مردودا فتحصل من هذا أن الشاذ المردود قسمان١:
١- الحديث الفرد الذي خالف فيه رواية من هو أولى منه بالحفظ والضبط.
٢- الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرا لما يوجبه التفرد من النكارة والضعف.
"تعريف الحافظ ابن حجر": قال: الشاذ ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات كفقه الراوي وعلو سنده قال الحافظ: وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح، والمراد بالمقبول أعم من أن يكون ثقة أو صدوقا.
"مثاله في السند": ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس "أن رجلا توفي على عهد رسول الله ﷺ ولم يدع وارثا إلا مولى هو أعتقه فقال ﷺ : "هل له أحد؟ " قالوا: لا، إلا غلام كان أعتقه فجعل رسول الله ﷺ ميراثه له", وتابع ابن عيينة على وصله إلى ابن عباس ابن جريج وغيره، وخالفهم حماد بن زياد فرواه مرسلا عن عمرو بن دينار عن عوسجة ولم يذكر ابن عباس.
قال أبو حاتم: المحفوظ حديث ابن عيينة فحماد بن زيد من أهل
стр. 352
العدالة والضبط ومع ذلك رجح أبو حاتم رواية من هم أكثر عددا منه فرواية حماد شاذة.
"مثاله في المتن": ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا "إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع عن يمينه", قال البيهقي: خالف عبد الواحد العدد الكثير في هذا فإن الناس إنما رووه عن فعل النبي ﷺ لا من قوله، وانفرد عبد الواحد من بين الثقات عن الأعمش بهذا اللفظ.
стр. 353
" المحفوظ ":
ويقابل الشاذ المحفوظ, وهو ما رواه الراجح من الرواة مخالفا للمرجوح, وذلك مثل رواية سفيان بن عيينة السابقة, فهي المحفوظة.
стр. 354
" المنكر ":
عرفه الحافظ أبو بكر البرديجي١ فقال: هو الحديث الذي لا يعرف متنه عن غير راويه وكذا أطلقه كثيرون من أهل الحديث.
وقال ابن الصلاح: إن المنكر والشاذ بمعنى واحد, وإنه ينقسم إلى قسمين على ما ذكر في الشاذ.
١- الفرد المخالف لما رواه الثقات.
٢- الفرد الذي ليس في رواته من الثقة الإتقان ما يحتمل معه تفرده.
ومثل للأول بمثال ناقشه فيه العراقي ولم يسلم له، ومثل للثاني بمثال سلم له٢.
وقال الحافظ ابن حجر: المنكر، ما رواه الضعيف مخالفا لمن هو أولى منه, ومثاله ما رواه ابن أبي حاتم عن حُبَيِّب "بضم الحاء المهملة
стр. 355
وفتح الموحدة وتشديد التحتية المشددة" بن حبيب "بوزن كريم", وهو أخو حمزة الزيات الإمام المقرئ عن أبي إسحاق السَّبِيعي "بفتح السين وكسر الباء" عن العَيْزار "بفتح العين وسكون الياء" عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج وصام وقرى الضيف دخل الجنة", قال أبو حاتم: هو منكر يعني بسبب إسناده, وإن كان معناه صحيحا؛ لأن غير حبيب من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا على ابن عباس, وهو المعروف.
وقد فرق الحافظ ابن حجر بين الشاذ والمنكر, فقال بعد أن ذكر تعريفهما: "وعرف بهذا أن بين الشاذ والمنكر عموما وخصوصا من وجه١؛ لأن بينهما اجتماعا في اشتراط المخالفة, وافتراقًا في أن الشاذ رواية ثقة أو صدوق, والمنكر رواية ضعيف, وقد غفل من سوى بينهما٢ ومراده ابن الصلاح.
"تعريف آخر للمنكر": ويطلق المنكر ويراد به أيضا ما رواه الراوي الذي فحش غلطه أو كثرت غفلته أو ظهر فسقه, وهذا على رأي من لم يشترط المخالفة في المنكر٣, ويقرب من هذا ما ذكره ابن الصلاح في النوع الثاني للشاذ والمنكر, أي ما انفرد به راويه الذي ليس بعدل ولا ضابط, ومثله لا يقبل تفرده.
стр. 356
" المعروف ":
وهو يقابل المنكر عند الحافظ ابن حجر, وعلى هذا فيعرف بأنه: ما رواه الراجح مخالفا للضعيف, "ومثاله" حديث: "من أقام الصلاة ... ". فالمعروف وقفه على ابن عباس أما رفعه فمنكر, والمحفوظ والمعروف من الأنواع التي أهملها العلامة ابن الصلاح واستدركها الحافظ ابن حجر "فائدة" قول بعض العلماء: أنكر ما رواه فلان لا يدل على أن الحديث منكر ضعيف؛ لأن النكارة هنا نسبية فمن ذلك ما قاله ابن عدي: أنكر ما روى يزيد بن عبد الله بن أبي بردة: "إذا أراد الله بأمة خيرا قيض بنيها قبلها". قال: وهذا طريق حسن رواته ثقات، وقد أدخله قوم في صحاحهم, والحديث في صحيح مسلم، وقال الذهبي: أنكر ما للوليد بن مسلم من الأحاديث: حديث حفظ القرآن, وهو عند الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم على شرط الشيخين.
стр. 357
" المتروك ":
المتروك لغة: المرتحل عنه والمفارق رغبة عنه ففي المصباح المنير: "تركت المنزل تركا رحلت عنه, وتركت الرجل فارقته".
وفي اصطلاح المحدثين: هو الحديث الذي لا يروى إلا من جهة المتهم بالكذب, ولا يعرف ذلك الحديث إلا من جهته, ويكون مخالفا للقواعد المعلومة من الشريعة أو رواه من عرف بالكذب في كلامه, وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي. قال السيوطي في التدريب: وهو نوع مستقل ذكره شيخ الإسلام كحديث صدقة الدقيقي عن فرقد عن مرة عن أبي بكر، وحديث عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن الحارث عن عليّ١.
стр. 358
" المُعَلُّ" لا "المعلول" ولا "المُعَلَّل ":
تحقيق التسمية لغة: قال ابن الصلاح: ويسميه أهل الحديث: المعلول وذلك منهم, ومن الفقهاء -في قولهم في باب القياس: العلة والمعلول-مرذول عند أهل العربية واللغة، وتبعه الشيخ محيي الدين النووي فقال: إنه الحق؛ وذلك لأن معلول اسم مفعول من عله بمعنى: سقاه ثانيًا لا بمعنى: المعنى المقصود, وهو العلة ضد الصحة.
وقد تُعُقِّب ما ذكراه بأنه قد حكاه جماعة من أهل اللغة منهم: قطرب والجوهري في الصحاح والمطرزي في المغرب, وأنه يقال: عُلَّ فلان إذا أصابته علة، وما دام له وجه في العربية، وغلب استعماله في عبارات أهل الفن, فليكن أولى في الاستعمال, وقد أجاب عن ابن الصلاح الحافظ العراقي فقال: لا شك أنه ضعيف, وإن حكاه بعض من صنف في الأفعال كابن القوطية، وقد أنكره غير واحد من أهل اللغة كابن سيده والحريري وغيرهما, وبعد أن ساق كلامهم قال: والأحسن أن يقال: مُعَل بلام واحدة لا معلل, فإن الذي بلامين يستعمله أهل اللغة بمعنى ألهاه بالشيء من تعليل الصبي بالطعام, وأما بلام واحدة, فهو الأكثر في كلام أهل اللغة وفي عبارة أهل الحديث؛ لأن أكثر عبارات أهل الحديث في الفعل أن يقولوا: أعله فلان بكذا، والمفعول منه معل، وتقدم قول صاحب المحكم -هو ابن سيده- أن المعروف إنما هو أعله الله فهو معل، وقال الجوهري: لا أعلك الله أي لا أصابك بعلة١, وعلى هذا اخترت أن يكون العنوان: "المعل" لا "المعلول" ولا "المعلل". العلة في اللغة: "المرض الشامل والجمع علل ... واعتل إذا مرض ... وأعله جعله ذا علة" المصباح المنير, وفي القاموس المحيط: "العل والعلل محركة الشربة الثانية أو الشرب بعد الشرب تباعًا ... وعلله بطعام وغيره شغله تعليلًا شغله به ... والعلة بالكسر المرض عل يعل واعتل، وأعله الله فهو معل وعليل, ولا تقل: معلول, والمتكلمون يقولونها ولست منها على ثلج". فالعلة في الأصل للأجسام, واستعمالها في المعاني مجاز.
والعلة في اصطلاح العلماء: سبب غامض خفي قادح في الحديث مع
стр. 359
أن الظاهر السلامة منه فالحديث المُعَلُّ، هو الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن الظاهر سلامته منها.
"علم العلل": وهذا الفن من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله فهمًا ثاقبًا, وحفظًا واسعًا، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية بالأسانيد والمتون، وأحمد بن حنبل والبخاري، والدارقطني وأبي حاتم، وأبي زرعة وأمثالهم.
والطريق إلى معرفة العلل جمع طرق الحديث والنظر في اختلاف رواته، وفي ضبطهم وإتقانهم, فيقع في نفس العالم العارف بهذا الشأن أن الحديث معلول، فيغلب على ظنه ذلك, فيحكم بعدم صحته، أو يتردد فيتوقف فيه.
وقد تقصر عبارة المعلل الناقد عن إقامة الحجة على دعواه كالصيرفي الماهر في نقد الدراهم والدنانير, والطبيب الحاذق المتمرس الذي يدرك المرض بمجرد النظر إلى المريض, وقد يعجزان عن إبداء سبب ظاهري. قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي: "معرفة علل الحديث إلهام لو قلت للعالم بعلل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة، وكم من شخص لا يهتدي لذلك", وقيل له أيضا: إنك تقول للشيء هذا صحيح، وهذا لا يثبت، فعمن تقول ذلك؟ قال: أرأيت لو أتيت الناقد, فأريته دراهمك, فقال: هذا جيد وهذا بهرج١، أكنت تسأل عمن ذلك؟ أم تسلم له الأمر؟ قال: بل أسلم له الأمر, قال: فهذا كذلك لطول المجالسة والمناظرة والخبرة، وسئل أبو زرعة: ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ فقال: الحجة أن تسألني عن حديث له علة فأذكر علته، ثم تقصد ابن
стр. 360
وارة١ فتسأله عنه، فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم٢ فيعلله، ثم تميز كلامنا على ذلك الحديث, فإن وجدت بيننا خلافا فاعلم أن كلا منا تكلم على مراده, وإن وجدت الكلمة متفقة, فاعلم حقيقة هذا العلم ففعل الرجل ذلك، فاتفقت كلمتهم فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام٣.
"بم تكون العلة؟ ": والعلة قد تكون بالإرسال في الموصول، أو الوقف في المرفوع أو بدخول حديث في حديث، أو وهم واهم أو غير ذلك.
"العلة تكون في السند والمتن": والعلة قد تكون في سند الحديث, وهو الأكثر, وقد تكون في متنه, وما يقع في الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن معا كما في التعليل بالإرسال في الموصول, والوقف في المرفوع, وقد تقدح في صحة الإسناد خاصة من غير قدح في صحة المتن. مثال ما وقعت العلة في سنده من غير قدح في المتن:
ما رواه الثقة يعلى بن عبيد عن سفيان الثوري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "البيعان بالخيار" الحديث. فهذا الإسناد متصل بنقل العدل عن العدل, وهو معلل والعلة في قوله: عمرو بن دينار، وإنما هو عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان عنه فوهم يعلى بن عبيد, فذكر عمرو بن دينار بدل عبد الله، والمتن على كل حال صحيح؛ لأن كليهما ثقة.
"مثال العلة في المتن": الحديث الذي انفرد مسلم بإخراجه في صحيحه من رواية الوليد بن مسلم بسنده عن أنس بن مالك أنه قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة
стр. 361
ولا في آخرها.
قال ابن الصلاح: فعلل قوم رواية اللفظ المذكور لما رأوا الأكثرين إنما قالوا فيه: فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين من غير تعرض لذكر البسملة، وهو الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيح, ورأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له ففهم من قوله: "كانوا يستفتحون بالحمد لله" أنهم كانوا لا يبسملون، فرواه على ما فهم، وأخطأ؛ لأن معناه أن السورة التي كانوا يستفتحون بها من السور هي الفاتحة وليس فيه تعرض لذكر البسملة, ومما يدل على أن أنسا لم يرد نفي البسملة، وأن الذي زاد ذلك في آخر الحديث روي بالمعنى فأخطأ ما صح عنه أن أبا سلمة سأله: أكان رسول الله ﷺ يستفتح بالحمد لله رب العالمين أو بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: إنك سألتني عن شيء ما حفظته، وما سألني عنه أحد قبلك. وقد أطال الحافظ العراقي والحافظ السيوطي الكلام في تعليل حديث مسلم هذا فمن أراد الاستقصاء فليرجع إلى ما ذكراه١.
"التوسع في إطلاق اسم العلة": قال ابن الصلاح: وقد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف, المانعة من العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل, ولذلك نجد في كتب علل الحديث الكبير من الجرح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ, ونحو ذلك من أنواع الجرح، وسمى الترمذي النسخ علة فإن أراد أنه علة في العمل بالحديث فصحيح أو في صحته فلا؛ لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة, وأطلق أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" العلة على مخالفة لا تقدح في صحة الحديث كإرسال ما وصله الثقة الضابط, حتى قال: من الصحيح صحيح معل كما
стр. 362
قيل منه صحيح شاذ, وهو ممن يرى أن الشذوذ مطلق التفرد كما أسلفنا في بحث الشاذ.
"الكتب المؤلفة في العلل": لقد ألفت في علل الحديث كتب كثيرة من أجلها كتاب العلل لعلي بن المديني, والعلل لعبد الرحمن بن أبي حاتم، وهو مرتب على أبواب الفقه، وكتاب العلل للخلال, والعلل للدارقطني قال ابن كثير: وهو من أجل كتاب بل أجل ما رأيناه وضع في هذا الفن لم يسبق إلى مثله، وقد أعجز من يريد أن يأتي بعده، ولكن يعوزه شيء لا بد منه, وهو أن يرتب على الأبواب ليقرب تناوله على الطلاب. قال السيوطي: وصنف شيخ الإسلام فيه "الزهر المطلول في الخبر المعلول", وقد قسم الحاكم أنواع المعلل إلى عشرة أقسام، وقد أوجزها السيوطي بأمثلتها في "التدريب"١ فمن أراد معرفتها فليرجع إليه.
стр. 363
" المضطرب ":
المضطرب: بكسر الراء اسم فاعل من اضطرب, والاضطراب في اللغة: الاختلاف كما في المصباح المنير.
وفي اصطلاح المحدثين: هو الحديث الذي يختلف الرواة فيه, فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه آخر أو يرويه راوٍ واحد على وجه، ومرة أخرى على وجه آخر من غير إمكان الترجيح.
أما إذا ترجحت إحدى الروايتين أو الروايات بأن يكون راويها أحفظ, أو أكثر صحبة للمروي عنه, أو غير ذلك من وجوه الترجيحات كانت الراجحة صحيحة والمرجوحة شاذة أو منكرة.
"حكم الاضطراب": أنه يوجب ضعف الحديث لإشعاره بأن الراوي لم يضبط، والضبط شرط في الصحيح والحسن، إلا في حالة ذكرها شيخ
стр. 364
الإسلام ابن حجر, وهي أن يقع الاختلاف في اسم راوٍ, أو اسم أبيه, أو نسبته مثلا, ويكون الراوي على أي حال ثقة، وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة, وكذا جزم الزركشي بذلك في مختصره فقال: "وقد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح والحسن".
"أقسامه": الاضطراب قد يكون في السند فقط, وقد يكون في المتن، وقد يكون فيهما معا, وقد يكون من راوٍ واحد، وقد يكون من أكثر من راوٍ.
"مثال الاضطراب في الإسناد": حديث أبي بكر ﵁ أنه قال: يا رسول الله! أراك، شبت. قال: "شيبتني هود وأخواتها". قال الدارقطني: هذا حديث مضطرب, فإنه لم يرو إلا من طريق أبي إسحاق، وقد اختلف فيه على نحو عشرة أوجه: فمنهم من رواه مرسلا، ومنهم من رواه موصولا، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة، وغير ذلك, ورواته ثقات لا يمكن ترجيح بعضها على بعض والجمع متعذر.
"ومثال الاضطراب في المتن": حديث البسملة الذي ذكرناه في المعل, فقد أعله الإمام ابن عبد البر بالاضطراب، والمضطرب بجامع المعل؛ لأنه قد تكون علته ذلك، وقد مثل ابن الصلاح لمضطرب الإسناد بمثال لم يسلم له، ومثل العراقي المضطرب المتن بحديث الواهبة نفسها, ولم يسلم له ذلك؛ لأن هذا الحديث صحيح ثابت, والجمع بين ألفاظه سهل, فإنها راجعة إلى معنى واحد, وشرط الاضطراب عدم إمكان الجمع أو الترجيح١.
стр. 365
" المدرج ":
المدرج: اسم مفعول من أدرج، والإدراج في اللغة أن يدخل في الشيء ما ليس منه.
وفي اصطلاح المحدثين: هو الحديث الذي زيد فيه ما ليس منه في السند, أو في المتن ويعرف المدرج بوروده منفصلا في رواية أخرى أو بالنص على ذلك من الراوي, أو من بعض الأئمة المطلعين أو باستحالة كونه ﷺ يقول ذلك.
أقسامه: ينقسم إلى قسمين:
١- مدرج المتن.
٢- ومدرج السند.
مدرج المتن: هو أن يدخل في حديث رسول الله ﷺ شيء من كلام بعض الرواة فيتوهم من يسمع الحديث أن هذا الكلام منه، وقد يكون في أول الحديث، وقد يكون في وسطه وقد يكون في آخره, وهو الأكثر.
مثال المدرج في أول الحديث: ما رواه الخطيب البغدادي من رواية أبي قطن عمرو بن الهيثم وشبابة بن سوار عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار". فقوله: "أسبغوا الوضوء" مدرج من كلام أبي هريرة, وقد بينت ذلك رواية البخاري في صحيحه عن آدم عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: أسبغوا الوضوء؛ فإن أبا القاسم ﷺ قال: "ويل للأعقاب من النار" فقد وهم في الأولى أبو قطن، وشبابة عن شعبة, وقد رواه الجم الغفير عنه كرواية آدم.
"ومثال المدرج في الوسط": ما رواه الدارقطني في السنن من طريق عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة بنت صفوان قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مس ذكره أو أنثييه أو رفغيه فليتوضأ". قال الدارقطني: هكذا رواه عبد الحميد عن
стр. 366
هشام, ووهم في ذكر الأنثيين والرفغ وأدرجه كذلك في حديث بسرة، والمحفوظ أن ذلك قول عروة، وكذا رواه الثقات عن هشام منهم: أيوب وحماد بن زيد وغيرهما، ثم رواه من طريق أيوب بلفظ: "من مس ذكره فليتوطأ" قال: وكان عروة يقول: إذا مس رفغيه أو أنثييه أو ذكره فليتوطأ, وكذا قال الخطيب، فعروة لما فهم من لفظ الخبر أن سبب نقض الوضوء مظنة الشهوة، جعل حكم ما قرب من الذكر كذلك، فقال ذلك، فظن بعض الرواة أنه من صلب الخبر فنقله مدرجا فيه، وفهم الآخرون حقيقة الحال ففصلوا.
وقد يكون الإدراج في الوسط على سبيل التفسير من الراوي لكلمة غريبة مثل ما وقع في حديث عائشة ﵂ في بدء الوحي في صحيح البخاري, وغيره ففيه: "ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد" ... فقوله: وهو التعبد. تفسير من الزهري للتحنث أدرج في الحديث.
"ومثال المدرج في آخر الحديث": ما روي في الصحيح عن أبي هريرة مرفوعا: "للعبد المملوك أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك", فهذا مما يتبين بادئ الرأي أن قوله: "والذي نفسي بيده ... إلخ" مدرج من قول أبي هريرة لاستحالة أن يقوله النبي ﷺ لأن أمه ماتت وهو صغير، ولأنه يمتنع منه أن يتمنى الرق, وهو أفضل الخلق على الإطلاق.
"الثاني" مدرج السند: ومرجعه في الحقيقة إلى المتن, وهو أقسام:
"الأول": أن يروي جماعة الحديث بأسانيد مختلفة فيرويه عنهم راوٍ فيجمع الكل على إسناد واحد من تلك الأسانيد ولا يبين الاختلاف.
"الثاني": أن يكون المتن عند راوٍ إلا طرفا منه, فإنه عنده بإسناده آخر فيرويه راوٍ عنه تاما بالإسناد الأول, ومنه أن يسمع الحديث من
стр. 367
شيخه إلا طرفا منه, فيسمعه عن شيخه بواسطة, فيرويه راوٍ عنه تاما بحذف الواسطة.
"الثالث" أن يكون عند الراوي متنان مختلفان بإسنادين مختلفين فيرويهما راو عنه مقتصرا على أحد الإسنادين أو يروي أحد الحديثين بإسناده الخاص به, لكن يزيد فيه من المتن ما ليس في الأول.
"مثال الأول": ما رواه الترمذي عن بندار عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن واصل ومنصور والأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل, هكذا رواه جماعة عن واصل، وقد بين الإسنادين معا يحيى بن سعيد القطان في روايته عن سفيان, وفصل أحدهما عن الآخر، وروايته أخرجها البخاري في صحيحه.
"مثال الثاني": حديث رواه أبو داود من رواية زائدة وشريك فرقهما والنسائي من رواية سفيان بن عيينة كلهم عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر في صفة صلاة رسول الله ﷺ ، وقال فيه: ثم جئتهم بعد ذلك في زمان برد شديد فرأيت الناس عليهم جل الثياب تحرك أيديهم تحت الثياب، فقوله: "ثم جئتهم" ... ليس هو بهذا الإسناد، وإنما أدرج عليه، وهو من رواية عاصم عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل, وهكذا رواه مبينا زهير بن معاوية، وأبو بدر شجاع بن الوليد فميزا قصة تحريك الأيدي، وفصلاها من الحديث وذكرا إسنادها.
"حكم الادراج" ما كان من الراوي عن عمد, فإنه حرام كله على اختلاف أنواعه باتفاق أهل الحديث والفقه والأصول لما يتضمن من التدليس والتلبيس, وعزو القول إلى غير قائله, ونسبة ما ليس من كلام رسول الله إليه. قال السمعاني: من تعمد الإدراج فهو ساقط العدالة وممن يحرف الكلم عن مواضعه, وهو ملحق بالكذابين، وأما ما وقع من الراوي
стр. 368
خطأ من غير عمد, فإن كان قليلا فلا حرج عليه إلا إن كثر خطؤه فيكون جرحا وطعنا في ضبطه وإتقانه أما الإدراج لتفسير شيء من معنى الحديث, ففيه تسامح, ولذلك فعله الزهري وغير واحد من الأئمة والأولى أن ينص الراوي على بيانه١.
المؤلفات في المدرج: قد ألف فيه الخطيب البغدادي كتابا سماه "الفصل للوصل المدرج في المتن". فشفى وكفى على ما فيه من إعواز، وقد لخصه شيخ الإسلام ابن حجر وزاد عليه قدره مرتين أو أكثر في كتاب سماه "تقريب المنهج بترتيب المدرج".
стр. 369
" المقلوب ":
المقلوب: اسم مفعول من قلب, وهو في اللغة المحول والمصروف عن وجهه الصحيح قال في المصباح "قلبته قلبا من باب ضرب حولته عن وجهه وكلام مقلوب مصروف عن وجهه، وقلبت الرداء حولته وجعلت أعلاه أسفله".
وفي اصطلاح المحدثين: هو الحديث الذي وقع تغيير في متنه أو في سنده بإبدال أو تقديم وتأخير ونحو ذلك.
وهو قسمان:
١- مقلوب المتن.
٢- مقلوب السند.
"مثال مقلوب المتن": حديث أبي هريرة في السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله ...
ففي بعض طرق مسلم: "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله", فقد انقلب على أحد الرواة، وإنما هو كما في صحيح البخاري وبعض طرق مسلم: "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"
стр. 370
وهو الصحيح فالإعطاء عادة باليمين لا باليسار، ومنه حديث أخرجه الترمذي مرفوعا: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه", أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب، وأخرجه ابن ماجه والنسائي بدون جملة: "وليضع" ... وأخرجه الترمذي أيضا وحسنه وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد والحاكم وقال: على شرط مسلم وغيرهم من حديث وائل بن حجر بلفظ: "رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه", ولهذا صرح ابن القيم في زاد المعاد بأن الحديث الذي فيه: "وليضع يديه قبل ركبتيه" انقلب على بعض رواته، فكان الأصل: "وليضع ركبتيه قبل يديه", فقدم بعض الرواة اليدين على الركبتين، والرواية المقلوبة يناقض أولها آخرها.
وأما القلب في الإسناد فقد يكون خطأ من بعض الرواة في اسم راو أو نسبه كأن يقول في مرة بن كعب، كعب بن مرة أو يكون حديثا مشهورا عن راو فيجعله عن راو آخر ليصير مرغوبا فيه كأن يكون الحديث مرويا عن سالم بن عبد الله, فيجعله عن نافع، أو يبدل الإسناد بإسناد آخر مثل ما روى حماد بن عمرو النصيبي -الكذاب- عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا: "إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدءوهم بالسلام ... " الحديث. فإنه مقلوب قلبه حماد فجعله عن الأعمش, وإنما هو معروف عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة, أخرجه مسلم, وهذا الصنيع هو الذي يطلق على راويه أنه يسرق الحديث إذا قصد إليه.
وكما يقع القلب قصدا من الراوي يقع غلطا, ومثاله ما روى إسحاق بن عيسى الطباع قال: حدثنا جرير بن حازم عن ثابت البناني عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني"
стр. 371
قال إسحاق بن عيسى: فأتيت حماد بن زيد, فسألته عن الحديث, فقال: وهم أبو النضر -هو جرير بن حازم- إنما كنا جميعا في مجلس ثابت، وحجاج ابن أبي عثمان معنا, فحدثنا حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" , فظن أبو النضر أنه فيما حدثنا ثابت عن أنس, فقد انقلب الإسناد على جرير، والحديث معروف من رواية يحيى بن أبي كثير رواه مسلم والنسائي من طريق حجاج بن أبي عثمان الصواف.
"القلب عمدا": قد يقلب بعض المحدثين إسناد حديث قصدا للامتحان كما فعل علماء بغداد حين قدم عليهم الإمام البخاري، فإنهم اجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا لإسناد آخر وإسناد هذا لمتن آخر, ودفعوها إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، وأخذوا الوعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم من البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه وهكذا حتى انتهى من أحاديثه، فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض, ويقولون: فهم الرجل، ومن كان منهم غير ذلك يحكم على البخاري بالعجز والتقصير وقلة العلم، ثم انتدب إليه رجل آخر فصنع مثل ما صنع الأول والبخاري يقول: لا أعرفه, وهكذا حتى تم العشرة فلما انتهوا التفت البخاري إلى الأول فقال له: أما حديثك الأول فهو كذا, وحديثك الثاني فهو كذا, وهكذا حتى أتى على تمام العشرة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها, فأقر له العلماء بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل.
стр. 372
وهذا العمل لا يجوز إلا إن كان يريد به فاعله الاختيار، وشرط الجواز -كما قال الحافظ ابن حجر- أن لا يستمر عليه, بل ينتهي بانتهاء الحاجة، ولو وقع القلب عمدا لا لمصلحة بل للإغراب مثلا, فهو من أقسام الموضوع، ولو وقع غلطا فهو كالموضوع عند السخاوي، وعند كثير من العلماء من أقسام المقلوب على ما بينا١.
стр. 373
" المطروح ":
بقي من أنواع الضعيف "المطروح", ولم يذكره غير الحافظ الذهبي, وقد خرجه من قولهم: "فلان مطروح الحديث".
وقد عرفه بأنه ما كان دون الضعيف وأرفع من الموضوع.
أقول: وعلى هذا يكون ذكره قبل الموضوع.
وقد رتبت أنواع الضعيف من الضعيف إلى الأضعف، وقد أجمع العلماء على أن شر أنواع الضعيف هو الموضوع.
والعجب من ابن الصلاح وصاحب "التقريب", وهو الإمام النووي, فقد جعلا بعد الموضوع "المقلوب", وكان حقه أن يكون قبل الموضوع.
وقد رتب أنواع الضعيف من الأعلى إلى الأدنى الإمام الحافظ ابن حجر في "شرح النخبة", وبدأ بالموضوع، ثم المتروك، ثم المنكر، ثم المعلل، ثم المدرج، ثم المقلوب، ثم المضطرب.
وفي القاموس مادة "طرح" "ج١ ص٢٣٧": "طرحه، وبه كمنع رماه، وأبعده فاطَّرحه وطرَّحه، والطِّرح: بالكسر, يعني بكسر الطاء المهملة، وكقبر، والطريح المطروح".
فالمناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي ظاهرة؛ لأنه ما كان أدون
стр. 374
الضعيف وأرفع من الموضوع مهمل مرمي به.
قال الإمام الذهبي: يروى في الأجزاء كثيرا، وفي بعض المسانيد الطوال, بل وفي سنن ابن ماجه، وجامع الترمذي مما يروي المتروكون، وهو داخل في أخبار المتروكين والضعفاء، ودون آخر مراتبها.
стр. 375
الحديث الموضوع
تعريفه
...
"الحديث الموضوع":
الموضوع لغة: اسم مفعول مأخوذ من وضع الشيء يضعه وضعا، إذا حطه وأسقطه, أو مأخوذ من الضعة وهي الانحطاط في الرتبة، أو من وضعت المرأة ولدها إذا ولدته ففي القاموس: "مادة "وضع" وضعه يضعه -بفتح ضادها- وضعا، وموضعا وتفتح ضاده، وموضوعا: حطه، وعنه: حط من قدره ... وفلان نفسه وضعا، ووضوعا، وضعة، وضعة قبيحة أذلها، وعنقه: ضربها، والجنابة عنه: أسقطها والمرأة حملها وضعا، وتضعا بضمهما -أي التاء والضاد- وتفتح الأولى: ولدته والأحاديث الموضوعة: المختلفة، وفي حسبه ضعة -وبكسر: انحطاط، ولؤم وخسة".
ومن ثم نرى أن الوضع يأتي بمعنى السقوط، وبمعنى الانحطاط والخسة، وبمعنى الولادة.
وفي اصطلاح المحدثين: هو الحديث المختلق١ المكذوب على النبي ﷺ أو على من بعده من الصحابة أو التابعين.
فالمناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي ظاهرة؛ لأن الموضوع فيه معنى السقوط وفيه انحطاط في رتبته عن غيره، وفيه معنى التوليد وإيجاد ما لم يكن موجودا وإذا أطلق الموضوع ينصرف إلى المفترى
стр. 376
المكذوب على النبي ﷺ ، وأما الموضوع على غيره فيقيد، فيقال مثلا: هذا موضوع على ابن عباس ﵄ أو على مجاهد، وقد وضعت آثار على ابن عباس، وعلي ﵄ وعلى غيرهما من التابعين, والغالب في الموضوع أن يكون متعمدا، وقد يقع غلطا، وقد مثلوا بما رواه ابن ماجه عن إسماعيل الطلحي عن ثابت بن موسى العابد الزاهد، عن شريك، الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "وسكت ليكتب المستملي"، فلما نظر إلى ثابت قال: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار", وقصد بذلك الثناء على ثابت لزهده، وورعه، فظن ثابت أنه متن ذلك الإسناد فكان يحدث به، وقال ابن حبان: وإنما هو قول شريك قاله عقب حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ... " الحديث فأدرجه ثابت في الخبر، ثم سرقه منه جماعة من الضعفاء، وحدثوا به عن شريك، وهذا القسم ذكره ابن الصلاح في نوع "الموضوع" واعتبره شبه وضع لعدم التعمد فيه، وتبعه على ذلك النووي، وذكره في "المدرج" الحافظ ابن حجر، وهو به أشبه.
الألفاظ الدالة على الوضع: من ذلك قولهم: هذا حديث موضوع، أو كذب، أو باطل، أو لا أعرفه إذا صرح بذلك أحد الأئمة الكبار، وكذا قولهم: هذا الحديث لا أصل له، أي ليس له إسناد يعرف, أما قولهم: لا يثبت أو لا يصح فليسا نصا في ذلك؛ لأنه لا يلزم من عدم الصحة أو عدم الثبوت الوضع, ولقد أكثر ابن الجوزي في "موضوعاته" من استعمالها مريدا الوضع، والموصلي١ كذلك, وهو اصطلاح لهما.
стр. 377
أما الألفاظ الدالة على الوضع كناية فمثل قولهم: هذا الحديث من بلايا فلان، أو سنده مظلم أو عليه ظلمات وهذه العبارات تكثر في "الميزان" للذهبي، و"لسان الميزان" لابن حجر، وأما قولهم: هذا مطروح, فمنهم من ألحقه بالموضوع، ومنهم من جعله دون الموضوع، ومنهم من جعله كالمتروك.
стр. 378
حكم رواية الموضوع:
لا يحل رواية الموضوع في أي باب من الأبواب إلا مقترنا ببيان وضعه سواء في ذلك ما يتعلق بالحلال والحرام أو الفضائل أو الترغيب والترهيب والقصص والتواريخ ونحوها, ومن رواه من غير بيان فقد باء بالإثم المبين، ودخل في عداد الكذابين والأصل في ذلك ما رواه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه أن رسول الله قال: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" ١.
وقد حكم كثير من علماء الحديث على من روى الموضوع من غير تنبيه إلى وضعه، وتحذير الناس منه، بالتعزيز، والتأديب، قال أبو العباس السراج: شهدت محمد بن إسماعيل البخاري، ودفع إليه كتاب من ابن كرام، يسأله عن أحاديث منها: حديث الزهري عن سالم عن أبيه٢ مرفوعا: "الإيمان لا يزيد ولا ينقص", فكتب محمد بن إسماعيل على ظهر كتابه: من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل، بل بالغ بعضهم فأحل دمه، قال يحيى بن معين لما ذكر له حديث سويد الأنباري: "من عشق وعف وكتم ثم مات, مات شهيدا" قال: هو حلال الدم.
стр. 379
وقد سئل ابن حجر الهيثمي عن خطيب يرقى المنبر كل جمعة، ويروي أحاديث، ولم يبين مخرجيها ودرجتها، فقال: ما ذكره من الأحاديث في خطبه من غير أن يبين رواتها، أو من ذكرها فجائز بشرط أن يكون من أهل المعرفة بالحديث، أو ينقلها من مؤلف صاحبه كذلك، وأما الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها في كتاب ليس مؤلفه من أهل الحديث، أو في خطب ليس مؤلفها كذلك فلا يحل، ومن فعل عزر عليه التعزير الشديد، وهذا حال أكثر الخطباء، فإنهم بمجرد رؤيتهم خطبة فيها أحاديث حفظوها، وخطبوا بها من غير أن يعرفوا أن لتلك الأحاديث أصلا أم لا فيجب على حكام كل بلد أن يزجروا خطباءها عن ذلك.
أقول: لا يزال بعض الخطباء الذين ليس لهم علم بالحديث: رواية ودراية على هذا ولا سيما الذين لا يزالون يخطبون من الدواوين، والذين يهمهم استرضاء الجماهير فيذكرون لهم أحاديث في الترغيب، والترهيب، أغلب الظن أنها من وضع القصاص الذين كان همهم تملق الجماهير، واستمالتهم بذكر المبالغات والتهاويل والعجائب، والإسلام منها بريء، وما أحق هذه الفئة بأن يحال بينها وبين الخطابة والوعظ والتذكير وفي الأحاديث الصحاح، والحسان، غنية لمن يريد أن يرفق القلوب ويستولي على النفوس فليتق الله هؤلاء.
ومن الحق في هذا المقام أن أقول: إن الكثيرين من الوعاظ والمرشدين والأئمة والخطباء، لهم من علمهم، ووعيهم الديني والثقافي ما يعصمهم من الوقوع في رواية الموضوعات، والقصص الباطلة، والإسرائيليات الزائفة، وتحري الصدق في رواية الأحاديث، وذكر الأقاصيص، وهو أثر من آثار النهضة العلمية التخصصية في الدراسات العليا في الأزهر الشريف، ولا سيما "تخصص التفسير والحديث" و"تخصص الدعوة والوعظ، والإرشاد" مما يزيد عن نصف قرن.
стр. 380
" حرمة الكذب على رسول الله ﷺ ":
لقد حرمت الشريعة الإسلامية الكذب وجعلته من أقبح الصفات وفي الكتاب الكريم والسنة المحمدية الأدلة المتكاثرة على ذلك.
ولئن حرمت الشريعة الكذب بعامة فقد غلظت حرمة الكذب على رسول الله ﷺ بخاصة لما فيه من الجناية على الدين بتشريع ما لم يأذن به الله، ولم يصدر عن رسوله قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ١, وقال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ ٢, وما الافتراء على رسول الله ﷺ إلا افتراء على الله، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٣, وقال رسول الله ﷺ : "إن كذبا عليّ ليس ككذب على أحد فمن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" , رواه البخاري ومسلم وغيرهما. وقد روي من طرق متكاثرة حتى قال العلماء إنه متواتر كما ذكرنا سابقا وفي معنى الكذب على النبي الكذب على الصحابة والتابعين ولا سيما فيما لا مجال للرأي فيه؛ لأن له حكم المرفوع إلى النبي وكثير من الفقهاء يعتبر قولهم حجة في التشريع.
ولا يدخل في الكذب الرواية بالمعنى لأنها إنما أجيزت لعالم بالألفاظ عارف بمقاصدها خبير بما يغير المعاني فهي لم تخرج عن مدلول اللفظ الأصلي.
حكم الكذب على رسول الله:
جمهور العلماء على أن الكذب على رسول الله من الكبائر، ولا يكفر
стр. 381
فاعل ذلك إلا إذا كان مستحلا للكذب عليه. وقال الإمام أبو محمد الجويني -والد إمام الحرمين- من أئمة الشافعية: يكفر من تعمد الكذب على رسول الله نقل ذلك عنه ابنه إمام الحرمين, وقال: إنه لم يره لأحد من الأصحاب, وإنه هفوة من والده, ووافق الجويني على هذه المقالة الإمام ناصر الدين ابن المنير من أئمة المالكية، وغيره من الحنابلة ووافقهم الإمام الذهبي في تعمد الكذب في الحلال والحرام, ولعل مما يشهد لهم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ١ فقد نفت الآية الإيمان عمن يفتري الكذب على الله والكذب على الرسول كذب على الله أقول: لعل مراد هؤلاء من استحل ذلك، أو أنهم قالوه على سبيل المبالغة في الزجر والتنفير منه؛ لأن الأدلة المتكاثرة من القرآن والسنة على أن فاعل الكبيرة لا يكفر.
هل تقبل رواية من كذب في الحديث وإن تاب؟
ولما للكذب على رسول الله ﷺ من إفساد في الشريعة وإبطال في الدين ذهب جمهور المحدثين إلى أن من كذب في حديث واحد فسق، وردت روايته، وبطل الاحتجاج بها, وإن تاب وحسن توبته ومن هؤلاء أحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدي والصيرفي والسمعاني٢, وخالف في ذلك النووي فقال: والمختار القطع بصحة توبته في هذا وقبول روايته بعدها إذا صحت توبته بشروطها٣, ومذهب الجمهور أحوط للحديث وأبعد من الريبة في الرواية.
стр. 382
أقسام الموضوع:
١- أن يضع الواضع كلاما من عند نفسه، ينسبه إلى النبي ﷺ أو إلى الصحابي مثال ما وضع على الرسول: "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفع", وهو كذب باطل من صنع عباد الأوثان.
ومثال ما وضع على الصحابي ما وضعته الرافضة على سيدنا علي -رضي الله تعالى عنه- من أنه قال: "لما غسلت النبي ﷺ شربت من سرته ومحجن عينيه فورثت علم الأولين والآخرين".
٢- أن يأخذ الواضع كلاما لبعض الصحابة أو التابعين أو الحكماء أو ما يروى في الإسرائيليات١ مثلا فينسبه إلى رسول الله ليروج وينال القبول.
ومثال ما هو من قول الصحابة ما يروى من حديث: "أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وابغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما", فالصحيح أنه من قول سيدنا علي ﵁.
ومثال ما هو من قول التابعين: "كأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل" فهو من كلام الخليفة عمر بن عبد العزيز.
ومثال ما هو من كلام الحكماء: "المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء", فهو من قول الحارث بن كلدة طبيب العرب.
ومثال ما هو من الإسرائيليات ما روي: "ما وسعني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن", قال ابن تيمية: هو من الإسرائيليات وليس له أصل معروف عن النبي.
وقد نسب إلى النبي ﷺ وإلى الصحابة والتابعين كثير من الإسرائيليات في بدء الخلق والمعاد، وأخبار الأمم الماضية والكونيات وقصص الأنبياء وسأتعرض لشيء من ذلك فيما بعد.
стр. 383
متى نشأ الوضع في الحديث:
كان من أثر اتساع رقعة الإسلام دخول كثير من أبناء الأمم المغلوبة فيه ومنهم الفارسي ومنهم الرومي ومنهم الشامي ومنهم المصري، ومن هؤلاء المخلص ومنهم المنافق الذي يكن في نفسه الحقد على الإسلام وقد انتهز أعداء الإسلام والحاقدون عليه عهد السيد الحيي عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- فبذروا البذور الأولى للفتنة فكان ابن سبأ اليهودي الخبيث يطوف في الأقاليم ويؤلب عليه الناس وقد أخفى سمومه تحت ستار التشيع لعلي، وآل بيته، زاعما إنه وصي النبي١ الأحق بالخلافة، بل ادعى ألوهيته, وقد طارده عثمان كما طارده علي ﵄، ومما يؤسف أن دعوته وجدت آذانا صاغية من المنحرفين على عثمان، وانتهى الأمر بقتل عثمان شهيدا, وما كاد يتولى سيدنا عليّ الخلافة حتى ناصبه أنصار عثمان العداوة من أول يوم واستفحلت الفتنة ووقعت حروب طاحنة أذكى أوارها السبئيون وأضرابهم، وظهرت طائفة أخرى هي الخوارج وكانت النهاية أن أطاحت الفتنة بركن آخر من أركان الإسلام وهو سيدنا عليّ، وقد تمخضت الفتنة عن شيعة ينتصرون لسيدنا علي، وعثمانية ينتصرون لسيدنا عثمان، وخوارج يعادون الفريقين, ومروانية ينتصرون لمعاوية، وبني أمية، وقد استباح بعض هؤلاء لأنفسهم أن يؤيدوا بعض آرائهم وأهوائهم بوضع الأحاديث، ومن ثم نرى أن نشأة الوضع بمعناه الظاهر الواضح كانت حوالي سنة أربعين من الهجرة، وكان ذلك في عصر صغار الصحابة وكبار التابعين. روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه قال: "جاء هذا يعني بشير بن كعب إلى ابن عباس, فجعل يحدثه, فقال له ابن عباس: عد لحديث كذا وكذا فعاد له فقال: ما أدري أعرفت حديثي
стр. 384
كله وأنكرت هذا أم أنكرت حديثي كله وعرفت هذا؟ فقال له ابن عباس: إنا كنا نحدث عن رسول الله إذ لم يكن يكذب عليه فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه", وابن عباس ﵄ توفي سنة ثمان وستين للهجرة وروي عن ابن سيرين١ قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم", رواهما مسلم في مقدمة صحيحه.
стр. 385
عرض موجز لحركة الوضع في الحديث
مدخل
...
"عرض موجز لحركة الوضع في الحديث":
في عصر التابعين كثرت الرواية وانتشر الحديث ونشأ الكذب على رسول الله ﷺ وبعض الصحابة، وبعد أن كان الخلفاء يدعون إلى التحوط، والتثبت في المرويات أضحى الملوك والأمراء في شغل عن ذلك بالملك والمنازعات، وقد اشتدت الخصومات بين الأحزاب السياسية في عهد الدولة الأموية، وجاءت الدولة العباسية فتقرب إليها ضعفاء الإيمان والمنافقون بالاختلاق في فضائلها، والحط من شأن أعدائها كما كان لنشأة الفرق الكلامية من معتزلة ومرجئة وغيرهما, ومحاولة كل فرقة الانتصار لآرائهم أثر في تغذية حركة الوضع، وكان للقصاص وأضرابهم من المتصوفة أثر أيضا في تغذية هذه الحركة، ووجدت أحداث أخرى استغلت للوضع كالشعوبية١ وفتنة خلق القرآن، واستمرت سوق الوضع إلى عصور متأخرة، فابن الجوزي يذكر لنا في كتبه ما كان يفعله قصاص زمانه ووعاظهم، وهذا هو الرتن الهندي يدعي الصحبة في المائة السادسة ويضع الأحاديث المكذوبة، والشيخ اللكنوي الهندي يذكر أنه
стр. 386
اطلع على رسالة في تحريم "التنباك" وقد تذرع مؤلفها باختلاق الأحاديث مثل: "كل دخان حرام" ومثل: "كل جوف يدخل الدخان فيه من أوراق السموم يخرج من الإيمان" مما لا يشك المتأمل في وضعه ومهما يكن من شيء, فقد ناهض أئمة الحديث وعلماء الأمة هذه الحركة من وقت مبكر وردوا كيد الوضاعين في نحورهم من عهد ابن عباس إلى اليوم.
ولقد كان ظهور الوضع في الحديث من أهم الأسباب الحاملة للخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز على أمر علماء الأمصار بجمع السنن والأحاديث وتدوينها كما ذكرنا وسنرى فيما بعد جهاد العلماء في حفظ الأحاديث وصيانتها عن التزيد والاختلاف تمييز الصحيح من الضعيف والمقبول من المردود.
стр. 387
الأسباب الحاملة على الوضع:
للوضع أسباب كثيرة وأغراض متعددة منها:
١- الزندقة: ذلك أنه كانت هناك فئة أسلمت لم تؤمن إيمانا حقا بالإسلام لكنها آمنت بسلطانه ورأت أن لا سبيل لنيل الجاه والسلطان إلا به فاعتنقته ظاهرا وظلت تخلص لدينها القديم ومن هؤلاء قوم كان لهم غرض أدق وأعمق من هذا, فقد رأوا أنهم لا يستطيعون إفساد العقيدة الإسلامية إلا بالانتساب إليها أولا حتى يؤمن جانبهم وبذلك يسهل على النفوس الأخذ بقولهم ومن هؤلاء من بالغ في التلبيس، فانتسب إلى التشيع وحب آل البيت، وبذلك وجدوا تربة خصبة لنفث سمومهم وإلقاء ترهاتهم وتقبل ذلك منهم اغترارا بظاهرهم, وقد اتخذوا من الوسائل لذلك وضع الأحاديث فوضعوا أحاديث يخالفها المحسوس أو يناقضها المعقول أو تشهد أذواق الحكماء بسخافتها وإسفافها, وإنما ينصبون المكيدة لضعفاء الأحلام وأرقاء الدين حتى يقعوا في شك وريبة
стр. 388
فتتزلزل من نفوسهم عقيدة أن الإسلام تنزيل من حكيم عليم وذلك، مثل ما روي: "إن الله لما أراد أن يخلق نفسه خلق الخيل وأجراها فعرفت فخلق نفسه منها", قال ابن عساكر: هذا موضوع وضعه بعض الزنادقة ليشنع به على أهل الحديث في روايتهم المستحيل وهو ما يقطع ببطلانه عقلا وشرعا، ومن ذلك أيضا أحاديث لا تتفق والحقائق العلمية مثل: "الباذنجان شفاء من كل داء" أو فيها دعوى إلى الإباحية مثل: "النظر إلى الوجه الجميل عبادة" وهذه وأمثالها مما لا يصدر قطعا عن المعصوم ﷺ .
٢- الخلافات السياسية: فالخلاف بين الشيعة والخوارج وبين الشيعة والعثمانية وبينهم وبين الأمويين والعباسيين، وبين الخوارج والأمويين كل ذلك كان من أسباب الوضع في الحديث، قال حماد بن سلمة: "حدثني شيخ لهم -يعني الرافضة١- قال: كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئا جعلناه حديثا، وقال مسيح بن الجهم التابعي: "كان رجل منا في الأهواء مدة ثم صار إلى الجماعة فقال لنا: أنشدكم الله ألا تسمعوا من أحد من أهل الأهواء فإنا كنا نروي لكم الباطل ونحتسب الخير في إضلالكم.
٣- التعصب للجنس والمكان: فوضعت أحاديث في تفضيل بعض القبائل على بعض وبعض الأجناس على بعض، وقد كان للشعوبية أثرها في هذا الباب فوضعوا أحاديث في مدح فارس واللغة الفارسية مثل ما روي زورا: "إن الله إذا غضب أنزل الوحي بالعربية, وإذا رضي أنزل الوحي بالفارسية" كما وضعت الأحاديث في فضل العرب والعربية وذم الفارسية ومن ذلك ما وضع في فضائل بعض المدن وذم بعضها، وقد أسرف الوضاعون في هذا الباب٢.
стр. 389
فلا تغتر بما يوجد في بعض كتب التاريخ من ذكر فضائل الشعوب والبلدان ومثالها فإن معظم ذلك مما لا يثبت.
٤- الخلافات الكلامية والفقهية: فقد انقسم علماء الأمة إلى أهل سنة، ومعتزلة وجبرية، ومرجئة، واختلفوا في كثير من مسائل الكلام وفي الإيمان, وهل هو يزيد وينقص؟ وهل هو قول وعمل؟ وفي القرآن أهو مخلوق أم لا؟
وقد استباح بعض هؤلاء لأنفسهم أن يؤيدوا آراءهم بأحاديث يختلقونها تنص على الخلافات الدقيقة والآراء المستحدثة التي ليس من شأن الرسول الكريم التعرض لها, ولا كانت البيئة يومئذ تدعو إليها مما يقطع معه المتأمل أنها كذب لا شك فيه, وذلك مثل ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" ومثل ما روي زورا: "كما لا ينفع مع الشرك شيء كذلك لا يضر مع الإيمان شيء", وإن أصبع الإرجاء لظاهرة في وضعه.
وكذلك كانت الخلافات الفقهية من أسباب الوضع فوضعت أحاديث تشهد لبعض الفروع ليس عليها من نور النبوة شيء, وإنما هي أقرب إلى قواعد الفقهاء وكلام العلماء كما وضعت أحاديث في فضل بعض الأئمة وذم بعضهم مثل ما روي كذبا: "سيكون من أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي وسيكون من أمتي رجل يقال له ابن إدريس هو أضر على أمتي من إبليس", ولا يشك مبتدئ في علم الحديث أن هذا موضوع مختلق فقبح الله واضعه، والإمام الشافعي من أعلام الإسلام دينا وعلما، وعملا وفقها وخلقا.
٥- قصد استهواء العامة: ومن هؤلاء الذين قصدوا هذا القصاصون ومن هؤلاء من كان يبتغي الشهرة والجاه، ومنهم من كان يقصد التعيش والارتزاق، وقد كان القصاص في عهد الصحابة والخلافة
стр. 390
الرشيدة يتحرون الصدق والحق. روى ابن عساكر أن تميما الداري لما استأذن عمر ﵁ في أن يقص في المسجد قال له: ما تقول؟ قال: "أقرأ عليهم القرآن وآمرهم بالخير، وأنهاهم عن الشر", ولكن لم يلبث الأمر على ذلك طويلا، فقد وجدت فئة من القصاص كان همها استمالة العامة بالمناكير والغرائب والأباطيل، وعن طريق هؤلاء أيضا دخلت على الإسلام إسرائيليات كثيرة، ومن صفاقات القصاص، وتبجحاتهم ما روي١ أنه صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين بمسجد "الرصافة" فقام بين أيديهم قاص فقال: "حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجان ... وأخذ في قصة طويلة جدا من هذا القبيل", فجعل أحمد ينظر إلى يحيى ويحيى ينظر إليه فقال: أنت حدثته بهذا؟ فقال: والله ما سمعت بهذا إلا الساعة, فلما انتهى أشار له يحيى فجاء متوهما نوالا, فقال له يحيى: من حدثك بهذا؟ قال: ابن حنبل ويحيى بن معين فقال: أنا يحيى وهذا أحمد ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله ﷺ فإن كان ولا بد فعلى غيرنا، فقال الرجل القصاص: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق ما تحققته إلا الساعة فقال يحيى: وكيف؟ قال: كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل