أثقل منه كل ذلك لئلا يكثر في كلامهم ما يستثقلون " فهذا قول والآخر أن الضمة وإن كانت أثقل من الكسرة فإنها أقوى منها وقد يحتمل للقوة ما لا يحتمل للضعف ألا ترى إلى احتمال الهمزة مع ثقلها للحركات وعجز الألف عن احتمالهن وإن كانت خفيفة لضعفها وقوة الهمزة. وإنما ضعفت الكسرة عن الضمة لقرب الياء من الألف وبعد الواو عنها.
ومن حديث الاستثقال والاستخفاف أنك لا تجد في الثنائي -على قلة حروفه- ما أوله مضموم إلا القليل وإنما عامته على الفتح نحو هل وبل وقد وأن وعن وكم ومن وفي المعتل أو ولو وكي وأي أو على الكسر نحو إن, ومن وإذ. وفي المعتل إي وفي وهي. ولا يعرف الضم في هذا النحو إلا قليلًا؛ قالوا: هو وأما هم فمحذوفة من همو كما أن مذ محذوفة من منذ. وأما هو من نحو قولك: رأيتهو وكلمتهو فليس شيئًا؛ لأن هذه ضمة مشبعة في الوصل؛ ألا تراها يستهلكها الوقف وواو هو في الضمير المنفصل ثابتة في الوقف والوصل. فأما قوله:
فبيناه يشري رحله قال قائل ... لمن جمل رِخو الملاط نجيب١
فللضرورة والتشبيه للضمير المنفصل بالضمير المتصل في عصاه وقناه. فإن قلت: فقد قال٢:
أعني على برق أريك وميضهو
فوقف بالواو وليست اللفظة قافية وقد قدمت أن هذه المدة مستهلكة في حال الوقف قيل: هذه اللفظة وإن لم تكن قافية فيكون البيت بها مقفى, أو مصرعًا,
стр. 72
فإن العرب قد تقف على العروض نحوًا من وقوفها على الضرب, أعني مخالفة ذلك لوقف١ الكلام المنثور غير الموزون؛ ألا ترى إلى قوله أيضًا:
فأضحى يسح الماء حول كتيفتن
فوقف بالتنوين خلافًا على الوقف٢ في غير الشعر. فإن قلت: فأقصى٣ حال قوله "كتيفتن " -إذ ليست قافية- أن تجري مجرى القافية في الوقف عليها وأنت ترى الرواة أكثرهم على إطلاق هذه القصيدة ونحوها بحرف اللين للوصل, نحو قوله: ومنزلي, وحوملي, وشمألي, ومحملي, فقوله " كتيفتن " ليس على وقف الكلام ولا وقف القافية قيل: الأمر على ما ذكرت من خلافه له؛ غير أن هذا أيضًا أمر يخص المنظوم دون المنثور؛ لاستمرار ذلك عنهم؛ ألا ترى إلى قوله٤:
أني اهتديت لتسليم على دِمنن ... بالغمز غيرهن الأعصر الأولو٥
وقوله ٦:
كأن حدوج المالكية غُدوتن ... خلايا سفين بالنواصف من دَدي
وقوله:
فمضى وقدمها وكان عادتن ... منه إذا هي عردت إقدامها٧
стр. 73
وقوله ١:
فوالله لا أنسى قتيلًا رزئتهو ... بجانب قوسي ما مشيت على الأرضي٢
وفيها:
ولم أدر من ألقى عليه رداء هو ... على٣ أنه قد سل عن ماجد محضي
وأمثاله كثير. كل ذلك الوقوف على عروضه مخالف للوقوف على ضربه ومخالف أيضًا لوقوف الكلام غير الشعر. ولم يذكر أحد من أصحابنا هذا الموضع في علم القوافي. وقد كان يجب أن يذكر ولا يهمل.
"رجع" وكذلك جميع ما جاء من الكلم على حرف واحد: عامته على الفتح إلا الأقل وذلك نحو همزة الاستفهام وواو العطف وفائه ولام الابتداء وكاف التشبيه وغير ذلك. وقليل منه مكسور كباء الإضافة٤ ولامها٤ ولام الأمر ولو عرى ذلك من المعنى الذي اضطره إلى الكسر لما كان مفتوحًا ولا نجد في الحروف المنفردة ذوات المعاني ما جاء مضمومًا هربًا من ثقل الضمة. فأما نحو قولك٥: اقتل ادخل استقصي عليه فأمره٦ غير معتد إذ كانت هذه الهمزة إنما يتبلغ بها في حال الابتداء ثم يسقطها الإدراج الذي عليه مدار الكلام ومتصرفه ٧.
стр. 74
فإن قلت: ومن أين يعلم أن العرب قد راعت هذا الأمر واستشفته١ وعنيت بأحواله وتتبعته حتى تحامت هذه المواضع التحامي الذي نسبته إليها وزعمته مرادًا لها وما أنكرت أن يكون القوم أجفى طباعًا وأيبس طينًا من أن يصلوا من النظر إلى هذا القدر اللطيف الدقيق الذي لا يصح لذي الرقة والدقة منا أن يتصوره إلا بعد أن توضح له أنحاؤه بل أن تشرح له أعضاؤه؟
قيل له: هيهات! ما أبعدك عن تصور أحوالهم, وبعد أغراضهم ولطف أسرارهم, حتى كأنك لم ترهم وقد ضايقوا أنفسهم, وخففوا عن ألسنتهم, بأن اختلسوا الحركات اختلاسًا وأخفوها فلم يمكنوها في أماكن كثيرة ولم يشبعوها؛ ألا ترى إلى قراءة أبي عمرو " مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ " مختلسًا لا محققًا٣؛ وكذلك قوله : ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ مخفي لا مستوفي, وكذلك قوله : ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ مختلسًا غير ممكن كسر الهمزة, حتى دعا ذلك من لطف عليه تحصيل اللفظ إلى أن ادعى أن أبا عمرو كان يسكن الهمزة والذي رواه صاحب٣ الكتاب اختلاس هذه الحركة لاحذفها البتة, وهو أضبط لهذا الأمر من غيره من القراء الذين رووه ساكنًا. ولم يؤت القوم في ذلك
стр. 75
من ضعف أمانة، لكن أتوا١ من ضعف دراية. وأبلغ من هذا في المعنى ما رواه٢ من قول الراجز:
متى أنام لا يؤرقني الكري ... ليلًا ولا أسمع أجراس المطي
بإشمام القاف من يؤرقني ومعلوم أن هذا الإشمام إنما هو للعين لا للأذن وليست هناك حركة البتة ولو كانت فيه حركة لكسرت الوزن ألا ترى أن الوزن من الرجز ولو اعتدت القاف متحركة لصار من الكامل ٣. فإذا قنعوا من الحركة بأن يومئوا إليها بالآلة التي من عاداتها أن تستعمل في النطق بها من غير أن يخرجوا إلى حس السمع شيئًا من الحركة مشبعة ولا مختلسة أعني إعمالهم الشفتين للإشمام في المرفوع بغير صوت يسمع هناك لم يبق وراء ذلك شيء يستدل به على عنايتهم بهذا الأمر ألا ترى٤ إلى مصارفتهم٥ أنفسهم في الحركة على قلتها ولطفها, حتى يخرجوها تارة مختلسة غير مشبعة وأخرى مشمة للعين لا للأذن. ومما أسكنوا فيه الحرف إسكانًا صريحًا ما أنشده٦ من قوله ٧:
стр. 76
رحت وفي رجليك ما فيهما ... وقد بدا هنك من المئزر
بسكون النون البتة من "هنك ". وأنشدنا أبو علي ﵀ لجرير:
سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ... ونهر تيرى فلا تعرفكم العرب١
بسكون فاء تعرفكم أنشدنا هذا بالموصل سنة إحدى وأربعين٢ وقد سئل عن قول الشاعر:
فلما تبين غب أمري وأمره ... وولت بأعجاز الأمور صدور٣
وقال الراعي:
تأبى قضاعة أن تعرف لكم نسبا ... وابنا نزار فأنتم بيضة البلد
وعلى هذا حملوا بيت لبيد:
تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها
وبيت الكتاب:
فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثمًا من الله ولا واغل٤
стр. 77
وعليه ما أنشده١ من قوله:
إذا اعوججن قلت صاحب قوم٢
واعتراض أبي العباس في هذا الموضع٣ إنما هو رد للرواية وتحكم على السماع بالشهوة مجردة٤ من النصفة ونفسه ظلم لا من جعله خصمه. وهذا واضح.
ومنه إسكانهم نحو رسل, وعجز, وعضد, وظرف, وكرم, وعلم, وكتف, وكبد وعصر. واستمرار ذلك في المضموم والمكسور, دون المفتوح, أدل دليل -بفصلهم بين الفتحة وأختيها- على ذوقهم الحركات واستثقالهم بعضها٥ واستخفافهم الآخر ٥. فهل هذا ونحو إلا لإنعامهم النظر في هذا القدر اليسير, المحتقر من الأصوات فكيف بما فوقه من الحروف التوام, بل الكلمة من جملة الكلام.
وأخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد القرميسيني٦ عن أبي بكر محمد بن هارون الروياني عن أبي حاتم سهل٧ بن محمد السجستاني في كتابه الكبير في القراءات قال:
стр. 78
قرأ علي أعرابي بالحرم: " طيبي لهم وحسن مآب " فقلت: طوبى فقال: طيبي, فأعدت فقلت: طوبى فقال: طيبي فلما طال علي قلت: طوطو قال: "طي طي"١. أفلا ترى إلى هذا الأعرابي وأنت تعتقده جافيًا كزّا لا دمثًا ولا طيعًا؛ كيف نبا طبعه عن ثقل الواو إلى الياء فلم يؤثر فيه التلقين, ولا ثنى طبعه عن التماس الخفة هز ولا تمرين, وما ظنك به إذا خلي مع سومه٢ وتساند إلى سليقيته٣ ونجره.
وسألت يومًا أبا عبد الله محمد بن العساف العقيلي الجوثي التميمي -تميم٤ جوثة- فقلت له: كيف تقول: ضربت أخوك؟ فقال: أقول: ضربت أخاك. فأدرته٥ على الرفع فأبى, وقال: لا أقول: أخوك أبدًا. قلت: فكيف تقول ضربني أخوك فرفع. فقلت: ألست زعمت أنك لا تقول: أخوك أبدًا, فقال: أيش هذا! اختلفت جهتا الكلام. فهل هذا إلا أدل شيء على تأملهم مواقع الكلام وإعطائهم إياه في كل موضع حقه, وحصته من الإعراب, عن ميزة٦ وعلى بصيرة, وأنه ليس استرسالًا ولا ترجيمًا. ولو كان كما توهمه هذا
стр. 79
السائل لكثر اختلافه وانتشرت جهاته ولم تنقد مقاييسه. وهذا موضع نفرد له بابًا بإذن الله تعالى فيما بعد. وإنما أزيد في إيضاح هذه الفصول من هذا الكتاب لأنه موضع الغرض: فيه تقرير الأصول وإحكام معاقدها والتنبيه على شرف هذه اللغة وسداد مصادرها ومواردها وبه وبأمثاله تخرج أضغانها وتبعج أحضانها ولا سيما هذا السمت الذي نحن عليه ومرزون١ إليه؛ فاعرفه, فإن أحدًا لم يتكلف الكلام على علة إهمال ما أهمل واستعمال ما استعمل. وجماع أمر القول فيه والاستعانة على إصابة غروره٢ ومطاويه لزومك محجة القول بالاستثقال والاستخفاف ولكن كيف وعلام ومن أين فإنه باب يحتاج منك إلى تأن, وفضل بيان وتأت. وقد دققت لك بابه بل خرقت بك حجابه. ولا تستطل كلامي في هذا الفصل أو ترين أن المقنع فيه كان دون هذا القدر فإنك إذا راجعته وأنعمت تأمله علمت أنه منبهة للحس مشجعة للنفس.
وأما السؤال عن علة عدل عامر وجاشم وثاعل وتلك الأسماء المحفوظة, إلى فُعل: عمر وجشم وثعل وزحل وغدر دون أن يكون هذا العدل في مالك وحاتم وخالد نحو ذلك فقد تقدم الجواب عنه فيما فرط: أنهم لم يخصوا ما هذه سبيله بالحكم دون غيره إلا لاعتراضهم طرفًا مما أطف لهم من جملة لغتهم كما عن وعلى ما اتجه لا لأمر خص هذا دون غيره مما هذه سبيله؛ وعلى هذه الطريقة ينبغي أن يكون العمل فيما يرد عليك من السؤال عما هذه حاله؛ ولكن لا ينبغي أن تخلد إليها إلا بعد السبر والتأمل, والإنعام والتصفح؛ فإن
стр. 80
وجدت غدرًا مقطوعًا به صرت إليه واعتمدته وإن تعذر ذلك, جنحت إلى طريق الاستخفاف والاستثقال فإنك لا تعدم هناك مذهبًا تسلكه ومأمًّا تتورّده. فقد أريتك في ذلك أشياء: أحدها استثقالهم الحركة التي هي أقل من الحرف حتى أفضوا في ذلك إلى أن أضعفوها واختلسوها ثم تجاوزوا ذلك إلى أن انتهكوا حرمتها فحذفوها ثم ميلوا١ بين الحركات فأنحو على الضمة والكسرة لثقلهما، وأجموا٢ الفتحة في غالب الأمر لخفتها فهل هذا إلا لقوة نظرهم ولطف استشفافهم وتصفحهم.
أنشدنا مرة أبو عبد الله الشجري شعرًا لنفسه, فيه بنو عوف, فقال له بعض الحاضرين: أتقول: بنو عوف أم بني عوف شكًا من السائل في بني وبنو فلم يفهم الشجري ما أراده وكان في ثنايا السائل فضل فرق٣، فأشبع الصويت الذي يتبع الفاء في الوقف فقال الشجري مستنكرًا لذلك: لا أقوى في الكلام على هذا النفخ.
وسألت غلامًا من آل المهيا فصيحًا عن لفظة من كلامه لا يحضرني الآن ذكرها فقلت: أكذا أم كذا فقال: " كذا بالنصب لأنه أخف " فجنح إلى الخفة وعجبت من هذا مع ذكره النصب بهذا اللفظ. وأظنه استعمل هذه اللفظة لأنها مذكورة عندهم في الإنشاد الذي يقال له النصب مما يتغنى به الركبان. وسنذكر فيما بعد بابًا نفصل فيه بين ما يجوز السؤال عنه مما٤ لا يجوز ذلك فيه بإذن الله.
стр. 81
ومما يدلك على لطف القوم ورقتهم مع تبذلهم وبذاذة ظواهرهم؛ مدحهم بالسباطة والرشاقة، وذمهم بضدها من الغلظة والغباوة١، ألا ترى إلى قولها٢:
فتى قد قد السيف لا متآزف ... ولا رهل لباته وبآدله
وقول جميل في خبر٣ له:
وقد رابني من جعفر أن جعفرًا ... يبث هوى ليلى ويشكو هوى جمل
فلو كنت عذري الصبابة لم تكن ... بطينًا وأنساك الهوى كثرة الأكل
وقول عمر:
قليلًا على ظهر المطية ظله ... سوى ما نفى عنه الرداء المحبر٤
وإلى الأبيات المحفوظة في ذلك وهي قوله ٥:
ولقد سريت على الظلام بمغشم ... جلد من الفتيان غير مثقل
وأظن هذا الموضع لو جمع لجاء مجلدًا عظيمًا.
стр. 82
وحدثني أبو الحسن علي بن عمرو عقيب منصرفه من مصر هاربًا متعسفًا قال: أذم١ لنا غلام -أحسبه قال من طيء- من بادية الشام, وكان نجيبًا متيقظًا, يكنى أبا الحسين ويخاطب بالأمير فبعدنا عن الماء في بعض الوقت فأضر ذلك بنا قال: فقال لنا ذلك الغلام: على رسلكم فإني أشم رائحة الماء. فأوقفنا٢ بحيث كنا وأجرى فرسه فتشرف٣ ههنا مستشفًا٤ ثم عدل عن ذلك الموضع إلى آخر مستروحًا للماء ففعل ذلك دفعات ثم غاب عنا شيئًا وعاد إلينا فقال: النجاة والغنيمة سيروا على اسم الله تعالى فسرنا معه قدرًا من الأرض صالحًا فأشرف بنا على بئر فاستقينا وأروينا. ويكفي من ذلك ما حكاه٥ من قول بعضهم لصاحبه: ألا تا فيقول الآخر مجيبًا له: بلى فا وقول الآخر:
قلنا لها قفي لنا قالت قاف
ثم تجاوزوا ذلك إلى أن قالوا: " رب إشارة أبلغ من عبارة " نعم وقد يحذفون بعض الكلم استخفافًا حذفًا يخل بالبقية ويعرض لها الشبه٦؛ ألا ترى إلى قول علقمة:
كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم٧
стр. 83
أراد: بسبائب ١. وقول لبيد:
درس المنا بمتالع فأبان
أراد المنازل. وقول الآخر ٢:
حين ألقت بقباء بركها ... واستحر القتل في عبد الأشل٣
يريد عبد الأشهل من الأنصار, وقول أبي داود:
يذرين جندل حائر لجنوبها ... فكأنما تذكى سنابكها الحبا
أي تصيب بالحصى في جريها جنوبها وأراد الحباحب٤ وقال الأخطل:
أمست مناها بأرض ما يبلغها ... بصاحب الهم إلا الجسرة الأجد٥
قالوا: يريد منازلها ويجوز أن يكون مناها قصدها ٦.
стр. 84
ودع هذا كله, ألم تسمع إلى ما جاءوا به من الأسماء المستفهم بها, والأسماء المشروط بها كيف أغنى الحرف الواحد عن الكلام الكثير المتناهي في الأبعاد والطول فمن ذلك قولك: كم مالك ألا ترى أنه قد أغناك ذلك عن قولك: أعشرة مالك أم عشرون أم ثلاثون أم مائة أم ألف فلو ذهبت تستوعب الأعداد لم تبلغ ذلك أبدًا لأنه غير متناه فلما قلت: " كم " أغنتك هذه اللفظة الواحدة عن تلك الإطالة غير المحاط بآخرها ولا المستدركة. وكذلك أين بيتك؛ قد أغنتك "أين " عن ذكر الأماكن كلها. وكذلك من عندك قد أغناك هذا عن ذكر الناس كلهم. وكذلك متى تقوم قد غنيت بذلك عن ذكر الأزمنة على بعدها. وعلى هذا بقية الأسماء من نحو: كيف وأي وأيان وأنى. وكذلك الشرط في قولك: من يقم أقم معه فقد كفاك ذلك من ذكر جميع الناس ولولا هو لاحتجت أن تقول: إن يقم زيد أو عمرو أو جعفر أو قاسم ونحو ذلك, ثم تقف حسيرًا مبهورًا ولما١ تجد إلى غرضك سبيلًا. وكذلك بقية أسماء العموم في غير الإيجاب: نحو أحد وديار وكتيع وأرم وبقية الباب. فإذا قلت: هل عندك أحد أغناك ذلك عن أن تقول: هل عندك زيد أو عمرو أو جعفر, أو سعيد أو صالح فتطيل ثم تقصر إقصار المعترف الكليل وهذا وغيره أظهر أمرًا وأبدى صفحة وعنوانًا. فجميع ما مضى وما نحن بسبيله مما أحضرناه, أو نبهنا عليه فتركناه شاهد بإيثار القوم قوة إيجازهم وحذف فضول كلامهم. هذا مع أنهم في بعض الأحوال قد يمكنون ويحتاطون وينحطون في الشق٢ الذي
стр. 85
يؤمون, وذلك في التوكيد نحو جاء القوم أجمعون, أكتعون, أبصعون, أبتعون١؛ وقد قال جرير:
تزود مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك زادا٢
فزاد الزاد في آخر البيت توكيدًا لا غير.
وقيل لأبي عمرو: أكانت العرب تطيل؟ فقال: نعم لتبلغ ٣. قيل: أفكانت توجز؟ قال: نعم ليحفظ٤ عنها.
واعلم أن العرب -مع ما ذكرنا- إلى الإيجاز أميل, وعن الإكثار أبعد. ألا ترى أنها في حال إطالتها وتكريرها مؤذنة باستكراه تلك الحال وملالها, ودالة على أنها إنما تجشمتها لما عناها هناك وأهمها؛ فجعلوا تحمل ما في ذلك على العلم بقوة الكلفة فيه دليلا على إحكام الأمر فيما هم عليه.
ووجه ما ذكرناه من ملالتها الإطالة -مع مجيئها بها للضرورة الداعية إليها- أنهم لما أكدوا فقالوا: أجمعون, أكتعون, أبصعون, أبتعون, لم يعيدوا أجمعون البتة فيكرروها فيقولوا: أجمعون, أجمعون, أجمعون, أجمعون, فعدلوا عن إعادة جميع الحروف إلى البعض تحاميًا -مع الإطالة- لتكرير الحروف كلها.
فإن قيل: فلم اقتصروا على إعادة العين وحدها, دون سائر حروف الكلمة قيل: لأنها أقوى في السجعة من الحرفين اللذين قبلها وذلك أنها لام فهي قافية لأنها آخر حروف الأصل فجيء بها؛ لأنها مقطع الأصول والعمل في المبالغة والتكرير إنما هو على المقطع لا على المبدأ, ولا المحشى ٤.
стр. 86
ألا ترى أن العناية في الشعر إنما هي بالقوافي لأنها المقاطع وفي السجع كمثل ذلك. نعم, وآخر السجعة والقافية أشرف عندهم من أولها والعناية بها أمس والحشد عليها أوفى وأهم. وكذلك كلما تطرف الحرف في القافية ازدادوا عناية به ومحافظة على حكمه.
ألا تعلم كيف استجاوزا الجمع بين الياء والواو ردفين نحو: سعيد, وعمود. وكيف استكرهوا اجتماعهما وصلين نحو قوله: "الغراب١ الأسودو" مع قوله أو "مغتدى" ١ وقوله في "غدى "١ وبقية قوافيها وعلة جواز اختلاف الردف وقبح اختلاف الوصل هو حديث التقدم والتأخر لا غير. وقد أحكمنا هذا الموضع في كتابنا المعرب -وهو تفسير قوافي أبي الحسن- بما أغنى عن إعادته هنا. فلذلك جاءوا لما كرهوا إعادة جميع حروف أجمعين بقافيتها؛ وهي العين لأنها أشهر حروفها إذ كانت مقطعًا لها. فأما الواو والنون فزائدتان لا يعتدان٢ لحذفهما في أجمع وجمع وأيضًا فلأن الواو قد تترك فيه إلى الياء، نحو أجمعون وأجمعين. وأيضا لثبات النون وحذفها أخرى، في غير هذا الموضع، فلذلك لم يعتدا مقطعا.
стр. 87
فإن قلت: إن هذه النون إنما تحذف مع الإضافة وهذه الأسماء التوابع نحو "أجمعين وبابه " مما لم تسمع إضافته فالنون فيها ثابتة على كل حال فهلا اقتصر عليها, وقفيت الكلم كلها بها.
قيل: إنها١ وإن لم يضف هذا الضرب من الأسماء فإن إضافة هذا القبيل من الكلم في غير هذا الموضع مطردة منقادة نحو: مسلموك وضاربو زيد وشاتمو جعفر, فلما كان الأكثر فيما جمع بالواو والنون إنما هو جواز إضافته حمل الأقل في ذلك عليه وألحق في الحكم به.
فأما قولهم: أخذ المال بأجمعه فليس أجمع هذا هو أجمع من قولهم: جاء الجيش أجمع وأكلت الرغيف أجمع من قبل أن أجمع هذا الذي يؤكد به لا يتنكر٢ هو ولا ما يتبعه أبدًا نحو أكتع, وجميع هذا الباب, وإذا لم يجز تنكيره كان من الإضافة أبعد إذ لا سبيل إلى إضافة اسم إلا بعد تنكيره وتصوره كذلك. ولهذا لم يأت عنهم شيء من إضافة أسماء الإشارة ولا الأسماء المضمرة إذ ليس فيها ما ينكر. ويؤكد ذلك عندك أنهم قد قالوا في هذا المعنى: جاء القوم بأجمعهم بضم الميم فكما أن هذه غير تلك لا محالة فكذلك المفتوحة الميم هي غير تلك. وهذا واضح.
وينبغي أن تكون "أجمع " هذه المضمومة العين٣ جمعًا مكسرًا لا واحدًا مفردًا من حيث كان هذا المثال مما يخص التكسير دون الإفراد وإذا كان كذلك فيجب أن يعرف خبر واحده ما هو. فأقرب ذلك إليه أن يكون جمع "جمع" من قول
стр. 88
الله سبحانه ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ . ويجوز عندي أيضًا أن يكون جمع أجمع على حذف الزيادة وعليه حمل أبو عبيدة قول الله تعالى ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أنه جمع أشد, على حذف الزيادة. قال: وربما استكرهوا على حذف هذه الزيادة في الواحد, وأنشد بيت عنترة ١:
عهدي به شد النهار ...
أي أشد النهار, ويعني أعلاه وأمتعه وذهب سيبويه في أشد هذه إلى أنها جمع شدة كنعمة وأنعم. وذهب أبو عثمان٢ فيما رويناه عن أحمد٢ بن يحيى عنه إلى أنه جمع لا واحد له.
ثم لنعد فنقول: إنهم إذا كانوا في حال إكثارهم وتوكيدهم مستوحشين منه مصانعين٣ عنه علم أنهم إلى الإيجاز أميل, وبه أعنى وفيه أرغب؛ ألا ترى إلى ما في القرآن وفصيح الكلام: من كثرة الحذوف كحذف المضاف وحذف الموصوف والاكتفاء بالقليل من الكثير كالواحد من الجماعة وكالتلويح من التصريح. فهذا ونحوه -مما يطول إيراده وشرحه- مما يزيل الشك عنك في رغبتهم فيما خف وأوجز عما طال وأملّ, وأنهم متى اضطروا إلى الإطالة لداعي حاجة أبانوا عن ثقلها عليهم, واعتدوا بما كلفوه من ذلك أنفسهم وجعلوه كالمنبهة على فرط عنايتهم وتمكن الموضع عندهم, وأنه ليس كغيره مما ليست له حرمته ولا النفس معنية به.
стр. 89
نعم, ولو لم يكن في الإطالة في بعض الأحوال إلا الخروج إليها عما قد ألف ومل من الإيجاز لكان مقنعًا.
ألا ترى إلى كثرة غلبة الياء على الواو في عام الحال ثم مع هذا فقد ملوا ذلك إلى أن قلبوا الياء واوًا قلبًا ساذجًا أو كالساذج لا لشيء أكثر من الانتقال من حال إلى حال فإن المحبوب إذا كثر مُلّ, وقد قال النبي ﷺ ١: "يا أبا هريرة زر غبًّا تزدد حبًّا" , والطريق في هذا بحمد الله واضحة مهيع. وذلك الموضع الذي قلبت فيه الياء واوًا على ما ذكرنا لام فَعْلى إذا كانت اسمًا من نحو: الفتوى والرعوى٢ والثنوى٢ والبقوى٢ والتقوى والشروى٢ والعوى "لهذا النجم ". وعلى ذلك أو قريب منه قالوا: عوى الكلب عوة. وقالوا: الفتُوّة وهي من الياء وكذلك النَّدُوّة٣. وقالوا: هذا أمر ممضُوّ عليه وهي المضواء٤, وإنما هي من مضيت لا غير.
وقد جاء عنهم: رجل مهوب وبُرّ مكول٥ ورجل مسور به٦. فقياس هذا كله على قول الخليل أن يكون مما قلبت فيه الياء واوًا؛ لأنه يعتقد أن المحذوف من هذا ونحوه إنما هو واو مفعول لا عينه وأنسه بذلك قولهم: قد هوب, وسور به وكول.
واعلم أنا -مع ما شرحنا وعنينا به فأوضحناه من ترجيح علل النحو على علل الفقه, وإلحاقها بعلل الكلام- لا ندعي أنها تبلغ قدر علل المتكلمين ولا عليها
стр. 90
براهين المهندسين غير أنا نقول: إن علل النحويين على ضربين: أحدهما واجب لا بد منه؛ لأن النفس لا تطيق في معناه غيره. والآخر ما يمكن تحمله إلا أنه على تجشم واستكراه له.
الأول -وهو ما لا بد للطبع منه: قلب الألف واوًا للضمة قبلها, وياء للكسرة قبلها. أما الواو فنحو قولك في سائر: سويئر وفي ضارب: ضويرب. وأما الياء فنحو قولك في نحو تحقير قرطاس وتكسيره: قريطيس وقراطيس. فهذا ونحوه مما لا بد منه؛ من قبل أنه ليس في القوة ولا احتمال الطبيعة وقوع الألف المدة١ الساكنة بعد الكسرة ولا الضمة. فقلب الألف على هذا الحد علته الكسرة والضمة قبلها. فهذه علة برهانية ولا لبس فيها ولا توقف للنفس عنها. وليس كذلك قلب واو عصفور ونحوه ياء إذا انكسر ما قبلها نحو: عصيفير وعصافير؛ ألا ترى أنه قد يمكنك تحمل المشقة في تصحيح هذه الواو بعد الكسرة؛ وذلك بأن تقول عصيفور وعصافور. وكذلك نحو: موسر وموقن وميزان وميعاد لو أكرهت نفسك على تصحيح أصلها لأطاعتك عليه وأمكنتك منه وذلك قولك: موزان وموعاد وميسر وميقن. وكذلك ريح وقيل قد كنت قادرًا أن تقول: قول وروح لكن مجيء الألف بعد الضمة أو الكسرة أو السكون محال ومثله لا يكون. ومن المستحيل جمعك٢ بين الألفين المدتين نحو ما صار إليه قلب لام
стр. 91
كساء ونحوه قبل إبدال الألف همزة وهو خطا كساا, أو قضاا, فهذا تتوهمه تقديرًا ولا تلفظ به البتة. قال أبو إسحاق يومًا لخصم نازعه في جواز اجتماع الألفين المدتين -ومد الرجل الألف في نحو هذا, وأطال- فقال له أبو إسحاق: لو مددتها إلى العصر ما كانت إلا ألفًا واحدة.
وعلة امتناع ذلك عندي أنه قد ثبت أن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا فلو التقت ألفان مدتان لانتقضت القضية في ذلك؛ ألا ترى أن الألف الأولى قبل الثانية ساكنة وإذا كان ما قبل الثانية ساكنًا كان ذلك نقضًا في الشرط لا محالة. فأما قول أبي العباس في إنشاد سيبويه ١:
دار لسعدى إذه من هواكا
إنه خرج من باب الخطأ إلى باب الإحالة؛ لأن الحرف الواحد لا يكون ساكنًا متحركًا في حال٢، فخطأ عندنا. وذلك أن الذي قال: " إذه من هواك " هو الذي يقول في الوصل: هي قامت, فيسكن الياء، وهي لغة٣ معروفة, فإذا حذفها في الوصل اضطرارًا واحتاج إلى الوقف ردها حينئذ فقال: هي, فصار الحرف المبدوء به غير الموقوف عليه فلم يجب من هذا أن يكون ساكنًا متحركًا في حال وإنما كان قوله: " إذه" على لغة من أسكن الياء لا لغة من حركها من قبل أن الحذف ضرب من الإعلال. والإعلال إلى السواكن لضعفها أسبق منه إلى المتحركات لقوتها. وعلى هذا قبح قوله:
стр. 92
لم يك الحق سوى أن هاجه ... رسم دار قد تعفى بالسرر١
لأنه موضع يتحرك فيه الحرف في نحو قولك: لم يكن الحق.
وعلة جواز هذا البيت ونحوه مما حذف فيه ما يقوى بالحركة, هي أن هذه الحركة إنما هي لالتقاء٢ الساكنين وأحداث التقائهما ملغاة غير معتدة فكأن النون ساكنة وإن كانت لو أقرت لحركت, فإن لم تقل بهذا لزمك أن تمتنع من إجماع العرب الحجازيين على قولهم: اردد الباب واصبب الماء واسلل السيف. وأن تحتج٣ في دفع ذلك بأن تقول: لا أجمع بين مثلين متحركين. وهذا واضح.
ومن طريف حديث اجتماع السواكن شيء وإن كان في لغة العجم, فإن طريق الحس موضع تتلاقى عليه طباع البشر, ويتحاكم إليه الأسود والأحمر, وذلك قولهم: "آرد " للدقيق٤ و "ماست " للبن٤؛ فيجمعون بين ثلاثة سواكن. إلا أنني لم أر ذلك إلا فيما كان ساكنه الأول٥ ألفًا, وذلك أن الألف لما قاربت بضعفها وخفائها الحركة صارت " ماستْ" كأنها مَسْت.
стр. 93
فإن قلت: فأجز على هذا الجمع بين الألفين المدتين واعتقد أن الأولى منهما كالفتحة قبل الثانية.
قيل: هذا فاسد؛ وذلك أن الألف قبل السين في "ماست " إذا أنت استوفيتها أدتك إلى شيء آخر غيرها مخالف لها, وتلك حال الحركة قبل الحرف: أن يكون بينهما فرق ما١، ولو تجشمت نحو ذلك في جمعك في اللفظ بين ألفين مدتين, نحو كساا, وحمراا, لكان مضافًا إلى اجتماع ساكنين أنك خرجت من الألف إلى ألف مثلها وعلى سمتها, والحركة لا بد لها أن تكون مخالفة للحرف بعدها, هذا مع انتقاض القضية في سكون ما قبل الألف الثانية.
ورأيت مع هذا أبا علي ﵀ كغير المستوحش من الابتداء بالساكن في كلام العجم. ولعمري إنه لم يصرح بإجازته لكنه لم يتشدد فيه تشدده في إفساد إجازة ابتداء العرب بالساكن. قال: وذلك أن العرب قد امتنعت من الابتداء بما يقارب حال الساكن, وإن كان في الحقيقة متحركًا يعني همزة بين بين. قال: فإذا كان بعض المتحرك لمضارعته الساكن لا يمكن الابتداء به فما الظن بالساكن نفسه! قال: وإنما خفي حال هذا في اللغة العجمية لما فيها من الزمزمة٢، يريد أنها لما كثر ذلك فيها ضعفت حركاتها وخفيت. وأما أنا فأسمعهم٣ كثيرًا إذا أرادوا المفتاح قالوا: "كليد " فإن لم تبلغ الكاف أن تكون
стр. 94
ساكنة, فإن حركتها جد مضعفة, حتى إنها ليخفى حالها عليّ, فلا أدري أفتحة هي أم كسرة, وقد تأملت ذلك طويلا فلم أحل١ منه بطائل.
وحدثني أبو علي ﵀ قال: دخلت "هيتا "٢ وأنا أريد الانحدار منها إلى بغداد فسمعت أهلها ينطقون بفتحة غريبة لم أسمعها قبل؛ فعجبت منها وأقمنا هناك أيامًا, إلى أن صلح الطريق للمسير, فإذا أنني قد تكلمت مع القوم بها, وأظنه قال لي: إنني لما بعدت عنهم أنسيتها.
ومما نحن بسبيله مذهب٣ يونس في إلحاقه النون الخفيفة للتوكيد في التثنية, وجماعة النساء, وجمعه بين ساكنين في الوصل, نحو قوله: اضربان زيدًا, واضربنان عمرًا, وليس ذلك -وإن كان في الإدراج- بالممتنع في الحس, وإن كان غيره أسوغ فيه منه٤، من قبل أن الألف إذا أشبع مدها صار ذلك كالحركة فيها ألا ترى إلى اطراد نحو: شابة, ودابة, وادهامت, والضالين.
فإن قلت: فإن الحرف لما كان مدغمًا خفى, فنبا اللسان عنه وعن الآخر بعده نبوة واحدة, فجريا لذلك مجرى الحرف الواحد وليست كذلك نون اضربان زيدًا, وأكرمنان جعفرًا, قيل: فالنون الساكنة أيضًا حرف خفي فجرت لذلك نحوًا من الحرف المدغم وقد قرأ نافع: "مَحْيَايْ وَمَمَاتِي" بسكون الياء من "مَحْيَايَ" وذلك لما نحن عليه من حديث الخفاء والياء المتحركة إذا وقعت بعد الألف احتيج لها إلى فضل اعتماد وإبانة وذلك قول الله تعالى ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ ولذلك يحض المبتدئون والمتلقنون على إبانة هذه الياء لوقوعها بعد الألف، فإذا
стр. 95
كانت من الخفاء على ما ذكرنا وهي متحركة ازدادت خفاء بالسكون نحو محياي فأشبهت حينئذ الحرف المدغم. ونحو من ذلك ما يحكى عنهم من قولهم: "التقت حلقتا البطان " بإثبات الألف ساكنة في اللفظ قبل اللام, وكأن ذلك إنما جاز ههنا لمضارعة اللام١ النون؛ ألا ترى أن في مقطع اللام غنة كالنون وهي أيضًا تقرب من الياء حتى يجعلها بعضهم في اللفظ ياء, فحملت اللام في هذا على النون كما حملت أيضًا عليها في لعلي, ألا تراهم كيف كرهوا النون من لعلني مع اللام, كما كرهوا النون في إنني وعلى ذلك قالوا: هذا بِلْوُسَفَر وبِلْىُ سفرٍ٢, فأبدلوا الواو ياء لضعف حجز اللام كما أبدلوها "في قِنْية " ياء لضعف حجز النون, وكأن "قنية " -وهي عندنا من "قنوت " - و "بِلْيًا " أشبه من عِذى٣ وصبيان, لأنه لا غنة في الذال والباء ٤. ومثل "بِلى " قولهم: فلان من عِلْيَه الناس, وناقة عِلْيَان ٥. فأما إبدال يونس هذه النون في الوقف ألفًا وجمعه بين ألفين في اضرباا, واضربناا, فهو الضعيف المستكره الذي أباه أبو إسحاق وقال فيه ما قال٦.
ومن الأمر الطبيعي الذي لا بد منه ولا وَعْىَ٧ عنه, أن يلتقي الحرفان الصحيحان فيسكن الأول منهما في الإدراج فلا يكون حينئذ بد من الإدغام،
стр. 96
متصلين كانا أو منفصلين. فالمتصلان نحو قولك: شد وصب وحل فالادّغام واجب لا محالة ولا يوجدك اللفظ به بدًّا منه. والمنفصلان نحو قولك: خذ ذاك ودع عامرا. فإن قلت: فقد أقدر أن أقول: شدد وحلل فلا أدغم, قيل: متى تجشمت ذلك وقفت على الحرف الأول وقفة ما وكلامنا إنما هو على الوصل. فأما قراءة عاصم: "وقيل من راق " ببيان النون من "من " فمعيب في الإعراب, معيف في الأسماع وذلك أن النون الساكنة لا توقف في وجوب ادّغامها في الراء نحو: من رأيت ومن رآك فإن كان ارتكب ذلك ووقف على النون صحيحة غير مدّغمة, لينبه به على انفصال المبتدأ من خبره فغير مرضي أيضًا ألا ترى إلى قول عدي ٢:
من رأيت المنون عرين أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير٣
بإدغام نون "من " في راء رأيت. ويكفي من هذا إجماع الجماعة على ادّغام ﴿مَنْ رَاقٍ﴾ وغيره مما تلك سبيله. وعاصم في هذا مناقض لمن قرأ: "فإذا هيتلقف " ٤, بإدغام تاء تلقف. وهذا عندي يدل على شدة اتصال المبتدأ بخبره فإذا صارا معًا ههنا كالجزء الواحد فجرى " هيت " في اللفظ مجرى خدب وهجف ولولا أن الأمر كذلك للزمك أن تقدر الابتداء بالساكن, أعني تاء المضارعة من " تتلقف ". فاعرف ذلك. وأما المعتلان فإن كانا مدين منفصلين فالبيان لا غير, نحو: في يده وذو وفرة،
стр. 97
وإن كانا متصلين ادّغما نحو: مرضية ومدعوة فإن كان الأول غير لازم فك في المتصل أيضًا نحو قوله:
بان الخليط ولو طووعت ما بانا١
وقول العجاج:
وفاحم دووى حتى اعلنكسا٢
ألا ترى أن الأصل داويت وطاوعت فالحرف الأول إذًا ليس لازمًا. فإن كانا بعد الفتحة ادغما لا غير متصلين ومنفصلين وذلك نحو: قو وجو وحي وعي ومصطفو واقد وغلامي ياسر؛ وهذا ظاهر.
فهذا ونحوه طريق ما لا بد منه؛ "وما لا يجري مجرى التحيز إليه والتخير له"٣.
وما منه بد هو الأكثر وعليه اعتماد القول وفيه يطول السؤال والخوض وقد تقدم صدر منه ونحن نغترق٤ في آتي الأبواب جميعه ولا قوة إلا بالله فأما إن استوفينا في الباب الواحد كل ما يتصل به -على تزاحم هذا الشأن وتقاود بعضه مع بعض- اضطرت الحال إلى إعادة كثير منه وتكريره في الأبواب المضاهية لبابه وسترى ذلك مشروحًا بحسب ما يعين الله عليه وينهض به.
стр. 98
باب القول على الاطراد والشذوذ:
أصل مواضع "ط ر د " في كلامهم التتابع والاستمرار. من ذلك طردت الطريدة إذ اتبعتها واستمرت بين يديك ومنه مطاردة الفرسان بعضهم بعضًا ألا ترى أن هناك كرًّا وفرًّا فكل يطرد صاحبه. ومنه المطرد: رمح قصير يطرد به الوحش واطرد الجدول إذا تتابع ماؤه بالريح. أنشدني بعض أصحابنا لأعرابي:
مالك لا تذكر أو تزور ... بيضاء بين حاجبيها نور
تمشي كما يطرد الغدير
ومنه بيت الأنصاري ١:
أتعرف رسمًا كاطراد المذاهب
أي كتتابع المذاهب وهي جمع مذهب وعليه قول الآخر ٢:
سيكفيك الإله ومسنمات ... كجندل لبن تطرد الصلالا
أي تتابع إلى الأرضين الممطورة لتشرب منها, فهي تسرع وتستمر إليها. وعليه بقية الباب.
وأما مواضع "ش ذ ذ" في كلامهم فهو التفرق التفرد؛ من ذلك قوله:
يتركن شذان٣ الحصى جوافلا
стр. 99
أي ما تطاير وتهافت منه. وشذ الشيء يشِذ ويشُذ شذوذًا وشذًّا وأشذذته أنا, وشذذته أيضًا أشذه "بالضم لا غير" وأباها الأصمعي وقال: لا أعرف إلا شاذًّا أي متفرقًا. وجمع شاذّ شذّاذ قال:
كبعض من مر من الشذاذ
هذا أصل هذين الأصلين في اللغة. ثم قيل ذلك في الكلام والأصوات على سمته وطريقه في غيرهما فجعل أهل علم العرب ما استمر من الكلام في الإعراب وغيره من مواضع الصناعة مطردًا وجعلوا ما فارق ما عليه بقية بابه وانفرد عن ذلك إلى غيره شاذًا حملًا لهذين الموضعين على أحكام غيرهما.
ثم اعلم من بعد هذا أن الكلام في الاطراد والشذوذ على أربعة أضرب: مطرد في القياس والاستعمال جميعًا وهذا هو الغاية المطلوبة والمثابة المنوبة وذلك نحو: قام زيد وضربت عمرًا ومررت بسعيد.
ومطرد في القياس شاذ في الاستعمال. وذلك نحو الماضي من: يدر ويدع. وكذلك قولهم "مكان مبقل " هذا هو القياس, والأكثر في السماع باقل, والأول مسموع أيضًا؛ قال أبو داود لابنه داود:"يا بني ما أعاشك بعدي؟ " فقال دواد:
أعاشني بعدك واد مبقل ... آكل من حوذانه٢ وأنسل
وقد حكى أيضًا أبو زيد في كتاب "حيلة ومحالة"٣: مكان مبقل. ومما يقوى في القياس يضعف في الاستعمال مفعول٤ عسى اسمًا صريحًا نحو قولك: عسى زيد
стр. 100
قائمًا أو قيامًا١ هذا هو القياس غير أن السماع ورد بحظره والاقتصار على ترك استعمال الاسم ههنا وذلك قولهم: عسى زيد أن يقوم و ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ . وقد جاء عنهم شيء من الأول أنشدنا أبو علي:
أكثرت في العذل ملحًا دائما ... لا تعذلا إني عسيت صائما٢
ومنه المثل السائر: " عسى الغوير أبؤسًا ".
والثالث المطرد في الاستعمال الشاذ في القياس نحو قولهم: أخوص٣ الرمث, واستصوبت الأمر. أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قال: يقال استصوبت الشيء ولا يقال: استصبت الشيء. ومنه استحوذ وأغيلت٤ المرأة واستنوق الجمل واستتيست الشاة وقول زهير:
هنالك إن يستخولوا المال يخولوا٥
ومنه استفيل٦ الجمل؛ قال أبو النجم:
يدير عيني مصعب مستقيل٧
والرابع الشاذ في القياس والاستعمال جميعًا. وهو كتتميم مفعول فيما عينه واو نحو: ثوب مصوون, ومسك مدووف ٨. وحكى البغداديون: فرس مقوود،
стр. 101
ورجل معوود من مرضه. وكل ذلك شاذ في القياس والاستعمال. فلا يسوغ القياس عليه ولا رد غيره إليه. "ولا يحسن أيضًا استعماله فيما استعملته فيه إلا على وجه الحكاية "١.
واعلم أن الشيء إذا اطرد في الاستعمال وشذ عن القياس فلا بد من اتباع السمع الوارد به فيه نفسه لكنه لا يتخذ أصلًا يقاس عليه غيره. ألا ترى أنك إذا سمعت: استحوذ واستصوب أديتهما بحالهما ولم تتجاوز ما ورد به السمع فيهما إلى غيرهما. ألا تراك لا تقول في استقام: استقوم ولا في استساغ: استسوغ ولا في استباع: استبيع ولا في أعاد: أعود لو لم تسمع شيئًا من ذلك قياسًا على قولهم: أخوص الرمث. فإن كان الشيء شاذًا في السماع مطردًا في القياس تحاميت ما تحامت العرب من ذلك وجريت في نظيره على الواجب في أمثاله. من ذلك امتناعك من: وذر وودع لأنهم لم يقولوهما ولا غرو "عليك"٢ أن تستعمل نظيرهما نحو: وزن ووعد لو لم تسمعهما. فأما قول أبي الأسود:
ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحب حتى ودعه
فشاذ. وكذلك قراءة بعضهم ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . فأما قولهم: ودع الشيء يدع -إذا سكن- فاتدع، فمسموع متبه، وعيه أنشد بيت الفرزدق:
وعض زمان يابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحت أو مجلف٣
فمعنى "لم يدع " -بكسر الدال- أي لم يتدع ولم يثبت والجملة بعد "زمان " في موضع جر لكونها صفة له والعائد منها إليه محذوف للعلم بموضعه وتقديره: لم يدع فيه
стр. 102
أو لأجله من المال إلا مسحت أو مجلف فيرتفع "مسحت " بفعله و "مجلف " عطف عليه وهذا أمر ظاهر ليس فيه من الاعتذار والاعتلال ما في الرواية الأخرى ١. ويحكى عن معاوية٢ أنه قال: خير المجالس ما سافر فيه البصر واتدع فيه البدن. ومن ذلك استعمالك " أن" بعد كاد نحو: كاد زيد أن يقوم هو قليل شاذ في الاستعمال وإن لم يكن قبيحًا ولا مأبيًا في القياس. ومن ذلك قول العرب: أقائم أخواك أم قاعدان هذا كلامها. قال أبو عثمان: والقياس يوجب أن تقول: أقائم أخواك أم قاعدهما؟ ٣ إلا أن العرب لا تقوله إلا قاعدان فتصل٤ الضمير والقياس يوجب فصله ليعادل الجملة الأولى
стр. 103
باب في تقاود١ السماع وتقارع الانتزاع:
هذا الموضع كأنه أصل الخلاف الشاجر بين النحويين. وسنفرد له بابًا. غير أنا نقدم٢ ها هنا ما كان لائقًا به ومقدمة للقول من بعده. وذلك على أضرب: فمنها أن يكثر الشيء فيسئل عن علته كرفع الفاعل ونصب المفعول, فيذهب قوم إلى شيء ويذهب آخرون إلى غيره. فقد وجب إذًا تأمل القولين
стр. 104
واعتماد أقواهما, ورفض صاحبه ١. فإن تساويا في القوة لم ينكر اعتقادهما جميعًا, فقد يكون الحكم الواحد معلولا بعلتين. وستفرد لذلك بابًا. وعلى هذا معظم قوانين العربية. وأمره واضح, فلا حاجة بنا إلى الإطالة فيه ٢.
ومنها أن يسمح الشيء, فيستدل به من وجه على تصحيح شيء أو إفساد٣ غيره، ويستدل به من وجه آخر على شيء غير الأول. وذلك كقولك: ضربتك وأكرمته ونحو ذلك مما يتصل فيه الضمير المنصوب بالضمير قبله المرفوع. فهذا موضع يمكن أن يستدل اتصال الفعل بفاعله.
ووجه الدلالة منه على ذلك أنهم قد أجمعوا على أن الكاف في نحو ضربتك من الضمير المتصل كما أن الكاف في نحو ضربك زيد كذلك ونحن نرى الكاف في ضربتك لم تباشر نفس الفعل كما باشرته في نحو ضربك زيد وإنما باشرت الفاعل الذي هو التاء فلولا أن الفاعل قد مزج بالفعل وصيغ معه حتى صار جزأ من جملته لما كانت الكاف من الضمير المتصل ولاعتدت لذلك منفصلة لا متصلة. لكنهم أجروا التاء التي هي ضمير الفاعل في نحو ضربتك -وإن لم تكن من نفس حروف الفعل- مجرى نون التوكيد التي يبنى الفعل عليها ويضم إليها في نحو لأضربنك. فكما أن الكاف في نحو هذا معتدة من الضمير المتصل وإن لم تل نفس الفعل كذلك الكاف في نحو ضربتك ضمير متصل وإن لم تل نفس الفعل.
فهذا وجه الاستدلال بهذه المسألة ونحوها على شدة اتصال الفعل بفاعله وتصحيح القول بذلك.
стр. 105
وأما وجه إفساده شيئًا آخر فمن قبل أن فيه ردًّا على من قال: إن المفعول إنما نصبه الفاعل١ وحده لا الفعل١ وحده ولا الفعل١ والفاعل جميعًا.
وطريق الاستدلال بذلك أنا قد علمنا أنهم إنما يعنون بقولهم: الضمير المتصل: أنه متصل بالعامل٢ فيه لا محالة ألا تراهم يقولون: إن الهاء في نحو مررت به ونزلت عليه ضمير متصل أي متصل بما عمل فيه وهو الجار وليس لك أن تقول: إنه متصل بالفعل لأن الباء٣ كأنها جزء من الفعل من حيث كانت معاقبة لأحد أجزائه المصوغة فيه وهي همزة أفعل وذلك نحو أنزلته ونزلت به وأدخلته ودخلت به وأخرجته وخرجت به لأمرين ٤:
أحدهما أنك إن اعتددت الباء لما ذكرت كأنها بعض الفعل فإن هنا دليلًا آخر يدل على أنها كبعض الاسم ألا ترى أنك تحكم عليها وعلى ما جرته بأنهما جميعًا في موضع نصب بالفعل حتى إنك لتجيز٥ العطف عليهما جميعًا بالنصب نحو قولك: مررت بك وزيدًا ونزلت عليه وجعفرًا فإذا كان هنا أمران أحدهما٦ على حكم والآخر على ضده وتعارضا هذا التعارض ترافعا٧ أحكامهما وثبت أن الكاف في نحو
стр. 106
مررت بك متصلة بنفس الباء, لأنها هي العاملة فيها. وكذلك الهاء في نحو إنه أخوك وكأنه صاحبك, وكأنه جعفر: هي١ ضمير متصل, أي متصل بالعامل فيه وهذا واضح.
والآخر إطباق النحويين على أن يقولوا في نحو هذا: إن الضمير قد خرج عن الفعل وانفصل من الفعل وهذا تصريح منهم بأنه متصل أي متصل بالباء العاملة فيه فلو كانت التاء في ضربتك هي العاملة في الكاف لفسد ذلك من قبل أن أصل عمل النصب إنما هو للفعل وغيره من النواصب مشبه في ذلك بالفعل والضمير بالإجماع أبعد شيء عن الفعل من حيث كان الفعل موغلا في التنكير والاسم المضمر متناه في التعريف. بل إذا لم يعمل الضمير في الظرف ولا في الحال -وهما مما تعمل فيه المعاني٢- كان الضمير من نصب المفعول به أبعد وفي التقصير عن الوصول إليه أفعد. وأيضًا فإنك تقول: زيد ضرب عمرًا والفاعل مضمر في نفسك لا موجود في لفظك، فإذا لم يعمل المضمر ملفوظًا به كان ألا يعمل غير ملفوظ به أحرى وأجدر.
وأما الاستدلال بنحو ضربتك على شيء غير الموضعين المتقدمين فأن يقول قائل: إن الكاف في نحو ضربتك منصوبة بالفعل والفاعل جميعًا ويقول: إنه متصل بهما كاتصاله بالعامل فيه في نحو إنك قائم ونظيره. وهذا أيضًا وإن كان قد ذهب إليه هشام٣ فإنه عندنا فاسد من أوجه ٤:
стр. 107
أحدها أنه قد صح ووضح أن الفعل والفاعل قد تنزلا باثني عشر دليلًا منزلة الجزء الواحد فالعمل إذًا إنما هو للفعل وحده واتصل به الفاعل فصار جزأ منه كما صارت النون في نحو لتضربن زيدًا كالجزء منه حتى خلط بها وبني معها. ومنها أن الفعل والفاعل إنما هو معنى والمعاني لا تعمل في المفعول به إنما تعمل في الظروف.
ومن ذلك أن تستدل بقول ضيغم١ الأسدي:
إذا هو لم يخفني في ابن عمي ... وإن لم ألقه الرجل الظلوم
على جواز ارتفاع الاسم بعد إذا الزمانية بالابتداء ألا ترى أن "هو " من قوله "إذا هو لم يخفني " ضمير٢ الشأن والحديث وأنه مرفوع لا محالة. فلا يخلو رفعه من أن يكون بالابتداء كما قلنا أو بفعل مضمر. فيفسد أن يكون مرفوعًا بفعل مضمر لأن ذلك المضمر لا دليل عليه ولا تفسير له وما كانت هذه سبيله٣ لم يجز إضماره.
فإن قلت: فلم لا يكون قوله "لم يخفني في ابن عمي الرجل الظلوم " تفسيرًا للفعل الرافع لـ "هو " كقولك: إذا زيد لم يلقني غلامه فعلت كذا فترفع زيدًا بفعل مضمر يكون ما بعده تفسيرًا له.
قيل: هذا فاسد من موضعين: أحدهما أنا لم نر هذا الضمير٤ على شريطة التفسير عاملا فيه فعل محتاج إلى تفسير. فإذا أدى هذا القول إلى ما لا نظير له،
стр. 108
وجب رفضه واطراح الذهاب إليه. والآخر أن قولك "لم يخفني الرجل الظلوم " إنما هو تفسير لـ "هو " من حيث كان ضمير الشأن والقصة لا بد له أن تفسره الجملة نحو قول الله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقولنا ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تفسير لـ"هو ". وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ فقولك: ﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ تفسير لـ "ها " من قولك: فإنها من حيث كانت ضمير القصة. فكذلك قوله: "لم يخفني الرجل الظلوم " إنما هذه الجملة تفسير لـ "هو ". فإذا ثبت أن هذه الجملة إنما هي تفسير لنفس الاسم المضمر بقي ذلك الفعل المضمر لا دليل عليه وإذا لم يقم عليه دليل بطل إضماره لما في ذلك من تكليف علم الغيب. وليس كذلك " إذا زيد قام أكرمتك" ونحوه من قبل أن زيدًا تام١ غير محتاج إلى تفسير. فإذا لم يكن محتاجًا إليه صارت الجملة بعده تفسيرًا للفعل الرافع له لا له نفسه.
فإذا ثبت بما أوردناه ما أردناه علمت وتحققت أن "هو " من قوله "إذا هو لم يخفني الرجل الظلوم " مرفوع بالابتداء لا بفعل مضمر.
وفي هذا البيت تقوية لمذهب أبي الحسن في إجازته الرفع٢ بعد إذا الزمانية بالابتداء في نحو قوله تعالى ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ .
ومعنا٣ ما يشهد لقوله هذا: شيء غير هذا غير أنه ليس ذلك غرضنا هنا إنما الغرض إعلامنا أن في البيت دلالة على صحة مذهب أبي الحسن هذا. فهذا وجه صحيح يمكن أن يستنبط من بيت ضيغم الذي أنشدناه.
стр. 109
وفيه دليل آخر على جواز خلو١ الجملة الجارية خبرًا عن المبتدأ من ضمير يعود إليه منها ألا ترى أن قوله "لم يخفني الرجل الظلوم " ليس فيه عائد على هو وكيف يكون الأمر إلا هكذا ألا تعلم أن هذا المضمر على شريطة التفسير لا يوصف٢ ولا يؤكد ولا يعطف عليه ولا يبدل منه ولا يعود عائد ذكر عليه وذلك لضعفه من حيث كان مفتقرًا إلى تفسيره. وعلى هذا ونحوه عامة ما يرد عليك من هذا الضرب؛ ألا ترى أن قول الله ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لا ضمير فيه يعود على "هو " من قبله.
واعلم أن اللفظ قد يرد شيء منه فيجوز جوازًا صحيحًا أن يستدل به على أمر ما وأن يستدل به على ضده البتة. وذلك نحو مررت بزيد ورغبت في عمرو وعجبت من محمد وغير ذلك من الأفعال الواصلة بحروف الجر.
فأحد ما يدل عليه هذا الضرب من القول أن الجار معتد من جملة الفعل الواصل به ألا ترى أن الباء في نحو مررت بزيد معاقبة الهمزة النقل في نحو أمررت زيدًا وكذلك قولك أخرجته وخرجت به وأنزلته ونزلت به. فكما أن همزة أفعل مصوغة٣ فيه كائنة من جملته فكذلك ما عاقبها من حروف الجر ينبغي أن يعتد أيضًا من جملة الفعل لمعاقبته ما هو من جملته. فهذا وجه.
والآخر أن يدل ذلك على أن حرف الجر جار مجرى بعض ما جره ألا ترى أنك تحكم لموضع الجار والمجرور بالنصب فيعطف٤ عليه فينصب٤ لذلك فنقول: مررت بزيد وعمرًا وكذلك أيضًا لا يفصل بين الجار والمجرور لكونهما في كثير
стр. 110
من المواضع بمنزلة الجزء١ الواحد. أفلا تراك كيف تقدر اللفظ الواحد٢ تقديرين مختلفين وكل واحد منهما مقبول في القياس متلقى بالبشر والإيناس.
ومن ذلك قول الآخر ٣:
زمان علي غراب غداف ... فطيره الشيب عني فطارا
فهذا موضع يمكن أن يذهب ذاهب فيه إلى سقوط حكم ما تعلق به الظرف٤ من الفعل ويمكن أيضًا أن يستدل به على ثباته وبقاء حكمه. وذلك أن الظرف الذي هو " علي" متعلق بمحذوف وتقديره غداة٥ ثبت علي أو استقر علي غراب ثم حذف الفعل وأقيم الظرف مقامه. وقوله فطيره -كما ترى- معطوف. فأما من أثبت به حكم الفعل المحذوف فله أن يقول: إن طيره معطوف على ثبت٦ أو استقر وجواز العطف عليه أدل دليل على اعتداده وبقاء حكمه وأن العقد عليه والمعاملة في هذا ونحوه إنما هي معه ألا ترى أن العطف نظير التثنية ومحال أن يثنى الشيء فيصير مع صاحبه شيئين إلا وحالهما في الثبات والاعتداد واحدة.
فهذا وجه جواز الاستدلال به على بقاء حكم ما تعلق به الظرف وأنه ليس أصلا متروكًا ولا شرعًا منسوخًا.