← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9986

الخصائص

ابن جني

Полный текст (1 357 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

نحو قوص يوم جالت حوله ال ... خيل قبًّا عن يمين أو شمال١ كم رئيس يقدم الألف على السا ... بح الأجرد ذي العقب الطوال٢ قد أباحت جمعه أسيافنا ال ... بيض في الروعة من حيٍّ حلال٣ ولنا دار ورثناها عن ال ... أقدم القدموس من عمّ وخال٤ منزل دمّنه آباؤنا ال ... مورثونا المجد في أولَى الليالي٥ ما لنا فيها حصون غير ما ال ... مقربات الخيل تعدو بالرجال٦

стр. 667

في روابي عدمليّ شامخ ال ... أنف فيه إرث مجدٍ وجمال١ فاتَّبعنا ذات أولانا الألى ال ... موقدي الحرب وموفٍ بالحبال٢ فقاد القصيدة كلها، على أن آخر مصراع كل بيت منها منتهٍ إلى لام التعريف، غير بيت واحد؛ وهو قوله: فانتجعنا الحارث الأعرج في فصار هذا البيت الذي نقض القصيدة أن تمضي على ترتيب واحد هو أفخر ما فيها, وذلك أنه دلَّ على أن هذا الشاعر إنما تساند إلى ما في طبعه ولم يتجشَّم إلّا ما في نهضته ووسعه من غير اغتصاب له ولا استكراه أجاءه إليه؛ إذ لو كان ذلك على خلاف ما حدَّدْناه, وأنه إنما صنع الشعر صنعًا, وقابله بها ترتيبًا ووضعًا؛ لكان قمنا ألا ينقض ذلك كله٣ بيت واحد يوهيه ويقدح فيه. وهذا واضح. وأما قول الآخر: قد جعل النعاس يغرنديني ... أدفعه عني ويسرنديني٤ فلك فيه وجهان: إن شئت جعلت رويَّه النون؛ وهو الوجه. وإن شئت الياء، وليس بالوجه. وإن أنت جعلت النون هي الروي فقد التزم الشاعر فيها أربعة أحرف غير واجبة, وهي الراء والنون والدال والياء. " ألا ترى أنه يجوز معها يعطيني

стр. 668

ويرضيني ويدعوني ويغزوني"١؛ ألا ترى أنك إذا جعلت الياء هي الروي فقد زالت الياء أن تكون ردفًا لبعدها عن الروي. نعم وكذلك لما كانت النون رويًّا كانت الياء غير لازمة. وإن أنت جعلت الياء الروي فقد التزم فيه خمسة أحرف غير لازمة, وهي الراء والنون والدال والياء والنون؛ لأن الواو يجوز معها "ألا ترى أنه يجوز معها"١ في القولين جميعًا يغزوني ويدعوني. ومما يسأل عنه من هذا النحو قول الثقفي يزيد بن الحكم: وكم منزل لولاي طحت كما هوى بها ... بأجرامه من قلّة النيق منهو٢ التزم الواو والياء فيها كلّها. والجواب أنها واوية لأمرين: أحدهما أنك إذا جعلتها واويَّة كانت مطلقة, ولو جعلتها يائية كانت مقيدة، والشعر المطلق أضعاف المقيد، والحمل٣ إنما يجب أن يكون على٤ الأكثر لا على الأقل. والآخر أنه قد التزم الواو, فإن جعلت القصيدة واويَّة فقد التزم واجبًا, وإن جعلتها يائية فقد التزم غير واجب, واعتبرنا هذه اللغة وأحكامها ومقاييسها, فإذا الملتزم أكثره واجب "وأقله غير واجب"٥ والحمل على الأكثر دون الأقل. فإن قلت: فإن هذه القلّة أفخر من الكثرة, ألا ترى أنها دالة على قوة الشاعر. وإذا كانت أنبه وأشرف كان الأخذ يجب أن يكون بها, ولم يحسن العدول عنها مع القدرة عليها. وكما أن الحمل على الأكثر, فكذلك يجب أن يكون الحمل على الأقوى أولى من الحمل على الأدنى.

стр. 669

قيل: كيف تصرَّفت الحال فينبغي أن يعمل١ على الأكثر لا على الأقل, وإن كان الأقل أقوى قياسًا, ألا ترى إلى٢ قوة قياس قول بني تميم في "ما ", وأنها ينبغي أن تكون غير عاملة٣ في أقوى القياسين عن سيبويه. ومع ذا فأكثر المسموع عنهم إنما هو لغة أهل الحجاز, وبها نزل القرآن. وذلك "أننا بكلامهم ننطق"٤, فينبغي أن يكون على ما استكثروا٥ منه يحمل. هذا هو "قياس مذهبهم" وطريق اقتفائهم. ووجدت أكثر قافية رؤبة مجرورة الموضع. وإذا تأملت ذلك وجدته, أعني: قوله: وقاتم الأعماق خاوي المخترق وقد التزم العجاج في رائيته: قد جبر الدين إلاله فجبر وذلك أنه التزم الفتح قبل رويّها البتة. ولَعَمْري إن هذا مشروط في القوافي, غير أنك قلَّمَا تجد قافية مقيدة إلّا وأتت الحركات قبل رويها مختلفة, وإنما المستحسن من هذه الرائية سلامتها, مما لا يكاد يسلم منه غيرها. فإن٦ كانت المقيدة مؤسسة ازداد اختلاف الحركات قبل رويّها قبحًا. وذلك أنه ينضاف إلى قبح اختلافه أن هناك

стр. 670

تأسيسًا؛ ألا ترى أنه يقبح اختلاف الإشباع١ إذا كان الروي مطلقًا نحو قوله ٢: فالفوارع مع قوله: فالتدافع٢. فما ظنّك إذا كان الروي مقيدًا, وقد أحكمنا هذا في كتابنا المعرب٣ في شرح قوافي أبي الحسن. وقد قال هميان بن قحافة ٤: لما رأتني أم عمرو صدفت ... قد بلغت بي ذرأة فألحفت٥ وهامة كأنها قد نُتِفْت ... وانعاجت الأحناء حتى احلنقفت٦ وهي تسعة وثلاثون بيتًا التزم في جميعها الفاء وليست واجبة, وإن كانت قريبةً من صورة٧ الوجوب. وذلك أن هذه التاء في الفعل إذا صارت إلى الاسم صارت في الوقف هاء في قولك: صادفة وملحفة ومحلنقفة "فإذا صارت هاء"٨ لم يكن الروي إلّا ما قبلها, فكأنها لما سقط حكمها مع الاسم من ذلك الفعل

стр. 671

صارت في الفعل نفسه قريبة من ذلك الحكم, وهذا الموضع لقطرب, وهو جيد. ومن ذلك تائية كثيِّر: خليلي هذا ربع عزة فاعقلا١ لزم٢ في جميعها اللام والتاء. ومنه قول منظور ٣: من لي من هجران ليلى من لي لزم اللام المشدد إلى آخرها. وفي المحدثين من يسلك هذا الطريق وينبغي أن يكونوا إليه أقرب وبه أحجى؛ إذ كانوا في صنعة الشعر أرحب ذراعًا وأوسع خناقًا؛ لأنهم فيه متأنون وعليه متلومون٤، وليسوا بمرتجليه ولا مستكرهين فيه. وقد كان ابن الرومي رام ذلك لسعة حفظه وشدة مأخذه. فمن ذلك رائيته في وصف العنب وهي قوله: ورازقيّ مُخْطَفِ الخصور ... كأنه مخازن البلور

стр. 672

التزم فيها الواو البتَّة ولم يجاوزها غالبًا١. وكذلك تائيته ٢: أترفتها وخطرقتها وسفسفتها, التزم فيها الفاء وليست بواجبة, وكذلك ميميته التي يرثي بها أمه: أفيضا دَمًا إن الرزايا لها قيَم٢ أوجب على نفسه الفتحة قبل الميم على حدّ رائية العجاج: قد جبر الدين الإله فجبر غير أنِّي أظن أن٤ في هذه الميمية بيتًا ليس من قبل رويّه مفتوحًا٥. وأنشدني مرة بعض أحداثنا شيئًا سماه شعرًا على رسم للمولدين٦ في مثله، غير أنه عندي أنا قوافٍ منسوقة غير٧ محشوة في معنى قول سلم الخاسر ٨: موسى القمر غيث بكر ثم انهمر وقول الآخر ٩: طيف ألم بذي سلم يسري العتم١٠ بين الخيم "جاد بفم"١١

стр. 673

وقول الآخر١: قالت حيل شؤم الغزل هذا الرجل حين احتفل أهدى بصل٢ والقوافي المنسوقة التي أنشدنيها صاحبنا هذا ميمية في وزن قوله: طيف ألم, لا يحضرني الآن حفظها غير أنه التزم فيها الفتحة البتة إلّا قافية واحدة وهو٣ قوله: فاسلم ودم، ورأيته قلقًا لاضطراره إلى مخالفة بقية القوافي بها٤ فقلت له: لا عليك فلك أن تقول: فاسلم ودم، أمرًا من قولهم ٥: دام يدام، وهي لغة، قال: يا مي لا غرو ولا ملامًا ... في الحب إن الحب لن يداما٦ فسر بذلك وقال: أسير بها إلى بلدي. وأفضينا إلى هذا القدر لاتصاله بما كنا عليه، قال ٧: وعند سعيد غير أن لم أبح به ... ذكرتك إن الأمر يذكر للأمر وأكثر هذه الالتزامات في الشعر؛ لأنه يخطر على نفسه ما تبيحه الصنعة إياه إدلالًا وتغطرفًا واقتدارًا وتعاليًا, وهو كثير. وفيما أوردناه منه كافٍ.

стр. 674

فأما في غير الشعر فنحو قولك في جواب من سألك فقال لك ١: أي شيء عندك؟ زيد أو عمرو أو محمد الكريم أو علي العاقل. فإنما جوابه الذي لا يقتضي السؤال غيره أن يجيبه بنكرة في غاية "شياع مثلها"٢ فيقول ٣: جسم. ألا ترى أنه قد يجوز أن يكون في قوله: أيّ شيء عندك إنما أراد أن يستفصلك بين أن يكون عندك علم أو قراءة أو جود أو شجاعة, وأن يكون عندك جسم ما. فإذا قلت: جسم فقد فصلت بين أمرين قد كان يجوز أن يريد منك فصلك بينهما, إلّا أن جسمًا وإن كان قد فصل بين المعنيين فإنه مبالغ في إبهامه. فإن تطوّعت زيادة على هذا قلت: حيوان. وذلك أن حيوانًا أخص من جسم, كما أن جسمًا أخص من شيء, فإن تطوع شيئًا آخر قال في جواب أي شيء عندك: إنسان؛ (لأنه أخص من حيوان, ألا تراك تقول: كل إنسان حيوان, وليس كل حيوان إنسانًا, كما تقول: كل إنسان جسم, وليس كل جسم إنسانًا. فإن تطوَّع بشيء آخر قال: رجل. فإن زاد في التطوع شيئًا آخر٤ قال: رجل عاقل, أو نحو ذلك. فإن تطوع شيئًا آخر قال: زيد أو عمرو "أو نحو ذلك"٥. فهذا كله تطوع بما لا يوجبه سؤال هذا السائل. ومنه قول أبي دواد: فقصرن الشتاء بعد عليه ... وهو للذود أن يقسمن جار٦

стр. 675

فهذا جواب كم؛ كأنه قال: كم قصرن عليه؟ وكم١ ظرف٢ ومنصوبة الموضع, فكان٣ قياسه أن يقول: ستة أشهر؛ لأن كم سؤال عن قدر من العدد محصور, فنكرة هذا كافية من معرفته, ألا ترى أن قولك: عشرون والعشرون وعشروك "ونحو ذلك"٤ فائدته في العدد واحدة, لكن المعدود معرفة مرة ونكرة أخرى. فاستعمل الشتاء وهو معرفة في جواب كم. وهذا تطوّع بما لا يلزم. وليس عيبًا بل هو زائد على المراد. وإنما العيب أن يقصر في الجواب عن مقتضى السؤال, فأمَّا إذا زاد عليه فالفضل معه واليد له. وجاز أن يكون الشتاء جوابًا "لكم" من حيث كان عددًا في المعنى, ألا تراه ستة أشهر. وافقنا٥ أبو علي ﵀ على هذا الموضع من الكتاب وفسره ونحن بحلب, فقال: إلا في هذا البلد فإنه ثمانية أشهر. يريد طول الشتاء بها. ومن ذلك قولك في جواب من قال لك: الحسن٦ أو الحسين أفضل أم ابن الحنفية: الحسن أو قولك: الحسين. وهذا تطوع من المجيب بما لا يلزم. وذلك أن جوابه على ظاهر سؤاله أن يقول له: أحدهما ألا ترى أنه لما قال له: الحسن أو الحسين أفضل أم ابن الحنفية فكأنه قال: [أ] ٧أحدهما أفضل أم ابن الحنفية, فجوابه على ظاهر سؤاله أن يقول: أحدهما. فقوله: "الحسن" أو قوله: الحسين فيه زيادة تطوع بها لم ينطو السؤال على استعلامها. ونظير قوله في الجواب على اللفظ أن يقول: الحسن "أو الحسين"؛ لأن قوله: "أو الحسين" بمنزلة أن

стр. 676

يقول: أحدهما. والجواب المتطوع فيه أن يقول: "الحسن" ويمسك, أو أن يقول: الحسين ويمسك. فأما إن كان كيسانيًّا١ فإنه يقول: ابن الحنفية, هكذا كما ترى. فإن قال: الحسن "أفضل أم الحسين"٢ أو ابن الحنفية, فقال: الحسن, فهو جواب لا تطوع فيه. فإن قال: أحدهما, فهو جواب لا تطوع فيه أيضًا. فإن قال: "الحسين" ففيه٣ تطوع. وكذلك إن قال: "ابن الحنفية" فقد تطوّع أيضًا. فإن قال: الحسن أو ابن الحنفية أفضل أم الحسين, فقال له المجيب: الحسين, فهو جواب لا تطوع فيه. فإن قال: أحدهما, فهو أيضًا جواب لا تطوع فيه. فإن قال: الحسن, أو قال: ابن الحنفية ناصًّا على أحدهما معينًا فهو جواب متطوع فيه على ما بينا فيما قبل. ومن التطوع المشام للتوكيد قول الله سبحانه: ﴿إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ٤، ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ٦ وقولهم: مضى أمس الدابر وأمس المدبر. وهو كثير. وأنشد الأصمعي: وأبي الذي ترك الملوك وجمعهم ... بصهاب هامدةً كأمس الدابر٧ وقال ٨: خبلت غزالة قلبه بفوارسٍ ... تركت منازله كأمس الدابر٩

стр. 677

ومن ذلك أيضًا الحال المؤكدة، كقوله ١: كفى بالنأي من أسماء كاف لأنه إذا٢ كفى فهو كافٍ لا محالة. ومنه قولهم: أخذته بدرهم فصاعدًا، هذه أيضًا حال مؤكدة, ألا ترى أن تقديره: فزاد الثمن صاعدًا, ومعلوم أنه إذا زاد الثمن لم يكن إلّا صاعدًا. غير أن للحال هنا مزية عليها في قوله: كفى بالنأي من أسماء كافٍ لأن صاعدًا ناب في اللفظ عن الفعل الذي هو زاد، "وكافٍ" ليس بنائب في اللفظ عن شيء, ألا ترى أن الفعل الناصب له ملفوظ به معه. ومن الحال المؤكدة قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ ٣ وقول ابن دارة: أنا ابن دارة معروفًا بها نسبي٤ وهو باب منقاد.

стр. 678

فأما قوله سبحانه: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ ١ فيكون من هذا, وقد يجوز أن يكون قوله سبحانه: ﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾ مفيدًا. وذلك أنه قد يقال في المثل: طاروا علاهنّ فشل علاها٢ وقال آخر: وطرت بالرحل إلى شملة ... إلى أمون رحلةٍ فذلَّت ومن أبيات الكتاب: وطرت بمنصلي في يعملات ... دوامي الأيد يخبطن السريحا٤ وقال القطامي: ونفخوا عن مدائنهم فطاروا٥

стр. 679

وقال العجاج: طرا إلى كل طوال أعوجا١ وقال العنبري ٢: طاروا إليه زرافاتٍ وأُحدانا وقال النابغة الذبياني: يطير فضاضًا بينها كل قونسٍ٣ فيكون قوله تعالى: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ على هذا مفيدًا, أي: ليس الغرض تشبيهه بالطائر ذي الجناحين, بل هو الطائر بجناحيه البتة. وكذلك قوله -عز اسمه: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٤ قد يكون قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ مفيدًا. وذلك أنه قد يستعمل في الأفعال الشاقة المستثقلة على قول من يقول: قد سرنا٥ عشرًا وبقيت علينا ليلتان؛ وقد حفظت القرآن وبقيت عليّ منه سورتان, وقد صمنا عشرين من الشهر وبقي علينا عشر. وكذلك يقال في الاعتداد على الإنسان بذنوبه

стр. 680

وقبيح١ أفعاله: قد أخرب عليّ ضيعتي وموّت٢ عليّ عواملي وأبطل عليّ انتفاعي٣, فعلى هذا لو قيل: فخرَّ عليهم السقف, ولم يقل: من فوقهم, لجاز أن يظن به أنه كقولك ٤: قد خربت عليهم دارهم, وقد أهلكت٥ عليهم مواشيهم وغلاتهم٦, وقد تلفت عليهم تجاراتهم. فإذا قال: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ زال ذلك المعنى المحتمل, وصار معناه: أنه سقط وهم من تحته. فهذا معنى غير الأول. وإنما "اطَّردت على"٧ في الأفعال التي قدّمنا ذكرها, مثل: خربت عليه ضيعته, وموتت عليه عوامله, ونحو٨ ذلك من حيث كانت "على" في الأصل للاستعلاء. فلمَّا كانت هذه الأحوال "كلفًا و"٩ مشاق تخفض الإنسان وتضعه وتعلوه وتفرعه١٠ حتى يخضع لها ويخنع١١ لما يتسدّاه١٢ منها, كان ذلك من مواضع على, ألا تراهم يقولون: هذا لك, وهذا عليك, فتستعمل اللام فيما تؤثره١٣، وعلى فيما تكرهه١٣، قالت ١٤: سأحمل نفسي على آلة ... فإما عليها وإما لها

стр. 681

وقال ابن حلزة: فله هنالك لا عليه إذا ... دنعت أنوف القوم للتعس١ فمن هنا دخلت "على" هذه في هذه الأفعال التي معناها إلى الإخضاع والإذلال. وما يُتَطوَّع به من غير وجوب كثير, وفيما مضى منه٢ كافٍ ودالٍّ عليه بإذن الله.

стр. 682

باب في التامِّ يزاد عليه فيعود ناقصًا ١: هذا موضع ظاهره٢ ظاهر التناقض, ومحصوله صحيح واضح. وذلك قولك: قام زيد, فهذا كلام تام, فإن زدت عليه فقلت: إن قام زيد, صار شرطًا واحتاج إلى جواب. وكذلك قولك: زيد منطلق, فهذا كلام مستقل٣، فإذا زاد عليه٤ أن "المفتوحة فقال: أن زيدًا منطلق"٥ احتاج إلى عامل يعمل في أن وصلتها, فقال: بلغني أن زيدًا منطلق, ونحوه. وكذلك قولك: زيد أخوك, فإن زدت عليه "أعلمت" لم تكتف بالاسمين فقلت: أعلمت "بكرًا زيدًا أخاك"٦. وجماع هذا أن كل كلام مستقل زدت عليه شيئًا غير معقود بغيره ولا مقتض لسواه فالكلام باقٍ على تمامه٧ قبل المزيد عليه. فإن زدت عليه شيئًا مقتضيًا لغيره معقودًا به عاد الكلام ناقصًا لا لحاله الأولى, بل لما دخل عليه معقودًا بغيره.

стр. 683

فنظير الأول قولك: زيد قائم, وما زيد قائم وقائمًا على اللغتين, وقولك: قام محمد, وقد قام محمد, وما قام محمد, وهل قام محمد, وزيد أخوك, وإن زيدًا أخوك, وكان زيد أخاك، وظننت زيدًا أخاك. ونظير الثاني ما تقدَّم من قولنا: قام زيد, وإن قام زيد. فإن جعلت "إن" هنا نفيًا بقي على تمامه, ألا تراه بمعنى ما قام زيد. ومن الزائد العائد بالتمام إلى النقصان قولك: يقوم زيد, فإن زدت اللام والنون فقلت: ليقومَنَّ زيد, فهو محتاج إلى غيره, وإن لم يظهر هنا في اللفظ, ألا ترى أن تقديره عند الخليل: أنه جواب قسم, أي: أقسم ليقومنَّ, أو نحو ذلك. فاعرف ذلك إلى ما يليه.

стр. 684

باب في زيادة الحروف وحذفها: وكلا ذينك ليس بقياس لما سنذكره. أخبرنا أبو علي ﵀ قال: قال أبو بكر: حذف الحروف ليس بالقياس. قال: وذلك أن الحروف إنما دخلت الكلام لضرب من الاختصار, فلو ذهبت تحذفها١ لكنت مختصرًا لها٢ هي أيضًا, واختصار المختصر إجحاف به. تمت الحكاية٢. تفسير قوله: "إنما٣ دخلت الكلام لضرب من الاختصار" هو أنك إذا قلت: ما قام زيد, فقد أغنت "ما " عن "أنفى "؛ وهي٤ جملة فعل وفاعل. وإذا قلت: قام

стр. 685

القوم إلا زيدًا, فقد نابت "إلا " عن "أستثني ", وهي١ فعل وفاعل. وإذا قلت: قام زيد وعمرو, فقد نابت الواو عن "أعطف"٢, وإذا قلت: ليت لي مالًا, فقد نابت "ليت" عن "أتمنى". وإذا قلت: هل قام أخوك, فقد نابت " هل " عن "أستفهم". وإذا قلت: ليس زيد بقائم, فقد نابت الباء عن "حقًّا" و"البتة"، و"غير ذي شك". وإذا قلت: "فيما نقضهم ميثاقهم" فكأنك قلت: فبنقضهم ميثاقهم, فكأنك قلت: فبنقضهم ميثاقهم فعلنا كذا حقًّا أو يقينًا. وإذا قلت: أمسكت بالحبل, فقد نابت الباء عن قولك٣: أمسكته مباشرًا له وملاصقة٤ يدي له٥. وإذا قلت: أكلت من الطعام, فقد نابت "من " عن البعض, أي: أكلت بعض الطعام. وكذلك بقية ما لم نسمه. فإذا كانت هذه الحروف نوائب عمَّا هو أكثر منها من الجمل وغيرها لم يجز من بعد ذا أن تتخرّق٦ عليها, فتنتهكها وتجحف بها. ولأجل ما ذكرنا: من إرادة الاختصار بها لم يجز أن تعمل في شيء من الفضلات: الظرف والحال والتمييز والاستثناء وغير ذلك, وعلته أنهم قد أنابوها عن الكلام الطويل لضرب٧ من الاختصار؛ فلو ذهبوا يعملونها فيما بعد لنقضوا ما أجمعوه, وتراجعوا عمَّا اعتزموه.

стр. 686

فلهذا لا يجوز ما زيد أخوك قائمًا, على ان تجعل "قائمًا" حالًا منك, أي: أنفي هذا في حال قيامي, ولا حالًا من "زيد", أي: أنفي هذا عن زيد في حال قيامه. ولا هل زيد أخوك يوم الجمعة, على أن تجعل يوم الجمعة ظرفًا لما دلت عليه "هل" من معنى الاستفهام. فإن قلت: فقد أجازوا ليت زيدًا أخوك قائمًا, ونحو ذلك, فنصبوه١ بما في ليت من معنى التمني, وقال النابغة: كأنه خارجًا من جنب صفحته ... سفود شرب نسوه عند مفتأد٢ فنصب "خارجًا" على الحال, بما في "كأن" من معنى التشبيه, وأنشد أبو زيد: كأنَّ دريئة لما التقينا ... لنصل السيف مجتمع الصداع٣ فأعمل معنى التشبيه في "كأن" في الظرف الزماني الذي هو "لما التقينا". قيل: إنما جاز ذلك في "ليت " و "كأن "٤ لما اجتمع فيهما: وهو أن كل واحدة منهما فيها معنى الفعل "من التمني"٥ والتشبيه, "وأيضًا"٦ فكل "واحدة"٧ منهما

стр. 687

رافعة وناصبة كالفعل القويّ المتعدي, وكل واحدة منهما متجاوزة عدد الاثنين, فأشبهت بزيادة عدتها الفعل, وليس كذلك ما كان على حرف, ولا ما كان على حرفين؛ لأنه لم يجتمع فيه ما اجتمع في ليت ولعل. ولهذا كان ما ذهب إليه أبو العباس: من أن "إلّا" في الاستثناء هي الناصبة؛ لأنها نابت عن "أستثنى"، و"لا أعني" مردودًا عندنا لما في ذلك من تدافع الأمرين: الإعمال المبقِّي حكم الفعل, والانصراف عنه إلى الحرف١ المختصر به القول. نعم، وإذا كانت هذه الحروف تضعف وتقلّ عن العمل في الظروف٢, كانت من العمل في الأسماء الصريحة القوية التي ليست ظروفًا ولا أحوالًا ولا تمييزًا لاحقًا بالحال اللاحقة بالظروف أبعد. فإن قلت: فقد قالوا: يا عبد الله, ويا خيرًا من زيد، فأعملوا "يا" في الاسم الصريح وهي حرف، فكيف القول٣ في ذلك؟ قيل: ل"يا" في هذه خاصة٤ في قيامها مقام الفعل ليست لسائر٥ الحروف. وذلك أن "هل" تنوب عن "أستفهم"، و"ما" تنوب عن "أنفي"، و"إلّا" تنوب عن "أستثنى", وتلك الأفعال النائبة عنها هذه الحروف٦ هي الناصبة في الأصل. فلمَّا انصرفت عنها إلى الحروف٧ طلبًا للإيجاز ورغبة عن الإكثار, أسقطت عمل تلك الأفعال ليتمَّ لك ما انتحيته من الاختصار. وليس كذلك يا.

стр. 688

وذلك "أن يا"١ نفسها هي العامل الواقع على زيد, وحالها في ذلك حال "أدعو" و"أنادي" في كون كل واحد منهما هو العامل في المفعول, وليس كذلك ضربت وقتلت ونحوه. وذلك أن قولك: ضربت زيدًا وقلت عمرًا٢, الفعل الواصل إليهما المعبّر بقولك: ضربت عنه ليس هو نفس "ض ر ب "٣ إنما ثمّ٤ أحدث هذه الحروف دلالة٥ عليها؛ وكذلك القتل والشتم والإكرام ونحو ذلك. وقولك: أنادي عبد الله وأدعو عبد الله, ليس هنا فعل واقع على "عبد الله" غير هذا اللفظ, و "يا " نفسها في المعنى ك"أدعو"؛ ألا ترى أنك إنما تذكر بعد "يا" اسمًا واحدًا, كما تذكره بعد الفعل المستقل بفاعله إذا كان متعديًا إلى مفعول واحد؛ كضربت زيدًا, ولقيت قاسمًا, وليس كذلك حرف الاستفهام, وحرف النفي, إنما تدخلهما٦ على الجمل المستقلة فتقول: ما قام زيد. وهل قام أخوك؟ فلما قويت "يا "٧ في نفسها وأوغلت في شبه الفعل تولت بنفسها العمل. فإن قلت: فإنما تذكر بعد "إلّا" اسمًا واحدًا أيضًا, قيل: الجملة قبل "إلّا" منعقدة بنفسها, وإلا٨ فضلة فيها. وليس٩ كذلك يا، لأنك إذا قلت: يا عبد الله, تَمَّ

стр. 689

الكلام بها وبمنصوب بعدها, فوجب أن تكون هي كأنها الفعل المستقل بفاعله, والمنصوب هو المفعول بعدها, فهي في١ هذا الوجه كرويد٢ زيدًا. ومن وجه آخر أن قولك: يا زيد, لما اطرد فيه الضم, وتَمَّ به القول, جرى مجرى ما ارتفع بفعله أو بالابتداء, فهذا٣ أدون حالي يا, أعنى: أن "يكون"٤ كأحد جزأي٥ الجملة. وفي القول الأول هي جارية مجرى الفعل مع فاعله. فلهذا قوي حكمها, وتجاوزت رتبة الحروف التي إنما هي إلحاق٦ وزوائد على الجمل. فلذلك عملت يا ولم تعمل هل, ولا ما, ولا شيء من ذلك النصب, بمعنى الفعل الذي دلّت عليه ونابت عنه. ولذلك ما وصلت تارة بنفسها في قولك: يا عبد الله, وأخرى بحرف الجر نحو قوله: يا لبكر, فجرت في ذلك مجرى ما يصل من الفعل تارةً بنفسه, وأخرى بحرف الجر نحو قوله ٧: خشنت٨ صدره وبصدره, وجئت زيدًا وجئت إليه, واخترت الرجال ومن الرجال, وسميته زيدًا وبزيد, وكنيته أبا علي وبأبي علي. فإن قلت: "فقد"٩ قال الله سبحانه: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ ٩ وقد قال غيلان ١٠: ألا يا أسلمي يا دارمي على البلى

стр. 690

وقال: يا دار هند يا اسلمي ثم اسلمي١ فجاء بيا٢ ولا منادى معها, قيل: يا في هذه الأماكن قد جرّدت من معنى النداء وخلصت٣ تنبيهًا. ونظيرها في الخلع من أحد المعنيين وإفراد٤ الآخر: "ألا"؛ لها في الكلام معنيان ٥: افتتاح الكلام والتنبيه نحو قول الله سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ٧ و"قول كثيّر "٨: ألا إنما ليلى عصا خيزرانة٩ فإذا دخلت على "يا " خلصت "ألَا " افتتاحًا, وخص التنبيه بيا. وذلك كقول نصيب ١٠: ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... فقد زادني مسراك وجدًا على وجد فقد صحَّ بما ذكرناه إلى أن قادنا إلى هنا أن حذف الحروف لا يسوغه القياس؛ لما فيه من الانتهاك والإجحاف. وأما زيادتها فخارج١١ عن القياس أيضًا.

стр. 691

وذلك أنه إذا كانت١ إنما جيء بها اختصارًا وإيجازًا كانت زيادتها نقضًا لهذا الأمر وأخذًا له بالعكس والقلب؛ ألا ترى أن الإيجاز ضد الإسهاب, ولذلك لم يجز أبو الحسن توكيد٢ الهاء المحذوفة من صلة الذي في نحو: "الذي ضربت زيد"، فأفسد أن تقول: الذي ضربت نفسه زيد. قال: لأن ذلك نقض من حيث كان التوكيد إسهابًا الحذف إيجازًا. وذلك أمر ظاهر التدافع. هذا هو القياس: ألا يجوز حذف الحروف ولا زيادتها. ومع ذلك فقد حذفت تارة وزيدت أخرى. أما حذفها فكنحو ما حكاه أبو عثمان عن أبي زيد من حذف حرف العطف في نحو٣ قولهم: أكلت لحمًا سمكًا تمرًا. وأنشدني أبو الحسن: كيف أصبحت كيف أمسيت مما ... يزرع الودّ في فؤاد الكريم يريد: كيف أصبحت وكيف أمسيت, وأنشد ابن الأعرابي: وكيف لا أبكي على علاتي ... صبائحي, غبائقي, قيلاتي٤ أي: صبائحي وغبائقي وقيلاتي. وقد يجوز أن يكون بدلًا؛ أي: كيف لا أبكي على علاتي٥ التي هي صبائحي وهي غبائقي وهي قيلاتي, فيكون هذا من بدل الكل. والمعنى٦ الأول أن منها صبائحي, ومنها غبائقي, ومنها قيلاتي.

стр. 692

ومن ذلك ما كان يعتاده رؤبة إذا قيل له: كيف أصبحت؟ فيقول: خير عافاك "أي: بخير"١ وحكى سيبويه: الله لا أفعل, يريد: والله. ومن أبيات الكتاب ٢: من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله مثلان أي: فالله يشكرها. وحذفت همزة الاستفهام؛ نحو قوله ٤: فأصبحت فيهم آمنًا لا كمعشر ... أتوني وقالوا من ربيعة أو مضر؟ "يريد٥ أمن ربيعة", وقال الكميت: طربت وما شوقًا إلى البيت أطرب ... ولا لعبًا مني وذو الشيب يلعب٦ أراد٧: أو ذو الشيب يلعب, ومنه قول ابن أبي ربيعة٨: ثم قالوا تحبها قلت بهرًا ... عدد القطر والحصى والتراب أظهر الأمرين فيه أن يكون أراد: أتحبها؛ لأن البيت الذي قبله يدل عليه، وهو قوله: أبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمس كواعب أتراب٩ لهذا ونحوه نظائر. وقد كثرت.

стр. 693

فأما تكريرها١ وزيادتها فكقوله ٢: لددتهم النصيحة كلّ لَدٍّ ... فمجوا النصح ثم ثنوا فقاءوا٢ فلا والله لا يلفى لما بي ... ولا للمابهم أبدًا دواء٤ وقد كثرت زيادة "ما" توكيدًا كقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ ٥ وقوله سبحانه: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ ٦ وقوله عز قدره: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ ٧. وقال جل وعز: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ٨ "فالباء زائدة"٩ وأنشد أبو زيد ١٠: بحسبك في القوم أن يعلموا ... بأنك فقيهم غنيٌّ مضر١١ فزاد الباء في المبتدأ, وأنشد لأمية: طعامهم إذا أكلوا مهنًّا ... وما إن لا تحاك لهم ثياب١٢

стр. 694

فإن لتوكيد النفي كقول زهير: ما إن يكاد يخليهم لوجهتهم١ ولا من بعدها زائدة. وزيدت اللام في قوله -رويناه عن أحمد بن يحيى: مرّوا عجالًا وقالوا كيف صاحبكم ... قال الذي سألوا أمسى لمجهودًا٢ وفي قراءة سعيد بن جبير ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ ٣ وقد تقدَّم ذكر ذلك. وزيدت لا "قال أبو النجم "٤: ولا ألوم البيض ألّا تسخرا ... وقد رأين الشمط القفندرا٥ "وقال٦ العجاج: بغير لا عصفٍ لا اصطراف٧ وأنشدنا: أبي جوده لا البخل واستعجلت به ... نعم من فتًى لا يمنع الجود قاتله٨

стр. 695

فهذا على زيادة "لا" أي: أبى جوده البخل, وقد يجوز أن تكون "لا" منصوبة الموضع ب"أبى"، و"البخل" بدل منها. وزيادة الحروف كثير، وإن كانت على غير قياس كما أن حذف المضاف أوسع وأفشى, وأعم وأوفى, وإن كان أبو الحسن قد١ نصَّ على ترك القياس عليه. فأمَّا عذر حذف هذه الحروف فلقوة المعرفة بالموضع؛ ألا ترى إلى "قول امرئ القيس "٢: فقلت يمين الله أبرح قاعدًا٣ لأنه لو أراد الواجب٤ لما جاز؛ لأن "أبرح" هذه لا تستعمل في الواجب، فلا بُدَّ من أن يكون أراد: لا أبرح. ويكفي من هذا قولهم: رب إشارة أبلغ من عبارة. وأمَّا زيادتها فلإرادة التوكيد بها, وذلك أنه قد سبق أن الغرض في استعمالها إنما هو الإيجاز والاختصار والاكتفاء٥ من الأفعال وفاعليها, فإذا زيد ما هذه سبيله فهو تناهٍ في التوكيد به. وذلك كابتذالك في ضيافة ضيفك أعزَّ ما تقدر عليه, وتصونه من أسبابك, فذاك غاية إكرامك٦ له, وتناهيك في الحفل به.

стр. 696

باب في زيادة الحرف عِوضًا من آخر محذوف: اعلم أن الحرف الذي يحذف فيجاء بآخر١ عوضًا منه على ضربين: أحدهما أصلي والآخر زائد. الأول من ذلك على ثلاثة أضرب ٢: فاء, عين, لام. أما ما حذفت٣ فاؤه وجيء بزائد عوضًا منه فباب فعله في المصادر٤، نحو: عدة وزنة وشية وجهة. والأصل٥ وعدة ووزنة ووشية ووجهة, فحذفت الفاء لما ذكر في تصريف ذلك، وجعلت التاء بدلًا٦ من الفاء. ويدل على أن أصله ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ ٧ وأنشد أبو زيد: ألم تر أنني -ولكل شيء ... إذا لم تؤت وجهته تعاد أطعت الآمريّ بصرم ليلى ... ولم أسمع بها قول الأعادي٨ وقد حذفت الفاء في أناس, وجعلت ألف فعال بدلًا منها "فقيل: ناس, ومثالها عال؛ كما أن مثال عدة وزنة علة.

стр. 697

وقد حذفت الفاء وجعلت تاء افتعل عوضًا منها"١ وذلك قولهم ٢: تقي يقتي, والأصل: اتَّقى يتقي فحذفت التاء فبقي تقي, ومثاله تعل ويتقي: يتعل, قال الشاعر ٣: جلاها الصيقلون فأخلصوها ... خفافًا كلها يتقي بأثر٤ وقال أوس ٥: تقاك بكعب واحد وتلذه ... يداك إذا ما هز بالكف يعسل٦ وأنشد أبو الحسن: زيادتنا نعمان لا تنسينّها ... تق الله فينا, والكتاب الذي تتلو٧ ومنه أيضًا قولهم: تجه يتجه, "وأصله اتّجه"٨, ومثال تجه على هذا تعل كتقي سواء. وروى أبو زيد أيضًا فيما حدثنا به أبو علي عنه: تجه يتجه, فهذا من لفظ آخر وفاؤه تاء. وأنشدنا: قصرت له القبيلة اذتجهنا ... وما ضاقت بشدّته ذراعي٩ فهذا محذوف من اتَّجه كاتَّقى.

стр. 698

فأمَّا١ قولهم: اتخذت فليست تاؤه بدلًا من شيء, بل هي فاء أصلية بمنزلة اتَّبعت من تبع, يدل على ذلك ما أنشده الأصمعيّ من قوله ٢: وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها ... نسيفًا كأفحوص القطاة المطرّق٣ وعليه قول الله سبحانه: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ ٤ وذهب أبو إسحاق إلى أن اتخذت كاتقيت واتزنت, وأن الهمزة أجريت في ذلك مجرى الواو. وهذا ضعيف إنما جاء منه شيء شاذ؛ أنشد ابن الأعرابي: في داره تقسم الأزواد بينهم ... كأنما أهله منها الذي اتّهلا٥ وروى لها أبو علي عن أبي الحسن علي بن سليمان متَّمن٦. وأنشد: . . . . . . . . . بيض اتَّمن والذي يقطع على أبي إسحاق قول الله : ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ . فكما أن تجه ليس من لفظ الوجه كذلك, ليس تخذ من لفظ الأخذ. وعذر من قال: اتَّمن واتَّهل من الأهل, أن لفظ هذا إذا لم يدغم يصير إلى صورة ما أصله حرف لين. وذلك قولهم في افتعل من الأكل: ايتكل, ومن

стр. 699

الإزرة ١: ايتزر. فأشبه حينئذ ايتَّعد في لغة من لم يبدل الفاء تاء, فقال: اتَّهل واتَّمن لقول غيره: ايتهل وايتمن, وأجود اللغتين "إقرار الهمز"٢ قال الأعشى: أبا ثبيتٍ أما تنفكّ تأتكل٣ وكذلك ايتزر يأتزر, فأما اتَّكلت عليه فمن الواو على الباب؛ لقولهم الوكالة والوكيل. وقد ذكرنا هذا الموضع في كتابنا في شرح تصريف أبي عثمان. وقد حذفت الفاء همزة وجعلت "ألف فعال"٤ بدلًا منها, وذلك قوله٥: لاه ابن عمِّك لا أفضلت في حسب٦ في أحد٧ قولى سيبويه. وقد ذكرنا ذلك.

стр. 700

وأما ما حذفت عينه وزيد هناك حرف عوضًا منها فأينق في أحد١ قولي سيبويه, وذلك أن أصلها أنوق, فأحد قوليه فيها أن الواو التي هي عين حذفت وعوضت منها ياء فصارت: أينق. ومثالها في٢ هذا القول٣ على اللفظ: أيفُل, والآخر: أن العين قدمت على الفاء فأبدلت ياء. ومثالها على هذا أعفُل. وقد حذفت العين حرف علة, وجعلت ألف فاعل عوضًا منها, وذلك رجل خافٌ ورجل مالٌ ورجل٣ هاعٌ لاعٌ. فجوّز أن يكون هذا فَعِلا كفَرِقَ, فهو فرِق, وبطر فهو بطِر. ويجوز أن يكون فاعلًا حذفت عينه وصارت ألفه عوضًا منها كقوله: لاثٌ به الأشاء والعُبريّ٤ ومما حذفت عينه وصار الزائد عوضًا منها قولهم: سيد وميت وهين ولين؛ قال ٥: هيْنون لينون أيسار ذوو يسرٍ ... سوّاس مكرمةٍ أبناءُ أيسار٦ وأصلها فيعِل: سيد وميت وهين ولين, حذفت عينها وجعلت ياء فيعِل عوضًا منها. وكذلك باب قيدودة وصيرورة وكينونة, وأصلها فيعلولة حذفت عينها, وصارت ياء فيعلولة الزائدة٣ عوضًا منها. فإن قلت: فهلَّا كانت لام فيعلولة الزائدة عوضًا منها, قيل: قد صحَّ في فيعل من نحو: سيد وبابه, أن الياء الزائدة عوض من العين، وكذلك الألف

стр. 701

الزائدة في خافٍ و"هاع لاع"١ عوض من العين. وجوَّز سيبويه أيضًا ذلك في أينق, فكذلك أيضًا ينبغي أن تحمل فيعلولة على ذلك. وأيضًا فإن الياء أشبه بالواو من الحرف الصحيح في باب قيدودة وكينونة. وأيضًا فقد جعلت٢ تاء التفعيل عوضًا من عين الفعّال. وذلك قولهم: قطعته تقطيعًا , وكسرته تكسيرًا, ألا ترى أن الأصل قطاع وكسار, بدلالة قول الله سبحانه: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ ٣ وحكى الفراء قال: سالني أعرابي فقال: أحِلَّاق أحب إليك أم قِصَّار, فكما أن التاء الزائدة في التفعيل عوض من العين فكذلك ينبغي أن تكون الياء في قيدودة عوضًا من العين لا الدال٤. فإن قلت: فإن اللام أشبه بالعين من الزائد, فهلّا كانت لام القيدودة عوضًا من عينها, قيل: إن الحرف الأصلي القوي٥ إذا حذف لحق بالمعتل الضعيف, فساغ لذلك أن ينوب عنه الزائد الضعيف. وأيضًا فقد رأيت كيف كانت تاء٦ التفعيل الزائدة عوضًا من عينه, "وكذلك ألف فاعل كيف كانت عوضًا من عينه"٧ في خاف وهاع ولاع ونحوه. وأيضًا فإن عين قيدودة وبابها, وإن كانت أصلًا فإنها على الأحوال كلها حرف علة ما دامت موجودة ملفوظًا بها، فكيف

стр. 702

بها إذا حذفت١ فإنها حينئذ توغِل في الاعتلال والضعف. ولو لم يعلم تمكّن هذه الحروف في الضعف إلّا بتسميتهم إياها حروف العلة لكان كافيًا. وذلك أنها في أقوى أحوالها ضعيفة, ألا ترى أن هذين٢ الحرفين إذا قويا بالحركة فإنك حينئذ٣ مع ذلك مؤنس فيهما ضعفًا. وذلك أنّ تحملهما للحركة أشقّ منه في غيرهما. ولم يكونا كذلك إلا لأنَّ مبنى أمرهما على خلاف القوة. يؤكد ذلك عندك أن أذهب الثلاث في الضعف والاعتلال الألف. ولما كانت كذلك لم يمكن٤ تحريكها البتة, فهذا أقوى دليل على أن الحركة إنما يحملها ويسوغ فيها٥ من الحروف الأقوى لا الأضعف. ولذلك ما تجد أخف الحركات الثلاث٦ -وهي الفتحة- مستثقلة٧ فيهما٨ حتى٩ يجنح لذلك, ويستروح إلى إسكانها نحو قوله: يا دار هند عفت إلا أثافيها١٠ وقوله: كأن أيديهنّ بالقاع القرق١١

стр. 703

ونحو من١ ذلك قوله ٢: وأن يعرين إن كسى الجواري ... فتنبو العين عن كرم عجاف نعم، وإذا كان الحرف١ لا يتحامل بنفسه حتى يدعو إلى اخترامه وحذفه كان بأن يضعف عن تحمل الحركة الزائدة عليه فيه أحرى وأحجى, وذلك نحو قول الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ٢ و ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ ٤ و ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ٥، وقوله ٦: ... ... ... ... وما ... قرقر قمر الواد بالشاهق٧ وقال الأسود "بن يعفر "٨: فألحقت أخراهم طريق ألاهم٩

стр. 704

يريد أولاهم، و ﴿يَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ ١ و ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ٢ كتبت في المصحف بلا واو للوقف عليها كذلك. وقد حذفت الألف في نحو ذلك, قال رؤبة: وصَّاني العجاج فيما وصني٣ يريد: فيما وصاني. وذهب أبو عثمان في قول الله -عز اسمه: "يَا أَبَتَ"٤ إلى أنه أراد يا أبتاه, وحذف الألف. ومن أبيات الكتاب قول لبيد: رهط مرجوم ورهط ابن المعلّّ٥ يريد المعلّي, وحكى٦ أبو عبيدة وأبو الحسن وقطرب وغيرهم رأيت فرج, ونحو ذلك. فإذا كانت هذه الحروف تتساقط وتهي عن حفظ أنفسها وتحمل٧ خواصَّها وعواني٨ ذواتها, فكيف بها إذا جُشِّمت احتمال الحركات النّيفات على مقصور صورها. نعم وقد أعرب بهذه الصور٩ أنفسها, كما يعرب بالحركات التي هي أبعاضها. وذلك في باب أخوك وأبوك, وهناك وفاك, وحميك وهنيك, والزيدان والزيدون

стр. 705

والزيدين. " وأجريت"١ هذه الحروف مجرى الحركات في زيدٌ وزيدًا وزيدٍ, ومعلوم أن الحركات لا تحمل -لضعفها- الحركات. فأقرب أحكام هذه الحروف إن لم تمنع٢ من احتمالها الحركات أن٣ إذا تحملتها جفت عليها وتكاءدتها٤. ويؤكد عندك ضعف هذه الأحرف الثلاثة أنه٥ إذا وجدت أقواهن -وهما الواو والياء- مفتوحًا ما قبلها فإنهما كأنهما تابعان لما هو منهما؛ ألا ترى إلى ما جاء عنهم من نحو: نوبة ونوب, وجوبة٦ وجوب, ودولة ودول. فمجيء فَعْلة على فُعَل يريك أنها كأنها إنما جاءت عندهم من فُعْلة, فكأن دَولة دُولة, وجَوْبة جُوبة, ونَوبة نُوبة. وإنما ذلك لأنَّ الواو مما سبيله أن يأتي تابعًا للضمة. وكذلك ما جاء من فَعلة مما عينه ياء على فِعَل؛ نحو: ضَيْعة وضِيع, وخيمة وخيم, وعَيبة٧ وعِيب, كأنه إنما جاء على أن واحدته فِعلة نحو: ضِيعة وخِيمة وعِيبة. أفلا تراهما مفتوحًا ما قبلهما مجراتين مجراهما مكسورًا ومضمومًا ما قبلهما, فهل هذا إلّا لأنَّ الصنعة مقتضية لشياع الاعتلال فيهما. فإن قلت: ما أنكرت ألا يكون ما جاء من نحو: فَعْلة على فُعَل -نحو: نُوب وجُوَب ودُول- لما ذكرته من تصور الضمة في الفاء, ولا يكون ما جاء من فَعلة على فِعَل, نحو: ضِيع وخِيم وعِيب لما ذكرته من تصور الكسرة في الفاء, بل لأنَّ ذلك ضرب من التكسير ركَّبوه فيما عينه معتلة, كما ركَّبوه فيما عينه صحيحة؛
следующие страницы →