" ٢، وقد تزوج عثمان ﵁ أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ وتزوج النبي ﷺ حفصة سنة ثلاث من الهجرة "٣هـ"، وكان مولدها ﵂ قبل البعثة بخمس سنين. ورُوي أن النبي ﷺ كان قد طلق حفصة ﵂ ثم راجعها٣ لتحافظ على مكانتها أُمًّا للمؤمنين. توفيت حفصة سنة إحدى وأربعين عام الجماعة "٤١هـ"٤. - مروياتها وتلاميذها ﵂: روت حفصة عن النبي ﷺ عدة أحاديث، مسندها في كتاب بقي بن مخلد بلغ ستين حديثًا٥، اتفق لها الشيخان على أربعة أحاديث، وانفرد مسلم بستة أحاديث، ومجموع مروياتها في الكتب الستة ثمانية وعشرون حديثًا "٢٨"٦.

стр. 184

- محتوى مروياتها: روت في الطهارة في وجوب الغسل على كل محتلم يوم الجمعة، وجعل اليد اليمنى للطعام والشراب. وفي أبواب الصلاة، روت في الركعتين الخفيفتين إذا نودي بالصبح، وهي من فعل النبي ﷺ . وفي الصوم روت في: لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل الفجر، وصوم النبي ﷺ ثلاثة أيام من كل شهر، وفي القبلة للصائم، وفيمن يصبح جنبًا ثم يتم صومه، وفي صيام الإثنين والخميس، وصيام عاشوراء وغيرها. كما روت في المناسك: في الدواب التي لا جناح على مَن قتلهن، كما روت في الزينة في لبس الديباج للرجل، وفي الشمائل: في فراش النبي ﷺ ، وفي الآداب: فيما يفعل الرجل إذا أراد النوم، وفي الطب: في رقية النملة، وفي تعبير الرؤيا، وفي الفتن: في قصة ابن الصائد وخروج الدجال من غضبة يغضبها، وهذا أشهر ما روت. ويلاحظ غلبة السُّنَّة الفعلية في وصف أعمال النبي ﷺ التي اشتركت في نقلها إلى الناس مع بقية أمهات المؤمنين، مع تفاوت في الرواية بينهن -كثرة وقلة- إلا أنها كسائر أمهات المؤمنين تختص برواية بعض الأحاديث التي لم تروها بقية أمهات المؤمنين؛ كروايتها في الرقية من النَّمِلَة، وقصة ابن صائد، وخروج الدجال من غضبة يغضبها، والدواب التي لا جناح في قتلهن. وهكذا شرف الله أمهات المؤمنين كل واحدة بأحاديث ترويها ويلتصق اسمها بها؛ لتبين للعالم نور الحكمة الذي ينبع من حجرات هؤلاء السيدات، رضوان الله عليهن جميعًا.

стр. 185

دور أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂: - ترجمتها وفضلها ﵂: هي بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة١، وهي ابن عمة الرسول ﷺ أمها: أميمة بنت عبد المطلب من المهاجرات الأُوَل، كانت زينب ﵂ عند زيد بن حارثة مولى النبي ﷺ فزوجها الله تعالى بنبيه بنص كتابه بعد أن فارقها زيد٢، فكان زواجها ﵂ بالنبي ﷺ فريدًا، بلا ولي ولا شاهد، فكانت تفخر بذلك على أمهات المؤمنين٣. كانت ﵂ من سادة النساء، دينًا وورعًا وجودًا ومعروفًا، تزوجها النبي ﷺ في ذي القعدة سنة خمس للهجرة، وكانت صالحة قوامة صوامة بارة، وقد شهد لها بذلك سيد الخلق زوجها ﷺ وهو يقول لعمر: "إن زينب بنت جحش أواهة" قيل: يا رسول الله، ما الأواهة؟ قال: "الخاشعة المتضرعة، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ " [هود: ٧٥] ٤. وكان النبي ﷺ ذكر لأزواجه أن: "أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا" ٥، فبشرها بسرعة لحوقها به ﷺ وهي زوجته في الجنة، وفيه شهادة على برها وصدقها؛ حيث إنها كانت امرأة صنَّاعة اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق. وشهادة لها أخرى من أم المؤمنين عائشة إذ تقول: "كانت زينب بنت

стр. 186

جحش تساميني في المنزلة عند رسول الله ﷺ ما رأيت امرأة خيرًا في الدين من زينب، أتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل رحمًا، وأعظم صدقة ﵂"١. - تلاميذها ومروياتها ﵂: كانت أم المؤمنين زينب أول مَن لحق بالنبي ﷺ وكان ذلك سنة عشرين للهجرة٢، فقد عاشت خمس سنوات معه ﷺ وعشر سنوات بعدها. وبلغت مروياتها وفق كتاب بقي بن مخلد أحد عشر حديثًا٣، ولها في الكتب الستة خمسة أحاديث٤، اتفق لها البخاري ومسلم على حديثين٥، وأشهر من روى عنها: ابن أخيها محمد بن عبد الله بن جحش، وأم المؤمنين أم حبيبة، وزينب بنت أبي سلمة، وأرسل عنها القاسم بن محمد. ورغم أن مروياتها قليلة بالمقارنة بما ذكرنا من مرويات أمهات المؤمنين، إلا أنها صاحبة رواية خروج يأجوج ومأجوج٦، وما صح واشتهر في هذا الجانب مروي عنها، كما أن حديثها في الاستحاضة معروف، وروت أيضًا في إحداد المرأة على غير زوجها وهو مما اتفق عليه٧، كما روت في الطهارة في باب الوضوء، وفي بول الغلام وبول الجارية، وهو في غير الكتب الستة، فكانت لها ﵂ إسهاماتها في خدمة السُّنَّة.

стр. 187

دور أم المؤمنين صفية ﵂: - ترجمتها وفضلها ﵂: هي صفية بنت حُيي بن أخطب بن سعية، من سبط "اللاوِي" ابن نبي الله إسرائيل "يعقوب" بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، ثم من ذرية رسول الله هارون عليه السلام١. كانت قبل النبي ﷺ عند سلام بن أبي حقيق، ثم خلف عليها كنانة بن أبي حقيق، وكانا من شعراء اليهود، فقتل كنانة يوم خيبر، فسبيت صفية وصارت في سهم دحية الكلبي، فقيل للنبي ﷺ عنها، فاصطفاها لنفسه، ثم لما طهرت تزوجها وجعل عتقها صداقها٢. كانت ﵂ امرأة شريفة عاقلة، ذات حسب ودين، وكان النبي ﷺ يكرمها ويحنو عليها كلما طالتها غَيْرة نسائه ﷺ حتى إنه هجر زينب ﵂ محرم وصفر ولم يأتها؛ لأنها نالت منها بكلمة٣، كما كان يساندها في الرد على أزواجه إذا عايرنها لكونها من غير العرب٤. وكانت ذا حلم ووقار، ومن الشواهد على ذلك عتقها الجارية التي افترت عليها لدى عمر أنها تحب السبت وتصل اليهود، ولما عرفت أن الشيطان أوحى للجارية بذلك عفت عنها وأعتقتها٥. تُوفيت ﵂ سنة "٣٦هـ"٦.

стр. 188

- تلاميذها ومروياتها ﵂: حدث عنها: علي بن الحسين، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث، وكنانة مولاها وغيرهم. مسندها في كتاب بقي بن مخلد عشرة أحاديث١؛ منها حديث واحد متفق عليه، كما روت في الكتب الستة ستة أحاديث٢. - محتوي مروياتها: روت في باب الاعتكاف وهو مما اتفق عليه الشيخان، والمعتكف يخرج لحوائجه إلى باب المسجد، وفي استحباب من رُؤي خاليًا بامرأة وكانت زوجته أو محرمًا أن يقول: هذه فلانة، كما روت في صاع النبي ﷺ وفي الدعوات، ورواية في تزويج النبي ﷺ ميمونة وهو حلال، كما روت في مناقبها هي، كما روت أيضًا في حديث الجيش الذي يُخسف به، وكان راوية لسنن لم يروها أحد غيرها، فكانت شاهدة على أحكام نقلتها للناس واقترن اسمها بها.

стр. 189

دور أم المؤمنين جويرية بنت الحارث ﵂: - ترجمتها وفضلها ﵂: هي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية ثم المصطلقية١، كانت قبل النبي ﷺ عند ابن عم لها يقال له: مسافع بن صفوان بن ذي الشفر، فقُتل عنها في غزوة المريسيع سنة خمس للهجرة، فكانت في السبي، فوقعت في سهم أحد الصحابة فكاتبها على نفسها، فأتت النبي ﷺ تستعين به في فكاكها، فأجابها في أكرم من ذلك، تزوجها٢، وخرج الخبر إلى الناس فقالوا: أصهار رسول الله ﷺ يُسْترقُّون! فأعتقوا مَن كان في أيديهم من سبي بني المصطلق، فبلغ عتقهم مائة أهل بيت، فكانت عظيمة البركة على قومها، وكان أبوها سيدًا مطاعًا، تُوفيت ﵂ سنة خمسين، وقيل: ست وخمسين٣. - تلاميذها ومروياتها ﵂: حدث عنها: ابن عباس، وعبيد بن السَّبَّاق، وكريب مولى ابن عباس، ومجاهد، وأبو أيوب يحيى بن مالك الأزدي. بلغ مسندها في كتاب بقي بن مخلد سبعة أحاديث٤، منها أربعة في الكتب الستة، حديث عند البخاري، وحديثان عند مسلم. وقد تضمنت مروياتها أحاديث في الصوم، في عدم تخصيص يوم الجمعة بالصوم، وحديث في الدعوات في جواب التسبيح، وفي الزكاة في إباحة الهدية للنبي ﷺ وإن كان المهدي ملكها بطريق الصدقة، كما روت في العتق. وهكذا بسبعة أحاديث شريفة خلَّدتْ أم المؤمنين جويرية بنت الحارث ﵂ اسمها في عالم الرواية؛ لتضيف إلى شرف صحبتها للنبي ﷺ وأمومتها للمسلمين، تبليغها الأمة سنن المصطفى ﷺ ما تيسر لها ذلك.

стр. 190

دور أم المؤمنين سودة بنت زمعة ﵂: - ترجمتها وفضلها ﵂: هي سودة بنت زمعة بن قيس القرشية العامرية١، وهي أول مَن تزوج بها النبي ﷺ بعد خديجة ﵂ وانفردت به نحو ثلاث سنين أو أكثر حتى تزوج عائشة ﵂. وكانت أولًا عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو العامري، كانت سيدة جليلة نبيلة، وهي التي وهبت يومها لعائشة رعاية لقلب رسول الله ﷺ وكانت قد فركت٢، كانت عائشة تتمنى أن لو كانت على طريقتها؛ إذ تقول: "ما رأيت امرأة أحب إليَّ أن أكون في مسلاخها من سودة"٣. وكان النبي ﷺ تزوج سودة في رمضان سنة عشر من النبوة، وهاجر بها، وماتت بالمدينة سنة أربع وخمسين على رأي٤، وعلى رأي توفيت زمن عمر٥. - تلاميذها ومروياتها ﵂: حدَّث عن سودة ﵂ ابن عباس، ويحيى بن عبد الله الأنصاري، وغيرهما، ولها خمسة أحاديث -فقط- حسب ما جمعه بقي بن مخلد٦، ولها حديثان في الكتب الستة٧، لم يُروَ لها إلا حديث واحد في البخاري، وهو في الذبائح.

стр. 191

وقال: ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها، ثم ما زلنا نبذ فيه حتى صار شَنًّا١. فمن خلال العرض الموجز السابق يتبين بوضوح دور أمهات المؤمنين في رواية الحديث وخدمة السُّنَّة، وتوضيح الكثير من الأحكام الفقهية، ولولا كثير من الأحاديث التي رُويت عنهن لفاتنا الكثير من السنن، فهذه الميزة وحدها كفيلة بأن تجعل منهن أعمدة رواية أفعال النبي ﷺ المعيشية، خاصة أم المؤمنين عائشة سيدة المحدثات في هذه الأمة، رضوان الله عليهن أجمعين.

стр. 192

الفصل الحادى عشر: أسباب تفاوت أمهات المؤمنين ﵂ في الرواية ... الفصل الحادي عشر: أسباب تفاوت أمهات المؤمنين ﵅ في الرواية: يتفاوت الصحابة جميعًا في الرواية قلة وكثرة، فبينما نجد أحدهم روى عن رسول الله ﷺ الآلاف من الأحاديث، نجد الآخر لم يروِ إلا حديثًا واحدًا، وبعضهم لم يروِ شيئًا، وكذلك الأمر مع أمهات المؤمنين، وقد سبق ذكر أسباب التفاوت بالنسبة للصحابة، وأما التفاوت بالنسبة لأمهات المؤمنين فمرجعه إلى جملة أسباب؛ منها ما يلي: ١- تفاوت درجات الحفظ عندهن. ٢- تفاوت مدة ملازمتهن للنبي ﷺ . ٣- التفاوت في مشاركتهن أو حضورهن الأحداث والغياب عنها. ٤- تحفُّظ بعضهن من إكثار الرواية. ٥- الاستعداد الفطري، وتفاوت الذكاء والوعي. ٦- التفاوت في قصر أعمارهن أو طولها بعد وفاة النبي ﷺ . ٧- انصراف بعضهن إلى العبادة أكثر من انصرافهن إلى الحفظ والرواية.

стр. 193

الباب الثاني: مناهج المحدثين في القرن الثاني الهجري الفصل الأول: المستجدات في هذا العصر ... الباب الثاني: مناهج المحدثين في القرن الثاني الهجري سأحاول بفضل الله تعالى توضيح هذه المناهج، وذلك من خلال الفصول الآتية: الفصل الأول: المستجدات في هذا العصر في عصر تابعي التابعين تغيرت الظروف عن عصر الصحابة والتابعين، وتطورت بعض الأمور، وظهرت بعض الملابسات التي استدعت وضع مناهج ومقاييس وضوابط يستعين بها المحققون ونقاد الحديث في الكشف عن العلل والدخيل مما نُسب إلى النبي ﷺ كذبًا؛ وذلك لهدف الحفاظ على السُّنَّة من الوضع، وصيانتها من الخطأ والتحريف. - ويمكن تلخيص المستجدات فيما يلي١: أولًا: وفاة الصحابة ومعظم التابعين الذين كانوا يحفظون سنة رسول الله ﷺ . ثانيًا: نزول الإسناد واستحالة لقيا جميع الرواة الموصِّلين إلى النبي ﷺ . ثالثًا: ظهور المذاهب الفقهية، ومن ثَم الاختلاف بين الأئمة ومحاولة توثيق ما عندهم من الأحاديث ومناقشة مخالفيهم، وتمخض عن ذلك حركة كبيرة في توثيق السُّنَّة خاض غمارَها الأحناف والشافعي وأصحاب مالك، ﵃ أجمعين. رابعًا: كثرة الوضع في الحديث، وكثرة الخطأ فيه من قِبَلِ بعض المنتسبين إلى الإسلام من ضعاف الإيمان وأهل البدع.

стр. 194

خامسًا: لم تدون السُّنَّة تدوينًا شاملًا في العصر الأول خوفًا من اختلاطها بالقرآن، وأما في عصر أتباع التابعين كثر الحفاظ والكتبة، وزال الخوف السابق، فضلًا عن الحاجة الماسة لهذا التدوين؛ خشية اندراس السُّنَّة وضياعها بموت حفاظها.

стр. 195

الفصل الثاني: التدوين الشامل للسنة في هذا العصر ومنهج العلماء في التصنيف بسبب المستجدات والملابسات التي ظهرت في عصر تابعي التابعين أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بتدوين السنة تدوينًا شاملًا؛ لتكون مجموعة في مصنفات يستفيد منها المسلمون، ولم يكن تدوينها من قبل بعض الصحابة والتابعين يرقى إلى مستويات المصنفات والمؤلفات١. فقد روى الدارمي بسنده عن عبد الله بن دينار قال: كتب عمر بن عبد العزيز "ت١٠١هـ" إلى أهل المدينة: أن انظروا حديث رسول الله ﷺ فاكتبوه؛ فإني خفت دروس العلم وذَهَاب أهله٢. وروى الدارمي أيضًا بسنده عن عبد الله بن دينار قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن اكتب بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله ﷺ وبحديث عمر؛ فإني قد خشيت درس العلم وذهابه٣. قال البخاري: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم ﵁ "عامل المدينة": "انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث رسول الله ﷺ ولتُفْشُوا العلم، ولتجلسوا حتى يُعلَّم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا"٤.

стр. 196

وامتثل العلماء لهذا الأمر، واهتموا بهذا النداء من أمير المؤمنين، وجَدُّوا في جمع الحديث الشريف، وكان محمد بن شهاب الزهري "ت١٢٤هـ" أول مَن حقق رغبته واستجاب لدعوته فقال: "أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطانه دفترًا"١. وقال مرة أخرى: لقد أمرنا عمر بن عبد العزيز أن نجمع السنة، وتنفيذًا لهذا الأمر كتبنا الكتب العديدة، وأرسلت نسخًا لأجزاء مختلفة من الدولة٢. ووُجد في كل مدينة مَن يهتم بجمع الحديث والتصنيف في السُّنَّة: ففي مكة: صنف في السُّنة ابن جريج "ت١٥٠هـ"، وسفيان بن عيينة "ت١٩٨هـ". وفي المدينة: مالك بن أنس "ت١٧٩هـ"، ومحمد بن إسحاق "ت١٥١هـ"، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب "ت١٥٧هـ". وفي البصرة: الربيع بن صبيح "ت١٦٠هـ"، وسعيد بن أبي عروبة "ت١٥٦هـ"، وحماد بن سلمة "ت١٦٨هـ". وفي اليمن: معمر بن راشد "٩٥ - ١٥٣هـ". وفي الشام: عبد الرحمن الأوزاعي "٨٨ - ١٥٧هـ". وفي الكوفة: سفيان الثوري "ت١٦١هـ". وفي خراسان: عبد الله بن المبارك "ت١٨١هـ". وفي واسط: هشيم بن بشير "ت١٨٣هـ". وفي الرِّي: جرير بن عبد الحميد "ت١٨٨هـ".

стр. 197

وفي مصر: عبد الله بن وهب "١٢٥- ١٧٩هـ". ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم ممن نسجوا على منوالهم١. وكانت معظم مصنفات هؤلاء ومجاميعهم تضم الحديث الشريف وفتاوى الصحابة والتابعين، وأظهر مثال لذلك موطأ الإمام مالك الذي يجمع الحديث وفتاوى الصحابة والتابعين وعمل أهل المدينة٢، غير أن الإمام مالكًا تحرَّى الصحة في موطئه فلم يُخرج فيه إلا صحيحًا، وما كان من مراسيل أو بلاغات ونحوها فقد وقف عليها الأئمة موصولة وصحيحة "أو حسنة" في مصنفات أخرى، وقد التزم الإمام مالك في الموطأ بتخريج روايات الثقات الذين لا ينزل حديثهم عن درجة الحسن بحال، وأما غير الإمام مالك -ممن صنفوا في عهده- فلم يلتزموا ذلك في مصنفاتهم. وذكر الدكتور عجاج الخطيب أن أمير مصر عبد العزيز بن مروان "ت٨٥هـ" والد "عمر" حاول التدوين الرسمي للسُّنَّة، وذلك حين بعث إلى عالم حمص التابعي الكبير "كُثير بن مرة الحضرمي" وكان أدرك سبعين بدريًّا من أصحاب رسول الله ﷺ بحمص: "أن يكتب إليه بما سمع من أصحاب رسول الله ﷺ من أحاديثهم إلا حديث أبي هريرة فإنه عندنا"؛ ولكن المصادر لم تخبرنا عن امتثال كُثير لهذا الطلب ... فيكون التدوين الرسمي في عهد ابنه عمر، ومن ذلك الوقت اهتم الرواة بالتدوين الذي شاع في أرجاء المدن الإسلامية.

стр. 198

الفصل الثالث: جهود التابعين في توثيق السُّنَّة وحفظها وتدوينها في النصف الأول من القرن الثاني الهجري كانت الفتنة التي وقعت في آخر عهد سيدنا عثمان بن عفان ﵁ نقطة انعطاف ومرحلة تحول؛ حيث انتسب إلى الإسلام قلة من الرجال ضعيفي الإيمان، أباحوا لأنفسهم الكذب على رسول الله ﷺ نُصرةً لبدعتهم وأهوائهم. فكان على التابعين واجب القيام بكشف حديث هؤلاء وبيانه والتنبيه عليه والتحذير منه. "وكانت الوسيلة لنقل سُنة رسول الله ﷺ هي الرواية، وكان معيار صدق الحديث أو وضعه هو صدق ناقليه أو كذبهم"١. وتتجلى جهودهم ومظاهر هذا الاهتمام والتحري الشديد والحيطة فيما يلي: ١- اهتموا بدراسة الرجال رواة الأحاديث: ونقدهم وبيان ما فيهم من جرح وتعديل، ولم يقبلوا الحديث إلا عن ثقة معروف بالعدالة، وكما قال الشافعي: "كان ابن سيرين وإبراهيم النخعي وطاوس وغير واحد من التابعين يذهبون إلى ألا يقبلوا الحديث إلا عن ثقة يعرف ما يروي ويحفظ، وما رأيت أحدًا من أهل الحديث يخالف هذا المذهب"٢. ٢- اهتموا بالإسناد فوقفوا على حال رواته: قال ابن سيرين: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السُّنَّة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم"٣.

стр. 199

ومثال ذلك ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بعدي من أمتي ... " الحديث، قال ابن الصامت ﵁: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم الغفاري قلت: ما حديث سمعته من أبي ذر كذا، فذكرت له هذا الحديث، فقال: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم١. ٣- السماع والحفظ والتثبت في الرواية: كانوا يتتبعون الأخطاء ويحصونها ويهتمون بها اقتداء بالصحابة في الحيطة مع أنفسهم والآخرين، قال الشعبي: "والله لو أصبتُ تسعًا وتسعين مرة وأخطأتُ مرة لعدوا عليَّ تلك الواحدة"٢. ٤- نقد المتن: ومن أمثلة ذلك أن إبراهيم النخعي كان يترك بعض الأحاديث -عاملًا عقله وقياسه- بحجة أن الصحابة فعلوا ذلك، فقال عنهم: كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون، ولو كان ولد الزنى شر الثلاثة لما انتُظر بأمه أن تضع٣، وأنكر بهذا حديث أبي هريرة ﵁: "ولد الزنى شر الثلاثة" ٤. كما رد حديث فاطمة بنت قيس، وحديث التغريب للزاني، وحديث الشاهد واليمين؛ لأنه يرى معارضتها للقرآن الكريم، ورد أحاديث القنوت في الفجر معللًا ذلك بأنه لو صح لاشتهر عن جميع الصحابة٥.

стр. 200

وكذا الشعبي سمع رجلًا يحدث عن النبي ﷺ أن الله خلق صورين، له في كل صور نفختان: نفخة الصعق ونفخة القيامة، فرده لمعارضته القرآن، وقال لراويه: يا شيخ، اتقِ الله، ولا تُحدِّثنَّ بالخطأ، إن الله تعالى لم يخلق إلا صورًا واحدًا، وإنما هي نفختان: نفخة الصعق ونفخة القيامة، انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ١.

стр. 201

الفصل الرابع: أشهر الصحف والكتابات في القرن الثاني الهجري لقد حَرَصَ التابعون على ملازمة الصحابة وحفظ مروياتهم وتدوينها، ولقد سجلت أمهات الكتب أن علماء التابعين دوَّنوا ثروة هائلة من الحديث الشريف، وكانت لديهم كتب وصحف ونسخ شهيرة دوَّنوا فيها هذه الأحاديث، وقد حفظ لنا التاريخ بعض صحائفهم وكتبهم التي دوَّنوها عن الصحابة، والتي منها ما يأتي: - كُتُب أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي "ت١٠٤هـ، وقيل بعدها" التي كتبها عن: سمرة بن جندب، وأنس بن مالك، وثابت بن الضحاك، وعمرو بن سلمة وغيرهم١. - صحفية حُجْر بن عدي "٥١هـ" عن السيدة عائشة وعلي بن أبي طالب وغيرهما٢. - كتاب محمد بن عمرو بن حزم "٦٣هـ" عن عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص ووالده عمرو بن حزم والي نجران من قِبَلِ رسول الله صلى الله عليه وسلم٣. - صحيفة محمد ابن الحنفية "٧٣هـ" عن جابر بن عبد الله وغيره٤.

стр. 202

- كتاب بشير بن نهيك "٨٠هـ" عن أبي هريرة١. - صحيفة سعيد بن جبير "٩٥هـ" عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما، ويقال: إنه جمع تفسيرًا للقرآن بأمر من الخليفة عبد الملك، واحتفظ بهذا التفسير في مكتبة القصر بعد موته٢. - نسخة شهر من حوشب الأشعري "١٠٠هـ" عن أبي هريرة وعائشة وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وغيرهم٣. - نسخة حبان بن جزء السلمي "١٠٠هـ" عن ابن عمر وأبي هريرة٤. - نسخة عقبة بن أبي الحسناء عن أبي هريرة٥. كتاب خالد بن معدان الكلاعي "١٠٣هـ" يتضمن مجموعة ضخمة من الأحاديث جمعها من الصحابة وجعلها في كتاب مجلد بلوحين من الخشب وملتحمين معًا. وورثها تلميذه بشير بن سعد٦. - صحيفة الحسن البصري "١١٠هـ" قال عفان بن مسلم: "إنها كانت في حجم إبهامين وبنصرين إذا ضممناهما معًا"، وكانت له كتب عديدة غير هذه الصحيفة الشهيرة عند المحدثين٧.

стр. 203

- نسخة قاسم بن عبد الرحمن الشامي، وقد نقلها تلميذه علي بن يزيد١. - نسخة عبد الله بن بريدة الأسلمي "١١٥هـ" أخذها عن والده وغيره من الصحابة٢. - نسخة سليمان بن موسى الأسدي "١١٥هـ" عن واثلة بن الأسقع٣. - صحيفة طلحة بن نافع "١١٧هـ" عن عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهما٤. - نسخة محمد بن سيرين، وقد نقلها عنه الأوزاعي٥. - صحيفة عطاء بن أبي رباح "١١٧هـ"، عن عدد من مشاهير الصحابة٦. - صحيفة محمد بن شهاب الزهري "١٢٤هـ" وعدد من الكتب في المغازي والحديث والأنساب، وبسبب اهتمام الزهري وتلاميذه بكتابة الحديث وإملائه عُرفوا باسم: "أصحاب الكتب"، وسُميت فترته باسم "عصر الكتب"، وقد ذكرت المصادر للزهري نحو عشرة كتب٧. - صحيفة همام بن منبه "١٣١هـ" عن شيخه أبي هريرة ﵁ ونقلها تليمذه معمر بن راشد، وحفظها عبد الرزاق بن همام منفصلة عن مصنفه الكبير،

стр. 204

ثم أخذها تلميذاه: أحمد بن حنبل وأبو الحسن أحمد بن يوسف السلمي١. - صحيفة هشام بن عروة بن الزبير "١٤٦هـ" عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو وغيرهما٢. - وصحيفة حميد بن أبي حميد الطويل "١٤٢هـ"، نسخها من مخطوطة الأحاديث للحسن البصري٣. وأكتفي بما ذكرت من كتب وصحف ونسخ دوَّنَها التابعون عن الصحابة ﵃ وأما ما رُوي عن بعض التابعين من كراهة الكتابة، فقد علله بعض أهل العلم المعاصرين بأن المقصود بها كراهة كتابة الرأي، والأخبار التي وردت في النهي دون تخصيص تحمل على ذلك. قيل لجابر بن زيد "ت٩٣هـ": إنهم يكتبون رأيك. فقال مستنكرًا: "يكتبون ما عسى أن أرجع عنه غدًا! ". ولقد كانت الخشية من اندراس السُّنَّة وموت علمائها السبب الرئيسي الذي دفع عمر بن عبد العزيز "ت١٠١هـ" إلى تدوينها رسميًّا، فروى البخاري أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي، ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يُعلَّم من لايعلم؛ فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا٤، وقال الزهري: "أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطانه دفترًا"، وكان الزهري أول مَن حقق رغبته واستجاب لدعوته٥.

стр. 205

الفصل الخامس: ضوابط الرواية عند التابعين وضع التابعون ضوابط وأسسًا لضمان صحة النقل وتجنب التحريف والتبديل، وفي سبيل أن يكون تدوينهم عن الصحابة تدوينًا أمينًا لا يعتريه الشك أو الخطأ أو التحريف التزموا بهذه الضوابط والأسس الهامة، والتي منها ما يأتي: ١- التثبت في السماع والأداء: قال أبو العالية التابعي الكبير: كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله ﷺ فلم نرضَ حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم. وقال غيره: إني كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه١. وكانوا يتركون الرواية عن غير المتثبتين حتى وإن كانوا عدولًا. قال أبو الزناد: أدركت بالمدينة مائة أو قريبًا من المائة ما يؤخذ عن أحد منهم، وهم ثقات يقال: ليس من أهله٢. ٢- معارضة كتبهم ومقابلتها: قال هشام بن عروة: قال لي أبي: أكتبتَ؟ قلت: نعم، قال: عارضتَ؟ قلت: لا، قال: لم تكتب. ويقول يحيى بن أبي كثير: من كتب ولم يعارض كان كمن خرج من المخرج ولم يستنج٣. ومن أمثلة العرض على الشيخ: قيل لنافع مولى عبد الله بن عمر: إنهم قد كتبوا حديثك، قال: فليأتوني حتى أقيمه لهم٤.

стр. 206

٣- حفظ كتبهم وصحائفهم في أماكن أمينة: مع معاودة النظر فيها ومراجعتها من حين لآخر: فحفظ الحسن بن علي صحيفة أبيه في صومعة لا يخرجها منها إلا عند الحاجة إليها١. وكان خالد بن معدان يتخذ لكتابه عرًى وأزرارًا حفظًا له٢. وكان قد لقي سبعين صحابيًّا. وكان قتادة يحفظ صحيفة جابر بن عبد الله حفظًا جيدًا٣، وقال الحسن البصري: إن لنا كتبًا نتعاهدها٤. ٤- ومن الضوابط: أنهم كانوا لا يجيزون القراءة في كتاب يجدونه إلا إذا راجعوا هذا الكتاب بالسماع أو القراءة على الشيخ تجنبًا للتحريف، قيل لابن سيرين: ما تقول في رجل يجد الكتاب يقرؤه أو ينظر فيه؟ قال: لا حتى يسمعه من ثقة٥. فعرف عنهم الاهتمام بما يُسمى بالسماع أو العرض. وأما طريق الوجادة فلم يكونوا يعتمدون عليها كثيرًا.

стр. 207

الفصل السادس: التصنيف في القرن الثاني وبداية الثالث الهجريين خطا التأليف والتصنيف خطوة أخرى على يد أئمة عاشوا في القرن الثاني وقليل من القرن الثالث، فقد رأى بعض هؤلاء أن يجمعوا الأحاديث التي رواها كل صحابي في موضوع واحد، فألفوا المسانيد، كما ألفوا في الرواة، وفي علل الحديث. أولًا: التأليف في المسانيد: ممن ألف في ذلك أبو داود الطيالسي "١٣٣ - ٢٠٤هـ" وأسد بن موسى "ت٢١٢هـ"، وعبيد الله بن موسى "ت٢١٣هـ"، ومسدد البصري "ت٢٢٨هـ"، ونعيم بن حماد "ت١٢٨هـ"، وأحمد بن حنبل "١٦٤- ٢٤١هـ"، وإسحاق بن راهويه "١٦١- ٢٣٨هـ"، وعثمان بن أبي شيبة "١٥٦ - ٢٣٩هـ". واقتصرت هذه المسانيد على حديث رسول الله ﷺ دون أقوال الصحابة والتابعين، وجمعت الحديث الصحيح والضعيف، ويصعب على القارئ التمييز بين هذه الأحاديث إلا إذا كان مؤهلًا لذلك خبرة ودراية١. وقد كان ذلك مع الاستمرار في المصنفات المرتبة على الموضوعات والتي جمعت الحديث المرفوع وآثار الصحابة والتابعين مثل: مصنف عبد الرزاق الصنعاني "١٢٦- ٢١١هـ"، ومصنف عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي "ت٢٣٥هـ". ثانيًا: التأليف في الرواة تبع التدوين الشامل للأحاديث أو تعاصر معه التأليف في رواة الأحاديث وبيان شيوخهم الذين رووا عنهم وتلاميذهم الذين أخذوا منهم، وبيان أسمائهم

стр. 208

وكناهم وألقابهم وأنسابهم وموطنهم وتاريخ ولادتهم ووفاتهم، وبيان ما فيهم من جرح وتعديل. وممن ألف في ذلك في هذه الفترة: يحيى بن معين "١٥٨- ٢٣٧هـ" ألف "تاريخ الرواة" رتبه على حروف المعجم، وخليفة بن خياط الشيباني "ت٢٤٠هـ" ألف "التاريخ" في عشرة أجزاء، و"طبقات الرواة" ومحمد بن سعد كاتب الواقدي "١٦٨- ٢٣٠هـ" ألف كتابه "الطبقات"، وترجم فيه للصحابة على طبقاتهم فالتابعين، فمن بعده إلى وقته، والإمام أحمد بن حنبل "١٦٨- ٢٤١هـ" ألف "التاريخ" و"لكنى" و"الجرح والتعديل"، وعلي بن المديني "١٦١ - ٢٣٤هـ" ألف "الأسامي والكنى"، و"معرفة من نزل من الصحابة على سائر البلدان"١. ثالثًا: التأليف في علل الحديث ألفت في تلك الفترة مؤلفات تكشف الخلل الخفي في الإسناد أو المتن، وتميز الحديث الصحيح من غيره، وممن ألف في العلل: الإمام يحيى بن سعيد القطان "ت١٩٨هـ" ألف كتاب "العلل"، والإمام يحيى بن معين "١٥٨- ٢٣٧هـ" ألف "التاريخ والعلل" ذكر فيه بعض الرواة وبعض رواياتهم وبيَّن عللها، وعلي بن المديني "١٦١- ٢٣٤هـ" ألف "العلل"، والإمام أحمد بن حنبل "١٦٨- ٢٤١هـ" ألف "علل الحديث ومعرفة الرجال". وقد جاءت هذه المؤلفات بغير ترتيب لا على المسانيد ولا على الأبواب٢. رابعًا: التأليف في الموطآت ممن ألف في الموطآت: أ- الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي،

стр. 209

أبو عبد الله المدني الفقيه، إمام دار الهجرة، ورأس المتقين، وكبير المحدثين "٩٣ - ١٧٩هـ". وقد مكث الإمام مالك في تأليف كتابه "الموطأ" أربعين سنة كاملة ينقحه ويهذبه، ورتبه على الأبواب الفقهية، ومن عادته أنه يذكر عقب عنوان الباب الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ ثم ما ورد فيه من الآثار عن الصحابة والتابعين، وخاصة من أهل المدينة؛ لأنه لم يرحل عنها، وأحيانًا يذكر ما عليه العمل، أو المجمع عليه في المدينة، وقد يتبع الحديث أحيانًا بتفسير كلمة لغويًّا أو بعض الجمل. فالموطأ خلاصة لجهود هذا الإمام المحدِّث الكبير خلال أربعين عامًا، فكان متقنًا في بابه، وكان -رحمه الله تعالى- يتحرى في المتون وينتقي في الأسانيد، وقد بيَّن العلماء -سلفًا وخلفًا- أن أحاديث الموطأ كلها صحيحة، وأن أسانيده وردت متصلة جميعًا، فلا يوجد في الموطأ حديث مرسل ولا منقطع إلا وقد اتصل سنده من طرق أخرى، كما قرر العلماء، ومنهم أبو عمر بن عبد البر في كتابه "التقصي في مسند حديث الموطأ ومرسله". وقديمًا قال الإمام الشافعي: "ما على الأرض كتاب هو أقرب إلى القرآن من كتاب مالك"، وفي رواية: "ما بعد كتاب الله أكثر صوابًا من موطأ مالك"، وفي رواية: "ما بعد كتاب الله أنفع من الموطأ"، وفي رواية: "ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك". ب- عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، مولاهم، أبو محمد، المصري، الفقيه، الحافظ، العابد "١٢٥- ١٩٧هـ"، وكتابه "الموطأ" أشار إليه غير واحد من الأئمة والحفاظ منهم ابن حجر العسقلاني في "التلخيص الحبير"، والزيلعي في "نصب الراية".

стр. 210

ولم يطبع "موطأ" عبد الله بن وهب كاملًا إلى الآن١. ولم يلتزم ابن وهب في هذا المصنف برواية الأحاديث الصحيحة والمرفوعة؛ وإنما جمع فيه الصحيح والحسن، والضعيف، والمرفوع، والمرسل، والموقوف، والمقطوع.

стр. 211

الفصل السابع: الأئمة الأربعة، وأثرهم في الحديث وعلومه مدخل ... الفصل السابع: الأئمة الأربعة وأثرهم في الحديث وعلومه لقد امتن الله تعالى على هذه الأئمة بأئمة قيضهم لحفظ دينه، ومكنهم من معرفة كتابه وسنة رسوله ﷺ وجندهم لخدمة الإسلام والمسلمين، فألهمهم حفظ القرآن الكريم ومعرفة علومه، وأعانهم على حفظ الحديث الشريف ومعرفة طرقه وعلومه، فبلغوا في ذلك درجة تدعو إلى الدهشة والإعجاب، فكانوا مصابيح الهدى لغيرهم في الاجتهاد والفتوى والتبصير بأمور الدين والدنيا معًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وقد شهد لهم المتخصصون من معاصريهم ولاحقيهم بالإمامة في الفقه والحديث، وأقروا لهم بالفضل والتقوى والورع، وهي شهادات تدل بوضوح على دور هؤلاء الأئمة في خدمة الحديث الشريف وعلومه، فلا يغرنك إرجاف المرجفين وزعم الزاعمين. النعمان بن ثابت التتيمي أبو حنيفة الكوفي "٨٠- ١٥٠هـ"١ إمام الأئمة، سراج الأمة، ذو مناقب جمة، اعترف بجلالته أجلة العلماء الأعلام، أثنوا عليه بسَعَة العلم ودقة الفهم. قال التهانوي: "وإمامنا الأعظم قد ثبتت رؤيته لبعض الصحابة، واختلف في روايته عنهم. قال الإمام علي القاري: والمعتمد ثبوتها، وقد صرح برؤيته لأنس وكونه تابعيًّا على المختار جمع عظيم من المحدثين وأهل

стр. 212

العلم بالأخبار"، وذكر منهم: ابن سعد، والذهبي، وابن حجر، والعراقي، والسيوطي، والمزي، والخطيب البغدادي، وابن الجوزي، وابن عبد البر، والسمعاني، والنووي، وعبد الغني المقدسي، والجزري، والقسطلاني، والعيني، وغيرهم من الأئمة والحفاظ١، فهو تابعي مندرج في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه﴾ [التوبة: ١٠٠] . وقال عبد الرزاق بن همام: ما رأيت أحدًا قط أحلم من أبي حنيفة، لقد رأيته في المسجد الحرام والناس يتحلقون حوله إذ سأله رجل عن مسألة، فأفتاه بها، فقال له رجل: قال فيها الحسن كذا وكذا، وقال فيها عبد الله بن مسعود كذا، فقال أبو حنيفة: أخطأ أبو الحسن وأصاب عبد الله بن مسعود، فصاحوا به. قال عبد الرزاق فنظرت في المسألة، فإذا قول ابن مسعود فيها كما قال أبو حنيفة، وتابعه أصحاب عبد الله بن مسعود٢. وسأل رجل سفيان الثوري عن مسألة في الحج فقال له الرجل: إن أبا حنيفة قال فيها كذا، فقال سفيان: هو كما قال أبو حنيفة، ومَن يقول غير هذا! ولم يكن سفيان الثوري ممن يداهن أو يجامل على حساب الفقه والدين٣. وقد قال عبد الله بن المبارك: ما رأيت أحدًا أتقى لله من سفيان الثوري، ولا رأيت أحدًا أعقل من أبي حنيفة٤. وكان ابن المبارك يذكر عن أبي حنيفة كل خير ويزكيه ويقرظه ويثني عليه٥.

стр. 213

وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: مَن أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة١. وروى ابن عبد البر بسنده عن الحسن بن صالح بن حي قال: كان النعمان بن ثابت فهمًا عالمًا متثبتًا في علمه إذا صح عنده الخبر عن رسول الله ﷺ لم يعده إلى غيره٢. وقد بلغ في الفقه والعلم والحفظ درجة تدعو إلى الدهشة والإعجاب حتى قال ابن شبرمة: عجزت النساء أن تلد مثل النعمان٣. وقد كان مع هذا الفقه الكثير والعلم الغزير يحيي الليل ويقومه٤. وقال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: ما رأيت مثل وكيع، وكان يفتي برأي أبي حنيفة٥. وقد نال من الثناء والتقدير ما لم ينله كثيرون من الأئمة أهل الفقه والعلم، ولما كان له الفضل في كثير من العلم والفقه نال منه حاسدوه والحاقدون عليه. وقال حاتم بن آدم: قلت للفضل بن موسى السيناني: ما تقول في هؤلاء الذين يقعون في أبي حنيفة؟ قال: إن أبا حنيفة جاءهم بما يعقلونه، وبما لا يعقلونه من العلم، ولم يترك لهم شيئًا فحسدوه٦. وقال عيسى بن يونس: لا تتكلمن في أبي حنيفة بسوء، ولا تصدقن أحدًا يسيء فيه القول، فإني والله ما رأيت أفضل منه، ولا أورع منه، ولا أفقه منه٧.

стр. 214

وقال الحكم بن هشام: كان أبو حنيفة لا يرد حديثًا ثبت عنده عن رسول الله، وكان من أعظم الناس أمانة، وأراده السلطان على أن يوليه مفاتيح خزانته فأبَى واختار ضربهم وحبسهم على عذاب الله. فقال له رجل: والله ما رأيت أحدًا وصفه بما وصفته، فقال: هو والله ما قلت لك١. وقال إبراهيم بن عبد الله الخلال: "سمعت عبد الله بن المبارك يقول -وذُكر عنده أبو حنيفة فقال: أتذكرون رجلًا عُرضت عليه الدنيا بحذافيرها ففر منها!! ٢ وقد أراده أبو جعفر ليوليه القضاء، فأبَى، فأمر به إلى السجن، فمات في السجن، ودفن في مقابر الخيزران رحمة الله عليه٣. وقال روح بن عبادة: كنت عند ابن جريج سنة خمس ومائة، فقيل له: مات أبو حنيفة، فقال: ﵀ قد ذهب معه علم كثير٤. وكان شعبة بن الحجاج حسن الرأي في أبي حنيفة، ولما قيل له: مات أبو حنيفة، قال شعبة: لقد ذهب معه فقه الكوفة تفضل الله علينا وعليه برحمته٥. شروط أبي حنيفة في قبول خبر الواحد: ١- ألا يخالف السُّنة المشهورة سواء كانت فعلية أم قولية. ٢- ألا يخالف المتوارث بين الصحابة والتابعين في أي بلد. ٣- ألا يخالف عموم الكتاب أو ظاهره؛ لأن الكتاب قطعي فيقدم على الظني.

стр. 215

٤- أن يكون راوي الخبر فقيهًا إذا خالف الحديث قياسًا جليًّا؛ لأن غير الفقيه تحتمل روايته على المعنى، فيكون قد أخطأ فيها. ٥- ألا يكون فيما تعم به البلوى، ومنه الحدود والكفارات التي تُدرأ بالشبهات؛ لأن العادة قاضية بأن يسمعه الكثير غير الواحد، فلا بد بذلك أن يشتهر وتتلقاه الأمة بالقبول. ٦- ألا يسبق طعن أحد من السلف فيه، وألا يترك أحد المختلفين من الصحابة الاحتجاج بالخبر الذي رواه. ٧- ألا يعمل الراوي بخلاف خبره؛ كحديث أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، فإنه مخالف لفتوى أبي هريرة؛ لذلك ترك أبو حنيفة العمل به. ٨- ألا يكون الراوي منفردًا بزيادة المتن أو السند، إلا إذا كان هذا الراوي ثقة؛ لأن العمل برواية الثقات أحوط في دين الله تعالى.
следующие страницы →