عملتها في ابتداء الأمر. ثم لم يتهيأ لي من تحريرها سوى شرح البخاري ومقدمته والمشتبه والتهذيب ولسان الميزان. بل كان يقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أتقيد بالذهني, ولجعلته كتابا مبتكرا, بل رأيته في مواضع أثنى على شرح البخاري, والتعليق والنخبة" والنخبة وشروحها مطبوعة.
١٢- ظفر الأماني شرح مختصر الجرجاني، مؤلف المتن العلامة السيد الجرجاني المتوفى سنة ٨١٦هـ, والشرح للعلامة محمد عبد الحي اللكنوي المتوفى سنة ١٣٠٤هـ.
١٣- ومن المنظومات التي ألفت في هذا الفن ألفية الإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال الأسيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ سماها "نظم الدرر في علم الأثر" وشرحها بشرح سماه "قطر الدرر" وهي مطبوعة.
١٤- ومن الكتب الجامعة في هذا الفن كتاب "توجيه النظر إلى علوم الأثر" ومؤلفه العلامة الشيخ طاهر بن صالح الجزائري الدمشقي المتوفى سنة ١٣٣٨ ولتأخر مؤلفه قد جمع فيه خلاصة ما قاله العلماء السابقون في هذا العلم. ولا سيما علماء أصول الحديث وأصول الفقه.
١٥- "قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث" ألفه العلامة الشيخ محمد جمال الدين القاسمي المتوفى سنة ١٣٣٢هـ, وهو عبارة عن نقول من كلام العلماء السابقين في هذا العلم ولد فيها فضل الترتيب والتبويب. والجمع والتهذيب. وفي بعض الأحايين يناقش قولا أو يرجح رأيا على رأي.
١٦- "الطراز الحديث" للشيخ الأكبر أبي الفضل الجيزاوي شيخ الجامع الأزهر سابقا وقد جاء على أوجز ما يكون وهو مطبوع للمرة الرابعة عام ١٣٠٥هـ.
стр. 37
١٧- مفتاح السنة أو "تاريخ فون الحديث" للعلامة الشيخ محمد عبد العزيز الخولي خريج مدرسة القضاء الشرعي المتوفى في القرن الرابع عشر وهو كتاب وسط ونافع ومفيد عرض فيه لمنزلة السنة من القرآن وابتداء التدوين. وأشهر الكتب المؤلفة في القرون الأولى ولا سيما القرن الذهبي لتدوين كتب الحديث ودواوينه وهو القرن الثالث. كما عرض فيه لتواريخ علوم الحديث وقد طبع بمصر سنة ١٣٤٧هـ.
١٨- أحسن الحديث للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن المحلاوي أحد كبار علماء الأزهر الشريف اختصر فيه البيقونية وشروحها وحواشيها وقد طبع بمصر سنة ١٣٣١هـ.
١٩- مصطلح الحديث: للعلامة الشيخ عبد الغني محمود أحد كبار علماء الأزهر اختصر فيه النخبة وشروحها وقد طبع بمصر عام ١٣٢٥هـ للمرة الثانية.
٢٠- الأسلوب الحديث في علوم الحديث لشيخنا العلامة الشيخ أمين الشيخ أحد كبار علماء الأزهر. وهو في جزئين وسيطين اعتمد فيه كل كتب السابقين ولا سيما كتاب "ظفر الأماني" شرح مختصر الجرجاني في "ومفتاح السنة" وذكر في آخره جملة عن الأحاديث المشكلة والإجابة عنها وعدتها واحد وعشرون حديثا وقد طبع للمرة الثانية عام ١٣٥٨.
٢١- ضوء القمر في توضيح نخبة الفكر.
٢٢- الموجز في علوم الحديث جزءان متوسطان.
قصد مؤلفه بالرسالة الأولى تقريب "نخبة الفكر" وشرحها "نزهة النظر" إلى طلاب العلم بعبارة سهلة ميسرة خالية من التعقيد.
والكتاب الثاني بجزءيه ألفه المؤلف لطلاب التخصص: "قسم الدعوة
стр. 38
والإرشاد، التابع لكلية أصول الدين إحدى كليات الجامع الأزهر المغمور بالعلم والعلماء التي أنشئت بالقانون الصادر في عام ١٩٣٠.
وكلا الكتابين ألفهما أستاذنا العلامة الشيخ محمد بن علي أحمدين، أستاذ الحديث وعلومه بكلية أصول الدين آنذاك.
وقد كان ﵀ وأثابه- من المهتمين بدراسة الحديث وعلومه والانتصار له ولأئمته الجامعين له، وقد كنت أنا وغيري من طلاب الحديث في هذا العصر نعتبره بحق وإنصاف من أعلم العلماء بالحديث وعلومه إن لم يكن أعلمهم، وكان ﵀ يمتاز بجمال الأسلوب وحسن عرض المسائل العلمية عرضا حسنا جميلا.
٢٣- "المنهل الحديث في علوم الحديث".
وهو لأستاذنا العلامة الشيخ محمد بن عبد العظيم الزرقاني صاحب "مناهل القرآن في علوم القرآن وهو جزآن".
وكان ﵀ أستاذًا لعلوم الحديث بقسم "تخصص الدعوة والإرشاد" وأستاذ "علوم القرآن" بهذا القسم أيضًا، وقد كان ﵀ جيد العرض للمسائل العلمية بأسلوب سهل مستساغ، وقد طبع هذان الكتابان وانتفع بهما كثير من طلاب العلم وكان ﵀ إلى جانب قيامه بالتدريس في هذا التخصص مشتغلًا بالدعوة إلى الله، والمنافحة عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ .
كتب أخرى:
وهناك كتب أخرى منها الوسط، ومنها المختصر، ومنها المطول للأحياء من علماء الأزهر من طبقتنا ومن هم بعد طبقتنا، ومن غيرهم من علماء الإسلام في الأقطار الإسلامية الأخرى ندع الحديث عنها للتاريخ، وخشية التطويل.
стр. 39
"رد شبهات المستشرقين وأبواقهم":
كما أحب أن أنبه إلى أنه نبتت نابتة تابعت المستشرقين وأعداء الإسلام في الطعن في الأحاديث ورجاله ولا سيما الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁ وقد قيض الله من علماء الأزهر وغيرهم من العلماء في الأقطار الإسلامية الأخرى من دافع عن الأحاديث والسنن، ورد الطعون التي أثيرت حول السنة ورجالها ردا علميا صحيحا وقد أراد الله سبحانه أن أساهم في هذا المضمار الشريف في كتابي "دفاع عن السنة، ورد شبه المستشرقين، والكتاب المعاصرين" فلله الحمد والمنة على ما وفق وأعان وقد طبع الكتاب ونفد, وقد أحببت أن أشارك في التأليف في هذا العلم: علوم الحديث فكان هذا الكتاب "الوسيط في علوم، ومصطلح الحديث" نفع الله به، وجعله في موازيني يوم القيامة.
стр. 40
الرواية في الإسلام:
تعريف الرواية:
الرواية في اللغة: في القاموس المحيط مادة "روي ج٤ ص٣٣٧": روي من الماء واللبن كرضي ريا وريا وروى وتروي وارتوى بمعنى، والشجر تنعم كتروَّى والاسم الري بالكسر وأرواني وهو ريان، وهي ريا جمع رواء والراوية المزادة فيها الماء ... روى الحديث يروي رواية وترواه بمعنى وهو راوية للمبالغة وعلى أهله ولهم أتاهم بالماء والقوم استقى لهم وروَّيته الشعر حملته على روايته كأرويت": في المصباح المنير "روى من الماء يروي ريا, والاسم الري "بالكسر" ويعدى بالهمزة والتضعيف. فيقال: أرويته ورويته فارتوى وتروى ... وروى البعير الماء يرويه من باب رمى: حمله فهو راوية والهاء للمبالغة, ثم أطلقت الرواية على كل دابة يستقى بالماء عليها. ومنه يقال: رويت الحديث إذا حملته ونقلته ويعدى بالتضعيف فيقال: روَّيت زيدا الحديث. ويبنى للمفعول فيقال: روينا الحديث١ ... "ومن هذين النصين يتبين أن معنى الرواية لغة الحمل والنقل أو الإسقاء والإرواء بالماء وفي اصطلاح المحدثين: هي نقل الحديث وإسناده إلى من عزى أي نسب إليه بصيغة من صيغ الأداء كحدثنا وأخبرنا وسمعت وعن ونحوها, والمناسبة بين المعنى الاصطلاحي واللغوي ظاهرة واضحة.
وركناها: ومن هذا التعريف يتبين أن ركنيها التحمل والأداء, ولها طرق وشروط, وسيأتي بيان ذلك تفصيلا.
стр. 41
شرط الرواية: تحمل راويها لما يرويه بطريق من طرق التحمل المعتبرة عند أئمة النقل وهي: إما سماع من الراوي عن المروي عنه, أو قراءة عليه وعرض, أو إجازة, أو مناولة, أو مكاتبة, أو إعلام, أو وصية، أو وجادة وسيأتي بيانها.
أقسامها: تنقسم الرواية أولا إلى:
١- متصلة.
٢- ومنقطعة.
فالمتصلة: أن يكون كل راو سمع ممن فوقه مباشرة وروى عنه.
والمنقطعة: ما ليست كذلك.
ومرجع معرفة ذلك إلى علم تواريخ الرجال, فهو من الأهمية بمكان وتنقسم ثانيا إلى:
١- رواية باللفظ.
٢- رواية بالمعنى.
الرواية باللفظ: وهو أن يؤدي الراوي المروي على لفظه الذي سمعه من غير تحريف ولا تغيير, وهذا القسم لا خلاف في جوازه وقبوله إذا توافرت فيه شروط القبول.
الرواية بالمعنى: وهو أن يؤدي الراوي مرويه بألفاظ من عنده كلا أو بعضا مع المحافظة على المعنى بحيث لا يزيد فيه شيئا ولا ينقص منه شيئا. ولا يحرف ولا يبدل. وهذا النوع مختلف في جوازه وعدمه.
فمنعها بعض المحدثين والفقهاء والأصوليين منعا باتا. والجمهور من العلماء على جوازها بشروط:
أن يكون الراوي عالما بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها خبيرا بما يحيل المعاني, بصيرا بمقدار التفاوت بينها, عارفا بالشريعة ومقاصدها وقواعدها, وأما إذا لم يكن عارفا بما ذكر فلا تجوز قط بالإجماع وسيأتي إن شاء الله تفصيل القول في هذا.
стр. 42
" كون الرواية طريقا إلى العلم ":
الرواية أحد طرق العلم المشهورة لأنها طريق إلى الخبر المفيد للعلم١ وقد قال العلماء إن أسباب العلم ثلاثة:
١- العقل.
٢- الحواس السليمة.
٣- والخبر.
والمراد بالخبر ما يشمل المتواتر وغيره. فإن كان متواتر أفاد اليقين والقطع. وإن كان غير متواتر أفاد الظن والرجحان, وقد يقترن بأخبار الآحاد من القرائن ما يرقى بها إلى إفادة اليقين ككون الحديث مرويا من طريق الأئمة المتفق على عدالتهم وضبطهم وجلالتهم, أو تلقي الأمة له بالقبول كالأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم, أو انفرد بها أحدهما فيما عدا الأحاديث القليلة التي انتقدت عليهما, أو الأحاديث التي اتفق عليها أصحاب الكتب الستة وهذا العلم اليقيني إنما يحصل للعلماء الذين وقفوا على شروط الأئمة الجامعين للحديث ومبلغ تحريهم. ومبالغتهم في البحث عن الرواة والنظر في كتبهم, وتذوقوا الأحاديث بذوقهم, وسبروها بمسبارهم. أما غيرهم فهذا العلم ربما يبدو غريبا أو بعيدا عندهم.
стр. 43
تاريخ الرواية:
الرواية عند الأمم السابقة:
الرواية ليست من خصائص الأمة الإسلامية، فقد وجدت في الأمم الغابرة والأجيال الماضية كالفرس واليونان والرومان والهنود وغيرهم. فقد كانوا يعتمدون عليها في نقل وحفظ ما يتعلق بأنساب آلهتهم وعظمائهم وسير أبطالهم ومشاهيرهم, ووقائعهم وملاحمهم المشهورة, وأشعار شعرائهم, وقصص قصاصهم إلى غير ذلك مما يحتاجون إليه في ربط الحاضر بالماضي.
وقد نبغ في اليونان والرومان مؤرخون أمثال "هيرودوت" و"توسيديد" كتبوا التاريخ ونظموه بالقدر الذي يسمح به عصرهم كما نبغ فيهم شعراء, وقد بقي لنا من آثارهم في شعر الملاحم والقصص: الإلياذة والأوديسة١ للشاعر هوميروس٢ بيد أن هذه الأمم لم تبلغ في الرواية والنقل عن أسلافهم ما بلغت الأمة العربية لأنها كانت أمما أقرب إلى الحضارة منها إلى البداوة, كما كانوا أهل علم بالقراءة والكتابة أكثر من العرب, ولأنهم لم يكن لهم من الخصائص النفسية والبواعث المعنوية مثل ما لأمة العرب.
الرواية عند العرب:
وفي مقدمة الأمم التي عنيت بالرواية الأمة العربية, فقد كانت الرواية فاشية فيهم, لأنهم كانوا أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب وإن وجد
стр. 44
فيهم من يعرف القراءة، ويجيد الكتابة فهم قلة جدا ... وكان ديدنهم التكاثر، والتنافر، والتفاخر, بالأحساب والأنساب والتنابذ بالمعايب والألقاب.
كما كانوا يحافظون أشد المحافظة على صفاء أنسابهم وصيانتها من الهجنة والاختلاط, فمن ثم عنوا بحفظ أنسابهم وما كان لآبائهم وأسلافهم من أمجاد ومفاخر, وما كان لأعدائهم من مثالب ونقائص. وما كان بينهم وبين غيرهم من حروب ووقائع. فكان من الضروري لهم أن يعلموا ما يؤدي به هذه الأغراض.
ولما كانوا ليسوا ممن يخط بالقلم لم يكن لديهم من الكتب والصحف ما يقيدون فيه هذه المفاخر أو المثالب أو الوقائع وما فيها من البطولات كان لا بد لهم من الاعتماد على الحفظ والذاكرة. فمن ثم نشأت عندهم ملكة الأخذ عن الغير, وتحمل بعضهم عن بعض حتى كان الواحد منهم كأنه سجل يدون فيه التاريخ. وكان الواحد منهم يعظم في قومه بمقدار ما يحفظ من الأنساب والأحساب, وطبعي أنهم لم يكونوا في هذا سواء, بل كانوا متفاوتين في الحفظ والضبط على قدر تفاوتهم في الاستعداد والأحوال والملابسات, فمنهم ما يتعلق ببعض القبائل, ومنهم من كان يقتصر على حفظ ما يتعلق بنسب قبيلته ومفاخرها.
وأيضا فقد كان الشعر يعتبر سجل العرب وديوانهم, وكان الشاعر يعتبر لسان القبيلة المتغني بفضائلها, والذائد عن عرضها, فكان يقوم مقام وسائل الإعلان والدعاية في عصرنا هذا من نشر وصحافة وإذاعة. ولذلك ما كانوا يسرون بشيء أعظم من سرورهم بشاعر ينبغ في القبيلة قال ابن رشيق في العمدة: "وكانوا -أي العرب- لا يهنئون إلا
стр. 45
بغلام يولد، أو شاعر ينبغ، أو فرس تنتج١.
وما كان الشعر بمدون في كتب أو صحف. وإنما كان الاعتماد فيه على الرواية, يرويه الخلف عن السلف, ويروونه لمن بعدهم٢ ومن هذا العرض الموجز يتبين لنا أن الرواية عند العرب في الجاهلية كان عليها جل اعتمادهم في حفظ أشعارهم وأنسابهم ومفاخرهم وأيام حروبهم, وأنهم ضربوا فيها بسهم راجح فاقوا فيه من عداهم. وقد شاء الله لهم هذا حتى يكون من الأسباب الحاملة للأمة العربية على أن تحفظ كتاب ربها وسنة نبيها وتبليغهما للناس كافة لما تشرفت بجمل خاتمة الرسالات إلى الناس كافة وأشرفها وأحقها بالخلود.
مميزات الرواية في الإسلام:
والرواية وإن كانت قديمة معروفة قبل الإسلام إلا أن الرواة قبل الإسلام من العرب وغيرهم ما كانوا يهتمون بتصحيح الأخبار والتحري عن رواتها والبحث عن صدقها ومطابقتها للحق والواقع, ولم يكن عندهم من صفة النقد والجرح والتعديل وتمحيص المرويات مثل ما كان للرواية بعد الإسلام, وذلك لأن تلك المرويات لم يكن لها من القداسة والحرمة والتقدير ما للمرويات الإسلامية. فمن ثم لم يدققوا فيها, ولذلك نجد أغلبها أساطير وأحاديث خرافة, يقصد بها إشباع الرغبة أو التسلية أو بث روح الإقدام والشجاعة، واستنهاض الهمم وإثارتها للحروب.
أما الرواة الإسلاميون فهم يعلمون حق العلم أن مرجع الأحكام الشرعية من حلال وحرام وغيرهما إلى القرآن الكريم والسنة النبوية,
стр. 46
ويعلمون أن التساهل في زيادة شيء من الدين كالتساهل في نقص شيء منه.
والقرآن الكريم ثابت بالتواتر المفيد للقطع واليقين في نسبته إلى الله جل وعلا, فلا مجال للشك فيه, فكان لا بد لهم من أن يتأكدوا من صحة نسبة الأحاديث والسنن إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه, فمن ثم شددوا في الرواية, ووضعوا لها شروطا وأصلوا لها أصولا وقواعد هي أدق وأرقى ما وصل إليه علم النقد في القديم والحديث.
فهذا القدر وهو الاعتناء بتصحيح الأخبار والتثبت منها ونقدها من جهة السند والمتن نقدا علميا صحيحا هو الذي اختصت به الرواية الإسلامية.
"عناية المسلمين بنقد الأسانيد والرواة":
وقد عُنِيَ العلماء المسلمون ولا سيما علماء الحديث والفقه والأصول بعلم الإسناد ونقد الرواة عناية فائقة إذ به يعرف التمييز بين الصحيح والحسن والضعيف من المرويات والمقبول من المردود منها, وذلك لما رأوا الله ورسوله يحضان على التثبت في المرويات وأنه لا يقبل إلا خبر العدل الضابط, ففي الكتاب الكريم يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ١ وقال أيضا جل ثناؤه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ٢ وقال عز شأنه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ ٣ فقد دل ما ذكرنا من الآي أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير
стр. 47
العدل مردودة، والخبر وإن فارق معناه الشهادة في بعض الوجوه. فقد يجتمعان في أعظم معانيها إذ كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم, كما أن شهادته مردودة عند جميعهم, ودلت السنة على نفي رواية المنكر من الأخبار كنحو دلالة القرآن على نفي خبر الفاسق, وهو الأثر المشهور عن رسول الله ﷺ : "من حدث عني بحديث يرى ١ أنه كذب فهو أحد الكاذبين" ٢.
وروي في الصحيحين عن غير واحد من الصحابة أن رسول الله ﷺ قال: "إن كذبا عليّ ليس ككذب على أحد, فمن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" ٣, وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع".
وكذلك ورد عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم النهي عن الرواية عن الكذابين والضعفاء والمجروحين والمجهولين, والتحري في الرواية, ففي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: "يكون في آخر الزمان دجالون٤ كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم, فإياكم وإياهم لا يضلونكم". وروى بسنده عن مجاهد قال: "جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله ﷺ فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه٥ ولا ينظر إليه فقال: يابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا
стр. 48
تسمع!! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة١ إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا, فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف", وفي رواية طاوس للقصة: "فلما ركب الناس الصعب٢ والذلول تركنا الحديث عنه", وروى بسنده عن محمد بن سيرين قال: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".
وعنه أيضًا قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد, فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم, فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم, وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم".
وروى بسنده عن عبد الله بن المبارك قال: "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء" وروى عنه أيضًا أنه كان يقول: "بيننا وبين القوم القوائم٣ يعني الإسناد وروى بسنده عن أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني قال: قلت لعبد الله بن المبارك يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء: "إن من البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك. وتصومي لهما مع صومك" قال: فقال عبد الله يا أبا إسحاق عمن هذا؟ قال: قلت له. هذا من حديث شهاب بن فراس. قال: ثقة عمن؟ قال: قلت عن الحجاج بن دينار. قال: ثقة عمن؟ قال: قلت: رسول الله ﷺ قال: يا أبا إسحاق إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي ﷺ مفاوز٤ تنقطع فيها أعناق المطي ولكن ليس في الصدقة اختلاق" وذلك لأن الحجاج بن دينار هذا من تابعي التابعين, فأقل ما يمكن أن يكون بينه وبين
стр. 49
النبي ﷺ اثنان: التابعي والصحابي فلذلك قال هذا. وهذا لون من ألوان النقد الأصيل النزيه.
وروى مسلم بسنده عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان فقيه أهل المدينة قال: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث يقال: ليس من أهله١.
وقال سفيان الثوري: "الإسناد سلاح المؤمن" وقال الإمام الشافعي: "مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كحاطب ليل", إلى غير ذلك من النصوص الدالة على العناية بالأسانيد, ونقد الرواة وتشريحهم تشريحا علميا دقيقا. ولولا هذا لوجد الزنادقة وأعداء الإسلام الفرصة سانحة للإفساد في الدين والاختلاق في الأحاديث من غير أن يجدوا من يكشف عن زيغهم وكذبهم ويرد عليهم كيدهم.
الإسناد الصحيح المتصل من خصائص الأمة الإسلامية:
فلا عجب وقد سمعت خصيصة الرواية في الإسلام أن يكون الإسناد الصحيح المتصل من خصائص الأمة الإسلامية, وإليكم كلام رجل عارف بالملل والنحل وتاريخ المذاهب الإسلامية, وهو الإمام أبو محمد علي بن حزم، قال في كتابه "الفصل في الملل والنحل" ما خلاصته: "نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي ﷺ مع الاتصال خص الله به المسلمين دون سائر الأمم وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود ولكنهم لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد ﷺ , بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أزيد من ثلاثين عصرا في أزيد من ألف وخمسمائة عام, وإنما يبلغون بالنقل إلى شمعون ونحوه, وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق وجده فقط على أن مخرجه من كذاب قد ثبت كذبه.
стр. 50
وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول فلا يمكن اليهود أن يصلوا إلى صاحب نبي أصلا, ولا إلى تابع له, ولا يمكن للنصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون بولص, وقال أبو علي الجياني: "خص الله هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها: الإسناد والأنساب والإعراب"١.
стр. 51
الحديث في عهد النبي ﷺ :
كان معظم الصحابة رضوان الله عليهم يأخذون عن رسول الله ﷺ الوحي أخذا شفاهيا بطريق السماع من النبي ﷺ , ومن لم تمكنه ظروف حياته من التلقي عن الرسول ﷺ مباشرة بسبب السفر أو الاشتغال بالجهاد أو أمور المعاش أخذ عمن تلقى عن الرسول, فقد ثبت في صحيح البخاري ومسلم١ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يتناوب هو وجار له من الأنصار في الذهاب إلى مجلس الرسول ﷺ هذا ينزل يوما, وذاك ينزل يوما, فإذا نزل أحدهما جاء للآخر بخبر ذلك اليوم من الوحي والأحاديث والأخبار, وهكذا نجد أنهم ما كان يشغلهم دينهم عن دنياهم, ولا تشغلهم دنياهم عن دينهم بل جمعوا بين الحسنيين. وحازوا الفضيلتين: العمل للدنيا والعمل للآخرة. وكذلك من نأى عن الرسول كانوا يرسلون الوفود لتأتيهم بخبر الرسول والوحي قرآنا أو سنة. وذلك كما فعل قوم ضمام بن ثعلبة, فقد وفد على النبي ﷺ رسولا من قومه وسأله عن الرسالة وشرائع الإسلام. وكوفد عبد القيس, فقد وفدوا على النبي ﷺ وسألوه عن الإيمان وشرائع الإسلام فأجابهم وعلمهم وأوصاهم أن يحفظوا الإيمان والعلم, ويبلغوه مَن وراءهم رواهما
стр. 52
البخاري ومسلم١ بل كان الرسول ﷺ يرسل مع الوفود من علماء الصحابة من يقرئهم القرآن. ويعلمهم السنة. ويفقههم في الدين وذلك كما فعل مع الأنصار قبل الهجرة, فقد أرسل معهم الصحابي الجليل مصعب ابن عمير داعيا إلى الإيمان ومقرئا ومعلما.
وكان النبي ﷺ كثيرا ما يشحذ عزائمهم إلى حفظ الأحاديث والسنن وتبليغها بمثل قوله ﷺ : "نضر الله امرأ سمع مني مقالة فحفظها ووعاها، فأداها كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع" , رواه أبو داود والترمذي وروى نحوه الشافعي والبيهقي وفي آخره: "فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه".
وقال ﷺ : "ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه".
وقال: "فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع" , رواها البخاري٢ وقال ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء والأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما, وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر" , رواه الترمذي من حديث طويل إلى غير ذلك من الأحاديث التي كانت تحمل الصحابة على العناية الفائقة بحفظ الأحاديث والسنة وتبليغها.
"كتابة القرآن كله":
لقد كتب القرآن جميعه بين يدي النبي ﷺ , وإن كان كتب مفرقا في العسب والأكتاف، والرقاع, واللخاف٣ وتلقاه عن النبي ﷺ الصحابة
стр. 53
وقد كان المعول عليه في حفظ القرآن, وضبط كلماته هو التلقي والسماع, فقد تلقوه كله عنه آية آية, وكلمة كلمة, وحرفا حرفا من غير تحريف أو تبديل أو زيادة أو نقصان، ثم بلغوه كما تلقوه لمن بعدهم وهكذا نقله كل جيل عمن قبله حتى وصل إلينا كما أنزله الله غضا طريا كأن عهده بالنزول أمس.
وبذلك اجتمع للقرآن الكريم الحفظ في الصدور, والكتابة في السطور, والتلقي الشفاهي والكتابي, وصدق الله حيث يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١. ولم تقف عنايتهم بالقرآن عند حفظ لفظه. وضبط كلماته بل عنوا برواية كل ما يتصل بالقرآن كتفسيره, ومكيه ومدنيه, وأسباب نزوله, والأحرف التي نزل عليها, وقراءاته، ورسمه. ووقوفه, وطرق أدائه ونحوها.
لم لم تدون الأحاديث كلها في عهد النبي ﷺ :
وإنما لم تدون الأحاديث كلها "كالقرآن" في عهد النبي ﷺ لأمور:
١- لفشو الأمية، وعدم توفر أدوات الكتابة فيهم.
٢- ولسعة حفظهم, وسيلان أذهانهم، واعتمادهم على الحفظ أكثر من اعتمادهم على الكتابة.
٣- لورود النهي عن ذلك. فقد روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه" ٢, وهذا هو الحديث الوحيد -فيما أعلم- في هذا المعنى, وسيأتي بيان وجهة هذا النهي.
وقد كان هذا النهي بمثابة إشحاذ الهمم، وتقوية العزائم لحفظ الأحاديث والسنن, وتبليغها للغير باللفظ إن أمكن وإلا فبالمعنى, ولا سيما أن النبي ﷺ كان يحثهم ويرغبهم في ذلك بمثل ما ذكرناه آنفا.
стр. 54
وبمثل ما رواه أبو محمد الرامهرمزي في كتابه "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" بسنده عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال:
"سمعت علي بن أبي طالب يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "اللهم ارحم خلفائي" , قلنا يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: "الذين يروون أحاديثي ويعلمونها الناس".
فمن ذا الذي يسمع هذا وأمثاله, ولا يبذل غاية وسعه في حفظ كلام رسول الله ﷺ لتكون له هذه الخلافة المشرفة؟
стр. 55
" الإذن لبعض الصحابة بالكتابة ":
ومع ورود هذا النهي عن الكتابة فقد أباح النبي ﷺ لبعض الصحابة أن يكتبوا الأحاديث، وهذا يدل على أن النهي لم يكن قاطعا على سبيل الحتم, وأنه لم يكن عاما يقصد به الجميع, وإنما كان لأسباب واعتبارات سنعرض لها فيما يأتي.
الأحاديث الدالة على الكتابة في العهد النبوي:
وقد وردت أحاديث دالة على أن بعض الصحابة كان يكتب, وأن النبي ﷺ أذن لبعضهم في الكتابة, وأذن للصحابة أن يكتبوا لغيرهم, فمن ذلك:
١- ما رواه البخاري١ ومسلم٢ في صحيحهما وغيرهما "أن عليا ﵁ سئل: "هل عندكم عن رسول الله ﷺ شيء سوى القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة, وبرأ النسمة٣ إلا أن يعطي الله عبدا فهما في
стр. 56
كتابه, وما في هذه الصحيفة, قلت -هو أبو جحيفة السائل١: وما في هذه الصحيفة؟ قال:
"العقل٢ وفكاك٣ الأسير وألا يقتل مسلم بكافر" وفي رواية لهما: "ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة. فإذا فيها: المدينة هرم ما بين عبر إلى ثور"٤.
وفي رواية لمسلم بسنده عن علي وفيها: " ... فأخرج صحيفة مكتوبة فيها: لعن الله من ذبح لغير الله ... " الحديث, وللنسائي من طريق الأشتر وغيره عن علي فإذا فيها: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم ... " الحديث, وللإمام أحمد عن طريق ابن شهاب "فيها فرائض الصدقة ... " أي زكاة السوائم من إبل وبقر وغنم ونحوها. وهذا يدل على أن هذه الصحيفة كانت حافلة بكثير من الأحاديث ولكن كلا من الرواة نقل ما حفظه أو اقتصر على بعض ما فيها.
٢- ما رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة قال: "ما من أصحاب رسول الله ﷺ أحد أكثر حديثا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن
стр. 57
العاص فإنه كان يكتب ولا أكتب١.
٣- ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما وغيرهما٢: أن أبا شاه٣ اليمني التمس من النبي ﷺ أن يكتب له شيئا سمعه من خطبته عام الفتح فقال النبي ﷺ : "اكتبوا لأبي شاه".
٤- ما رواه الشيخان والنسائي عن ابن عباس ﵄ قال: لما اشتد بالنبي ﷺ وجعه قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ... " الحديث.
أي آمر بأن يكتب لكم كتاب, فهذا إذن منه ﷺ وهم بالكتابة بالفعل، ورسول الله ﷺ لا يأذن ولا يهم إلا بما هو مشروع.
٥- ما ثبت أنه ﷺ كتب كتاب الصدقات والديات والفرائض والسنن لعمر بن عزم وغيره روى البخاري في صحيحه بسنده عن أنس: "أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: "بسم الله الرحمن الرحيم: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين والتي أمر بها رسوله فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط ... " الحديث.
٦- وروى أبو داود والحاكم وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن
стр. 58
العاص قال: قلت: يا رسول الله إني أسمع منك الشيء أفأكتبه؟ قال: "نعم" قلت: في الغضب والرضا؟ قال: "نعم فإني لا أقول فيهما إلا حقا".
وكانت له صحيفة -أي نسخة تضم أحاديث كثيرة- وكان يسميها الصادقة لثقته بكل ما رواه فيها من الأحاديث وكان يعتز بها غاية الاعتزاز حتى كان يقول: "ما يرغبني في الحياة إلا الصادقة، والوهط" والوهط بستان له كان بالقرب من الطائف، وقد روى الكثير منها حفيده عمرو بن شعيب صاحب النسخة المشهورة عند المحدثين.
٧- وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: "كان رجل من الأنصار يجلس إلى رسول الله ﷺ فيسمع منه الحديث فيعجبه ولا يحفظه. فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "استعن بيمينك", وأومأ بيده إلى الخط. أي أشار إلى الكتابة بإصبعه. قال الترمذي: وهذا الحديث ليس إسناده بذلك القائم.
٨- وأسند الرامهرمزي عن رافع بن خديج قال: قلت يا رسول الله: إن نسمع منك أشياء أفنكتبها؟ قال: "أكتبوا ذلك ولا حرج"، وقد ضعف بعض العلماء هذا الحديث.
٩- وروى الحاكم وغيره من حديث أنس وغيره موقوفا: "قيدوا العلم بالكتاب" وفي سنده مقال.
١٠- وأسند الديلمي عن عليٍّ ﵁ مرفوعا: "إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بسنده" وفي سنده مقال.
ومن هذه الروايات وغيرها يتبين لنا أن ما كتبه النبي ﷺ لعماله بشأن الزكوات وأنصبتها, وما كتبه في عهود بينه وبين اليهود بالمدينة وغيرها، ومن عهود بينه وبين المشركين كما حدث في الحديبية، والكتب التي كتبها إلى الأمراء بالجزيرة، وإلى ملوك الدنيا المعروفة آنئذ داعيا
стр. 59
إلى الله والإسلام وما كتبه الصحابة أو كتبوه لغيرهم, يكون عددا كثيرا من الأحاديث التي قد تملأ مجلدا وسيطا.
"اختلاف السلف":
وقد اختلف السلف من الصحابة والتابعين في كتابة الأحاديث وتدوينها في الكتب فكرهها طائفة منهم: ابن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة ﵃.
وأباحها أو فعلها طائفة منهم: عمر, وعلي، وابنه الحسن, وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس، وجابر، وابن عباس, والحسن البصري, وعطاء بن أبي رباح, وسعيد بن جبير, وعمر بن عبد العزيز, وحكاه القاضي عياض عن أكثر الصحابة والتابعين, ومن ملح قول بعضهم وهو أبو المليح: "يعيبون علينا أن نكتب العلم وندونه وقد قال الله : ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ ١.
ثم أجمعوا بعد ذلك على جوازها بل على وجوبها قال ابن الصلاح في مقدمته: "ثم إنه زال ذلك الخلاف, وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الأخيرة"٢.
وقال الحافظ ابن حجر: "ولم يعد من السلف من كان يتحرج من الكتابة وبذلك ارتفع الخلاف الذي كان بينهم أولا في كتابة الحديث.
واستقر الأمر, وانعقد الإجماع على جواز كتابته, بل على استحبابه, بل على وجوبه على من خشي عليه النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم٣.
стр. 60
" آراء العلماء في التوفيق بين أحاديث الإذن وحديث النهي ":
وقد اختلف العلماء في التوفيق بين أحاديث الإذن وحديث النهي فمنهم من قال: إن الإذن لمن خيف عليه النسيان كأبي شاه, والرجل الأنصاري, والنهي لمن أُمِنَ عليه النسيان ووثق بحفظه, وخيف اتكاله على الكتابة, فيكون النهي مخصوصًا به.
ومنهم من قال: إن النهي خشية أن يلتبس على البعض الحديث بالقرآن الكريم, أو أن يكون شاغلًا لهم عنه, والإذن لمن أمن عليه ذلك بأن كان قارئًا كاتبًا, ويؤمن عليه الانصراف عن القرآن والاشتغال بالسنة كعبد الله بن عمرو بن العاص وسيدنا عليّ ﵃.
ومنهم من أعل حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه مسلم وقال: إنه موقوف عليه, ومنهم الإمام البخاري, وهذا غير مسلم فإن الحديث صحيح ولا ريب.
ومنهم من قال: إن أحاديث الإذن ناسخة لحديث النهي, وإن النهي كان في مبدأ الأمر حين خيف اشتغالهم بالأحاديث عن القرآن أو خيف اختلاط غير القرآن بالقرآن, ثم لما أمن ذلك نسخ, قال الحافظ في الفتح "وهو أقربها مع أنه لا ينافيها", وهذا الرأي هو الصحيح, ويؤيد القول بالنسخ, أن بعض أحاديث الإذن متأخرة التاريخ فأبو هريرة ﵁ راوي حديث كتابة عبد الله بن عمرو وهو متأخر الإسلام فقد أسلم في أوائل العام السابع عقب خيبر مما يدل على أن عبد الله كان يكتب بعد إسلامه, وقصة أبي شاه كانت عام الفتح سنة ثمانٍ, وحديث طلب النبي كتابًا ليكتبوا له ما كان يريد قبيل وفاته, ولو كان حديث أبي سعيد في النهي متأخرًا عن هذه الأحاديث لعرف ذلك عند الصحابة يقينًا، إذ مثل ذلك مما لا يخفى عليهم.
ثم جاء إجماع الأمة على الكتابة بعد قرينة على أن الإذن هو الأمر
стр. 61
الأخير, ومهما يكن من شيء فقد انقضى العصر النبوي والذين كانوا يكتبون الأحاديث من الصحابة أقل ممن كانوا لا يكتبون.
стр. 62
" الحديث في عهد الصحابة وكبار التابعين ":
ما إن توفي رسول الله ﷺ وجاوز الرفيق الأعلى حتى كثر عدد من كان يكتب من الصحابة, إذ لم يعد هناك تحرج من الكتابة, لأن معظم الاعتبارات التي ذكرناها في توجيه النهي عن الكتابة لم تعد موجودة, فالقرآن كله قد كتب وحفظه الجم الغفير من الصحابة. وانقطع الوحي بوفاة الرسول ﷺ كما أن الأمية زالت عن كثير من الصحابة, لدعوة الإسلام إلى إزالة الأمية والتعلم.
وقد كان من الأعمال البارعة الرشيدة ما وضعه الرسول ﷺ من أساس صالح عقب غزوة بدر, فقد قبل ممن لا يقدر على دفع الفداء من الأسارى وكان يعرف القراءة والكتابة أن يعلم عشرة من صبيان المدينة المسلمين القراءة والكتابة١.
وقد كان من الحوافز على الكتابة ما قام به الخليفة الأول أبو بكر الصديق من كتابة الأحاديث والسنن المتعلقة بالزكاة والصدقات لعماله. روى البخاري في صحيحه بسنده عن أنس ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين٢: بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين والتي أمر بها رسوله, فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها, ومن سئل فوقها فلا يعط ... " الحديث٣, وفي هذه الكتب بين أنصبة زكاة الإبل والبقر والغنم.
стр. 63
"هم الفاروق ﵁ أن يكتب الأحاديث":
وقد هم الفاروق عمر ﵁ أن يجمع الأحاديث ويقيدها في كتب فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله ﷺ فأشاروا عليه أن يكتبها, فطفق يستخير الله في ذلك شهرا, ثم أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال: "إني كنت أردت أن أكتب السنن١ وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا". رواه البيهقي في المدخل٢.
فدل هذا على أن جمهور الصحابة كان رأيهم الكتابة, وأن من تيسرت له الكتابة منهم كانوا يكتبون, فقد شاعت القراءة والكتابة في هذا العصر عن ذي قبل, وما كانت تحدث مثل هذه القصة دون أن يكون لها أثر في حفز نفوس الكثيرين إلى كتابة السنن وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أنس بن مالك قصة سماعه حديثا مرويا عن عتبان بن مالك ﵁ سمعه من رسول الله ﷺ في أن من شهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صادقا من قلبه لا يدخل النار. قال أنس: "فأعجبني هذا الحديث فقلت لابني: اكتبه فكتبه"٢.
وروى الحاكم وغيره من حديث أنس موقوفا "قيدوا العلم بالكتاب"٣ وكان ممن نشط وشمر عن ساعد الجد في كتابة الحديث سيدنا عبد الله بن عباس ﵄:
روى الدارمي والحارث في مسنديهما بسنديهما عن ابن عباس قال: "لما قبض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل
стр. 64
أصحاب١ رسول الله ﷺ فإنهم اليوم كثير قال: واعجبا لك!! أترى الناس يفتقرون إليك؟ قال: فترك ذلك -يعني هذا الرجل- قال ابن عباس. وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله ﷺ فإن كان ليبلغني الحديث عن رجل منهم فآتي بابه, وهو قائل٢ فأتوسد٣ ردائي بسفي الريح عليّ من التراب فيخرج فيراني فيقول: يابن عم رسول الله ما حاجتك؟ هلا أرسلت إلي فآتيك؟! فأقول: لا أنا أحق أن آتيك. فأسأله عن الحديث, فعاش الأنصاري حتى رآني. وقد اجتمع الناس حولي يسألوني. فقال: هذا الفتى كان أعقل مني".
ورويا بسنديهما عن أبي رافع٤ "كان ابن عباس يأتي أبا رافع فيقول: ما صنع النبي يوم كذا؟ ومع ابن عباس من يكتب ما يقول".
"التابعون":
ثم جاء التابعون رضوان الله عليهم, وقد تهيأ لهم من كتابة الأحاديث والسنن ما لم يتهيأ لغيرهم, فأكثروا من التقييد والكتابة فقد تمت معظم الفتوحات, وسكن الصحابة الذين حملوا الأحاديث عن رسول الله ﷺ الأمصار الإسلامية، وأصبح هناك تفرغ للعلم والرواية والفتوى, وتكونت المدارس العلمية في الحجاز وغير الحجاز, وأضحى لهذه المدارس أساتذة وأئمة, وطلاب كثيرون, وأصبح للعلم ولا سيما علم القرآن والسنة في المجتمع الإسلامي منزلة تفوق منزلة الإمارة, بل والخلافة, فلا عجب أن أقبل التابعون على العلم بنهم غريب, وكان لرواية الأحاديث والسنن من ذلك حظ كبير.
стр. 65
روي عن سعيد بن جبير أنه كان يكون مع ابن عباس فيسمع منه الحديث فيكتبه في واسطة الرجل, فإذا نزل نسخه.
وعن عبد الرحمن بن أبي الزناد١ عن أبيه قال: "كنا نكتب الحلال والحرام, وكان ابن شهاب يكتب كل ما يسمع, فلما احتج إليه علمت أنه أعلم الناس".
وروى هشام بن عروة عن أبيه أنه احترقت كتبه يوم الحرة في عهد يزيد بن معاوية وكان يقول: "لو أن عندي كتبي بأهلي ومالي" وطبعي أنه كان في هذه الكتب الكثير من الحديث والتفسير والفقه ونحوها. وروى مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن أبي مليكة قال: "كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابا ويخفي عني فقال: ولد ناصح, أنا أختار له الأمور اختيارا, وأخفي عنه. قال: فدعا بقضاء عليٍّ فجعل يكتب منه أشياء ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا عليٌّ إلا أن يكون ضل"٢.
التثبت في عهد الصحابة:
وعلى سنة التثبت في الرواية التي أشار إليها القرآن, وحث عليها النبي ﷺ سار الخلفاء الراشدون المهديون. روى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث. فقال: "ما أجد لك في كتاب الله شيئا, وما علمت أن رسول الله ﷺ ذكر لك شيئا", ثم سأل الناس, فقام المغيرة بن شعبة فقال: سمعت رسول الله ﷺ يعطيها السدس. فقال له الصديق: "هل معك أحد" فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر رضي الله عنه٣.
стр. 66
وعلى هذه السنة سار الفاروق عمر ﵁ فقد نهج منهج الصديق في تثبته بل وزاد عليه. روى الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أن أبا موسى -يعني الأشعري- سلم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات, فلم يؤذن له, فرجع. فأرسل عمر في إثره فقال له: لم رجعت؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سلم أحدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع" , قال: لتأتيني على ذلك ببينة أو لأفعلن بك, فجاء أبو موسى منتقعا لونه, ونحن جلوس, فقلنا: ما شأنك؟ فأخبرنا, وقال: هل سمعه أحد منكم؟ قلنا: كلنا سمعه, فأرسلوا معه رجلا حتى أتى عمر فأخبره١ وروي أنه قال لأبي موسى: "إن كنت لأمينا على حديث رسول الله ﷺ ولكني أردت أن أستثبت" وقال عمر الفاروق: "بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع" رواه مسلم في مقدمة صحيحه٢ وهذا أبو الحسن علي ﵁ يقول: "كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني به, وكان إذا حدثني غيره استحلفته فإذا حلف صدقته" ويقول: "حدثوا الناس بما يعرفون, ودعوا ما ينكرون, أتحبون أن يُكذب الله ورسوله".
قال الإمام الذهبي: "فقد زجر الإمام ﵁ عن رواية المنكر وحث على التحديث بالمشهور وهذا أصل كبير في الكف عن بث الأشياء الواهية والمنكرة من الأحاديث في الفضائل، والعقائد, والرقائق، ولا سبيل إلى معرفة هذا من هذا إلا بالإمعان في معرفة الرجال والله أعلم"٣.
وقد اتبع هذا المنهج أيضا سائر الصحابة المكثر منهم والمقل, فهذا عبد الله بن مسعود أقرب الناس من رسول الله ﷺ هديا ودلا وسمتا
стр. 67
يقول: بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع" رواه مسلم. وهي دعوة صادقة إلى التثبث، فإن المرء إذا حدث بكل ما سمع فإنه يقع في الكذب لا محالة إذ هو يسمع في العادة الصدق والكذب, فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب لإخباره بما لم يكن, وقال: "ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. رواه مسلم في مقدمة صحيحه. وهو دعوة إلى تحري الصدق فيما ينقل وتخير ما يليق بحال السامعين وهذا أسس من أسس التربية الصحيحة التي سبق إليها الإسلام وعمل بها الصحابة الأجلاء الكرام.
ولم تكن مراجعة بعض الخلفاء وغيرهم لبعض الصحابة وطلبهم راويا أو استحلافهم عند الرواية طعنا في عدالتهم ولا تكذيبا لهم. كما هرف به بعض أعداء الإسلام الحاقدين على صحابة رسول الله ﷺ ولكن ذلك كان على سبيل التحوط للرواية, والتثبت من المرويات, ولتكون سنة متبعة لمن يأتي بعدهم, وليس أدل على هذا من قول الفاروق -وهو من هو في الجهر بالحق وعدم المداهنة- لسيدنا أبي موسى الأشعري: "إن كنت لأمينا على حديث رسول الله ﷺ ولكني أردت أن أستثبت"!! فكيف يتقول متقول بعد هذا؟!
وكذلك لم يكن إكثار المكثرين من الصحابة في الرواية تساهلا في المروايات, أو اختلافا من عند أنفسهم كما زعم بعض المتخرصين بالباطل, وإنما كان ذلك لعوامل أخرى كطول العمر, والتفرغ للعلم والرواية وقلة الاشتغال بأمور الدنيا, وسكنى الأمصار التي يقصدها العلماء وطالبو الحديث.
التثبت في عصر التابعين ومن بعدهم:
وكذلك سار على سنة التثبت في الرواية والتدقيق فيها العلماء
стр. 68
والأئمة من التابعين ومن جاء بعدهم فهذا هو ابن سيرين الإمام التابعي الجليل الذي أخذ عن كثير من الصحابة يقول "إن هذا العلم -أي علم الحديث والرواية- دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".
وهذا هو أبو الزناد عبد الله بن ذكوان فقيه أهل المدينة قال: "أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث يقال: ليس من أهله" رواه مسلم.
وهذا هو الإمام عبد الرحمن بن مهدي يقول: "لا يكون الرجل إماما يقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع" رواه مسلم. وهذا هو ابن وهب الإمام المتفق على حفظه وإتقانه يقول: قال لي مالك -إمام دار الهجرة- "اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع ولا يكون إماما أبدا وهو يحدث بكل ما سمع" رواه مسلم في مقدمة صحيحه.
وكان الإمام مالك يقول: "لقد أدركت في هذا المسجد -أي النبوي- سبعين ممن يقول: قال فلان قال رسول الله ﷺ . ولو أن أحدهم اؤتمن على بيت مال لكان أمينا عليه. ولكني ما أخذت عنهم؛ لأنهم ليسوا من أهل هذا الشأن" أي علم الحديث والرواية, إلى غير ذلك من النصوص الدالة على العناية بالأسانيد, ونقد الرواية والتثبت في الرواية, ولولا هذا لوجد الزنادقة, وأعداء الإسلام الفرصة سانحة للإفساد في الدين, والإدخال في الأحاديث ما ليس منها.
стр. 69
" تدوين الحديث تدوينا عاما ":
وأخذت الحياة العلمية في الازدياد, وكثر الراوون للأحاديث والكاتبون له من التابعين, وفي أواخر عصر التابعين اتسعت رقعة الإسلام, وانطوى تحت لوائه شعوب من كل جنس ولون, وفيهم المخلص وغير المخلص, ومنهم من ذاب في الإسلام ظهرا وباطنا ومنهم من اندمج فيه ظاهرا، وحمل له العداوة باطنا.
стр. 70
وكانت قد ظهرت الخلافات السياسية والمذهبية, والعصبيات الجنسية وأطل الزنادقة وأعداء الإسلام برءوسهم, ووجد هؤلاء وأولئك مجالا لتأييد نحلهم ومذاهبهم وآرائهم وإرضاء أحقادهم فشرعوا يضعون بعض الأحاديث لذلك حتى كاد الباطل أن يلتبس بالحق, وأن يلبس الكذب ثوب الصدق.
"متى بدأ التدوين؟ ":
فرأى الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵁ جمع الأحاديث والسنن في الصحف, وأن تدون تدوينا عاما في الكتب حتى لا يختلط الصحيح بالزائف, وحتى لا يضيع منها شيء يموت حفاظها, فكتب إلى عماله في الأمصار الإسلامية يأمرهم بذلك, وكتب بذلك أيضا إلى العلماء المبرزين في الأقطار, وكان ذلك على رأس المائة الأولى١. روى الإمام مالك في الموطأ, رواية محمد بن الحسن أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم٢: "أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سننه أو حديث عمر أو نحو هذا فاكتبه, فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء, وأوصاه أن يكتب ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية, والقاسم بن محمد بن أبي بكر" ورواه الإمام البخاري في صحيحه تعليقا فقال: "وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: ﵄: أن انظر ما كان عندك -أي في بلدك- من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه. فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ولا تقبل إلا حديث النبي ﷺ
стр. 71
ولتفشوا العلم, ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم. فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا"١. أي خفية, يعني أن كتمان العلم يؤدي إلى ذهابه وهلكته.
ورواه موصولا بسنده. ولكن إلى قول "ذهاب العلماء"٢ وأخرج أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" بسنده عن عمر بن عبد العزيز, ﵁ أنه كتب إلى علماء الآفاق: "انظروا إلى حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه".
وممن كتب إليه الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني أحد الأئمة وعالم أهل الحجاز والشام المتوفى سنة أربع وعشرين ومائة هجرية. وقد صادف هذا الأمر من الخليفة الراشد هوى في نفوس العلماء والولاة أمثال أبي بكر بن حزم والزهري وسعيد بن أبي عروبة. والربيع بن صبيح وغيرهم. وكانوا يصنفون كل باب على حدة ... فقاموا بما ندبوا إليه خير قيام. وأقبلوا على جمع الأحاديث والسنن وتجميعها وتمييز صحيحها من سقيمها. ومقبولها من مردودها. ولا سيما أنه لم يعد من السلف من كان يتحرج من الكتابة فقد ارتفع الخلاف الذي كان أولا. واستقر الأمر. وانقعد الإجماع على جواز كتابة الأحاديث بل على استحبابها. بل على وجوبها على من يتعين عليه تبليغ العلم والأحكام ولا تلتفت إلى تشكيك المستشرقين في هذا زعمهم أنه ﷺ أمر بعدم الكتابة. ولكن لعلهم لم يأتمروا به! ولا تلتفت أيضا إلى من تابعهم في هذا من الكتاب المعاصرين٣ فقد قام شاهد العيان على أنهم نفذوا ما
стр. 72
أمروا به, وأنهم كانوا مهيئين لذلك غاية التهيؤ, وسترى عن كثب ما تمخض عنه هذا الأمر الرشيد من الخليفة الراشد من خير عميم وجمع كثير١.
стр. 73
التدوين في القرن الثاني ١٠٠-٢٠٠ه ـ:
ثم شاع التدوين في الطبقة١ التي تلى طبقة الزهري, وأبي بكر بن حزم فألف الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس المتوفى سنة ١٧٩هـ بالمدينة كتابه "الموطأ" توخى فيه القوى من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم.
وألف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المتوفى سنة ١٥٠هـ بمكة.
وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي المتوفى سنة ١٥٦ بالشام.
وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري المتوفى سنة ١٦١هـ بالكوفة.
وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار المتوفى سنة ١٧٦هـ بالبصرة.
ومعمر بن راشد المتوفى سنة ١٥٣ باليمن.
وهشيم بن بشير السلمي الواسطي المتوفى سنة ١٨٨ بواسط.
وجرير بن عبد الحميد المتوفى سنة ١٨٨ بالري.
وعبد الله بن المبارك المتوفى سنة ١٨١ بخراسان.
ثم تلاهم كثيرون من أهل عصرهم في النسخ على منوالهم٢. ومن ثم نجد أنه ما من مصر من الأمصار الإسلامية إلا وقد جمع الأحاديث فيه إمام أو أئمة, وكانت طريقة هؤلاء في التأليف مزج أحاديث النبي ﷺ بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم. والأثر الباقي من كتب هذا القرن هو الموطأ قال الحافظ ابن حجر: "إن ما ذكر إنما هو بالنسبة
стр. 74
إلى الجمع في الأبواب. وأما جمع حديث إلى مثله في باب واحد فقد سبق إليه الشعبي فإنه روى عنه أنه قال: هذا باب من الطلاق جسيم. وساق فيه أحاديث١.
"إفراد حديث رسول الله ﷺ عن غيره":
المسانيد: ثم رأى بعض الأئمة أن يفرد حديث رسول الله ﷺ عن غيره, وكان ذلك على رأس المائتين فألفوا فيه ما يعرف بالمسانيد٢.
فألف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي المتوفى سنة ثلاث عشرة ومائتين مسندا.
وألف مسدد بن مسرهد البصري المتوفى سنة ثمان وعشرين ومائتين مسندا.
وألف أسد بن موسى الأمور المتوفى سنة اثني عشرة ومائتين مسندا.
وألف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر المتوفى سنة ثمان وعشرين ومائتين مسندا.
ثم اقتفى الأئمة أثرهم. فقل إمام من أئمة الحديث إلا رتب حديثه على المسانيد.
وذلك كالإمام الجليل أحمد بن حنبل المتوفى سنة ٢٤١هـ إحدى وأربعين ومائتين.
والإمام إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه المتوفى سنة ثمان وثلاثين ومائتين والإمام عثمان بن أبي شيبة المتوفى سنة ٢٧٩هـ تسع وسبعين ومائتين وغيرهم من النبلاء.
ومنهم من ألف على الأبواب وعلى المسانيد معا كأبي بكر بن أبي