يا حكم الوارث عن عبد الملك ... أوديت إن لم تحب حبو المعتنك١
أي: إن لم تحب أوديت. فجعل "أوديت" المقدَّمة دليلًا على "أوديت هذه المؤخَّرة. فكما جاز أن تجعل فعلت دليلًا على"٢ جواب الشرط المحذوف, كذلك جعل نفيها الذي هو لم أفعل دليلًا على جوابه. والعرب قد تجري الشيء مجرى نقيضه, كما تجريه مجرى نظيره؛ ألا تراهم قالوا: جوعان٣؛ كما قالوا: شبعان, وقالوا: علم٤؛ كما قالوا: جهل, وقالوا: كثر ما٥ تقومنّ؛ كما قالوا: قلَّما تقومنّ. وذهب الكسائي في قوله:
إذا رضيت عليّ بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها٦
إلى أنه عدَّى "رضيت" بعلى لما كان ضدّ سخطت, وسخطت مِمَّا يعدَّى بعلى, وهذا واضح. وكان أبو علي يستحسنه من٧ الكسائي, فكأنه قال: إن ينج منها ينج غير مرقيّ منها, وصار قوله: لم "أرقه" بدلًا من الجواب ودليلًا عليه.
стр. 807
فهذه وجوه التقديم والتأخير في كلام العرب. وإن كنا تركنا منها شيئًا فإنه معلوم الحال ولاحق بما قدمناه.
وأما الفروق١ والفصول فمعلومة المواقع٢ أيضًا.
فمن قبيح الفرق بين المضاف والمضاف إليه, والفصل بين الفعل والفاعل بالأجنبيّ, وهو دون الأول, ألا ترى إلى جواز الفصل بينهما بالظرف نحو قولك: كان فيك زيد راغبًا, وقُبح الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف؛ نحو قول الفرزدق:
فلمّا للصلاة دعا المنادي ... نهضت وكنت منها في غرور٣
وسترى ذلك.
ويلحق بالفعل والفاعل في ذلك المبتدأ والخبر في قبح الفصل بينهما.
" وعلى الجملة فكلَّما ازداد الجزءان اتصالًا قوي قُبْح الفصل بينهما"٤.
فمن الفصول والتقديم والتأخير قوله:
فقد والشك بَيَّن لي عناء ... بوشك فراقهم صُرَدٌ يصيح٥
стр. 808
أراد: فقد بيَّن لي صُرَدٌ يصيح بوشك فراقهم, والشك عناء. ففيه من الفصول ما أذكره. وهو الفصل بين "قد" والفعل الذي هو١ بين. " وهذا"٢ قبيح لقوة اتصال "قد" بما تدخل عليه من الأفعال, ألا تراها تعتد مع الفعل كالجزء منه. ولذلك دخلت اللام المراد بها توكيد الفعل على "قد", في نحو قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ٣ وقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ ٤ وقوله ٥:
ولقد أجمع رجالي بها ... حذر الموت وإني لفرور٦
وفصل بين المبتدأ الذي هو الشكّ وبين الخبر الذي هو عناء بقوله: "بيَّن لي"، وفصل بين الفعل الذي هو "بيَّن" وبين فاعله الذي هو "صُرَدٌ" بخبر المبتدأ الذي هو "عناء"، وقدَّم قوله: "بوشك فراقهم" وهو معمول "يصيح", ويصيح صفة لصرد على صرد, وتقديم الصفة أو ما يتعلق بها على موصوفها قبيح, ألا ترى أنك لا تجيز: هذا اليوم رجل ورد من موضع كذا؛ لأنك تريد: هذا رجل ورد اليوم من موضع كذا, وإنما يجوز وقوع المعمول فيه بحيث يجوز وقوع العامل, فكما لا يجوز تقديم الصفة على موصوفها كذلك لا يجوز تقديم ما اتَّصل بها على موصوفها, كما لا يجوز تقديم معمول المضاف إليه على نفس المضاف، لما٧ لم يجز تقديم المضاف إليه عليه, ولذلك لم يجز قولك: القتال زيدًا حين تأتي, وأنت تريد: القتال حين تأتي زيدًا.
стр. 809
فمتى رأيت الشاعر قد١ ارتكب مثل هذه الضرورات على قبحها, وانخراق الأصول بها, فاعلم أن ذلك على ما جشمه منه وإن دلَّ من وجه على جوره وتعسفه, فإنه من وجه آخر مؤذِن بصياله وتخمطه٢، وليس بقاطع دليل على ضعف لغته, ولا قصوره عن اختياره الوجه الناطق بفصاحته. بل مثله في ذلك عندي مثل مجرى الجموح بلا لجام, ووارد الحرب الضروس١ حاسرًا من غير احتشام. فهو وإن كان ملومًا في عنفه وتهالكه, فإنه مشهود له بشجاعته وفيض منته٣؛ ألا تراه لا يجهل أن لو تكفر٤ في سلاحه أو أعصم٤ بلجام جواده لكان أقرب إلى النجاة وأبعد عن الملحاة٥؛ لكنه جشم ما جشمه على علمه بما يعقب اقتحام مثله إدلالًا بقوة طبعه ودلالة على شهامة٦ نفسه. ومثله سواءً ما يحكى عن بعض الأجواد أنه قال: أيرى٧ البخلاء أننا لا نجد بأموالنا ما يجدون بأموالهم, لكنا نرى أن٨ في٩ الثناء بإنفاقها عوضًا٩ من حفظها بإمساكها١٠. ونحو منه قولهم: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، وقول الآخر ١٠:
لا خير في طمع يدني إلى طبع ... وغفَّة من قوام العيش تكفيني
فاعرف بما ذكرناه حال ما يرد في معناه, وأن الشاعر إذا أورد منه شيئًا فكأنه
стр. 810
لأنسه بعلم غرضه وسفور مراده لم يرتكب صعبًا, ولا جشم إلّا أمما١، وافق بذلك قابلًا له, أو صادف غير آنس به, إلا أنه هو٢ قد استرسل واثقًا, وبنى الأمر على أن ليس ملتبسًا.
ومن ذلك قوله:
فأصبحت بعد خط بهجتها ... كأنَّ قفرًا رسومها قلما٣
أراد: فأصبحت بعد بهجتها قفرًا كأنَّ قلما خط رسومها, ففصل بين المضاف الذي هو "بعد"، والمضاف إليه الذي هو "بهجتها" بالفعل الذي هو "خط", وفصل أيضًا بخط بين "أصبحت" وخبرها الذي هو "قفرًا"، وفصل بين كأنّ واسمها الذي هو "قلَّما" بأجنبيين: أحدهما قفرًا, والآخر: رسومها٤؛ ألا ترى أن رسومها٤ مفعول خطَّ الذي هو خبر كأن, وأنت لا تجيز: كأن خبزًا زيدًا آكل. بل إذا لم تجز الفصل بين الفعل والفاعل على قوة الفعل في نحو٥ كانت زيدًا الحُمَّى تأخذ٦, كان ألا تجيز الفصل بين كأن واسمها بمفعول فاعلها أجدر٧.
نعم وأغلظ من ذا أنه قدَّم خبر كأنَّ عليها, وهو قوله: خطَّ, فهذا ونحوه مما لا يجوز لأحد قياس عليه. غير أنَّ فيه ما قدمناه ذكره من٨ سموّ الشاعر وتغطرفه٩، وبأوه٩، وتعجرفه٩. فاعرفه واجتنبه.
ومن ذلك بيت الكتاب:
وما مثله في الناس إلا مملكًا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه١٠
وحديث ما فيه معروف، فلندعه ولنعد عنه.
стр. 811
وأما١ قول الفرزدق:
إلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره٢
فإنه مستقيم ولا٣ خبط فيه, وذلك أنه أراد: إلى ملك أبوه ما أمه من محارب, أي: ما أم أبيه من محارب, فقدَّم خبر الأب٤ عليه، وهو جملة؛ كقولك: قام أخوها هند, ومررت بغلامهما٥ أخواك.
وتقول على هذا: فِضَّته محرقة سرجها فرسك, تريد: فرسك سرجها فضته محرقة, ثم تقدَّم خبر السرج أيضًا عليه فتقول: فضته محرقة سرجها فرسك, فإن زدت على هذا شيئًا قلت: أكثرها محرق فضته سرجها فرسك, أردت: فرسك سرجها فضته أكثرها محرق, فقدَّمت الجملة التي هي خبر عن الفضة عليها, ونقلت الجمل عن مواضعها شيئًا فشيئًا, وطريق تجاوز هذا٦ والزيادة في الأسماء والعوائد واضحة. وفي الذي مضى منه كافٍ بإذن الله.
فأما قوله:
معاوي لم ترع الأمانة فارعها ... وكن حافظًا لله والدين شاكر٧
فإن "شاكر" هذه قبيلة. أراد: لم ترع الأمانة شاكر فارعها, وكن حافظًا لله والدين. فهذا شيء من الاعتراض, وقد قدمنا ذكره وعلة حسنه ووجه جوازه.
стр. 812
وأما قوله ١:
يومًا تراها كمثل أردية العص ... ب ويومًا أديمها نِغَلا٢
فإنه أراد: تراها يومًا كمثل أردية العصب, وأديمها يومًا آخر نغلا, ففصل بالظرف بين حرف العطف والمعطوف به على المنصوب من قبله, وهو "ها " من تراها. وهذا أسهل من قراءة من قرأ ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ ٣ إذا جعلت "يعقوب" في موضع جر, وعليه تلقّاه القوم من٤ أنه مجرور الموضع. وإنما كانت الآية أصعب مأخذًا من قِبَل أنَّ حرف العطف منها الذي هو الواو ناب عن الجار الذي هو الباء في قوله "بإسحاق"، وأقوى أحوال حرف العطف أن يكون في قوة العامل قبله, وأن يلي من العمل ما كان الأول يليه, والجار لا يجوز فصله من مجروره, وهو في الآية قد فُصِل بين الواو٥ ويعقوب بقوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ﴾ . والفصل بين الجار ومجروره لا يجوز, وهو أقبح منه بين المضاف والمضاف إليه. وربما٦ فرد الحرف منه فجاء منفورًا عنه؛ قال:
لو كنت في خلقاء أو رأس شاهق ... وليس إلى منها النزول سبيل٧
стр. 813
ففصل بين حرف الجر ومجروره بالظرف الذي هو "منها", وليس كذلك حرف العطف في قوله:
ويومًا أديمها نغلا
لأنه عطف على الناصب الذي هو ترى١, فكأن الواو أيضًا ناصبة, والفصل بين الناصب ومنصوبه ليس كالفصل بين الجار ومجروره.
وليس كذلك قوله ٢:
فصلقنا في مراد صلقة ... وصداء ألحقتهم بالثلل٣
"فليس منه"٤ لأنه لم يفصل بين حرف العطف وما عطفه٥، وإنما فيه الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالمصدر الذي هو "صلقة", وفيه أيضًا الفصل بين الموصوف الذي هو "صلقة" وصفته التي هي قوله "ألحقتهم بالثلل"٦ بالمعطوف والحرف العاطفة, أعني قوله: وصداء, وقد جاء مثله أنشدنا ٧:
أمرّت من الكتّان خيطًا وأرسلت ... رسولًا إلى أخرى جريًّا يعينها
أراد: وأرسلت إلى أخرى رسولًا جريًّا.
стр. 814
والأحسن عندي في يعقوب من قوله -عز اسمه: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ فيمن فتح أن يكون في موضع نصب بفعل مضمر دلَّ عليه قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ أي: وآتيناها يعقوب, فإذا فعلت ذلك لم يكن فيه فصل بين الجار والمجرور. فاعرفه.
فأما قوله:
فليست خراسان التي كان خالد ... بها أسد إذ كان سيفًا أميرها
فحديثه طريف. وذلك أنه -فيما ذكر- يمدح خالد بن الوليد ويهجو أسدًا, وكان أسد وليّها بعد خالد "قالوا فكأنه"١ قال: وليست خراسان بالبلدة التي كان خالد بها سيفًا؛ إذ كان أسد أميرها, ففي٢ كان على هذا ضمير الشأن والحديث, والجملة بعدها التي هي "أسد أميرها" خبر عنها. ففي هذا التنزيل أشياء: منها الفصل بين اسم كان الأولى وهو خالد, وبين خبرها الذي هو "سيفًا" بقوله: "بها أسد إذ كان" فهذا واحد.
وثانٍ: أنه قدَّم بعض ما "إذ" مضافة إليه وهو أسد عليها, وفي تقديم المضاف إليه أو شيء منه على المضاف من القبح والفساد ما لا خفاء به ولا ارتياب, وفيه أيضًا أن "أسد" أحد جزأي الجملة المفسرة للضمير على شريطة التفسير, أعني: ما في٣ كان منه. وهذا الضمير لا يكون تفسيره إلّّّّا من بعده. ولو تقدَّم تفسيره قبله لما احتاج إلى تفسير, ولما سمَّاه الكوفيون الضمير٤ المجهول.
стр. 815
فإن قلت: فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ١ فقدَّم "إذا" وهي منصوبة ب"شاخصة", وإنما يجوز وقعوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل, فكأنه على هذا قال: فإذا هي٢ شاخصة هي أبصار الذين كفروا, و"هي" ضمير القصة, وقد ترى كيف قدرت تقديم أحد الجزأين اللذين يفسرانها عليها, فكما جاز هذا "فكذلك يجوز"٣ أيضًا أن يقدّم "أسد" على الضمير في "كان", وإن كان أسد أحد جزأي تفسير هذا الضمير.
قيل: الفرق أن الآية إنما تقدَّم٤ فيها الظرف المتعلق عندك بأحد جزأي تفسير الضمير وهو٥ شاخصة, والظرف مما يتسع الأمر٦ فيه ولا تضيق مساحة٧ التعذر٨ له بأن تعلّقه بمحذوف يدل٩ عليه شاخصة أو١٠ شاخصة أبصار الذين كفروا, كما تقول في أشياء كثيرة نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ ١١
стр. 816
وقوله: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ١ وقول الشاعر ٢:
وكنت أرى زيدًا كما قيل سيدًا ... إذا إنه عبد القفا واللهازم
فيمن كسر إنّ.
وأمّا البيت فإنه قدّم فيه أحد الجزأين البتة وهو أسد. وهذا ما لا٣ يسمح به، "ولا يُطوى كشح"٤ عليه. وعلى أنه أيضًا قد يمكن أن تكون "كان" زائدة, فيصير تقديره: إذ أسد أميرها. فليس في هذا أكثر من شيء واحد, وهو ما قدَّمنا ذكره من تقديم ما بعد "إذ" عليها وهي مضافة إليه. وهذا أشبه من الأول, ألا ترى أنه إنما نعى على٥ خراسان إذ أسد أميرها؛ لأنه إنما فضّل أيام خالد المنقضية بها على أيام أسد المشاهدة فيها, فلا حاجة به إذًا إلى "كان"؛ لأنه أمر حاضر مشاهد. فأما "إذ" هذه فمتعلقة بأحد شيئين: إمّا بليس وحدها, وإما بما دلت عليه من غيرها, حتى كأنه قال: خالفت خراسان إذ أسد أميرها حالتها التي كانت عليه٦ لها أيام ولاية خالد لها, على حد ما تقول فيما يضمّ٧ للظروف "لتتناولها، وتصل"٨ إليها.
стр. 817
فإن قلت: فكيف يجوز لليس أن تعمل في الظرف١ وليس فيها تقدير حدث؟
قيل: جاز ذلك فيها من حيث جاز أن ترفع وتنصب, وكانت على مثال الفعل، فكما٢ عملت الرفع والنصب وإن عريت من معنى الحدث, كذلك أيضًا تنصب الظرف لفظًا "كما عملت الرفع والنصب لفظًا"٣، ولأنها على وزن الفعل. وعلى ذلك وجه أبو علي قول الله سبحانه: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ ٤ لأنه أجاز في نصب "يوم" ثلاثة أوجه: أحدها٥ أن يكون متعلقًا بنفس "ليس" من حيث ذكرنا من الشبه اللفظي, وقال لي أبو علي ﵀ يومًا: الظرف يتعلق بالوهم مثلًا.
فأما قول الآخر:
نظرت وشخصي مطلع الشمس ظله ... إلى الغرب حتى ظله الشمس قد عقل
فقيل فيه: أراد نظرت٦ مطلع الشمس وشخصي ظله إلى الغرب، حتى عقل الشمس ظله أي: حاذاها٧، فعلى هذا التفسير قد فصل بمطلع الشمس بين المبتدأ وخبره, وقد يجوز ألّا يكون فصل٨، لكن على أن يتعلق مطلع الشمس بقوله: إلى الغرب, حتى كأنه قال: شخصي ظله إلى الغرب وقت طلوع الشمس, فيعلق الظرف بحرف الجر الجاري خبرًا عن الظل؛ كقولك: زيد من الكرام يوم الجمعة, فيعلق الظرف بحرف الجر, ثم قدّم الظرف لجواز تقديم ما تعلق به إلى موضعه, ألا تراك تجيز أن تقول: شخصي إلى الغرب ظله, وأنت تريد: شخصي ظله إلى الغرب. فعلى هذا تقول: زيد يوم الجمعة أخوه من الكرام, ثم تقدم فتقول: زيد من الكرام يوم الجمعة أخوه. فاعرفه.
стр. 818
وقال الآخر:
أيا بن أناس هل يمينك مطلق ... نداها إذا عُدَّ الفعال شمالها١
أراد: هل يمينك شمالها مطلق نداها. ف"ها" من "نداها" عائد إلى الشمال لا اليمين, والجملة خبر عن يمينها٢.
وقال الفرزدق:
ملوك يبتنون توارثوها ... سرادقها المقاول والقبابا٣
أراد: ملوك يبتنون المقاول والقباب توارثوها سرادقها. فقوله: "يبتنون المقاول والقباب " صفة لموك٤. وقوله: توارثوها سرادقها صفة ثانية لملوك٥، موضعها التأخير, فقدمها وهو يريد بها موضعها كقولك: مررت برجل مكلِّمها مارٍّ بهند, أي: مار بهند مكلمها, فقدَّم الصفة الثانية وهو معتقد تأخيرها. ومعنى يبتنون المقاول أي: أنهم يصطنعون المقاول ويبتنونهم؛ كقول المولّد:
يبني الرجال وغيره يبني القرى ... شتان بين قرى وبين رجال٦
وقوله: "توارثوها" أي: توارثوا الرجال والقباب. ويجوز أن تكون الهاء ضمير المصدر؛ أي: توارثوا هذه الفعلات.
стр. 819
فأما ما أنشده أبو الحسن من قوله ١:
لسنا كمن حلت إياد دارها ... تكريت ترقب حبها أن يحصدا
فمعناه: لسنا كمن حلت دارها ثم أبدل "إياد" من "من حلت دارها" , فإن حملته على هذا كان لحنًا؛ لفصلك بالبدل بين بعض الصلة وبعض, فجرى ذلك في فساده مجرى قولك: مررت بالضارب زيد جعفرًا. وذلك أن البدل إذا جرى على المبدل منه آذن بتمامه وانقضاء أجزائه, فكيف يسوغ لك أن تبدل منه وقد بقيت منه بقية هذا خطأ في الصناعة, وإذا كان كذلك والمعنى عليه أضمرت ما يدل عليه "حلت" فنصبت به الدار, فصار تقديره: لسنا كمن حلت إياد, أي: كإيادٍ التي حلت, ثم قلت من بعده: حلت دارها. فدلَّ "حلت" في الصلة على "حلت" هذه التي نصبت "دارها".
ومثله قول الله سبحانه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ، يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ ٢ "أي: يرجعه يومن تبلى السرائر"٣ فدلَّ "رجعه" على يرجعه, ولا يجوز أن تعلق "يوم" بقوله: "لقادر"؛ لئلّا يصغر المعنى؛ لأن الله تعالى قادر يوم تبلى السرائر وغيره في كل وقت وعلى كل حال على رجع البشر وغيرهم. وكذلك قول٤ الآخر.
стр. 820
ولا تحسبنَّ القتل محضًا شربته ... نزارًا ولا أن النفوس استقرت١
ومعناه: لا تحسبن قتلك نزارًا محضًا شربته؛ إلا أنه وإن كان هذا معناه فإن إعرابه على غيره وسواه, ألا ترى أنك إن حملته على هذا جعلت "نزارًا" في صلة المصدر الذي هو "القتل", وقد فصلت بينهما بالمفعول الثاني الذي هو "محضًا"، وأنت لا تقول: حسبت ضربك جميلًا زيدًا, وأنت تقدره على: حسبت ضربك زيدًا جميلًا, لما فيه من الفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي. فلا بُدَّ إذًا من أن تضمر لنزار ناصبًا يتناوله يدل عليه قوله: "القتل" أي: قتلت نزارًا. وإذا جاز أن يقوم الحال مقام اللفظ بالفعل كان اللفظ بأن يقوم مقام اللفظ أولى وأجدر.
وذاكرت المتنبيء شاعرنا نحوًا من هذا, وطالبته به في شيء من شعره فقال: لا أدري ما هو إلّا أن الشاعر قد٢ قال:
لسنا كمن حلت٣ إيادٍ دارها
البيت٤. فعجبت من ذكائه وحضوره مع قوة المطالبة له٥ حتى أورد ما هو في معنى البيت الذي تعقبته٦ عليه من شعره, واستكثرت ذلك منه. والبيت قوله:
وفاؤكما كالربع ِأشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه٧
وذكرنا ذلك لاتصاله بما نحن عليه, فإن الأمر يذكر للأمر.
стр. 821
وأنشدنا أبو علي للكميت:
كذلك تلك وكالناظرات ... صواحبها ما يرى المسحل١
أي: وكالناظرات ما يرى المسحل صواحبها. فإن حملته على هذا ركّبت قبح الفصل, فلا بُدَّ إذًا أن يكون "ما يرى المسحل" محمولًا على مضمر يدل عليه قوله "الناظرات", أي: نظرن ما يرى المسحل.
وهذا الفصل الذي نحن عليه ضرب من الحمل٢ على المعنى, إلا أنا٣ أوصلناه بما تقدمه لما فيه من التقديم والتأخير في ظاهره, وسنفرد للحمل على المعنى فصلًا بإذن الله٤.
وأنشدوا:
كأنَّ برذون أبا عصام ... زيدٍ حمار دق باللجام٥
أي: كأن برذون زيديا أبا عصام حمار دقّ باللجام. والفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف وحرف الجر قبيح٦ كثير؛ لكنه من ضرورة الشاعر, فمن ذلك قول٧ ذي الرمة:
كأنَّ أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج٨
стр. 822
"أي: كأن أصوات أواخر الميس من إيغالهن بنا أصوات الفراريج"١.
وقوله ٢:
كما خُطَّ الكتاب بكفِّ يومًا ... يهودي يقارب أو يزيل
"أي: بكف يهودي"٣.
وقوله:
هما أخوا في الحرب من لا أخاله ... إذا خاف يومًا نبوة فدعاهما٤
أي: هما أخوا مَنْ لا أخا له في الحرب, فعلق الظرف٥ بما في "أخوا" من معنى الفعل؛ لأن معناه: هما ينصرانه ويعاونانه.
وقوله ٦:
هما خطتا إما إسارٍ ومنةٍ ... وإما دمٍ والقتل بالحرّ أجدر
ففصل٧ بين "خُطَّتا" و"إسارٍ" بقوله "إما"، ونظيره٨ هو غلام, إمّا زيد وإما عمرو. وقد ذكرت هذا البيت في جملة كتابي "في تفسير أبيات الحماسة"، وشرحت حال الرفع في إسار ومنة.
стр. 823
ومن ذلك قوله:
فزججتها بمزَجَّة ... زجَّ القلوص أبي مزاده١
أي: زج أبي مزادة القلوص, ففصل بينهما بالمفعول به. هذا مع قدرته على أن يقول: زج القلوص أبو مزادة, كقولك: سرَّني أكل الخبز زيد, وفي هذا البيت عندي دليل على قوة إضافة المصدر إلى الفاعل عندهم, وأنه في نفوسهم أقوى من إضافته إلى المفعول, ألا تراه ارتكب ههنا الضرورة مع تمكنه من ترك ارتكابها لا لشيء غير الرغبة في إضافة المصدر إلى الفاعل دون المفعول.
فأما قوله٢:
يطفن بحوزي المراتع لم يُرَعْ ... بواديه من قرع القسيّ الكنائن
فلم نجد فيه بدًّا من الفصل؛ لأن القوافي مجرورة. ومن ذلك قراءة "ابن عامر"٣:
стр. 824
﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ ١ وهذا في النثر وحال السعة صعب٢ جدًّا٣، ولا سيما والمفصول به مفعول لا ظرف.
ومنه بيت الأعشى:
إلا بداهة أو علا ... لة قارح نهد الجزاره٤
ومذهب٥ سيبويه فيه الفصل بين "بداهة" و"قارح"؛ وهذا أمثل عندنا من مذهب غيره فيه؛ لما قدمنا٦ في غير هذا الموضع. وحكى الفراء عنهم: برئت إليك من خمسة وعشري النخاسين, وحكى أيضًا: قطع الله الغداة يد ورجل من قاله, ومنه قولهم: هو خير وأفضل من ثَمْ, وقوله ٧:
يا من رأى عارضًا أرقت له ... بين ذراعي وجبهة الأسد
فإن قيل: لو كان الآخر مجرورًا بالأول لكنت بين أمرين.
стр. 825
أما أن تقول: إلا "علالة أو بداهته"١ قارحٍ, وبرئت إليك من خمسة وعشريهم النخّاسين, وقطع الله يد ورجله من قاله, ومررت بخير وأفضله مَنْ ثَمَّ, وبين ذراعي وجبهته الأسدِ؛ لأنك إنما تعمل الأول، فجرى ذلك٢ مجرى: ضربت فأوجعته زيدًا, إذا أعملت الأول.
وإما أن تقدّر حذف المجرور من الثاني وهو مضمَر ومجرور كما ترى, والمضمر إذا كان مجرورًا قبح حذفه؛ لأنه يضعف أن ينفصل فيقوم برأسه.
فإذا لم تخل٣ عند جرِّك الآخر بالأول من واحد من هذين, وكل واحد منهما متروك, وجب أن يكون المجرور إنما انجرَّ بالمضاف الثاني الذي وليه, لا بالأول الذي بَعُد عنه.
قيل: أما تركهم إظهار الضمير في الثاني, وأن يقولوا: بين ذراعي وجبهته الأسد ونحو ذلك, فإنهم لو فعلوه٤ لبقي المجرور لفظًا لا جارّ له في اللفظ يجاوره, لكنهم لما قالوا: بين ذراعي وجبهة الأسد صار كأنَّ "الأسد" في اللفظ مجرور بنفس "الجبهة", وإن كان في٥ الحقيقة مجرورًا بنفس الذراعين. وكأنهم٦ في ذلك إنما أرادوا إصلاح اللفظ. وأما قبح حذف الضمير مجرورًا لضعفه عن الانفصال, فساقط عنا أيضًا, وذلك أنه إنما يقبح٧ فصل الضمير المجرور متى خرج إلى اللفظ نحو: مررت بزيدوك, ونزلت على زيدوه لضعفه٨ أن يفارق ما جره. فأما إذا لم يظهر إلى اللفظ
стр. 826
وكان إنما هو مقدر في النفس غير مستكره عليه اللفظ فإنه لا يقبح, ألا ترى أن هنا أشياء مقدرة لو ظهرت إلى اللفظ قبحت, ولأنها غير خارجة إليه١ ما حسنت. من ذلك قولهم: اختصم زيد وعمرو, ألا ترى أن العامل في المعطوف غير العامل في المعطوف عليه, فلا بُدَّ إذًا من تقديره على: اختصم زيد واختصم عمرو, وأنت لو قلت ذلك لم يجز؛ لأن اختصم ونحوه من الأفعال -مثل اقتتل واستب واصطرع- لا يكون فاعله أقلّ من اثنين, وكذلك قولهم: رُبَّ٢ رجل وأخيه, ولو قلت: ورب أخيه لم يجز, وإن كانت رُبَّ مرادة هناك ومقدرة.
فقد علمت بهذا وغيره أن ما تقدّره٣ وهمًا ليس كما تلفظ٣ به لفظًا. فلهذا يسقط عندنا إلزام سيبويه هذه الزيادة.
والفصل بين المضاف والمضاف إليه كثير, وفيما أوردناه منه كافٍ بإذن الله. وقد جاء الطائي الكبير بالتقديم والتأخير فقال:
وإن الغنى لي لو لحظت مطالبي ... من الشعر إلّا في مديحك أطوع٤
وتقديره: وإن الغنى لي لو لحظت مطالبي أطوع من الشعر إلّا في مديحك, أي: فإنه يطيعني في مدحك ويسارع إلي. وهذا كقوله أيضًا معنًى لا لفظًا:
تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل٥
وكقول الآخر:
ولقد أردت نظامها فتواردت ... فيها القوافي جحفلًا عن حجفل
стр. 827
وذهب أبو الحسن في قول الله سبحانه: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ ١ إلى أنه أراد: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ من الجنة والناس ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ ٢.
ومنه قول الله -عز اسمه: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ ٣ أي: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم, وقيل في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ٤ إن تقديره: والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة ثم يعودون "لما قالوا"٥. ونحو من هذا اقدمنا ذكره من الاعتراض في نحو قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ٦ تقديره -والله أعلم- فلا أقسم بمواقع النجوم إنه لقرآن كريم, وإنه لقسم عظيم لو تعلمون.
وقد شبّه الجازم بالجار ففصل بينهما, كما فصل بين الجار والمجرور, وأنشدنا٧ لذي الرمة:
فأضحت مغانيها قفارًا رسومها ... كأن لم سوى أهل من الوحش تؤهل٨
стр. 828
وجاء هذا١ في ناصب٢ الفعل. أخبرنا محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى بقول الشاعر:
لما رايت أبا يزيد مقاتلًا ... أدع القتال٣. . . . .
أي: لن أدع القتال ما رأيت أبا يزيد مقاتلًا, كما أراد في الأول: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش. وكأنه شبَّه لن بأنَّ, فكما جاز الفصل بين أنَّ واسمها بالظرف في نحو قولك: بلغني٤ أن في الدار زيدًا, كذلك شبَّه "لن" مع الضرورة بها ففصل بينها وبين منصوبها بالظرف الذي هو "ما رأيت أبا يزيد" أي: مدة رؤيتي.
فصل في الحَمْل على المعنى:
اعلم أن هذا الشَرْج٥ غور من العربية بعيد, ومذهب نازح فسيح. قد ورد به القرآن وفصيح الكلام منثورًا ومنظومًا؛ كتأنيث المذكر, وتذكير المؤنيث, وتصوير معنى الواحد في الجماعة, والجماعة في الواحد, وفي حمل الثاني على لفظ قد يكون عليه الأول أصلًا كان ذلك اللفظ أو فرعًا, وغير ذلك مما تراه بإذن الله.
فمن تذكير المؤنث قوله ٦:
فلا مزنة ودقَّت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها
стр. 829
ذهب بالأرض إلى الموضع والمكان, ومنه قول الله : ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ ١ أي: هذا الشخص أو هذا المرئي ونحوه, وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ ٢ لأن الموعظة والوعظ واحد, وقالوا في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣ إنه أراد بالرحمة هنا المطر, ويجوز أن يكون التذكير هنا "إنما هو"٤ لأجل فَعِيل على قوله ٥:
بأعينٍ أعداءٍ وهن صديق
وقوله ٦:
. . . ولا عفراء منك قريب
وعليه قول الحطيئة:
ثلاثة أنفس وثلاث ذَوْد ... لقد جار الزمان على عيالي٧
ذهب بالنفس إلى الإنسان فذكَّر.
стр. 830
وأما بيت الحكمى ١:
ككمون النار في حجره
فيكون على هذا؛ لأنه ذهب إلى النور والضياء, ويجوز أن تكون الهاء عائدة على الكمون, أي: في حجر الكمون, والأول أسبق في الصنعة إلى النفس, وقال الهذلي ١:
بعيد الغزاة فما إن يزا ... ل مضطمرًا طرَّتاه طليحا
ذهب بالطرتين إلى الشعر, ويجوز أن يكون "طرتاه" بدلًا من الضمير إذا جعلته في مضطمر٣؛ كقول الله سبحانه: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ ٤ إذا جعلت في "مفتحة" ضميرًا، وجعلت "الأبواب" بدلًا من ذلك الضمير, ولم يكن تقديره: الأبواب منها, على أن نخلي "مفتحة" من الضمير٥. نعم, وإذا كان في "مفتحة"
стр. 831
ضمير "والأبواب" بدل منه, فلا بُدَّ أيضًا من أن يكون تقديره١ "مفتحة لهم"٢ الأبواب منها. وليس "منها" وفي "مفتَّحة" ضمير مثلها إذا أخليتها من ضمير. وذلك أنها إذا خلت "مفتحة" من ضمير فالضمير في "منها" عائد الحال٣ إذا كانت مشتقة, كقولك: مررت بزيد واقفًا الغلام معه, وإذا كان في "مفتحة" ضمير فإن الضمير في "منها" هو الضمير الذي يرد به المبدل عائدًا على المبدل منه, كقولك: ضربت زيدًا رأسه, أو الرأس منه, وكلمت قومك نصفهم٤ أو النصف منهم, وضرب زيد الظهر والبطن, أي: الظهر منه والبطن منه. فاعرف ذلك فرقًا بين الموضعين.
ومن تذكير المؤنّت قوله:
إن امرأ غرَّه منكنَّ واحدةٌ ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور٥
لما فصل بين الفعل وفاعله حذف علامة التأنيث, وإن كان تأنيثه حقيقيًّا. وعليه قولهم: حضر القاضي امرأة, وقوله ٦:
لقد ولد الأخيطل أم سوء ... على باب استها صلب وشام
وأما قول جران العود ٧:
ألا لا يغرّن امرؤ نوفلية ... على الرأس بعدي أو ترائب وضّح
стр. 832
فليست النوفليّة هنا امرأة, وإنما هي مشطة١ تعرف بالنوفلية؛ فتذكير الفعل معها٢ أحسن.
وتذكير المؤنث واسع جدًّا؛ لأنه ردّ فرع إلى أصل. لكن تأنيث المذكر أذهب في التناكر والإغراب. وسنذكره.
وأما تأنيث المذكّر فكقراءة من قرأ٣ ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ ٤ وكقولهم: ما جاءت حاجتك, وكقولهم: ذهبت بعض أصابعه, أنَّث ذلك لما كان بعض السيارة سيارة في المعنى, وبعض الأصابع إصبعًا, ولما كانت "ما " هي الحاجة في المعنى, وأنشدوا:
أتهجر بيتًا بالحجاز تلفَّعت ... به الخوف والأعداء من كل جانب٥
ذهب بالخوف إلى المخافة, وقال لبيد:
فمضى وقدمها وكانت عادة ... منه إذا هي عرَّدت إقدامها
إن شئت قلت: أنَّثَ الإقدام لما كان في معنى التقدمة, وإن شئت قلت: ذهب
стр. 833
إلى تأنيث العادة، كما ذهب إلى تأنيث الحاجة في قوله ١: " ما جاءت حاجتك"٢ وقال ٣:
يأيها الراكب المزجي مطيته ... سائل بني أسد ما هذه الصوت
ذهب إلى تأنيث الاستغاثة. وحكى٤ الأصمعي عن أبي عمرو أنه سمع رجلًا من أهل اليمن يقول: فلان لغوب جاءته, جاءته كتابي فاحتقرها! فقلت له: أتقول: جاءته كتابي! فقال: نعم, أليس بصحيفة! قلت: فما اللغوب, قال: الأحمق. وهذا في النثر كما ترى, وقد علله.
وهذا مما قد٥ ذكرناه "فيما مضى من"٦ كتابنا هذا غير أنا أعدناه لقوته في معناه, وقال٧:
لو كان في قلبي كقدر قلامةٍ ... حبًّا لغيرك قد أتاها أرسلي
كَسَّر رسولًا وهو مذكر على أَرْسُل, وهو من تكسير المؤنث؛ كأتان وآتُن, وعناق وأعنق, وعُقاب وأعُقب, لما كان الرسول هنا إنما يراد به المرأة؛ لأنها في غالب
стр. 834
الأمر مما يستخدم في هذا الباب, وكذلك ما جاء عنهم من جناح واجنح. قالوا: ذهب "في التأنيث"١ إلى الريشة.
وعليه قول٢ عمر ٣:
فكان مجنيّ دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كأعبان ومعصر
أنث الشخص؛ لأنه أراد به المرأة. وقال الآخر ٤:
فإن كلابًا هذه عشرُ أبطُن ... وأنت بريء من قبائلها العَشْر
ذهب بالبطن إلى القبيلة، وأبان ذلك بقوله: من قبائلها.
وأما قوله ٥:
كما شرقت صدر القناة من الدم
فإن شئت قلت: أنث لأنه أراد القناة, وإن شئت قلت: إن صدر القناة قناة. وعليه قوله ٦:
مشين كما اهتزت رماحٌ تسفَّهت ... أعاليها مرُّ الرياح النواسم
стр. 835
وقول الآخر ١:
لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع
وقوله٢:
طول الليالي أسرعت في نقضي
وقوله:
على قبضة موجوءة ظهر كفه٣
وقول الآخر ٤:
قد صرح السير عن كتمان وابتذلت ... وقع المحاجن بالمهريّة الذقن
وأما قول بعضهم: صرعتني بعير لي, فليس عن ضرورة؛ لأن٥ البعير يقع على الجمل والناقة, وقال:
لا تشربا لبن البعير وعندنا ... عرق الزجاجة واكف المعصار
стр. 836
عز اسمه: "وَمَنْ تَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ"١ لأنه أراد: امرأة.
ومن باب الواحد والجماعة قولهم: هو أحسن الفتيان وأجمله, أفرد الضمير؛ لأن هذا موضع يكثر فيه الواحد كقولك ٢: هو أحسن فتى في الناس؛ قال ذو الرمة:
وميَّة أحسن الثقلين وجهًا ... وسالفة وأحسنه قذالًا٣
فأفرد الضمير مع قدرته على جمعه, وهذا يدلك على قوة اعتقادهم أحوال المواضع٤, وكيف ما يقع فيها, ألا ترى أن الموضع موضع جمع, وقد تقدَّم في الأول لفظ الجمع فتُرِكَ اللفظ وموجب الموضع إلى الإفراد؛ لأنه يؤلف في هذا المكان.
وقال سبحانه: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ ٥ فحمل على المعنى وقال: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٦ فأفرد على لفظ من, ثم جمع من بعد، وقال عبيد ٧:
فالقطبيات فالذنوب
стр. 837
وإنما القُطبيّة ماء واحد١ معروف. وقال الفرزدق:
فيا ليت داري بالمدينة أصبحت ... بأجفار فلج أو بسيف الكواظم٢
يريد الجفر وكاظمة. وقال جرير:
بان الخليط برامتين فودعوا ... أو كلما ظعنوا لبين تجزع
وإنما رامة أرض واحدة معروفة.
واعلم أن العرب إذا حملت على المعنى لم تكد٤ تراجع اللفظ؛ كقولك: شكرت من أحسنوا إلي على فعله "ولو قلت: شكرت من أحسن إلي على فعلهم, جاز"٥. فلهذا ضعف عندنا أن يكون "هما" من "مصطلاهما" في قوله ٦:
كميتًا الأعالي جونتا مصطلاهما٧
стр. 838
عائدًا على الأعالي في المعنى؛ إذ كانا أعليين اثنين١، لأنه موضع قد ترك فيه لفظ التثنية حملًا على المعنى؛ لأنه جعل كل جهة منهما٢ أعلى؛ كقولهم: شابت مفارقه, وهذا بعير ذو عثانين٣, ونحو ذلك, أو لأن الأعليين شيئان من شيئين. فإذا كان قد انصرف عن اللفظ إلى غيره ضعفت معاودته إياه؛ لأنه انتكاث وتراجع, فجرى ذلك مجرى إدغام الملحق وتوكيد ما حذف. على أنه قد جاء منه شيء؛ قال:
رءوس كبيريهنّ ينتطحان٤
وأما قوله ٥:
كلاهما حين جدَّ الحرب بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي
فليس من هذا الباب، وإن كان قد عاد من بعد التثنية إلى الإفراد. وذلك أنه لم يقل: كلاهما قد أقلعا وأنفه راب, فيكون ما أنكرناه, لكنه قد أعاد "كلا" أخرى غير الأولى, فعاملها على لفظها. ولم يقبح ذلك؛ لأنه قد فرغ من حديث٦ الأولى, ثم استأنف من بعدها أخرى, ولم يجعل الضميرين عائدين إلى كلا واحدة. وهذا كقولك: من يقومون أكرمهم, ومن يقعد أضربه. فتأتي ب"من" الثانية فتعاملها على ما تختار مما يجوز مثله. وهذا واضح فاعرفه. ولا يحسن "ومنهم من يستمعون إليك حتى إذا خرج٧ من عندك" لما ذكرنا.
стр. 839
وأما قول الفرزدق:
وإذا ذكرت أباك أو أيامه ... أخزاك حيث تُقَبَّل الأحجار١
-يريد الحجر- فإنه جعل كل ناحية حجرًا, ألا ترى أنك لو مسست كل ناحية منه لجاز أن تقول: مسست الحجر. وعليه شابت مفارقه, وهو كثير العثانين. وهذا عندي هو سبب إيقاع لفظ الجماعة على معنى الواحد.
وأما٢ قوله ٣:
فقلنا أسلموا إنّا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور
فيجوز أن يكون جمع أخ قد٤ حذفت نونه للإضافة, ويجوز أن يكون واحدًا وقع موقع الجماعة كقوله ٥:
ترى جوانبها بالشحم مفتوقا
وقد توضع من للتثنية؛ وذلك قليل؛ قال ٦:
نكن مثل مًنْ يا ذئبُ يصطحبان
стр. 840
وأنشدوا:
أخو الذئب يعوي والغراب ومن يكن ... شريكيه تطمع نفسه كل مطمع١
أودع ضمير "من" في "يكن" على لفظ الإفراد وهو اسمها, وجاء ب"شريكيه" خبرًا ل"يكن" على معنى التثنية, فكأنه قال: و"أي اثنين"٢ كانا شريكيه طمعت أنفسهما كل مطمع. على هذا اللفظ أنشدناه أبو علي, وحكى المذهب فيه عن الكسائي أعني: عود التثنية على لفظ "من"؛ إلا أنه عاود لفظ الواحد بعد أن حمل على معنى التثنية بقوله: تطمع نفسه "ولم يقل: تطمع أنفسهما"٣. ولو ذهب فيه ذاهب إلى أنه من المقلوب لم أر به بأسًا, حتى كأنه قال: ومن يكن شريكهما تطمع نفسه كل مطمع. وحسن ذلك شيئًا العلم بأنه إذا كان شريكهما كانا أيضًا شريكيه, فشجع بهذا القدر على ما ركبه من القلب. فاعرف ذلك.
والحمل على المعنى واسع في هذه اللغة جدًّا, ومنه قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ ٤ ثم قال: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ ٥ قيل فيه: إنه محمول على المعنى, حتى كأنه قال: أرأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه, أو كالذي مَرَّ على قرية، فجاء بالثاني على أن الأول قد سبق كذلك. ومنه إنشادهم بيت امرئ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وألّا يحسن اللهو أمثالي٦
стр. 841
بنصب١ "يحسن", والظاهر أن يرفع؛ لأنه معطوف على أن الثقيلة, إلا أنه نصب أن هذا موضع قد كان يجوز "أن تكون"٢ فيه أن الخفيفة٣ حتى كأنه قال: ألا زعمت بسباسة أن يكبر فلان؛ كقوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٤ بالنصب.
ومن ذلك قوله ٥:
بدا لي أني لستُ مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئًا إذا كان جائيا
لأن هذا موضع يحسن فيه لست بمدرك ما مضى.
ومنه قوله سبحانه: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ ٦ وقوله:
فأبلوني بليتكم لعلِّي ... أصالحكم وأستدرج نويّا٧
حتى كأنه قال: أصالحكم وأستدرج نوايا٨.
ومن ذلك قول الآخر:
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح٩
لأنه لما قال: ليبك يزيد, فكأنه قال: ليبكه ضارع لخصومة. وعلى هذا تقول: أكل الخبز زيد, وركب الفرس محمد, فترفع زيدًا ومحمدًا بفعل ثانٍ يدل١٠ عليه الأول وقوله ١١:
стр. 842
إذا تغنَّى الحمام الورق هيجني ... ولو تعزيت عنها أم عمَّار١
لأنه لما قال: هيجني دلَّ على ذَكَّرني, فنصبها به. " فاكتفى بالمسبب الذي هو التهييج من السبب الذي هو التذكير"٢ ونحوه قول الآخر:
أسقى الإله عدوات الوادي ... وجوزه كل ملثٍّ غاد
كل أجشٍّ حالك السواد٣
لأنه إذا أسقاها الله كل ملثٍّ فقد سقاها ذلك الأجشُّ.
وكذلك قول الآخر ٤:
تواهق رجلاها يداها ورأسه ... لها قَتَبٌ خلف الحقيبة رادف
أراد: تواهق رجلاها يديها, فحذف المفعول وقد عُلِمَ أن المواهقة لا تكون من٥ الرجلين دون اليدين, وأن اليدين مواهقتان كما أنهما مواهقتان. فأضمر لليدين فعلًا دلَّ عليه الأول, فكأنه قال: تواهق يداها رجليها, ثم حذف المفعول في هذا كما حذفه٦ في الأول
стр. 843
فصار على ما ترى: تواهق رجلاها يداها. فعلى هذه الصنعة١ التي وصفت لك تقول: ضارب "زيد عمرو"٢ على أن ترفع عمرًا بفعل غير هذا الظاهر, ولا يجوز أن يرتفعا٣ جميعًا بهذا الظاهر , فأمَّا قولهم: اختصم زيد وعمرو ففيه نظر. وهو أن عمرًا مرفوع بفعل آخر غير هذا الظاهر على حدِّ قولنا في المعطوف: إن العامل فيه غير العامل في المعطوف عليه, فكأنه قال: اختصم زيد واختصم عمرو, وأنت مع هذا لو نطقت بهذا الذي تقدِّره لم يصلح الكلام معه؛ لأن الاختصام لا يكون من أقل من اثنين. وعلة جوازه أنه لمَّا٤ لم يظهر الفعل الثاني المقدَّر إلى اللفظ لم يجب تقديره وإعماله, كأشياء تكون في التقدير فتحسن, فإذا أنت أبرزتها إلى اللفظ قبحت, وقد ذكرنا ذلك فيما مضى.
ومن ذلك قول الآخر ٦:
فكرّت تبتغيه فوافقته ... على دمه ومصرعه السباعا
وذلك أنه إذا وافقته والسباع معه, فقد دخلت السباع في الموافقة, فكأنه قال فيما بعد: وافقت السباع. وهو عندنا على حذف المضاف, أي: وافقت آثار السباع. قال أبو علي: لأنها لو وافقت٧ السباع هناك لأكلتها معه. ف"على" الآن هذه الظرف٨
стр. 844
منصوبة١ بالفعل المحذوف الذي نصب السباع في التقدير, ولو رفعت السباع لكانت "على" هذه مرفوعة الموضع لكونها خبرًا عن السباع مقدَّمًا, وكانت تكون متعلقة بالمحذوف؛ كقولنا في قولهم: في الدار زيد. " وعلى هذا"٢ قال٣ الآخر ٤:
تذكرت أرضًا بها أهلها ... أخوالها فيها وأعمامها
لك فيها وجهان: إن شئت قلت: إنه أضمر فعلًا للأخوال والأعمام على ما تقدَّم, فنصبهما به, كأنه قال فيما بعد: تذكرت أخوالها فيها وأعمامها, ودلّ على هذا الفعل المقدَّر قوله: تذكرت أرضًا بها أهلها؛ لأنه إذا تذكَّر هذه الأرض فقد علم أن التذكر قد أحاط بالأخوال والأعمام؛ لأنهم فيها على ما مضى من الأبيات. وإن شئت جعلت أخوالها وأعمامها بدلًا من الأرض بدل الاشتمال, على قول الله سبحانه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ ٥.
فإن قلت: فإن البدل العامل عندك فيه هو غير العامل في المبدل منه, وإذا كان الأمر كذلك فقد آل الحديث إلى موضع واحد وهو إضمار الفعل, فلم قسمت الأمر فيهما إلى موضعين؟
قيل: الفرق قائم. ووجهه أن اتصال المبدل٦ منه أشد من اتصال ما حمل على المعنى بما قبله, وإنما يأتي بعد استقرار الكلام الأوّل ورسوخه،
стр. 845
وليس كذلك البدل؛ لأنه وإن كان العامل فيه غير الأول عندنا فإنه مع ذلك مشابه للصفة وجارٍ مجراها.
نعم وقد خالف فيه أقوام, فذهبوا إلى أن العامل في الثاني هو العامل في الأول. وحدثنا أبو علي أن الزيادي١ سأل أبا الحسن عن قولهم: مررت برجل قائمٌ زيدٌ أبوه, أأبوه بدل أم صفة؟ قال: فقال أبو الحسن: لا أبالي بأيهما أجبتُ. أفلا ترى إلى تداخل الوصف والبدل, وهذا يدل على ضعف العامل المقدر مع البدل. وسألت أبا علي ﵀ عن مسألة٢ الكتاب: رأيتك إياك قائمًا الحال لمن هي؟ فقال: ل"إياك", قلت: فالعامل فيها ما هو؟ قال: "رأيت" هذه الظاهرة, قلت: أفلا تعلم أن "إياك" معمول فعل آخر غير الأول, وهذا يقود٣ إلى أن الناصب للحال هو الناصب لصاحبها, أعني: الفعل المقدَّر؟ فقال: لما لم يظهر ذلك العامل ضعف حكمه, وصارت المعاملة مع هذا الظاهر. فهذا يدلك على ضعف العامل في البدل واضطراب حاله, وليس كذلك العامل إذا دلَّ عليه غيره نحو قوله:
تواهق رجلاها يداها. . .
وقوله:
ولو تعزّيت عنها أم عمار
ونحو ذلك؛ لأن هذا فعل مثبت, وليس محل ما يعمل فيه المعنى محل البدل, فلما اختلف هذان الوجهان من هذين الموضعين اعتددناهما قسمين اثنين.