← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9987

الوسيط في علوم ومصطلح الحديث

محمد أبو شهبة

Полный текст (950 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

" مناهج النقاد في النقد ": لم يكن الأئمة الذين تصدوا للجرح والتعديل ونقد الرجال في درجة واحدة فمنهم المتعنت المشدد ومنهم المتساهل المتسامح، ومنهم من كان بين بين، أما المتشددون والمتساهلون فلا يؤخذ كلامهم قضية مسلمة حتى ينظر أوافقه غيره أم لا؟ وعلى أي أساس بنى نقده؟ أما المتوسطون المعتدلون فكلامهم أقرب إلى الحق وأولى بالقبول. قال الإمام السخاوي في "فتح المغيث": قسم الذهبي من تكلم في الرجال أقساما: فقسم

стр. 457

تكلموا في سائر الرواة كابن معين وأبي حاتم الرازي، وقسم تكلموا في كثير من الرواة كمالك وشعبة، وقسم تكلموا في الرجل بعد الرجل كابن عيينة والشافعي ثم قال: والكل على ثلاثة أقسام: ١- قسم منهم متعنت في التجريح مثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث, فهذا إذا وثق شخصا فعض على قوله بنواجذك وتمسك بتوثيقه, وإذا ضعف رجلا فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه، فإن وافقه، ولم يوثق ذلك الرجل أحد من الحذاق فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا هو الذي قالوا فيه: لا يقبل فيه الجرح إلا مفسرا، يعني لا يكفي فيه قول ابن معين مثلا: ضعيف، ولم يبين سبب ضعفه، ثم يجيء البخاري أو غيره يوثقه، ومثل هذا يختلف في تصحيح حديثه وتضعيفه، ومن ثم قال الذهبي -وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال: "لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة", ولهذا كان مذهب النسائي أنه لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه. ٢- وقسم منهم متسامح كالترمذي والحاكم، وكابن حزم فإنه قال في كل من أبي عيسى الترمذي وأبي القاسم البغوي وإسماعيل بن محمد الصفار وأبي العباس وغيرهم من المشهورين: إنه مجهول. ٣- وقسم معتدل كأحمد بن حنبل والدارقطني وابن عدي. أما المتسامح المتساهل فلا يؤخذ قوله في الجرح والتعديل إلا بعد البحث والتحري وموازنة كلامه بكلام الأئمة المعتدلين المتثبتين وقد أخذ العلماء على الحاكم أنه متساهل في التصحيح كما أخذوا على ابن حزم التهجم على العلماء بغير حق، والتساهل في الجرح.

стр. 458

" مشاهير المتصدين للجرح والتعديل ": ذكرنا سابقا أن التعديل والتجريح من الأمور المهمة التي يعول عليها في التصحيح والتضعيف وتمييز المقبول من المردود, وقد حث عليهما القرآن والسنة الصحيحة, وقد تكلم فيهما النبي صلوات الله وسلامه عليه ففي التعديل قال: "نعم الرجل عبد الله -يعني ابن عمر- لو كان يصلي من الليل". وفي التجريح قال: "بئس أخو العشيرة" , رواهما البخاري ومسلم. كما تكلم فيهما كثير من الصحابة كابن عباس، وأنس بن مالك، وعبادة من الصامت، وغيرهم ثم من جاء بعدهم من التابعين كسعيد بن المسيب، والشعبي، ومحمد بن سيرين وغيرهم، ثم من جاء بعدهم من أتباع التابعين وهكذا نجد في كل طبقة وعصر من أئمة العلم والدين من تكلم في الجرح والتعديل, وقد نقل ابن الصلاح عن صالح بن محمد جزرة الحافظ أنه قال: "أول من تكلم في رجال الحديث شعبة بن الحجاج ثم تبعه يحيى بن سعيد القطان، ثم من بعده أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والمراد أنهم أول من تفرغ لذلك وعني, وإلا فالكلام في الجرح والتعديل سابق عن هؤلاء كما بينا آنفا. وممن كانت له معرفة وعناية بالجرح والتعديل الأئمة مالك بن أنس "م١٧٩"، والأوزاعي بالشام "م١٥٧"، وسفيان الثوري "م١٦١"، والليث بن سعد "م١٧٥"، وعبد الله بن المبارك "م١٨١"، وسفيان بن عيينة "م١٩٨" وابن علية "م١٩٣"، ووكيع بن الجراح "م١٩٦"، وعبد الرحمن بن مهدي "م١٩٨"، ويحيى بن سعيد القطان "م١٩٨"، ويحيى بن معين "م٢٣٣"، وأحمد بن حنبل "م٢٤١"، ومحمد بن سعد صاحب الطبقات "م٢٣٠"، وعلي بن المديني "م٢٣٤"، وإسحاق ابن راهويه "م٢٣٨".

стр. 459

ومنهم الأئمة: البخاري "م٢٥٦"، ومسلم "م٢٦١"، وأبو زرعة الرازي "م٢٦٤"، وأبو داود السجستاني "م٢٧٥"، وأبو زرعة الدمشقي "م٢٨١"، وأبو حاتم الرازي "م٢٧٧"، وغير هؤلاء كثيرون١, ومن أراد استيفاء فليرجع إلى ما ذكره ابن عدي "م٣١٥" في مقدمة كتابه "الكامل". وقد جاء بعد عصر ابن عدي جماعة منهم: الدارقطني "٣٨٥" وابن منده "م٣٩٥"، وأبو يعلى الخليلي "م٤٤٦"، وابن حزم "م٤٥٦"، وابن عبد البر "م٤٦٣" الأندلسيان, والبيهقي "م٤٥٨"، وأبو الوليد الياجي "م٤٧٤" وأبو الفضل بن طاهر المقدسي "م٥٠٧", وابن نقطة "٦٢٩"، وابن الصلاح "م٦٤٣"، والمنذري "م٦٥٦"، وابن دقيق العيد "م٧٠٢" وابن تيمية "م٧٢٨" والذهبي "م٧٤٨"، والزين العراقي "م٨٠٦"، وابن حجر "م٨٥٢"، والسيوطي "م٩١١"، إلا أن من جاءوا بعد القرن الثالث كانوا غالبا يعتمدون على كلام من سبقهم من أئمة الجرح والتعديل المتقدمين كما أن المتقدمين كانوا أقرب إلى الاعتدال والاستقامة من المتأخرين.

стр. 460

" بم تثبت العدالة ": تثبت عدالة الراوي بالاستفاضة والشهرة بالخير, فمن استفاضت عدالتهم, واشتهروا بالتوثيق والاحتجاج بهم بين أهل العلم وشاع الثناء عليهم فهم عدول, وذلك مثل مالك والشافعي وأحمد وشعبة والثوري وابن عيينة وابن المبارك والأوزاعي ويحيى بن معين وعلي بن المديني, ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر١ فلا يسأل عن عدالة هؤلاء, إنما يسأل عن عدالة من خفي أمره, وقد سئل أحمد عن إسحاق بن راهويه, فقال: "مثل إسحاق يسأل عنه! ". وسئل ابن معين عن أبي

стр. 461

عبيد؟ فقال: "مثلي يسأل عن أبي عبيد أبو عبيد يسأل عن الناس", أما من ليس على هذا الحال فإنما تثبت عدالتهم بتعديل أئمة هذا العلم, ولو واحد على الصحيح, وكذا التجريح يكتفى فيه بقول واحد؛ وذلك لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر, فلا يشترط في جرح راويه ولا تعديله وذلك بخلاف الشهادة فإنه لا بد فيها في التعديل والتجريح من اثنين, وهذا ما عليه الأكثرون.

стр. 462

" هل يشترط ذكر السبب في الجرح والتعديل ؟ ": وقد اختلف العلماء في الجرح والتعديل هل يقبلان مبهمين من غير ذكر أسبابهما؟ فشرط بعضهم ذكر السبب في كل منهما، وشرط بعضهم السبب في التعديل دون الجرح وقيل: يقبل التعديل من غير ذكر أسباب, وأما الجرح فلا يقبل إلا مفسرا؛ لأن الناس يختلفون فيما يجرح وما لا يجرح وقد يجرح أحدهم بما لا يعتبر جرحا١, وهذا الرأي الأخير هو الذي اختاره ابن الصلاح والنووي وغيرهما, وذكر الخطيب البغدادي أنه مذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده. ومن العلماء من يرى أنه لا يجب ذكر السبب في الجرح أو التعديل إذا كان الجارح أو المعدل عالما بأسباب الجرح والتعديل والخلاف في ذلك بصيرا مرضيا في اعتقاده وأفعاله, وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني ونقله عن الجمهور واختاره إمام الحرمين والغزالي والرازي وصححه الحافظ أبو الفضل العراقي، ولشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر تفصيل حسن, قال: إن كان من جرح مجملا قد وثقه أحد من أئمة هذا

стр. 463

الشأن لم يقبل الجرح فيه من أحد كائنا من كان إلا مفسرا؛ لأنه قد ثبت له رتبة الثقة, فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي، فإن أئمة هذا الشأن لا يوثقون إلا من اعتبروا حاله في دينه ثم في حديثه ونقدوه كما ينبغي, وهم أيقظ الناس, فلا ينقض قول أحدهم إلا بأمر صريح، وإن خلا عن التعديل قبل الجرح فيه غير مفسر إذا صدر من عارف؛ لأنه إذا لم يعدل فهو في حيز المجهول وإعمال قول الجارح فيه أولى من إهماله. وقال الذهبي -وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال: "لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة". والتفصيل الذي اختاره الحافظ ابن حجر هو الذي يطمئن إليه الباحث في النقد بعد استقرار علوم الحديث وتدوينها١. إذا اجتمع في شخص جرح وتعديل فأيهما يرجح؟: قال العلماء: إذا اجتمع في شخص جرح وتعديل فالجرح مقدم؛ لأن المعدل يخبر عما ظهر من حاله، والجارح يخبر عن باطن خفي على المعدل، فكان معه زيادة علم يجب أن يؤخذ بها. وقيل: إن كان عدد المعدلين أكثر قدم التعديل على الجرح والصحيح الأول, وهو ما عليه الجمهور.

стр. 464

بم يكون الجرح ؟: قال الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها: "الطعن -يعني في الراوي- إما أن يكون: ١- لكذبه في الحديث النبوي بأن يروي عنه ﷺ ما لم يقله متعمدا لذلك. ٢- أو تهمته بذلك بأن يعرف بالكذب في كلامه وإن لم يظهر منه

стр. 465

وقوع ذلك في الحديث. ٣- أو فحش غلطه. ٤- أو غفلته. ٥- أو فسقه بالفعل أو بالقول مما لا يبلغ الكفر. ٦- أو وهمه. ٧- أو مخالفته للثقات في السند أو المتن. ٨- أو جهالته عينا أو حالا أو اسما. ٩- أو بدعته وهي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبي ﷺ لا بمعاندة ومكابرة بل بنوع شبهة. ١٠- أو سوء حفظه وهو من لم يرجح جانب إصابته على جانب خطئه١.

стр. 466

" المراد بالبدعة وحكم رواية المبتدع ": وللحافظ الكبير ابن حجر في البدعة كلام حسن مع إيجازه, قال ﵀ وأثابه بعد أن عرف البدعة بما ذكر آنفا: "البدعة إما أن تكون بمكفر كأن يعتقد ما يستلزم الكفر، أو بمفسق. فالأولى: لا يقبل صاحبها الجمهور، وقيل: يقبل مطلقا، وقيل: إن كان لا يعتقد حل الكذب لنصره مقالته قبل"١. والتحقيق: أنه لا يرد كل مكفر -بفتح الفاء المشددة- ببدعته؛ لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفيها, فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم ذلك تكفير جميع الطوائف فالمعتمد أن الذي ترد رواتيه من أنكر أمرا متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة وكذلك من اعتقد عكسه٢. فأما من لم يكن بهذه الصفة، وانضم إلى ذلك ضبطه لم يرويه، مع

стр. 467

ورعه، وتقواه، فلا مانع من قبوله. والثاني: وهو من لا تقتضي بدعته التكفير أصلا، وقد اختلف أيضا في قبوله ورده. فقيل: يرد مطلقا، وهو بعيد، وأكثر ما علل به أن في الرواية عنه ترويجا لأمره وتنويها بذكره، وعلى هذا ينبغي أن لا يروي عن مبتدع شيء يشاركه فيه غير مبتدع، وقيل: يقبل مطلقا إلا أن اعتقد حل الكذب كما تقدم. وقيل: يقبل من لم يكن داعية إلى بدعته؛ لأن تزيين بدعته قد يجمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه, وهذا هو الأصح وأعرب ابن حبان فادعى الاتفاق على قبول غير الداعية من غير تفصيل، نعم الأكثر على قبول غير الداعية إلا إن روى ما يقوي بدعته فيرد على المذهب المختار، وبه صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم ابن يعقوب الجوزجاني١ شيخ أبي داود، والنسائي، في كتابه "معرفة الرجال" فقال في وصف الراوة: "ومنهم زائغ عن الحق أي عن السنة صادق اللهجة، فليس فيه حيلة إلا أن يؤخذ من حديثه ما لا يكون منكرا إذا لم تقو به بدعته", وما قاله متجه؛ لأن العلة التي رد لها حديث الداعية واردة فيما إذا كان ظاهر المروي يوافق مذهب المبتدع ولو لم يكن داعية والله أعلم٢. وفي الحق أن العبرة في الرواية بصدق الراوي وأمانته، والثقة بدينه، وخلقه، وسلوكه والاستقامة على الدين، والمتتبع لأحوال الرواة يرى بعضا من أهل البدع موضعا للثقة والاطمئنان وإن كان داعية

стр. 468

ولذلك قال الحافظ الذهبي في "ميزان الاعتدال" في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي١: "شيعي جلد، ولكنه صدوق فلنا صدقه، وعليه بدعته", ونقل توثيقه عن أحمد، وغيره. وقال أبو داود السجستاني: ليس في أهل الأهواء أصح حديثًا من الخوارج: ولذلك احتج البخاري بعمران بن حطان، وهو من دعاة الشراة٢ وخرج الشيخان لعبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني٣, وكان داعية إلى الإرجاء وقد وثقه ابن معين، وأحمد بن حنبل، وغيرهما ولم يحتج مسلم بعبد الحميد, بل أخرج له في المقدمة -يعني مقدمة صحيح مسلم، وقد ذكر العراقي في تعليقه على "علوم الحديث" لابن الصلاح نحو ذلك٤, فإذا وجدنا بعض الأئمة الكبار من أمثال البخاري ومسلم لم يتقيد فيمن أخرج لهم في كتابه ببعض القواعد فذلك لاعتبارات ظهرت لهم ورجحت جانب الصدق على الكذب والبراءة على التهمة، وإذا تعارض كلام الناقد وكلام صاحبي الصحيحين فيمن أخرج لهم الشيخان من أهل البدع قدم كلامهم واعتبارهم للراوي على كلام غيرهم؛ لأنهما أعرف بالرجال من غيرهما، وليس ذلك تعصبًا لصاحبي الصحيحين -رحمهما الله- ولكنه الحق الذي ظهر بعد البحث والنظر والله أعلم. "كلام حسن للإمام أبي عبد الله الذهبي في البدعة": وللإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى سنة ثمانٍ وأربعين وسبعمائة للهجرة في البدعة وانقسامها إلى صغرى وكبرى, كلام

стр. 469

جيد ذكره، في ترجمة أبان بن تغلب المذكور آنفا. قال: "فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحد الثقة العدالة والإتقان؟ فكيف يكون عدلا من هو صاحب بدعة؟ قال: وجوابه: أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو، ولا تحرف فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين، والورع، والصدق فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة. ثم بدعة كبرى: كالرفض الكامل، والغلو فيه، والحط على أبي بكر، وعمر ﵄ والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة. وأيضا فما أستحضر في هذا الضرب رجلا صادقا، ولا مأمونا، بل الكذب شعارهم والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله؟! كلا وحاشا. فالشيعي الغالي في زمان السلف, وعرفهم هو من تكلم في عثمان، والزبير، وطلحة، ومعاوية وطائفة ممن حاربوا عليا ﵁، وتعرض لسبهم. والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفر هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين أيضا، فهذا ضال مفتر، ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلا بل قد يعتقد عليا أفضل منهما"١. وهذا الذي قاله الإمام الذهبي هو الصواب والحق الذي لا يحل لمسلم أن يعتقد خلافه, وقد سبق الذهبي إلى رفض رواية الرافضة ومن على

стр. 470

شاكلتهم ممن يسبون السلف الصالح الإمام النووي المتوفى سنة ست وسبعين وستمائة "٦٧٦هـ" في كتابه "الروضة" في باب القضاء في مسائل "الإفتاء" لأن سباب المسلم فسوق، فالصحابة والسلف من باب أولى١ وقد بلغ الأمر بغلاة الرافضة إلى تكفير الشيخين وغيرهما من الصحابة فإن اعتقدوا ذلك فهم كفار لا محالة؛ لأن الله زكاهم في كتابه وشهد لهم بالإيمان والرضوان وشهد لهم رسول الله ﷺ في الأحاديث الصحاح التي بلغت حد التواتر، ومع هذا فنحن ندعوهم إلى التبري من معتقداتهم والتوبة إلى الله، والدخول في زمرة أهل السنة والجماعة، ويتوب الله على من تاب.

стр. 471

هل يجزئ التعديل على الإبهام مدخل ... "هل يجزئ التعديل على الإبهام؟ ": إذا قال الراوي: حدثني الثقة من غير تسمية لم يكتف بذلك فيما ذكره الخطيب البغدادي وغيره, وذلك لأنه قد يكون ثقة عنده وغيره قد اطلع على جرحه بما هو جارح عنده أو بالإجماع, فلا بد من تسميته حتى يعرف, بل إضرابه عن تسميته مريب يوقع في القلوب فيه ترددا في القلب، بل زاد الخطيب أنه لو صرح بأن كل شيوخه ثقات ثم روى عمن لم يسمه لم يعمل بتزكيته، لجواز أن يعرف إذا ذكره بغير العدالة. وقيل: يكتفي بذلك مطلقا لو عينه؛ لأنه مأمون في الحالتين معا، فإن كان القائل لذلك عالما مجتهدا كمالك، والشافعي -وكثيرا ما يفعلان ذلك- كفى في حق موافقه في المذهب لا غيره عند بعض المحققين، قال ابن الصباغ: لأنه لم يورد ذلك احتجاجا بالخبر -أي الحديث- على غيره، بل يذكر لأصحابه قيام الحجة عنده على الحكم، وقد عرف هو من روى عنه ذلك واختاره إمام الحرمين، ورجحه الرافعي في

стр. 472

"شرح المسند" وفرضه في صدور ذلك من أهل التعديل١. وقيل: لا يكفي أيضا حتى يقول: كل من أروي لكم ولم أسمه فهو عدل، وقد حكى العلامة مغلطاي٢ عن تاريخ قرطبة أن بقي بن مخلد٣ قال: كل من رويت عنه فهو ثقة قال الخطيب وقد يوجد في بعض من أبهموه الضعف لخفاء حاله كرواية مالك عن عبد الكريم بن أبي المخارق.

стр. 473

" فائدتان مهمتان ": "الأولى" لو قال نحو الشافعي: أخبرني من لا أتهم، فهو كقوله: أخبرني الثقة وقال الذهبي: ليس بتوثيق لأنه نفى التهمة، وليس فيه تعرض لإتقانه، ولا لأنه حجة قال ابن السبكي: وهذا صحيح غير أن هذا إذا وقع من الشافعي على مسألة دينية فهي والتوثيق سواء في أصل الحجة، وإن كان مدلول اللفظ لا يزيد على ما ذكره الذهبي فمن ثم خالفناه في مثل الشافعي، أما من ليس مثله فالأمر كما قال. قال الزركشي: والعجب من اقتصاره على نقله عن الذهبي مع أن طوائف من فحول أصحابنا -يعني الشافعية- صرحوا بذلك منهم الصيرفي، والماوردي، والروياني. "الثانية" قال الإمام ابن عبد البر: إذا قال مالك عن الثقة عن بكير بن عبد الله الأشج فالثقة مخرمه١ بن بكير. وإذا قال: عن الثقة عن عمرو بن شعيب فهو عبد الله بن وهب،

стр. 474

وقيل: الزهري وقال النسائي: الذي يقول مالك في كتابه -يعني الموطأ- "الثقة عن بكير" يشبه أن يكون عمرو بن الحارث. وقال غيره: كل ما في كتاب مالك: أخبرني من لا أتهم من أهل العلم فهو الليث بن سعد وقال أبو الحسن الأبري: سمعت بعض أهل الحديث يقول: إذا قال الشافعي: أخبرنا الثقة عن ابن أبي دؤيب، فهو ابن أبي فديك. وإذا قال: أخبرنا الثقة عن الليث بن سعد فهو يحيى بن حسان، وإذا قال: أخبرنا الثقة عن الوليد بن كثير فهو أبو أسامة، وإذا قال: أخبرنا الثقة عن الأوزاعي فهو عمرو بن أبي سلمة. وإذا قال: أخبرنا الثقة عن ابن جريج فهو مسلم بن خالد. وإذا قال: أخبرنا الثقة عن صالح مولى التوأمة فهو إبراهيم بن يحيى. ونقله غيره عن أبي حاتم الرازي. وقال شيخ الإسلام ابن حجر في "تعجيل المنفعة برجال الأربعة": إذا قال مالك: عن الثقة عن عمرو بن شعيب فقيل: هو عمرو بن الحارث أو ابن لهيعة: وعن الثقة عن بكر بن الأشج قيل: وهو مخرمة بن بكير. وعن الثقة عن ابن عمر، هو نافع كما في موطأ ابن القاسم. وإذا قال الشافعي: عن الثقة عن ليث بن سعد قال الربيع١: هو يحيى بن حسان وعن الثقة عن أسامة بن يزيد، هو إبراهيم بن يحيى، وعن

стр. 475

الثقة عن حميد، هو ابن علية١، وعن الثقة عن معمر، هو مطرف بن مازن، وعن الثقة عن الوليد بن كثير، هو أبو أسامة، وعن الثقة عن يحيى بن أبي كثير، لعله ابنه عبد الله بن يحيى، وعن الثقة عن يونس بن عبيد، عن الحسن، هو ابن علية وعن الثقة عن الزهري هو سفيان بن عيينة. انتهى. وروينا في مسند الشافعي عن الأصم قال: سمعت الربيع يقول: كان الشافعي إذا قال: أخبرني من لا أتهم، يريد به إبراهيم بن يحيى, وقد روى الشافعي قال: أخبرنا الثقة عن عبد الله بن الحارث، إن لم أكن سمعته من عبد الله بن الحارث عن مالك بن أنس عن يزيد بن قسيط عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان قضيا في الملطاة٢ نصف دية الموضحة. قال الحافظ أبو الفضل الفلكي: الرجل الذي لم يسم الشافعي، هو أحمد بن حنبل. وفي تاريخ ابن عساكر قال عبد الله بن أحمد: كل شيء في كتاب الشافعي، أخبرنا الثقة فهو أبي. وقال شيخ الإسلام: يوجد في كلام الشافعي: أخبرني الثقة عن يحيى بن أبي كثير والشافعي لم يأخذ عن أحد ممن أدرك يحيى بن أبي كثير، فيحتمل أنه أراد بسنده عن يحيى قال: وذكر عبد الله بن أحمد أن الشافعي إذا قال: أخبرنا الثقة وذكر أحدا من العراقيين فهو يعني٣

стр. 476

" هل الرواية عن رجل سماه تعتبر تعديلا ؟ ": إذا روى العدل عن رجل وسماه لم تجعل روايته عنه تعديلا منه له، عند أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم. وقال بعض أهل الحديث وبعض أصحاب الشافعي يعتبر ذلك تعديلا منه له، لأن ذلك يتضمن التعديل. والصحيح الأول: لأنه يجوز أن يروي عن غير عدل، فلم يتضمن روايته عنه تعديله، وقد روي عن الشعبي أنه قال: حدثنا الحارث -يعني المعروف بالأعور- وكان شيعيا وأشهد بالله أنه كان كذابا. وروى الحاكم وغيره عن أحمد بن حنبل أنه رأى يحيى بن معين، وهو يكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس فإذا اطلع عليه إنسان كتمه، فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر يعني عن أبان عن أنس -وتعلم أنها موضوعة؟! فقال: أكتبها وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء إنسان فيجعل بدل "أبان" ثابتا١, ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس: فأقول له: كذبت إنما هي عن معمر عن أبان لا عن ثابت. وقيل: إن كان العدل الذي روى عنه لا يروي إلا عن عدل كانت روايته عنه تعديلا، وإلا فلا، واختاره الأصوليون: كالآمدي، وابن الحاجب وغيرهما٢.

стр. 477

" هل يعتبر عمل العالم أو فتياه على وفق حديث تصحيحا له ؟ ": عمل العالم أو فتياه على وفق حديث رواه ليس حكما منه بصحته ولا بتعديل رواته لإمكان أن يكون ذلك منه احتياطا أو لدليل آخر وافق ذلك الخبر. وصحح الآمدي وغيره من الأصوليين أنه حكم بصحته. وقال إمام الحرمين: يعتبر تصحيحا له إن لم يكن في مسالك الاحتياط, وفرق الإمام ابن تيمية بين أن يعمل به في الترغيب والترهيب وبين أن يعمل به في غيرهما فأما الأول فلا يدل على تصحيحه بخلاف الثاني فإنه يدل على تصحيحه له. أقول: وذلك لأن الحديث الضعيف يعمل به الترغيب والترهيب بخلاف الأحكام فإنها لا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح وما شاركه في الاحتجاج به وهو الحسن, وكذلك مخالفته لحديث لا تعتبر قدحا في صحته ولا في رواته، لإمكان أن يكون ذلك لمانع من معارض أو غيره. وقد روى الإمام مالك في "الموطأ" حديث الخيار، ولم يعمل به لعمل أهل المدينة بخلافه، ولم يكن ذلك قدحا في نافع راويه. وقال ابن كثير في القسم الأول نظر، إذا لم يكن في الباب غير ذلك الحديث وتعرض للاحتجاج به في فتياه أو حكمه، أو استشهد به عند العمل بمقتضاه وقد أجاب عن ذلك الإمام العراقي فقال: والجواب: أنه لا يلزم من كون ذلك الباب ليس فيه غير هذا الحديث أن لا يكون ثم دليل آخر من قياس، أو إجماع ولا يلزم المفتي أو الحاكم أن يذكر جميع أدلته بل ولا بعضها، ولعل له دليلا واستأنس بالحديث الوارد في الباب، وربما كان يرى العمل بالضعيف وتقديمه على القياس كما تقدم١. وكذلك لا يدل على صحة الحديث أيضا -كما ذكره أهل الأصول- موافقة الإجماع له على الأصح لجواز أن يكون المستند غيره، وقيل: يدل، وكذلك بقاء خبر تتوفر الدواعي على إبطاله لا يدل على

стр. 478

صحته، وقال الزيدية: يدل، وكذلك افتراق العلماء بين متأول للحديث، ومحتج به لا يدل على الصحة، وقال ابن السمعاني وقوم: يدل، لتضمنه له بالقبول، وأجيب باحتمال أنه تأوله على تقدير صحته فرضا لا على ثبوتها -أي الصحة- عنده.

стр. 479

" جهالة الراوي ": الجهالة ثلاثة أقسام: ١- جهالة العين: وذلك بان لا يروى عنه غير راو واحد فقط، ومن روى عنه عدلان عيناه ارتفعت جهالة عينه قال الخطيب: المجهول عند أهل الحديث من لم يعرفه العلماء، ولا يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد. وأقل ما يرفع الجهالة رواية اثنين مشهورين ونقل ابن عبد البر عن أهل الحديث نحوه وقد رد على الخطيب الشيخ الإمام ابن الصلاح بأن البخاري روى عن مرداس، الأسلمي ومسلم عن ربيعة بن كعب الأسلمي ولم يرو عنهما غير واحد، وهو قيس بن أبي حازم عن الأول، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن الثاني. ورد على ابن الصلاح الإمام النووي وصوب ما نقله الإمام الخطيب وقال: "ولا يصح الرد عليه بمرداس وربيعة: فإنهما صحابيان والصحابة كلهم عدول" يعني فلا يحتاج إلى رفع الجهالة عنهم بتعدد الرواة. ٢- جهالة الحال ظاهرا وباطنا، وذلك بأن لا يزكيه ويشهد له بالعدالة عالمان معتبران من علماء الجرح والتعديل. ٣- جهالة الحال باطنا دون الظاهر وهو ما يعرف بالمستور.

стр. 480

"حكم رواية المجهول": قال ابن الصلاح وتبعه النووي: رواية مجهول العدالة ظاهرا، وباطنا لا تقبل عند الجماهير يعني من المحدثين, والفقهاء، والأصوليين. وقيل: تقبل مطلقا، وقيل: إن كان من روي عنه، فيهم من لا يروي عن غير عدل قبل وإلا فلا. ورواية المستور وهو عدل الظاهر خفي الباطن أي مجهول العدالة باطنا، يحتج به بعض من رد رواية الأول وهو قول بعض الشافعية كسليم الرازي قال: لأن الإخبار مبني على حسن الظن بالراوي، ولأن رواية الأخبار تكون عند من يتعذر عليه معرفة العدالة في الباطن فاقتصر فيها على معرفة ذلك في الظهر بخلاف الشهادة فإنها تكون عند الحكام فلا يتعذر عليهم ذلك قال الشيخ ابن الصلاح: ويشبه أن يكون العمل على هذا في كثير من كتب الحديث المشهورة في جماعة من الرواة تقادم العهد بهم، وتعذرت خبرتهم باطنا، وكذلك صححه الشيخ النووي في "شرح المهذب". وأما مجهول العين فقد لا يقبله بعض من يقبل مجهول العدالة، ورده هو الصحيح الذي عليه أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم. وقيل: يقبل مطلقا، وهو قول من لا يشترط في الراوي مزيدا على الإسلام. وقيل: إن تفرد بالرواية عنه من لا يروي إلا عن عدل كابن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، واكتفينا في التعديل بواحد قبل وإلا فلا. وقيل: إن كان مشهورا في غير العلم بالزهد كمالك بن دينار، أو

стр. 481

النجدة كعمرو بن معديكرب الزبيدي, قيل: وإلا فلا واختاره ابن عبد البر. وقيل: إن زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه قبل، وإلا فلا. قال السيوطي: واختاره أبو الحسن بن القطان، وصححه شيخ الإسلام١.

стр. 482

" هل يقبل تعديل العبد والمرأة ؟ ": قال الإمام السيوطي في "تدريب الراوي": فرع في مسائل زادها المصنف -أي النووي- على ابن الصلاح: المسألة الأولى: يقبل تعديل العبد والمرأة العارفين لقبول خبرهما وبذلك جزم الخطيب في "الكفاية" والرازي، والقاضي أبو بكر بعد أن حكى عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم: أن لا يقبل في التعديل النساء لا في الرواية، ولا في الشهادة. وقد استدل الخطيب على القبول بسؤال النبي ﷺ بريرة عن عائشة في قصة الإفك قال: بخلاف الصبي المراهق فلا يقبل تعديله إجماعًا. المسألة الثانية: ومن عرفت عينه وعدالته وجهل اسمه احتج به وفي الصحيحين من ذلك كثير كقولهم: ابن فلان، أو والد فلان، وقد جزم بذلك الخطيب في "الكفاية" ونقله عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وعلله بأن الجهل باسمه لا يخل بالعلم بعدالته ومثله بحديث ثمامة بن حزن القشيري: سألت عائشة عن النبيذ؛ فقالت: هذه خادم رسول الله ﷺ لجارية حبشية فسلها ... الحديث. المسألة الثالثة: وإذا قال: أخبرنا فلان، أو فلان على الشك وهما

стр. 483

عدلان احتج به، لأنه قد عينهما، وتحقق سماعه لذلك الحديث من أحدهما، وكلاهما مقبول، قاله الخطيب، ومثله بحديث شعبة عن سلمة ابن كهيل عن أبي الزهراء، أو عن زيد بن وهب أن سويد بن غفلة دخل على علي بن أبي طالب فقال: "يا أمير المؤمنين! إني مررت بقوم يذكرون أبا بكر وعمر" ... الحديث. وذلك لأن كلا من أبي الزهراء، وزيد بن وهب ثقة. فإن جهلت عدالة أحدهما أو قال فلان أو غيره ولم يسمه لم يحتج به لاحتمال أن يكون المخبر المجهول١.

стр. 484

ألفاظ الجرح والتعديل ومراتبها مدخل ... "ألفاظ الجرح والتعديل ومراتبها": قد عني العلماء وأئمة الجرح والتعديل بذكر ألفاظ الجرح والتعديل، وبيان مراتبها ودرجاتها، وقد رتبها في مقدمة كتابه "الجرح والتعديل"١ ابن أبي حاتم الرازي٢ فجعلها أربع مراتب فأحسن وأجاد, وتبعه في ذلك الإمامان ابن الصلاح في كتابه "علوم الحديث" والنووي في مختصره المسمى "بالتقريب" والذي شرحه الإمام السيوطي بكتابه الجامع "تدريب الراوي"٣ ثم جعلها الإمامان الذهبي، ثم العراقي خمس مراتب. ثم جاء الإمام الحافظ ابن حجر فجعلها ست مراتب٤ وإليك بيانها مع زيادات في ألفاظها ومراتبها من كلام غيره من الأئمة الذين استدركوا عليه بعض المراتب.

стр. 485

" مراتب الجرح والتعديل ": وإليكم بيان مراتب التعديل على ضوء ما ذكرها الحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه القيم "تقريب التهذيب" مرتبة من الأعلى إلى الأدنى، ومضافا إليها زيادات من كلام غيره من العلماء. المرتبة الأولى: الوصف بما يدل على المبالغة وهو الوصف بأفعل؛ مثل فلان أوثق الناس، وأعدل الناس وإليه المنتهى في التثبت ومثله قول الشافعي في ابن مهدي: لا أعرف له نظيرا في الدنيا ومثله: أيضا قول حسان بن هشام في ابن سيرين: حدثني أصدق من أدركت من البشر. قال السيوطي: قلت: ومنه: لا أحد أثبت منه، ومن مثل فلان؟ وفلان لا يسأل عنه، ولم أر من ذكر هذه الثلاثة وهي في ألفاظهم. المرتبة الثانية: ما كرر فيه أحد ألفاظ التعديل إما لفظا كثقة ثقة، أو ثبت ثبت١ أو حجة حجة، أو معنى كثقة حجة، أو ثقة حافظ، أو ثقة حجة، أو حجة حافظ إلى نحو ذلك. المرتبة الثالثة: ثقة، أو ثبت، أو حجة، أو إمام، أو حافظ، أو متقن، أو عدل إلى نحو ذلك. المرتبة الرابعة: من قصر عن درجة الثالثة قليلا وإليه الإشارة بقولهم: صدوق، أو محله الصدق، أو لا بأس به قال ابن أبي حاتم: فهو ممن يكتب حديثه، وينظر فيه، وهي المنزلة الثانية -يعني على حسب

стр. 486

تقسيمه- زاد العراقي، أو مأمون، أو خيار، أو ليس به بأس، ومن العلماء من فرق بين: صدوق، وبين: محله الصدق وهو الذهبي وتبعه العراقي فجعل صدوق من هذه، محله الصدق ما بعدها، لأن صدوقا صيغة مبالغة، بخلاف محله الصدق، فإنه دال على أن صاحبها محله، ومرتبته مطلق الصدق وقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن عبد الرحمن بن مهدي قال وحدثنا أبو خلدة -بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام- فقيل له: أكان ثقة؟ قال: كان صدوقا، وكان مأمونا، وكان خيرا، الثقة: شعبة، وسفيان، وهذا يدل على تفرقتهم بين ثقة، وبين صدوق ونحوه. المرتبة الخامسة: من قصر عن درجة الرابعة قليلا، وقد مثل لها ابن أبي حاتم بقوله: شيخ، وقال: يكتب حديثه وينظر فيه إلا أنه دون الثانية -يعني على حسب تقسيمه- وزاد العراقي في هذه الرتبة مع قولهم: محله الصدق: إلى الصدق ما هو، شيخ وسط، جيد الحديث، حسن الحديث، وزاد شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر قولهم: صدوق سيئ الحفظ، أو صدوق يهم، أو: له أوهام، أو يخطئ، أو تغير بأخرة١. قال الحافظ ابن حجر: ويلحق بذلك من رمي بنوع من البدعة كالتشيع٢، والقدر٣، والنصب٤، والإرجاء٥، والتجهم مع بيان

стр. 487

الداعية من غيره. المرتبة السادسة: صالح الحديث ونحو ذلك قال ابن أبي حاتم: من قيل فيه ذلك هو يكتب حديثه وينظر فيه يعني يكتب حديثه للاعتبار. المرتبة السابعة: قال الحافظ: من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله وإليه الإشارة بلفظ مقبول حيث يتابع، وإلا فلين الحديث. المرتبة الثامنة: ما أشعر بالقرب من التجريح وهو أدنى المراتب كقولهم ليس ببعيد من الصواب، صويلح الحديث، مقارب الحديث، يكتب حديثه، ونحو ذلك، وما ينبغي أن يعلم أن بعض الكلمات قد يعتبرها بعض العلماء من مرتبة، والآخر يعتبرها من مرتبة أخرى فلا يشكلن عليك الأمر وإنما هو يرجع إلى اختلاف الاعتبار والأنظار. "فائدة": قولهم: مقارب الحديث قال العراقي: ضبط في الأصول الصحيحة بكسر الراء، وقيل: إن ابن السيد حكى فيه الفتح والكسر، وأن الكسر من ألفاظ التعديل، والفتح من ألفاظ التجريح قال: وليس ذلك بصحيح بل الفتح والكسر معروفان حكاهما ابن العربي في "شرح الترمذي" وهما على كل حال من ألفاظ التعديل، وممن ذكر ذلك الذهبي. قال: وكأن قائل ذلك فهم من فتح الراء إن الشيء المقارب هو الرديء وهذا من كلام العوام وليس معروفا في اللغة، وإنما هو على

стр. 488

الوجهين من قوله ﷺ : "سددوا وقاربوا" , فمن كسر قال: إن معناه مقارب لحديث غيره، ومن فتح قال: معناه أن حديثه يقاربه حديث غيره، ومادة فاعل تقتضي المشاركة انتهى وممن جزم بأن الفتح تجريح البلقيني في "محاسن الاصطلاح" وقال: حكى ثعلب: تبر مقارب أي رديء. انتهى. "فائدة أخرى": قول العلماء "إلى الصدق ما هو، وللضعف ما هو" معناه قريب من الصدق والضعف فحرف الجر يتعلق بقريب مقدرا، و"ما" زئدة في الكلام -أي هو قريب من الصدق، والضعف- كما قال عياض والنووي في حديث الجساسة الذي رواه مسلم: "من قبل المشرق ما هو" المراد إثبات أنه في جهة المشرق. وقولهم واه بمرة أي قولا واحدا لا تردد فيه، فكأن الباء زائدة, وقولهم: تعرف وتنكر أي يأتي مرة بالمشاهير أي الأحاديث المعروفة ومرة بالمناكير.

стр. 489

" ألفاظ التجريح، ومراتبها ": أما مراتب ألفاظ التجريح فهي ست، وسنرتبها من الأدنى إلى الأعلى: المرتبة الأولى: فلان فيه مقال، أو ضعيف، أو لين الحديث ونحوها. المرتبة الثانية: فلان لا يحتج به أو ضعفوه، أو منكر الحديث ونحوها. المرتبة الثالثة: فلان مردود الحديث، أو ضعيف جدا، أو واه بمرة ونحوها. المرتبة الرابعة: فلان متهم بالكذب أو الوضع أو ساقط، أو متروك

стр. 490

أو هالك ونحوها. المرتبة الخامسة: فلان كذاب أو دجال، أو وضاع ونحوها. المرتبة السادسة: فلان أكذب الناس أو إليه المنتهى في الكذب ونحوهما وهذه المراتب الأربعة الأخيرة لا يلتفت إلى من اتصف بها ولا إلى أحاديثه، ولا يعتبر بها ولا يستشهد ومن روى شيئا منها من غير بيان فهو داخل تحت قوله ﷺ : "من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين". رواه مسلم في مقدمة الصحيح. "فائدة مهمة": ومن ألفاظهم في التجريح أيضا: فلان له بلايا أو هذا الحديث من بلاياه قال برهان الدين الحلبي: هو كناية عن الوضع فيما أحسب، وكذا قولهم: له طامات وأوابد، ويأتي بالعجائب قال البرهان الحلبي، فلا أدري أتقتضي اتهام المقول فيه ذلك بالكذب، أم لا تفيد غير وصف حديثه بالنكارة. وقال أيضا: والظاهر أن قولهم: آفته فلان -كناية عن الوضع، ويحتمل أن يكون المراد- آفته في رده ونكارته. وإن قالوا: آفته فلان فهذا محل التردد، وكذلك قولهم: "له أحاديث مناكير" لا يقتضي ترك روايته حتى تكثر المناكير فيها، وحينئذ يقال فيه: منكر الحديث، وروى مناكير. وفي شرح الإلمام لابن دقيق العيد: إن منكر الحديث موصوف بالترك وأما "روى أحاديث منكرة" فوصف بوقوع ذلك منه في حين من الأحيان لا دائما وذكر ابن حجر في "التقريب": "أن ابن حنبل يطلق على من يغرب على أقرانه في الحديث: أي يأتي بالغرائب: أنه منكر الحديث.

стр. 491

فعلى الناظر في كتب الجرح والتعديل، وكتب الرجال أن يدقق ويحقق ويبحث في اصطلاحات العلماء حتى يصل إلى الحق والصواب فيما يذكرون. فائدة مهمة: ذكر الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" في ترجمة "محمد بن خالد الطحان الواسطي "عن أبي زرعة١ أنه سأل أباه عنه، فقال: "هو على يدي عدل" قال الحافظ: ومعناه أنه قريب من الهلاك، وهذا القول مثل للعرب، ومورده: أنه كان لتبع٢ على شرطته رجل يقال له: عدل بن سعد العشيرة، فإذا أراد تبع قتل شخص دفعه إليه ليقتله، فضرب به المثل لمن ييأس منه الناس وقرب من الهلاك كما ذكره ابن قتيبة والثعالبي وأخطأ من ظن أنه من ألفاظ التوثيق", وفي القاموس المحيط "مادة "عدل" ج٤ ص١٣": "العدل: ضد الجور وما قام في النفوس أنه مستقيم ... وبلا لام -يعني وبلا ألف ولام- رجل ولي شرطة تبَّع فإذا أريد قتل رجل دفع إليه، فقيل لكل ما يئس منه: وضع على يدي عدل". "تنبيه مهم": ما ينبغي أن يعلم أن بعض الأئمة المجروحين كانوا يراعون العفة في القول، ويتحرجون من ألفاظ النقد الجارحة. ومن هؤلاء إمام الأئمة البخاري -رحمه الله تعالى- فإنه كان يقول: فلان فيه نظر، وسكتوا عنه، وهاتان العبارتان يقولهما البخاري فيمن تركوا حديثه.

стр. 492

أقول: وبهذا الأدب العف العالي في النقد فليقتد الناقدون لغيرهم، ودعكم من ألفاظ السباب والفحش في النقد والمناظرة فإنها بضاعة العاجز الجاهل، أما العلماء الأصلاء فهم بمعزل عن هذه السفاهة والهجر من القول والله يعصمني وإياكم من الجهل والسفه.

стр. 493

" المسلسل من الحديث ": تعريفه: المسلسل: بضم الميم وفتح السين، وسكون اللام وفتح السين المهملة الثانية آخره لام اسم مفعول من سلسلت الشيء أي جعلته مسلسلا. وهو في اللغة: اتصال الشي بعضه ببعض على نسق واحد متناسب، ومنه سلسلة الحديد فإن حلقاتها متناسبة متصل بعضها ببعض١. وفي اصطلاح المحدثين: ما توارد فيه الرواة كلهم واحدا فواحدا على صفة واحدة أو حالة واحدة للرواة تارة، وللرواية تارة أخرى٢. وهو من صفات الإسناد كما قال الحافظ ابن حجر، بخلاف المرفوع, والموقوف، والمقطوع, فإنها صفات المتن، وبخلاف الصحيح ونحوه كالحسن فإنهما من صفاتهما٣. فائدة التسلسل: ومن فوائد التسلسل -كما قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح- اشتماله على الاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم٤- باعتبار أنه هو مصدره الأول أقول: وهذا إنما يكون بعد ثبوت التسلسل وإلا فلا. وهذا النوع من أنواع علوم الحديث قد اعتنى به العلماء المؤلفون في هذا العلم قديما وحديثا، فمنهم من كتب فيه على أنه نوع من أنواع

стр. 494

علوم الحديث وأصوله، ومنهم من كتب فيه وألف على سبيل الاستقلال. أقسام التسلسل: قال الإمام النووي في "التقريب، وشارحه السيوطي في "التدريب": وصفات الرواة وأحوالهم أيضا إما أقوال، وإما أفعال، أولهما معا وصفات الرواية إما أن تتعلق بصيغ الأداء، أو بزمنها، أو بمكانها، وله أنواع كثيرة غيرها ومما زاده السخاوي في شرحه على "ألفية العراقي" ما يتعلق بتاريخ الرواية، وليس ذلك على سبيل الحصر بل له أنواع كثيرة غيرها١ قال العراقي: في ألفيته، وشارحها السخاوي، "وقسمه" أي تقسيمه "إلى ثمان" كما فعل الحاكم إنما هي "مثل" لهن ولم يرد الحصر فيها كما فهمه ابن الصلاح عنه، وتعقبه بعدم حصره فيها، إذ ليس في عبارة الحاكم ما يقتضي الحصر كما قاله الشارح لقول الحاكم بعد الفراغ منها: فهذه أنواع التسلسل من الأسانيد المتصلة التي لا يشوبها تدليس، وآثار السماع فيها بين الراويين ظاهرة، وهذا كما ترى مؤذن بأنه إنما ذكر من أنواعه ما يدل على الاتصال, وهو غاية المقصد من هذا النوع٢.

стр. 495

الأمثلة لهذه الأنواع: ١- فالمسلسل بالأحوال القولية كحديث معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: "يا معاذ، إني أحبك فقل دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" ١. ٢- ومن أمثلة المسلسل بالأحوال الفعلية مسلسل التشبيك باليد، وهو
следующие страницы →