← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9986

الخصائص

ابن جني

Полный текст (1 357 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مررت بك متصلة بنفس الباء, لأنها هي العاملة فيها. وكذلك الهاء في نحو إنه أخوك وكأنه صاحبك, وكأنه جعفر: هي١ ضمير متصل, أي متصل بالعامل فيه وهذا واضح. والآخر إطباق النحويين على أن يقولوا في نحو هذا: إن الضمير قد خرج عن الفعل وانفصل من الفعل وهذا تصريح منهم بأنه متصل أي متصل بالباء العاملة فيه فلو كانت التاء في ضربتك هي العاملة في الكاف لفسد ذلك من قبل أن أصل عمل النصب إنما هو للفعل وغيره من النواصب مشبه في ذلك بالفعل والضمير بالإجماع أبعد شيء عن الفعل من حيث كان الفعل موغلا في التنكير والاسم المضمر متناه في التعريف. بل إذا لم يعمل الضمير في الظرف ولا في الحال -وهما مما تعمل فيه المعاني٢- كان الضمير من نصب المفعول به أبعد وفي التقصير عن الوصول إليه أفعد. وأيضًا فإنك تقول: زيد ضرب عمرًا والفاعل مضمر في نفسك لا موجود في لفظك، فإذا لم يعمل المضمر ملفوظًا به كان ألا يعمل غير ملفوظ به أحرى وأجدر. وأما الاستدلال بنحو ضربتك على شيء غير الموضعين المتقدمين فأن يقول قائل: إن الكاف في نحو ضربتك منصوبة بالفعل والفاعل جميعًا ويقول: إنه متصل بهما كاتصاله بالعامل فيه في نحو إنك قائم ونظيره. وهذا أيضًا وإن كان قد ذهب إليه هشام٣ فإنه عندنا فاسد من أوجه ٤:

стр. 107

أحدها أنه قد صح ووضح أن الفعل والفاعل قد تنزلا باثني عشر دليلًا منزلة الجزء الواحد فالعمل إذًا إنما هو للفعل وحده واتصل به الفاعل فصار جزأ منه كما صارت النون في نحو لتضربن زيدًا كالجزء منه حتى خلط بها وبني معها. ومنها أن الفعل والفاعل إنما هو معنى والمعاني لا تعمل في المفعول به إنما تعمل في الظروف. ومن ذلك أن تستدل بقول ضيغم١ الأسدي: إذا هو لم يخفني في ابن عمي ... وإن لم ألقه الرجل الظلوم على جواز ارتفاع الاسم بعد إذا الزمانية بالابتداء ألا ترى أن "هو " من قوله "إذا هو لم يخفني " ضمير٢ الشأن والحديث وأنه مرفوع لا محالة. فلا يخلو رفعه من أن يكون بالابتداء كما قلنا أو بفعل مضمر. فيفسد أن يكون مرفوعًا بفعل مضمر لأن ذلك المضمر لا دليل عليه ولا تفسير له وما كانت هذه سبيله٣ لم يجز إضماره. فإن قلت: فلم لا يكون قوله "لم يخفني في ابن عمي الرجل الظلوم " تفسيرًا للفعل الرافع لـ "هو " كقولك: إذا زيد لم يلقني غلامه فعلت كذا فترفع زيدًا بفعل مضمر يكون ما بعده تفسيرًا له. قيل: هذا فاسد من موضعين: أحدهما أنا لم نر هذا الضمير٤ على شريطة التفسير عاملا فيه فعل محتاج إلى تفسير. فإذا أدى هذا القول إلى ما لا نظير له،

стр. 108

وجب رفضه واطراح الذهاب إليه. والآخر أن قولك "لم يخفني الرجل الظلوم " إنما هو تفسير لـ "هو " من حيث كان ضمير الشأن والقصة لا بد له أن تفسره الجملة نحو قول الله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقولنا ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تفسير لـ"هو ". وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ فقولك: ﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ تفسير لـ "ها " من قولك: فإنها من حيث كانت ضمير القصة. فكذلك قوله: "لم يخفني الرجل الظلوم " إنما هذه الجملة تفسير لـ "هو ". فإذا ثبت أن هذه الجملة إنما هي تفسير لنفس الاسم المضمر بقي ذلك الفعل المضمر لا دليل عليه وإذا لم يقم عليه دليل بطل إضماره لما في ذلك من تكليف علم الغيب. وليس كذلك " إذا زيد قام أكرمتك" ونحوه من قبل أن زيدًا تام١ غير محتاج إلى تفسير. فإذا لم يكن محتاجًا إليه صارت الجملة بعده تفسيرًا للفعل الرافع له لا له نفسه. فإذا ثبت بما أوردناه ما أردناه علمت وتحققت أن "هو " من قوله "إذا هو لم يخفني الرجل الظلوم " مرفوع بالابتداء لا بفعل مضمر. وفي هذا البيت تقوية لمذهب أبي الحسن في إجازته الرفع٢ بعد إذا الزمانية بالابتداء في نحو قوله تعالى ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ . ومعنا٣ ما يشهد لقوله هذا: شيء غير هذا غير أنه ليس ذلك غرضنا هنا إنما الغرض إعلامنا أن في البيت دلالة على صحة مذهب أبي الحسن هذا. فهذا وجه صحيح يمكن أن يستنبط من بيت ضيغم الذي أنشدناه.

стр. 109

وفيه دليل آخر على جواز خلو١ الجملة الجارية خبرًا عن المبتدأ من ضمير يعود إليه منها ألا ترى أن قوله "لم يخفني الرجل الظلوم " ليس فيه عائد على هو وكيف يكون الأمر إلا هكذا ألا تعلم أن هذا المضمر على شريطة التفسير لا يوصف٢ ولا يؤكد ولا يعطف عليه ولا يبدل منه ولا يعود عائد ذكر عليه وذلك لضعفه من حيث كان مفتقرًا إلى تفسيره. وعلى هذا ونحوه عامة ما يرد عليك من هذا الضرب؛ ألا ترى أن قول الله ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لا ضمير فيه يعود على "هو " من قبله. واعلم أن اللفظ قد يرد شيء منه فيجوز جوازًا صحيحًا أن يستدل به على أمر ما وأن يستدل به على ضده البتة. وذلك نحو مررت بزيد ورغبت في عمرو وعجبت من محمد وغير ذلك من الأفعال الواصلة بحروف الجر. فأحد ما يدل عليه هذا الضرب من القول أن الجار معتد من جملة الفعل الواصل به ألا ترى أن الباء في نحو مررت بزيد معاقبة الهمزة النقل في نحو أمررت زيدًا وكذلك قولك أخرجته وخرجت به وأنزلته ونزلت به. فكما أن همزة أفعل مصوغة٣ فيه كائنة من جملته فكذلك ما عاقبها من حروف الجر ينبغي أن يعتد أيضًا من جملة الفعل لمعاقبته ما هو من جملته. فهذا وجه. والآخر أن يدل ذلك على أن حرف الجر جار مجرى بعض ما جره ألا ترى أنك تحكم لموضع الجار والمجرور بالنصب فيعطف٤ عليه فينصب٤ لذلك فنقول: مررت بزيد وعمرًا وكذلك أيضًا لا يفصل بين الجار والمجرور لكونهما في كثير

стр. 110

من المواضع بمنزلة الجزء١ الواحد. أفلا تراك كيف تقدر اللفظ الواحد٢ تقديرين مختلفين وكل واحد منهما مقبول في القياس متلقى بالبشر والإيناس. ومن ذلك قول الآخر ٣: زمان علي غراب غداف ... فطيره الشيب عني فطارا فهذا موضع يمكن أن يذهب ذاهب فيه إلى سقوط حكم ما تعلق به الظرف٤ من الفعل ويمكن أيضًا أن يستدل به على ثباته وبقاء حكمه. وذلك أن الظرف الذي هو " علي" متعلق بمحذوف وتقديره غداة٥ ثبت علي أو استقر علي غراب ثم حذف الفعل وأقيم الظرف مقامه. وقوله فطيره -كما ترى- معطوف. فأما من أثبت به حكم الفعل المحذوف فله أن يقول: إن طيره معطوف على ثبت٦ أو استقر وجواز العطف عليه أدل دليل على اعتداده وبقاء حكمه وأن العقد عليه والمعاملة في هذا ونحوه إنما هي معه ألا ترى أن العطف نظير التثنية ومحال أن يثنى الشيء فيصير مع صاحبه شيئين إلا وحالهما في الثبات والاعتداد واحدة. فهذا وجه جواز الاستدلال به على بقاء حكم ما تعلق به الظرف وأنه ليس أصلا متروكًا ولا شرعًا منسوخًا.

стр. 111

وأما جواز اعتقاد سقوط حكم ما تعلق به الظرف من هذا البيت فلأنه قد عطف قوله " فطيره" على قوله " علي " وإذا جاز عطف الفعل على الظرف قوي حكم الظرف في قيامه مقام الفعل المتعلق هو به وإسقاطه حكمه وتوليه من العمل ما كان الفعل يتولاه وتناوله به ما كان متناولا له. فهذان وجهان من الاستدلال بالشيء الواحد على الحكمين الضدين, وإن كان وجه الدلالة به على قوة حكم الظرف وضعف حكم الفعل في هذا وما يجري مجراه هو الصواب عندنا وعليه اعتمادنا وعقدنا. وليس هذا موضع الانتصار لما نعتقده فيه وإنما الغرض منه أن نرى١ وجه ابتداء تفرع القول وكيف يأخذ بصاحبه ومن أين يقتاد الناظر فيه إلى أنحائه ومصارفه. ونظير هذا البيت في حديث الظرف والفعل من طريق العطف قول الله عز اسمه ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ، فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ أفلا تراه كيف عطف الظرف٢ الذي هو ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ على قوله: ﴿تُبْلَى﴾ وهو فعل فالآية نظيرة البيت في العطف وإن اختلفا في تقدم الظرف تارة وتأخره أخرى. وهذا أمر فيه انتشار وامتداد وإنما أفرض منه ومما يجري مجراه ما يستدل به ويجعل عيارًا على غيره. والأمر أوسع شقة وأظهر كلفة ومشقة؛ ولكن إن طبنت٣ له ورفقت به, أولاك جانبه وأمطاك كاهله وغاربه وإن خبطته٤ وتورطته٥ كدك مهله٦, وأوعرت بك سبله فرفقًا وتأملًا.

стр. 112

باب في مقاييس العربية: وهي ضربان: أحدهما معنوي والآخر لفظي. وهذان الضربان وإن عمّا وفشوا في هذه اللغة فإن أقواهما وأوسعهما هو القياس المعنوي ألا ترى١ أن الأسباب المانعة من الصرف تسعة: واحد منها٢ لفظي وهو شبه الفعل لفظًا, نحو أحمد ويرمع٣ وتنضب٣ وإثمد وأبلم٣ وبقم٣ وإستبرق والثمانية الباقية كلها معنوية كالتعريف والوصف والعدل والتأنيث وغير ذلك. فهذا دليل. ومثله اعتبارك باب الفاعل والمفعول به بأن تقول: رفعت هذا لأنه فاعل ونصبت هذا لأنه مفعول. فهذا اعتبار معنوي لا لفظي. ولأجله ما كانت٤ العوامل اللفظية راجعة في الحقيقة إلى أنها معنوية؛ ألا تراك إذا قلت: ضرب سعيد جعفرًا فإن " ضرب" لم تعمل في الحقيقة شيئًا وهل تحصل من قولك ضرب إلا على اللفظ بالضاد والراء والباء على صورة فعل فهذا هو الصوت والصوت مما لا يجوز أن يكون منسوبًا إليه الفعل. وإنما قال النحويون: عامل لفظي وعامل معنوي ليروك أن بعض العمل يأتي مسببًا عن لفظ يصحبه كمررت بزيد وليت عمرًا قائم وبعضه يأتي عاريًا من مصاحبة لفظ يتعلق به كرفع المبتدأ بالابتداء، ورفع الفعل لوقوعه موقع الاسم؛ هذا ظاهر الأمر، وعليه صفحة القول. فأما٦ في الحقيقة

стр. 113

ومحصول الحديث فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره. وإنما قالوا: لفظي ومعنوي لما ظهرت آثار فعل المتكلم بمضامة اللفظ للفظ أو باشتمال المعنى على اللفظ. وهذا واضح. واعلم أن القياس اللفظي إذا تأملته لم تجده عاريًا من اشتمال المعنى عليه؛ ألا ترى أنك إذا سئلت عن "إن " من قوله ١: ورج الفتى للخير ما إن رأيته ... على السن خيرًا لا يزال يزيد فإنك قائل: دخلت على " ما" -وإن كانت "ما " ههنا مصدرية- لشبهها لفظًا بما النافية التي تؤكد بإن من قوله٢: ما إن يكاد يخليهم لوجهتهم ... تخالج الأمر إن الأمر مشترك وشبه اللفظ بينهما يصير "ما " المصدرية إلى أنها كأنها " ما " التي معناها النفي أفلا ترى أنك لو لم تجذب إحداهما إلى أنها كأنها بمعنى الأخرى لم يجز لك إلحاق "إن" بها.

стр. 114

فالمعنى إذًا أشيع وأسير حكمًا من اللفظ؛ لأنك في اللفظي متصور لحال المعنوي ولست في المعنوي بمحتاج إلى تصور حكم اللفظي. فاعرف ذلك. واعلم أن العرب تؤثر من التجانس والتشابه وحمل الفرع على الأصل ما إذا تأملته عرفت منه قوة عنايتها بهذا الشأن وأنه منها على أقوى بال ألا ترى أنهم لما أعربوا بالحروف في التثنية والجمع الذي على حده فأعطوا الرفع في التثنية الألف والرفع في الجمع الواو والجر فيهما الياء وبقي النصب لا حرف له فيماز به, جذبوه إلى الجر فحملوه عليه دون الرفع لتلك الأسباب١ المعروفة هناك فلا حاجة بنا هنا إلى الإطالة بذكرها ففعلوا ذلك ضرورة ثم لما صاروا إلى جمع التأنيث حملوا النصب أيضًا على الجر فقالوا ضربت الهندات " كما قالوا مررت بالهندات "٢ ولا ضرورة هنا لأنهم قد كانوا قادرين على أن يفتحوا التاء فيقولوا: رأيت الهندات فلم يفعلوا ذلك مع إمكانه وزوال الضرورة التي عارضت في المذكر عنه, فدل دخولهم تحت هذا -مع أن الحال لا تضطر إليه- على إيثارهم واستحبابهم حمل الفرع على الأصل وإن عرى من ضرورة الأصل. وهذا جلي كما ترى. ومن ذلك حملهم حروف المضارعة بعضها على حكم بعض في نحو حذفهم الهمزة في نكرم وتكرم ويكرم لحذفهم إياها في أكرم لما كان يكون هناك من الاستثقال لاجتماع الهمزتين في نحو أؤكرم وإن عريت بقية حروف المضارعة -لو لم تحذف- من اجتماع همزتين وحذفهم أيضًا الفاء من نحو وعد, وورد, في يعد ويرد لما كان يلزم -لو لم تحذف- من وقوع الواوين ياء وكسرة،

стр. 115

ثم حملوا على ذلك ما لو لم يحذفوه لم يقع بين ياء وكسرة نحو أعد وتعد ونعد؛ لا للاستثقال، بل لتتساوى أحوال حروف المضارعة في حذف الفاء معها. فإذا جاز أن يحمل حروف المضارعة بعضها على بعض -ومراتبها متساوية وليس بعضها أصلًا لبعض- كان حمل المؤنث على المذكر١ لأن المذكر أسبق رتبة من المؤنث أولى وأجدر. ومن ذلك مراعاتهم في الجمع حال الواحد؛ لأنه أسبق من الجمع؛ ألا تراهم لما أعلت الواو في الواحد أعلوها أيضًا في الجمع في نحو قيمة وقيم وديمة وديم, ولما صحت في الواحد صححوها في الجمع, فقالوا: زوج وزوجة, وثور وثورة. فأما ثيرة ففي إعلال واوه ثلاثة أقوال: أما صاحب الكتاب٢ فحمله على الشذوذ وأما العباس٣ فذكر أنهم أعلوه ليفصلوا بذلك بين الثور من الحيوان وبين الثور وهو القطعة من الأقط؛ لأنهم لا يقولون فيه إلا ثِوَرة بالتصحيح لا غير. وأما أبو بكر٣ فذهب في إعلال ثيَرة إلى أن ذلك لأنها منقوصة من ثيارة, فتركوا الإعلال في العين أمارة لما نووه من الألف كما جعلوا تصحيح نحو اجتوروا واعتونوا, دليلا على أنه في معنى ما لا بد من صحته وهو تجاوروا وتعاونوا. وقد قالوا أيضًا: ثيرة؛ قال ٤:

стр. 116

صدر النهار يراعي ثيرةً رتعا١ وهذا لا نكير٢ له٣ في وجوبه لسكونه عينه. نعم وقد دعاهم إيثارهم لتشبيه الأشياء بعضها ببعض أن حملوا الأصل على الفرع؛ ألا تراهم يعلون المصدر لإعلال فعله ويصححونه لصحته. وذلك نحو قولك: قمت قيامًا وقاومت قوامًا. فإذا حملوا الأصل الذي هو المصدر على الفرع الذي هو الفعل فهل بقي في٤ وضوح الدلالة على إيثارهم تشبيه الأشياء المتقاربة بعضها ببعض شبهة! وعلى ذلك أيضًا عوضوا في المصدر ما حذفوه في الفعل فقالوا: أكرم يكرم, فلما حذفوا الهمزة في المضارع أثبتوها في المصدر فقالوا: الإكرام فدل هذا٥

стр. 117

على أن هذه المثل كلها جارية مجرى المثال الواحد؛ ألا تراهم لما حذفوا ياء فرازين١، عوضوا منها الهاء في نفس المثال فقالوا فرازنة. وكذلك لما حذفوا فاء عدة٢، عوضوا منها نفسها التاء. وكذلك أينق في أحد٣ قولي سيبويه فيها: لما حذفوا عينها عوضوا منها الياء في نفس المثال. فدل هذا وغيره مما يطول تعداده على أن المثال والمصدر واسم الفاعل كل واحد منها يجري عندهم وفي محصول اعتدادهم مجرى الصورة الواحدة حتى إنه٤ إذا لزم في بعضها شيء لعلة ما أوجبوه في الآخر وإن عرى في الظاهر من تلك العلة فأما في الحقيقة فكأنها فيه نفسه ألا ترى أنه إذا صح أن جميع هذه الأشياء على اختلاف أحوالها تجري عندهم مجرى المثال الواحد فإذا وجب في شيء منها حكم فإنه لذلك٥ كأنه أمر لا يخصه من بقية الباب بل هو٦ جار في الجميع مجرى واحدًا لما قدمنا ذكره من الحال آنفًا. واعلم أن من قوة القياس عندهم اعتقاد النحويين أن ما قيس على كلام العرب فهو عندهم من كلام العرب نحو قولك في قوله: كيف تبني من ضرب مثل جعفر: ضربب هذا من كلام العرب, ولو بنيت مثله ضيرب, أو ضورب, أو ضروب, أو نحو ذلك, لم يعتقد من كلام العرب؛ لأنه قياس على الأقل استعمالا والأضعف قياسًا. وسنفرد لهذا الفصل٧ بابًا فإن فيه نظرًا صالحًا ٨.

стр. 118

باب في جواز القياس على ما يقل ورفضه فيما هو أكثر منه: هذا باب ظاهره -إلى أن تعرف صورته- ظاهر التناقض؛ إلا أنه مع تأمله صحيح. وذلك أن يقل الشيء وهو قياس ويكون غيره أكثر منه إلا أنه ليس بقياس. الأول قولهم في النسب إلى شنوءة: شنئي؛ فلك -من بعد- أن تقول في الإضافة إلى قتوبة ١: قتبي١ وإلى ركوبة: ركبي وإلى حلوبة: حلبي قياسًا على شنئي. وذلك أنهم أجروا فعولة مجرى فعيلة؛ لمشابهتها إياها من عدة أوجه: أحدها أن كل واحدة٢ من فعولة وفعيلة ثلاثي٣ ثم إن ثالث كل واحدة منهما حرف لين يجري مجرى صاحبه ألا ترى إلى اجتماع الواو والياء ردفين وامتناع ذلك في الألف وإلى جواز حركة كل واحدة٢ من الياء والواو مع امتناع ذلك في الألف إلى غير ذلك. ومنها أن في كل واحدة من فعولة وفعيلة تاء التأنيث. ومنها اصطحاب فعول وفعيل على الموضع الواحد نحو أثيم وأثوم ورحيم ورحوم ومشي٤ ومشو٤ ونهي عن الشيء ونهو. فلما استمرت حال فعيلة وفعولة هذا الاستمرار جرت واو شنوءة مجرى ياء حنيفة فكما قالوا: حنفي قياسا قالوا: شنئي أيضا قياسا.

стр. 119

قال أبو الحسن: فإن قلت: إنما جاء هذا في حرف واحد -يعني شنوءة- قال ١: فإنه جميع ما جاء. وما ألطف هذا من القول من أبي الحسن! وتفسيره أن الذي جاء في فعولة هو هذا الحرف والقياس قابله ولم يأت فيه شيء ينقضه. فإذا قاس الإنسان على جميع ما جاء, وكان أيضًا صحيحًا في القياس مقبولا, فلا غرو ولا ملام. وأما ما هو أكثر من باب شنئي, ولا يجوز القياس عليه لأنه لم يكن هو على قياس, فقولهم في ثقيف: ثقفي, وفي قريش: قرشي, وفي سليم: سلمي. فهذا وإن كان أكثر من شنئي فإنه عند سيبويه ضعيف في القياس. فلا يجيز على هذا في سعيد سعدي, ولا في كريم كرمي. فقد برد٢ في اليد من هذا الموضع قانون يحمل عليه ويرد غيره إليه. وإنما أذكر من هذا ونحوه رسومًا لتقتدى٣, وأفرض منه آثارًا لتقتفى ولو التزمت٤ الاستكثار منه لطال الكتاب به, وأمل قارئه. واعلم أن من قال في حلوبة: حلبي قياسًا على قولك في حنيفة: حنفي فإنه لا يجيز في النسب إلى حرورة٥ حرري٥ ولا في صرورة٦ صرري٦ ولا في قوولة٧ قولي.

стр. 120

وذلك أن فعولة في هذا محمولة الحكم على فعيلة, وأنت لا تقول في الإضافة إلى فعيلة إذا كانت مضعفة أو معتلة العين إلا بالتصحيح؛ نحو قولهم في شديد: شديدي, وفي طويلة: طويلي؛ استثقالا لقولك: شددي وطولي. فإذا كانت فعولة محمولة على فعيلة, وفعيلة لا تقول فيها مع التضعيف واعتلال العين إلا بالإتمام فما كان محمولا عليها أولى بأن يصح ولا يعل. ومن قال في شنوءة: شنئي فأعل١ فإنه لا يقول في نحو جرادة وسعادة إلا بالإتمام: جرادي وسعادي. وذلك لبعد الألف عن الياء " و"٢ لما فيها من الخفة. ولو جاز أن يقول٣ في نحو جرادة: جردي, لم يجز ذلك في نحو حمامة وعجاجة: حممي ولا عججي استكراهًا للتضعيف إلا أن يأنس٤ بإظهار تضعيف فعل, ولا في نحو سيابة٥ وحوالة: سيبي ولا حولي استكراهًا لحركة المعتل في هذا الموضع. وعلة ذلك ثابتة في التصريف فغنينا عن ذكرها الآن.

стр. 121

باب في تعارض السماع والقياس: إذا تعارضا نطقت بالمسموع على ما جاء عليه ولم تقسه في غيره وذلك نحو قول الله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ فهذا ليس بقياس لكنه لا بد من قبوله لأنك إنما تنطق بلغتهم وتحتذي في جميع ذلك أمثلتهم١. ثم إنك من بعد لا تقيس عليه غيره ألا تراك لا تقول في استقام: استقوم ولا في استباع: استبيع. فأما قولهم " استنوق الجمل " و "استتيست الشاة " و "استفيل الجمل " فكأنه أسهل من استحوذ وذلك أن استحوذ قد تقدمه الثلاثي معتلا؛ نحو قوله٢: يحوذهن وله حوذي ... كما يحوذ الفئة الكمي -يروى بالذال والزاي٣: يحوذهن ويحوزهن- فلما كان استحوذ خارجًا عن معتل: أعني حاذ يحوذ وجب إعلاله إلحاقًا في الإعلال به. وكذلك باب أقام وأطال واستعاذ٤ واستزاد مما يسكن ما قبل عينه في الأصل ألا ترى أن أصل أقام أقوم وأصل استعاذ استعوذ فلو أخلينا وهذا اللفظ لاقتضت الصورة تصحيح العين لسكون ما قبلها غير أنه لما كان منقولًا ومخرجًا من معتل -هو قام, وعاذ- أجرى أيضًا في الإعلال عليه. وليس كذلك " استنوق الجمل" و "استتيست الشاة " لأن هذا ليس منه فعل معتل ألا تراك لا تقول: ناق ولا تاس؛ إنما الناقة والتيس اسمان لجوهر لم يصرف منهما فعل معتل. فكان خروجهما على الصحة أمثل منه في باب استقام واستعاذ. وكذلك استفيل. ومع هذا أيضًا فإن استنوق, واستتيس شاذ؛ ألا تراك لو تكلفت أن تأتي باستفعل من الطود لما قلت: استطود, ولا من الحوت استحوت٥، ولا من٦ الخوط استخوط ولكان القياس أن تقول: استطاد واستحات واستخاط.

стр. 122

والعلة في وجوب إعلاله١ وإعلال استنوق, واستفيل, واستتيست أنا قد أحطنا علمًا بأن الفعل إنما يشق من الحدث لا من الجوهر؛ ألا ترى إلى قوله٢ "وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء " فإذا كان كذلك وجب أن يكون استنوق مشتقًا من المصدر. وكان قياس مصدره أن يكون معتلا فيقال: استناقة كاستعانة واستشارة. وذلك أنه وإن لم يكن تحته ثلاثي معتل كقام وباع فيلزم إجراؤه في الإعلال عليه فإن باب الفعل إذا كانت عينه أحد الحرفين أن يجيء معتلًا إلا ما يستثنى من ذلك نحو طاول وبايع وحول وعور واجتوروا واعتونوا لتلك العلل المذكورة هناك. وليس باب أفعل ولا استفعل منه. فلما كان الباب في الفعل ما ذكرناه من وجوب إعلاله وجب أيضًا٣ أن يجيء استنوق ونحوه بالإعلال لاطراد ذلك في الفعل؛ كما أن الاسم إذا كان على فاعل كالكاهل والغارب إلا أن عينه حرف علة لم يأت عنهم إلا مهموزًا وإن لم يجر على فعل ألا تراهم همزوا الحائش٤, وهو اسم لا صفة ولا هو جار على فعل فأعلوا عينه وهي في الأصل واو من الحوش ٥. فإن قلت: فلعله جار على حاش جريان قائم على قام؛ قيل: لم نرهم أجروه صفة, ولا أعملوه عمل الفعل؛ وإنما الحائش: البستان بمنزلة الصور٦, وبمنزلة الحديقة. فإن قلت: فإن فيه معنى الفعل؛ لأنه يحوش ما فيه من النخل وغيره وهذا يؤكد كونه في الأصل صفة, وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء؛ كصاحب ووالد،

стр. 123

قيل: ما فيه من معنى الفعلية لا يوجب كونه صفة؛ ألا ترى إلى قولهم: الكاهل١ والغارب١ وهما وإن كان فيهما معنى الاكتهال والغروب فإنهما اسمان. ولا يستنكر أن يكون في الأسماء غير الجارية على الأفعال معاني الأفعال. من ذلك قولهم: مفتاح ومنسج ومسعط ومنديل ودار ونحو ذلك تجد في كل واحد منها معنى الفعل وإن لم تكن جارية عليه. فمفتاح من الفتح ومنسج من النسج ومسعط من الإسعاط ومنديل من الندل وهو التناول قال الشاعر٢: على حين ألهى الناس جل أمورهم ... فندلا زريق المال ندل الثعالب وكذلك دار: من دار يدور لكثرة حركة الناس فيها وكذلك كثير من هذه المشتقات تجد فيها معاني٣ الأفعال وإن لم تكن جارية عليها. فكذلك الحائش جاء مهموزًا وإن لم يكن اسم فاعل لا لشيء غير مجيئه على ما يلزم اعتلال عينه, نحو قائم وبائع وصائم. فاعرف ذلك. وهو رأي أبي علي ﵀ وعنه أخذته لفظًا ومراجعة وبحثًا. ومثله سواء الحائط: هو اسم بمنزلة الركن والسقف وإن كان فيه معنى الحوط. ومثله أيضًا العائر للرمد٤، هو اسم مصدر٥ بمنزلة الفالج٦, والباطل, والباغز٧, وليس اسم فاعل ولا جاريًا على معتل وهو كما تراه معتل.

стр. 124

فإن قلت: فما تقول في استعان وقد أعل وليس تحته ثلاثي معتل؛ ألا تراك لا تقول: عان يعون كقام يقوم؟ قيل: هو وإن لم ينطق بثلاثيه فإنه في حكم المنطوق به وعليه جاء أعان يعين. وقد شاع الإعلال في هذا الأصل ألا تراهم قالوا: المعونة -فأعلوها كالمثوبة والمعوضة١- والإعانة والاستعانة. فأما المعاونة فكالمعاودة: صحت لوقوع الألف قبلها. فلما اطرد الإعلال في جميع ذلك دل أن ثلاثيه وإن لم يكن مستعملا فإنه في حكم ذلك. وليس هذا بأبعد من اعتقاد موضع "أن " لنصب الأفعال في تلك الأجوبة وهي الأمر والنهي وبقية ذلك وإن لم تستعمل قط. فإذا جاز اعتقاد ذلك وطرد المسائل عليه لدلالة الحال٢ على ثبوته في النفس كان إعلال نحو أعان واستعان ومعين ومستعين والإعانة والاستعانة -لاعتقاد كون الثلاثي من ذلك في حكم الملفوظ به- أحرى وأولى. وأيضًا فقد نطقوا من ثلاثيه بالعون وهو مصدر وإذا ثبت أمر المصدر الذي هو الأصل لم يتخالج شك في الفعل الذي هو الفرع؛ قال لي أبو عليّ بالشام: إذا صحت الصفة فالفعل في الكف. وإذا كان هذا حكم الصفة كان في المصدر أجدر؛ لأن المصدر أشد ملابسة للفعل من الصفة؛ ألا ترى أن في الصفة " ما ليس بمشتق" نحو قولك: مررت بإبل مائة ومررت برجل

стр. 125

أبي عشرة أبوه ومررت بقاع١ عرفج كله ومررت بصحيفة طين خاتمها ومررت بحية٢ ذراع طولها وليس هذا مما يشاب به المصدر وإنما هو ذلك الحدث الصافي كالضرب والقتل والأكل والشرب. فإن٣ قلت: ألا تعلم أن في الناقة معنى الفعل. وذلك أنها من التنوق في الشيء وتحسينه قال ذو الرمة: ... ... ... تنوقت ... به حضرميات الأكف الحوائك٤ والتقاؤهما أن الناقة عندهم مما يتحسن٥ به ويزدان٥ بملكه وبالإبل يتباهون وعليها يحملون ويتحملون, ولذلك قالوا لمذكرها: الجمل, لأنه فَعَل من الجمال كما أن الناقة فعلة من التنوق. وعلى هذا قالوا: قد كثر عليه المشاء والفشاء والوشاء إذا تناسل عليه المال. فالوشاء فَعَال من الوشي كأن المال عندهم زينة وجمال لهم, كما يلبس من الوشي للتحسن به. وعلى ذلك قالوا: ما بالدار دبيج٦ فهو فِعيل من لفظ الديباج ومعناه. وذلك أن الناس هم الذين يشون الأرض, وبهم تحسن وعلى أيديهم وبعمارتهم تجمل. وعليه قالوا: إنسان لأنه فعلان من الأنس.

стр. 126

فقد ترى إلى توافي هذه الأشياء وتباين شعاعها وكونها١ عائدة إلى موضع واحد, لأن التنوق والجمال والأنس والوشي والديباج مما يؤثر ويستحسن -وكنت عرضت هذا الموضع على أبي علي ﵀ فرضيه وأحسن تقبله-فكذلك٢ يكون استنوق من باب استحوذ من حاذ يحوذ من حيث كان في الناقة معنى الفعل من التنوق دون أن يكون بعيدًا عنه كما رمت أنت في أول الفصل. انقضى السؤال. فالجواب أن استنوق أبعد عن الفعل من استحوذ على ما قدمنا. فأما ما في الناقة من معنى الفعلية والتنوق فليس بأكثر مما في الحجر من معنى الاستحجار والصلابة, فكما أن استحجر الطين واستنسر البغاث من لفظ الحجر والنسر فكذلك استنوق من لفظ الناقة والجميع ناء عن الفعل وما فيه من معنى الفعلية إنما هو كما في مفتاح ومدق ومنديل ونحو ذلك منه. ومما ورد شاذًّا عن القياس ومطردًا في الاستعمال قولهم: الحوكة والخونة. فهذا من الشذوذ عن القياس على ما ترى وهو في الاستعمال منقاد غير متأب ولا تقول على هذا في جمع قائم: قومة ولا في صائم: صومة ولو جاء على فعلة ما كان إلا معلا. وقد قالوا على القياس: خانة. ولا تكاد تجد شيئًا من تصحيح نحو مثل٣ هذا في الياء: لم يأت عنهم في نحو بائع وسائر بيعة ولا سيرة. وإنما شذ من هذا مما عينه واو لا ياء نحو الحوكة والخونة والخول والدول ٤. وعلته عندي قرب الألف من الياء

стр. 127

وبعدها عن الواو فإذا صحت نحو الحوكة كان أسهل من تصحيح نحو البيعة. وذلك أن الألف لما قربت من الياء أسرع انقلاب الياء إليها, فكان ذلك أسوغ من انقلاب الواو إليها لبعد الواو عنها ألا ترى إلى كثرة قلب الياء ألفًا استحسانًا لا وجوبًا, نحو قولهم في طيئ: طائي, وفي الحيرة: حاريّ, وقولهم في حيحيت, وعيعيت, وهيهيت: حاحيت, وعاعيت, وهاهيت. وقلما ترى في الواو مثل هذا. فإذا كان بين الألف والياء هذه الوصل والقرب كان تصحيح نحو بيعة, وسيرة, أشق عليهم من تصحيح نحو الحوكة والخونة لبعد الواو من الألف, وبقدر بعدها عنها١ ما يقل انقلابها إليها. ولأجل هذا الذي ذكرناه عندي ما كثر عنهم نحو اجتوروا, واعتونوا, واهتوشوا. ولم يأت عنهم من هذا التصحيح شيء في الياء, ألا تراهم لا يقولون: ابتيعوا ولا استيروا ولا نحو ذلك وإن كان في معنى تبايعوا وتسايروا. وعلى أنه قد جاء حرف واحد من الياء في هذا فلم يأت إلا معلا وهو قولهم: استافوا, في معنى تسايفوا ولم يقولوا: استيفوا لما ذكرناه من جفاء ترك قلب الياء ألفًا في هذا الموضع الذي قد قويت٢ فيه داعية القلب. وقد ذكرنا هذا في "كتابنا في شعر هذيل " بمقتضى الحال فيه ٣. وإن شذ الشيء في الاستعمال وقوي في القياس كان استعمال ما كثر استعماله أولى وإن لم ينته قياسه إلى ما انتهى إليه استعماله.

стр. 128

من ذلك اللغة التميمية في "ما " هي أقوى قياسًا وإن كانت الحجازية أسير استعمالا. وإنما كانت التميمية أقوى قياسًا من حيث كانت عندهم كـ " هل " في دخولها على الكلام مباشرة كل واحد من صدري الجملتين: الفعل والمبتدأ كما أن " هل" كذلك. إلا أنك إذا استعملت أنت شيئًا من ذلك فالوجه أن تحمله على ما كثر استعماله وهو اللغة الحجازية؛ ألا ترى أن القرآن بها نزل. وأيضًا١ فمتى رابك في الحجازية ريب من تقديم خبر, أو نقض النفي فزعت إذ ذاك إلى التميمية فكأنك من الحجازية على حرد٢، وإن كثرت في النظم والنثر. ويدلك على أن الفصيح من العرب قد يتكلم باللغة غيرها أقوى في القياس عنده منها ما حدثنا به أبو علي ﵀ قال: عن أبي بكر٣ عن أبي العباس٣ أن عمارة٣ كان يقرأ ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ بالنصب قال أبو العباس: فقلت له: ما أردت؟ فقال: أردت ﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾ قال: فقلت له: فهلا قلته؟ فقال: لو قلته لكان أوزن. فقوله: أوزن أي أقوى وأمكن في النفس. أفلا تراه كيف جنح إلى لغة وغيرها أقوى في نفسه منها. ولهذا موضع نذكره فيه. واعلم أنك إذا أداك القياس إلى شيء ما ثم سمعت العرب قد نطقت فيه بشيء آخر على قياس غيره فدع ما كنت عليه إلى ما هم عليه. فإن سمعت من آخر مثل ما أجزته فأنت فيه مخير: تستعمل أيهما شئت. فإن صح عندك أن العرب

стр. 129

لم تنطق بقياسك أنت كنت على ما أجمعوا عليه البتة وأعددت ما كان قياسك أداك إليه لشاعر مولد, أو لساجع, أو لضرورة؛ لأنه على قياس كلامهم. بذلك وصى أبو الحسن. وإذا فشا الشيء في الاستعمال وقوي في القياس فذلك ما لا غاية وراءه نحو منقاد اللغة من النصب بحروف النصب والجر بحروف الجر والجزم بحروف الجزم وغير ذلك مما هو فاش في الاستعمال, قوي في القياس. وأما ضعف الشيء في القياس, وقلته في الاستعمال فمرذول١ مطرح؛ غير أنه قد يجيء منه الشيء إلا أنه قليل. وذلك نحو ما أنشده٢ أبو زيد من قول الشاعر٣: اضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسيف قونس الفرس٤ قالوا أراد: "اضربن عنك " فحذف نون التوكيد وهذا من الشذوذ في الاستعمال على ما تراه ومن الضعف في القياس على ما أذكره لك. وذلك أن الغرض في التوكيد إنما هو التحقيق والتسديد٥، وهذا مما يليق به الإطناب والإسهاب وينتفي عنه الإيجاز والاختصار. ففي حذف هذه النون نقض الغرض. فجرى وجوب استقباح هذا في القياس مجرى امتناعهم من ادّغام الملحق؛ نحو مهدد وقردد،

стр. 130

وجلبب وشملل وسبهلل١ وقفعدد٢، في تسليمه وترك التعرض لما اجتمع فيه من توالي المثلين متحركين ليبلغ المثال الغرض المطلوب في حركاته وسكونه ولو ادّغمت لنقضت الغرض الذي اعتزمت. ومثل امتناعهم من نقض الغرض امتناع أبي الحسن من توكيد الضمير المحذوف المنصوب في نحو الذي ضربت زيد؛ ألا ترى أنه منع أن تقول: الذي ضربت نفسه زيد على أن " نفسه" توكيد للهاء المحذوفة من الصلة. ومما ضعف في القياس والاستعمال جميعًا بيت الكتاب: له زجل كأنه صوت حاد ... إذا طلب الوسيقة أو زمير٣ فقوله: "كأنه " -بحذف الواو وتبقية الضمة- ضعيف في القياس، قليل في الاستعمال. ووجه ضعف قياسه أنه ليس على حد الوصل ولا على حد الوقف. وذلك أن الوصل يجب أن تتمكن فيه واوه كما تمكنت في قوله في أول البيت "لهو زجل " والوقف يجب أن تحذف الواو والضمة فيه جميعًا وتسكن الهاء فيقال: "كأنه "

стр. 131

فضم الهاء بغير واو منزلة بين منزلتي الوصل والوقف. وهذا موضع ضيق ومقام زلخ١ لا يتقيك بإيناس, ولا ترسو فيه قدم قياس. وقال أبو إسحاق في نحو هذا: إنه أجرى الوصل مجرى الوقف وليس الأمر كذلك لما أريتك من أنه لا على حد الوصل ولا على حد الوقف. لكن ما أجري من نحو هذا في الوصل على حد الوقف قول الآخر ٢: فظلت لدى البيت العتيق أخيله ... ومطواي مشتاقان له أرقان على أن أبا الحسن حكى أن سكون الهاء في هذا النحو لغة لأزد السراة. ومثل هذا البيت ما رويناه عن قطرب من قول الشاعر: وأشرب الماء ما بي نحوه عطش ... إلا لأن عيونه سيل واديها ورويناه أيضًا عن غيره: إن لنا لكنة ... مبقة مفنة٣ متيحة معنة ... سمعنة نظرنة٤ كالذئب وسط القنة ... إلا تره تظنه٥

стр. 132

فقوله "تره " مما أجري في الوصل مجراه في الوقف أراد: إلا تر, ثم بين الحركة في الوقف بالهاء, فقال: "تره " ثم وصل ما كان وقف عليه. فأما قوله ١: أتوا ناري فقلت منون أنتم ... فقالوا الجن قلت عموا ظلاما٢ ويروي: . . . ... . . . . . . منون قالوا ... سراة الجن قلت عموا ظلاما فمن رواه هكذا فإنه أجرى الوصل مجرى الوقف. فإن قلت: فإنه في الوقف إنما يكون " منون " ساكن النون وأنت في البيت قد حركته فهذا إذًا ليس على نية الوقف ولا على نية الوصل فالجواب أنه لما أجراه في الوصل على حده في الوقف فأثبت الواو والنون التقيا ساكنين فاضطر حينئذ إلى أن حرك النون لإقامة الوزن. فهذه الحركة إذًا إنما هي حركة مستحدثة لم تكن في الوقف وإنما اضطر إليها الوصل.

стр. 133

وأما من رواه "منسون أنتم " فأمره مشكل. وذلك أنه شبه من بأي فقال: "منون أنتم " على قوله: أيون أنتم١، وكما حمل ههنا أحدهما على الآخر كذلك جمع بينهما في أن جرد من الاستفهام كل منهما ألا ترى إلى حكاية يونس٢ عنهم: ضرب من منا, كقولك: ضرب رجل رجلا. فنظير هذا في التجريد له من معنى الاستفهام ما أنشدناه من قول الآخر٣: وأسماء ما أسماء ليلة أدلجت ... إلي وأصحابي بأي وأينما٤ فجعل "أي " اسمًا للجهة, فلما اجتمع فيها التعريف والتأنيث منعها الصرف.

стр. 134

وأما قوله: "وأينما " ففيه نظر. وذلك أنه جرده أيضًا من الاستفهام كما جرد أي فإذا هو فعل ذلك احتمل هنا من بعد أمرين: أحدهما أن يكون جعل "أين " علمًا أيضًا للبقعة فمنعها الصرف للتعريف والتأنيث كأي فتكون الفتحة في آخر " أين " على هذا فتحة الجر١ وإعرابًا مثلها في مررت بأحمد. فتكون " ما " على هذا زائدة و" أين " وحدها هي الاسم كما كانت " أي " وحدها هي الاسم. والآخر أن يكون ركب " أين " مع " ما " فلما فعل ذلك فتح الأول منهما كفتحة الياء من حيهل لما ضم حي إلى هل فالفتحة في النون على هذا حادثة للتركيب وليست بالتي كانت في أين وهي استفهام لأن حركة التركيب خلفتها ونابت عنها. وإذا كانت فتحة التركيب تؤثر في حركة الإعراب فتزيلها إليها نحو قولك: هذه خمسة معرب٢، ثم تقول في التركيب: هذه خمسة عشر فتخلف فتحة التركيب ضمة الإعراب على قوة حركة الإعراب كان إبدال حركة البناء من حركة البناء أحرى بالجواز وأقرب في القياس. وإن شئت قلت: إن فتحة النون في قوله: " بأي وأينما ", هي الفتحة التي كانت في أين وهي استفهام من قبل تجريدها أقرها بحالها بعد التركيب على ما كانت عليه ولم يحدث خالفًا لها من فتحة التركيب, واستدللت على ذلك بقولهم: قمت إذ قمت فالذال كما ترى ساكنة ثم لما ضم إليها " ما " وركبها معها أقرها على سكونها فقال: إذ ما أتيت على الرسول فقل له٣

стр. 135

فكما لا يشك في أن هذا السكون في " إذ ما " هو السكون في ذال إذ, فكذلك ينبغي أن تكون فتحة النون من " أينما " هي فتحة النون من " أين " وهي استفهام. والعلة في جواز بقاء الحال بعد التركيب على ما كانت عليه قبله عندي هي أن ما يحدثه التركيب من الحركة ليس بأقوى مما يحدثه العامل فيها ونحن نرى العامل غير مؤثر في المبني نحو " من أين أقبلت " و " إلى أين تذهب" فإذا كان حرف الجر على قوته لا يؤثر في حركة البناء فحدث التركيب -على تقصيره عن حدث الجار- أحرى بألا يؤثر في حركة البناء. فاعرف ذلك فرقًا, وقس عليه تصب إن شاء الله. وفي ألف " ما " من " أينما " -على هذا القول- تقدير حركة إعراب: فتحة في موضع الجر, لأنه لا ينصرف. وإن١ شئت كان تقديره " منون " كالقول الأول ثم قال: " أنتم "، أي أنتم المقصودون بهذا الاستثبات؛ كقوله ٢: أنت فانظر لأي حال تصير٣

стр. 136

إذا أراد: أنت١ الهالك. وما يرد في هذه اللغة مما يضعف في القياس, ويقل في الاستعمال كثير جدًّا, وإن تقصيت بعضه طال, ولكن أضع لك منه ومن غيره من أغراض كلامهم ما تستدل به وتستغني ببعضه من كله بإذن الله وطَوله.

стр. 137

باب في الاستحسان ١: وجماعه أن علته ضعيفة غير مستحكمة إلا أن فيه ضربًا من الاتساع والتصرف. من ذلك تركك الأخف إلى الأثقل من غير ضرورة نحو قولهم: الفتوى والبقوى والتقوى والشروى ونحو ذلك ألا ترى أنهم قلبوا الياء هنا

стр. 138

واوًا من١ غير استحكام٢ علة أكثر من أنهم أرادوا الفرق بين الاسم والصفة. وهذه ليست علة معتدة ألا تعلم كيف يشارك الاسم الصفة في أشياء كثيرة لا يوجبون على أنفسهم الفرق بينهما فيها. من ذلك قولهم في تكسير حسن: حِسان فهذا كجبل وجبال وقالوا: فرس وَرد٣ وخيل وُرد٤ فهذا كسَقف وسُقف ٤. وقالوا: رجل غفور وقوم غُفُر وفخور وفخر فهذا كعمود وعمد. وقالوا: جمل بازل وإبل بوازل وشغل شاغل وأشغال شواغل فهذا كغارب وغوارب وكاهل وكواهل. ولسنا ندفع أن يكونوا قد فصلوا بين الاسم والصفة في أشياء غير هذه إلا أن جميع ذلك إنما هو استحسان لا عن ضرورة علة وليس بجار مجرى رفع الفاعل ونصب المفعول ألا ترى أنه لو كان الفرق بينهما واجبًا لجاء في جميع الباب؛ كما أن رفع الفاعل ونصب المفعول منقاد في جميع الباب. فإن قلت: فقد قال الجعدي: حتى لحقنا بهم تعدي فوارسنا ... كأننا رعن قف يرفع الآلا٥

стр. 139

فرفع المفعول ونصب الفاعل, قيل لو لم يحتمل١ هذا البيت إلا ما ذكرته لقد كان على سمت من القياس ومطرب٢ متورد بين الناس؛ ألا ترى أنه على كل حال قد فرق فيه بين الفاعل والمفعول, وإن اختلفت جهتا الفرق. كيف ووجهه في أن يكون الفاعل فيه مرفوعًا, والمفعول منصوبًا قائم صحيح مقول به. وذلك أن رعن هذا القف لما رفعه الآل فرئي فيه, ظهر به الآل إلى مرآة العين ظهورًا لولا هذا الرعن لم يبن للعين فيه٣ بيانه إذا كان فيه؛ ألا تعلم أن الآل إذا برق للبصر رافعًا شخصًا كان أبدى للناظر إليه منه لو لم يلاق شخصًا يزهاه فيزداد بالصورة التي حملها سفورًا وفي مسرح الطرف تجليًا وظهورًا. فإن قلت: فقد قال الأعشى: إذ يرفع الآل رأس الكلب فارتفعا٤ فجعل الآل هو الفاعل والشخص هو المفعول قيل ليس في هذا أكثر من أن هذا جائز وليس فيه دليل على أن غيره غير جائز؛ ألا ترى أنك إذا قلت ما جاءني غير زيد فإنما في هذا دليل على أن الذي هو غيره لم يأتك فأما زيد نفسه فلم تعرض للإخبار٥ بإثبات مجيء له أو نفيه عنه فقد يجوز٦ أن يكون قد جاء وأن يكون أيضًا لم يجئ.

стр. 140

فإن قلت: فهل تجد لبيت الجعدي على تفسيرك الذي حكيته ورأيته نظيرًا؟ قيل: لا ينكر وجود ذلك مع الاستقراء واعمل فيما بعد على أن لا نظير له, ألا تعلم أن القياس إذا أجاز شيئًا وسمع ذلك الشيء عينه فقد ثبت١ قدمه, وأخذ من الصحة والقوة مأخذه, ثم لا يقدح فيه ألا يوجد له نظير لأن إيجاد النظير وإن كان مأنوسًا به فليس في واجب النظر إيجاده؛ ألا ترى أن قولهم: في شنوءة شنَئي لما قبله القياس لم يقدح فيه عدم نظيره نعم ولم يرض له أبو الحسن بهذا القدر من القوة حتى جعله أصلا يرد إليه ويحمل غيره عليه. وسنورد فيما بعد بابًا لما يسوغه القياس وإن لم يرد به السماع بإذن الله وحوله. ومن ذلك -أعني الاستحسان- أيضًا قول الشاعر: أريت إن جئت به أملودا ... مرجلا ويلبس البرودا٣ أقائلن أحضروا الشهودا فألحق نون التوكيد اسم الفاعل تشبيهًا له بالفعل المضارع. فهذا إذًا استحسان لا عن قوة علة ولا عن استمرار عادة؛ ألا تراك لا تقول: أقائمنَّ يا زيدون ولا أمنطلقنَّ يا رجال إنما تقوله بحيث سمعته وتعتذر له, وتنسبه إلى أنه استحسان منهم على ضعف منه واحتمال بالشبهة له.

стр. 141

ومن الاستحسان قولهم: صبية وقِنية وعِذيُ وبِليُ سفر, وناقة عليان, ودبة١ مهيار. فهذا كله استحسان٢ لا عن استحكام علة. وذلك أنهم لم يعتدوا الساكن حائلا بين الكسرة والواو لضعفه وكله من الواو. وذلك أن " قنية" من قنوت ولم يثبت أصحابنا قنيت وإن كان البغداديون قد حكوها و" صبية" من صبوت و" علية" من علوت و " عذي " من قولهم أرضون عذوات و" بلي " سفر من قولهم في معناه: بِلوٌ أيضًا ومنه البلوى, وإن لم يكن فيها دليل٣، إلا أن الواو مطردة في هذا الأصل قال ٤: فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو٥ وهو راجع إلى معنى بلو سفر وقالوا: فلان مبلو بمحنة وغير ذلك والأمر فيه واضح وناقة " عليان" من علوت أيضًا كما قيل لها: ناقة سناد, أي أعلاها متساند إلى أسفلها ومنه سندنا إلى الجبل أي علونا وقال الأصمعي: قيل لأعرابي: ما الناقة القرواح فقال: التي كأنها تمشي على أرماح. ودبة " مهيار" من قولهم هار يهور وتهور الليل على أن أبا الحسن قد حكى فيه هار يهير وجعل الياء فيه لغة وعلى قياس قول٦ الخليل في طاح يطيح وتاه يتيه لا يكون في يهير دليل، لأنه قد يمكن أن يكون: فَعِل يَفعِل مثلهما. وكله لا يقاس؛ ألا تراك لا تقول في جرو: جِرى ولا في عِدوة الوادي: عِدية ولا نحو ذلك. ولا يجوز في قياس قول من

стр. 142

قال عليان, ومهيار, أن تقول في قرواح١, ودرواس٢: قرياح ودرياس٣، وذلك لئلا يلتبس مثال فعوال بفعيال فيصير قرياح ودرياس كسرياح وكرياس. وإنما يجوز هذا فيما كانت واوه أصلية لا زائدة وذلك أن الأصلي يحفظ نفسه بظهوره في تصرف أصله ألا تراك إذا قلت: علية ثم قلت: علوت وعلو وعلوة٤ وعلاوة ويعلو٥ ونحو ذلك, دلك وجود الواو في تصرف هذا الأصل على أنها هي الأصلية وأن الياء في علية بدل منها وأن الكسرة هي التي عذرت بعض العذر في قلبها وليس كذلك الزائد ألا تراه لا يستمر في تصرف الأصل استمرار الأصلي فإذا عرض له عارض من بدل أو حذف لم يبق هناك في أكثر الأمر ما يدل عليه وما يشهد به؛ ألا تراك لو حقرت قرياحًا بعد أن أبدلت واوه ياء على حذف زوائده لقلت ٦: قريح فلم تجد للواو أثرًا يدلك على أن ياء قرياح بدل من الواو٧، كما دلك علوت وعلو ورجل معلو بالحجة ونحو ذلك على أن ياء " علية" بدل من الواو. فإن قلت: فقد قالوا في قرواح: قرياح أيضًا سمعًا جميعًا فإن هذا ليس على إبدال الياء من الواو لا بل كل واحد منها مثال برأسه مقصود قصده.

стр. 143

فقرواح كقرواش١ وجلواخ٢، وقرياح ككرياس٣ وسرياح٤؛ ألا ترى أن أحدًا لا يقول: كرواس ولا سرواح ولا يقول أحد أيضًا في شرواط٤ وهلواع ٥: شرياط ولا هلياع. وهذا أحد ما يدلك على ضعف القلب فيما هذه صورته؛ لأن القلب للكسرة مع الحاجز لو كان قويًّا في القياس لجاء في الزائد مجيئه في الأصلي كأشياء كثيرة من ذلك. ومثل امتناعهم من قلب الواو في نحو هذا ياء من حيث كانت زائدة فلا عصمة لها ولا تلزم لزوم الأصلي فيعرف بذلك أصلها أن ترى الواو الزائدة مضمومة ضمًّا لازمًا ثم لا ترى العرب أبدلتها همزة كما أبدلت الواو الأصلية نحو أجوه وأُقتت. وذلك نحو الترهوك٧، والتدهور والتسهوك ٨: لا يقلب أحد هذه الواو -وإن انضمت ضمًّا لازمًا- همزة من قبل أنها زائدة فلو قلبت فقيل: الترهؤك لم يؤمن أن يظن أنها همزة أصلية غير مبدلة من واو. فإن قلت: ما تنكر أن يكون تركهم قلب هذه الواو همزة مخافة أن تقع الهمزة بعد الهاء وهما حلقيان وشديدا التجاور, قيل: يفسد هذا أن هذين الحرفين قد تجاورا والهاء مقدمة على الهمزة نحو قولهم: هأهأت في الدعاء ٩.

стр. 144

فإن قلت: هذا إنما جاء في التكرير, والتكرير قد يجوز فيه ما لولاه لم يجز؛ ألا ترى أن الواو لا توجد منفردة في ذوات الأربعة إلا في ذلك الحرف وحده وهو "وَرَنْتَل "١ ثم إنها قد جاءت مع التكرير مجيئًا متعالمًا نحو وَحْوَحَ٢ ووَزْوَزَ٣ ووكواك٤ ووُزاوِزة٣ وقوقيت وضوضيت وزوزيت٥ وموماة ودَوْداة٦ وشَوْشاة٧ قيل: قد جاء امتناعهم من همز نظير هذه الواوات بحيث لا هاء. ألا تراهم قالوا: زحْولته٨ فتزحول تَزَحْولا وليس أحد يقول تزحؤلا. وقد جمعوا بينهما متقدمة الحاء على الهمزة: نحو قولهم في الدعاء: حُؤْ حُؤْ ٩. فإن قيل: فهذا أيضًا إنما جاء في الأصوات المكررة كما جاء في الأول أيضًا في الأصوات المكررة نحو هُؤْ هُؤْ وقد ثبت أن التكرير محتمل فيه ما لا يكون في غيره. قيل: هذه مطاولة نحن فتحنا لك بابها وشرعنا منهجها, ثم إنها مع ذلك لا تصحبك ولا تستمر بك؛ ألا تراهم قد قالوا في " عنونت الكتاب ": إنه يجوز

стр. 145

أن يكون فعولت من عنّ يعنّ ومطاوعه تَعَنْوَن ومصدره التَّعَنْوُن وهذه الواو لا يجوز همزها لما قدمنا ذكره, وأيضًا فقد قالوا في عَلْونته: يجوز أن يكون فَعْولت من العلانية وحاله في ذلك حال عنونته على ما مضى. وقد قالوا أيضًا: سرولته تسرولا ولم يهمزوا هذه الواو لما ذكرنا. فإن قيل: فلو همزوا فقالوا: التسرؤل لما خافوا لبسًا لقولهم مع زوال الضمة عنها: تسرول وسرولته ومسرول كما أنهم لما قالوا: وقت وأوقات وموقت ووقّته أعلمهم ذلك أن همزة "أقتت " إنما هي بدل من واو. فقد ترى الأصل والزائد١ جميعًا متساويين متساوقين في دلالة الحال بما يصحب كل واحد منهما من تصريفه وتحريفه وفي هذا نقض لما رُمْت به الفصل بين الزائد والأصل. قيل كيف تصرَّفت الحال فالأصل أحفظ لنفسه, وأدلُّ عليها من الزائد؛ ألا ترى أنك لو حقرت تسرولا -وقد همزته- تحقير الترخيم لقلت " سريل" فحذفت الزائد٢ ولم يبق معك دليل عليه ولو حقرت نحو "أقتت " -وقد نقلتها إلى التسمية فصارت "أقتة " - تحقير الترخيم لقلت: وقيتة وظهرت الواو التي هي فاء. فإن قلت: فقد تجيز ههنا أيضًا "أقيتة " قيل الهمز ههنا جائز لا واجب وحذف الزوائد من "تسرؤل " في تحقير الترخيم واجب لا جائز. فإن قلت: وكذلك همز الواو في "تسرؤل " إنما يكون جائزًا أيضًا لا واجبًا قيل: همز الواو حشوًا أثبت قدمًا من همزها مبتدأة أعني في بقائها وإن زالت الضمة عنها؛ ألا ترى إلى قوله٣ في تحقير قائم: قويئم وثبات الهمزة وإن زالت الألف الموجبة
следующие страницы →