الزائدة في خافٍ و"هاع لاع"١ عوض من العين. وجوَّز سيبويه أيضًا ذلك في أينق, فكذلك أيضًا ينبغي أن تحمل فيعلولة على ذلك. وأيضًا فإن الياء أشبه بالواو من الحرف الصحيح في باب قيدودة وكينونة. وأيضًا فقد جعلت٢ تاء التفعيل عوضًا من عين الفعّال. وذلك قولهم: قطعته تقطيعًا , وكسرته تكسيرًا, ألا ترى أن الأصل قطاع وكسار, بدلالة قول الله سبحانه: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ ٣ وحكى الفراء قال: سالني أعرابي فقال: أحِلَّاق أحب إليك أم قِصَّار, فكما أن التاء الزائدة في التفعيل عوض من العين فكذلك ينبغي أن تكون الياء في قيدودة عوضًا من العين لا الدال٤.
فإن قلت: فإن اللام أشبه بالعين من الزائد, فهلّا كانت لام القيدودة عوضًا من عينها, قيل: إن الحرف الأصلي القوي٥ إذا حذف لحق بالمعتل الضعيف, فساغ لذلك أن ينوب عنه الزائد الضعيف. وأيضًا فقد رأيت كيف كانت تاء٦ التفعيل الزائدة عوضًا من عينه, "وكذلك ألف فاعل كيف كانت عوضًا من عينه"٧ في خاف وهاع ولاع ونحوه. وأيضًا فإن عين قيدودة وبابها, وإن كانت أصلًا فإنها على الأحوال كلها حرف علة ما دامت موجودة ملفوظًا بها، فكيف
стр. 702
بها إذا حذفت١ فإنها حينئذ توغِل في الاعتلال والضعف. ولو لم يعلم تمكّن هذه الحروف في الضعف إلّا بتسميتهم إياها حروف العلة لكان كافيًا. وذلك أنها في أقوى أحوالها ضعيفة, ألا ترى أن هذين٢ الحرفين إذا قويا بالحركة فإنك حينئذ٣ مع ذلك مؤنس فيهما ضعفًا. وذلك أنّ تحملهما للحركة أشقّ منه في غيرهما. ولم يكونا كذلك إلا لأنَّ مبنى أمرهما على خلاف القوة. يؤكد ذلك عندك أن أذهب الثلاث في الضعف والاعتلال الألف. ولما كانت كذلك لم يمكن٤ تحريكها البتة, فهذا أقوى دليل على أن الحركة إنما يحملها ويسوغ فيها٥ من الحروف الأقوى لا الأضعف. ولذلك ما تجد أخف الحركات الثلاث٦ -وهي الفتحة- مستثقلة٧ فيهما٨ حتى٩ يجنح لذلك, ويستروح إلى إسكانها نحو قوله:
يا دار هند عفت إلا أثافيها١٠
وقوله:
كأن أيديهنّ بالقاع القرق١١
стр. 703
ونحو من١ ذلك قوله ٢:
وأن يعرين إن كسى الجواري ... فتنبو العين عن كرم عجاف
نعم، وإذا كان الحرف١ لا يتحامل بنفسه حتى يدعو إلى اخترامه وحذفه كان بأن يضعف عن تحمل الحركة الزائدة عليه فيه أحرى وأحجى, وذلك نحو قول الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ٢ و ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ ٤ و ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ٥، وقوله ٦:
... ... ... ... وما ... قرقر قمر الواد بالشاهق٧
وقال الأسود "بن يعفر "٨:
فألحقت أخراهم طريق ألاهم٩
стр. 704
يريد أولاهم، و ﴿يَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ ١ و ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ٢ كتبت في المصحف بلا واو للوقف عليها كذلك. وقد حذفت الألف في نحو ذلك, قال رؤبة:
وصَّاني العجاج فيما وصني٣
يريد: فيما وصاني. وذهب أبو عثمان في قول الله -عز اسمه: "يَا أَبَتَ"٤ إلى أنه أراد يا أبتاه, وحذف الألف. ومن أبيات الكتاب قول لبيد:
رهط مرجوم ورهط ابن المعلّّ٥
يريد المعلّي, وحكى٦ أبو عبيدة وأبو الحسن وقطرب وغيرهم رأيت فرج, ونحو ذلك. فإذا كانت هذه الحروف تتساقط وتهي عن حفظ أنفسها وتحمل٧ خواصَّها وعواني٨ ذواتها, فكيف بها إذا جُشِّمت احتمال الحركات النّيفات على مقصور صورها.
نعم وقد أعرب بهذه الصور٩ أنفسها, كما يعرب بالحركات التي هي أبعاضها. وذلك في باب أخوك وأبوك, وهناك وفاك, وحميك وهنيك, والزيدان والزيدون
стр. 705
والزيدين. " وأجريت"١ هذه الحروف مجرى الحركات في زيدٌ وزيدًا وزيدٍ, ومعلوم أن الحركات لا تحمل -لضعفها- الحركات. فأقرب أحكام هذه الحروف إن لم تمنع٢ من احتمالها الحركات أن٣ إذا تحملتها جفت عليها وتكاءدتها٤.
ويؤكد عندك ضعف هذه الأحرف الثلاثة أنه٥ إذا وجدت أقواهن -وهما الواو والياء- مفتوحًا ما قبلها فإنهما كأنهما تابعان لما هو منهما؛ ألا ترى إلى ما جاء عنهم من نحو: نوبة ونوب, وجوبة٦ وجوب, ودولة ودول. فمجيء فَعْلة على فُعَل يريك أنها كأنها إنما جاءت عندهم من فُعْلة, فكأن دَولة دُولة, وجَوْبة جُوبة, ونَوبة نُوبة. وإنما ذلك لأنَّ الواو مما سبيله أن يأتي تابعًا للضمة.
وكذلك ما جاء من فَعلة مما عينه ياء على فِعَل؛ نحو: ضَيْعة وضِيع, وخيمة وخيم, وعَيبة٧ وعِيب, كأنه إنما جاء على أن واحدته فِعلة نحو: ضِيعة وخِيمة وعِيبة. أفلا تراهما مفتوحًا ما قبلهما مجراتين مجراهما مكسورًا ومضمومًا ما قبلهما, فهل هذا إلّا لأنَّ الصنعة مقتضية لشياع الاعتلال فيهما.
فإن قلت: ما أنكرت ألا يكون ما جاء من نحو: فَعْلة على فُعَل -نحو: نُوب وجُوَب ودُول- لما ذكرته من تصور الضمة في الفاء, ولا يكون ما جاء من فَعلة على فِعَل, نحو: ضِيع وخِيم وعِيب لما ذكرته من تصور الكسرة في الفاء, بل لأنَّ ذلك ضرب من التكسير ركَّبوه فيما عينه معتلة, كما ركَّبوه فيما عينه صحيحة؛
стр. 706
نحو لأمةٍ١ ولُؤَم وعَرْصة وعُرَص وقَرْية وقُرًى وبروة٢ وبُرا -فيما ذكره أبو علي- ونَزْوة٣ ونُزًا -فيما ذكره أبو العباس- وحَلْقة وحِلَق, وفَلْكة وفَلك.
قيل: كيف تصرفت الحال فلا اعتراض شكَّ في أن الياء والواو أين وقعتا وكيف تصرَّفتا معتدَّتان حرفي علة ومن أحكام٤ الاعتلال أن يتبعا ما هو منهما. هذا، ثم إنَّا٥ رأيناهم قد كسَّروا فَعْلة مما٦ هما عيناه على فُعَل وفِعَل, نحو: جُوَب ونُوَب, وضِيَع وخِيَم, فجاء تكسيرهما تكسير ما واحدة مضموم الفاء ومكسورها. فنحن الآن بين أمرين ٧: إما أن نرتاح لذلك ونعلله, وإما أن نتهالك فيه ونتقبله غُفْل الحال, ساذَجًا من الاعتلال. فإن يقال: إن٨ ذلك لما ذكرناه من اقتضاء الصورة فيهما أن يكونا في الحكم تابعين لما قبلهما أولى من أن ننقض الباب فيه, ونعطي اليد عنوة به من غير نظر له ولا اشتمال من الصنعة عليه, ألا ترى إلى قوله: وليس شيء٩ مما يضَّطرون إليه إلا هم يحاولون١٠ له وجهًا. " فإذا"١١ لم يخل مع الضرورة من وجه من القياس محاول فهم لذلك مع الفسحة في حال السعة أولى بأن يحاولوه, وأحجى بأن يناهدوه١٢ فيتعللوا١٣ به ولا يهملوه.
فإذا ثبت ذلك في باب ما عينه ياء أو واو, جعلته الأصل في ذلك, وجعلت ما عينه صحيحة فرعًا له ومحمولًا عليه, نحو: حِلَقٍ وفِلكٍ وعُرَص ولُؤَم وقرى وبرا, كما أنهم لما أعربوا بالواو والياء والألف في الزيدون والزيدين والزيدان, تجاوزوا
стр. 707
ذلك إلى أن أعربوا بما ليس من حروف اللين. وهو النون في يقومان وتقعدين وتذهبون. فهذا١ جنس من تدريج اللغة الذي تقدَّم بابه فيما مضى من كتابنا هذا. وأما ما حذفت لامه وصار الزائد عوضًا منها فكثير.
منه باب سنة ومائة ورئة وفئة وعضة وضعة. فهذا ونحوه مما حذفت لامه وعوّض منها تاء التأنيث, ألا تراها كيف تعاقب اللام في نحو: برة وبرا, وثبة وثبا. وحكى أبو الحسن عنهم: رأيت مِئْيا بوزن مِعْيًا. فلما حذفوا قالوا: مائة.
فأما بنت وأخت, فالتاء عندنا بدل من لام٢ الفعل وليست عوضًا.
وأما ما حذف لالتقاء السكانين من هذا النحو فليس الساكن الثاني٣ عندنا بدلًا ولا عوضًا؛ لأنه ليس لازمًا. وذلك نحو: هذه عصًا ورحًا, وكلمت معلّى, فليس التنوين في الوصل ولا الألف التي هي بدل منها٤ في الوقف -نحو: رأيت عصًا, عند٥ الجماعة، وهذه عصا, ومررت بعصا, عند أبي عثمان والفراء- بدلًا من لام الفعل ولا عوضًا, ألا تراه غير لازم؛ إذ كان التنوين يزيله الوقف, والألف التي هي بدل منه يزيلها الوصل. وليست كذلك تاء مائة وعضة وسنة وفئة وشفة؛ لأنها ثابتة في الوصل ومبدلة هاء في الوقف. فأمَّا الحذف فلا حذف. وكذلك ما لحقه علم الجمع نحو: القاضون والقاضين والأعلَون والأعلَين, فعلم الجمع ليس عوضًا ولا بدلًا؛ لأنه ليس لازمًا.
стр. 708
فأمَّا قولهم: هذان وهاتان واللذان واللتان والذين واللذون, فلو قال قائل: إن علم التثنية والجمع فيها عوض من الألف١ والياء٢ من حيث كانت هذه أسماء صيغت للتثنية والجمع, لا على حد رجلان وفرسان وقائمون وقاعدون, ولكن على حد٣ قولك: هما وهم وهن, لكان مذهبًا, ألا ترى أن "هذين " من "هذا " ليس على "رجلين" من "رجل", ولو كان كذلك لوجب أن تنكره البتة, كما تنكر الأعلام نحو: زيدان وزيدين وزيدون وزيدين, والأمر في هذه الأسماء بخلاف ذلك, ألا تراها تجري مثناة ومجموعة أوصافًا على المعارف٤ كما تجري عليها مفردة. وذلك قولك: مررت بالزيدين هذين, وجاءني أخواك اللذان في الدار. وكذلك قد توصف هي أيضًا بالمعارف نحو قولك: جاءني ذانك الغلامان, ورأيت اللذين في الدار الظريفين. وكذلك أيضًا تجدها في التثنية والجمع تعمل من نصب الحال ما كانت تعمله مفردة, وذلك نحو قولك ٥: هذان قائمين الزيدان, وهؤلاء منطلقين إخوتك. وقد تقصينا القول في٦ ذلك في كتابنا "في سر الصناعة".
وقريب من هذان واللذان قولهم: هيهات مصروفة "وغير مصروفة"٧, وذلك أنها جمع هيهاة, وهيهاة عندنا رباعية مكررة٨، فاؤها ولامها الأولى هاء، وعينها ولامها الثانية ياء. فهي -لذلك- من باب صِيِصية٩. وعكسها باب يَلْيَل١٠ ويَهْيَاه١١، قال ذو الرمة:
стр. 709
تلؤم يهياهٍ بياهٍ وقد مضى ... من الليل جَوْرٌ واسبطرَّتْ كواكبه١
وقال كُثيِّر:
وكيف ينال الحاجبية آلِفٌ ... بيليل ممساه وقد جاوزت٢ رقدًا
فهيهاةُ من مضعَّف الياء بمنزلة المرمرة والقرقرة.
فكان قياسها إذا جمعت أن تقلب اللام ياء, فيقال: هيهيات كشوشيات٣ وضوضيات؛ إلا أنهم حذفوا اللام؛ لأنها في آخر اسم غير متمكن ليخالف آخرها آخر الأسماء المتمكنة؛ نحو: رَحَيَان ومَوْليَان. فعلى هذا قد٤ يمكن أن يقال: إن الألف والتاء في هيهات عوض من لام الفعل في هيهاةٍ؛ لأن هذا ينبغي أن يكون اسمًا صيغ للجمع بمنزلة الذين وهؤلاء.
فإن قيل: وكيف ذاك وقد يجوز تنكيره في قولهم: هيهات هيهات, وهؤلاء والذين لا يمكن تنكيرهما٥؛ فقد صار إذًا هيهات بمنزلة قصاع وجفان "وكرام وظراف"٦.
قيل: ليس التنكير في هذا الاسم المبني على حدّه في غيره من المعرب, ألا ترى أنه لو كانت هيهات من هيهاة بمنزلة أرطيات من أرطاة, وسعليات من سعلاة, لما كانت إلّا نكرة, كما أن سعليات وأرطيات لا تكونان٧ إلا نكرتين.
стр. 710
فإن قيل: ولم لا تكون سعليات معرفة إذا جعلتها علمًا؛ كرجل أو امرأة سميتها بسعليات وأرطيات. وكذلك أنت في هيهات إذا عرَّفتها فقد جعلتها علمًا على معنى البعد, كما أن غاق فيمن لم ينون فقد جعل علمًا لمعنى الفراق, ومن نون فقال: غاقٍ غاقٍ, وهيهاة هيهاة, هيهاتٍ هيهاتٍ, فكأنه قال: بعدًا بعدًا, فجعل التنوين علمًا لهذا المعنى, كما جعل حذفه علمًا لذلك.
قيل: أما على التحصيل فلا تصح هناك حقيقة معنى العلمية. وكيف يصح ذاك وإنما هذه أسماء١ سمي بها الفعل في الخبر, نحو: شتان وسرعان وأف وأوتاه, وسنذكر ذلك في بابه. وإذا كانت أسماء للأفعال والأفعال أقعد شيء في التنكير وأبعده عن التعريف, علمت أنه تعليق لفظ متأول٢ فيه التعريف على معنى لا يضامه إلا التنكير. فلهذا قلنا: إن تعريف باب هيهات لا يعتدّ تعريفًا. وكذلك غاق وإن لم يكن اسم فعل, فإنه على سمته, ألا تراه صوتًا بمنزلة حاء وعاء وهاء, وتعرّف الأصوات من جنس تعرّف الأسماء المسماة "بها الأفعال"٣.
فإن قيل: ألا تعلم أن معك من الأسماء ما تكون٤ فائدة معرفته كفائدة نكرته البتة. وذلك قولهم: غدوة هي في معنى غداة, إلا أن غُدوة معرفة, وغَداة نكرة. وكذلك أسَد وأُسامة وثعلب وثُعالة وذئب وذُؤالة وأبو جَعْدة وأبو مُعْطة. فقد تجد هذا التعريف المساوي٥ لمعنى التنكير فاشيًا في٣ غير ما ذكرته, ثم لم يمنع ذلك أسامة وثعالة وذؤالة وأبا جعدة وأبا معطة٦ ونحو ذلك أن تُعدّ في الأعلام, وإن لم يخص الواجد من جنسه, فكذلك لم لا يكون هيهات كما ذكرنا؟
стр. 711
قيل: هذه الأعلام وإن كانت معنياتها نكرات فقد يمكن في كل واحد منها أن يكون معرفة صحيحة كقولك: فرقت ذلك الأسد الذي فرقته, وتبركت١ بالثعلب الذي تبركت١ به، وخسأت الذئب الذي خسأته. فأما الفعل فمِمَّا لا يمكن تعريفه على وجه, فلذلك لم يعتد٢ التعريف الواقع عليه لفظًا سمه خاصة ولا تعريفًا.
وأيضًا فإن هذه الأصوات عندنا في حكم الحروف, فالفعل إذًا أقرب إليها, ومعترض بين الأسماء٣، وبينها, أوَلا ترى أن البناء الذي سرى في باب: صه ومه وحيهلا ورويدًا وإيه وأيها وهلمّ, ونحو ذلك من باب: نزال ودراك ونظار ومناع, إنما أتاها من قبل تضمن هذه الأسماء معنى لام الأمر؛ لأن أصل ما صَهْ اسم له -وهو اسكت- لتسكت؛ كقراءة٤ النبي ﷺ : ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ ٥ وكذلك مَهْ هو اسم اكفُفْ, والأصل لتكفف. وكذلك نزال هو اسم انزل, والأصل: لتنزل. فلما كان معنى اللام عائرًا٦ في هذا الشق وسائرًا في أنحائه, ومتصورًا في جميع جهاته دخله البناء من حيث تضمَّن هذا المعنى, كما دخل أين وكيف لتضمَّنهما٧ معنى حرف الاستفهام, وأمس لتضمنه معنى حرف التعريف, ومن لتضمنه معنى حرف الشرط, وسوى ذلك. فأما أفّ وهيهات وبابهما مما هو اسم للفعل فمحمول في٨ ذلك على أفعال الأمر. " وكأنَّ"٩ الموضع في ذلك إنما هو لصهْ ومه ورويد ونحو ذلك, ثم حمل عليه باب أفّ وشتان ووشكان "من حيث"١٠ كان اسمًا سمي به الفعل.
стр. 712
وإذا جاز لأحمد وهو اسم معرفة١ علم أن يشبه ب"أركب" وهو فعل نكرة, كان أن يشبه اسم سمِّي به الفعل في الخبر باسم سمِّي به الفعل في الأمر أولى؛ ألا ترى أن كل واحد منهما اسم, وأن المسمَّى به أيضًا فعل. ومع ذا فقد تجد لفظ الأمر في معنى الخبر نحو قول الله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ ٢ وقوله عز اسمه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ ٣ أي: فليمدنَّ. ووقع أيضًا لفظ الخبر في معنى الأمر نحو قوله سبحانه: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ ٤, وقولهم: هذا الهلال. معناه: انظر إليه. ونظائره كثيرة.
فلمَّا كان أفّ كصه في كونه اسمًا للفعل٥ كما أنَّ صه كذلك, ولم يكن بينهما إلّا أن هذا اسم لفعل مأمور به, وهذا اسم لفعل مخبر به٦، وكان كل واحد من لفظ الأمر والخبر قد٧ يقع موقع صاحبه, صار كأن٨ كل واحد منها هو صاحبه, فكأن لا خلاف هناك في لفظ ولا معنى. وما كان على بعض هذه القربى والشبكة ألحق بحكم ما حمل عليه, فكيف بما ثبتت فيه ووقّت عليه واطمأنت به. فاعرف ذلك.
ومما حذفت لامه وجعل الزائد عوضًا منها فرزدق وفريزيد٩ وسفرجل وسفيريج. وهذا١٠ باب واسع.
стр. 713
فهذا طرف من القول على ما زيد من الحروف عوضًا من حرف أصلي محذوف, وأما الحرف الزائد عوضًا من حرف زائد فكثير. منه التاء في فرازنة وزنادقة وجحاجحة. لحقت عوضًا من ياء المد في زناديق وفرازين وجحاجيح.
ومن ذلك ما لحقته ياء المد عوضًا من حرف زائد حذف منه نحو قولهم في تكسير مدحرج وتحقيره: دحاريج ودحيريج, فالياء عوض من ميمه. وكذلك جحافيل وجحيفيل , الياء عوض من نونه١, وكذلك مغاسيل ومغيسيل , الياء عوض من تائه٢. وكذلك زعافير٣، الياء عوض من ألفه ونونه.
وكذلك الهاء في تَفْعِلة في المصادر عوض من ياء تفعيل أو ألف فعال. وذلك نحو: سليته تسلية, وربيته تربية ٤: الهاء بدل من ياء تفعيل في تسلَّى وتربَّى, أو ألف سلاء ورباء. أنشد أبو زيد:
باتت تنزَّى دلوها تنزيًا ... كما تنزى شهلة صبيًّا٥
ومن ذلك تاء الفعللة في الرباعي نحو: الهملجة٦ والسرهفة؛ كأنها عوض من ألف فعلال نحو: الهملاج والسرهاف, قال العجاج:
سرهفته ما شئت من سرهاف٧
стр. 714
وكذلك ما لحق بالرباعي من نحو: الحوقلة والبيطرة والجهورة والسلقاة. كأنها عوض من ألف حيقال وبيطار وجهوار وسلقاء.
ومن ذلك قول التغلبي ١:
متى كنَّا لأمك مقتوينا٢
والواحد مقتويّ وهو منسوب إلى مقتي وهو مفعل من القَتْو وهو الخدمة؛ قال:
إني امرؤ من بني خزيمة لا ... أحسن قتو الملوك والحفدا٣
فكان٤ قياسه إذا جمع أن يقال: مقتويون ومقتويين, كما أنه إذا جمع بصري وكوفي قيل: كوفيون وبصريون, ونحو ذلك, إلا إنه جعل علم الجمع معاقبًا لياءي الإضافة, فصحت اللام لنية الإضافة, كما تصح معها. ولولا ذلك لوجب حذفها لالتقاء الساكنين, وأن يقال: مقْتَوْن ومقْتَيْن, كما يقال: هم الأعلَوْن وهم المصطَفَوْن, قال الله سبحانه: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ ٥ وقال عز اسمه:
стр. 715
﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ ١ فقد ترى إلى تعويض٢ علم الجمع من ياءي٣ الإضافة والجميع زائد.
وقال سيبويه٤ في ميم فاعلته مفاعلة: إنها عوض من ألف فاعلته, وتتبَّع ذلك محمد بن يزيد فقال: ألف فاعلت٥ موجودة في المفاعلة, فكيف يعوض من حرف هو٦ موجود غير معدوم. وقد ذكرنا ما في هذا ووجه سقوطه عن٦ سيبويه في موضع غير هذا٧. لكن الألف في المفاعل بلا هاء هي ألف فاعلته لا محالة, "وذلك"٨ نحو: قاتلته مقاتلًا وضاربته مضاربًا قال:
أقاتل حتّى لا أرى لي مقاتلًا ... وأنجو إذا لم ينج إلّا المكيس٩
وقال:
أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلًا ... وأنجو إذا غم الجبان من الكرب١٠
стр. 716
فأما أقمت إقامة, وأردت إرادة "ونحو ذلك"١ فإن الهاء فيه على مذهب الخليل وسيبويه عوض من ألف إفعال الزائدة. وهي في قول أبي الحسن عوض من عين إفعال, على مذهبهما في باب مفعول من٢ نحو: مبيع ومقول. والخلاف في ذلك قد عرف وأحيط بحال المذهبين فيه, فتركناه لذلك.
ومن ذلك الألف في يمانٍ وتهامٍ وشئامٍ: هي عوض من إحدى ياءي الإضافة في يمنيّ وتهاميّ وشأميّ. وكذلك ألف ثمان٣. قلت لأبي علي: لم زعمتها للنسب فقال: لأنها ليست بجمع مكسر فتكون كصحارٍ. قلت له ٤: نعم ولو لم تكن للنسب٤ للزمتها الهاء البتة؛ نحو: عباقية٥ وكراهية وسباهية٦. فقال: نعم هو كذلك.
ومن ذلك أنَّ٧ ياء التفعيل بدل من ألف الفعال, كما أن التاء في أوله عوض من إحدى عينيه.
ففي هذا كاف بإذن الله.
وقد أوقع هذا التعاوض في الحروف المنفصلة عن الكلم غير المصوغة فيها الممزوجة بأنفس صيغها. وذلك قول الراجز -على مذهب الخليل:
إن الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يومًا على من يتَّكل٨
стр. 717
أي: من يتكل عليه. فحذف "عليه" هذه, وزاد "على" متقدّمة, ألا ترى أنه يعتمل١ إن لم يجد من يتكل عليه. وندع ذكر قول غيره ههنا. وكذلك قول الآخر ٢:
أولى فأولى يا امرأ القيس بعدما ... خصفن بآثار المطيّ الحوافرا
أي: خصفن بالحوافر آثار المطيّ, يعني: آثار أخفافها. فحذف الباء من "الحوافر", وزاد أخرى عوضًا منها في "آثار المطي".
هذا على قول من لم يعتقد القلب, وهو أمثل, فما وجدت مندوحة عن القلب لم ترتكبه.
وقياس هذا الحذف والتعويض قولهم: بأيهم تضرب أمرر, أي: أيهم تضرب أمرر به.
стр. 718
باب في استعمال الحروف بعضها مكان بعض:
هذا باب يتلقاه الناس مغسولًا١ ساذجًا من الصنعة, وما أبعد الصواب عنه وأوقفه دونه.
стр. 719
وذلك أنهم يقولون: إن "إلى " تكون بمعنى مع. ويحتجّون لذلك بقول الله سبحانه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ ١ أي: مع الله, ويقولون: إن٢ "في " تكون٣ بمعنى "على"، ويحتجون بقوله عز اسمه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ٤ أي: عليها, ويقولون: تكون الباء بمعنى عن وعلى, ويحتجون٥ بقولهم: رميت بالقوس أي: عنها وعليها, كقوله:
أرمي عليها وهي فرع أجمع٦
وقال٧ طفيل:
رمت عن قسي الماسخيّ رجالهم ... بأحسن ما يبتاع من نبل يثرب٨
وأنشدني٩ الشجري:
أرمى علي شريانة قذّاف ... تلحق ريش النبل بالأجواف١٠
стр. 720
وغير ذلك مما يوردونه.
ولسنا ندفع أن يكون ذلك كما قالوا, لكنا نقول: إنه يكون بمعناه١ في موضع دون موضع على حسب الأحوال٢ الداعية إليه، والمسوغة٣ له, فأما في كل موضع وعلى كل حال فلا، ألا ترى أنك٤ إن أخذت بظاهر هذا القول غفلًا هكذا, لا مقيّدًا لزمك عليه أن تقول: سرت إلى زيد, وأنت تريد: معه, وأن تقول: زيد في الفرس, وأنت تريد: عليه, وزيد في عمرو, وأنت تريد: عليه في العداوة, وأن تقول: رويت الحديث بزيد, وأنت تريد: عنه, ونحو ذلك مما يطول ويتفاحش. ولكن سنضع في ذلك رسمًا يعمل عليه, ويؤمن التزام الشناعة لمكانه.
اعلم أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر, وكان أحدهما يتعدَّى بحرف والآخر بآخر, فإن العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه إيذانًا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر, فلذلك جيء معه بالحرف المعتاد مع ما هو في معناه. وذلك كقول الله -عز اسمه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ٥ وأنت لا تقول: رفثت إلى المرأة, وإنما تقول: رفثت بها أو معها, لكنه لما كان الرفث هنا في معنى الإفضاء, وكنت تعدي أفضيت ب"إلى" كقولك: أفضيت إلى المرأة, جئت ب"إلى" مع الرفث إيذانًا وإشعارًا أنه بمعناه, كما صححوا عور وحول لمَّا كانا٦ في معنى
стр. 721
اعورَّ وأحولَّ. وكما جاءوا بالمصدر فأجروه على غير فعله لما كان في معناه؛ نحو قوله:
وإن شئتم تعاودونا عوادًا١
لما كان التعاود أن يعاود بعضهم بعضًا, وعليه جاء قوله ٢:
وليس بأن تتبعه اتباعًا٣
ومنه قول الله سبحانه: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ ٤ , وأصنع من هذا قول الهذلي ٥:
ما إن يمسُّ الأرض إلا منكب ... منه وحرف الساق طيّ المحمَل
فهذا على فعل ليس من لفظ هذا الفعل الظاهر, ألا ترى أن معناه: طوى طيّ المحمل, فحمل المصدر على فعل دلَّ أول الكلام عليه, وهذا ظاهر.
وكذلك قول الله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ ٦ أي: مع الله, وأنت لا تقول: سرت إلى زيد, أي: معه, لكنه إنما جاء٧ ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ لما كان معناه: من ينضاف في نصرتي إلى الله, فجاز لذلك أن تأتي هنا إلى, وكذلك قوله -عز اسمه: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ ٩ وأنت إنما تقول: هل لك في كذا, لكنه لما كان على١٠
стр. 722
هذا دعاء منه ﷺ صار تقديره: أدعوك وأرشدك إلى أن تزكَّى, وعليه قول الفرزدق:
كيف تراني قاليًا مجنِّي ... أضرب أمري ظهره للبطن
قد قتل الله زيادًا عنِّي١
لمَّا كان معنى قد قتله: قد صرفه، عدَّاه بعن.
ووجدت في اللغة من هذا الفنِّ شيئًا كثيرًا لا يكاد يحاط به, ولعله لو جمع أكثره "لا جميعه"٢ لجاء كتابًا ضخمًا, وقد عرفت طريقه. فإذا مرَّ بك شيء منه فتقبله وأنس٣ به, فإنه فصل من العربية لطيف حسن يدعو إلى الأنس بها والفقاهة فيها. وفيه أيضًا موضع يشهد على من٤ أنكر أن يكون في اللغة لفظان بمعنى واحد حتى تكلَّف لذلك أن يوجد فرقًا بين قعد٥ وجلس، وبين ذراع٦ وساعد, ألا ترى أنه لما كان رفث بالمرأة في معنى أفضى إليها جاز أن يتبع الرفث الحرف الذي بابه الإفضاء وهو "إلى ". وكذلك لما كان "هل لك في كذا" بمعنى
стр. 723
أدعوك إليه, جاز أن يقال: هل لك إلى أن تزكّى "كما يقال أدعوك إلى أن تزكّى"١ وقد قال رؤبة ما قطع به العذر ههنا قال:
بالٍ بأسماء البلى يسمَّى
فجعل للبلى -وهو معنى واحد- أسماء.
وقد قدمنا هذا "فيما مضى من صدر كتابنا"٢.
ومما جاء من الحروف في موضع غيره على نحو مما٣ ذكرنا قوله ٤:
إذا رضيت على بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها
أراد: عنِّى. ووجهه: أنها إذا رضيت عنه أحبته وأقبلت عليه, فلذلك استعمل "على" بمعنى "عن", وكان أبو علي يستحسن قول الكسائي في هذا؛ لأنه قال: لما كان "رضيت" ضد "سخطت" عدّى رضيت بعلى حملًا للشيء على نقيضه؛ كما يحمل على نظيره. وقد سلك سيبويه هذه٥ الطريق في المصادر كثيرًا, فقال: قالوا كذا كما قالوا كذا, وأحدهما ضد الآخر. ونحو منه قول الآخر ٦:
إذا ما امرؤ ولَّى علي بوده ... وأدبر لم يصدر بإدباره ودّي٧
стр. 724
أي: عنِّي. ووجهه أنه إذا ولَّى عنه بوده فقد استهلكه عليه, كقولك. أهلكت عليّ مالي, وأفسدت علي ضيعتي. وجاز أن يستعمل "على" ههنا؛ لأنه أمر عليه لا له. وقد تقدم نحو هذا.
وأما قول الآخر:
شدّوا المطيّ على دليل دائب ... من أهل كاظمةٍ بسيف الأبحر١
فقالوا معناه: بدليل. وهو عندي أنا على حذف المضاف, أي: شدوا المطي على دلالة دليل, فحذف المضاف. وقوي حذفه هنا شيئًا؛ لأن لفظ الدليل يدل على الدلالة. وهو كقولك: سر على اسم الله. و" على " هذه عندي حال من الضمير في سر وشدوا٢، وليست موصلة٣ لهذين الفعلين، لكنها متعلقة بمحذوف٤؛ حتى٥ كأنه قال: "سر معتمدًا على اسم الله"٦؛ ففي الظرف إذًا ضمير لتعلقه بالمحذوف. وقال ٧:
بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوءم
أي: على سرحة "وجاز ذلك من حيث كان معلومًا أن ثيابه لا تكون في داخل سرحة"٨؛ لأن السرحة لا تنشق فتستودع الثياب ولا غيرها, وهي بحالها سرحة.
стр. 725
فهذا من طريق المعنى بمنزلة كون الفعلين أحدهما في معنى صاحبه على ما مضى. وليس كذلك قول الناس: فلان في الجبل؛ لأنه قد يمكن أن يكون في غارٍ من أغواره, أو لصب١ من لصابه، فلا يلزم أن يكون عليه, أي: عاليًا فيه.
وقال:
وخضخضن فينا البحر حتى قطعنه ... على كل حال من غمارٍ ومن وحل٢
قالوا: أراد بنا, وقد يكون٣ عندي على حذف المضاف, أي: في سيرنا، ومعناه: في سيرهن بنا.
ومثل قوله: "كأن ثيابه في سرحة ": قول امرأة٤ من العرب:
هم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلا بأجدعا
لأنه معلوم أنه لا يصلب في داخل جذع٥ النخلة وقلبها.
وأما قوله ٦:
وهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهرًا في ثلاثة أحوال
стр. 726
فقالوا: أراد مع ثلاثة أحوال. وطريقه عندي أنه على حذف المضاف, يريد: ثلاثين شهرًا في عقب ثلاثة أحوال قبلها. وتفسيره: بعد ثلاثة أحوال, فالحرف إذًا على بابه؛ وإنما١ هنا حذف المضاف الذي قد شاع عند الخاص والعام. فأمَّا قوله ٢:
يعثرن في حدِّ الظبات كأنما ... كُسِيَت برود بني تزيد الأذرع٣
فإنه أراد: يعثر بالأرض في حد الظبات, أي: وهنّ في حد الظبات كقولك: خرج بثيابه, أي: وثيابه عليه, وصلّى في خفيه, أي: وخفاه عليه. وقال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ ٤ فالظرف إذًا متعلق بمحذوف؛ لأنه حال من الضمير, أي: يعثرن كائنات في حد الظبات.
وأما قول بعض الأعراب ٥:
نلوذ في أمّ لنا ما تغتصب ... من الغمام ترتدي وتنتقب٦
стр. 727
فإنه١ يريد بأم ٢ سلمى: أحد جبلي طيئ. وسماها أمّا لاعتصامهم بها وأويّهم إليها. واستعمل "في" موضع الباء, أي: نلوذ بها لأنهم إذا لاذوا بها فهم فيها لا محالة؛ إذ لا يلوذون ويعصمون٣ بها إلّا وهم فيها؛ لأنهم إن٤ كانوا بعداء عنها فليسوا لائذين بها, فكأنه قال: نسمك٥ فيها٦ ونتوقّل فيها. فلأجل ذلك ما استعمل "في" مكان الباء. فقس على هذا, فإنك لن تعدم إصابة بإذن الله ورشدًا.
باب في مضارعة الحروف للحركات والحركات للحروف:
وسبب ذلك أن الحركة حرف صغير, ألا ترى أن من متقدمي القوم من كان يسمٍّي الضمة الواو الصغيرة, والكسرة الياء الصغيرة, والفتحة الألف الصغيرة. ويؤكد ذلك عندك٧ أنك متى أشبعت ومطلت الحركة أنشأت بعدها حرفًا من جنسها. وذلك قولك في إشباع حركات٨ ضرب ونحوه: ضوريبا. ولهذا إذا احتاج الشاعر إلى إقامة الوزن مطل الحركة, "وأنشأ"٩ عنها حرفًا من جنسها. وذلك قوله ١٠:
نفى الدراهيم تنقاد الصياريف١١
стр. 728
وقوله -أنشدناه لابن هرمة:
وأنت من الغوائل حين ترمي ... ومن ذمّ الرجال بمنتزاح١
يريد: بمنتزح, وهو مفتعل من النزح٢ وقوله:
وأنني حيث ما يسري الهوى بصري ... من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور٣
فإذا ثبت أن هذه الحركات أبعاض للحروف٤ ومن جنسها, وكانت متى أشبعت ومطلت تمَّت ووفت جرت٥ مجرى الحروف, كما أن الحروف أنفسها قد تجد بعضها أتمَّ صوتًا من بعض, "وإن كانت كلها حروفًا يقع بعضها موقع بعض"٦ في غالب الأمر.
فممَّا أجري من الحروف مجرى الحركات: الألف والياء والواو, إذا أعرب بهنّ في تلك الأسماء الستة: أخوك وأبوك ونحوهما, وفي التثنية والجمع على حد التثنية نحو: الزيدان والزيدون والزيدين.
ومنها النون إذا كانت علمًا للرفع في الأفعال الخمسة, وهي تفعلان ويفعلان وتفعلون ويفعلون وتفعلين. وقد حذفت٧ أيضًا للجزم في لم٨ يغزوا ولم يدع ولم يرم، ولم يخش. وحذفت أيضًا٩ استخفافًا؛ كما تحذف الحركة لذلك. وذلك قوله:
فألقحت أخراهم طريق ألاهم ... كما قيل نجم قد خوى متتابع١٠
стр. 729
"يريد أولاهم"١ ومضى ذكره, وقال رؤبة:
وصَّاني العجاج فيما وصني
يريد: فيما وصاني, وقال الله -عز اسمه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ٢ وقد تقدم نحو هذا. فنظير حذف هذه الحروف للتخفيف حذف الحركات أيضًا في نحو قوله:
وقد بدا هنك من المئزر٣
وقوله:
فاليوم أشرب غير مستحقب٤
وقوله:
إذا اعوججن قلت صاحب قوم٥
وقوله:
ومن يتق فإن الله معه٦
وقوله:
أو يرتبط بعض النفوس حمامها٧
وقوله:
سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ... ونهر تيري ولا تعرفكم العرب٨
أي: "ولا"٩ تعرفكم, فأسكن مضطرًا.
стр. 730
ومن مضارعة الحرف للحركة أن الأحرف الثلاثة: الألف والياء والواو إذا أشبعن ومطلن أدين إلى حرف آخر غيرهنّ, إلا أنه شبيه بهن, وهو الهمزة, ألا تراك إذا مطلت الألف أدتك إلى الهمزة, فقلت: آء, وكذلك الياء في قولك: إيء, وكذلك الواو في قولك: أوء. فهذا كالحركة "إذا مطلتها"١ أدتك إلى صورة أخرى غير صورتها, وهي الألف والياء الواو في: منتزاح, والصياريف, أنظور. وهذا غريب في موضعه.
ومن ذلك أن تاء التأنيث في الواحد لا يكون ما قبلها إلّا مفتوحًا, نحو: حمزة وطلحة وقائمة, ولا يكون ساكنًا. فإن كانت الألف وحدها من بين سائر الحروف جازت. وذلك نحو: قطاة وحصاة وأرطاة وحبنطاة٢. أفلا ترى إلى مساواتهم بين الفتحة والألف حتى كأنها هي هي٣. وهذ يدل على أن أضعف الأحرف الثلاثة الألف دون أختيها؛ لأنها قد خصت هنا بمساواة الحركة دونها.
ومن ذلك قوله:
ينشب في المسعل واللهاء ... أنشب من مآشر حداء٤
قالوا: أراد حدادًا, فلم يعدد الألف حاجزًا بين المثلين. كما لم يعدد٥ الحركة في ذلك٦ في نحو: أمليت الكتاب في٧ أمللت.
ومن ذلك أنهم قد بينوا الحرف بالهاء, كما بينوا الحركة بها, "وذلك"٨ نحو قولهم: وازيداه وواغلامهماه وواغلامهوه, وواغلامهموه وواغلامهيه،
стр. 731
ووانقطاع ظهرهيه. فهذا نحو من قولهم: أعطيتكه, ومررت بكَهْ, واغزُهْ ولا تدعُهْ. والهاء في كله لبيان الحركة لا ضمير.
ومن ذلك أقعد الثلاثة في المدّ لا يسوغ تحريكه, وهو الألف, فجرت لذلك مجرى الحركة, ألا ترى أن الحركة لا يمكن تحريكها. فهذا وجه أيضًا من المضارعة فيها.
وأما شبه الحركة بالحرف ففي١ نحو: تسميتك امرأة بهند وجُمْل, فلك٢ فيهما٣ مذهبان: الصرف وتركه, فإن تحرك الأوسط ثقل الاسم، فقلت في اسم٤ امرأة سميتها بقدم بترك الصرف معرفة٥ البتة؛ أفلا ترى كيف جرت الحركة مجرى الحرف في منع الصرف. وذلك كامرأة سميتها بسعاد وزينب. فجرت الحركة في قدم وكبد ونحوه مجرى ألف سعاد وياء زينب.
ومن ذلك أنك إذا أضفت إلى الرباعي المقصور أجزت إقرار٦، الألف وقلبها واوًا, نحو: الإضافة إلى حُبْلَى , إن شئت قلت: حُبْلَى, وهو الوجه. وإن شئت: حبلوىّ. فإذا صرت إلى الخمسة حذفت الألف البتة أصلًا كانت أو زائدة. وذلك نحو٤ قولك في حُبَارَى: حُبَارِيّ, وفي مصطفى: مصطفيّ, وكذلك إن تحرك الثاني من الرباعي حذفت ألفه البتة, وذلك قولك في جمزى: حمزيّ’ وفي بشكى بشكيّ, ألا ترى إلى الحركة كيف أوجبت الحذف كما أوجبه الحرف الزائد على الأربعة, فصارت حركة عين جَمَزَى في إيجابها الحذف بمنزلة ألف حُبَارَى, وياء خَيْزَلى٧.
стр. 732
ومن مشابهة الحركة للحرف أنك تفصل بها ولا تصل إلى الإدغام معها, كما تفصل بالحرف ولا تصل إلى الإدغام معه. وذلك قولك: وتد ويطد. فحجزت الحركة بين المتقاربين كما يحجز الحرف بينهما، نحو: شمليل١ وحَبَرْبَر٢.
ومنها أنهم قد أجروا الحرف المتحرك مجرى الحرف المشدد, وذلك أنه إذا وقع رويًّا في الشعر المقيد سكن؛ كما أن الحرف المشدد إذا وقع رويًّا في الشعر المقيد خفف. فالمتحرك نحو قوله:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
فأسكن القاف وهي مجرورة. والمشدد نحو قوله:
أصحوت اليوم أم شاقتك هِرّ
فحذف إحدى٣ الراءين كما حذف الحركة من قاف المخترق, وهذا إن شئت قلبته فقلت: إن الحرف أجري فيه مجرى الحركة, وجعلت الموضع في الحذف للحركة, ثم لحق بها فيه الحرف. وهو عندي أقيس.
ومنها استكراههم اختلاف٤ التوجيه: أن يجمع٥ مع الفتحة غيرها من أختيها٦، نحو: جمعه٧ بين المخترق وبين العقق٨ والحمق. فكراهيتهم هذا نحو من امتناعهم من الجمع٩ بين الألف مع الياء والواو ردفين.
стр. 733
ومن ذلك عندي أن حرفي العلة: الياء والواو قد صحَّا في بعض المواضع للحركة بعدهما, كما يصحان١ لوقوع حرف اللين ساكنًا بعدهما. وذلك نحو: القود والحوكة والخونة والغيب والصيد وحول٢ وروع٣ و"إِنَّ بُيُوتَنَا عَوِرَةٌ"٤ فيمن٥ قرأ كذلك. فجرت الياء والواو هنا في الصحة لوقوع الحركة بعدهما مجراهما فيها لوقوع حرف اللين ساكنًا بعدهما, نحو: القواد والحواكة والخوانة والغياب والصياد وحويل ورويع, وإن بيوتنا عويرة.
وكذلك ما صحَّ من نحو قولهم: هيؤ الرجل من الهيئة, هو جارٍ مجرى صحَّة هيوء لو قيل. فاعرف ذلك مذهبًا في صحة ما صحَّ من هذا النحو لطيفًا غريبًا.
стр. 734
باب محلّ "الحركات من الحروف" ١ أمعها أم قبلها أم بعدها:
أما مذهب سيبويه فإن الحركة تحدث بعد الحرف, وقال غيره: معه. وذهب غيرهما إلى أنها تحدث قبله.
قال أبو علي: وسبب هذا الخلاف لُطف الأمر وغموض الحال, فإذا٢ كان هذا أمر يعرض للمحسوس الذي إليه تتحاكم النفوس فحسبك به لطفًا, وبالتوقف فيه لبسًا.
стр. 735
فمِمَّا يشهد لسيبويه بأن الحركة حادثة بعد الحرف وجودنا إياها فاصلة بين المثلين مانعة من إدغام الأول في الآخر, نحو: الملل والضعف١ والمشش٢؛ كما تفصل الألف بعدها بينهما, نحو: الملال والضفاف والمشاش. وهذا مفهوم. وكذلك شددت ومددت, فلن تخلو٣ حركة الأول من أن تكون قبله أو معه أو بعده. فلو كانت في الرتبة قبله لما حجزت عن الإدغام, ألا ترى أن الحرف المحرَّك بها كان يكون على ذلك بعدها حاجزًا بينها وبين ما بعده من الحرف الآخر.
ونحو من ذلك قولهم: ميزان وميعاد, فقلب الواو ياء يدل على أن الكسرة لم تحدث قبل الميم؛ لأنها لو كانت حادثة قبلها لم تلِ٤ الواو, فكان يحب أن يقال: موزان وموعاد, وذلك أنك إنما تقلب الواو ياء للكسرة التي تجاورها من قبلها, فإذا كان بينها وبينها حرف حاجز لم تلها, وإذا لم تلها لم يجب أن نقلبها للحرف الحاجز بينهما. وأيضًا فلو٥ كانت قبل حرفها لبطل الإدغام في الكلام؛ لأن حركة الثاني كانت تكون قبله حاجزة بين المثلين. وهذا واضح.
فإذا بطل أن تكون الحركة حادثة قبل الحرف المتحرّك بها من حيث أرينا, وعلى ما أوضحنا وشرحنا, بقي سوى مذهب سيبويه أن يظن بها٦ أنها تحدث مع الحرف نفسه لا قبله ولا بعده. وإذا فسد هذا لم يبق إلا ما ذهب إليه سيبويه.
والذي يُفسِد كونها حادثة مع الحرف البتَّة هو أنا لو أمرنا مذكرًا من الطيّ, ثم أتبعناه أمرًا آخر٧ له من الوجل من غير حرف عطف, لا بل بمجيء الثاني تابعًا للأول البتة, لقلنا ٨: اطوايجل. والأصل فيه: اطو اوجل, فقلبت الواو التي هي فاء الفعل
стр. 736
من الوجل ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. فلولا أن كسرة واو "اطو" في الرتبة بعدها, لما قلبت ياء١ واو "اوجل". وذلك أن الكسرة إنما تقلب الواو لمخالفتها إياها في جنس الصوت, فتجتذبها٢ إلى ما هي بعضه ومن جنسه وهو الياء, وكما أن هناك كسرة في الواو فهناك أيضًا الواو, وهي وفق الواو الثانية لفظًا وحسًّا, وليست الكسرة على قول المخالف أدنى إلى الواو الثانية من الواو الأولى؛ لأنه يروم أن يثبتهما جميعًا في زمان واحد, ومعلوم أن الحرف أوفى صوتًا وأقوى جرسًا من الحركة, فإذا لم يقل لك: إنها أقوى من الكسرة التي فيها, فلا أقل من أن تكون في القوة والصوت مثلها. فإذا كان كذلك لزم ألا تنقلب٣ الواو الثانية للكسرة قبلها؛ لأن بإزاء الكسرة المخالفة للواو "الثانية الواو"٤ الأولى الموافقة للفظ الثانية. فإذا تأدَّى الأمر في المعادلة إلى هنا ترافعت الواو والكسرة أحكامهما, فكأن لا كسرة قبلها٥ ولا واو. وإذا كان كذلك لم تجد أمرًا تقلب له الواو الثانية ياء, فكان يجب على هذا أن تخرج الواو الثانية من "اطو اوجل" صحيحة غير معتلة٧، لترافع ما قبلها من الواو والكسرة وأحكامهما؛ وتكافؤهما فيما ذكرنا.
لا، بل دلَّ قلب الواو الثانية من "اطو اوجل" ياء حتى صارت "اطو ايجل" على أن الكسرة أدنى إليها من الواو قبلها, وإذا كانت أدنى إليها كانت بعد الواو المحركة بها لا محالة.
فهذا إسقاط قول من ذهب إلى أنها تحدث "مع الحرف وقول من ذهب إلى أنها تحدث"٧ قبله٨؛ ألا تراها لو كانت الكسرة في باب "اطو" قبل الواو لكانت
стр. 737
الواو الأولى حاجزة بينها وبين الثانية, كما كانت ميم ميزان تكون أيضًا حاجزة بينهما -على ما قدمنا, فإذا بطل١ هذان ثبت قول صاحب الكتاب, وسقطت عنه فضول المقال.
قال أبو علي: يقوّي قول من قال: إن الحركة تحدث مع الحرف أن النون الساكنة مخرجها مع حروف٢ الفم من الأنف, والمتحركة مخرجها من الفم, فلو كانت حركة الحرف تحدث من بعده لوجب أن تكون النون المتحركة أيضًا من الأنف. وذلك أن الحركة إنما تحدث بعدها, فكان ينبغي عنها شيئًا، لسبقها هي الحركتها.
كذا قال ﵀ ورأيته معنيًّا بهذا الدليل, وهو عندي ساقط عن سيبويه وغير لازم له.
وذلك٣ "أنه لا ينكر"٤ أن يؤثِّر الشيء فيما قبله من قبل وجوده؛ لأنه قد علم أن سيرد فيما بعد. وذلك كثير.
فمنه أن النون الساكنة إذا وقعت بعدها الباء قلبت النون ميمًا في اللفظ, وذلك نحو: عمبر وشمباء في عنبر وشنباء, فكما لا يشك في٥ أن الباء في ذلك بعد النون وقد قلبت النون قبلها, فكذلك لا ينكر أن تكون حركة النون الحادثة بعدها تزيلها عن الأنف إلى الفم, بل إذا كانت الباء أبعد من٦ النون قبلها٧ من حركة النون فيها وقد أثَّرت على بُعْدها ما أثرته كانت حركة النون التي هي أقرب
стр. 738
إليها وأشدَّ التباسًا بها, أولى بأن تجذبها وتنقلها من الأنف إلى الفم. وهذا كما تراه واضح.
ومما غُيِّر متقدمًا لتوقّع ما يرد من بعده متأخرًا١ ضمَّهم همزة الوصل لتوقعهم الضمة بعدها؛ نحو: اقُتل٢، ادخل, اُستضعف, اخُرج١، اُستخرج.
ومما يقوِّي عندي قول من قال: إن الحركة تحدث قبل الحرف, إجماع النحويين على قولهم٢: إن الواو في يعدو ويزن ونحو ذلك, إنما حذفت لوقوعها بين ياء وكسرة. يعنون: في يوعد ويوزن ونحوه٢ "لو خرج على أصله"٣. فقولهم: بين ياء وكسرة يدلُّ على أن الحركة عندهم قبل حرفها المحرك بها, ألا ترى أنه لو كانت الحركة بعد الحرف كانت٤ الواو في يوعد بين فتحة وعين, وفي يوزن بين فتحة وزاي. فقولهم: بين ياء وكسرة يدل على أن الواو في نحو٥: يوعد, عندهم بين الياء التي هي أدنى إليها من فتحتها, وكسرة العين التي هي أدنى إليها من العين بعدها. فتأمَّل ذلك.
وهذا وإن كان من الوضوح على ما تراه, فإنه لا يلزم من موضعين: أحدهما أنه لا يجب أن تكون فيه دلالة على اعتقاد القوم فيما نسبه هذا السائل إلى أنهم مريدوه ومعتقدوه, ألا ترى أنَّ مَنْ يقول: إن الحركة تحدث بعد الحرف, ومن يقول: إنها تحدث مع الحرف, قد أطلقوا جميعًا هذا القول الذي هو قولهم: إن الواو حذفت من يعد ونحوه لوقوعها بين ياء وكسرة, فلو كانوا يريدون ما عزوته إليهم وحملته عليهم, لكانوا مناقضين, وموافقين لمخالفهم, وهم لا يعلمون. وهذا أمر مثله لا ينسب إليهم ولا يظن بهم.
стр. 739
فإذا كان كذلك علمت أن غرض القوم فيه ليس ما قدّرته ولا ما تصوّرته, وإنما هو أن قبلها ياء وبعدها كسرة, وهما مستثقلتان. فأمَّا أن تماسّا الواو وتباشراها على ما فرضته وادعيته فلا. وهذا كثير في الكلام والاستعمال, ألا ترى أنك تقول: خرجنا فسرنا, فلما حصلنا بين بغداد والبصرة كان كذا. فهذا كما تراه قول١ صحيح معتاد, إلّا أنه قد يقوله من حصل يدير العاقول, فهو -لعمري- بين بغداد والبصرة, وإن كان أيضًا بين جرجرايا٢ والمدائن, وهما أقرب إليه من بغداد والبصرة. وكذلك الواو في يوعد هي لعمري بين ياء وكسرة, وإن كان أقرب إليها منهما فتحة الياء والعين. وكذلك يقال أيضًا: هو٣ من عمره ما بين الخمسين إلى الستين, فيقال ذلك فيمن له خمس وخمسون سنة٤، فهي٥ لعمري بين الخمسين والستين, إلّا أن الأدنى إليها الأربع والخمسون والست والخمسون. وهذا جلي غير مشكل. فهذا أحد الموضعين.
وأما الآخر فإن أكثر ما في هذا أن يكون حقيقة عند القوم, وأن يكونوا مريديه ومعتقديه, ولو أرادوه واعتقدوه٦ وذهبوا إليه لما كان دليلًا على موضع الخلاف. وذلك أن هذا موضع إنما يتحاكم فيه إلى النفس والحسّ, ولا يرجع فيه إلى إجماع ولا إلى سابق سنة ولا قديم ملة, ألا ترى أنَّ إجماع النحويين في هذا ونحوه لا يكون حجة؛ لأن كل واحد منهم إنما يرُدُّك ويرجع بك فيه إلى "التأمل والطبع"٧ لا إلى التبعية٨ والشرع. هذا لو كان لا بُدَّ من أن يكونوا قد
стр. 740
أرادوا ما عزاه السائل إليهم واعتقده لهم١. فهذا كلّه يشهد بصحة مذهب سيبويه في أن الحركة حادثة بعد حرفها المحرّك بها.
وقد٢ كنا قلنا فيه قديمًا قولًا آخر مستقيمًا, وهو أن الحركة قد ثبت أنها بعض حرف. فالفتحة بعض الألف, والكسرة بعض الياء, والضمة بعض الواو. فكما أن الحرف لا يجامع حرفًا آخر فينشآن معًا في وقت واحد, فكذلك بعض الحرف لا يجوز أن ينشأ مع حرف آخر في وقت واحد؛ لأن حكم البعض في هذا جارٍ مجرى حكم الكل. ولا يجوز أن يتصوّر أن حرفًا من الحروف حدث بعضه مضامًّا٣ لحرف وبقيته من بعده في غير ذلك الحرف, لا في زمان واحد ولا في زمانين. فهذا يفسد قول من قال: إن٤ الحركة تحدث مع حرفها المتحرك٥ بها أو قبله أيضًا, ألا ترى أن الحرف الناشئ عن الحركة لو ظهر لم يظهر إلّا بعد الحرف المحرّك بتلك الحركة, وإلا فلو كانت قبله لكانت الألف في نحو: ضارب, ليست تابعة للفتحة لاعتراض الضاد بينهما, والحس يمنعك ويحظر عليك أن تنسب إليه قبوله اعتراض معترض بين الفتحة والألف التابعة لها في٢ نحو: ضارب وقائم, ونحو ذلك. وكذلك القول في الكسرة والياء, والضمة والواو إذا تبعتاهما. وهذا تناهٍ في البيان, والبروز إلى حكم العيان. فاعرفه. وفي بعض ما أوردناه "من هذا"٦ كافٍ بمشيئة الله.