← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9987

الوسيط في علوم ومصطلح الحديث

محمد أبو شهبة

Полный текст (950 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

نطق بالضاد بيد أني من قريش، واسترضعت في بني سعد بن بكر" قال السيوطي نقلا عن الحافظ ابن كثير: إنه لا أصل له. والتعبير بالضاد عن اللغة العربية مستحدث. "كتب الأدب واللغة": وكذلك كتب الأدب واللغة تذكر الكثير من الأحاديث بلا سند ولا تخريج, فمن ذلك ما ذكره الجوهري في صحاحه من حديث: "إن القصيرة قد تطيل "أي تلد ولدا طويلا"", وهو ليس بحديث وقد عده صاحب القاموس من أوهامه، وما ذكره صاحب مختار الصحاح في مادة "عك", وهو حديث: "طوبى لمن رأى عكة", وهو لا أصل له عند المحدثين. أما كتب الأدب القديمة فقد أسرفت في ذكر الأحاديث التي لا أصل لها, وذلك مثل قصة قس بن ساعدة الأيادي وسماع النبي له وهو يخطب على جمل أورق, وقد عدها ابن الجوزي في الموضوعات إذ في سندها محمد بن الحجاج اللخمي، كذاب خبيث أحاديثه موضوعة, والكلبي وهو كذاب وأبو صالح وهو واه١, وقد اغتر بهذه القصة ولم يتنبه لوضعها معظم المؤلفين في الأدب قديما وحديثا ولا تزال تدرس للطلاب في كلياتنا الجامعية ومعاهدنا العلمية. أقول: وهذه القصة رويت أيضا من طرق أخرى، وبأسانيد لا يصل رجالها إلى درجة الكذب والوضع، وترتفع بالقصة عن درجة الوضع. وقد أسرف صاحب "نهاية الأرب" في ذكر أحاديث موضوعة وقصصا إسرائيليا كثيرا مثل ما ذكره في فضل صخرة بيت المقدس, وقد قال الحفاظ الناقدون: "كل ما روي في صخرة بيت المقدس فهو موضوع مفترى ولم يصح في فضل بيت المقدس إلا ثلاثة أحاديث".

стр. 422

ومثل ما ذكره في فضيلة الزهد وبغض الدنيا وما ذكره في قصص الأنبياء والأمم السابقة مما نقله عن الثعلبي، وفيه من المنكر والإسرائيليات شيء كثير. وقصارى القول -بعد هذا المطاف في كتب العلوم أن المعول عليه في ثبوت الأحاديث والاحتجاج أو الاستشهاد بها هي كتب الأئمة الحذاق الناقدين العارفين بالجرح والتعديل وبخاصة كتب الذين التزموا تخريج الأحاديث الصحاح، والحسان، أما كتب العلوم الأخرى فلا يعول عليها في هذا، بل فيها أحاديث ضعيفة، وموضوعة، وإسرائيليات كثيرة يجب الحذر منها، وعدم روايتها إلا مقترنا ببيان حالها. ومعذرة مرة أخرى إذا كنت أوجزت في هذا الفصل فقد أطلت القول في كتابي الذي نبهت إليه آنفا.

стр. 423

" جهاد العلماء في مقاومة حركة الوضع وتنقية السنة والأحاديث ": لقد قيض الله لحفظ الأحاديث والسنن، وتمييز صحيحها من ضعيفها، وجيدها من زائفها علماء كثيرين في كل عصر ومصر تجردوا وانقطعوا لهذا العمل الجليل، ومن يوم أن ظهرت حركة الوضع في الحديث، وهؤلاء العلماء في جهاد مستمر مضن في مقاومة هذه الموضوعات وتنقية السنة منها، ولما قيل لعبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث الموضوعة قال: "تعيش لها الجهابذة" وذكر الذهبي في "طبقات الحفاظ" أن الرشيد أخذ زنديقا ليقتله فقال: أين أنت من ألف حديث وضعتها؟ فقال: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري١ وابن المبارك٢ ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا؟ وقال ابن

стр. 424

المبارك: "لو هم رجل في السحر أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون: كذاب", ففي هذه النقول وغيرها ما يدل على يقظة أهل الحديث ورجاله للموضوعات، والعمل على إبطالها، وعلى تعقبهم الوضاعين، ورد كيدهم في نحرهم، وقد كان من فضل الله على الأمة الإسلامية أن رزقها من الحفاظ البارعين والنقاد البصيرين ما لا يحصون كثرة، وقد اتخذ جهاد المحدثين مظاهر شتى وأنواعا متعددة. ١- المبادرة بجمع الأحاديث وتدوينها تدوينا عاما في وقت مبكر, وكان ذلك على رأس المائة الأولى في عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵁, فقد كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المتوفى سنة ١٢٠هـ, وإلى محمد بن شهاب الزهري المتوفى سنة ١٢٤هـ وغيرهما من علماء الأمصار: أن انظروا ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء، فسارع العلماء إلى الاستجابة بدافع من دينهم، ووازع من أنفسهم، وأقبلوا على الجمع إقبالا منقطع النظير، بحيث لم يكد ينتهي القرن الثالث حتى كانت الأحاديث والسنن مجموعة في كتب الحديث المعتمدة مثل موطأ الإمام مالك؛ ومسند الإمام أحمد وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، والترمذي والنسائي، وابن ماجه، وصحيح محمد بن إسحاق بن خزيمة، وتهذيب الآثار لابن جرير الطبري، وغيرهما من الكتب، وقد أطنبت في هذا في كتابي "أعلام المحدثين"١ فليرجع إليه من يشاء الاستزادة, وبهذا حالوا بين الوضاعين، وبين الإفساد في الأحاديث، وصارت كتب الحديث، ودواوينه المعتمدة موردا للمجتهدين والمستدلين، ومرجعا لمعرفة الصحيح من الحسن، من الضعيف.

стр. 425

٢- الجرح والتعديل: وقد صاحبت حركة الجمع تجريح الرواة وتعديلهم، وتشريحهم تشريحا دقيقا لوجه الله والحقيقة، وقد كان للجرح والتعديل أكبر الأثر في تنقية السنن والأحاديث مما عسى أن يعلق بها من الموضوعات، والإسرائيليات، وقد بلغ العلماء المحدثون في نقد الأسانيد مبلغا لم تبلغ شأوه أمة من الأمم، وتركوا لنا في ذلك ثروة ضخمة في كتب الرجال منها ما هو في الثقات من الرواة، ومنها ما هو في الضعفاء، والوضاعين، ومنها ما هم فيما هو أعم منها. ومن هذه الكتب "الضعفاء والمتروكون" لابن حبان، و"الكامل" لابن عدي، و"الضعفاء" للعقيلي، وكتب الطبقات، لطبقات ابن سعد، وتواريخ البخاري الثلاثة: الكبير، والأوسط، والصغير، ومن عيون الكتب "ميزان الاعتدال" للذهبي، و"لسان الميزان" و"تهذيب التهذيب" وهما للحافظ ابن حجر وغيرها كثير. وكذلك عنوا بنقد المتون عناية متئدة، متبصرة، فلم يفرطوا، أو يفرطوا في نقدها، ووضعوا لنقد الأسانيد والمتون قواعد، وهي أرقى وأدق ما عرف الناقدون في القديم، والحديث، وقد أسهبت القول في هذا في مقدمة كتابي "أعلام المحدثين"١, و"دفاع عن السنة", فليرجع إليهما من يشاء. وبهذا النقد الأصيل ميزوا بين الصحيح والمعلول والمقبول والمردود من الأسانيد والمتون. ٣- كما اتخذ هذا الجهاد مظهرا آخرا من مظاهر دفاع المحدثين عن الأحاديث, وذلك عن طريق تأليف الكتب التي تنص فيها على الأحاديث الموضوعة ونقدها سندا ومتنا وهذه نوعان: "النوع الأول": كتب خاصة بالموضوعات وهي كثيرة منها:

стр. 426

١- كتاب الأباطيل للجوزقاني, وهو الحافظ الحسن بن إبراهيم المتوفى سنة ٥٤٣ ثلاث وأربعين وخمسمائة, وهو كتاب صغير على تساهل فيه. ٢- الموضوعات لابن الجوزي, وهو الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي المتوفى سنة "٥٩٧هـ" سبع وتسعين وخمسمائة, وقد أخذ عليه المحدثون تساهله في إيراد ما لا يستحق أن يكون موضوعا وعلى الناظر فيه أن يدقق ويحقق حتى يظهر له الصواب فيما عد من تساهله إذ أنه قد خولف في أحاديث قد يكون الحق معه فيها، ومما أخطأ فيه حديث ذكره وهو في صحيح مسلم١. ٣- اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي الحافظ المتوفى سنة "٩١١" اختصر فيه كتاب الموضوعات لابن الجوزي وتعقبه في بعض الأحاديث وهو مطبوع. ٤- "الدر الملتقط في تبيين الغلط" للعلامة رضي الدين أبي الفضل حسن بن محمد الصغاني "م٦٥٠" وفي بعض ما ذكره ما ينتقد عليه. ٥- كتاب "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الموضوعة" للعلامة علي بن محمد بن عراق "م٩٦٣", وهو قيم لخص فيه الكتب التي تقدمت عصره وله فيه تعقيبات مفيدة, وكان مخطوطا في مكتبة الجامع الأزهر الشريف ثم طبع. ٦- و"تذكرة الموضوعات" للحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي المتوفى في سنة "٥٠٧" وفيه ما ليس بموضوع وهو مطبوع.

стр. 427

٧- "تذكرة الموضوعات" للفتني محمد بن طاهر "م٩٨٦", وفيه ما ليس بموضوع وهو مطبوع. ٨- "الموضوعات" للشيخ علي القاري الحنفي "م١٠١٤", وهو حسن مع اختصاره وهو مطبوع. ٩- "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للعلامة محمد بن علي الشوكاني "م١٢٥٠", وعليه فيه مؤاخذات في ذكر ما ليس بموضوع وهو مطبوع. "النوع الثاني": كتب غير خاصة بالموضوعات وهي قسمان: أ- كتب الأحاديث المشهورة١ منها: ١- "المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة" للسخاوي المتوفى "٩٠٢" ميز فيه بين الأحاديث المشتهرة على الألسنة وقد نص فيه على كثير من الأحاديث الموضوعة وما لا أصل له وهو مطبوع. ٢- "تمييز الطيب من الخبيث" اختصره مؤلفه ابن الديبع الشيباني من "المقاصد الحسنة" السابق وهو مطبوع. ٣- "اللآلئ المنتثرة في الأحاديث المشتهرة" للسيوطي وهو مطبوع. ٤- "كشف الخفاء ومزيل الإلباس" للمحدث إسماعيل بن محمد العجلوني "م١١٦٢" جمع فيه خلاصة الكتب التي تقدمته. مطبوع. ب- "كتب التخاريج" وهي كتب قصد بها بيان درجة الأحاديث

стр. 428

وبيان مخرجيها وفيها التنصيص على الموضوع وما لا أصل له منها. ١- "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية" للحافظ جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي المتوفى "٧٦٢" خرج فيه أحاديث الهداية, وقد أجاد فيه وراعى الدقة والإنصاف. وهو مطبوع. وقد اختصره الحافظ ابن حجر في كتاب "الدراية في تلخيص نصب الراية". ٢- "التلخيص الحبير في تخريج أحاديث شرح الرافعي الكبير" للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني "م٨٥٢", وشرح الرافعي هو على وجيز الإمام الغزالي في فقه الشافعية، مطبوع بالهند. ٣- "المغني عن حمل الأسفار في الأسفار" للحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي المتوفى "٨٠٦" خرج فيه أحاديث الإحياء وبين درجة كل حديث أو أثر من الصحة أو الحسن أو الضعف وبين ما فيه من موضوع، وما لا أصل له، وهما تخريجان، كبير وصغير والمطبوع مع الإحياء هو الصغير. ٤- تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري ومؤلفه الحافظ الزيلعي السابق, وقد نص فيه على المطبوع, وما لا أصل له، وقد اختصره الحافظ ابن حجر في كتابه "الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف", وهو مطبوع مع الكشاف في بعض طبعاته.

стр. 429

كتب أخر للتخاريج الاعتبار والمتابعات والشواهد ... "كتب أخر للتخاريج": وهناك عدا ما ذكرت "تحفة الراوي في تخريج أحديث البيضاوي" وتخريج "أحاديث أصول البزدوي" لقاسم بن قطلوبغا الحنفي، وتخريج أحاديث "شرح السعد" و"شرح المواقف" وهما للسيوطي، وتخريج أحاديث "منهاج الأصول" لشيخ الإسلام عمر بن علي الأنصاري، وتخريج "أحاديث شرح الرضي على الكافية" لعبد القادر البغدادي, وقد اطلعت على هذه التخاريج وكلها مخطوطة وتخريج أحاديث "شرح الشفا" للحافظ السيوطي وهو مطبوع. وهكذا نرى أن كتب التخاريج قد أسهمت إلى درجة كبيرة في التنبيه إلى الموضوعات والإسرائيليات، وما على شاكلتها، ولو أن هذه التخاريج التي لم تطبع وجدت من يطبعها لكان في ذلك خدمة تشكر للحقيقة والبحث ولما وقع الكثيرون في خطأ ذكر الموضوعات من غير بيانها اعتمادا على وجودها في كتب العلوم. "الاعتبار والمتابعات والشواهد": هذا النوع من الأنواع التي يذكرها علماء علوم الحديث في تصانيفهم ومؤلفاتهم وإيراد العنوان على هذا الوضع يوهم أن الاعتبار قسيم للمتابعات والشواهد وليس الأمر كذلك. وإنما الاعتبار: هو البحث في طرق الأحاديث والمرويات ليتوصل بذلك إلى معرفة الحديث أتفرد به راويه أم لا؟ وأهو معروف أم لا؟ وذلك بأن يأتي إلى حديث لبعض الرواة فيعتبره بروايات غيره من

стр. 430

الرواة بسبر طرق الحديث١ ليعرف أشاركه في ذلك الحديث راو غيره فرواه عن شيخه أم لا؟ فإن لم يكن فينظر هل تابع أحد شيخ شيخه في روايته فرواه عمن روى عنه؟ وهكذا إلى آخر الإسناد وتلك هي المتابعة. فإن لم يكن فينظر: هل أتى بمعناه حديث آخر؟ وهو الشاهد، فإن لم يكن فالحديث فرد، ومن ثم نرى أن الاعتبار ليس قسيما٢ للمتابع، والشاهد، بل هو الوسيلة للتوصل إليهما. ولما كان المثال هو الذي يوضح الممثل له فقد جرى أئمة علوم الحديث على توضيح ذلك بالمثال فمثال الاعتبار: أنه يروي حماد بن سلمة مثلا حديثا لا يتابع عليه عن أيوب٣، عن ابن سيرين٤، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، فينظر: هل رواه ثقة غير أيوب عن ابن سيرين؟ فإن لم يوجد ثقة غيره فينظر: هل رواه غير ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁، فإن لم يوجد فينظر هل رواه صحابي آخر غير أبي هريرة عن النبي ﷺ ؟ فأي ذلك وجد علم به أن له أصلا يرجع إليه، وإن لم يوجد شيء من ذلك فلا أصل له.

стр. 431

ثم بين المثال بما هو موجود بالفعل في بعض كتب الحديث المعتمدة وذلك كالحديث الذي رواه الترمذي عن طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن ابن سرين، عن أبي هريرة، أراه رفعه "أحبب حبيبك هونا". الحديث, قال الترمذي: غريب، لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه أي من وجه يثبت, وإلا فقد رواه الحسن بن دينار عن ابن سيرين والحسن متروك الحديث لا يصلح للمتابعات. والمتابعة: أن يرويه عن أيوب غير حماد، وهذه المتابعة التامة، وهي التي تكون في أول السند أي من جهة الإمام الراوي فإن لم يروه عن أيوب غير حماد ولكن رواه عن ابن سيرين غير أيوب، أو عن أبي هريرة، غير ابن سيرين، أو عن النبي ﷺ صحابي غير أبي هريرة, فكل هذا يسمى متابعة ولكنها قاصرة؛ لأنها تقصر عن المتابعة الأولى بحسب بعدها منها، قال ابن الصلاح، وتسمى المتابعة شاهدا أيضا. والشاهد: أن يروي حديث آخر بمعناه، ولا تسمى هذه متابعة. وهذا الذي ذكرناه في تعريف المتابعة والشاهد هو ما ذكره الإمام الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في "علوم الحديث" وتبعه النووي وغيره. وبالتأمل فيه نرى أن ابن الصلاح خص المتابعة بما كان باللفظ سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لا، والشاهد: خصه بما كان بالمعنى سواء أكان عن ذلك الصحابي أم لا, وقيل: الشاهد أعم من أن يكون باللفظ أو بالمعنى. وقد جاء الإمام الحافظ ابن حجر فخالف ابن الصلاح في هذا واعتبر المتابعة فيما إذا كانت عن ذلك الصحابي الذي روى الحديث المتابع -بفتح الباء الموحدة- سواء أكانت باللفظ أم بالمعنى، واعتبر الشاهد فيما إذا كان عن صحابي آخر سواء أكان باللفظ أم

стр. 432

بالمعنى، وهذه المسألة إحدى مسائل الخلاف بين الشيخ ابن حجر والشيخ أبي عمرو بن الصلاح, وسبقت مسألة أخرى فقد جعل الإمام أبو عمرو الشاذ والمنكر شيئا واحدا وفرق بينهما الحافظ كما ذكرنا فيما سبق, فليكن أهل العلم وطلبة الحديث على بينة من هذا, وقد ضرب الحافظ ابن حجر مثالا يوضح ما أراده غاية التوضيح فقال -رحمه الله تعالى: مثال ما اجتمع فيه المتابعة التامة، والقاصرة، والشاهد: ما رواه الشافعي في الأم عن مالك، عن عبد الله بن دينار, عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: $"الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى ترو الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين". فهذا الحديث بهذا اللفظ ظن قوم أن الشافعي تفرد به عن مالك فعدوه في غرائبه١؛ لأن أصحاب٢ مالك رووه عنه بهذا الإسناد بلفظ: "فإن غم عليكم فاقدروا له" , لكن وجدنا للشافعي متابعا وهو عبد الله بن مسلمة القعنبي٣ كذا أخرجه البخاري عنه عن مالك٤، وهذه متابعة تامة. ووجدنا له متابعة قاصرة في صحيح ابن خزيمة من رواية عاصم بن محمد عن أبيه محمد بن زيد عن جده عبد الله بن عمر: "فأكملوا ثلاثين" وفي صحيح مسلم من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بلفظ: "فاقدروا ثلاثين".

стр. 433

قال الحافظ: ووجدنا له شاهدا رواه النسائي من رواية محمد بن حنين١ عن ابن عباس عن النبي ﷺ فذكر مثل حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر بلفظه سواء٢ ورواه البخاري من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة بلفظ: "فإن أغمى عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" , وذلك شاهد بالمعنى. وقد وافق الحافظ ابن الصلاح في أنه قد يطلق على الشاهد، والعكس أي وقد يطلق الشاهد على المتابع فلا فرق بينهما إلا بغلبة استعمال الشاهد في أحد معنييه عند قوم، وكثرة استعمال المتابع عند آخرين قال: والأمر سهل، إذ المقصود الذي هو التقوية حاصل بكل منهما سواء أكان متابعا، أم شاهدا. قال الحافظ: وخص قوم المتابعة بما حصل باللفظ سواء أكان من رواية ذلك الصحابي أم لا، والشاهد بما حصل بالمعنى كذلك أي سواء أكان من رواية ذلك الصحابي أم لا. ومراده بالقوم: الإمام ابن الصلاح ومن تبعه. وإذا قلنا العلماء في مثل هذا الحديث: تفرد به أبو هريرة عن النبي ﷺ أو تفرد به ابن سيرين عن أبي هريرة، أو تفرد به أيوب عن ابن سيرين، أو حماد عن أيوب، كان مشعرا بانتفاء وجود المتابعات فيه وإذا انتفت المتابعات مع الشواهد فحكمه ما سبق في الشاذ من التفصيل أقول: يعني إن كان راويه ثقة ولم يخالف من هو أوثق منه فهو مقبول، وإن خالف من هو أوثق منه أو أولى منه فهو الشاذ المردود، ومقابله يسمى المحفوظ.

стр. 434

ومما ينبغي أن يعلم أنه يقبل في المتابعات والشواهد رواية من لا يحتج به لأن شأن المتابعات والشواهد مبني على التسامح، ولا يصلح لذلك كل ضعيف، لأن الضعيف قسمان: ١- ضعيف يعتبر به. ٢- وضعيف لا يعتبر به. وسيأتي بيان ذلك في ألفاظ الجرح والتعديل إن شاء الله تعالى. والخلاصة: أن الاعتبار ليس قسيما للمتابعات، والشواهد، وإنما هي الطريقة أو الوسيلة التي يتوصل بها إلى معرفة، هل للحديث متابع أو شاهد؟ ١ فائدة: المتابعة مصدر تابع يتابع متابعة فهي العلاقة التي بين المتابِع -بكسر الباء الموحدة- والمتابَع -بفتح الباء الموحدة- والمتابِع -بكسر الباء- هو الراوي الموافق لغيره، والمتابَع -بفتح الباء- هو الراوي الذي وافقه غيره والله أعلم.

стр. 435

" معرفة الأفراد ": الأفراد جمع فرد قال في القاموس: "الفرد: نصف الزوج والمتحد "ج" فراد ومن لا نظير له جمعه أفراد وفرادى وشحرة فارد متنحية، وظبية فارد منفردة عن القطيع وناقة فاردة، ومفراد وفرود تنفرد في المرعى"١. وهو في الاصطلاح الحديث الذي تفرد به راويه, فإن كان التفرد في أصل السند٢ أو في كل السند, فهو الفرد المطلق, وإلا فهو الفرد النسبي وقد سبق بيان بعض ما يتعلق بهذا النوع في شرح "الحديث الغريب", وفي بعض المباحث والأنواع السابقة.

стр. 436

وقد أفردته بعنوان أو إن شئت فقل ترجمه كما أفرده الحاكم، وابن الصلاح وغيرهما. أقسامه: وهو قسمان: أحدهما فرد مطلق، وهو الذي تفرد به واحد عن جميع الرواة وقد تقدم حكمه, أعني فإن كان راويه المتفرد به ثقة أو ممن يحتمل تفرده فهو مقبول، وإن خالف فيه راويه من هو أوثق منه، أو أقوى منه فهو الشاذ. الثاني: فرد نسبي أي بالنسبة إلى جهة خاصة كقولهم: تفرد به أهل مكة أو الشام، أو البصرة، أو الكوفة، أو خراسان، أو نحو ذلك أو تفرد به فلان عن فلان وإن كان مرويا من وجوه عن غيره. التفرد لا يقتضي الضعف: ولا يقتضي هذا ضعفه من حيث كونه فردا إلا أنه يراد بتفرد المدنيين مثلا تفرد واحد منه تجوزا أو يقال: لم يروه ثقة إلا فلان, فيكون حكمه كالقسم الأول؛ لأن رواية غير الثقة كلا رواية، فينظر في المنفرد به: أبلغ رتبة من يحتج بتفرده أم لا؟ وفي غير الثقة أبلغ رتبة من يعتبر بحديثه أم لا؟ مثال ما انفرد به أهل بلد: ما رواه أبو داود عن أبي داود الطيالسي، عن همام، عن قتادة، عن أبي نضرة١ عن أبي سعيد قال: "أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر".

стр. 437

قال الحاكم: تفرد بذكر الأمر فيه أهل البصرة من أول الإسناد إلى آخره، ولم يشركهم في هذا اللفظ سواهم. وما رواه مسلم من حديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء رسول الله ﷺ : "ومسح رأسه بماء غير فضل يديه". قال الحاكم: "هذه سنة غريبة تفرد بها أهل مصر، ولم يشاركهم فيها أحد". وما رواه مسلم أيضا من حديث الضحاك بن عثمان عن أبي النضر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: "صلى النبي ﷺ على سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد". قال الحاكم: تفرد به أهل المدينة. وما رواه أحمد من حديث إسماعيل بن عبد الملك المكي عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خرج من عندها فقالت: يا رسول الله خرجت من عندي وأنت طيب النفس، ثم رجعت إليّ حزينا؟ فقال: "إني دخلت الكعبة، وددت أني لم أكن دخلتها أن أكون أتعبت أمتي" , أي خشية أن أكون ... إلخ. قال الحاكم: تفرد به أهل مكة. ومثال ما تفرد به فلان عن فلان: ما رواه أصحاب السنن الأربعة من طريق سفيان بن عيينة، عن وائل بن داود عن ابنه بكر بن وائل عن الزهري عن أنس "أن النبي ﷺ أولم على صفية١ بسويق٢ وتمر". وقال ابن طاهر: تفرد به وائل عن أبيه، ولم يروه عنه غير سفيان.

стр. 438

وقد رواه محمد بن الصلت التوزي١ عن ابن عيينة عن زياد بن سعد عن الزهري، ورواه جماعة عن سفيان عن الزهري بلا واسطة ومثال ما تفرد به أهل بلد عن أهل بلد، والمراد تفرد واحد منه، حديث النسائي: "كلوا البلح بالتمر". قال الحاكم: هو من أفراد البصريين عن المدنيين تفرد به أبو زكير عن هشام. ومثال ما تفرد به ثقة حديث مسلم وغيره: "أن النبي ﷺ كان يقرأ في الأضحى والفطر بقاف، واقتربت الساعة". تفرد به ضمرة بن سعيد عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي واقد الليثي ولم يروه أحد من الثقات غير ضمرة. ورواه من غيرهم عبد الله بن لهيعة٢ -وهو ضعيف عند الجمهور- عن خالد بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة. المؤلفات في هذا النوع: قال ابن كثير في مختصره: وللحافظ الدارقطني كتاب في الأفراد مائة جزء ولم يسبق إلى نظيره وقد جمعه الحافظ محمد بن طاهر في "أطراف" رتبه فيها٣. وقال السيوطي في "التدريب"٤ "فائدة" صنف الدارقطني في هذا النوع كتابا حافلا وفي "معاجم الطبراني أمثلة كثيرة لذلك".

стр. 439

" معرفة زيادات الثقات وحكمها ": وهو فن مهم من فنون علوم الحديث تستحسن العناية به؛ لما يستفاد بالزيادة من الأحكام وتخصيص العام، وتقييد الإطلاق، وإيضاح المعاني إلى غير ذلك. وإنما يعرف بجمع الطرق والأبواب وسعة الاطلاع على متون الأحاديث والعلم بها. المشهورون في هذا العلم: وقد كان إمام الأئمة ابن خزيمة: لجمعه بين الفقه والحديث، مشارا إليه في هذا العلم بحيث قال تلميذه ابن حبان١: "ما رأيت على أديم الأرض من يحفظ الصحاح بألفاظها ويقوم بزيادة كل لفظة زادها في الخبر ثقة، حتى كأن السنن نصب عينيه غيره"٢, وكذلك كان الفقيه أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد، وأبو الوليد حسان بن محمد القرشي النيسابوريان، وغيرهما من الأئمة كأبي نعيم بن عدي الجرجاني ممن اشتهر بمعرفة زيادات الألفاظ التي تستنبط منها الأحكام الفقهية في المتون وصنيع العلماء في هذا النوع من أنواع علوم الحديث يدل على أن المراد بزيادات الثقات في المتون، أما الزيادات في الأسانيد فقد بحثوها في النوع المسمى "المزيد في متصل الأسانيد", وقد عرضنا له في هذا الكتاب, وقد أفرد العلماء كلا من الموضوعين بنوع خاص، وعلى هذا يمكننا أن نقول في تعريف هذا النوع: هو أن يروي أحد الرواة زيادة لفظة أو جملة في متن الحديث لا يرويها غيره.

стр. 440

"حكم زيادات الثقات" للعلماء في ذلك أقوال وإليك بيان أهمها: ١- مذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين، قبولها مطلقا أي سواء وقعت ممن رواه أولا ناقصا أم من غيره، وسواء تعلق بها حكم شرعي أم لا، وسواء غيرت الحكم الثابت أم لا، وسواء أوجبت نقص أحكام ثبتت بخبر ليست فيه أم لا، علم اتحاد المجلس أم لا، كثر الساكتون عنها أم لا وقد ادعى ابن طاهر الاتفاق على هذا١ فهذا كما حكاه الخطيب هو الذي مشى عليه المعظم من الفقهاء وأصحاب الحديث كابن حبان، والحاكم، وجماعة من الأصوليين كالغزالي في "المستصفى", وجرى عليه النووي في مصنفاته، وهو ظاهر تصرف مسلم في صحيحه٢. وهذا القول هو الذي رجحه الإمام أبو محمد علي بن حزم، وقد عقد لذلك فصلا هاما بالأدلة الدقيقة في كتاب "الإحكام في أصول الأحكام", ج٢ ص٩٠-٩٦ ومما قال فيه: "إذا روى العدل٣ زيادة على ما روى غيره فسواء انفرد بها، أو شاركه فيها غيره، مثله أو دونه أو فوقه فالأخذ بتلك الزيادة فرض، ومن خالفنا في ذلك فإنه يتناقض أقبح تناقض فيأخذ بحديث رواه واحد، ويضيفه إلى ظاهر القرآن -الذي نقله أهل الدنيا كلهم- أو يخصه، وهو بلا شك أكثر من رواة الخبر الذي زاد عليهم حكما لم يروه غيره، وفي هذا التناقض من القبح ما لا يستجيزه ذو فهم وذو ورع" ثم قال: "ولا فرق بين أن يروي الراوي العدل حديثا فلا يرويه أحد غيره أو يرويه غيره مرسلا، أو يرويه ضعفاء، وبين أن يروي الراوي العدل لفظة زائدة لم يروها غيره من رواة الحديث، وكل ذلك سواء، واجب قبوله بالبرهان الذي

стр. 441

قدمناه في وجوب قبول خبر الواحد العدل الحافظ، وهذه الزيادة، وهذا الإسناد هما خبرًا واحد عدل حافظ، ففرض قبوله لهما، ولا نبالي روى مثل ذلك غيره أو لم يروه سواه، ومن خالفنا, فقد دخل في باب ترك قبول خبر الواحد، ولحق بمن أتى ذلك من المعتزلة، وتناقض في مذهبه، وانفراد العدل باللفظة كانفراده بالحديث كله، ولا فرق". وقد انتصر لرأي الإمام ابن حزم العلامة المحدث الشيخ أحمد شاكر في تعلقياته على "اختصار علوم الحديث" للحافظ ابن كثير١. ٢- وقيل: لا تقبل مطلقًا لا ممن رواه ناقصًا ولا من غيره حكاه الخطيب وابن الصباغ عن قوم من المحدثين، وحكي عن أبي بكر الأبهري٢. ٣- وقيل: تقبل إن زادها غير من رواه ناقصًا، ولا تقبل ممن رواه مرة ناقصًا؛ لأن روايته لها ناقصًا أورثت شكا في الزيادة، وتقبل من غيره من الثقات. وقال ابن الصباغ فيه: إن ذكر أنه سمع كل واحد من الخبرين في مجلسين قبلت الزيادة، وكانا خبرين يعمل بهما، وإن عزى ذلك إلى مجلس واحد، وقال: كنت أنسيت هذه الزيادة قبل منه، وإلا وجب التوقف فيها. وقيل: إن كان الزيادة مغيرة للإعراب كان الخبران متعارضين وإلا قبلت حكاه ابن الصباغ من المتكلمين والصفي الهندي عن الأكثرين. وقيل لا تقبل: إلا إذا أفادت حكمًا.

стр. 442

وقيل تقبل في اللفظ دون المعنى حكاهما الخطيب عمن لم يعينهم١. وقال ابن الصباغ إن زادها واحد وكان من رواه ناقصا لا يجوز عليهم الوهم سقطت وعبارة غيره: لا يغفل مثلهم عن مثلهم عادة. وقال ابن السمعاني مثله وزاد: أن يكون مما تتوفر الدواعي على نقله وقال الصيرفي والخطيب: يشترط في قبولها كون من رواها محافظا٢. ولعل خير ما يقال في هذا هو ما ذكره الشيخ الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح في كتابه "علوم الحديث" فقد قسم زيادات الثقات أقساما ثلاثة وتبعه على ذلك الإمام النووي في "التقريب". "أخذها": زيادة تخالف الثقات فترد كما سبق, يعني في نوع الشاذ. "الثاني": ما لا مخالفة فيه لما رواه الغير أصلا كتفرد ثقة بجملة حديث لا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفة أصلا فيقبل باتفاق العلماء كما نقل ذلك الخطيب البغدادي. "الثالث": زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر الرواة، وهذه مرتبة بين تينك المرتبتين. وقد مثل لذلك الإمام ابن الصلاح بحديث حذيفة بن اليمان مرفوعا: "وجعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا" ٣. انفرد أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي فقال: "وجعلت تربتها لنا

стр. 443

طهورا" عن ربعي بن حراش١ عن حذيفة٢ عن النبي ﷺ رواه مسلم، وابن خزيمة وأبو عوانة الإسفراييني في صحاحهم من حديثه وسائر الرواة لم يذكروا ذلك. قال ابن الصلاح: فهذا يشبه الأول المردود من حيث أن ما رواه الجماعة عام معنى؛ لشموله جميع أجزاء الأرض، وما رواه المنفرد بالزيادة مخصوص يعني بالتراب، وفي ذلك مغايرة في الصفة، ونوع مخالف تختلف بها الحكم، ويشبه القسم الثاني من حيث إنه لا منافاة بينهما بل ويمكن الجمع بينهما. ولذلك اختلف الأئمة الفقهاء في هذا، فذهب الإمام أبو حنيفة ومالك ومن وافقهما إلى ما دل عليه الحديث بدون الزيادة, فأجاز التيمم بجميع أجزاء الأرض من حجر، ومدر، وتراب وغيرها٣ وذهب الإمامان الشافعي وأحمد إلى حمل المطلق على المقيد وقالا: لا يجوز التيمم إلا بالتراب خاصة، فإن قيل لهم: لم خصصتم التربة بالتراب مع أن تربة الأرض كل شيء فيها؟ قالوا: لقد رويت رواية تبين أن المراد بالتربة التراب وهي لفظ: "وترابها طهورا" أخرجها ابن خزيمة وغيره وقد مثل العلامة ابن الصلاح أيضا بحديث مالك عن نافع عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين", فقول: "من المسلمين" من زيادات مالك عن نافع عن ابن عمر. وقد روى أيوب، وعبيد الله بن عمر العمري وغير واحد من الأئمة

стр. 444

هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر، ولم يذكروا فيه: "من المسلمين". قال الإمام النووي: ولا يصح التمثيل به فقد وافق مالكا عليها جماعة من الثقات منهم عمر بن نافع وروايته عند البخاري في صحيحه, والضحاك بن عثمان وروايته عند مسلم في صحيحه. قال السيوطي في "التدريب" قال العراقي: وكثير بن فرقد، وروايته في "مستدرك الحاكم" و"سنن الدارقطني" ويونس بن يزيد في "بيان المشكل" للطحاوي والمعلى بن إسماعيل في "صحيح ابن حبان" وعبيد الله بن عمر العمري في "سنن الدارقطني"١. وقال الحافظ المؤرخ ابن كثير في "اختصار علوم الحديث": وقد مثل الشيخ أبو عمرو زيادة الثقة بحديث مالك عن نافع عن ابن عمر "أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد، ذكر، أو أنثى من المسلمين", فقوله: "من المسلمين" من زيادات مالك عن نافع. قال: وقد زعم الترمذي أن مالكا تفرد بها، وسكت أبو عمرو على ذلك، ولم يتفرد بها مالك, فقد رواها مسلم من طريق الضحاك بن عثمان عن نافع، كما رواها مالك، وكذا رواها البخاري، وأبو داود، والنسائي من طريق عمر بن نافع عن أبيه كمالك٢. وقد ذكر العراقي في شرحه على المقدمة مدافعا عن الترمذي أنه لم يذكر التفرد مطلقا عن مالك، وإنما قيده بتفرد الحافظ كمالك إلى آخر ما قاله العراقي٣ ونص عبارته: "وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه"٤.

стр. 445

" انتقاد الحافظ القول القائل بالقبول مطلقا ": وقد انتقد الإمام الحافظ ابن حجر العلماء القائلين بقبول الزيادة مطلقا من غير تفصيل, وهو الذي انتصر له ابن حزم، ووافقه عليه من المحدثين العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى. قال الحافظ ابن حجر: "اشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقا من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريقة المحدثين الذين يشترطون في الصحيح والحسن أن لا يكون شاذا، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كابن مهدي ويحيى القطان، وأحمد، وابن معين, وابن المديني، والبخاري, وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني وغيرهم، اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة المنافية بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى"١. والقول ما قالت حزام. قال الإمام السيوطي: "فائدة": من أمثلة هذا الباب حديث الشيخين عن ابن مسعود قال: سألت رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: "الصلاة لوقتها" , زاد الحسن بن مكرم وبندار٢ في روايتها: "في أول وقتها" صححها الحاكم وابن حبان. وحديث علي: "إن العين وكاء السه" , زاد إبراهيم بن موسى: "فمن نام فليتوضأ". حكم هذا القسم الثالث: ولم يبين الإمام ابن الصلاح حكم هذا القسم ولعل ذلك لاختلاف الأئمة فيه٣، قال الإمام النووي في "تقريبه"٤:

стр. 446

"والصحيح قبول هذا الأخير". "الاختلاف بالوصل والإرسال والرفع والوقف": ومن المسائل التي ذكرها الحافظ أبو عمرو بن الصلاح في هذا النوع الاختلاف بالوصل والإرسال والرفع والوقف وقال: إنه كالاختلاف في "زيادات الثقات" وقد ذهب الجمهور وأكثر أهل الحديث إلى ترجيح رواية الإرسال على الوصل وترجيح رواية الوقف على الرفع, وذلك من قبيل ترجيح الجرح على التعديل؛ لأن الإرسال جرح للوصل، والوقف جرح للرفع، ولكن لم لا يكون هذان من النسيان أو القصور في الحفظ؟! وذهب المحققون من أئمة هذا الفن إلى ترجيح الوصل على الإرسال والرفع على الوقف إذا كان راويهما حافظا متقنا ضابطا؛ لأن معهما زيادة علم على غيرهما، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، ولم تكن هناك قرينة تدل على ترجيح إرساله أو وقفه، والله أعلم١. "معرفة المزيد في متصل الأسانيد": وهو أن يزيد راو في الإسناد رجلا لم يذكره غيره، وهذا يقع كثيرا في أحاديث متعددة٢. وقد صنف الإمام الحافظ الخطيب البغدادي في ذلك كتابا حافلا سماه "تمييز المزيد في متصل الأسانيد" قال ابن الصلاح: في كثير منه نظر؛ لأن الإسناد الخالي عن الراوي الزائد إن كان بحرف "عن" ونحوها مما لا يقتضي الاتصال فينبغي أن يجعل منقطعا ويعل بالإسناد الذي ذكر فيه الراوي الزائد؛ لأن الزيادة من الثقة مقبولة. وإن صرح فيه بسماع أو إخبار أو تحديث احتمل أن يكون سمعه من رجل عنه, ثم سمعه منه اللهم إلا أن توجد قرينة تدل على الوهم كما

стр. 447

قال أبو حاتم في المثال الآتي، ويمكن أن يقال أيضا: الظاهر ممن وقع له هذا أن يذكر السماعين فإذا لم يذكرهما حمل على الزيادة المذكورة. مثال المزيد في متصل الأسانيد: ما روى عبد الله بن المبارك قال: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن يزيد، حدثني بسر بن عبيد الله -بضم العين على التصغير- قال: سمعت أبا إدريس الخولاني قال: سمعت واثلة بن الأسقع يقول: سمعت أبا مرثد الغنوى يقول: سمعت رسول الله ﷺ : "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها". فذكر سفيان وأبي إدريس في هذا الإسناد زيادة وهم، فالوهم في ذكر سفيان ممن دون ابن المبارك، لأن ثقات رووه عن ابن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد نفسه منهم ابن مهدي، وحسن بن الربيع، وهناد ابن السري وغيرهم ومنهم من صرح فيه بالإخبار بينهما فانتفت شبهة الانقطاع. والوهم في ذكر أبي إدريس من ابن المبارك؛ لأن ثقات رووه عن ابن يزيد عن بسر عن واثلة، فلم يذكروا أبا إدريس منهم علي بن حجر، والوليد بن مسلم، وعيسى بن يونس وغيرهم، ومنهم من صرح بسماع بسر عن واثلة. وقد حكم الأئمة على ابن المبارك بالوهم في ذلك كالبخاري، وغيره وقال أبو حاتم: وكثيرا ما يحدث بسر عن أبي إدريس عن واثلة نفسه. ومما ينبغي أن يعلم أن الحديث على الوجهين عند مسلم والترمذي. "المراسيل الخفي إرسالها": هذا الفن من فنون علوم الحديث فن مهم عظيم الفائدة يدرك بالاتساع في الرواية وجمع الطرق للأحاديث مع المعرفة التامة.

стр. 448

قال ابن كثير في "مختصره": وهو يعم المنقطع والمعضل أيضا١ وقد صنف الخطيب البغدادي في ذلك كتابا سماه "التفصيل لمبهم المراسيل" قال: وهذا النوع إنما يدركه نقاد الحديث، وجهابذته٢ قديما وحديثا، وقد كان شيخنا الحافظ المزي إماما في ذلك، وعجبا من العجب فرحمه الله وبل بالمغفرة ثراه فإن الإسناد إذا عرض على كثير من العلماء ممن لم يدرك ثقات الرجال، وضعفاءهم قد يغتر بظاهره، ويرى رجاله ثقات فيحكم بصحته، ولا يهتدي لما فيه من الانقطاع أو الإعضال، أو الإرسال، لأنه قد لا يميز الصحابي من التابعين والله الملهم للصواب٣. والإرسال منه ما هو ظاهر: كرواية الرجل عمن لم يعاصره كرواية القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، عن ابن مسعود، ومالك الإمام عن سعيد بن المسيب. ومنه ما هو خفي، وهو المذكور هنا وهو ما عرف إرساله لعدم اللقاء لمن روى عنه مع المعاصرة، أو لعدم السماع مع ثبوت اللقاء، أو لعدم سماع ذلك الخبر بعينه مع سماع غيره منه، وهذا يدل على بعد نظر المحدثين وأصالتهم في النقد. "بم يعرف ذلك": ويعرف ما ذكر: ١- إما بنص بعض الأئمة. ٢- أو بوجه صحيح. كإخباره عن نفسه بذلك في بعض طرق الحديث ونحو ذلك. ومثل ذلك حديث رواه ابن ماجه من رواية عمر بن عبد العزيز عن عقبة بن عامر مرفوعا: "رحم الله حارس الحرس", فإن عمر بن عبد

стр. 449

العزيز لم يلق عقبة كما قال المزي في الأطراف. وكأحاديث أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود، فقد روى الترمذي أن عمرو بن مرة قال لأبي عبيدة: هل تذكر من عبد الله -يعني أباه- شيئا؟ قال: لا. ٣- ومنه ما يحكم بإرساله لمجيئه من وجه آخر بزيادة شخص بينهما كحديث رواه عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع١ عن حذيفة مرفوعا: "إن وليتموها -أي الخلافة- أبا بكر فقوي أمين" فهو منقطع في موضعين: لأنه روي عن عبد الرزاق قال: حدثني النعمان بن أبي شيبة عن الثوري عن شريك، عن أبي إسحاق. وهذا القسم مع النوع السابق، وهو المزيد في متصل الأسانيد يعترض بكل منهما على الآخر، لأنه، ربما كان الحكم للزائد فيما إذا كان السند الذي فيه الزيادة رواته أوثق أو أحفظ أو أكثر، وربما كان الحكم للناقص فيما إذا السند الذي ليست فيه الزيادة أقوى مما هي فيه، والزائد وهم وهو يشتبه على كثير من أهل الحديث، ولا يدركه إلا النقاد، وقد يجاب بنحو ما تقدم٢. "هذان النوعان يشهدان للمحدثين بالبراعة وبعد النظر، وسعة العلم". وهذان النوعان -وأمثالهما كثير- يشهدان للمحدثين بسعة العلم بالمرويات والبراعة في الفهم، وبعد النظر وأصالة النقد، وهذا الذي ذكره العلماء في ضرب المثل لهذين النوعين هو قليل من كثير مما امتلأت

стр. 450

به كتب "علوم الحديث" وكتب "تواريخ الرجال" وكتب "نقد الرواة". وكنت أحب من المستشرقين وأبواقهم ومتابعيهم من الكتاب المسلمين أن ينظروا في هذه الأمثلة وغيرها نظرا ليس فيه هوى، ولا تعصب، ولا تحيف على المحدثين، إنهم لو فعلوا ذلك فهم لا شك واصلون إلى ما وصل إليه المحققون من علماء هذا الشأن في إنصاف المحدثين، ووصفهم بما هم حقيقون به. أما أن يدخل الواحد منهم في البحث ونفسه مشبعة بفكرة خاصة، أو رأي ليس له ما يدل عليه، فلن يصل إلى الحق والصواب أبدا والباحث المنصف الذي يبتغي الحق هو الذي إذا فكر في بحث من البحوث أو في مسألة من المسائل فعليه أن ينقي نفسه وقلبه من أي هوى أو فكرة أو رأي حينئذ يكون وصوله إلى الحق والصواب أمرا راجحا. وفي الكتاب المعجز المبين قال الله تعالى معلما لنبيه كيف يكون الجدل وكيف تكون المناظرة للوصول إلى الحق: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ١, ومحال في منطق الشرع أن يكون النبي ﷺ والمؤمنون في ضلال مبين ولكنها النصفة لأجل الوصول إلى الحق والإنصاف للخصم بالتنزل معه. وهذا الأصل من الأصول الإسلامية السديدة في الجدل بالتي هي أحسن وفي التلطف في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة٢.

стр. 451

علم الجرح والتعديل جواز الجرح وإن كان غيبة مدخل ... "علم الجرح والتعديل": التعديل لغة: التسوية وتقويم الشيء وموازنته بغيره. وفي الاصطلاح: وصف الراوي بصفات تقتضي قبول روايته فهي شهادة بالتزكية تصحح العمل بمرويه. الجرح لغة: التأثير في الجسم بسلاح ونحوه وبابه نفع: والجرح بالضم الاسم وجرحه كجرحه بتشديد الراء ويطلق أيضا على الجرح المعنوي وفي الاصطلاح: ذكر الراوي بصفات تقتضي عدم قبول روايته. جواز الجرح وإن كان غيبة: والجرح جائز وإن تضمن الغيبة، وهتك ستر المسلم، وإيغار صدره وغير ذلك مما نهى الشارع عنه، وذلك صيانة للشريعة من الدخل والزائف؛ لأنه لو لم يجز لم يتميز الصادق من الكاذب والفاسق من العدل، والمغفل من الضابط، ولاختلطت الأحاديث الصحيحة بالضعيفة والموضوعة والتبس الحق بالباطل، ولقامت الملاحدة والزنادقة من كل جانب للإفساد في الشريعة والتزيد فيها فهو من فروع قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" ويدل على جوازه بل وجوبه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ١, وفي الستة أدلة كثيرة منها: ما روي أن رجلا استأذن على النبي ﷺ فقال: "ائذنوا له بئس أخو العشيرة" رواه البخاري ومسلم وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا رواه البخاري والمراد بهما رجلان من المنافقين، وعن فاطمة بنت قيس ﵂ قالت: أتيت

стр. 452

النبي ﷺ فقلت: إن أبا الجهم١ ومعاوية خطباني فقال رسول الله ﷺ : "أما معاوية فصعلوك -يعني فقير- وأما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه" , رواه البخاري ومسلم إلى غير ذلك من النصوص. وقد تكلم في الجرح بعض الصحابة كما تكلم فيه التابعون ومن جاء بعدهم وهذا إجماع منهم على أن هذا ليس من الغيبة المحرمة قال الإمام النووي ﵀ في كتابه "رياض الصالحين" اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها وهو بستة أسباب. إلى أن قال: الرابع تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم وذلك من وجوه منها: جرح المجروحين من الرواة والشهود وذلك جائز بإجماع المسلمين بل واجب للحاجة ومنها: المشاورة في مصاهرة إنسان أو مشاركته أو إبداعه، أو معاملته، أو غير ذلك أن مجاورته، ويجب على المشاور أن لا يخفي حاله بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة ومنها إذا رأى متفقهًا يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم وخاف أن يتضرر بذلك فعليه نصيحته ببيان حاله بشرط أن يقصد النصيحة وهذا مما يغلط فيه, وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد، ويلبس الشيطان عليه ذلك ويخيل إليه أنه نصيحة فليتفطن لذلك"٢.

стр. 453

" من الذي يستأهل أن يكون ناقدًا ؟ ": على من يتصدى للنقد والكلام في التعديل والتجريح أن يكون عالِمًا دَيِنًا، تقيًّا، ورعًا، صادقًا، عارفًا، بأسباب الجرح والتعديل حتى لا يجرح من ليس بمجروح ولا يعدل من ليس أهلًا للعدالة، وأن لا يتكلم في النقد إلا عن بينة ودليل، وأن يجرد نفسه من التعصب لإنسان أو

стр. 454

التحامل عليه بغير وجه حق، ومن الأهواء والشهوات النفسية حتى لا تميل به إلى جانب الباطل، وأن ينزل نفسه منزلة القاضي العادل النزيه الذي يبذل قصارى جهده في الوصول إلى الحق وقد علمنا فيما سبق أن الجرح أبيح للضرورة فليتق الله من يتصدى لذلك، وليكن على حذر من انتهاك الأعراض بلا سبب وبينة قال الإمام السبكي: من لا يكون عالما بأسبابهما -أي الجرح والتعديل- لا يقبلان منه لا بإطلاق ولا بتقييد، ولا يقبلان إلا من عدل متيقظ" وعلى من نصب نفسه للتعديل والتجريح ونقد الرواة أن يؤهل نفسه لذلك بطول البحث وكثرة التنقيب، وسعة الاطلاع، والعلم بالنفس البشرية وغرائزها وبالمباحث التي تعينه على الإصابة في الحكم, وإلا جاءت أحكامه باطلة بعيدة عن روح العدل والإنصاف. قال الحافظ ابن حجر: "حق على المحدث أن يتورع فيما يرويه، وأن يسأل أهل المعرفة والورع ليعينوه على إيضاح مروياته ولا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكي نقلة الأخبار ويجرحهم جهبذا إلا بإدمان الطلب والفحص عن هذا الشأن وكثرة المذاكرة والسهر، والتيقظ والتفهم مع التقوى والدين المتين، والإنصاف والتردد إلى العلماء والإتقان. وإلا فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو سودت وجهك بالمداد وقال أيضا: وليحذر المتكلم في هذا الفن من التساهل في الجرح والتعديل فإنه إن عدل أحدا بغير تثبت كان كالمثبت حكما ليس بثابت فيخشى عليه أن يدخل في زمرة من روى حديثا وهو يظن أنه كذب، وإن جرح بغير تحرز أقدم على الطعن في مسلم بريء من ذلك ووسمه بوسم سوء يبقى عليه عاره أبدا، والآفة تدخل في هذا تارة من الهوى

стр. 455

والغرض الفاسد، وكلام المتقدمين سالم من هذا غالبا، وتارة من المخالفة في العقائد، وهو موجود كثيرا قديما وحديثا"١. وقال صاحب "فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت"٢ "لا بد للمزكي أن يكون عدلا عالما بأسباب الجرح والتعديل، وأن يكون منصفا ناصحا لا أن يكون متعصبا معجبا بنفسه, فإنه لا اعتداد بقول المتعصب كما طعن الدارقطني في الإمام أبي حنيفة بأنه ضعيف في الحديث وأي شناعة فوق هذا؟ فإنه إمام ورع نقي تقي خائف من الله". وقد كان المحدثون على حق حينما قالوا: لا يقبل قول أحد المتعاصرين في الآخر؛ لأن المنافسة قد تؤدي إلى الميل عن الحق والإسراف في الحكم. وفي الحق أن الناقد للرواة على شفا حفرة من النار، فإن عدل واتبع النصفة وتحرى في الحكم نجا، وإن تساهل وتحامل، وقصد التشفي والنيل من المنقود فقد قذف بنفسه فيها.

стр. 456

" مناهج النقاد في النقد ": لم يكن الأئمة الذين تصدوا للجرح والتعديل ونقد الرجال في درجة واحدة فمنهم المتعنت المشدد ومنهم المتساهل المتسامح، ومنهم من كان بين بين، أما المتشددون والمتساهلون فلا يؤخذ كلامهم قضية مسلمة حتى ينظر أوافقه غيره أم لا؟ وعلى أي أساس بنى نقده؟ أما المتوسطون المعتدلون فكلامهم أقرب إلى الحق وأولى بالقبول. قال الإمام السخاوي في "فتح المغيث": قسم الذهبي من تكلم في الرجال أقساما: فقسم

стр. 457

تكلموا في سائر الرواة كابن معين وأبي حاتم الرازي، وقسم تكلموا في كثير من الرواة كمالك وشعبة، وقسم تكلموا في الرجل بعد الرجل كابن عيينة والشافعي ثم قال: والكل على ثلاثة أقسام: ١- قسم منهم متعنت في التجريح مثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث, فهذا إذا وثق شخصا فعض على قوله بنواجذك وتمسك بتوثيقه, وإذا ضعف رجلا فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه، فإن وافقه، ولم يوثق ذلك الرجل أحد من الحذاق فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا هو الذي قالوا فيه: لا يقبل فيه الجرح إلا مفسرا، يعني لا يكفي فيه قول ابن معين مثلا: ضعيف، ولم يبين سبب ضعفه، ثم يجيء البخاري أو غيره يوثقه، ومثل هذا يختلف في تصحيح حديثه وتضعيفه، ومن ثم قال الذهبي -وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال: "لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة", ولهذا كان مذهب النسائي أنه لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه. ٢- وقسم منهم متسامح كالترمذي والحاكم، وكابن حزم فإنه قال في كل من أبي عيسى الترمذي وأبي القاسم البغوي وإسماعيل بن محمد الصفار وأبي العباس وغيرهم من المشهورين: إنه مجهول. ٣- وقسم معتدل كأحمد بن حنبل والدارقطني وابن عدي. أما المتسامح المتساهل فلا يؤخذ قوله في الجرح والتعديل إلا بعد البحث والتحري وموازنة كلامه بكلام الأئمة المعتدلين المتثبتين وقد أخذ العلماء على الحاكم أنه متساهل في التصحيح كما أخذوا على ابن حزم التهجم على العلماء بغير حق، والتساهل في الجرح.

стр. 458

" مشاهير المتصدين للجرح والتعديل ": ذكرنا سابقا أن التعديل والتجريح من الأمور المهمة التي يعول عليها في التصحيح والتضعيف وتمييز المقبول من المردود, وقد حث عليهما القرآن والسنة الصحيحة, وقد تكلم فيهما النبي صلوات الله وسلامه عليه ففي التعديل قال: "نعم الرجل عبد الله -يعني ابن عمر- لو كان يصلي من الليل". وفي التجريح قال: "بئس أخو العشيرة" , رواهما البخاري ومسلم. كما تكلم فيهما كثير من الصحابة كابن عباس، وأنس بن مالك، وعبادة من الصامت، وغيرهم ثم من جاء بعدهم من التابعين كسعيد بن المسيب، والشعبي، ومحمد بن سيرين وغيرهم، ثم من جاء بعدهم من أتباع التابعين وهكذا نجد في كل طبقة وعصر من أئمة العلم والدين من تكلم في الجرح والتعديل, وقد نقل ابن الصلاح عن صالح بن محمد جزرة الحافظ أنه قال: "أول من تكلم في رجال الحديث شعبة بن الحجاج ثم تبعه يحيى بن سعيد القطان، ثم من بعده أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والمراد أنهم أول من تفرغ لذلك وعني, وإلا فالكلام في الجرح والتعديل سابق عن هؤلاء كما بينا آنفا. وممن كانت له معرفة وعناية بالجرح والتعديل الأئمة مالك بن أنس "م١٧٩"، والأوزاعي بالشام "م١٥٧"، وسفيان الثوري "م١٦١"، والليث بن سعد "م١٧٥"، وعبد الله بن المبارك "م١٨١"، وسفيان بن عيينة "م١٩٨" وابن علية "م١٩٣"، ووكيع بن الجراح "م١٩٦"، وعبد الرحمن بن مهدي "م١٩٨"، ويحيى بن سعيد القطان "م١٩٨"، ويحيى بن معين "م٢٣٣"، وأحمد بن حنبل "م٢٤١"، ومحمد بن سعد صاحب الطبقات "م٢٣٠"، وعلي بن المديني "م٢٣٤"، وإسحاق ابن راهويه "م٢٣٨".

стр. 459

ومنهم الأئمة: البخاري "م٢٥٦"، ومسلم "م٢٦١"، وأبو زرعة الرازي "م٢٦٤"، وأبو داود السجستاني "م٢٧٥"، وأبو زرعة الدمشقي "م٢٨١"، وأبو حاتم الرازي "م٢٧٧"، وغير هؤلاء كثيرون١, ومن أراد استيفاء فليرجع إلى ما ذكره ابن عدي "م٣١٥" في مقدمة كتابه "الكامل". وقد جاء بعد عصر ابن عدي جماعة منهم: الدارقطني "٣٨٥" وابن منده "م٣٩٥"، وأبو يعلى الخليلي "م٤٤٦"، وابن حزم "م٤٥٦"، وابن عبد البر "م٤٦٣" الأندلسيان, والبيهقي "م٤٥٨"، وأبو الوليد الياجي "م٤٧٤" وأبو الفضل بن طاهر المقدسي "م٥٠٧", وابن نقطة "٦٢٩"، وابن الصلاح "م٦٤٣"، والمنذري "م٦٥٦"، وابن دقيق العيد "م٧٠٢" وابن تيمية "م٧٢٨" والذهبي "م٧٤٨"، والزين العراقي "م٨٠٦"، وابن حجر "م٨٥٢"، والسيوطي "م٩١١"، إلا أن من جاءوا بعد القرن الثالث كانوا غالبا يعتمدون على كلام من سبقهم من أئمة الجرح والتعديل المتقدمين كما أن المتقدمين كانوا أقرب إلى الاعتدال والاستقامة من المتأخرين.

стр. 460

" بم تثبت العدالة ": تثبت عدالة الراوي بالاستفاضة والشهرة بالخير, فمن استفاضت عدالتهم, واشتهروا بالتوثيق والاحتجاج بهم بين أهل العلم وشاع الثناء عليهم فهم عدول, وذلك مثل مالك والشافعي وأحمد وشعبة والثوري وابن عيينة وابن المبارك والأوزاعي ويحيى بن معين وعلي بن المديني, ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر١ فلا يسأل عن عدالة هؤلاء, إنما يسأل عن عدالة من خفي أمره, وقد سئل أحمد عن إسحاق بن راهويه, فقال: "مثل إسحاق يسأل عنه! ". وسئل ابن معين عن أبي
следующие страницы →