← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9987

الوسيط في علوم ومصطلح الحديث

محمد أبو شهبة

Полный текст (950 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. والجواب -كما قال الحافظ ابن حجر- أن الترمذي لم يعرف الحسن مطلقا، وإنما عرفه بنوع خاص منه وقع في كتابه, وهو ما يقول فيه حسن من غير ضم صفة أخرى, ذلك أنه يقول في بعض الأحاديث: حسن، وفي بعضها صحيح، وفي بعضها غريب، وفي بعضها حسن صحيح، وفي بعضها: حسن غريب، وفي بعضها: صحيح غريب، وفي بعضها: حسن صحيح غريب، وتعريفه إنما وقع على الأول فقط، وعبارته في آخر جامعه ترشد إلى ذلك حيث قال: "وما قلنا في كتابنا: حديث حسن فإنما أردنا حسن إسناده عندنا، كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا, ويروى من غير وجه نحو ذاك فهو عندنا حديث حسن", فعرف بهذا أنه يعرف ما يقول فيه: حسن فقط, أما ما يقول: حسن صحيح أو حسن غريب أو حسن صحيح غريب, فلم يعرج تعريفه كما لم يعرج على تعريف ما يقول فيه: صحيح فقط أو غريب فقط, وكأنه ترك ذلك استغناء لشهرته عند أهل الفن، واقتصر على ما يقول فيه: حسن فقط, إما لغموضه, وإما لأنه اصطلاح جديد ولذلك قيده بقوله: "عندنا" ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل الخطابي, وبهذا التقرير يندفع كثير الإيرادات التي طال البحث فيها ولم يسفر وجه توجيهها, فلله الحمد على ما ألهم وعلم١. أنواع أخرى: الجيد، والقوي، والصالح، والمعروف، والمحفوظ، والمجود، والثابت، قال الإمام السيوطي في تدريبه٢.

стр. 317

خاتمة: من الألفاظ المستعملة عند أهل الحديث في المقبول: الجيد، والقوي، والصالح، والمعروف، والمحفوظ، والمحود، والثابت. فأما الجيد، فقال شيخ الإسلام -يعني الحافظ ابن حجر- في الكلام على أصح الإسناد لما حكى ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل، أن أصحها: الزهري، عن سالم، عن أبيه١، عبارة أحمد أجود الأسانيد كذا أخرجه عنه الحاكم. قال -يعني الحافظ: "وهذا يدل على أن ابن الصلاح يرى التسوية بين الجيد والصحيح" ولذا قال البلقيني بعد أن نقل ذلك: "من ذلك يعلم أن الجودة يعبر بها عن الصحة, وفي جامع الترمذي في "الطب" هذا حديث جيد حسن، وكذا قال غيره: لا مغايرة بين جيد وصحيح عندهم إلا أن الجهبذ٢ منهم لا يعدل عن صحيح إلى جيد إلا لنكتة كأن يرتقي الحديث عنده عن الحسن لذاته، ويتردد في بلوغه الصحيح، فالوصف به أنزل رتبة من الوصف بصحيح، وكذا القوي. وأما الصالح: فهو شامل للصحيح والحسن لصلاحيتهما للاحتجاج، ويستعمل أيضا في ضعيف يصلح للاعتبار يعني: المتابعات والشواهد. وأما المعروف: فهو مقابل المنكر، والمحفوظ مقابل الشاذ وسيأتي تقرير ذلك في نوعيهما, إن شاء الله تعالى. وأما المجود، والثابت فيشملان أيضا الصحيح والحسن. قال السيوطي: ومن ألفاظهم المشبه وهو يطلق على الحسن وما يقاربه فهو بالنسبة إليه كنسبة الجيد إلى الصحيح، قال أبو حاتم: أخرج عمرو ابن حصين الكلابي أول شيء أحاديث مشبهة حسانا، ثم أخرج بعد أحاديث موضوعه، فأفسد علينا ما كتبنا.

стр. 318

الحديث الضعيف أقسام الضعيف ... "الحديث الضعيف": هو كل حديث لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحديث الحسن ويمكن إجمال شروط الصحيح والحسن بقسميه في ستة شروط: ١- اتصال السند. ٢- عدالة الرواة. ٣- السلامة من كثرة الخطأ والغفلة وهو الضبط. ٤- السلامة من الشذوذ. ٥- السلامة من العلة. ٦- مجيء الحديث من وجه آخر حيث كان في الإسناد مستور ليس متهما، ولا كثير الغلط على ما ذكرنا في الحسن لغيره. فكل حديث فقدت فيه بعض هذه الشروط أو كلها هو حديث ضعيف. "أقسام الضعيف": وينقسم الضعيف إلى أقسام كثيرة أوصلها بعضهم, بحسب القسمة العقلية والتشقيقات النظرية إلى ثلاثمائة وإحدى وثمانين صورة، وأما بحسب القسمة الواقعية فهي تسعة وأربعون نوعا كلها داخلة تحت هذا التعريف, كما قال أبو حاتم محمد بن حبان البستي المتوفى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. ثم إن من هذه الأقسام ما ليس له اسم خاص, فيكون له اللقب العام, وهو الضعيف, ومنها ما له لقب خاص به كالمرسل، والمنقطع, والمعضل، والمعلق، والمدلس، والشاذ، والمنكر، والمتروك، والمعل، والمضطرب، والمدرج، والمقلوب، والموضوع، وهو شر أنواع الضعيف وأرذلها.

стр. 319

" حكم الحديث الضعيف رواية وعملا ": الحديث الموضوع أو الساقط أو الذي لا أصل له لا تجوز روايته إلا مقترنًا ببيان وضعه، أو سقوطه، أو أنه لا أصل له، ومن روى شيئًا من ذلك من غير بيان, وهو يعلم, فهو آثم أشد الإثم كما أنه لا يجوز العمل بالموضوع، وما شاكله قط لا في الحلال والحرام, ولا في باب الترغيب والترهيب، والقصص والمواعظ، ولا في التفسير؛ لأنه مختلق مكذوب فمن عمل به, فقد زاد في الشرع ما ليس منه. أما الضعيف الذي لم يصل إلى حد السقوط والوضع، وهو الضعيف المحتمل فقد اختلفت فيه أنظار العلماء وإليك آراءهم في هذا: قال ابن الصلاح: يجوز رواية ما عدا الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة، من غير اهتمام ببيان ضعفها فيهما سوى صفات الله تعالى وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما, وذلك كالمواعظ والقصص، وفضائل الأعمال, وسائر فنون الترغيب والترهيب, وسائر ما لا تعلق له بالأحكام والعقائد١. ومقتضى ذلك العمل به فيما ذكر قال: وممن روينا عنه التنصيص على التساهل في نحو ذلك عبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل ﵄. والمراد بفضائل الأعمال: الأعمال الفاضلة الثابتة قبلُ بالأحاديث الصحيحة, بمعنى أنه إذا ورد حديث ضعيف دال على ثواب مخصوص من الأعمال الثابتة قبل, فإن أصل العمل ثابت استحبابا من دليل آخر, ولم يثبت بالضعيف إلا الثواب المرتب على هذا العمل, وحينئذ لم يثبت حكم شرعي بالحديث الضعيف.

стр. 320

وقال الإمام ابن العربي المالكي١: لا يعمل به مطلقا لا في الحلال والحرام ولا في الفضائل ونحوها. وأجاز بعض الأئمة رواية الضعيف من غير بيان ضعفه والعمل به, ولكن بشروط: ١- أن يكون الحديث في القصص، أو المواعظ، أو فضائل الأعمال، أو نحو ذلك مما لا يتعلق بصفات الله، وما يجوز له، وما يستحيل عليه سبحانه، ولا بتفسير القرآن ولا بالأحكام كالحلال والحرام، وغيرهما. ٢- أن يكون الضعف فيه غير شديد فيخرج حديث من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب, والذين فحش غلطهم في الرواية، والحديث الذي كثرت طرقه، ولم تخل طريق منها من شدة الضعف. ٣- أن يكون ما ثبت به مندرجًا تحت أصل من أصول الشريعة لئلا يثبت ما لم يثبت شرعًا به, وحينئذ يكون الضعيف مؤكدًا لما ثبت بذاك الأصل الكلي. ٤- أن لا يعتقد العامل به ثبوته بل يقصد الاحتياط والخروج من العهدة. ٥- أن لا يعارضه دليل آخر أقوى منه٢. والحق أنه لا يجوز رواية الضعيف إلا مقترنًا ببيان ضعفه وبخاصة

стр. 321

في هذه العصور التي قلت معرفة الناس فيها بالأحاديث, وعدم القدرة على معرفة درجة الأحاديث, ومن هذه الشروط تستخلص أن الضعيف قسمان: ١- ضعيف منجبر بغيره كتعدد الطرق أو نحوها, وهو الذي يعمل به في الفضائل وما شابهها، والانجبار إنما يكون بمساو أو بأقوى, أما بما هو أقل منه فلا. ٢- ضعيف غير منجبر, ولا يشهد له أصل شرعي, وهذا لا يعمل به قط لا في الفضائل ولا غيرها.

стр. 322

" فائدة ": قال أئمة الحديث: من نقل حديثا صحيحا بغير إسناده, وجب أن يذكره بصيغة الجزم فيقول مثلا: قال رسول الله ﷺ أو نحوه. ويقبح جدا أن يذكره بصيغة التمريض التي تشعر بضعف الحديث لئلا يقع في نفس القارئ أو السامع أنه حديث غير صحيح. وأما إذا نقل حديثا ضعيفا بغير إسناد أو حديثا لا يعلم حاله -سواء أكان صحيحا أو ضعيفا- فإنه يجب أن يذكره بصيغة التمريض كأن يقول: روي عن رسول الله كذا، أو ذكر، أو بلغنا، أو نحوها. والأولى والأحوط لمن يتيقن ضعف حديث أن يبين أنه ضعيف؛ لئلا يَغْتَر به القارئ أو السامع الذي لا يعلم هذا الاصطلاح، ولا يجوز للناقل له أن يذكره بصيغة الجزم؛ لأنه يوهم أن الحديث صحيح, ولا سيما إذا كان الناقل من أهل العلم بالحديث الذي يثق الناس بنقلهم. وهذا نوع من الأمانة والدقة اللذين امتاز بهما علماء الحديث.

стр. 323

" المرسل ": تعريفه: المرسل: لغة مأخوذ من الإرسال بمعنى الإطلاق وعدم المنع، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ ١ أي سلَّطناهم عليهم، ولم نمنعهم منهم، ويقال: أرسلت الطائر إذا أطلقته وأرسلت الكلام إذا أطلقته من غير تقييده, فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براوٍ مخصوص معروف. وأما في الاصطلاح فقد اختلفت في تعريفه أنظار العلماء, وإليك أقوالهم في هذا: تعريف جمهور المحدثين: هو ما رواه التابعي, سواء أكان كبيرا أم صغيرا عن النبي ﷺ من قوله أو فعله أو تقريره، ولا بد من قيد ذكره الحافظ ابن حجر, وهو أن يكون التابعي سمعه من غير النبي ﷺ فإن سمعه من النبي حال كفره, ثم أسلم بعد ذلك ورفع الحديث فإن حديثه يكون متصلا لا مرسلا كالتنوحي رسول هرقل فقد أخرج حديثه الإمام أحمد وأبو يعلى في مسنديهما، وساقاه مساق الأحاديث المسندة. والمراد بالتابعي الكبير من لقي كثيرا من الصحابة وجالسهم وكانت جل روايته عنهم كسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عدي بن الخيار، وقيس بن أبي حازم, وأمثالهم. والصغير: هو من لم يلق من الصحابة إلا العدد اليسير أو لقي جماعة ولكن جل روايته عن التابعين كالزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبي حازم، وأمثالهم. ومن رأى النبي ﷺ وهو غير مميز كمحمد بن أبي بكر الصديق, فإنه صحابي, ولكن روايته حكم المرسل لا الموصول، ولا يجيء فيه ما قيل فيه مراسيل الصحابة؛ لأن أكثر رواية هذا وشبهه عن التابعين بخلاف

стр. 324

الصحابي الذي أدرك, وسمع فإن احتمال روايته عن التابعي بعيدة جدا. وبعض المحدثين يقصر المرسل على ما رواه التابعي الكبير عن رسول الله وأما ما رواه التابعي الصغير فيسمونه منقطعا لا مرسلا, والأول هو الراجح وعليه معول أهل هذا الفن. مثال المرسل: روى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: "إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا ١ عن الصلاة" , وعطاء من التابعين. روى يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: "من أكل من هذه الشجرة فلا يقرب مسجدنا يؤذينا بريح الثوم" , وسعيد من التابعين. تعريف الفقهاء والأصوليين: المرسل: هو قول التابعي أو من دونه قال رسول الله ﷺ كذا ... أو فعل كذا ... مثلا, فالمرسل عندهم يشمل المرسل عند المحدثين, والمنقطع بل والمعضل فهو يطلقونه على ما لم يتصل إسناده، قال ابن الحاجب في مختصره: "المرسل قول غير الصحابي: قال رسول الله ﷺ " ... وبمثل هذا القول قال الخطيب من المحدثين إلا أنه قال: إن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي ﷺ . نقد التعريف: وقد انتقد هذا التعريف: بأنه يشمل قول من قال: قال رسول الله ﷺ وإن كان في عصرنا, وهو ما لم يقل به أحد، وبأنه يلزم عليه دخول المنقطع، والمعضل في المرسل, وأهل الفن في الحديث على التفرقة بينهما. نعم قد يقال: هذا اصطلاح لهم بخاصة ولا مشاحة في الاصطلاح. وقد جرى على هذا الاصطلاح بعض المحدثين فأطلق على المعلق،

стр. 325

والمنقطع, إنه مرسل كالبيهقي، وأبي نعيم، والدارقطني، وعلى هذا مشى الإمام أبو داود صاحب "السنن" في كتابه "المراسيل".

стр. 326

" حكم المرسل عند المحدثين ": الذي ذهب إليه جمهور المحدثين أن المرسل من قبيل الحديث الضعيف للجهل بحال المحذوف؛ لأنه لا يتعين أن يكون التابعي رواه عن الصحابي, بل يجوز أن يكون رواه عن تابعي آخر, وهو يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة، وعلى الأول يحتمل أن يكون رواه عن تابعي أو صحابي, وعلى الأول يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة، وهكذا يتعدد هذا الاحتمال إما بالتجويز العقلي, فإلى ما لا نهاية، وإما بالاستقراء, فإلى ستة أو سبعة, وهو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض١, ومتى احتمل أن يكون المروي عنه ضعيفا, فقد سقط عن درجة الاحتجاج به. قال العلامة ابن الصلاح في مقدمته: "ثم إن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر, فوروده من وجه آخر يدل على صحة مخرج المرسل ... وما ذكرنا من سقوط الاحتجاج بالمرسل، والحكم بضعفه هو الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث، ونقاد الأثر وتداولوه في تصانيفهم وفي صدر صحيح مسلم "المرسل في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة". وقد حكى هذا القول عن جماعة أهل الحديث ابن عبد البر حافظ المغرب٢. "حكم المرسل عند الفقهاء": أما حكم المرسل عند الفقهاء فقد احتج به مالك وأبو حنيفة

стр. 327

وأصحابهما، وقد حكي عن الإمام أحمد الاحتجاج به في رواية١. قال في التدريب: "قال النووي في "شرح المهذب": وقيد ابن عبد البر وغيره ذلك بما إذا كان من أرسله لا يرسل عن غير الثقات, فإن كان, فلا خلاف في رده, وقال غيره: محل قبوله عند الحنفية ما إذا كان مرسله من أهل القرون الثلاثة الفاضلة, فإن كان من غيرهم, فلا؛ لحديث: "ثم يفشو الكذب" ٢, رواه النسائي وصححه. ونقل أبو بكر الرازي من الحنفية، وأبو الوليد الباجي من المالكية: أن الراوي إذا كان يرسل عن الثقات, وغيرهم: أن مرسله لا يقبل اتفاقا، وأما إذا لم يعلم حاله, فمرسله مقبول اتفاقا عند الحنفية والمالكية. أقول: ولعل وجهة نظر هؤلاء تحسين الظن بالراوي, وأن الشأن فيه أن لا يروي إلا عن ثقة, وإذا كان الأمر كذلك عند الحنفية والمالكية على ما ذكره الرازي والباجي, فينبغي أن يقيد احتجاجهما به بذلك. وقد حكى ابن جرير إجماع التابعين على قبول المرسل, وأنه لم يأت عن أحد منهم إنكاره, ولا عن أحد من الأئمة إلى رأس المائتين الذين هم من أهل القرون الفاضلة، المشهود لهم من المشرع صلوات الله وسلامه عليه بالخيرية. وقد بالغ بعضهم فقواه على المسند٣ معللا ذلك بأن من أسند فقد أحالك، ومن أرسل فقد تكفل لك٤ وهو توجيه كما ترى!! وأما الإمام الشافعي ﵁ فقد احتج به بشروط،

стр. 328

قال في كتابه "الرسالة": "إن مراسيل كبار التابعين حجة إن جاءت من وجه آخر ولو مرسلة، أو اعتضدت بقول صحابي، أو أكثر العلماء، أو كان المرسل لو سمي لا يسمى إلا ثقة, فحينئذ يكون مرسله حجة، ولا ينتهض إلى رتبة المتصل، وأما مراسيل غير كبار التابعين فلا أعلم أحدا قبلها". وقد قيل: إن الإمام الشافعي لا يحتج بالمرسل إلا مراسيل سعيد بن المسيب؛ لأنه تتبعها فوجدها مسندة من وجوه أخر، وقد حقق الإمام النووي أن الإطلاق في النفي والإثبات غير صحيح, وأن الصحيح أنه يحتج بمراسيل سعيد بن المسيب وغيره إذا استكملت الشروط التي ذكرناها، وليس لابن المسيب ميزة في هذا إلا أنه أصح التابعين إرسالا, على أن في مراسيله ما لم يوجد مسندا بحال من وجه صحيح. وقد اعتمد الإمام النووي في هذا على ما قاله إمامان جليلان١ حافظان فقيهان شافعيان متضلعان في الحديث والفقه والأصول والخبرة التامة بنصوص الشافعي ومعاني كلامه٢. ومما ينبغي أن يعلم أن بعض التابعين قد يرسل الحديث لكونه سمعه عن كثير من الصحابة, أو لغير ذلك من الأغراض, فإرسال مثل هذا لا يطعن في روايته المرسلة. روي عن الحسن البصري أنه قال: "إنما أطلقه -أي المرسل- إذ سمعته من سبعين من الصحابة", وكان يحذف اسم علي ﵁ لخوف الفتنة. "مرسل الصحابي": هو ما يرويه صغار الصحابة وأحداثهم كابن عباس من قول رسول الله ﷺ أو فعله، أو تقريره، ولم يسمعوه منه أو يشاهدوه.

стр. 329

مثاله: حديث عائشة ﵂ في بدء الوحي, رواه البخاري ومسلم وغيرهما؛ فعائشة ﵂ لم تشهد القصة، ولم تكن ولدت حينئذ فهي إما أن تكون سمعت الحديث من النبي ﷺ بعد ذلك، أو يكون بعض الصحابة أخبرها به فيكون من مراسيل الصحابة، وعلى هذا الاحتمال الثاني يكون الاستدلال بالحديث. "حكمه" أنه حجة عند المحدثين والفقهاء, وهو في حكم الموصول المسند؛ لأن أكثر روايتهم عن الصحابة١, والجهالة بالصحابة لا تضر؛ لأنهم كلهم عدول, ثم إن بعض العلماء ذكر أن الاحتجاج به موضع إجماع، وقد ذكر ابن الأثير وغيره في ذلك خلافا في الاحتجاج به عند الفقهاء، ويحكى عدم قبوله عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني لاحتمال تلقيه عن بعض التابعين. وقد روى جماعة من الصحابة عن التابعين كابن عباس, وبقية العبادلة, فقد رووا عن كعب الأحبار بعض المرويات, ولكن فيما لا يتعلق بالحلال والحرام، وكعب من التابعين وقد صنف الخطيب وغيره في رواية الصحابة عن التابعين, فذكر جملة من الأحاديث, والحق أن روايات الصحابة عن التابعين قليلة نادرة، وأنها على قلتها ليست أحاديث مرفوعة، وإنما هو من الإسرائيليات، أو قصص وحكايات، أو موقوفا٢.

стр. 330

" المنقطع ": تعريفه: قد اختلفت آراء العلماء في تعريف المنقطع, وهاك آراءهم في ذلك: "الأول" تعريف الحاكم أبي عبد الله: المنقطع: هو ما سقط فيه قبل الوصول إلى التابعي راوٍ في موضع أو في مواضع, أو ذكر فيه بعض الراوة بلفظ مبهم نحو رجل أو شيخ مثلًا. فالفرق بينه وبين المرسل عنده أن المرسل ما رواه التابعين عن النبي ﷺ من غير ذكر الصحابي. وانتقد تعريف الحاكم: بأن الصحيح أن يقال: "إلى الصحابي"؛ لأن ما سقط منه التابعي يسمى معضلًا لا منقطعًا. وبأن ما روي عن شخص مبهم لا يوافقه عليه الأكثرون من العلماء, فإنهم لا يسمونه منقطعًا بل هو متصل في إسناده مجهول كما نبه على ذلك الإمام العراقي في تعليقاته على "علوم الحديث" لابن الصلاح. مثال ما حذف فيه راوٍ واحد في أكثر من موضع ما رواه عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يُثَيْع١ عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن وليتموها أبا بكر فقويّ أمين ... " الحديث. فهذا إسناد ظاهره الاتصال, ولكن إذا تأمل فيه الماهر في صنعة الحديث وجده منقطعًا في موضعين؛ لأن عبد الرزاق لم يسمعه من الثوري, وإنما سمعه من النعمان بن أبي شيبة الجندي٢ عن الثوري؛ ولأن الثوري لم يسمعه أيضًا من أبي إسحاق, إنما رواه عن شريك عن أبي إسحاق, ومثال

стр. 331

الثاني: الحديث الذي رواه أبو العلاء بن الشِّخِّير١ عن رجلين عن شداد بن أوس عن رسول الله ﷺ في الدعاء في الصلاة: "اللهم إني أسألك الثبات في الأمور وعزيمة الرشد، وأسألك قلبا سليما، ولسانا صادقا، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأستغفرك لما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأسألك من خير ما تعلم". قال الحاكم: هذا مثال لنوع من المنقطع لجهالة الرجلين بين أبي العلاء بن الشخير، وشداد بن أوس. أقول: وقد علمت الحق في مثل هذا آنفا. الثاني: تعريف الفقهاء وبعض المحدثين كالخطيب وابن عبد البر: المنقطع: هو ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان سواء أكان الساقط منه الصحابي أو غيره, إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال عند الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي ﷺ ، وأكثر ما يوصف بالانقطاع ما رواه من دون التابعي عن الصحابي, وسواء أكان من أول السند أو وسطه أو آخره، وسواء أكان الساقط واحدا أم أكثر. قال ابن الصلاح في مقدمته: "وهذا المذهب أقرب, صار إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم, وهو الذي ذكره الحافظ أبو بكر في كفايته"٢. ولعلك على ذكر مما ذكرناه لك في تعريف المرسل عند الفقهاء، وعلى ذلك يكون المنقطع والمرسل عندهم عند الإطلاق سواء، وتكون النسبة بينهما التوافق. "مثاله": مالك عن ابن عمر ... فإن مالكا ﵁ لم

стр. 332

يسمع من ابن عمر, وإنما سمع من نافع عن ابن عمر, ومن أمثلته التعاليق التي في صحيح البخاري ومسلم عن غير شيوخهما، ومراسيل أبي داود ونحوها. "القول الثالث": المنقطع: هو ما روي عن التابعي, أو من دونه قولا كان أو فعلا, وهذا القول غريب ضعيف لأن المعروف أن ذلك يسمى مقطوعا لا منقطعا وبينهما فرق. "تعريف المحققين من المحدثين": ذهب المحققون من المحدثين كالحافظين العراقي وابن حجر وغيرهما إلى ما يأتي: المنقطع: هو ما سقط منه قبل الصحابي راوٍ واحد في موضع أو في مواضع، فإن سقط منه واحد في موضع قيل له: منقطع، فإن سقط منه اثنان في موضعين قيل له: منقطع في موضعين وهكذا. أما إن سقط منه الصحابي فهو المرسل، وإن سقط منه اثنان على التوالي فهو المعضل, وعلى هذا تكون النسبة بين المرسل والمنقطع، والمعضل التباين, ولو استبعدنا من تعريف الحاكم ما ذكرنا فيه أحد الرواة بلفظ مبهم, لكان تعريفه موافقا لتعريف المحققين من المحدثين. ومثال المنقطع عند المحدثين المثال الذي ذكرناه أولا. "بم يعرف الانقطاع؟ ": يعرف الانقطاع بين الراوي والمروي عنه؛ إما بعدم المعاصرة، أو بعدم الاجتماع به واللقى، ولم تكن له منه إجازة، وذلك يعرف من جهة علم "تاريخ الرجال" المبين لمواليد الرواة ووفياتهم وتعيين أوقات طلبهم، وارتحالهم ولقاءاتهم, ولذلك عني المحدثون بعلم تاريخ الرجال عناية فائقة، وألفوا في ذلك كتبا كثيرة وواسعة ذكروا فيها كل راوٍ

стр. 333

بما له، وما عليه، وشرحوهم فيها تشريحا دقيقا عادل لا تحيف فيه, ولا غبن. ثم إن الانقطاع قد يكون ظاهرا, وقد يكون خفيا, فلا يدركه إلا أهل المعرفة والإتقان, وقد يعرف بمجيئه من وجه آخر بزيادة رجل أو أكثر.

стр. 334

" فائدة تتعلق بالمنقطع ": ذكر الرشيد العطار أن في صحيح الإمام مسلم بن الحجاج بضعة عشر حديثا في سندها انقطاع، وهذا مشكل؛ لأن المنقطع من قبيل الضعيف عند المحدثين كما ذكرنا ومسلم إنما التزم في صحيحه تخريج الأحاديث المسندة المتصلة!! وقد أجاب عنها بأنها جاءت متصلة إما من وجه آخر عنده أو من ذلك الوجه عند غيره ومن هذه الأحاديث: "حديث حميد الطويل عن أبي رافع أنه لقي النبي ﷺ في بعض طرق المدينة ... " الحديث. وصوابه: حميد عن أبي بكر المزني عن أبي رافع كما أخرجه الخمسة، وأحمد، وابن أبي شيبة في مسنديهما ومنها: حديث السائب بن يزيد عن عبد الله السعدي عن عمر في العطاء, وصوابه: السائب بن يزيد عن حويطب بن عبد العزى، عن ابن السعدي كما أخرجه البخاري والنسائي, ومن أراد استقصاء الأحاديث المنقطعة كلها, فليرجع إلى التدريب١.

стр. 335

" المعضل ": تعريفه: المعضل لغة: مأخوذ من أعضله الأمر بمعنى أعياه فهو من أعضل المتعدي لا من أعضل القاصر بمعنى استغلق, وأشكل؛ لأن اسم المفعول في مثل هذا إنما يأتي من المتعدي لا من القاصر وأعضل المتعدي منقول من عضل اللازم، فالهمزة للتعدية، وعلى ذلك يكون عضل لازما وأعضل يأتي لازما ومتعديا. ومما يدل على وجود عضل قاصرا ورود فعيل -بمعنى فاعل- منه كقولهم: أمر عضيل أي مستغلق شديد، ومثل ذلك "ظلم الليل، وأظلم الليل، وأظلم الله الليل", وبذلك ظهر أن لا إشكال في استعمال المحدثين لهذه الكلمة من حيث اللغة، وكأن الراوي بإعضال الحديث قد أعياه وأضعفه, فلم ينتفع به من يرويه عنه. وفي الاصطلاح: هو ما سقط من إسناده اثنان فصاعدا على التوالي. وهذا هو المعتبر عند المحدثين وبذلك يتميز عن المرسل: الذي سقط منه الصحابي, والمنقطع: الذي سقط منه راوٍ واحد في موضع أو في أكثر. ومن العلماء من يسميه مرسلا كالخطيب، ومنهم من يجعله نوعا من أنواع المنقطع ويقول: كل معضل منقطع، ولا عكس، وهذا إنما يتمشى على مذهب من يرى أن المرسل والمنقطع يطلقان على كل ما لم يتصل إسناده, وهم الفقهاء ومن وافقهم, مثاله: ما يرويه تابع التابعي قائلا فيه: قال رسول الله ﷺ ... كذا, أو فعل كذا, وكذلك ما يرويه من دون تابع التابعي عن رسول الله أو عن أبي بكر، وعمر وغيرهما غير ذاكر للوسائط بينه وبينهم. ومن ذلك قول الإمام مالك في "الموطأ" بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من الأعمال إلا ما يطيق". فقد سقط بين مالك وأبي هريرة اثنان، وذلك أن مالكا قد روى هذا الحديث متصلا خارج الموطأ, فرواه عن محمد بن

стр. 336

عجلان عن أبيه عن أبي هريرة فعرفنا بذلك سقوط اثنين منه١, ومن ذلك قول المصنفين من الفقهاء, وغيرهم. قال رسول الله ﷺ كذا. ومما يلحق بالمعضل -كما قال ابن الصلاح- أن يروي تابع التابعي عن التابعي حديثا موقوفا عليه, وهو حديث متصل مسند إلى رسول الله ﷺ فقد جعله الحاكم أبو عبد الله نوعا من المعضل. مثاله: ما روى الأعمش عن الشعبي قال: "يقال للرجل يوم القيامة عملت كذا وكذا. فيقول: ما عملته، فيختم على فيه فتنطق جوارحه، أو لسانه فيقول لجوارحه أبعدكم الله ما خاصمت إلا فيكن". فقد أعضله الأعمش, وهو عند الشعبي عن أنس عن رسول الله ﷺ متصلا مسندا وبذلك يكون المحذوف منه اثنان: الصحابي ورسول الله ﷺ . وقال الحافظ ابن حجر: إن ما ذكره ابن الصلاح له شرطان. ١- أن يكون مما يجوز نسبته إلى غير النبي ﷺ وإلا فهو مرسل. ٢- أن يروى مسندا من طريق الذي وُقِف عليه وإلا فهو موقوف على التابعين لا معضل لاحتمال أنه قاله من عنده, فلم يتحقق شرط التسمية من سقوط اثنين٢.

стр. 337

" فائدتان ": "الأولى": قال السيوطي: قال شيخنا الإمام الشمني: خص التبريزي المنقطع والمعضل بما ليس في أول الإسناد, فأما ما كان في أوله فمعلق وكلام ابن الصلاح أعم. "الثانية": من مظان المعضل، والمنقطع، والمرسل كتاب السنن لسعيد بن منصور، ومؤلفات ابن أبي الدنيا.

стр. 338

" تفريعات ": "الأول": الإسناد المعنعن: وهو الذي يقال فيه: فلان عن فلان. ما حكمه؟ أهو محمول على الاتصال؟ أم هو من قبيل المرسل والمنقطع؟ ذهب بعض العلماء إلى أنه من قبيل المرسل والمنقطع حتى يتبين اتصاله والصحيح الذي عليه العمل أنه متصل محمول على السماع, وهو الذي ذهب إليه جماهير العلماء من المحدثين وغيرهم, وادعى أبو عمرو الداني١ المقرئ, وابن عبد البر حافظ المغرب إجماع أهل العلم على هذا. وقد اشترطوا لإفادته الاتصال شرطين: ١- معاصرة الراوي لمن روى عنه مع ثبوت اللقاء. ٢- البراءة من وصمة التدريس٢, وقد اكتفى الإمام مسلم بالمعاصرة فحسب، ولم يشترط ثبوت اللقاء بالفعل, وأنكر على من اشترط اللقاء، وشنع عليه في خطبة كتابه الصحيح, وقال: "إن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديما وحديثا أن يثبت كونهما في عصر واحد, وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا أو تشافها"٣. والحق هو الأول, وهو اشتراط المعاصرة مع اللقي، قال ابن الصلاح في مقدمته: "وفيما قاله مسلم نظر, وقد قيل: إن القول الذي رده مسلم هو الذي عليه أئمة هذا الشأن: الشافعي وعلي بن المديني؛ والبخاري، وغيرهما"٤, ولهذا رجح صحيح البخاري على صحيح مسلم واشترط أبو المظفر السمعاني مع اللقاء طول الصحبة فزاد هذا على ما شرط الجمهور

стр. 339

وهو قول ضعيف, والعمل عند المحدثين على خلافه. "الثاني": اختلفوا في قول الراوي: إن١ فلانا قال: كذا، أهو مثل قوله: عن فلان, فيكون محمولا على الاتصال حتى يثبت خلافه، أم هو دون قوله عن فلان؟ فذهب البعض إلى أنهما ليسا سواء, فجعلوا "عن" تفيد الاتصال, و"أن" في حكم الانقطاع حتى يثبت خلافه. وذهب الجمهور من العلماء إلى أنهما سواء, وأنهما يفيدان الاتصال بالشرطين المتقدمين: ١- المعاصرة مع اللقي. ٢- أن لا يكون معروفا بالتدليس. وما ذهب إليه الجمهور هو ما ذهب إليه الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، ويقوي ما ذهب إليه الجمهور ما حكاه ابن عبد البر من إجماع العلماء على أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء فيه أن يقول الصحابي: قال رسول الله، أو عن رسول الله, أو إن رسول الله قال كذا مثلا، أو سمعت رسول الله يقول كذا، فكل ذلك محمول على السماع. "الثالث": الحديث الذي رواه بعض الثقات مرسلا، ورواه بعضهم متصلا, ما حكمه؟ أهو من قبيل المتصل؟ أم من قبيل المرسل؟ خلاف بين العلماء. منهم من قال: إن الحكم للمرسل، ومنهم من قال: الحكم للأكثر، والأحفظ، فإذا كان من أرسله أكثر أو أحفظ فالترجيح للمرسل، ولا يقدح في عدالة من وصله وأهليته، وقيل: يقدح في عدالته وأهليته. ومنهم من قال: الحكم لمن أسنده مطلقا إذا كان عدلا فيقبل خبره، وإن خالفه غيره سواء أكان المخالف له واحدا أم جماعة، وهذا القول

стр. 340

الأخير هو الصحيح الذي صححه الخطيب وابن الصلاح وعليه جمهور الفقهاء، والأصوليين. وسئل الإمام الكبير البخاري عن حديث: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" فحكم لمن وصله وقال: الزيادة عن الثقة مقبولة هذا مع أن من أرسله شعبة، وسفيان وهما جبلان في الحفظ والإتقان. وقيل: إن البخاري لم يحكم بذلك لمجرد الزيادة بل لأن لحذاق المحدثين نظرا آخر, وهو الرجوع إلى القرائن دون الحكم بحكم مطرد١. وما قاله الإمام البخاري, هو الحق الذي لا محيص عنه, فإن من حفظ حجة على من لم يحفظ وكذلك يكون الحكم فيما إذا رواه بعضهم مرفوعا ورواه بعضهم موقوفا, ومثل ذلك ما إذا روى الراوي حديثا واحدا, واختلفت الرواية عنه فروي عنه مرة مرفوعا ومرة موقوفا، أو مرة موصولا، ومرة مرسلا, فالصحيح في ذلك تقديم الرواية الزائدة؛ لأنها زيادة ثقة وهي مقبولة.

стр. 341

" المعلق " ١: التعليق لغة: هو قطع الاتصال. وفي الاصطلاح: هو الحديث الذي حذف من مبتدأ إسناده راوٍ واحد أو أكثر ولو كان السند كله فلو قال إمام من الأئمة كالبخاري مثلا: قال مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ كذا، أو قال الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ كذا، أو قال مجاهد عن ابن عباس عن النبي, أو قال ابن عباس كذا، أو قال رسول الله كذا، سمي

стр. 342

ذلك كله معلقا؛ لأن بين البخاري ومالك وبين البخاري والزهري، وبينه وبين مجاهد، وبينه وبين ابن عباس رواة محذوفون. ومثاله: قول البخاري: قال بَهْز بن حكيم عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ : "الله أحق أن يستحيا منه". وقد جعل العلماء المعلق من قبيل الضعيف للجهل بحال الراوي المحذوف، لجواز أن يكون غير ثقة -ليس بعدل، ولا ضابط- فلمكان هذا الاحتمال لا يقبل الحديث الذي سنده هكذا على سبيل الاحتياط للأحاديث وصيانتها عن التزيد والاختلاق، أو الخطأ، والغلط وقد يحكم بصحة المعلق أو بحسنه إن عرف المحذوف بأن يجيء مسمى من وجه آخر أما حكم المعلق في الصحيحين, فمنه ما هو صحيح، ومنه ما هو حسن، ومنه ما هو ضعيف، وقد قدمنا حكم التعليق عندهما فيما سبق بعد مبحث الصحيح فكن على ذكر منه.

стр. 343

" المدلس ": المدلس: "بضم الميم وفتح اللام المشدودة" في اللغة: مأخوذة من الدلس "بفتح اللام", وهو: اختلاط الظلام بالنور وأطلقه المحدثون على الأنواع الآتية لاشتراكها في الخفاء وعدم الوضوح. وفي اصطلاح المحدثين له أقسام عدة أشهرها ثلاثة: "القسم الأول": تدليس الإسناد عرفه ابن الصلاح, فقال: هو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه أو عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه قد لقيه وسمعه منه, وذلك بأن يأتي بلفظ محتمل كقال فلان أو عن فلان, ونحوهما١, وقد يكون بينهما واحد, وقد يكون أكثر.

стр. 344

وخالف ابن الصلاح الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها ففرق بين ما إذا روى عمن لقيه ما لم يسمعه منه, وما إذا عاصره, ولم يلقه فجعل الأول تدليسًا والثاني مرسلًا خفيًّا. واستدل لما ذهب إليه بإطباق أهل العلم بالحديث على أن رواية المخضرمين١ كأبي عثمان النهدي، وقيس بن أبي حازم عن النبي ﷺ من قبيل الإرسال لا من قبيل التدليس، ولو كان مجرد المعاصرة يكتفى به في التدليس, لكان هؤلاء مدلسين؛ لأنهم عاصروا النبي ﷺ قطعًا, ولكن لم يعرف: هل لقوه؟ أم لا؟ ٢ وممن قال باشتراط اللقاء في التدليس أيضًا الإمام الشافعي وأبو بكر البزار، وكلام الخطيب في الكفاية يقتضيه، وهو المعتمد، ويعرف عدم الملاقاة بإخباره عن نفسه بذلك, أو جزم إمام مطلع بذلك، ولا يكفي أن يقع في بعض الطرق زيادة راوٍ أو أكثر بينهما، لاحتمال أن يكون من المزيد في متصل الأسانيد٣. مثاله: ما روي عن علي بن خشرم قال: كنا عند سفيان بن عيينة, فقال: قال الزهري كذا. فقيل له: حدثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال: قال الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لم أسمعه من الزهري, ولا ممن سمعه من الزهري, حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. "ذم هذا النوع": وقد كره هذا القسم من التدليس جماعة من العلماء، وذموه، وكان شعبة بن الحجاج أشد الناس إنكارا له, روى عنه الإمام

стр. 345

الشافعي أنه قال: التدليس أخو الكذب، وقال أيضا: "لأن أزني أحب إليَّ من أن أدلس", واعتبر ابن الصلاح هذا القول من شعبة مبالغة في الزجر عنه والتنفير منه١. "حكم هذا النوع": وقد اختلف العلماء في قبول رواية من عرف بهذا النوع من التدليس, فجعله فريق من أهل الحديث والفقهاء مجروحا بذلك، وقالوا: لا تقبل روايته بحال بين السماع أو لم يبين، ونقل السيوطي في التدليس أن ابن عبد البر نقل عن أئمة الحديث أنه يقبل تدليس ابن عيينة؛ لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما، ورجحه ابن حبان وقال: هذا شيء ليس في الدنيا إلا لسفيان بن عيينة, فإنه كان يدلس, ولا يدلس إلا عن ثقة متقن, ولا يكاد يوجد له خبر دلس فيه إلا وقد بين سماعه عن ثقة مثل ثقته, ثم مثل ذلك بمراسيل كبار التابعين, فإنهم لا يرسلون إلا عن صحابي وسبقه إلى ذلك أبو بكر البزار وأبو الفتح الأزدي٢ وهذا يعتبر قول ثان. والصحيح التفصيل: فما رواه المدلس بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع والاتصال, فهو مرسل لا يقبل، وما رواه بلفظ مبين للاتصال, نحو سمعت وحدثنا وأخبرنا ونحوها, فهو مقبول محتج به، وليس أدل على هذا من أنه يوجد في الصحيحين وغيرهما من هذا الضرب كثير كقتادة، والسفيانين٣ وهشام بن بشير، وعبد الرزاق، والوليد بن مسلم؛ لأن التدليس ليس كذبا, وإنما هو ضرب من الإيهام بلفظ محتمل، وهذا الحكم جار كما نص عليه الشافعي فيمن دلس ولو مرة واحدة. ومما ينبغي أن يعلم أن ما كان في الصحيحين وأشباههما من الكتب التي التزمت الصحة من الرواية عن المدلسين الذين رووا بلفظ عن

стр. 346

محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى، ولذلك نجد البخاري ومسلما كثيرا ما يذكرون للحديث الواحد أكثر من سند لهذا الغرض، وقد يختار صاحب الصحيح طريق العنعنة على طريق التصريح بالسماع لكونها على شرطه دون تلك. وفصل بعضهم تفصيلا آخر فقال: إن كان الحامل له على التدليس تغطية الضعيف فجرح؛ لأن ذلك حرام وغش وإلا فلا. "القسم الثاني" تدليس الشيوخ: وهو أن يروي عن شيخ حديثا سمعه منه فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف كي لا يعرف. "مثاله" ما روي عن أبي بكر بن مجاهد المقرئ أنه روى عن أبي بكر بن أبي داود السجستاني فقال: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله، وروى عن أبي بكر محمد بن الحسن النقاش المفسر شيخ المقرئين في عصره المتوفى سنة ٣٥١هـ, فقال: حدثنا محمد بن سند نسبه إلى جد له عالٍ. "حكمه": قال ابن الصلاح: إن هذا القسم أمره أخف من الأول, وفيه تضييع للمروي عنه وللمروي أيضا؛ لأنه ربما لا يتنبه إليه فيصير بعض رواته مجهولا, فلا يقبل ذلك الحديث, وتوعير لطريق معرفته على من يطلب الوقوف على حاله وأهليته، ويختلف الحال في كراهة ذلك بحسب الغرض الحامل عليه فقد يحمله على ذلك كون شيخه غير ثقة أو كونه متأخر الوفاة قد شاركه في السماع منه جماعة دونه، أو كونه أصغر سنا من الراوي عنه، أو كونه كثير الرواية عنه, فلا يجب الإكثار من ذكر اسمه بلفظ واحد، وتسمح بذلك جماعة من العلماء المصنفين منهم الخطيب البغدادي. أما حكمه فقد قال العراقي: جزم ابن الصباغ في العدة أن من فعل ذلك لكون من روى عنه غير ثقة عند الناس، وإنما أراد أن يغير

стр. 347

اسمه ليقبلوا خبره, يجب أن لا يقبل خبره يعني يكون مجروحا بذلك، وإن كان هو يعتقد فيه الثقة, فهو غلط لجواز أن يعرف غيره من جرحه ما لا يعرفه هو، وإن كان لصغر سنه, فيكون ذلك رواية عن مجهول لا يقبل خبره حتى يعرف من روى عنه١, وقال الآمدي: إن فعله لضعفه فجرح أو لضعف نسبة أو لاختلافهم في قبول روايته, فلا يكون جرحا وقال ابن السمعاني: إن كان بحيث لو سئل عنه لم يبينه, فجرح وإلا فلا. ومنع بعضهم إطلاق اسم التدليس على هذا, روى البيهقي في المدخل عن محمد بن رافع قال: قلت لأبي عامر: كان الثوري يدلس؟ قال: لا، قلت: أليس إذا دخل كورة يعلم أن أهلها لا يكتبون حديث رجل قال: حدثني رجل، وإذا عرف الرجل بالاسم كناه، وإذا عرف بالكنية سماه؟ قال: هذا تزيين ليس بتدليس٢. "القسم الثالث" تدليس التسوية, وهو أن يسقط المدلس غير شيخه لضعفه أو لصغره, فيصير الحديث ثقة عن ثقة, فيحكم له بالصحة، وممن اشتهر بذلك الوليد بن مسلم كان يحذف شيوخ الأوزاعي الضعفاء، ويبقي الثقاة, فقيل له: لقد أفسدت حديث الأوزاعي، قال: كيف؟ فقيل له: تروي عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن الزهري, وغيرك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله بن عامر الأسلمي، وبينه وبين الزهري إبراهيم بن مرة، قال: أنبل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء فقيل له: فإذا روى عن هؤلاء, وهم ضعفاء أحاديث مناكير, فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضعف الأوزاعي؟ فلم يلتفت الوليد إلى ذلك القول؛ قال الخطيب: وكان الأعمش وسفيان الثوري يفعلان مثل هذا.

стр. 348

"حكم هذا القسم" وهذا النوع شر الأقسام, وفيه تغرير شديد, قال العراقي: وهو قادح فيمن تعمد فعله، وقال الحافظ ابن حجر: لا شك أنه جرح, وإن وصف به الثوري والأعمش، فلا اعتذار عنهما أنهما لا يفعلانه إلا في حق من يكون ثقة عندهما ضعيفا عند غيرهما, وابن القطان سمى هذا النوع تسوية بدون لفظ التدليس, فيقول: سواه فلان, وهذه تسوية, والقدماء يسمونه: تجويدا, فيقولون: جوده فلان أي ذكر من فيه الأجواد, وحذف غيرهم١.

стр. 349

" الشَّاذُ ": الشاذ في اللغة من معانيه المنفرد، ففي المصباح "شذ يُشِذ ويَشُذ شُذوذا انفرد عن غيره", وفي القاموس: "شذ يَشُذ ويشِذ شَذًّا وشذوذا ندر عن الجمهور". وفي اصطلاح المحدثين له تعريفات أشهرها: "الأول": عرفه الإمام الشافعي, فقال: ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس أي الحافظ الثقات، ووافق الشافعي جماعة من العلماء. و"الثاني" قال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتابه "الإرشاد": الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به ثقة أو غيره فما كان من غير ثقة, فمتروك لا يقبل, وما كان عن ثقة توقف فيه ولا يحتج به فجعل الشاذ مطلق المتفرد من غير اعتبار المخالفة. "الثالث": وقال الحاكم أبو عبد الله: هو ما انفرد به ثقة وليس له أصل بمتابع لذلك وينقدح في نفس الناقد أنه غلط ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك.

стр. 350

قال: ويغاير المعلل بأن ذلك وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علة كذلك، فتعريف الحاكم أخص من تعريف الخليلي١. "نقد هذين التعريفين": وقد انتقد ابن الصلاح, وتابعه النووي هذين التعريفين بأنهما منتقضان بالأحاديث التي انفرد بروايتها العدل الضابط الحافظ, وذلك كحديث: "إنما الأعمال بالنيات ... " , فإنه تفرد به عمر عن النبي ﷺ ، وتفرد به عن عمر علقمة بن وقاص، وتفرد به عن علقمة محمد بن إبراهيم التيمي، وتفرد به عن محمد يحيى بن سعيد الأنصاري, وحديث النهي عن بيع الولاء وهبته فقد تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وحديث مالك عن الزهري عن أنس أن النبي ﷺ دخل مكة, وعلى رأسه المغفر, تفرد به مالك عن الزهري, فكل هذه وأمثالها مخرجة في الصحيحين أو أحدهما مع أنها ليس لها إلا إسناد واحد، وقد قال الإمام مسلم: للزهري نحو تسعين حرفا يرويه ولا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد والمراد بالحرف الحديث. "تعريف ابن الصلاح": قال ابن الصلاح فهذا الذي ذكرناه لك, وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي قالاه وحينئذ فالصحيح التفصيل: فإن كان الثقة بتفرده مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك كان ما انفرد به شاذا مردودا، وإن لم يخالف الراوي بتفرده غيره وإنما روى أمرًا لم يروه غيره فينظر في هذا الراوي المتفرد, فإن كان عدلا حافظا موثوقا بضبطه كان تفرده صحيحا وإن لم يوثق بحفظه, ولكن لم يبعد عن درجة الضابط كان ما انفرد به حسنا، وإن بعد من ذلك كان شاذا منكرا

стр. 351

مردودا فتحصل من هذا أن الشاذ المردود قسمان١: ١- الحديث الفرد الذي خالف فيه رواية من هو أولى منه بالحفظ والضبط. ٢- الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرا لما يوجبه التفرد من النكارة والضعف. "تعريف الحافظ ابن حجر": قال: الشاذ ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات كفقه الراوي وعلو سنده قال الحافظ: وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح، والمراد بالمقبول أعم من أن يكون ثقة أو صدوقا. "مثاله في السند": ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس "أن رجلا توفي على عهد رسول الله ﷺ ولم يدع وارثا إلا مولى هو أعتقه فقال ﷺ : "هل له أحد؟ " قالوا: لا، إلا غلام كان أعتقه فجعل رسول الله ﷺ ميراثه له", وتابع ابن عيينة على وصله إلى ابن عباس ابن جريج وغيره، وخالفهم حماد بن زياد فرواه مرسلا عن عمرو بن دينار عن عوسجة ولم يذكر ابن عباس. قال أبو حاتم: المحفوظ حديث ابن عيينة فحماد بن زيد من أهل

стр. 352

العدالة والضبط ومع ذلك رجح أبو حاتم رواية من هم أكثر عددا منه فرواية حماد شاذة. "مثاله في المتن": ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا "إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع عن يمينه", قال البيهقي: خالف عبد الواحد العدد الكثير في هذا فإن الناس إنما رووه عن فعل النبي ﷺ لا من قوله، وانفرد عبد الواحد من بين الثقات عن الأعمش بهذا اللفظ.

стр. 353

" المحفوظ ": ويقابل الشاذ المحفوظ, وهو ما رواه الراجح من الرواة مخالفا للمرجوح, وذلك مثل رواية سفيان بن عيينة السابقة, فهي المحفوظة.

стр. 354

" المنكر ": عرفه الحافظ أبو بكر البرديجي١ فقال: هو الحديث الذي لا يعرف متنه عن غير راويه وكذا أطلقه كثيرون من أهل الحديث. وقال ابن الصلاح: إن المنكر والشاذ بمعنى واحد, وإنه ينقسم إلى قسمين على ما ذكر في الشاذ. ١- الفرد المخالف لما رواه الثقات. ٢- الفرد الذي ليس في رواته من الثقة الإتقان ما يحتمل معه تفرده. ومثل للأول بمثال ناقشه فيه العراقي ولم يسلم له، ومثل للثاني بمثال سلم له٢. وقال الحافظ ابن حجر: المنكر، ما رواه الضعيف مخالفا لمن هو أولى منه, ومثاله ما رواه ابن أبي حاتم عن حُبَيِّب "بضم الحاء المهملة

стр. 355

وفتح الموحدة وتشديد التحتية المشددة" بن حبيب "بوزن كريم", وهو أخو حمزة الزيات الإمام المقرئ عن أبي إسحاق السَّبِيعي "بفتح السين وكسر الباء" عن العَيْزار "بفتح العين وسكون الياء" عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج وصام وقرى الضيف دخل الجنة", قال أبو حاتم: هو منكر يعني بسبب إسناده, وإن كان معناه صحيحا؛ لأن غير حبيب من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا على ابن عباس, وهو المعروف. وقد فرق الحافظ ابن حجر بين الشاذ والمنكر, فقال بعد أن ذكر تعريفهما: "وعرف بهذا أن بين الشاذ والمنكر عموما وخصوصا من وجه١؛ لأن بينهما اجتماعا في اشتراط المخالفة, وافتراقًا في أن الشاذ رواية ثقة أو صدوق, والمنكر رواية ضعيف, وقد غفل من سوى بينهما٢ ومراده ابن الصلاح. "تعريف آخر للمنكر": ويطلق المنكر ويراد به أيضا ما رواه الراوي الذي فحش غلطه أو كثرت غفلته أو ظهر فسقه, وهذا على رأي من لم يشترط المخالفة في المنكر٣, ويقرب من هذا ما ذكره ابن الصلاح في النوع الثاني للشاذ والمنكر, أي ما انفرد به راويه الذي ليس بعدل ولا ضابط, ومثله لا يقبل تفرده.
следующие страницы →