مقدمات
تقدمة بين يدي الكتاب
...
تقدمة بين يدي الكتاب:
الحمد لله الذي أنزل على عبده ونبيه محمد القرآن وحيا يتلى، وأنزل عليه السنة وحيا غير متلو، حيث قال فيما صح عنه: "ألا إنني أوتيت الكتاب، ومثله معه" ١, والصلاة والسلام على سيدنا محمد بعثه الله على حين فترة من الرسل ليفتح به أعينا عميا وآذانا صما، وقلوبا غلفا, فملأ الدنيا إيمانا وتوحيدا بعد أن ملئت شركا وكفرا، وهدى بعد أن ملئت ضلالا وخيرا بعد أن ملئت شرا، وعلما بعد أن ملئت جهلا، ونورا بعد أن كانت في ظلمات وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن علم الحديث النبوي الشريف لم يزل من قديم الزمان -والإسلام غض طري، والدين محكم الأساس قوي- أشرف العلوم وأجلها، وأنفعها وأبقاها ذكرا، وأعظمها أثرا، بعد علم القرآن الكريم الذي هو أصل الدين ومنبع الصراط المستقيم.
وقد عنيت الأمة الإسلامية من لدن عصر الرسول ﷺ بحفظ الأحاديث وروايتها، والالتزام بها علما، وعملا، وسلوكا، وأخلاقا ثم عنيت بجمعها، وتدوينها في كتب الأحاديث والسنن، من الصحاح،
стр. 2
والسنن، والمسانيد والمعاجم، والجوامع، والمشيخات، والأجزاء ونحوها١.
وكذلك عنيت بالرواة، والمرويات من حيث القبول والرد، ووضعوا في ذلك أدق، وآصل، وأحكم قواعد النقد العلمي الصحيح، وتركوا لنا في علم تاريخ الرجال ثروة نادرة لا توجد في أية أمة من الأمم الأخرى وفي علم الجرح والتعديل ما لم يعرف عند أمة أخرى.
وكانت هذه العناية ممثلة في علماء الحديث، وجهابذته٢، وأئمته النقاد الذين قضوا حياتهم في الارتحال، والأسفار، وجانبوا الراحة والاستقرار في سبيل لقاء الرواة، والبحث عنهم، وميزانهم بميزان دقيق، لا تحيف فيه على أحد منهم ولا غبن له، ولا نقص لحقه.
كما تكلموا في علم غريب الحديث، وعلم علله، وعلم مختلف الحديث ومشكله، وعلم ناسخه، ومنسوخه، وعلم محكمه، ومتشابهه، وعلم أسباب وروده وعلم التنبيه إلى التصحيف والتحريف الذي وقع فيه بعض المحدثين إلى غير ذلك من العلوم وهكذا نجد أنه ما من علم يتعلق بجانب من جوانب الحديث إلا وتكلموا فيه وأوسعوه شرحا وبيانا.
وكذلك عنوا بضبط متون الأحاديث ضبطا محكما متقنا، وتحقيق الروايات وتحريرها، ويبدو ذلك جليا في النسخة المحققة من صحيح الإمام البخاري.
وكذلك عنوا بشرح الأحاديث وبيان معانيها الإفرادية والتركيبية وما يستنبط منها من العقائد، والأحكام، والحكم, والآداب، وما تشتمل عليه من وجوه البلاغة وأساليب البيان، والمحسنات البديعية، حتى غدت كتب هذه الشروح دواوين عقيدة وشريعة، وأخلاق، ومواعظ،
стр. 3
وعلم، وأدب، وبلاغة وبيان فكانت كالحديقة المزهرة المثمرة الغناء التي يتنتقل فيها الناظر من روض إلى روض، ومن ثمار إلى ثمار، ومن زهور إلى زهور حتى غدت متع القلوب ومشتهى النفوس، وانشراح الصدور، وقرات العيون.
إن تأليفي لهذا الكتاب يرجع إلى نحو ثلث قرن أو يزيد، حينما كنت أقوم بتدريس "الحديث الشريف" و"علومه" بكلية أصول الدين, إحدى كليات الجامع الأزهر العتيق، المعمور بالعلم والعلماء، أيام أن كان الأزهر الشريف بكلياته ومعاهده الدينية العلمية -هو الأزهر- والعلم هو العلم، وطلاب الأزهر -هم الطلاب- وحرصهم على العلم هو الحرص.
وقد كان في أول الأمر مباحث مكتوبة بخط يدي أمليها على الطلاب شيئًا فشيئًا، ثم بدا لي -ونعم ما بدا- أن أجمع هذه البحوث، ولا زلت أهذبها وأنقحها، وأقدم فيها وأؤخر، وأزيد فيها وأعيد حتى جاءت على هذا الوضع الحسن المستطاب.
ومن فضل الله على أني لا أسطر كلمة في العلم، ولا أكتب بحثًا، ولا أحقق مسألة من مسائل إلا وأحتفظ بما أكتبه عندي في حرز مصون، وما احتفظت بشيء مما كتبت إلا وانتفعت به غاية الانتفاع، حتى البحوث التي كتبتها في زمن طلب العلم.
ولعلكم تعجبون إذا قلت لكم -صادقًا- أني ما فرطت في كتاب ولا في "دفتر"١ من الدفاتر التي كانت عندي من عهد الصبا والطلب، وبعضها موجود في "مكتبتي" بقريتنا إلى يومنا هذا.
стр. 4
وما أردت -علم الله- بذكر هذا إلا استحثاث طلاب العلم، والتلاميذ اليوم على الاحتفاظ بكتبهم، والمذكرات التي تملى عليهم، لتكون ذكرى عندهم، وليرجعوا إليها عند الحاجة.
وقد كان الاحتفاظ بالكتب والدفاتر ونحوها خصيصة من خصائص طلاب الأزهر في هذا الوقت، وهو شيء أسجله تقريرا للحقيقة والواقع.
стр. 5
منهجي في تأليف هذا الكتاب:
ولم أنهج في هذا الكتاب المنهج الذي اتبعه الإمام ابن الصلاح في "علومه" ومن نهج منهجه في هذا ممن جاء بعده بالبدء ببحوث الصحيح والحسن والضعيف ولا المنهج الذي اتبعه الإمام الحافظ ابن حجر في "النخبة، وشرحها" ولكني نهجت منهجا آخر ألهمني الله إياه.
ذلك أني بدأت بشرح الألفاظ التي يكثر دونها في هذا العلم -وبشرح ألقاب المحدثين- وذكر الحديث القدسي، والفرق بينه وبين القرآن، وبينه وبين الحديث النبوي. ثم بدا لي أن أؤخره حيث وضعته.
ثم ثنيت بشرح هذا المركب "علم الحديث" وتقسيمه إلى:
١- علم الحديث رواية.
٢- وعلم الحديث دراية, والأطوار التي مر بها هذا العلم, وأشهر الكتب المدونة فيه قديما وحديثا, ثم ثلثت بالرواية: تعريفها, أقسامها, شروطها, تاريخها, عناية الأمة العربية بها, عناية الأمة الإسلامية بها, عناية الأمة الإسلامية بالإسناد, الإسناد المتصل الصحيح من خصائص هذه الأمة, ثم بينت الأطوار التي مر بها تدوين الحديث في عهد النبي ﷺ ثم في عهد الصحابة. وفيه سن الخلفاء الراشدون سنة التثبت في الرواية, ثم في عهد التابعين،
стр. 6
ثم عرضت لتدوين الأحاديث والسنن تدوينا عامًّا في عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، ثم وفقت بين حديث النهي عن الكتابة، والأحاديث المتكاثرة الدالة على كتابة الأحاديث في العهد النبوي، ثم العهود بعده، لأبين أن تدوين السنة بدأ في عهد مبكر جدا.
ثم بينت أشهر الكتب المؤلفة في القرن الثاني الهجري, كتاب الموطأ هو الباقي منها، ثم في القرن الثالث الذي يعتبر العصر الذهبي لتدوين الأحاديث والسنن.
ثم ذكرت أشهر الكتب المؤلفة في القرن الرابع، وبذلك تم جمع الأحاديث والسنن أو كاد, ثم جاءت عصور التهذيب والجمع بين الكتب المتفرقة وذلك في القرن الخامس وما بعده وبذلك أعطيت لطالب الحديث صورة واضحة لتدوين الأحاديث والسنن، وأعطيته تصورا عاما عن أشهر الكتب المؤلفة في الحديث وبذلك تشوقت نفسه إلى معرفة ما يتعلق بهذه الكتب التي سيأتي دراسة الكثير منها على التفصيل.
ثم بينت مناهج المؤلفين وطرائقهم في التأليف في الأحاديث، ثم عرضت لشروط الراوي في الإسلام، والفرق بين عدل الرواية، وعدل الشهادة، وكفاية شروط الراوي في الاطمئنان إلى مروياته، وترجح جانب الصدق على جانب الكذب، وجانب الضبط على جانب الغفلة ثم خلصت بعد هذا إلى طرق التحمل وطرق الأداء، وهي ثمانية؛ ليعلم الطالب، والباحث أن الأحاديث قامت على أساس متين من طرق الرواية الصحيحة، ثم بينت الإسناد العالي وأقسامه، والإسناد النازل وأقسامه ليعلم الطالب أن طلب علو الإسناد سنة قديمة ثم ذكرت جملة من المسائل والقواعد التي تتعلق بصفة كتابة الأحاديث وضبطها، وصفة روايتها، ومن ذلك الرواية بالمعنى، وبيان شروطها، وبيان أنها لم تجن
стр. 7
على الدين كما زعم بعض الناس وهذه المسائل والقواعد تعتبر بمثابة المفتاح لكتب الأحاديث والسنن وحل رموزها ثم عرضت لآداب المحدث ثم لآداب طالب الحديث, ولا سيما الرحلة في سبيل العلم والحديث ثم عرضت للزمن الذي يتهيأ فيه الطالب للتأليف في الحديث, بل وغيره، وإن عليه أن يتريث حتى يصير آهلا لذلك، وكان لا بد أن أعرض للأغراض التي تقصد من التأليف، على ما ذكره الإمام النووي وغيره.
ثم شرعت بعد ذلك في بيان ما يتعلق بأقسام الحديث في اصطلاح العلماء فبدأت بتقسيم الحديث من حيث عدد رواته إلى الأقسام الآتية:
المتواتر, وما هو؟ وما شروطه؟ وما هي الشبه التي أوردت: أيوجد أم لا؟ والعلم الذي يفيده, وأهو علم ضروري أم نظري.
المشهور ما هو؟ المستفيض ما هو العزيز الغريب.
وقد أوسعت القول في المتواتر، وفي المشهور، وأقسامه، والكتب التي ألفت في الأحاديث المشتهرة على الألسنة، ومما ينبغي أن يعلم أن ما عدا المتواتر قد يكون صحيحا أو حسنا أو ضعيفا.
ثم شرعت في تقسيم الحديث تقسيما ثانيا من حيث نسبته إلى قائله، وأنه ينقسم إلى
١- المرفوع.
٢- والموقوف.
٣- والمقطوع.
وبينت ما هو مرفوع صراحة، وما هو مرفوع حكما، وعقبت الموقوف بتفريعات مهمة عني بها أهل هذا الفن، ومما ينبغي أن يعلم أن هذه الثلاثة تشترك بين الصحيح والحسن، والضعيف لا كما زعم البعض أنها من أقسام الضعيف.
ثم شرعت في تفسيم الحديث تقسيما ثالثا من حيث القبول والرد إلى ثلاثة أقسام:
١- الصحيح.
٢- والحسن.
٣- والضعيف.
وبعد تعريف الصحيح ذكرت مسائل مهمة فيما يتعلق بالصحيحين، وبعد الحسن ذكرت ما يتعلق بالسنن وما هو على غرارها من الكتب، ثم
стр. 8
استقصيت أنواع الضعيف مبتدئا بالمرسل منتهيا بالموضوع الذي هو شرها وأدونها.
وقد أفضت في القول في الحديث الموضوع! متى نشأ الوضع؟ وما هي أسبابه؟ وما هي علاماته وأماراته، وآثاره السيئة في كتب العلوم جاعلا لكتب كل علم فصلا ثم بينت جهاد العلماء المتشعب الفروع في مناهضة الوضع والوضاعين، والموضوعات عن طريق:
١- التأليف في الموضوعات حينا.
٢- وتجريح الرواة وتعديلهم حينا آخر.
٣- وتأليف كتب التخاريج حينا ثالثا.
٤- وتأليف كتب الأحاديث المشتهرة حينا رابعا حتى أسلح طالب الحديث ضد دعاوي المستشرقين وافتراءاتهم في هذا الباب ثم شرعت في ذكر علم الجرح والتعديل، وكل ما يتصل به من قواعد ومسائل وإلى هنا كان الكتاب مبيضا من منذ بضعة عشر عاما.
ثم رأيت أن أتممه بذكر ما فاتني وذكر العلوم التي ألف فيها على سبيل الاستقلال وذكرت في كتب "علوم الحديث" و"مصطلحه" على أنها نوع من الأنواع.
وقد انتهزت فرصة تفرغي شهورا قبل موسم حج هذا العام ١٤٠٢هـ وشهرا بعده فكان أن أتممت ما بقي من المباحث والأنواع فلله الحمد والمنة على ما وفق أولهم.
وقد كنت في عام ١٣٨٢هـ ١٩٦٢م ألفت كتابا وهو جزء صغير في بعض أنواع علوم الحديث وسميته: "في أصول الحديث" وقد طبع ونفذ.
وفي عام ١٣٨٥هـ ١٩٦٦م ألفت كتابا في بعض مباحث وأنواع علوم الحديث وفي آداب كتابة الحديث وآداب روايته، وفي آداب المحدث، وفي آداب طالب الحديث وسميته "علوم الحديث" وقد طبع ونفذ.
стр. 9
وقد جمعت ما كان في الكتابين وأضفت إليه أضعافهما فكان هذا السفر الكبير في "علوم الحديث" و"مصطلحه".
وقد جاء الكتاب خلاصات محررة لما يوجد في متفرقات كتب الفن من لدن الرامهرمزي إلى عصرنا هذا، وقد مخضتها حتى استخرجت زبدها مع حسن التبويب والتنسيق وتيسير العسير، وتقريب البعيد، ومع حسن العبارة وطلاوتها؛ وجمال العرض والأسلوب وما أشد حاجة طلاب العلم اليوم، والمثقفين ثقافة غير إسلامية إلى تقريب ألوان الثقافة الإسلامية الأصيلة إليهم ولا سيما علوم القرآن، وعلوم السنة ولما قمت في "التلفزيون" بمصرنا العزيزة بندوات في التعريف بالسنة وأئمتها وأشهر الكتب المدونة فيها نالت قبولا حسنا من رجال القانون والقضاء، والأطباء، والمهندسين, وعلماء الكون والفلكيين، والضباط وغيرهم وقد مكثت في ذلك ما يقرب من عام في برنامج "نور على نور" فعلمت أن هذه الأمة الإسلامية لا زالت بخير، ولكننا معاشر المشتغلين بالعلوم الإسلامية بعامة والمشتغلين بالأحاديث والسنة بخاصة علينا تبعات جسام في عدم قيامنا بما يجب علينا من تقريب وتيسير الثقافة الإسلامية إلى الناس كافة، فهل نحن فاعلون؟ وليس من الخير للإسلام والمسلمين أن يبقى العلم بهذه العلوم الإسلامية مقصورا على أهل العلم وطلابه.
أضف إلى كون هذا الكتاب زبدة أو خلاصة كتب الفن ما من الله به عليَّ من حصيلة دراساتي واشتغالي بالحديث وعلومه ما يقرب من نصف قرن فقد عنيت به من عهد الطلب حتى استأهلت -ولله الحمد والمنة- أن أناقش الأقوال وأنقد الآراء وأرجح قولا عن قول، ورأيا على رأي وأن يكون لي اجتهاد في كثير من مسائل هذا الفن كما يبدو ذلك واضحا من ثنايا بحوث هذا الكتاب وقد أقر بهذا بعض الزملاء والأقران الذين تخلصوا من العقد النفسية في بعض مؤلفاتهم ولا
стр. 10
أقول ذلك تعالما ولا تفاخرا، وإنما هو التحدث بنعمة الله عليَّ وصدق الله ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ ١.
وقد حصل من بعض الزملاء من طبقتنا٢، ومن بعض الأبناء الذين هم من طبقة بعد طبقتنا اجتهادات في تنظيم مباحث هذا الفن وترتيبه، ولكل منا وجهة هو موليها.
وإذا كان العلماء قد قالوا: لا مشاحة في الاصطلاح فأنا أقول: "لا مشاحة في الاجتهاد" وبحسب المجتهد إن أصاب أن يكون له أجران، وإن أخطأ أن يكون له أجر، ولما كان هذا الكتاب ليس طويلا مملا، ولا قصيرا مخلا لم أتكلف له عنوانا وأسميته "الوسيط في علوم، ومصطلح الحديث".
والله أسأل أن يجعل عملي هذا مقبولا، ونفعه دائما، وأجره موصولا إنه سميع مجيب، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، والحمد لله حمدا يوافي نعمه؛ ويكافئ مزيده وصلى الله ﵎ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
مكة المكرمة في يوم الاثنين التاسع والعشرين من المحرم ١٤٠٣هـ.
الموافق ١٥/ ١١/ ١٩٨٢م.
وكتبه
خادم القرآن والسنة
أبو السادات
محمد بن محمد أبو شهبة
стр. 11
ال مدخل للكتاب
مدخل
...
المدخل للكتاب:
في شرح بعض المفردات التي يكثر دورانها في كتب الحديث والتفسير والفقه والوعظ والأخلاق، ومعرفة اصطلاحات العلماء فيها كي يكون القارئ والباحث على بينة من أمر هذه الألفاظ, وألقاب المشتغلين بالحديث.
"الحديث" هو في اللغة ضد القديم. ويطلق أيضا على قليل الكلام وكثيره قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ وإطلاق الحديث على الكلام لأنه يحدث ويجد شيئا فشيئا١.
وفي اصطلاح المحدثين: هو أقوال النبي ﷺ وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخِلقية والخُلُقية٢ مثل كونه أبيض اللون مشربا بحمرة, ليس بالطويل البائن, ولا بالقصير, إلى غير ذلك من الصفات.
ومثل كونه أشجع الناس وأشدهم حياء وتواضعا وجودا, وعطفا على الفقراء والمساكين والأرامل واليتامي, وأعفاهم عند المقدرة إلى غير ذلك من غرر الأخلاق, ويدخل في ذلك سيرته وغزواته -صلى الله عليه وسلم٣.
ومعنى التقرير أن يفعل أحد من الصحابة فعلا أو يقول قولا أمام
стр. 12
النبي ﷺ ولا ينكره عليه, أو لا يكون أمامه ولكن يبلغه ويسكت عنه، فعدم إمكانه وسكوته تقرير له لأنه ﷺ لا يقر أمرا غير مشروع.
والقول إما صريح كقال رسول الله أو حدثنا أو سمعت منه كذا وإما حكمي كقول الصحابي الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات فيما لا مجال للرأي فيه. وكذلك الفعل إما صريح وإما حكمي والتقرير إما صريح وإما حكمي. وستتبين الأمثلة فيما سنذكره في بحث "الموقوف" إن شاء الله تعالى.
ومن العلماء من يزيد في تعريف الحديث: وأقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم، وهو اصطلاح آخر. ويشهد له صنيع كثير من المحدثين في كتبهم حيث لا يقتصرون على المرفوع إلى النبي ﷺ ، وإنما يذكرون المرفوع والمقطوع.
السنة: هي في اللغة الطريقة، والسيرة. قال صاحب المصباح المنير والسنة الطريقة، والسنة السيرة حميدة كانت أو ذميمة١.
لكنها عند الإطلاق تنصرف إلى الحميدة.
وفي اصطلاح المحدثين: أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته، وصفاته الخَلقية والخُلقية. وزاد بعضهم: وأقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم: وعلى هذا فهي مرادفة للحديث في اصطلاحيه السابقين.
ويرى بعض العلماء أن الحديث خاص بقوله وفعله، والسنة تشمل الأقوال والأفعال والتقريرات والصفات، والسكنات والحركات في اليقظة والمنام والهم٢ وعلى هذا فالسنة أعم من الحديث, وللسنة
стр. 13
اصطلاحات أخر، فهي عند الشرعيين تقابل البدعة، وعند الفقهاء تطلق على ما يقابل الفرض والواجب كقولهم سنة الصلاة كذا.
الخبر: قيل هو والحديث مترادفان وعليه فيكون تعريف الخبر هو ما ذكرناه في تعريف الحديث:
وقيل إن الحديث والخبر متباينان. فالحديث ما صدر عن النبي من قوله وفعله ... إلخ. والخبر ما جاء عن غيره موقوفًا عليه ومن ثم قيل لمن يشتغل بالتواريخ أخباري١، ولمن يشتغل بالحديث محدث.
وقيل: الخبر أعم من الحديث: فالحديث خاص بما جاء عن النبي ﷺ ، والخبر يشمل ما جاء عن النبي وعن الصحابة والتابعين ومن بعدهم فكل حديث خبر ولا عكس فعلى هذا يكون بينهما عموم وخصوص مطلق يتجمعان وينفرد الأعم منهما.
الأثر: من العلماء من يجعله مرادفًا للحديث فيكون تعريفها واحدًا ومنه ما في مقدمة صحيح الإمام مسلم من تسمية الأحاديث بالآثار ومنه ما جاء عند الإمام الطحاوي في كتابه "مشكل الآثار" ومن العلماء من يقول: الأثر أعم من الحديث؛ فالحديث خاص بما جاء عن النبي, والأثر يشمل ما جاء عن النبي وغيره من الصحابة والتابعين، وقيل إنهما متباينان؛ فالحديث ما جاء عن النبي, والأثر ما جاء عن الصحابة, وإلى هذا ذهب فقهاء خراسان. قال أبو القاسم الفوراني منهم: الفقهاء يقولون: الخبر ما يروى عن النبي ﷺ والأثر ما يروى عن الصحابة، وفي النخبة لشيخ الإسلام ابن حجر: "ويقال للموقوف والمقطوع الأثر"٢.
стр. 14
السند: السند من معانيه في اللغة "ما استندت إليه من حائط وغيره" "المصباح المنير" وفي القاموس: "السند محركة ما قابلك من الجبل، وعلا عن السفح ومعتمد الإنسان".
وفي اصطلاح المحدثين: هو الطريق الموصل للمتن. وبعبارة أوضح: هو رواة الحديث الذين رووا لفظ الحديث. والمناسبة بين المعنيين ظاهرة. فإن الرواة للحديث هم الذين يعتمد عليهم المحدثون في معرفة المقبول من المردود، والصحيح من غيره.
"الإسناد" في اللغة: قال في القاموس "وسند إليه سنودا وتساند استند وفي الجبل صعد كأسند وأسندته أنا فيهما" ح١ ص٣٠٣ وفي اصطلاح المحدثين له إطلاقان:
١- هم الرواة الراووان للمتن وعليه فهو مرادف للسند.
٢- رفع الحديث إلى قائله ونسبته إليه وعليه فهو مغاير للسند ويكون من عمل الراوي للحديث.
المسند: بفتح النون له معان عند المحدثين:
١- يطلق ويراد به الإسناد فيكون مصدرا. ومثاله "مسند الشهاب" و"مسند الفردوس" أي أسانيد أحاديثهما١.
٢- ويطلق ويراد به أحد أنواع علوم الحديث وسنذكره فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
وأما المسند بكسر النون: فهو الذي يرفع الحديث إلى قائله.
المتن: المتن في اللغة. قال في المصباح المنير: "متن الشيء بالضم متانة اشتد وقوي فهو متين. والمتن من الأرض ما صلب وارتفع ... والمتن الظهر وفي القاموس, مادة متن "ومتن الكبش صفنه واستخرج بيضه
стр. 15
بعروقها، وبالمكان متونا أقام ... والمماتنة: المباعدة في الغاية".
وفي اصطلاح المحدثين: هو ما ينتهي إليه السند من ألفاظ الحديث الدالة على معانيها والمناسبة بين المعنيين ظاهرة. فهو إما مأخوذ من المباعدة في الغاية لأنه غاية السند، أو لأن المسند استخرج المتن بسنده. أو لأنه المتن قوي واشتد بذكر سنده.
ولكي تكون على بينة من ذلك عمليا تذكر حديثا ونطبق هذه المصطلحات الأخيرة عليه.
قال الإمام البخاري في صحيحه: حدثنا الحميدي "قال" حدثنا سفيان "قال" حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري "قال" أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ... " الحديث. فعمل الإمام البخاري في ذكر الحديث بسنده يسمى إسناده بالمعنى الثاني للفظ إسناد, ومن قوله حدثنا الحميدي ... إلى قول عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يسمى سندا، ويسمى إسنادا أيضا بالمعنى الأول، وقوله: "إنما الأعمال بالنيات" يسمى متن الحديث. والحديث يسمى مسنَدا بفتح النون. أي حديثا ذكر إسناده، والبخاري في ذكره للحديث بسنده: "مسنِدا" بكسر النون.
стр. 16
ألقاب المشتغلين بالحديث
مدخل
...
"ألقاب المشتغلين بالحديث":
الراوي: أو "المسنِد" هو ناقل الحديث بالإسناد سواء كان عنده علم به أو ليس له إلا مجرد الرواية.
طالب الحديث: هو المشتغل بدراسة الحديث رواية، ودراية، وشرحا، وفقها.
стр. 17
المحدث: من تحمل الحديث رواية, واعتنى به دراية بأن يحفظ المتون ويكون عنده علم بالرجال وتواريخهم وجرحهم وتعديلهم. "الحافظ": هو من روى ما يصل إليه، ووعى ما يحتاج إليه أي بأن يكون ما يعلم من الأحاديث والرجال أكثر مما يجهله, وقال بعضهم تحديدا له بالعدد هو من أحاط علمه بمائة ألف حديث.
الحجة: أرفع درجة من الحافظ. وقال بعضهم: هو من حفظ ثلثمائة ألف حديث بأسانيدها.
الحاكم: هو من أحاط علمه بجميع الأحاديث المروية متنا وإسنادا وجرحا وتعديلا وتاريخا وعللا، وغريبا، وناسخا ومنسوخا، وتوفيقا بين ما ظاهره التعارض إلى نحو ذلك.
стр. 18
" من مفاخر المحدثين ":
ولا تستكثرن أيها القارئ هذا فقد كان أئمة الحديث وجهابذته في العصور الأولى يحفظون ذلك وأكثر منه, روي عن إمام الأئمة البخاري أنه كان يحفظ مائة ألف حديث صحيح. ومائتي ألف حديث غير صحيح. وقال الإمام في شأن صحيحه: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلثمائة ألف حديث مسموعة.
وقال أبو داوود: "كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن".
وقال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل: "انتقيت المسند من سبعمائة ألف وخمسين ألف حديث".
وسئل الإمام أبو زرعة١ عن رجل حلف بالطلاق أن أبا زرعة
стр. 19
يحفظ مائتي ألف حديث هل يحنث؟ قال لا. ثم قال أحفظ مائة ألف حديث كما يحفظ الإنسان سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وفي المذاكرة ثلاثمائة ألف حديث إلى غير ذلك من النقول التي رويت عن غير هؤلاء من أعلام المحدثين والفقهاء١.
стр. 20
" الحفظ والفقه للأحاديث ":
ومما ينبغي أن يعلم أن أهل العصور الأولى من المحدثين كانوا يجمعون إلى الحفظ الفقاهة والفهم، والعلم بالعلل والرجال، والناسخ والمنوسخ وأن منهم من مزج الحديث بالفقه والاجتهاد في الأحكام. كما صنع البخاري في تراجمه وتبويب كتابه. والإمام مالك في موطئه. والترمذي في سننه. ومنهم من لم يصنع ذلك اقتصارا على المتون والأسانيد لا عجزا ولا قصورا في الفقه والفهم بل اقتصارا على الجمع، وذلك كما صنع الإمام مسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه وغيرهم كثيرون.
وأما ما يتقول به بعض المغرضين على أئمة الحديث. وأنهم كانوا زوامل أسفار لا يعلمون ما يحملون, فهذا الوصف أبعد ما يكون عن أهل القرون الأولى الذين جمعوا الأحاديث والسنة ودونوها في الصحاح والسنن والمسانيد والجوامع, وهذا النوع من المحدثين الذين جعلوا همهم الحفظ فقط إنما كان في العصور المتأخرة ممن لا عناية لهم بالفقه والدراية والتحقيق وهم الذين عناهم الحافظ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه "صيد الخاطر" والتاج السبكي في بعض كتبه١.
стр. 21
" فائدتان ":
"الأولى": ما نقلته عن العلماء في بيان من هو المحدث والحافظ والحجة ... إنما هو باعتبار أزمانهم وعصورهم الأولى. أما في عصورنا هذه فينبغي التسامح في ذلك. وإلا فإننا لا نجد من ينطبق عليه وصف المحدث فضلا عن غيره من الألقاب ومن قبل لاحظ بعض الأئمة عزة من يطلق على هذه الألقاب فما بالك بعصرنا هذا١ وغاية المحدث في عصرنا "إن وجد" أن يحيط بعلم الحديث رواية, والقدرة على البحث والتفتيش عن الرجال وجرحهم وتعديلهم من بطون الكتب, وقراءة الكتب الستة والموطأ والمسند والمستدرك وسنن الدارقطني والبيهقي ونحوها, وكثرة المداومة على قراءة هذه الكتب, والبحث والتفتيش حتى تتكون عنده ملكة بالعلم بما فيها, بحيث يتمكن من استخراج أي حديث منها إذا أراد, والعلم بمعظم الأحاديث فقها وغريبا.
ولا أدري ما إذا كان يوجد في عصرنا هذا من يستأهل لقب المحدث مع التسامح أم لا؟ لقد أصبح لقب المحدث يمنح لمن دون ذلك بكثير.
"الثانية": قد يقول قائل: إن ما ذكرته عن الألوف المؤلفة التي كان يحفظها الأئمة الكبار وما نقل عنهم في هذا لا يصدقه المدون في كتب الحديث على كثرتها. فإن ما يوجد فيها من الأحاديث المرفوعة لا يبلغ عشر هذا المقدار.
والجواب: أنه ليس المراد بهذه الألوف أنها كلها أحاديث متغايرة, كما هو الظاهر, وإنما يدخل في هذه الطرق المتعددة للحديث الواحد فقد يروى الحديث الواحد بعشرة أسانيد, وما هي في الحقيقة والواقع إلا طرق لحديث واحد, فيتخير أي إمام منها أصحها وأوثقها في نظره, ويدع ما عدا ذلك, وقد يكون فيما ذكره ما ليس صحيحا عند غيره.
стр. 22
وقد يكون فيما يتركه ما هو صحيح في الواقع, وأيضا يدخل في هذه الألوف آثار الصحابة والتابعين وغيرهم, وهذه الآثار تعتبر من الأحاديث عند كثير من المحدثين وما أكثر ما روي من الآثار, فكن على ذكر من ذلك حتى لا يلتبس عليك الأمر، وحتى تدفع تشكيكات المشككين في السنن والأحاديث.
стр. 23
علوم الحديث بالمعنى العام
مدخل
...
علوم الحديث بالمعنى العام:
هذا المركب الإضافي يتكون من كلمتين:
١- علوم.
٢- والحديث.
أما العلوم فهي جمع علم, والعلم يطلق على اليقين والمعرفة١, ويطلق على الصفة التي بها تنكشف المعلومات٢, وعلى الملكة الراسخة في النفس التي بها الإدراك٣, ويطلق ويراد به المسائل والقواعد التي تذكر في علم من العلوم٤. وهذا الأخير هو المراد حينما نريد التعريف بعلم من العلوم المدونة, وأما الحديث فقد بينا معناه الاصطلاحي فيما سبق, وعلى هذا فيكون المراد بهذا المركب الإضافي: هي جميع العلوم والمعارف التي بحثت في الحديث من حيث روايته وجمعه في الكتب, أو٥ من حيث بيان صحيحه من ضعيفه أو من حيث بيان رواته ونقدهم وجرحهم وتعديلهم, أو من حيث بيان غريبه أو بيان ناسخه ومنسوخه, أو مختلفه ومتعارضه, أو من حيث شرح معناه واستخراج الأحكام منه إلى غير ذلك من العلوم التي دارت في فلك الحديث الشريف, ثم تطور هذا المركب فأصبح يطلق علما لقبيا على علم الحديث دراية كما ستعلم فيما بعد ...
стр. 24
"علم الحديث بالمعنى الإضافي "أي العام":
أما علم الحديث بمعناه الإضافي قبل صيرورته علما فينقسم إلى قسمين:
١- علم الحديث رواية.
٢- وعلم الحديث دراية.
"علم الحديث رواية":
هو علم يشتمل على نقل ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خِلقية وخُلُقية. وكذا ما أضيف إلى الصحابة والتابعين من أقوالهم وأفعالهم.
موضوعه: ذات النبي ﷺ من حيث قوله وفعله ... إلخ, وذات الصحابة والتابعين من أقوالهم وأفعالهم. قاله الكرماني في شرح صحيح البخاري "ويرى كثير من العلماء أن موضوعه: هو أقوال النبي وأفعاله وتقريراته وصفاته الخِلقية والخُلقية وهو الأولى، ولم يرتض الأول قال السيوطي: ولم يزل شيخنا العلامة محيي الدين الكافيجي يتعجب من قوله: إن موضوع علم الحديث -يعني رواية- ذات الرسول ويقول: هذا موضوع الطب لا موضوع الحديث.
أقول: والحق أن التقييد بالحيثية المذكورة يخرج علم الطب لأنه موضوعه ذات الإنسان من حيث الصحة والمرض، ومع هذا فالأولى أن يقال: موضوعه: أقوال النبي ﷺ وأفعاله ... إلخ.
وفائدته: الوقوف على ما ثبت عن رسول الله ﷺ من حديث فنهتدي بهديه ونأتسي به. وإذا علمنا أن السنة هي الأصل الثاني من أصول التشريع وأنها شارحة للقرآن ومبينة له ومفسرة له. وتزيل مشكله. وتفصل مجمله، وتقيد مطلقه, وتخصص عامه؛ أدركنا جلالة هذا العلم وعظم فائدته للإسلام والمسلمين وأنه أشرف العلوم بعد علم القرآن الكريم وأفضلها.
стр. 25
وغاية هذا العلم: الفوز بسعادة الدنيا والآخرة.
وواضعه: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المتوفى سنة ١٢٠هـ, وقيل الإمام محمد بن شهاب الزهري المتوفى سنة ١٢٤هـ.
ومسائله: قضاياه التي تذكر فيه مثل قال رسول الله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات ... " , فإنه متضمن لقضية قائلة: إنما الأعمال بالنيات بعض أقواله.
ونسبته: إلى غيره من العلوم الشرعية التي يجب الاعتناء بها: التباين وإن كانت لا غنى لها عنه.
وحكمه: أنه من فروض الكفاية فإذا لم يوجد في الأمة من يقوم به أثمت الأمة كلها.
واستمداده: من أقوال النبي وأفعاله وتقريراته ونحوها ومن أقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم.
وفضله: أنه من أشرف العلوم وأفضلها إذ العلم إنما يشرف بشرف موضوعه وأشرف الكلام بعد كلام الله تعالى هو كلام رسوله ﷺ .
стр. 26
علم الحديث دراية
مدخل
...
"علم الحديث دراية":
تعريفه: هو علم بقوانين يعرف به أحوال السند والمتن وموضوعه السند والمتن هكذا عرفه الشيخ عز الدين بن جماعة وغيره وقال الحافظ ابن حجر: هو معرفة القواعد المعرفة بحال الراوي والمروي١.
ويمكن أن نعرفه بتعريف أوضح فنقول: هو علم بأصول وقواعد يتوصل بها إلى معرفة الصحيح والحسن والضعيف. وأقسام كل. وما يتصل بذلك من معرفة معنى الرواية وشروطها وأقسامها. وحال الرواة
стр. 27
وشروطهم, والجرح والتعديل, وتاريخ الرواة ومواليدهم ووفياتهم, والناسخ والمنسوخ ومختلف الحديث وغريبه إلى غير ذلك من المباحث والأنواع التي تذكر في كتب هذا الفن.
وموضوعه: الراوي والمروي من حيث القبول والرد.
وفائدته: معرفة المقبول من المردود, وتمييز الصحيح من الحسن من الضعيف.
وغايته: صيانة الأحاديث من الكذب والاختلاق وبذلك تصان الشريعة من التحليل والتحريم بغير دليل.
وواضعه: الإمام القاضي الرامهرمزي المتوفى سنة ٣٦٠هـ.
ومسائله: قضاياه التي تذكر فيه كقولهم: الصحيح هو ما اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة.
والضعيف ما فقد شروط الصحة أو الحسن كلا أو بعضا وهكذا.
ونسبته: إلى غيره من العلوم الشرعية التي ينبغي الاعتناء بها: التباين، وإن كانت لا غنى لها عنه.
وحكمه: أنه من فروض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، فإن فرطت فيه الأمة أثمت كلها.
واستمداده: من كلام أئمة الحديث ورواته, وأئمة الجرح والتعديل، وأئمة الفقه والاجتهاد المستند إلى ما جاء في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .
وفضله: أنه من أشرف العلوم وأجلها إذ هو يتعلق بالذب عن حديث رسول الله وسنته.
стр. 28
" تاريخ علم الحديث دراية ":
إن أئمة الحديث عنوا به عناية فائقة من ناحية حفظه وضبطه, وتدوينه وتأليف الكتب الجامعة لمتونه, وقد بدأت هذه العناية من لدن عصر النبي ﷺ . فقد كتبه بعض الصحابة في عهده وبعد عهده وكتبه التابعون وإن كان بدء التدوين مدونا عاما كان من أول القرن الثاني, ثم لم تلبث حركة التدوين أن ازدهرت شيئا فشيئا, وما كاد ينتهي القرن الثالث حتى كانت السنن والأحاديث مدونة كلها تقريبا في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها ولم يبق منها إلا شيء أقل من القليل كما ستعلم ذلك فيما بعد إن شاء الله.
كذلك عنوا به من نواح أخرى من جهة سنده ومتنه مما يتوقف عليه قبوله أورده, ولعمر الحق أن البحث عنه من هذه النواحي لبحث جليل القدر جم الفائدة, إذ يتوقف عليه تمييز الطيب من الخبيث, وتطهير الأحاديث مما عسى أن يكون دخلها من التزيد والاختلاق, وتلك النواحي التي بحثوا فيها مثل البحث في الرواية وشروطها وأقسامها, والتحمل والأداء والبحث عن أحوال الرواة من جرح وتعديل وقواعد كل، وبيان الصحيح من الحسن من الضعيف وأقسام كل, وبيان غريب الحديث, وناسخه ومنسوخه ومختلفه ومتعارضه وعلله إلى غير ذلك مما ذخرت به كتب أصول الحديث.
"قبل عصر التدوين":
وقد علمت أن التدوين للأحاديث إنما كان في آخر القرن الأول، ولم تكن مباحث هذا الفن وقواعده قبل عصر التدوين مدونة في السطور وإنما كانت منقوشة في الصدور. وعلى صفحات القلوب شأنها في ذلك شأن معظم الأحاديث قبل التدوين. وما كان رواة الأحاديث
стр. 29
والجامعون له بغائبة عنهم أصول هذا الفن وقواعده, بل كانوا يعرفونها حق المعرفة فكان وجودها في الأذهان, وإن لم توجد في الأعيان وليس أدل على هذا مما نقل إلينا من التثبت البالغ والتحوط الشديد في قبول الرواية والعمل بها, والتحرج من الإكثار من الرواية خشية الغلط أو النسيان, أو التزيد والوضع, وقد وضع أساس هذا التثبت الخلفاء الراشدون المهديون ومن جاء بعدهم من أئمة العلم والحديث.
"بعد عصر التدوين":
ولما دونت الأحاديث تدوينا عاما ودونت كتب أخرى في علوم أخرى وجدنا الكثير من قواعد هذا العلم وأصوله مفرقة في أثناء كتبهم المؤلفة في متون الأحاديث، أو المؤلفة في الفقه وأصوله, فمن ذلك ما نجده في أثناء مباحث كتابي "الرسالة" و"الأم" للإمام الشافعي المتوفى سنة ٢٠٤هـ وما نقله تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة ٢٤١هـ في أسئلتهم له ومحاورتهم معه, وما كتبه الإمام مسلم بن الحجاج المتوفى سنة ٢٦١هـ في مقدمة صحيحه, وهي مقدمة صحيحه, وهي مقدمة قيمة وتعتبر من المحاولات الجدية في تدوين هذا العلم, ولولا أنها مقدمة للصحيح لاعتبرتها أول ما دون في أصول الحديث والرواية, بالمعنى الفني الدقيق, وما ذكره الإمام أبو داود السجستاني المتوفى سنة ٢٧٥هـ في رسالته إلى أهل مكة في بيان طريقته في كتابه "السنن" المشهور, وما ذكره الإمام أبو عيسى الترمذي المتوفى سنة ٢٧٦هـ في ثنايا كتابه الجامع من تصحيح للأحاديث وتحسين وتضعيف ونقد للرواة وتعديل وتجريح, وما أثبته في كتاب "العلل" الذي هو في آخر جامعه. وكتابه "العلل" الذي ألفه على سبيل الاستقلال.
وما ذكره الإمام البخاري في تواريخه الثلاثة, وما ذكره الأئمة المتقدمون في كتبهم التي وضعت في الجرح والتعديل وتاريخ الرجال
стр. 30
بحيث يخلص لنا من كل ما ذكرنا الكثير من قواعد هذا العلم وما ذكره أثناء كتابه "الجامع الصحيح" من بعض مسائل هذا العلم.
"تدوين بعض الكتاب المستقلة في بعض أنواعه":
كذلك ألفت كتب كثيرة في بعض أنواعه فمنهم من أفرد بالتأليف غريب الحديث كما فعل أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة ٢١٠هـ وأبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة ٢٢٤هـ وابن قتيبة عبد الله بن مسلم الدينوري المتوفى سنة ٢٧٦هـ وأبو عبيد أحمد بن محمد الهروي المتوفى سنة إحدى وأربعمائة له كتاب الغريبين: غريب القرآن وغريب الحديث. وأبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري المتوفى سنة ٥٣٨هـ وأبو السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٠٦هـ في كتابه "النهاية" وهو أوفى كتب الغريب وأشملها.
ومنهم من أفرد بالتأليف البحث عن أحوال الرجال وهي كثيرة منها ما ألف في الثقات ككتاب أبي حاتم محمد بن حبان البستي ومنها ما ألف في الضعفاء ككتاب "الضعفاء" للبخاري والنسائي والدارقطني, ومنها ما ألف فيما هو مشترك بينهما كتواريخ البخاري، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم و"الطبقات" لابن سعد.
ومنهم من أفراد بالتأليف الناسخ والمنسوخ وذلك كما فعل قتادة بن دعامة السدوسي المتوفى سنة ١١٨هـ والحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن الأثرم المتوفى سنة ٢٦١هـ.
ومنهم من ألف في مختلف الأحاديث كما فعل الإمام الشافعي وابن قتيبة الدينوري وممن ألف في مختلف الحديث الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المصري الطحاوي المتوفى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وهو كتابه القيم "مشكل الآثار".
стр. 31
ومنهم من ألف في علل الحديث مثل علي بن المديني المتوفى سنة ٢٣٤هـ والإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي المتوفى سنة ٣٢٧هـ والإمام الدارقطني المتوفى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة.
"التدوين في هذا العلم كفن مستقل":
ثم رأى بعض أئمة الحديث أن يجمعوا ما تفرق من بحوث هذا العلم في كتاب واحد يكون جامعا لأصول هذا الفن. ورءوس مسائله لا لجميع جزئياته ومباحثه. فمن ثم جاءت كتب هذا الفن كالفهارس بالنسبة لما تفرق من تلك الكتب التي تكون مكتبة عامرة.
"أسماء هذا العلم":
ولكون هذا العلم خلاصة علوم متعددة ومعارف متنوعة على ما ذكرنا سماه بعض العلماء "علوم الحديث" بالجمع لمحا للأصل, ولكون هذا العلم أصلا لعلم الحديث رواية وهو منه بمنزلة "أصول الفقه" من "الفقه" سمي "علم أصول الحديث" ولكون أصوله وقواعده تغلب عليها الاصطلاحات الفنية سمي "علم مصطلح الحديث" ولكون هذا العلم يقابل علم الحديث رواية سمي "علم الحديث دراية". فهذه الأربعة أسماء لمسمى واحد. وهو هذه المباحث التي تدور حول الرواية والراوي والمتون والأسانيد من حيث القبول والرد.
"متى دون هذا الفن وأشهر الكتب المؤلفة فيه":
وكان ظهور التدوين في هذا العلم كفن مستقل في القرن الرابع الهجري على ما نعلم وإليك أشهر ما ألف فيه.
١- أول ما ألف فيه القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن
стр. 32
ابن خلاد الرامهرمزي١ المتوفى حوالي سنة ٣٦٠هـ فألف كتابا سماه "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" ولكونه أول محاولة لم يجئ كتابه على ما ينبغي, فلم يستوعب كل أنواع هذا العلم ومباحثه, وهذه هي السنة في التآليف, فما من علم مبتدع إلا ويبدأ صغيرا ثم يكبر وقليلا ثم يكثر.
٢- ثم جاء بعده الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن البيع النيسابوري صاحب كتاب "المستدرك على الصحيحين" و"الإكليل" و"المدخل إليه" في مصطلح الحديث. و"تاريخ نيسابور" المتوفى سنة ٤٠٥هـ فألف كتابه "علوم الحديث" ولكنه لم يهذب الفن كما ينبغي ولم يرتبه الترتيب المنشود.
٣- ثم تلاه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني صاحب كتاب "حلية الأولياء" و"المستخرج على البخاري" المتوفى سنة ٤٣٠هـ فعمل على كتاب الحاكم مستخرجا زاد فيه أشياء على ما في كتابه. لكنه أبقى أشياء لم يذكرها فتداركها من جاء بعده.
٤- ثم جاء بعد هؤلاء الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي صاحب "تاريخ بغداد" وغيره المتوفى سنة ٤٦٣هـ فألف في قوانين الرواية كتابا سماه "الكفاية في قوانين الرواية" وفي آدابها كتابا سماه "الجامع لآداب الشيخ والسامع".
وقل فن من فنون الحديث إلا وقد ألف فيه كتابا مفردا, فكان كما قال الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الغني بن نقطة البغدادي الحنبلي المتوفى سنة ٦٢٩هـ "كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال
стр. 33
على كتبه"١.
٥- ثم جاء القاضي عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي صاحب كتاب "الشفاء" وغيره المتوفى سنة ٥٤٤هـ فألف كتابا سماه "الإلماع في ضبط الرواية وقوانين السماع".
٦- وألف أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانجي٢ المتوفى سنة ٥٨٠هـ رسالة مختصرة سماها "ما لا يسع المحدث جهله"٣.
٧- ثم جاء فارس هذه الحلبة الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن المشهور بابن الصلاح الشهرزوري٤ نزيل دمشق المتوفى سنة ٦٤٣هـ فألف لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية كتابه المشهور "علوم الحديث" ويعرف بمقدمة ابن الصلاح.
وقد اعتنى ابن الصلاح بتصانيف الخطيب وغيره ممن سبقه فهذبها وجمعها في كتابه هذا, ولكنه أملاها على طلبته شيئا فشيئا من غير سبق روية وتفكير, وتعمل وتأمل في الترتيب والتنسيق.
فلهذا لم يجئ ترتيبه على الوضع المتناسب الدقيق كما هو الشأن في التآليف المنسقة, فلم يذكر ما يتعلق بالمتن وحده وما يتعلق بالسند وحده, وما يشتركان معا فيه, وما يختص بكيفية التحمل والأداء وحده, وما يختص بصفات الرواة وحده وهكذا وقد اعتذر عنه الإمام السيوطي في كتابه التدريب٥ بأنه جمع متفرقات هذا الفن من كتب مطولة في هذا الحجم اللطيف ورأى أن تحصيله وإلقاءه إلى طالبيه أهم
стр. 34
من تأخير ذلك إلى أن تحصل العناية التامة بحسن ترتيبه وإجادة تنسيقه وقد ذكر في كتابه خمسة وستين نوعا وقال: وليس بآخر الممكن في ذلك فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى١.
وقد صدق فقد وصل بالأنواع السيوطي في التدريب إلى ثلاثة وتسعين نوعا. منها ما أدمجه ابن الصلاح في غيره كالمعنعن والمعلق فقد ذكرهما في نوع المعضل. ومنها ما فاته كالقوي والجيد. والمعروف والمحفوظ، والثابت، والصالح، وكمن اتفق اسمه واسم شيخه ونحوهما٢ وقد شرح كتاب ابن الصلاح الحافظ العراقي وهو شرح نفيس قيم له فيه عليه إيضاحات وتفسيرات وتقييدات وزيادات٣ وقد سماه "التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من علوم ابن الصلاح" وقد اعتنى العلماء بكتاب ابن الصلاح. وسار في فلكه جل من ألف بعده في علوم الحديث, فمنهم من نظمه, ومنهم من اختصره ومنهم من اقتصر على بعض ما جاء فيه, ومنهم من استدرك عليه بعض ما فاته, ومنهم من انتصر له ونافح عنه.
٨- فمن نظمه الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي المتوفى سنة ٨٠٦هـ في كتابه "ألفية الحديث" وشرحها هو بنفسه وكذلك شرحها بعده الحافظ السخاوي في شرح جيد وهو أحسن شروحها وهو مطبوع.
٩- وممن اختصره الإمام الحافظ أبو زكريا محيي الدين النووي المتوفى سنة ٦٧٦هـ صاحب كتاب "المجموع" و"الروضة" في فقه الشافعية, وشرح صحيح مسلم وغيرها من الكتب النافعة في كتاب سماه "الإرشاد" ثم اختصر المختصر في كتاب سماه "التقريب" وقد شرحه
стр. 35
شرحا وافيا الإمام السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ في كتاب سماه "تدريب الراوي" ويعتبر شرحا للتقريب على الخصوص ثم لكتاب ابن الصلاح وغيره من كتب الفن على العموم, فمن ثم جاء كتاب "التدريب" أوفى ما كتب في علم مصطلح الحديث وأصوله, وعليه المعول لكل من ألف في الفن بعده, وقد أكثر فيه من النقول والنصوص, تاركا لمن جاء بعده التحقيق والتمحيص, والموازنة والترجيح.
١٠- وممن اختصره أيضا الإمام الحافظ الفقيه المفسر المؤرخ عماد الدين إسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفى سنة ٧٧٤هـ في كتاب سماه "الباعث الحثيث إلى معرفة علوم الحديث" وله فيه على ابن الصلاح استدراكات مفيدة, وتعقبات مهمة, وزيادات وتوضيحات قيمة.
وممن اختصره مع الزيادات قاضي القضاة بمصر الإمام بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني المتوفى سنة ٧٣٣هـ وسمى كتابه "المنهل الروي في الحديث النبوي".
وممن اختصره أيضا مع زيادات وتحقيقات الإمام أبو حفص سراج الدين عمر بن رسلان بن نصير البلقيني المتوفى سنة خمس وثمانمائة وسمى كتاب: "محاسن الاصطلاح في تضمين كتاب ابن الصلاح".
١١- ومن المختصرات الجامعة في هذا الفن رسالة موجزة ألفها الإمام الحافظ الفقيه المحقق أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المصري المتوفى سنة ٨٥٢هـ سماها "نخبة الفكر في مصطلحات أهل الأثر" وشرحها بشرح سماه "نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر" وشرح الشرح العلامة الشيخ علي بن سلطان محمد الهروي القاري الحنفي المتوفى سنة ١٠١٤هـ, وقد نهج في النخبة الحافظ ابن حجر نهجا مبتكرا. ونقل السخاوي في "الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع" في ترجمة الحافظ أنه سمعه يقول: "لست راضيا عن شيء من تصانيفي لأني
стр. 36
عملتها في ابتداء الأمر. ثم لم يتهيأ لي من تحريرها سوى شرح البخاري ومقدمته والمشتبه والتهذيب ولسان الميزان. بل كان يقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أتقيد بالذهني, ولجعلته كتابا مبتكرا, بل رأيته في مواضع أثنى على شرح البخاري, والتعليق والنخبة" والنخبة وشروحها مطبوعة.
١٢- ظفر الأماني شرح مختصر الجرجاني، مؤلف المتن العلامة السيد الجرجاني المتوفى سنة ٨١٦هـ, والشرح للعلامة محمد عبد الحي اللكنوي المتوفى سنة ١٣٠٤هـ.
١٣- ومن المنظومات التي ألفت في هذا الفن ألفية الإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال الأسيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ سماها "نظم الدرر في علم الأثر" وشرحها بشرح سماه "قطر الدرر" وهي مطبوعة.
١٤- ومن الكتب الجامعة في هذا الفن كتاب "توجيه النظر إلى علوم الأثر" ومؤلفه العلامة الشيخ طاهر بن صالح الجزائري الدمشقي المتوفى سنة ١٣٣٨ ولتأخر مؤلفه قد جمع فيه خلاصة ما قاله العلماء السابقون في هذا العلم. ولا سيما علماء أصول الحديث وأصول الفقه.
١٥- "قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث" ألفه العلامة الشيخ محمد جمال الدين القاسمي المتوفى سنة ١٣٣٢هـ, وهو عبارة عن نقول من كلام العلماء السابقين في هذا العلم ولد فيها فضل الترتيب والتبويب. والجمع والتهذيب. وفي بعض الأحايين يناقش قولا أو يرجح رأيا على رأي.
١٦- "الطراز الحديث" للشيخ الأكبر أبي الفضل الجيزاوي شيخ الجامع الأزهر سابقا وقد جاء على أوجز ما يكون وهو مطبوع للمرة الرابعة عام ١٣٠٥هـ.
стр. 37
١٧- مفتاح السنة أو "تاريخ فون الحديث" للعلامة الشيخ محمد عبد العزيز الخولي خريج مدرسة القضاء الشرعي المتوفى في القرن الرابع عشر وهو كتاب وسط ونافع ومفيد عرض فيه لمنزلة السنة من القرآن وابتداء التدوين. وأشهر الكتب المؤلفة في القرون الأولى ولا سيما القرن الذهبي لتدوين كتب الحديث ودواوينه وهو القرن الثالث. كما عرض فيه لتواريخ علوم الحديث وقد طبع بمصر سنة ١٣٤٧هـ.
١٨- أحسن الحديث للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن المحلاوي أحد كبار علماء الأزهر الشريف اختصر فيه البيقونية وشروحها وحواشيها وقد طبع بمصر سنة ١٣٣١هـ.
١٩- مصطلح الحديث: للعلامة الشيخ عبد الغني محمود أحد كبار علماء الأزهر اختصر فيه النخبة وشروحها وقد طبع بمصر عام ١٣٢٥هـ للمرة الثانية.
٢٠- الأسلوب الحديث في علوم الحديث لشيخنا العلامة الشيخ أمين الشيخ أحد كبار علماء الأزهر. وهو في جزئين وسيطين اعتمد فيه كل كتب السابقين ولا سيما كتاب "ظفر الأماني" شرح مختصر الجرجاني في "ومفتاح السنة" وذكر في آخره جملة عن الأحاديث المشكلة والإجابة عنها وعدتها واحد وعشرون حديثا وقد طبع للمرة الثانية عام ١٣٥٨.
٢١- ضوء القمر في توضيح نخبة الفكر.
٢٢- الموجز في علوم الحديث جزءان متوسطان.
قصد مؤلفه بالرسالة الأولى تقريب "نخبة الفكر" وشرحها "نزهة النظر" إلى طلاب العلم بعبارة سهلة ميسرة خالية من التعقيد.
والكتاب الثاني بجزءيه ألفه المؤلف لطلاب التخصص: "قسم الدعوة
стр. 38
والإرشاد، التابع لكلية أصول الدين إحدى كليات الجامع الأزهر المغمور بالعلم والعلماء التي أنشئت بالقانون الصادر في عام ١٩٣٠.
وكلا الكتابين ألفهما أستاذنا العلامة الشيخ محمد بن علي أحمدين، أستاذ الحديث وعلومه بكلية أصول الدين آنذاك.
وقد كان ﵀ وأثابه- من المهتمين بدراسة الحديث وعلومه والانتصار له ولأئمته الجامعين له، وقد كنت أنا وغيري من طلاب الحديث في هذا العصر نعتبره بحق وإنصاف من أعلم العلماء بالحديث وعلومه إن لم يكن أعلمهم، وكان ﵀ يمتاز بجمال الأسلوب وحسن عرض المسائل العلمية عرضا حسنا جميلا.
٢٣- "المنهل الحديث في علوم الحديث".
وهو لأستاذنا العلامة الشيخ محمد بن عبد العظيم الزرقاني صاحب "مناهل القرآن في علوم القرآن وهو جزآن".
وكان ﵀ أستاذًا لعلوم الحديث بقسم "تخصص الدعوة والإرشاد" وأستاذ "علوم القرآن" بهذا القسم أيضًا، وقد كان ﵀ جيد العرض للمسائل العلمية بأسلوب سهل مستساغ، وقد طبع هذان الكتابان وانتفع بهما كثير من طلاب العلم وكان ﵀ إلى جانب قيامه بالتدريس في هذا التخصص مشتغلًا بالدعوة إلى الله، والمنافحة عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ .
كتب أخرى:
وهناك كتب أخرى منها الوسط، ومنها المختصر، ومنها المطول للأحياء من علماء الأزهر من طبقتنا ومن هم بعد طبقتنا، ومن غيرهم من علماء الإسلام في الأقطار الإسلامية الأخرى ندع الحديث عنها للتاريخ، وخشية التطويل.
стр. 39
"رد شبهات المستشرقين وأبواقهم":
كما أحب أن أنبه إلى أنه نبتت نابتة تابعت المستشرقين وأعداء الإسلام في الطعن في الأحاديث ورجاله ولا سيما الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁ وقد قيض الله من علماء الأزهر وغيرهم من العلماء في الأقطار الإسلامية الأخرى من دافع عن الأحاديث والسنن، ورد الطعون التي أثيرت حول السنة ورجالها ردا علميا صحيحا وقد أراد الله سبحانه أن أساهم في هذا المضمار الشريف في كتابي "دفاع عن السنة، ورد شبه المستشرقين، والكتاب المعاصرين" فلله الحمد والمنة على ما وفق وأعان وقد طبع الكتاب ونفد, وقد أحببت أن أشارك في التأليف في هذا العلم: علوم الحديث فكان هذا الكتاب "الوسيط في علوم، ومصطلح الحديث" نفع الله به، وجعله في موازيني يوم القيامة.
стр. 40
الرواية في الإسلام:
تعريف الرواية:
الرواية في اللغة: في القاموس المحيط مادة "روي ج٤ ص٣٣٧": روي من الماء واللبن كرضي ريا وريا وروى وتروي وارتوى بمعنى، والشجر تنعم كتروَّى والاسم الري بالكسر وأرواني وهو ريان، وهي ريا جمع رواء والراوية المزادة فيها الماء ... روى الحديث يروي رواية وترواه بمعنى وهو راوية للمبالغة وعلى أهله ولهم أتاهم بالماء والقوم استقى لهم وروَّيته الشعر حملته على روايته كأرويت": في المصباح المنير "روى من الماء يروي ريا, والاسم الري "بالكسر" ويعدى بالهمزة والتضعيف. فيقال: أرويته ورويته فارتوى وتروى ... وروى البعير الماء يرويه من باب رمى: حمله فهو راوية والهاء للمبالغة, ثم أطلقت الرواية على كل دابة يستقى بالماء عليها. ومنه يقال: رويت الحديث إذا حملته ونقلته ويعدى بالتضعيف فيقال: روَّيت زيدا الحديث. ويبنى للمفعول فيقال: روينا الحديث١ ... "ومن هذين النصين يتبين أن معنى الرواية لغة الحمل والنقل أو الإسقاء والإرواء بالماء وفي اصطلاح المحدثين: هي نقل الحديث وإسناده إلى من عزى أي نسب إليه بصيغة من صيغ الأداء كحدثنا وأخبرنا وسمعت وعن ونحوها, والمناسبة بين المعنى الاصطلاحي واللغوي ظاهرة واضحة.
وركناها: ومن هذا التعريف يتبين أن ركنيها التحمل والأداء, ولها طرق وشروط, وسيأتي بيان ذلك تفصيلا.