باب في ١ حمل الأصول على الفروع:
قال أبو عثمان: لا يضاف ضارب إلى فاعله؛ لأنك لا تضيفه إليه مضمرًا, فكذلك لا تضيفه إليه مظهرًا. قال: وجازت إضافة المصدر إلى الفاعل لمَّا جازت إضافته إليه مضمرًا. كأنَّ أبا عثمان إنما اعتبر في هذا الباب٢ المضمر فقدَّمه وحمل عليه المظهر من قِبَل أن المضمر أقوى حكمًا في باب الإضافة من المظهر. وذلك أن المضمر أشبه بما تحذفه الإضافة -وهو التنوين- من المظهر, ولذلك لا يجتمعان في نحو ضاربانك وقاتلونه؛ من حيث كان المضمر٣ بلطفه وقوة اتصاله "مشابهًا للتنوين بلطفه وقوة اتصاله"٤ وليس كذلك المظهر لقوته ووفور٥ صورته, ألا تراك تثبت معه التنوين فتنصبه, نحو: ضاربان زيدًا وقاتلون عمرًا٦. فلمَّا كان المضمر مما تقوَّى معه مراعاة الإضافة حمل المظهر -وإن كان هو الأصل- عليه، وأصاره -لما ذكرناه- إليه.
ومن ذلك قولهم: إنما استوى النصب والجر في المظهر في٧ نحو: رأيت الزيدين, ومررت بالزيدين, لاستوائهما في المضمر نحو: رأيتك ومررت بك. وإنما كان هذا الموضع للمضمر حتى حمل عليه حكم٨ المظهر من حيث كان المضمر عاريًا من الإعراب، فإذا٩ عَرِيَ منه جاز أن يأتي منصوبه بلفظ مجروره وليس كذلك المظهر؛ لأن باب الإظهار أن يكون موسومًا بالإعراب, فلذلك حملوا الظاهر على المضمر في التثنية, وإن كان المظهر هو الأصل؛ إذ كان المراعى هنا أمرًا غير
стр. 772
الفرعية والأصلية, وإنما هو أمر الإعراب والبناء. وإذا تأمَّلت ذلك علمت أنك في الحقيقة إنما حملت فرعًا على أصل لا أصلًا على فرع, ألا ترى أن المضمر أصل في عدم الإعراب, فحملت المظهر عليه؛ لأنه فرع في البناء, كما حملت المظهر على المضمر في باب الإضافة من حيث كان المضمر هو الأصل في مشابهته التنوين١ والمظهر فرع عليه في ذلك؛ لأنه إنما يتأصّل٢ في الإعراب لا في البناء.
فإذا بدهتك هذه المواضع فتعاظمتك فلا تخنع لها, ولا تعط باليد مع أول ورودها, وتأت لها, ولاطف بالصنعة ما يورده الخصم منها, مناظرًا كان أو خاطرًا. وبالله التوفيق.
стр. 773
باب في الحكم يقف بين الحكمين ١:
هذا فصل موجود في العربية لفظًا, وقد أعطته مقادًا عليه وقياسًا. وذلك نحو كسرة ما قبل ياء المتكلم في نحو٢: غلامي وصاحبي. فهذه الحركة لا إعراب ولا بناء. أمّا كونها غير إعراب فلأنَّ الاسم يكون مرفوعًا ومنصوبًا وهي فيه, نحو: هذا غلامي, ورأيت صاحبي, وليس بين "الكسر وبين"٣ الرفع والنصب٤ في هذا ونحوه نسبة ولا مقاربة. وأما كونها غير بناء فلأنَّ الكلمة معربة متمكنة, فليست الحركة إذن٥ في آخرها٦ ببناء, ألا ترى أن غلامي في التمكّن واستحقاق الإعراب كغلامك وغلامهم وغلامنا.
стр. 774
فإن قلت: فما الكسرة في نحو: مررت بغلامي, ونظرت إلى صاحبي, أإعراب هي أم من جنس الكسرة في الرفع والنصب؟
قيل: بل هي من جنس ما قبلها وليست إعرابًا, ألا تراها ثابتة في الرفع والنصب. فعلمت بذلك أن هذه الكسرة يكره الحرف عليها, فيكون في الحالات ملازمًا لها, وإنما يستدل بالمعلوم على المجهول. فكما لا يشك أن هذه الكسرة في الرفع والنصب ليست بإعراب, فكذلك يجب أن يحكم عليها في باب الجر؛ إذ الاسم واحد, فالحكم عليه إذًا في الحالات واحد. إلّا أنَّ لفظ هذه الحركة في حال الجر وإن لم تكن إعرابًا لفظها١ لو كانت إعرابًا, كما أن كسرة الصاد في صِنْو غير كسرة الصاد في صِنْوان حكمًا وإن كانت إياها لفظًا٢. وقد مضى ذلك وسنفرد لما يتصل به بابًا.
ومن ذلك ما كانت فيه اللام أو الإضافة نحو: الرجل وغلامك وصاحب الرجل. فهذه الأسماء كلها وما كان نحوها لا منصرفة٣ ولا غير منصرفة. وذلك أنها ليست بمنونة, فتكون منصرفة, ولا مِمَّا يجوز للتنوين٤ حلوله للصرف, فإذا لم يوجد فيه كان عدمه منه أمارةً لكونه غير منصرف؛ كأحمد وعمر وإبراهيم, ونحو
стр. 775
ذلك. وكذلك التثنية والجمع على حدها, نحو: الزيدان والعمرين والمحمدون, وليس شيء من ذلك منصرفًا١ ولا غير منصرف, معرفة كان٢ أو نكرة؛ من حيث كانت هذه الأسماء ليس مما ينون مثلها, فإذا لم يوجد فيها التنوين كان ذهابه عنها أمارة لترك صرفها.
ومن ذلك بيت الكتاب:
له زجل كأنه صوت حاد٣
فحذف الواو من قوله٤ "كأنه" لا على حد الوقف ولا على حد الوصل. أما الوقف فيقضي بالسكون: "كأنْه", وأما الوصل فيقضي بالمَطْل وتمكين الواو "كأنهو", فقوله إذًا "كأنهُ"٥ منزلة بين الوصل والوقف.
وكذلك أيضًا سواءً قوله:
يا مرحباه بحمار ناجيه ... إذا أتى قربته للسانيه٦
стр. 776
فثبات الهاء في "مرحباه" ليس على حد الوقف ولا على حد الوصل , أما الوقف فيؤذن بأنها١ ساكنة: يا مرحباهْ, وأما الوصل فيؤذن بحذفها أصلًا: يا مرحبا بحمار ناجية. فثباتها إذًا في الوصل متحركة منزلة بين المنزلتين.
وكذلك سواء قوله ٢:
ببازلٍ وجناءَ أو عَيْهلِّ٢
فإثبات الياء مع التضعيف طريف, وذلك أن التثقيل من أمارة الوقف, والياء من أمارة الإطلاق. فظاهر هذا الجمع بين الضدين فهو إذًا منزلة بين المنزلتين, وسبب جواز الجمع بينهما أن كل واحد منهما قد كان جائزًا على انفراده, فإذا جمع بينهما فإنه على كل حال لم يكلف إلّا بما من عادته أن يأتي به مفردًا، وليس على٤ النظر بحقيقة الضدين كالسواد والبياض, والحركة والسكون, فيستحيل اجتماعهما. فتضادهما إذًا إنما هو في الصناعة لا في الطبيعة. والطريق متلئّبة منقادة, والتأمل يوضحها ويمكنك منها.
стр. 777
باب في شجاعة العربية:
اعلم أن معظم ذلك إنما هو الحذف والزيادة والتقديم والتأخير والحمل على المعنى والتحريف.
الحذف:
قد حذفت العرب الجملة والمفرد والحرف والحركة, وليس شيء من ذلك إلّا عن دليل عليه, وإلا كان فيه ضرب من تكليف علم الغيب في معرفته.
فأمَّا الجملة فنحو قولهم في القسم: والله لا فعلت, وتالله١ لقد فعلت. وأصله: أقسم بالله, فحذف الفعل والفاعل وبقيت الحال -من الجار والجواب- دليلًا على الجملة المحذوفة. وكذلك الأفعال في الأمر والنهي والتحضيض نحو قولك: زيدًا, إذا أردت: اضرب زيدًا, أو نحوه. ومنه إياك إذا حذرته, أي: احفظ نفسك ولا تضعها, والطريق الطريق, وهلا خيرًا من ذلك. وقد حذفت الجملة من الخبر نحو قولك: القرطاس والله, أي: أصاب القرطاس. وخير مقدم؛ أي: قدمت خير مقدم. وكذلك الشرط في٢ نحو قوله: الناس مجزيون بأفعالهم٣ إن خيرًا فخيرًا, وإن شرًّا فشرًّا, أي: إن فعل المرء خيرًا جزي خيرًا, وإن فعل شرًّا جزي شرًّا. ومنه قول التغلبي ٤:
إذا ما الماء خالطها سخينا
стр. 778
"أي: فشربنا سخينًا"١ وعليه قول الله سبحانه: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ ٢ أي: فضرب فانفجرت, وقوله عز اسمه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ ٣ أي: فحلق فعليه فدية, ومنه قولهم ٤: ألا تا, بلى فا, أي: ألا تفعل؟ بلى فافعل. وقول الآخر:
قلنا لها قفي لنا قالت قاف
أي: وقفت, وقوله ٥:
. . . . . . . . . . . . . . . وكأن قد٦
أي: كأنها قد زالت, فأما٧ قوله:
إذا قيل مهلًا قال حاجزه قد٨
فيكون على هذا أي قد قطع وأغنى٩, ويجوز أن يكون معناه: قَدْك! أي: حسبك, كأنه قد فرغ ما قد أريد منه, فلا معنى لردعك وزجرك.
وإنما تحذف الجملة١٠ من الفعل والفاعل لمشابهتها المفرد بكون الفاعل في كثير من الأمر بمنزلة الجزء من الفعل, نحو: ضربت ويضربان, وقامت هند و ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ ١١ وحبذا زيد, وما أشبه ذلك مما يدل على شدة اتصال الفعل بالفاعل وكونه معه كالجزء الواحد. وليس كذلك المبتدأ والخبر.
وأما حذف المفرد فعلى ثلاثة أضرب: اسم وفعل وحرف.
стр. 779
حذف الاسم على أضرب:
قد حذف المبتدأ تارة؛ نحو: هل لك في كذا وكذا١؛ أي: هل لك فيه حاجة أو أرب, وكذلك قوله : ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ﴾ ٢ أي: ذلك أو هذا بلاغ. وهو كثير.
وقد حذف الخبر نحو قولهم في جواب من عندك: زيد, أي: زيد عندي, وكذا قوله تعالى: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ ٣ وإن شئت كان على: طاعة وقول معروف أمثل من غيرهما, وإن شئت كان على: أمرنا طاعة وقول معروف, وعليه قوله٤:
فقالت على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كنت قد كلفت ما لم أعود
وقد حذف المضاف, وذلك كثير واسع, وإن كان أبو الحسن لا يرى القياس عليه نحو قول الله سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ ٥ أي: بر من اتقى, وإن شئت كان تقديره: ولكن ذا٦ البر من اتقى. والأول أجود؛ لأن حذف المضاف ضرب من الاتساع, والخبر أولى بذلك من المبتدأ؛ لأن الاتساع بالأعجاز أولى منه بالصدور, ومنه٧ قوله -عز اسمه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٨ أي: أهلها.
وقد حذف المضاف مكررًا نحو قوله تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ ٩ أي: من تراب١٠ أثر حافر فرس الرسول, ومثله مسألة١١ الكتاب: أنت
стр. 780
مني فرسخان, أي: ذو مسافة فرسخين. وكذلك قوله -جل اسمه: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ ١ أي: كدوران عين٢ الذي يغشى عليه من الموت٣.
وقد حذف المضاف إليه نحو قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ٤ أي: من قبل ذلك ومن بعده. وقولهم: ابدأ بهذا أول, أي: أول ما تفعل. وإن شئت كان تقديره: أول من غيره, ثم شبه الجار والمجرور هنا بالمضاف إليه لمعاقبة المضاف إليه إياهما. وكذلك قولهم: جئت٥ من علٍ, أي: من أعلى, كذا وقوله ٦:
فملك بالليط الذي تحت قشرها ... كغرقيء بيضٍ كنّه القيض من علُ
فأما قوله ٧:
كجلمود صخر حطَّه السيل من علٍ
فلا حذف فيه؛ لأنه نكرة, ولذلك أعربه فكأنه قال: حطه السيل من مكان عالٍ, لكن قول العجلي ٨:
أقب من تحت عريض من علِ
هو محذوف المضاف إليه؛ لأنه معرفة, وفي موضع المبني على الضمِّ, ألا تراه قابل به ما هذه حاله وهو قوله: من تحت. وينبغي أن يكتب "عَلِي" في٩ هذا بالياء.
стр. 781
وهو فعل في معنى فاعل, أي: أقب من تحته عريض من عاليه, بمعنى أعلاه. والسافل والعالي بمنزلة الأسفل والأعلى. قال:
ما هو إلا الموت يغلي غاليه ... مختلطًا سافله بعاليه
لا بدَّ يومًا أنني ملاقيه١
ونظير عالٍ وعلٍ هنا قوله ٢:
وقد علتني ذرأة بادي بدي
أي: باديَ باديَ, وإن شئت كان ظرفًا غير مركب, أي: في بادي بدي كقوله -عز اسمه: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ ٣ "أي: في بادي الرأي"٤ إلّا أنه أسكن الياء في موضع النصب مضطرًا كقوله:
يا دار هند عفت إلّا أثافيها
وإن شئت كان مركَّبًا على حد قوله ٥:
إذ نجن في غِرَّة الدنيا ولذتها ... والدار جامعة أزمان أزمانا
إلّا أنه أسكن لطول الاسم بالتركيب كمعدي كرب, ومثل فاعل وفعِل في هذا المعنى٦ قوله ٧:
стр. 782
أصبح قلبي صِردا ... لا يشتهي أن يردا
إلا عرادًا عردا ... وصليِّانًا بردا
وعنكثًا ملتبدا
أراد: الإعراد عاردًا وصلِّيانا باردًا.
وعليه قوله:
كأن في الفرش القتاد العاردا
فأما قولهم: عرد الشتاء١؛ فيجوز أن يكون مخففًا من عرد هذا, ويجوز أن يكون مثالًا في الصفة على فعل كصَعْب ونَدْب.
ومنه يومئذ وحينئذ, ونحو ذلك, أي: إذ ذاك كذلك, فحذفت الجملة المضاف إليها. وعليه قول ذي الرمة:
فلمَّا لبسن الليل أو حين نصَّبت ... له من خذا آذانها وهو جانح٢
أي: أو حين أقبل. وحكى الكسائي: أفوق تنام أم أسفل؛ حذف المضاف٣ ولم يبن. وسمع٤ أيضًا: "لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلِ وَمِنْ بَعْدِ" فحذف ولم يبن.
стр. 783
وقد حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه, وأكثر ذلك في الشعر. وإنما كانت كثرته فيه دون النثر من حيث كان القياس يكاد يحظره. وذلك أن الصفة في الكلام على ضربين: إما "للتخليص والتخصيص"١، وإما للمدح الثناء. وكلاهما من مقامات الإسهاب والإطناب لا من مظانِّ الإيجاز والاختصار. وإذا كان كذلك لم يلق الحذف به ولا تخفيف٢ اللفظ منه. هذا مع ما ينضاف إلى ذلك من الإلباس وضد البيان. ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بطويل, لم يستبن٣ من ظاهر هذا اللفظ أن٤ الممرور به إنسان دون رمح أو ثوب أو نحو ذلك. وإذا كان كذلك كان حذف الموصوف إنما هو متى٥ قام الدليل عليه أو شهدت الحال به, وكلّما استبهم الموصوف كان حذفه غير لائق بالحديث.
ومما يؤكد عندك ضعف حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه أنك تجد من الصفات ما لا يمكن حذف موصوفه, وذلك أن تكون الصفة جملة نحو: مررت برجل قام أخوه, ولقيت غلامًا وجهه حسن. ألا تراك لو قلت: مررت بقام أخوه, أو لقيت وجهه حسن, لم يحسن.
فأما قوله:
والله ما زيد بنام صاحبه ... ولا مخالط الليان جانبه٦
стр. 784
فقد قيل فيه: إن "نام صاحبه" علم اسم لرجل١، وإذا كان كذلك جرى مجرى قوله:
بنى شاب قرناها. . . . . .٢
فإن قلت فقوله:
ولا مخالط الليان جانبه
ليس علمًا وإنما هو صفة، وهو معطوف على "نام صاحبه", فيجب أن يكون قوله٣: "نام صاحبه" صفة أيضًا.
قيل: قد يكون في الجمل إذا سمِّي بها معاني الأفعال فيها, ألا ترى أن "شاب قرناها تصر وتحلب" هو اسم علم, وفيه مع ذلك معنى الذم, وإذا كان كذلك جاز أن يكون قوله:
ولا مخالط الليان جانبه
معطوفًا على ما في قوله "ما زيد بنام صاحبه" من معنى الفعل, فأما قوله:
مالك عندي غير سهم وحجر ... وغير كبداء شديدة الوتر
جادت بكفي كان من أرمى البشر٤
أي: بكفّي رجل أو إنسان كان من أرمى البشر, فقد روى غير هذه الرواية. روى: "بكفي كان من أرمى البشر"، بفتح ميم "من" أي بكفَّيْ من هو أرمى البشر, و"كان" على هذا زائدة. ولو لم تكن فيه إلا٥ هذه الرواية لما جاز القياس عليه؛
стр. 785
لفروده١ وشذوذه عمَّا عليه عقد هذا الموضع. ألا تراك لا تقول: مررت بوجهه حسن, ولا نظرت إلى غلامه سعيد. فأما قولهم: بدأت بالحمدُ لله, وانتهيت من القرآن إلى ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ ٢ ونحو ذلك, فلا يدخل على هذا القول من قبل أن هذه طريق الحكاية, وما كان كذلك فالخطب فيه أيسر, والشناعة فيه٣ أوهى وأسقط. وليس ما كنَّا عليه مذهبًا له تعلق بحديث الحكاية, وكذلك إن كانت الصفة جملة لم يجز أن تقع فاعلة ولا مقامة مقام الفاعل, ألا تراك لا تجيز قام وجهه حسن، ولا٤ ضرب قام غلامه, وأنت تريد: قام رجل وجهه حسن, ولا ضرب إنسان قام غلامه. وكذاك إن كانت الصفة حرف جر أو ظرفًا لا يستعمل استعمال الأسماء, فلو قلت: جاءني من الكرام, أي: رجل من الكرام, أو حضرني سواك, أي: إنسان سواك, لم يجسن؛ لأن الفاعل لا يحذف, فأما قوله٥:
أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يهلك فيه الزيت والفتل
فليست الكاف هنا حرف جر, بل هي اسم بمنزلة مثل؛ كالتي في قوله:
على كالقطا الجونيّ أفزعه الزجر
وكالكاف الثانية من قوله ٦:
وصالياتٍ ككما يؤثفين
стр. 786
"أي كمثل ما يؤثفين"١ وعليه قول٢ ذي الرمة:
أبيت على ميّ كئيبًا وبعلها ... على كالنقا من عالج يتبطح٣
فأما قول الهذلي ٤:
فلم يبق منها سوى هامد ... وغير الثمام وغير النؤيِّ
ففيه قولان: أحدهما أن يكون في "يبق" ضمير فاعل من بعض ما تقدَّم, كذا قال أبو علي ﵀. والآخر أن يكون استعمل "سوى" للضرورة اسمًا فرفعه, وكأن هذا أقوى لأنَّ بعده: "وغير الثمام وغير النؤي" فكأنه٥ قال: لم٦ يبق منها غير هامد, ومثله ما أنشدناه للفرزدق٧ من قوله:
ائته بمجلوم كأنَّ جبينه ... صلاءة ورس وسطها قد تفلقا٨
وعليه قول الآخر ٩:
في وسط جمع بني قريط بعدما ... هتفت ربيعة يا بني جواب
стр. 787
وقد أقيمت "الصفة الجملة"١ مقام الموصوف المبتدأ نحو قوله ٢:
لو قلت ما في قومها لم تيثم ... يفضلها في حسب وميسم
أي: ما في قومها أحد يفضلها, وقال الله سبحانه: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ ٣ أي: قوم دون ذلك, وأما قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ ٤ فيمن٥ قرأه بالنصب فيحتمل أمرين: أحدهما أن يكون الفاعل مضمرًا, أي: لقد تقطع الأمر أو العقد أو الود -ونحو ذلك- بينكم, والآخر "أن يكون"٦ ما كان يراه أبو الحسن من أن يكون "بينكم" وإن كان منصوب اللفظ مرفوع الموضع بفعله, غير أنه أقرت نصبة الظرف, وإن كان مرفوع الموضع لاطراد استعمالهم إياه ظرفًا. إلا أن استعمال الجملة التي هي صفة للمبتدأ مكانه أسهل من استعمالها فاعلة؛ لأنه ليس يلزم أن يكون المبتدأ اسمًا محضًا. كلزوم ذلك في الفاعل, ألا ترى إلى قولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه, أي: سماعك به خير من رؤيته. وقد تقصينا٧ ذلك في غير موضع.
وقد حذفت الصفة ودلت الحال عليها. وذلك فيما حكاه صاحب الكتاب من قولهم ٨: سير عليه ليل, وهم يريدون: ليل طويل. وكأنَّ هذا إنما حذفت فيه الصفة لما دلَّ من الحال على موضعها, وذلك أنك تحس في كلام القائل لذلك
стр. 788
من التطويح والتطريح والتفخيم١ والتعظيم ما يقوم مقام قوله: طويل أو٢ نحو ذلك. وأنت تحسّ هذا من نفسك إذا تأمَّلته, وذلك أن تكون في مدح إنسان والثناء عليه, فتقول: كان والله رجلًا, فنزيد في قوة اللفظ ب"الله" هذه الكلمة٣، وتتمكَّن في٤ تمطيط اللام٥ وإطالة الصوت بها وعليها٤, أي: رجلًا فاضلًا أو شجاعًا أو كريمًا أو نحو ذلك. وكذلك تقول: سألناه فوجدناه إنسانًا, وتمكّن الصوت بإنسان وتفخَّمه, فتستغني بذلك عن وصفه بقولك ٦: إنسانًا سمحًا أو٧ جوادًا أو نحو ذلك. وكذلك إن ذممته ووصفته بالضيق قلت: سألناه وكان إنسانًا! وتزوي وجهك وتقطبه, فيغني ذلك عن قولك: إنسانًا لئيمًا أو لحزًا أو مبخلًا أو نحو ذلك.
فعلى هذا وما يجري مجراه تحذف الصفة, فأمّا إن عريت من الدلالة عليها من اللفظ أو من الحال فإن حذفها لا يجوز, ألا تراك لو قلت: وردنا البصرة فاجتزنا بالأبلة على رجل, أو رأينا بستانًا, وسكت لم "تفد بذلك"٨ شيئًا؛ لأن هذا ونحوه مما لا يعرى منه ذلك المكان٩، وإنما المتوقع أن تصف من ذكرت أو ما٧ ذكرت, فإن لم تفعل كلّفت علم ما "لم تدلل"١٠ عليه, وهذا لغو من١١ الحديث وجور في التكليف.
стр. 789
ومن ذلك ما يروى في الحديث ١: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، أي: لا صلاة كاملة أو فاضلة ونحو ذلك. وقد خالف في ذلك من لا يعد خلافه خلافًا.
وقد حذف المفعول به نحو قول الله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: أوتيت منه شيئًا, وعليه قول الله سبحانه: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ ٣ أي: غشاها إياه, فحذف المفعولين جميعًا, وقال الحطيئة:
منعّمة تصون إليك منها ... كصونك من رداء شرعبيّ٤
أي: تصون الحديث منها, وله نظائر.
وقد حذف الظرف نحو قوله ٥:
فإن مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي عليّ الجيب يا ابنة معبد
أي: إن مت قبلك, هذا يريد لا محالة. ألا ترى أنه لا يجوز أن يشرط الإنسان موته؛ لأنه يعلم٦ أنه مائت٧ لا محالة, وعليه قول الآخر٨:
أهيم بدعدٍ ما حييت فإن أمت ... أوكّل بدعدٍ من يهيم بها بعدي
стр. 790
أي: فإن أمت قبلها لا بُدَّ أن يريد هذا, وعلى هذا قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ١ أي: من شهد الشهر منكم صحيحًا بالغًا في مصرٍ فليصمه, وكان أبو علي ﵀ يرى أن نصب الشهر هنا إنما هو على الظرف, ويذهب إلى أنّ المفعول محذوف, أي: فمن شهد منكم المِصْر في هذا الشهر فليصمه, وكيف تصرفت الحال فلا بُدَّ من حذف.
وقد حذف المعطوف تارة والمعطوف عليه أخرى. روينا عن أحمد بن يحيى أنهم يقولون: راكب الناقة طليحان, أي: راكب الناقة والناقة طليحان, وقد مضى ذكر هذا٢. وتقول٣: الذي ضربت وزيدًا جعفر، تريد٤: الذي ضربته وزيدًا، فتحذف٥ المفعول من الصلة.
وقد حذف المستثنى نحو قولهم: جاءني زيد ليس إلّا, وليس غير, أي: ليس إلّا إياه, وليس غيره.
وقد حذف خبر إنَّ مع النكرة خاصة نحو قول الأعشى:
إن محلًّا وإن مرتحلًا ... وإنّ في السفر إذ مضوا مهلا
أي: إن لنا محلًّا, وإن لنا مرتحلًا٦
стр. 791
وأصحابنا يجيزون حذف خبر إنّ مع المعرفة, ويحكون عنهم أنهم إذ قيل لهم: إن الناس ألب عليكم فمن لكم. قالوا: إن زيدًا وإن عمرًا, أي: إن لنا زيدًا وإن لنا عمرًا. والكوفيون يأبون حذف خبرها إلا مع النكرة. فأما احتجاج أبي العباس عليهم بقوله ١:
خلا أن حيًّا من قريش تفضلوا ... على الناس أو أن الأكارم نهشلا
أي: أو أنَّ الأكارم نهشلا تفضلوا٢, قال٣ أبو علي: وهذا لا يلزمهم؛ لأن لهم أن يقولوا: إنما منعنا حذف خبر المعرفة مع إن المكسورة, فأما مع أنّ المفتوحة فلن نمنعه, قال: ووجه فصلهم فيه بين المكسورة والمفتوحة أنَّ المكسورة حذف خبرها كما حذف خبر نقيضها, وهو قولهم: لا بأسَ ولا شكّ, أي: عليك, وفيه. فكما أنّ "لا" تختص هنا بالنكرات فكذلك إنما "تشبهها نقيضتها"٤ في حذف الخبر مع النكرة أيضًا.
وقد حذف أحد مفعولي ظننت, وذلك نحو قولهم: أزيدًا ظننته منطلقًا؛ ألا ترى أن تقديره: أظننت زيدًا منطلقًا ظننته منطلقًا؟ فلمَّا٥ أضمرت الفعل فسَّرته بقولك: ظننته, وحذفت٦ المفعول الثاني من الفعل الأول المقدَّر اكتفاء بالمفعول الثاني الظاهر في الفعل الآخر. وكذلك بقية أخوات ظننت.
стр. 792
وقد حذف خبر كان أيضًا في نحو قوله ١:
أسكرانُ كان ابنَ المراغة إذ هجا ... تميمًا ببطن الشأم أم متساكر
ألا ترى أن تقديره: أكان سكرانُ ابن المراغة, فلمَّا حذف الفعل الرافع٢ فسَّره بالثاني فقال: كان ابن المراغة. و"ابن المراغة" هذا الظاهر خبر "كان " الظاهرة, وخبر "كان" المضمر محذوف معها؛ لأن " كان " الثانية دلّت على الأولى, وكذلك الخبر الثاني الظاهر دلَّ على الخبر الأول المحذوف.
وقد حذف المنادى فيما أنشده أبو زيد من قوله:
فخير نحن عند الناس منكم ... إذا الداعي المثوب قال يالا٣
أراد: يا لبني٤ فلان, ونحو ذلك.
فإن قلت: فكيف جاز تعليق٥ حرف الجر, قيل: لما خلط "بيا"٦ صار كالجزء منها. ولذلك شبه أبو علي ألفه التي قبل اللام بألف باب ودار, فحكم عليها حينئذ بالانقلاب, وقد ذكرنا ذلك. وحسن الحال أيضًا شيء آخر, وهو تشبث اللام الجارة بألف الإطلاق فصارت كأنها معاقبة للمجرور, ألا ترى أنك لو أظهرت ذلك المضاف إليه٧ فقلت: يا لبني فلان, لم يجز إلحاق الألف هنا "وجرت ألف
стр. 793
الإطلاق"١ في منابها هنا عمَّا كان ينبغي أن يكون بمكانها, مجرى ألف الإطلاق في منابها عن تاء التأنيث في نحو قوله ٢:
ولاعب بالعشيِّ بني بنيه ... كفعل الهِرِّ يحترش العَظَايا
فأبعد الإله ولا يؤبَّى ... ولا يعطَى من المرض الشفايا٣
وكذلك نابت أيضًا واو الإطلاق في قوله ٤:
وما كل من وافى مني أنا عارف٥
-فيمن رفع كلًّا- عن الضمير الذي يزاد في عارفه٦، وكما ناب التنوين في نحو: حينئذ ويومئذ, عن المضاف إليه إذْ, وعليه قوله ٧:
نهيتك عن طلابك أمّ عمرو ... بعاقبة وأنت إذٍ صحيح٨
فأما قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ ٩ فقد تقدَّم القول١٠ عليه: أنه ليس المنادى هنا محذوفًا ولا مرادًا كما ذهب إليه محمد بن يزيد, وأن "يا " هنا أخلصت للتنبيه مجردًا
стр. 794
من النداء, كما أن "ها " من قول الله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ﴾ ١ للتنبيه من غير أن تكون للنداء٢. وتأوّل أبو العباس قول الشاعر ٣:
طلبوا صلحنا ولات أوانٍ ... فأجبنا أن ليس حين بقاء٤
"أي: إبقاء"٥ على أنه حذف المضاف إليه أوان، بعوض٦ التنوين منه، على حد قول الجماعة في تنوين إذْ, وهذا٧ ليس بالسهل, وذلك أن التنوين في نحو هذا إنما دخل فيما لا يضاف إلى الواحد وهو إذ. فأمّا "أوان " فمعرب ويضاف إلى الواحد, كقوله ٨:
فهذا أوان العرض حي ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمِّس٩
стр. 795
وقد كسَّروه على آونة, وتكسيرهم إياه يبعده عن البناء؛ لأنه أخذ به في شق التصريف والتصرف.
"قال:
أبو حنشٍ يؤرقنا وطلقٌ ... وعبادٌ وآونةً أثالا"١
وقد حذف المميز, وذلك إذا علم من الحال "حكم ما"٢ كان يعلم منها به, وذلك قولك: عندي عشرون, واشتريت ثلاثين, وملكت خمسة وأربعين. فإن لم يعلم المراد لزم التمييز إذا قصد المتكلم الإبانة, فإن لم يرد ذلك وأراد الإلغاز وحذف جانب البيان لم يوجب على نفسه ذكر التمييز, وهذا إنما يصلحه ويفسده غرض المتكلم, وعليه مدار الكلام. فاعرفه.
وحذف الحال لا يحسن, وذلك أن الغرض فيها إنما هو توكيد الخبر بها, وما طريقه طريق التوكيد غير لائق به الحذف؛ لأنه ضد الغرض ونقيضه, و"لأجل ذلك"٣ لم يجز أبو الحسن توكيد الهاء المحذوفة من الصلة؛ نحو الذي ضربت نفسه زيد على أن يكون "نفسه" توكيدًا للهاء المحذوفة من "ضربت", وهذا مما يترك مثله كما يترك إدغام الملحق إشفاقًا من انتقاض الغرض بادّغامه.
فأمَّا ما أجزناه من حذف الحال في قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ٤ أي: فمن شهده صحيحًا بالغًا فطريقه أنه لما دلت الدلالة عليه من
стр. 796
الإجماع والسنّة جاز حذفه تخفيفًا. وأما١ لو عريت الحال من هذه القرينة وتجرَّد الأمر دونها لما جاز حذف الحال على وجه.
ولم أعلم المصدر حذف في موضع, وذلك أن٢ الغرض فيه إذا تجرَّد من الصفة أو التعريف أو عدد المرات فإنما هو لتوكيد الفعل, وحذف المؤكَّد لا يجوز.
وإنما كلامنا على حذف ما يحذف وهو مراد, فأما حذفه إذا لم يرد فسائغ لا سؤال فيه, وذلك كقولنا: انطلق زيد, ألا ترى هذا كلامًا تامًّا, وإن لم تذكر معه شيئًا من الفضلات مصدرًا ولا ظرفًا ولا حالًا ولا مفعولًا له ولا مفعولًا معه ولا غيره. وذلك أنك٣ لم ترد الزيادة في الفائدة بأكثر من الإخبار عنه بانطلاقه دون غيره.
حذف الفعل:
حذف الفعل على ضربين:
أحدهما: أن تحذفه والفاعل فيه. فإذا وقع ذلك فهو حذف جملة, وذلك نحو: زيدًا ضربته؛ لأنك أردت: ضربت زيدًا, فلمَّا أضمرت "ضربت" فسَّرته بقولك: ضربته, وكذلك قولك ٤: أزيدًا مررت به, وقولهم: المرء مقتول بما قَتَل به, إن سيفًا فسيف, وإن خنجرًا فخنجر, أي: إن كان الذي قَتَل به سيفًا فالذي يُقتل به سيف, فكان واسمها وإن لم تكن مستقلة٥ فإنها تعتد اعتداد الجملة.
والآخر: أن تحذف الفعل وحده, وهذا هو غرض هذا الموضع.
стр. 797
وذلك أن يكون الفاعل مفصولًا عنه مرفوعًا به١, وذلك نحو قولك: أزيد قام, فزيد مرفوع بفعل مضمر محذوف خالٍ من الفاعل؛ لأنك تريد: أقام زيد, فلمَّا أضمرته فسَّرته بقولك: قام, وكذلك ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ٢ و ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ٣ و ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ ٤ و ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ ٥ ونحوه, الفعل٦ فيه مضمر وحده, أي: إذا انشقَّت السماء, وإذا كورت الشمس, وإن هلك امرؤ, ولو تملكون, وعليه قوله ٧:
إذا ابنُ أبي موسى بلالٌ بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر٨
أي: إذا بلغ ابن أبي موسى. وعبرة٩ هذا أن الفعل المضمر إذا كان بعده اسم منصوب به ففيه فاعله مضمرًا. وإن كان بعده المرفوع به فهو مضمر مجردًا١٠ من الفاعل, ألا ترى أنه لا يرتفع فاعلان به. وربما جاء بعده المرفوع والمنصوب جميعًا, نحو قولهم: أما أنت منطلقًا انطلقتُ معك, "تقديره: لأن كنت منطلقًا انطلقتُ معك"١١ فحذف الفعل فصار تقديره: لأن أنت منطلقًا, وكرهت١٢ مباشرة
стр. 798
"أن " الاسم فزيدت "ما " , فصارت عوضًا من الفعل ومصلحة للفظ لنزول مباشرة "أن" الاسم. وعليه بيت الكتاب:
أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع١
أي: لأن كنت ذا نفر قويت وشدّدت والضبع هنا السنة الشديدة.
فإن قلت: بم٢ ارتفع وانتصب "أنت منطلقًا"؟
قيل: ب"ما"٣؛ لأنها عاقبت الفعل الرافع الناصب, فعملت عمله من الرفع والنصب, وهذه طريقة أبي علي وجُلَّة أصحابنا من قبله في٤ أنَّ الشيء إذا عاقب الشيء ولي من الأمر ما كان المحذوف يليه. من٥ ذلك الظرف إذا تعلّق بالمحذوف٦ فإنه يتضمّن الضمير الذي كان فيه, ويعمل ما كان يعمله: من نصبه الحال والظرف, وعلى ذلك صار قوله: "فاه إلى فيّ" من قوله: "كلمته فاه إلى في" ضامنًا للضمير الذي كان في "جاعلًا" لما عاقبه. والطريق واضحة فيه متلئبة.
حذف الحرف:
قد حذف الحرف في الكلام على ضربين: أحدهما حرف زائد٧ على الكلمة مما يجيء لمعنى, والآخر حرف من نفس الكلمة, وقد تقدَّم فيما مضى ذكر حذف هذين الضربين بما أغنى عن إعادته.
ومضت الزيادة في الحروف وغيرها.
стр. 799
فصل في التقديم والتأخير:
وذلك على ضربين: أحدهما ما يقبله القياس, والآخر ما يسهله الاضطرار. الأول: كتقديم المفعول على الفاعل تارةً وعلى الفعل الناصبة أخرى, كضرب "زيدًا عمرو"١، وزيدًا ضرب عمرو, وكذلك الظرف نحو: قام عندك زيد, وعندك قام زيد, وسار يوم الجمعة جعفر, ويوم الجمعة سار جعفر. وكذلك الحال نحو: جاء ضاحكًا زيد, وضاحكًا جاء زيد. وكذلك الاستثناء نحو: ما قام إلا زيدًا أحد, ولا يجوز تقديم المستثنى على الفعل٢ الناصب له. لو قلت: إلا زيدًا قام القوم, لم يجز لمضارعة الاستثناء البدل, ألا تراك تقول: ما قام أحد إلا زيدًا, وإلا زيد, والمعنى واحد. فما جارى الاستثناء البدل امتنع تقديمه.
فإن قلت: فكيف جاز تقديمه٣ على المستثنى منه, والبدل لا يصح تقديمه٣ على المبدل منه.
قيل: لما تجاذب المستثنى شبهان: أحدهما كونه مفعولًا, والآخر كونه بدلًا, خلِّيت٤ له منزلة وسيطة فقدم على المستثنى منه وأخّر البتة عن الفعل الناصبة.
فأما قولهم: ما مررت إلا زيدًا بأحد, فإنما تقدّم على الباء؛ لأنها "ليست هي"٥ الناصبة له, إنما الناصب له على كل حال نفس مررت.
وما يصح ويجوز تقديمه خبر المبتدأ, نحو: قائم أخوك, وفي الدار صاحبك, وكذلك خبر كان وأخواتها على أسمائها, وعليها أنفسها, وكذلك خبر
стр. 800
ليس؛ نحو: زيدًا ليس أخوك, ومنطلقين ليس أخواك. وامتناع أبي العباس من ذلك خلاف للفريقين: "البصريين والكوفيين"١ وترك لموجب القياس عند النظار والمتكلمين, وقد ذكرنا ذلك في غير مكان.
ويجوز تقديم المفعول له على الفعل الناصبة٢؛ نحو قولك: طمعًا في برّك٣ زرتك, ورغبة في صلتك٤ قصدتك.
ولا يجوز تقديم المفعول معه على الفعل, نحو قولك: والطيالسة جاء البرد, من حيث كانت صورة هذه الواو صورة العاطفة, ألا تراك لا تستعملها٥ إلّا في الموضع الذي لو شئت لاستعملت العاطفة فيه, نحو: جاء البرد والطيالسة. ولو شئت لرفت الطيالسة عطفًا على البرد, وكذلك: تركت والأسد لأكلك, يجوز أن ترفع الأسد عطفًا على التاء. ولهذا لم يجز أبو الحسن: جئتك وطلوع الشمس, أي مع طلوع الشمس؛ لأنك لو أردت أن تعطف بها هنا فتقول: أتيتك وطلوع الشمس, لم يجز؛ لأن طلوع الشمس لا يصح إتيانه لك٦. فلما ساوقت حرف المعطف قبح, والطيلالسة جاء البرد, كما قبح وزيد قام عمرو, لكنه يجوز٧ جاء والطيالسة البردُ؛ كما تقول: ضربت وزيدًا عمرًا, قال ٨:
جمعتَ وفحشا غيبة ونميمة ... ثلاث خصال لست عنها بمرعو
стр. 801
ومما يقبح تقديمه الاسم المميز, وإن كان الناصبة فعلًا متصرفًا, فلا نجيز شحمًا تفقأت, ولا عرقًا تصببت. فأما ما أنشده أبو عثمان وتلاه فيه١ أبو العباس من قول المخبل٢
أتهجر ليلى للفراق حبيها ... وما كان٣ نفسًا بالفراق يطيب
فتقابله برواية٤ الزجاجي وإسماعيل بن نصر وأبي إسحاق أيضًا:
وما كان نفسي بالفراق تطيب
فرواية برواية, والقياس من٥ بعد حاكم٦. وذلك أن هذا المميز هو الفاعل في المعنى؛ ألا ترى أن أصل الكلام تصبب عرقي, وتفقأ شحمي, ثم نقل الفعل فصار في اللفظ لي, فخرج الفاعل في الفاصل مميزًا, فكما لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل فكذلك لا يجوز تقديم المميز؛ إذ٧ كان هو الفاعل في المعنى على الفعل.
فإن قلت: فقد تُقِّدم الحال على العامل فيها, وإن كانت الحال هي صاحبة الحال في المعنى, نحو قولك: راكبًا جئت, و ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ ٨.
قيل: الفرق أن الحال "لم تكن"٩ في الأصل هي الفاعلة, كما كان المميز١٠ كذلك؛ ألا ترى أنه ليس التقدير والأصل: جاء راكبي, كما أن أصل طبت به نفسًا
стр. 802
طابت به نفسي، وإنما الحال مفعول فيها كالظرف, ولم تكن قط فاعلة فنقل الفعل عنها. فأمَّا كونها هي الفاعل في المعنى فككون خبر كان هو اسمها الجاري مجرى الفاعل في المعنى وأنت١ تقدمه٢ على "كان" فتقول: قائمًا كان زيد, ولا تجيز تقديم اسمها عليها. فهذا فرق.
وكما لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل, فكذلك لا يجوز تقديم ما أقيم مقام الفاعل كضرب زيد.
وبعد فليس في الدنيا مرفوع يجوز تقديمه٣ على رافعه. فأما خبر المبتدأ فلم يتقدَّم عندنا على رافعه؛ لأن رافعه ليس المبتدأ وحده, إنما الرافع له "المبتدأ والابتداء"٤ جميعًا, فلم يتقدم الخبر عليهما معًا, وإنما تقدم على أحدهما وهو المبتدأ, فهذا "لا ينتقض"٥. لكنه على قول أبي٦ الحسن مرفوع بالمبتدأ وحده, ولو كان كذلك لم يجز تقديمه٣ على المبتدأ.
ولا يجوز تقديم٧ الصلة ولا شيء منها على الموصول, ولا الصفة على الموصوف, ولا المبدل على المبدل منه, ولا عطف البيان على المعطوف عليه, ولا العطف الذي هو نسق على المعطوف عليه، إلا٨ في الواو وحدها, وعلى قلَّته أيضًا, نحو: قام وعمرو زيد, وأسهل منه ضربت وعمرًا زيدًا؛ لأن الفعل في هذا قد استقلّ
стр. 803
بفاعله، وفي قولك: قام وعمرو زيد, اتسعت في الكلام قبل الاستقلال والتمام. فأما١ قوله ٢:
ألا يا نخلةً من ذات عرق ... عليك ورحمةُ الله السلام
فحملته الجماعة على هذا, حتى كأنه عندها: عليك السلام ورحمة الله, وهذا وجه, إلّا أن عندي فيه وجهًا لا تقديم فيه ولا تأخير من قبل العطف, وهو أن يكون "رحمة الله" معطوفًا على الضمير في "عليك", وذلك أن "السلام" مرفوع بالابتداء وخبره مقدَّم عليه وهو "عليك", ففيه إذًا ضمير منه مرفوع بالظرف، فإذا عطفت "رحمة الله" عليه ذهب عنك مكروه التقديم, لكن فيه العطف على المضمر المرفوع المتصل من غير توكيد له, وهذا أسهل عندي من تقديم المعطوف على المعطوف عليه, وقد جاء في الشعر قوله٣:
قلت إذ أقبلت وزهرٌ تهادى ... كنعاج الملا تعسَّفن٤ رملا
وذهب بعضهم في قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ ٥ إلى أنَّ "هو" معطوف على الضمير في "استوى".
стр. 804
ومما يضعف تقديم المعطوف على المعطوف عليه من جهة القياس أنك إذا قلت: قام وزيد عمرو, فقد جمعت أمام زيد بين عاملين: أحدهما "قام"، والآخر الواو, ألا تراها قائمة مقام العامل قبلها, وإذا صرت إلى ذلك صرت كأنك قد أعملت فيه عاملين, وليس هذا كإعمال١ الأول أو الثاني في نحو: قام وقعد زيد؛ لأنك في هذا مخيّر: إن شئت أعملت الأول, وإن شئت أعملت الآخر, وليس ذلك في نحو: قام زيد وعمرو؛ لأنك لا ترفع عمرًا في هذا إلّا٢ بالأول.
فإن قلت: فقد تقوّل في الفعلين جميعًا بإعمال أحدهما البتة كقوله ٣:
كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال٤
قيل: لم يجب هذا٥ في هذا البيت لشيء يرجع إلى العمل اللفظي, وإنما هو شيء راجع إلى المعنى, وليس كذلك قام وزيد عمرو؛ لأن هذا كذا حاله ومعناه واحد, تقدم أو٦ تأخر. فقد عرفت ما في هذا الحديث.
ولا يجوز تقديم المضاف إليه على المضاف, ولا شيء مما اتصل به.
ولا يجوز تقديم الجواب على المجاب شرطًا كان أو قسمًا أو غيرهما, ألا تراك لا تقول: أقُمْ إن تَقُمْ, فأما قولك: أقوم إن قمت, فإن قولك: أقوم ليس جوابًا
стр. 805
للشرط, ولكنه دال على الجواب, أي: إن قمت قمت, ودلت أقوم على قمت. ومثله: أنت ظالم إن فعلت, أي: إن فعلت ظلمت, فحذفت "ظلمت" ودل قولك: "أنت ظالم" عليه.
فأما١ قوله ٢:
فلم أرقه إن ينج منها وإن يمت ... فطعنة لا غس ولا بمغمر٣
فذهب أبو زيد إلى أنه أراد: إن ينج منها فلم أرقه, وقدم الجواب. وهذا عند كافة أصحابنا غير جائز. والقياس له دافع وعنه حاجز٤, وذلك أن جواب الشرط مجزوم بنفس الشرط, ومحال تقدم المجزوم على جازمه, بل إذا كان الجار -وهو أقوى من الجازم؛ لأن عوامل الأسماء أقوى من عوامل الأفعال- لا يجوز تقديم ما انجرَّ به عليه, كان ألّا يجوز تقديم٥ المجزوم على جازمه أحرى وأجدر. وإذا كان كذلك فقد وجب النظر في البيت. ووجه القول عليه أن الفاء في قوله: "فلم أرقه" لا يخلو أن تكون معلقة بما قبلها أو زائدة, وأيهما كان فكأنه قال: لم أرقه إن ينج منها, وقد علم أن لم أفعل "نفي فعلت"٦ وقد أنابوا فعلت عن جواب الشرط, وجعلوه دليلًا عليه في قوله ٧:
стр. 806
يا حكم الوارث عن عبد الملك ... أوديت إن لم تحب حبو المعتنك١
أي: إن لم تحب أوديت. فجعل "أوديت" المقدَّمة دليلًا على "أوديت هذه المؤخَّرة. فكما جاز أن تجعل فعلت دليلًا على"٢ جواب الشرط المحذوف, كذلك جعل نفيها الذي هو لم أفعل دليلًا على جوابه. والعرب قد تجري الشيء مجرى نقيضه, كما تجريه مجرى نظيره؛ ألا تراهم قالوا: جوعان٣؛ كما قالوا: شبعان, وقالوا: علم٤؛ كما قالوا: جهل, وقالوا: كثر ما٥ تقومنّ؛ كما قالوا: قلَّما تقومنّ. وذهب الكسائي في قوله:
إذا رضيت عليّ بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها٦
إلى أنه عدَّى "رضيت" بعلى لما كان ضدّ سخطت, وسخطت مِمَّا يعدَّى بعلى, وهذا واضح. وكان أبو علي يستحسنه من٧ الكسائي, فكأنه قال: إن ينج منها ينج غير مرقيّ منها, وصار قوله: لم "أرقه" بدلًا من الجواب ودليلًا عليه.
стр. 807
فهذه وجوه التقديم والتأخير في كلام العرب. وإن كنا تركنا منها شيئًا فإنه معلوم الحال ولاحق بما قدمناه.
وأما الفروق١ والفصول فمعلومة المواقع٢ أيضًا.
فمن قبيح الفرق بين المضاف والمضاف إليه, والفصل بين الفعل والفاعل بالأجنبيّ, وهو دون الأول, ألا ترى إلى جواز الفصل بينهما بالظرف نحو قولك: كان فيك زيد راغبًا, وقُبح الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف؛ نحو قول الفرزدق:
فلمّا للصلاة دعا المنادي ... نهضت وكنت منها في غرور٣
وسترى ذلك.
ويلحق بالفعل والفاعل في ذلك المبتدأ والخبر في قبح الفصل بينهما.
" وعلى الجملة فكلَّما ازداد الجزءان اتصالًا قوي قُبْح الفصل بينهما"٤.
فمن الفصول والتقديم والتأخير قوله:
فقد والشك بَيَّن لي عناء ... بوشك فراقهم صُرَدٌ يصيح٥
стр. 808
أراد: فقد بيَّن لي صُرَدٌ يصيح بوشك فراقهم, والشك عناء. ففيه من الفصول ما أذكره. وهو الفصل بين "قد" والفعل الذي هو١ بين. " وهذا"٢ قبيح لقوة اتصال "قد" بما تدخل عليه من الأفعال, ألا تراها تعتد مع الفعل كالجزء منه. ولذلك دخلت اللام المراد بها توكيد الفعل على "قد", في نحو قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ٣ وقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ ٤ وقوله ٥:
ولقد أجمع رجالي بها ... حذر الموت وإني لفرور٦
وفصل بين المبتدأ الذي هو الشكّ وبين الخبر الذي هو عناء بقوله: "بيَّن لي"، وفصل بين الفعل الذي هو "بيَّن" وبين فاعله الذي هو "صُرَدٌ" بخبر المبتدأ الذي هو "عناء"، وقدَّم قوله: "بوشك فراقهم" وهو معمول "يصيح", ويصيح صفة لصرد على صرد, وتقديم الصفة أو ما يتعلق بها على موصوفها قبيح, ألا ترى أنك لا تجيز: هذا اليوم رجل ورد من موضع كذا؛ لأنك تريد: هذا رجل ورد اليوم من موضع كذا, وإنما يجوز وقوع المعمول فيه بحيث يجوز وقوع العامل, فكما لا يجوز تقديم الصفة على موصوفها كذلك لا يجوز تقديم ما اتَّصل بها على موصوفها, كما لا يجوز تقديم معمول المضاف إليه على نفس المضاف، لما٧ لم يجز تقديم المضاف إليه عليه, ولذلك لم يجز قولك: القتال زيدًا حين تأتي, وأنت تريد: القتال حين تأتي زيدًا.
стр. 809
فمتى رأيت الشاعر قد١ ارتكب مثل هذه الضرورات على قبحها, وانخراق الأصول بها, فاعلم أن ذلك على ما جشمه منه وإن دلَّ من وجه على جوره وتعسفه, فإنه من وجه آخر مؤذِن بصياله وتخمطه٢، وليس بقاطع دليل على ضعف لغته, ولا قصوره عن اختياره الوجه الناطق بفصاحته. بل مثله في ذلك عندي مثل مجرى الجموح بلا لجام, ووارد الحرب الضروس١ حاسرًا من غير احتشام. فهو وإن كان ملومًا في عنفه وتهالكه, فإنه مشهود له بشجاعته وفيض منته٣؛ ألا تراه لا يجهل أن لو تكفر٤ في سلاحه أو أعصم٤ بلجام جواده لكان أقرب إلى النجاة وأبعد عن الملحاة٥؛ لكنه جشم ما جشمه على علمه بما يعقب اقتحام مثله إدلالًا بقوة طبعه ودلالة على شهامة٦ نفسه. ومثله سواءً ما يحكى عن بعض الأجواد أنه قال: أيرى٧ البخلاء أننا لا نجد بأموالنا ما يجدون بأموالهم, لكنا نرى أن٨ في٩ الثناء بإنفاقها عوضًا٩ من حفظها بإمساكها١٠. ونحو منه قولهم: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، وقول الآخر ١٠:
لا خير في طمع يدني إلى طبع ... وغفَّة من قوام العيش تكفيني
فاعرف بما ذكرناه حال ما يرد في معناه, وأن الشاعر إذا أورد منه شيئًا فكأنه
стр. 810
لأنسه بعلم غرضه وسفور مراده لم يرتكب صعبًا, ولا جشم إلّا أمما١، وافق بذلك قابلًا له, أو صادف غير آنس به, إلا أنه هو٢ قد استرسل واثقًا, وبنى الأمر على أن ليس ملتبسًا.
ومن ذلك قوله:
فأصبحت بعد خط بهجتها ... كأنَّ قفرًا رسومها قلما٣
أراد: فأصبحت بعد بهجتها قفرًا كأنَّ قلما خط رسومها, ففصل بين المضاف الذي هو "بعد"، والمضاف إليه الذي هو "بهجتها" بالفعل الذي هو "خط", وفصل أيضًا بخط بين "أصبحت" وخبرها الذي هو "قفرًا"، وفصل بين كأنّ واسمها الذي هو "قلَّما" بأجنبيين: أحدهما قفرًا, والآخر: رسومها٤؛ ألا ترى أن رسومها٤ مفعول خطَّ الذي هو خبر كأن, وأنت لا تجيز: كأن خبزًا زيدًا آكل. بل إذا لم تجز الفصل بين الفعل والفاعل على قوة الفعل في نحو٥ كانت زيدًا الحُمَّى تأخذ٦, كان ألا تجيز الفصل بين كأن واسمها بمفعول فاعلها أجدر٧.
نعم وأغلظ من ذا أنه قدَّم خبر كأنَّ عليها, وهو قوله: خطَّ, فهذا ونحوه مما لا يجوز لأحد قياس عليه. غير أنَّ فيه ما قدمناه ذكره من٨ سموّ الشاعر وتغطرفه٩، وبأوه٩، وتعجرفه٩. فاعرفه واجتنبه.
ومن ذلك بيت الكتاب:
وما مثله في الناس إلا مملكًا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه١٠
وحديث ما فيه معروف، فلندعه ولنعد عنه.