← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9988

توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك

ابن أم قاسم المرادي

Полный текст (1 655 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وأما في النصب فيلزم فتح ما قبلها، وقد يبدلونها كذلك بعد حركة، فيقولون: هذا الكلو مررت بالكلي، وأهل الحجاز يقولون: "الكلا" في الأحوال كلها. الثالث: الذي يظهر في حركة النقل أنها الحركة التي في الحرف الأخير نقلت إلى الساكن، ونص على ذلك قوم من النحويين، وقال أبو البقاء العكبري: لا يريدون أنها حركة إعراب صيرت على ما قبل الحرف؛ إذ الإعراب لا يكون قبل الطرف، إنما يريدون أنها مثلها. الرابع: نقل في الكافية وغيرها أن الوقف بالنقل إلى متحرك لغة لخمية، وأنشد١: من يأتمر للخير فيما قصده ... تُحمد مساعيه ويعلم رشده فنقل حركة الهاء إلى الدال، وهي متحركة، قيل: ويحتمل أن يكون أصله قصدوه، بواو الجمع حملا على معنى من، ثم حذف الواو اكتفاء بالضمة كقوله٢:

стр. 1437

فلو أن الأطبا كان حولي ... ....................... فإن كان مستنده في إثبات هذه اللغة هذا البيت، فلا حجة فيه. الخامس: لم يؤثر الوقف بالنقل عن أحد من القراء إلا ما روي عن أبي عمرو أنه وقف على قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ١ -بكسر الباء. وفي الوقف تا تأنيث الاسم ها جُعل ... إن لم يكن بساكن صح وُصل واحترز بالتأنيث من تاء لغيره، فإنها لا تغير، وشذ قول بعضهم: قعدنا على الفراه، وبالاسم من تاء الفعل "نحو قامت"٢ فإنها لا تغير، وبعدم الاتصال بساكن صحيح من تاء بنت وأخت ونحوهما فإنها لا تغير. وشمل كلامه ما قبله متحرك نحو رحمة، وما قبله ساكن غير صحيح، ولا يكون إلا ألفا نحو الحياة، والأعرف في هذين إبدال التاء هاء في الوقف. وإنما جعل حكم الألف حكم المتحرك؛ لأنها منقلبة عن حرف متحرك. وقل ذا في جمع تصحيح وما ... ضاهَى وغير ذين بالعكس انتمى أي: وقل جعل التاء هاء في جمع تصحيح المؤنث نحو الهندات، وما ضاهاه، مما جمل عليه كالبنات والأخوات وأولات.

стр. 1438

فالأعرف في ذلك سلامة التاء، وقد سمع إبدالها في قول بعضهم: "دفن البناه من المكرماه" ١ و"كيف بالإخوة والأخواه؟ ". قال في شرح الكافية: وأشرت بقولي: وما ضاهاه -إلى هيهات، وأولات، فإنه يوقف عليهما بالتاء كثيرا وبالهاء قليلا. تنبيهات: الأول: نقل بعضهم أن الوقف على جمع التصحيح والملحق به بالهاء لغة طيئ، وقال في الإفصاح: شاذ لا يقاس عليه. الثاني: إذا سمي بهيهات على لغة من أبدل فهي كطلحة تمنع من الصرف للعلمية والتأنيث. وإذا سمي به على لغة من لم يبدل فهي كعرفات يجري فيها وجوه جمع المؤنث السالم إذا سمي به. وقوله: "وغير ذين بالعكس" إشارة إلى جمع التصحيح ومضاهيه، يعني: أن غيرهما يقل فيه سلامة التاء بعكسهما سواء كان مفردا كمسلمة، أو جمع تكسير كغلمة، ومن إقرارها تاء قول بعضهم: يأهل سورة البقرتْ، فقال مجيب: ما أحفظ منها ولا آيتْ. وأكثر من وقف بالتاء يسكنها ولو كانت منونة منصوبة، وتقدم هذا أول الباب، وعلى هذه اللغة رسمت مواضع من القرآن، وهي معروفة. وقِفْ بها السكت على الفِعْل المعل ... بحذف آخر كأَعْطِ من سأل من "خواص"٢ الوقف، زيادة هاء السكت، وأكثر ما تزاد بعد شيئين: أحدهما: الفعل المعل المحذوف الآخر جزما نحو: "لم يعطه" أو وقفا نحو: "أعطه".

стр. 1439

والثاني: "ما" الاستفهامية إذا جرت بحرف نحو "على مه" أو باسم نحو "اقتضاء مه". ولحاقها لكل من هذين النوعين واجب وجائز؛ أما الفعل المحذوف الآخر فقد نبه عليه بقوله: وليس حتما في سوى ما كع أو ... كيع مجزوما فراعِ ما رَعَوْا يعني: أن الوقف بها السكت على الفعل المعل بحذف الآخر ليس واجبا في غير ما بقي على حرف واحد أو حرفين أحدهما زائد: فالأول: نحو "عِهْ" أمر من وَعَى يَعِي، ونحو "رَهْ" أمر من رأى يرى. والثاني: "لم يَعِهْ، ولم يَرَهْ"؛ لأن حرف المضارعة زائد، فزيادة هاء السكت في ذلك واجبة؛ لبقائه على أصل واحد. فإن قلت: مقتضى تمثيله أن ذلك إنما يجب في المحذوف الفاء نحو: عِ ويع. قلت: محذوف العين كمحذوف الفاء في ذلك؛ لأن العلة واحدة، وإنما أراد بالتمثيل التنبيه على ما بقي على حرف واحد أو حرفين أحدهما زائد كما سبق. فإن قلت: فهل تجب زيادة الهاء في قولهم: تقي يتقى في معنى اتقى يتقي "لأن تقي"١ محذوف الفاء؛ لأن أصله أوتقى يوتقى؟ قلت: ظاهر التسهيل الوجوب؛ لأنه جعل الضابط أن تحذف فاؤه أو عينه، ويتقي محذوف الفاء، وظاهر قوله في شرح الكافية: ويجب إلحاق هذه الهاء في الوقف على ما كان من الأفعال على حرف واحد أو حرفين؛ أحدهما: زائد لأن زيادة الهاء لا تجب في نحو لا يتق؛ لأنه على ثلاثة أحرف، ولكن الأمر يندرج في كلامه؛ لأنه على حرفين؛ أحدهما زائد. وقال الشيخ أبو حيان: لم نجد لأحد من النحويين نصا على الوقوف على هذه الكلمة، والذي يقتضيه النظر عندي أن يكون الوقف بالهاء اختيارا لا

стр. 1440

وجوبا؛ لأنه وإن حذفت فاؤه، فإن تاء الافتعال لازمة للفعل، وهذا الحذف عرض شاذ، وليس بمطرد فلا يلتفت إليه. وما في الاستفهام إن جُرت حُذف ... ألفها............................ واحترز بالاستفهامية عن الموصولة والشرطية نحو: "مررت بما مررت به وبما تفرح أفرح" فإنهما "لا تحذف"١ ألفهما. وزعم المبرد: أن حذف ألف ما الموصولة ليس لغة، ونقله أبو زيد أيضا، وقال أبو الحسن في الأوسط: وزعم أبو زيد أن كثيرا من العرب يقولون: "سلْ عمَّ شئت" كأنهم حذفوا لكثرة استعمالهم إياه. وشمل قوله: "إن جرت" أن تجر بالحرف نحو: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ٢ أو بالاسم نحو: "قراءة م تقرأ" وقوله: "حذف ألفها" يعني وجوبا، وسبب الحذف إرادة التفرقة بينها وبين الموصولة والشرطية، وكانت أولى بالحذف لاستقلالها بخلاف الشرطية، فإنه متعلقة بما بعدها، وبخلاف الموصولة فإنها والصلة اسم واحد. وقوله: وأولها الهاء إن تقف يعني: جوازا، إن جرت بحرف نحو "عمه" ووجوبا إن جرت باسم نحو "اقتضاء مه"؛ ولهذا قال: وليس حتما في سوى ما انحفضا ... باسم كقولك اقتضاء م اقتضى أي: وليس إيلاؤها الهاء واجبا في سوى المجرورة بالاسم، وقد مثله، وعلة ذلك أن الجار الحرفي كالجزء؛ لاتصاله بها لفظا وخطا، بخلاف الاسم؛ فوجب إلحاق الهاء للمجرورة بالاسم لبقائها على حرف واحد. فإن قلت: قد علم أن اتصال الهاء بالمجرورة بالحرف ليس بواجب، فهل هو راجح أو مرجوح؟ قلت: نقل النحويون أنه راجح، قالوا: وهو الأفصح والأكثر، وإنما وقف أكثر القراء بغير هاء إتباعا للرسم.

стр. 1441

تنبيهات: الأول: فهم من قوله: "إن جرت" أن المرفوعة والمنصوبة لا تحذف ألفها في غير ضرورة كقوله١: ألام تقول الناعيات ألامه ... ألا فاندبا أهل الندى والكرامه الثاني: أهمل المصنف من شروط حذف ألفها ألا تركب مع ذا، فإن ركبت معه لم تحذف الألف نحو: "على ماذا تلومونني"، وقد أشار إليه في التسهيل. الثالث: قد ثبتت ألف ما الاستفهامية المجرورة غير المركبة في الضرورة، كقول الشاعر٢:

стр. 1442

على ما قام يشتمني لئيم ... كخنزير تمرغ في رماد وحكاه الرزمخشري في كشافه لغة، وحمل عليه قوم من المفسرين قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ ١. قالوا: معناه: بأي شيء غفر لي ربي. قال ابن هشام: وهذا قول مرغوب عنه؛ لأن النحويين على خلافه. الرابع: قد ورد تسكين ميمها في الضرورة مجرورة بحرف كقوله٢: يا أسديا لِمْ أكلتَه لِمَهْ؟ ... ..................... ووصل ذي الهاء أَجز بكل ما ... حُرك تحريك بناء لزما اعلم أن هاء السكت لا تتصل بحركة إعراب ولا شبيهة بها؛ فلذلك لا تلحق اسم "لا" ولا المنادى المضموم، ولا ما بني لقطعه عن الإضافة كقبل وبعد،

стр. 1443

ولا العدد المركب نحو خمسة عشر؛ لأن حركات هذه الأشياء مشابهة لحركة الإعراب في أنها عارضة. ألا ترى أنها حدثت لوجود الأسباب وأنها تنتفي عند عدمها، فبذلك شابهت حركة الإعراب. وأما الفعل الماضي فحركته لازمة ليست كحركات هذه الأشياء. وفي اتصال هاء السكت به ثلاثة أقوال: الأول: المنع مطلقا، وهو مذهب سيبويه والجمهور واختيار المصنف. والثاني: الجواز مطلقا؛ لأنها لازمة. والثالث: أنها تلحقه إذا لم يخف لبس نحو "قعده" إلا إذا خيف لبس نحو ضربة، والصحيح الأول؛ لأن حركته وإن كانت لازمة فهي شبيهة بحركة الإعراب؛ لأن الماضي إنما بني على حركة لشبهه بالمضارع المعرب في وجوه مذكورة في موضوعها. وشذ اتصال الهاء بعل في قوله١:

стр. 1444

يا رُب يوم لي لا أظلله ... أمرض من تحت واضحى من عَلُهْ ووجه شذوذه أن حركته "حركة بناء"١ عارضة؛ لقطعه عن الإضافة، فهي كقبل وبعد، وإلى هذا أشار بقوله: ووصلها بغر تحريك بنا ... أُديم شذ.............. فحركة عل غير حركة بناء مدام، بل حركة بناء غير مدام، وقوله: "في المدام استحسنا" يعني: أن وصل هاء السكت بحركة البناء المدام -أي الملتزم- جائز مستحسن، كفتحة هو وهي، فيقال في الوقف عليها: هوه وهيه، وقد قرئ بذلك. فإن قلت: هذا البيت معترض من وجهين: أحدهما: أن قوله: وصلها بغير تحريك بنا ... أديم................. يقتضي أن وصلها بحركة الإعراب قد شذ أيضا؛ لأن قوله: ...... بغير تحريك بنا ... أديم................. يشمل نوعين: أحدهما: تحريك البناء غير المدام. والثاني: تحريك الإعراب. والوجه الآخر: أن قوله: "في المداد استحسنا" يقتضي موافقة من أجاز اتصالها بحركة الماضي؛ لأنها من التحريك المدام. قلت: أما الأول فليس بلازم، وأما الثاني فظاهر اللزوم، وقد استثناه في الكافية فقال: ووصل ذي الهاء أجز بكل ما ... حُرك تحريك بناء لزما ما لم يكن ذلك فعلا ماضيا وربما أُعطي لفظ الوصل ما ... للوقف نثرا وفشا منتظما مثال إعطاء الوصل حكم الوقف نثرا قراءة غير حمزة والكسائي: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ

стр. 1445

وَانْظُرْ﴾ ١ ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ﴾ ٢ ومنه قول بعض طيئ: "هذه حبلو يا فتى" لأنه يبدل هذه الألف واوا في الوقف، فأجرى الوصل مجراه، ومثال ذلك في النظم قول الراجز٣: مثل الحريق وافق القصبّا فشدد الباء مع وصلها بحرف الإطلاق، ومثله في الشعر كثير، ومنه٤: أتوا ناري فقلت: منون أنتم؟ ... ........................... وقد تقدم في الحكاية.

стр. 1446

الإمالة: إما الألف أن تنحو بها نحو الياء، ومن لازم ذلك أن ينحى بالفتحة قبلها نحو الكسرة، والنظر في فائدتها، وحكمها، ومحلها، وأصحابها، وأسبابها. أما فائدتها: فاعلم أن الغرض الأصلي من الإمالة هو التناسب، وقد ترد الإمالة للتنبيه على أصل أو غيره، مما سيأتي ذكره. وأما حكمها: فإنها وجه جائز، ولغة لبعض العرب. وسببها مجوز لها لا موجب، فلذلك يجوز فتح كل ممال. وأما محلها: فالأسماء المتمكنة والأفعال، هذا هو الغالب، وسيأتي التنبيه على ما أميل من غير ذلك. وأما أصحابها: فتميم وقيس وأسد وعامة أهل نجد، وأما الحجازيون فلغتهم الفتح إلا في مواضع قليلة. وأما أسبابها فقسمان: لفظي ومعنوي، فاللفظى: الياء والكسرة، والمعنوي: الدلالة على ياء أو كسرة. وجملة أسباب إمالة الألف -على ما ذكره المصنف- ستة: الأول: انقلابها عن الياء، الثاني: مآلها إلى الياء، الثالث: كونها بدل عين ما يقال فيه فلت، الرابع: ياء قبلها أو بعدها، الخامس: كسرة قبلها أو بعدها، السادس: التناسب. تنبيه: هذه الأسباب كلها راجعة إلى الياء والكسرة، واختلف في أيهما أقوى، فذهب الأكثرون إلى أن الكسرة أقوى من الياء، وأدعى إلى الإمالة، وهو ظاهر كلام سيبويه، فإنه قال في الياء: لأنها بمنزلة الكسرة، فجعل الكسرة أصلا، وذهب ابن السراج إلى أن الياء أقوى من الكسرة، والأول أظهر لوجهين: أحدهما: أن اللسان يتسفل بها أكثر من تسفله بالياء.

стр. 1447

والثاني: أن سيبويه ذكر أن أهل الحجاز يميلون الألف للكسرة، وذكر في الياء أن أهل الحجاز وكثيرا من العرب لا يميلون للياء، فدل هذا من جهة النقل أن الكسرة أقوى. واعلم أن عبارات المصنفين اختلفت في ذكر أسباب الإمالة، وليس بينهم في ذلك كبير اختلاف، والغرض هنا شرح كلام الناظم. الألف المبدل من يا في طرف ... أَمِلْ...................... هذا هو السبب الأول، وهو أن يكون الألف بدلا من ياء، وهي على طرف كلمة، وسواء في ذلك الاسم مرمى والفعل نحو رمى وشمل قوله: "من ياء" المبدل من ياء أصلية كالمثالين والمبدل من ياء منقبلة عن واو نحو ملهى وأعطى، واحترز بقوله: "في طرف" من الكائنة عينا، وسيأتي حكمها. ............................. ... ..... كذا الواقع منه اليا خَلَفْ دون مزيد أو شذوذ......... ... ............................. هذا هو السبب الثاني، وهو أن تكون الألف صائرة إلى الياء دون زيادة ولا شذوذ، وذلك نحو حبلى ومعزى، وكل ما آخره ألف تأنيث مقصورة، فإنها تمال لأنها تئول إلى الياء في التثنية والجمع، فأشبهت الألف المنقبلة عن الياء. واحترز بقوله: "أو شذوذ" من قلب الألف ياء في الإضافة إلى ياء المتكلم في لغة هذيل، فإنهم يقولون في عصا وقفا: عُصيّ وقُفيّ، ومن قلب الألف ياء في الوقف عند بعض طيئ نحو: عَصَيْ وقَفَيْ، فلا تسوغ الإمالة لأجل ذلك. واحترز بقوله: "دون مزيد" من رجوع الألف إلى الياء بسبب زيادة كقولهم في تصغير قفا: قُفَى، وفي تكسيره: قُفِيّ، فلا يمال قفا لذلك. تنبيهات: الأول: هذا السبب الثاني هو أيضا في الألف الواقع طرفا كالأول. الثاني: قد علم مما تقدم أن نحو قفا وعصا من الاسم الثلاثي لا يمال؛ لأن ألفه عن واو لا يئول إلى الياء إلا في شذوذ أو بزيادة، وقد سمعت إمالة العشا مصدر الأعشى -وهو الذي لا يبصر ليلا ويبصر نهارا- والمكا -بالفتح- وهو جحر

стр. 1448

الثعلب والأرنب، والكبا -بالكسر- الكناسة، وهذه من ذوات الواو، لقولهم: "ناقة عشواء" وقولهم: "المكو والمكوة" بمعنى المكا، وقولهم: "كبوت البيت" إذا كنسته. وهذه الألفاظ الثلاثة مقصورة. فإن قلت: "فلعل إمالة "الكبا" لأجل الكسرة، فلا تكون شاذة"١. قلت: الكسرة لا تؤثر في المنقبلة عن الواو. والثالث: يجوز إمالة الألف في نحو: "دعا وغزا" من الفعل الثلاثي وإن كانت عن واو؛ لأنها تئول إلى الياء في نحو: "دعى وغزى" من المبني للمفعول. وبهذا ظهرالفرق بين الاسم الثلاثي والفعل الثلاثي إذا كانت ألفهما عن واو، وما ذكره نص عليه الفارسي وغيره من النحويين، وظاهر كلام سيبويه التسوية في الثلاثي بين بنات الواو وبنات الياء، فيجيز الإمالة في ذوات الواو في الأسماء والأفعال، والمشهور ما تقدم. وقوله: ...................... ولما ... تليه ها التأنيث ما الها عدما يعني: أن للألف التي قبل هاء التأنيث في نحو "مرماة وفتاة" -من الإمالة، لكونها منقبلة عن الياء- ما للألف المتطرفة؛ لأن هاء التأنيث غير معتد بها، فالألف قبلها متطرفة تقديرا. وهكذا بدل عين الفعل إن ... يؤل إلى فلت كماضي خف ودن هذا هو السبب الثالث، وهو أن تكون الألف بدلا من عين فعل تكسر فاؤه حين يسند إلى تاء الضمير واويا كان كخاف أو يائيا كدان، فإنك تقول فيهما: خفت ودنت -بحذف عين الكلمة- فيصيران في اللفظ على وزن فِلت، والأصل فعلت، فحذفت العين وحركت الفاء بحركتها. فإن قلت: أما خاف فعينه مكسورة؛ لأن أصله خوف، وأما دان وطاب ونحوهما، فأصل عينهما الفتح، فكيف يقال: حركت الفاء بحركتها؟

стр. 1449

قلت: يقدر تحويلهما إلى فعل -بكسر العين- ثم تنتقل الحركة، هذا مذهب كثير من النحويين، وبعضهم يقول لما حذفت العين حركت الفاء بكسرة مجتلبة للدلالة على أن العين ياء، ولبيان ذلك موضع غير هذا. واحترز بقوله: "إن بؤل إلى فلت" من نحو: طال وقال، فإنه لا يئول إلى فلت -بالكسر- وإنما يئول إلى فلت -بالضم- في قولك: طلت وقلت. والحاصل أن الألف التي هي عين الفعل تمال إن كانت عن ياء نحو دان أو عن واو مكسورة نحو خاف، فإن كانت عن واو مضمومة نحو طال أو مفتوحة نحو قام لم تمل. تنبيهات: الأول: اختلف في سبب إمالة نحو طاب وخاف، قال السيرافي وغيره: إنها للكسرة العارضة في فاء الكلمة؛ ولذلك جعل السيرافي من أسباب الإمالة كسرة تعرض في بعض الأحوال، وهو ظاهر كلام الفارسي، قال: وأمالوا "خاف وطاب" مع المستعلى طلبا للكسر في خفت، وقال ابن هشام الخضراوي: الأولى إن الإمالة في "طاب" لأن الألف فيه منقلبة عن ياء، وفي "خاف" لأن العين مكسورة، أرادوا الدلالة على الياء والكسرة. الثاني: نقل عن بعض الحجازيين إمالة نحو "خاف وطاب" وفقا لبني تميم، وعامتهم يفرقون بين ذوات الواو نحو "خاف" فلا يميلون، وبين ذوات الياء نحو "طاب" فيميلون. الثالث: مفهوم قوله: "وهكذا بدل عين الفعل" أن بدل عين الاسم لا تمال؛ لكونها منقبلة عن الياء، وصرح بعضهم بشذوذ إمالة الألف المنقلبة عن ياء عينا في اسم ثلاثي، كقولهم: هذا عاب وناب -بالإمالة- وهو ظاهر كلام سيبويه، وقال صاحب المفصل: والمتوسطة إن كانت في فعل يقال فيه فعلت كطاب وخاف أميلت ولم ينظر إلى ما انقلبت عنه، وإن كانت في اسم نظر إلى ذلك فقيل ناب ولم يقل باب، وهذا يقتضي أن إمالة نحو ناب فيما عينه ياء جائزة إلا أنه ذكر بعد ذلك فيما شذ عن القياس إمالة عاب وألفه عن ياء، قال ابن يعيش: عاب بمعنى العيب، ويقع في بعض النسخ غاب -بالمعجمة- وألفه أيضا عن ياء.

стр. 1450

كذاك تالي الياء والفصل اغتُفر ... بحرف أو مع ها كجيبها أدر هذا هو السبب الرابع، وهو وقوع الياء قبل الألف أو بعدها، فإن كان قبل الألف فشرطها أن تكون متصلة بها كقولك: "سيال" وهو شجر له شوك، أو منفصلة بحرف نحو: "شيبان" أو بحرفين ثانيهما هاء كقولك: "جيبها أدر" فلو كانت مفصولة بحرفين ليس أحدهما هاء أو بأكثر من حرفين امتنعت الإمالة. تنبيهات: الأول: إنما اغتفر الفصل بالهاء لخفائها. الثاني: قال في التسهيل: "أو حرفين ثانيهما هاء" وقال هنا: "أو مع ها" فلم يقيد بكون الهاء ثانية، وكذلك فعل في الكافية. الثالثة: أطلق قوله: "أو مع ها" وقيده غيره بألا يكون قبل الهاء ضمة نحو: "هذا جيبها" فإنه لا يجوز فيه الإمالة. الرابع: الإمالة للياء المشددة في نحو "بيَّاع" أقوى منها في نحو "سيال" والإمالة للياء الساكنة في نحو "شيبان" أقوى منها في نحو "حيوان". الخامس: قد سبق أن من أسباب الإمالة وقوع الياء قبل الألف أو بعدها، ولم يذكر هنا إمالة الألف لياء بعدها، وذكرها في الكافية والتسهيل وشرطها إذا وقعت بعد الألف أن تكون متصلة نحو "بايع" ولم يذكر سيبويه إمالة الألف للياء بعدها، وذكرها ابن الدهان وغيره. كذاك ما يليه كسر أو يلي ... تالي كسر أو سكون قد وَلِي كسرا وفصل الها كلا فصل يُعد ... فدر هماك من يمله لم يُصد هذا هو السبب الخامس، وهو وقوع كسرة بعد ألف أو قبلها، فإن كانت بعدها فشرطها أن يليها نحو مساجد، وإن كانت قبلها فشرطها أن تكون منفصلة بحرف نحو عماد، أو بحرفين أولهما ساكن نحو "شملال"١، أو بحرفين

стр. 1451

متحركين أحدهما هاء نحو "يريد أن يضربها" أو بحرف ساكن بعده متحركان أحدهما هاء نحو "درهماك". فكل هذا تجوز إمالته، فلو فصل غير ذلك لم تجز الإمالة. فإن قلت: من أين تؤخذ إمالة نحو "أن يضربها"؟ قلت: من قوله: "وفصل الها كلا فصل" بل إمالته أولى من إمالة درهماك. تنبيهات: الأول: قوله: "أو سكون" معطوف على قوله: "كسر" والمعنى: أو يلي تالي سكون قد ولي كسرا نحو "شملال". الثاني: فلم يذكر في الكافية إمالة نحو "درهماك" وذكر إمالة نحو "أن يضربها" "وذكر سيبويه إمالة نحو أن يضربها"١ عن أناس كثير من العرب، وقال صاحب المفصل: وأما قولهم يريد أن ينزعها ويضربها، فشاذ، والذي سوغه أن الهاء خفية فلم يعتد بها. الثالث: أطلق في قوله: "وفصل الها كلا فصل" وقيده غيره بألا ينضم ما قبلها احترازا من نحو "هو يضربها" فإنه لا يمال، وتقدم مثل هذا في الياء. ولما فرغ من ذكر الغالب من أسباب الإمالة شرع في ذكر موانعها فقال: وحرف الاستعلا يكف مظهرا ... من كسر أو يا وكذا تكف را مواقع الإمالة ثمانية أحرف منها سبعة تسمى أحرف الاستعلاء، ويجمعها: قظ خص ضغط. والثامن: الراء غير المكسورة، فهذه الثمانية تمنع إمالة الألف وتكف سببها إذا كان كسرة ظاهرة على تفصيل يأتي. وعلة ذلك أن السبعة الأولى تستعلى إلى الحنك فلم تمل الألف معها طلبا للمجانسة.

стр. 1452

وأما الراء فشبهت بالمستعلية؛ لأنها مكررة. فإن قلت: أطلق في قوله: "وكذا تكف را" ولم يقيده بغير المكسورة. قلت: قد علم التقييد بذلك من قوله بعد: وكف مستعل ورا ينكف ... بكسر را.............. فإن قلت: ما إعراب قوله "مظهرا"؟ قلت: هو مفعول يكف، أي: وحرف الاستعلاء يكف السبب المظهر من الكسرة والياء لا المنوي، فلا يمنع حرف الاستعلاء إمالة الألف في نحو "هذا قاض" في الوقف ولا "هذا ماض"؛ لأن أصله ماضض، ولا إمالة باب خاف وطاب وطغى؛ لأن ما أميل للدلالة على شيء لا يمنعه حرف الاستعلاء. تنبيه: وقوله: "أو يا" تصريح بأن حرف الاستعلاء والراء غير المكسورة تمنع الإمالة إن كان سببها ياء ظاهرة، وقد صرح بذلك في الكافية والتسهيل ولم يمثله. وقول الزمخشري: إن حرف الاستعلاء في غير باب خاف وطاب وطغى مانع من الإمالة، ظاهر في موافقته، وقال ابن حيان: لم نجد ذلك في الياء؛ وإنما يمنع مع الكسرة فقط. إن كان ما يكف بعد متصل ... أو بعد حرف أو بحرفين فصل اعلم أن المانع المشار إليه، أعني حرف الاستعلاء والراء تمنع متأخرا عن الألف ومتقدما عليها، فإن تأخر فشرطه أن يكون متصلا نحو "فاقد وباخل وناصح" أو منفصلا بحرف نحو "منافق ونافخ وناشط" أو بحرفين نحو "مواثيق ومنافيخ ومواعيظ" فهذه ثلاثة أنواع تمنع إمالتها. وأما المتصل أو المنفصل بحرف فقال سيبويه: لا يمليها أحد إلا من لا يؤخذ بلغته. وأما المنفصل بحرفين فنقل سيبويه إمالته عن قوم من العرب لتراخي المانع. قال سيبويه: وهي لغة قليلة، وجزم المبرد بالمنع في ذلك، وهو محجوج بنقل سيبويه.

стр. 1453

وقد فهم مما سبق أن حرف الاستعلاء أو الراء، لو فصل بأكثر من حرفين لم يمنع الإمالة. وفي بعض نسخ التسهيل الموثوق بها: "وربما غلب المتأخر رابعا" ومثال ذلك: "يريد أن يضربها بسوط" فبعض العرب يغلب في ذلك حرف الاستعلاء وإن بعد، وإن تقدم المانع على الألف فقد أشار إليه بقوله: كذا إذا قُدم ما لم ينكسر ... أو يسكن إثر الكسر كالمطواع مر يعني: أن حرف الاستعلاء والراء غير المكسورة إذا تقدما على الألف منعا الإمالة "بشرط أن يكون المانع غير مكسور أو ساكنا بعد كسر، فلا يجوز الإمالة"١ في نحو "طالب وصالح وغالب" بخلاف نحو "طلاب وغلاب" ونحو "إصلاح ومطواع" فإن ذلك تجوز إمالته؛ لأن حرف الاستعلاء إذا كان مكسورا أو ساكنا بعد كسر لا يمنع الإمالة. تنبيهان: الأول: من أصحاب الإمالة من يمنع الإمالة في نحو مطواع لأجل حرف الاستعلاء، ذكره سيبويه، ولم يذكر في المكسور خلافا. الثاني: ظاهر قوله: "كذا إذا قدم" أنه يمنع، ولو فصل عن الألف، والذي ذكره سيبويه وغيره أن ذلك إذا كانت الألف تليه نحو قاعد وصالح. وكف مستعل وار ينكف ... بكسر را كغراما لا أجفو إذا وقعت الراء المكسورة بعد الألف كفت مانع الإمالة، سواء كان حرف استعلاء نحو: ﴿عَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ ٢ أو راء غير مكسورة نحو: ﴿دَارُ الْقَرَارِ﴾ ٣. هذا ونحوه تجوز إمالته ولا أثر فيه لحرف الاستعلاء ولا للراء غير المكسورة؛ لأن الراء المكسورة غلبت المانع، فلم يبقَ لها أثر.

стр. 1454

تنبيه: من هنا علم أن شرط كون الراء مانعة من الإمالة أن تكون غير مكسورة، فيؤخذ منه إمالة نحو ﴿إِلَى حِمَارِكَ﴾ بطريق الأولى؛ لأنه إذا أميل نحو: أبصارهم، وغارم، ودار القرار؛ مع وجود المقتضي لمنع الإمالة، فإمالة نحو حمارك مما لا مقتضى فيه للمنع أولى. "ولا تمل لسبب لم يتصل" يعني: أن سبب الإمالة لا يؤثر إذا لم يتصل، يعني: إذا كان من كلمة أخرى فلا يمال ألف "سابور" للياء قبلها في قولك: "رأيت يدي سابور" لأنها منفصلة، وكذلك لو قلت١: ها إن تا عذرة......... لم تمل ألف "ها" لكسرة إن؛ لأنها من كلمة أخرى. والحاصل أن شرط تأثير سبب الإمالة أن يكون من الكلمة التي فيها الألف.

стр. 1455

تنبيهان: الأول: يستثنى من ذلك ألف "ها" التي هي ضمير المؤنثة في نحو "لم يضربها، وأدر جيبها"، فإنها قد أميلت، وسببا منفصل. أعني: من كلمة أخرى. الثاني: ذكر غير المصنف أن الكسرة إذا كانت منفصلة عن الألف فإنها قد تمال الألف لها، وإن كانت أضعف من الكسرة التي معها في الكلمة، قال سيبويه: وسمعناهم يقولون: "لزيد مال" فأمالوا للكسرة، فشبهوه بالكلمة الواحدة، وليس كلام المصنف على عمومه. والكف قد يوجبه ما ينفصل يعني: أن سبب المنع قد يؤثر وهو منفصل، أي: ولو كان من كلمة أخرى نحو: "يريد أن يضربها قبل" فلا تمال الألف لأن القاف بعدها، وهي مانعة من الإمالة، ولو انفصلت. فإن قلت: لم أثر المانع منفصلا، ولم يؤثر سبب الإمالة منفصلا؟ قلت: لأن الفتح -أعني ترك الإمالة- أصل، فيصار إليه لأدنى سبب، ولا يخرج عنه إلا لسبب محقق. تنبيهان: الأول: فهم من قوله: "قد يوجبه" أن ذلك ليس عند كل العرب، فإن من العرب من لا يعتد بحرف الاستعلاء إذا ولي الألف من كلمة أخرى فيميل، إلا أن الإمالة في المنفصل نحو: "مررت بمال ملق" أقوى منها في المتصل نحو "بمال قاسم". الثاني: قال في شرح الكافية: إن سبب الإمالة لا يؤثر إلا متصلا، وإن سبب المنع قد يؤثر منفصلا، فيقال: "أتى أحمد" بالإمالة, "أتى قاسم" بترك الإمالة، وتبعه الشارح في هذه العبارة، وفي التمثيل بأتى في قاسم نظر؛ فإن متقضاه أن حرف الاستعلاء يمنع إمالة الألف المنقلبة عن ياء، وليس كذلك. وقد أمالوا لتناسب بلا ... داع سواه كعمادا وتلا

стр. 1456

هذا هو السبب السادس من أسباب الإمالة، وهو التناسب، وعبر بعضهم عنه بقوله: الإمالة للإمالة، وعبر عنه آخرون بقولهم: الإمالة لمجاورة الممال؛ وإنما آخره لضعفه بالنسبة إلى الأسباب المتقدمة. ثم إن إمالة الألف للتناسب لها صورتان، إحداهما: أن تمال لمجاورة ألف ممالة كإمالة ثاني الألفين في نحو: رأيت عمادا. والأخرى: أن تمال لكونها آخر مجاور ما أميل آخره، كإمالة ألف "تلا" من قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ ١ فأميلت ألف تلاها ليشاكل اللفظ بها اللفظ بما بعدها. وإلى هذا أشار بقوله "تلا" ومثل هذا شرح الكافية بإمالة ألفي ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ ٢ ليشاكل التلفظ بهما بما بعدها. فإن قلت: في تمثيله بتلا وضحى نظر، فإن ألفهما تجوز إمالتها لسبب غير التناسب؛ لأنها تئول إلى الياء إذا بني الفعل للمفعول، وقد تقدم بيانه، وإنما ينبغي تمثيل هذا النوع بما لا سبب لإمالته غير التناسب. قلت: السبب المقتضي لإمالة نحو دعا مما ألفه عن واو لم تعتبره القراء؛ ولذلك لم يميلوا هذا النوع حيث وقع، وإنما أمالوا منه ما جاور الممال، فلما أمالوا "تلاها" ونحوه وليس عادتهم إمالة ذلك، علم أن الداعي إلى إمالته عندهم إنما هو التناسب. تنبيه: استفيد من تمثيله فائدتان: إحداهما: التنبيه على صورتي الإمالة للتناسب كما سبق. والآخرى: أن الألف قد تمال لمناسبة الألف قبلها نحو "عمادا" فإن الألف الثانية أميلت لمناسبة الأولى "وقد تمال لمناسبة ألف بعدها"٣ كإمالة ألف "تلالها" لمناسبة ما بعده مما ألفه عن ياء أعني "جلاها ويغشاها".

стр. 1457

فإن قلت: فلا جعلت إمالة "ألف"١ تلاها لمناسبة ما قبله أعني: ضحاها؟ قلت: ألف ضحاها عن واو، وإنما أميل لمناسبة ما بعده أيضا. فإن قلت: هي يقاس على إمالة الألف الثانية في "عمادا" لمناسبة الأولى؟ قلت: ظاهر كلام سيبويه أنه يقاس عليه، فإنه قال: وقالوا مغزانا في قول من قال: "عمادا" فأمالهما جميعا، وذا قياس. انتهى. ولا تُمل ما لم ينل تمكنا ... دون سماع غير ها وغير نا الإمالة من خواص الأفعال والأسماء المتمكنة؛ فلذلك لا تطرد إمالة غير المتمكن، نحو إذا وما، إلا ها ونا، نحو: "مر بها ونظر إليها، ومر بنا ونظر إلينا" فهذان تطرد إمالتهما؛ لكثرة استعمالهما. وأشار بقوله: "دون سماع" إلى ما سمعت إمالته من الاسم غير المتمكن، وهو "ذا" الإشارية، و"متى" و"أنى" وقد أميل من الحروف: بلى، ويا في النداء، ولا في قولهم: "إما لا" لأن هذه الأحرف نابت عن الجمل، فصار لها بذلك مزية على غيرها، وحكى قطرب إمالة "لا" في الجواب؛ لكونها مستقلة، ومنع سيبويه ومن وافقه إمالة "حتى، وحكى ابن مقسم٢ الإمالة فيها عن بعض أهل نجد وأكثر أهل اليمن، وحكيت إمالتها عن حمزة والكسائي. تنبيهات: الأول: لا تمنع الإمالة فيما عرض بناؤه نحو "يا فتى" و"يا حبلى" لأن الأصل في ذلك الإعراب.

стр. 1458

الثاني: لا إشكال في جواز إمالة الفعل الماضي وإن كان مبنيا، قال المبرد: وإمالة عسى جيدة. فإن قلت: قد يورد على كلام الناظم الفعل الماضي فإنه يطلق عليه غير متمكن كما قيل. قلت: إن سلم أنه يطلق عليه غير متمكن، فلوضوحه لم يذكره، وأيضا فقد تقدم أول الباب ذكر الإمالة فيه. فإن قلت: قول صاحب المفصل: والأسماء غير المتمكنة يمال منها المستقل بنفسه نحو: ذا ومتى وأنى، ولا يمال ما ليس بمستقل نحو: ما الاستفهامية أو الشرطية أو الموصولة ... ونحو إذا، يقتضي أن إمالة ذات ومتى وأنى غير شاذ. قلت: لا إشكال في أن الإمالة في ذلك شاذة؛ لأن الألف في غير المتمكن أصل غير منقلبة ولا سبب لإمالتها، وكأنه أراد الإشارة إلى المعنى الذي لحظه من أمالها من العرب وهو الاستقلال، وإن كان ذلك مما لا يجعل سببا يقاس عليه. والفتح قبل كسر راء في طرف ... أمل كللأيسر مِلْ تُكْفَ الكُلَفْ اعلم أن الفتحة قد تمال كما تمال الألف؛ لأن الغرض من الإمالة مشاكلة الأصوات وتقريب بعضها من بعض، وذلك موجود في الحركة كما أنه موجود في الحرف، ولإمالة الفتحة سببان: الأول: أن تكون قبل راء مكسورة نحو قوله تعالى: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾ ١ و ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ٢ ومل للأيسر، فإمالة ذلك ونحوه مطرد. تنبيهات: الأول: فهم من قوله "والفتح" أن المال في ذلك الفتح، لا المفتوح. وقول سيبويه: "أمالوا المفتوح" فيه تجوز.

стр. 1459

الثاني: لا فرق بين أن تكون الفتحة في حرف استعلاء نحو من البقر، أو في راء نحو بشرر، أو في غيرهما نحو من الكبر. الثالث: فهم من قوله: "قبل كسر راء" أن الفتحة لا تمال لكسرة راء قبلها نحو رمم، وقد نص غيره على ذلك. الرابع: شرط أن شرط أن تكون الفتحة قبل راء، وظاهره أن مراده أن تكون متصلة كما مثل، فعلى هذا لو فصل بينهما لم تمل، وليس ذلك على إطلاقه، بل فيه تفصيل، وهو أن الفاصل بين الفتحة والراء إن كان مكسورا أو ساكنا غير ياء فهو مغتفر، وإن كان غير ذلك يمنع الإمالة؛ فتمال الفتحة في نحو "أشر" وفي نحو "عمرو" لا في نحو بجير، نص على ذلك سيبويه، ونبه عليه المصنف في بعض نسخ التسهيل. الخامس: شرط أن تكون الراء في طرف، وفي بعض نسخ التسهيل: أن تكون لاما، وليس اشتراط ذلك بصحيح؛ لأن سيبويه قد ذكر إمالة فتحة الطاء في قولهم: "رأيت خبط١ رياح" وذكر غيره أنه يجوز إمالة فتحة العين في نحو "العرد"٢ والراء في ذلك ليست بلام، ولعله إنما خص الطرف لكثرة ذلك فيه. السادس: أطلق في قوله: "أمل" فعلم أن الإمالة في ذلك جائزة وصلا ووقفا، بخلاف إمالة الفتحة للسبب الآتي، فإنها خاصة بالوقف. السابع: أهمل من شروط إمالة الفتحة لكسرة الراء شرطين غير ما ذكر: أحدهما: ألا تكون على ياء، فلا تمال فتحة الياء في نحو "من الغير" نص على ذلك سيبويه. وذكره في بعض نسخ التسهيل. والآخر: ألا يكون بعد الراء حرف استعلاء نحو "من الشرق" فإنه مانع من الإمالة، نص على ذلك سيبويه أيضا.

стр. 1460

فإن قلت: فهل يشترط ألا يتقدم على الفتحة حرف استعلاء؟ قلت: لا؛ لأن الراء المكسورة تغلب المستعلى إذا وقع قبلها، فيمال نحو "من الضرر". الثامن: قد ظهر بما ذكرناه أن كلام الناظم في إمالة الفتحة لكسرة الراء غير محرر، وتحريره أن يقال: تمال كل فتحة في غير ياء قبل راء مكسورة متصلة بها أو مفصولة بمكسور أو ساكن غير ياء، وليس بعد الراء حرف استعلاء. التاسع: منع سيبويه إمالة الألف في نحو "من المحاذر" إذا أميلت فتحة الذال، قال: ولا تقوى على إمالة الألف، أي: ولا تقوى إمالة الفتحة على إمالة الألف قبلها. أمال هنا ألف "المحاذر" لأجل إمالة فتحة الذال، وضعف ما ذهب إليه ابن خروف بأن الإمالة للإمالة من الأسباب الضعيفة، فينبغي ألا ينقاس شيء منها إلا في المسموع، وهو إمالة الألف، لأجل إمالة الألف قبلها أو بعدها. كذا الذي تليه ها التأنيث في ... وقف إذا ما كان غير ألف هذا هو السبب الثاني من سببي إمالة الفتحة، فتمال كل فتحة تليها هاء التأنيث، إلا أن إمالتها مخصوصة بالوقف، وبذلك قرأ الكسائي في إحدى الروايتين عنه، والرواية الأخرى أنه أمال إذا كان قبل الهاء أحد خمسة عشر حرفا، يجمعها قولك: فجئت زينب لذود شمس. وفصل في أربعة يجمعها قولك: أكهر١. فأمال فتحتها إذا كان قبلها كسرة أو ياء ساكنة على ما هو معروف في كتب القرءات. تنبيهات: الأول: قوله: "كذا الذي تليه ها التأنيث" يعني به أن فتحة الذي تليه هاء التأنيث تمال، لا الحرف الذي تليه هاء التأنيث، وقد تجوز من عبر عن ذلك بإمالة هاء التأنيث.

стр. 1461

الثاني: إنما قال: "ها التأنيث" ولم يقل: تا التأنيث؛ لتخرج التاء التي لم تقلب ها، فإن الفتحة لا تمال قبلها. الثالث: لا فرق في هاء التأنيث بين أن تكون لمعنى التأنيث أو لغير ذلك، كالمبالغة نحو "علامة" فإن الإمالة جائزة في جميع ذلك؛ لأن هاء المبالغة هي هاء التأنيث. الرابع: خرج بقوله: "ها التأنيث" ها السكت نحو ﴿كِتَابِيَهْ﴾ ١ فلا تمال الفتحة قبلها، هذا هو الصحيح، وذهب ثعلب وابن الأنباري إلى جواز الإمالة فيما قبلها، وقرأ به أبو مزاحم الخاقاني في قراءة الكسائي. الخامس: استثنى المصنف مما "كان"٢ قبل هاء التأنيث الألف، فإنها لا تصح إمالتها نحو: الصلاة والحياة. فإن قلت: لم يكن لاسثنائه الألف حاجة؛ لأن كلامه في إمالة الفتحة لا في إمالة الحرف، فلم تندرج الألف في قوله: "كذا الذي تليه ها التأنيث" لأن مراده الفتحة فلم يشمل كلامه إلا كل مفتوح. قلت: هو كذلك، ولكن نبه على منع إمالة الألف لئلا يتوهم أن بهاء التأنيث تسوغ إمالة الألف كما سوغت إمالة الفتحة. فإن قلت: ما وجه إمالة الفتحة قبل هاء التأنيث؟ قلت: ذكر سيبويه أن سبب ذلك شبه الهاء بالألف، فأميل ما قبلها كما يمال ما قبل الألف، ولم يبين سيبويه بأي ألف شبهت، والظاهر أنها شبهت بألف التأنيث.

стр. 1462

خاتمة لباب الإمالة: ذكر بعضهم لإمالة الألف سببين غير ما سبق: أحدهما: الفرق بين الاسم والحرف، وذلك في "را" وما أشبهها من فواتح السور. قال سبيويه: وقالوا: را ويا وتا، يعني بالإمالة؛ لأنها أسماء ما يلفظ به، فليست كإلى وما ولا وغيرها من الحروف المبنية على السكون، وحروف التهجي التي في أوائل السور إن كان في آخرها ألف فمنهم من يفتح ومنهم من يميل، وإن كان في وسطها ألف نحو كاف وصاد، فلا خلاف في الفتح. والآخر: كثرة الاستعمال، وذلك إمالتهم "الحجاج" علما في الرفع والنصب، وكذلك "العجاج" في الرفع والنصب، وذكره بعض النحويين، وإمالة "الناس" في الرفع والنصب. قال ابن برهان في آخر شرح اللمع: روى عبد الله بن داود عن أبي عمرو بن العلاء إمالة "الناس" في جميع القرآن مرفوعا ومنصوبا ومجرورا. واعلم أن الإمالة لهذين السببين شاذة لا يقاس عليها، بل يقتصر في ذلك على ما سمع. والله أعلم.

стр. 1463

التصريف: اعلم أن علم النحو مشتمل على نوعين؛ أحدهما: علم الإعراب، والآخر: علم التصريف، وذلك أن علم النحو مشتمل على أحكام الكلم العربية، وتلك الأحكام نوعان: إفرادية وتركيبية، فالإفرادية هي علم التصريف، والتركيبية هي علم الإعراب؛ ولذلك يقال في حد علم النحو: علم يُعرف به أحكام الكلم العربية إفرادا وتركيبا. فإن قلت: الأحكام التركيبية نوعان: إعرابي وغير إعرابي، فكيف أطلق على جميعها علم الإعراب؟ قلت: أطلق على النوعين علم الإعراب تغليبا، ثم إن المسمى بعلم التصريف وهي الأحكام الإفرادية تنقسم إلى قسمين: أحدهما: جعل الكلمة على صيغ مختلفة، لضروب من المعاني كالتصغير والتكسير واسم الفاعل واسم المفعول، وهذا القسم جرت عادة كثير من المصنفين بذكره قبل التصريف كما فعل الناظم وهي في الحقيقة من التصريف. والآخر: تغيير الكلمة لغير طارئ عليها، ولكن لغرض آخر، وتنحصر في الزيادة والحذف والإبدال والقلب والنقل والإدغام، وهذا القسم هو المقصود هنا بقولهم: التصريف. وقد عرف التصريف في الكافية بقوله: تغيير بنية لمعنى قصدا. فإن قلت: هذا التعريف لا يشمل قسمي التصريف، وإنما شمل الأول أعني: تغيير الكلمة لمعنى. قلت: المراد بقوله لمعنى ما ذكره في شرحها؛ إذ قال: التصريف تحويل الكلمة من بنيتها إلى غيرها لغرض لفظى أو معنوي، فهو إذن شامل للنوعين، وقد حده في التسهيل بقوله: التصريف علم يتعلق ببنية الكلمة، وما لحروفها من أصالة وزيادة وصحة وإعلال، وشبه ذلك. وقال الشارح: تصريف الكلمة هو تغيير بنيتها بحسب ما يعرض لها من المعنى، كتغيير المفرد إلى التثنية والجمع، وتغيير المصدر إلى بناء الفعل واسمي

стр. 1464

الفاعل والمفعول، ولهذا التغيير أحكام كالصحة والإعلال، ومعرفة تلك الأحكام وما يتعلق بها تسمى علم التصريف، فالتصريف إذن: هو العلم بأحكام بنية الكلمة بما لحروفها من أصالة وزيادة وصحة وإعلال وشبه ذلك. حرف وشبهه من الصرف بَرِي ... وما سواهما بتصريف حَرِي لا حَظَّ في التصريف للحروف ولا للأسماء غير المتمكنة ولا للأفعال الجامدة، أعني: ليس وعسى ونحوهما، وإنما يكون التصريف في الأسماء المتمكنة والأفعال المتصرفة، وهو المراد بقوله: "وما سواهما بتصريف حري" أي: حقيق. فإن قلت: مقتضى قوله: "وما سواهما" أن التصريف يدخل الأفعال مطلقا؛ إذ لم يستثن الجامدة. قلت: قد يمكن إدراجها في شبه الحرف، فإن ليس وعسى ونحوهما شابها الحروف في الجمود. فإن قلت: قد دخل التصريف في بعض الأسماء التي تشبه الحرف نحو ذا والذي، فإنهما قد صغرا، وقد جاء الحذف في سوف وإن، وجاء الحذف والإبدال في لعل. قلت: هذا كله شاذ، يوقف على ما سمع منه. فإن قلت: قد اتضح أن الذي يقبل التصريف من الكلم نوعان: الأسماء المتمكنة والأفعال المتصرفة، فأيهما له الأصالة فيه؟ قلت: الأفعال لكثرة تغيرها ولظهور الاشتقاق فيها. وليس أدنى من ثلاثي يرى ... قابل تصريف سوى ما غُيرا يعني: أن ما كان على حرف واحد أو حرفين فإنه لا يقبل التصريف، إلا أن يكون ثلاثيا في الأصل وقد غير بالحذف، فإن ذلك لا يخرجه عن قبول التصريف. وقد فهم من ذلك أمران؛ أحدهما: أن الاسم المتمكن والفعل لا ينقصان في أصل الوضع عن ثلاثة أحرف؛ لأنهما يقبلان التصريف، وما يقبل التصريف لا يكون في أصل الوضع على حرف واحد، ولا على حرفين.

стр. 1465

والآخر: أن الاسم والفعل قد ينقصان عن الثلاثة بالحذف، أما الاسم فإنه قد يرد على حرفين، بحذف لامه نحو يد، أو عينه نحو سه أو فائه نحو عدة، وقد يرد على حرف واحد نحو "م الله" عند من يجعله محذوفا من "ايمن الله" وكقول بعض العرب: شربت ما، وهذا قليل، وأما الفعل فإنه قد يرد على حرفين نحو قل وبع وسل، وقد يرد على حرف واحد نحو "ع كلامي، وق نفسك" وذلك فيما أعلت فاؤه ولامه، فيحذفان في الأمر. ومنتهى اسم خمسٌ ان تجردا ... وإن يُزد فيه فما سبعا عدا الاسم ينقسم إلى مجرد من الزوائد، وإلى مزيد فيه. فالمجرد ثلاثة أنواع: ثلاثي ورباعي وخماسي، فلا ينقص عن الثلاث؛ لأن الثلاثي أعدل الأبنية لتوسطه بين الخفة والثقل؛ لانقسامه على المراتب الثلاث: المبتدأ والمنتهى والوسط بالسوية، ولأن المبدوء به لا يكون إلا متحركا والموقوف عليه ساكن فلا بد من حرف يفصل بينهما لتنافيهما في الصفة. فإن قلت: ذلك الفاصل إن كان متحركا نافَى الموقوف عليه، وإن كان ساكنا نافَى المبدوء به. قلت: قد أجيب عن ذلك بأنه لما جاز عليه الأمران لم يتحقق التنافي ولا يزيد على الخمسة؛ لأمرين: أحدهما: أنهم جعلوا زيادته على قدر نقصانه. والآخر: أنه لو وضع على ستة لتوهم أنه كلمتان. فإن قلت: قد تقدم أن الثلاثي أعدل الأبنية فلم عدلوا عنه إلى الرباعي والخماسي؟ قلت: للتوسع بكثرة الأبنية. وأما المزيد: فيبلغ بالزيادة سبعة أحرف ولا يتجاوزها إلا بهاء التأنيث أو زيادتي التثنية أو التصحيح أو النسب. فإن قلت: فكيف قال: "فما سبعا عدا" ولم يستثن هاء التأنيث وما ذكر معها؟ قلت: هذه زوائد، وقد علم أنها غير معتد بها؛ لكونها مقدرة الانفصال.

стр. 1466

تنبيهات: الأول: إنما يبلغ المزيد بالزيادة سبعة أحرف إذا كان ثلاثي الأصول نحو "أشهيباب" مصدر اشهابَّ١ أو رباعي الأصول نحو "احرنجام" مصدر احرنجمت الإبل؛ أي: اجتمعت. وأما الخماسي الأصول، فإنه لا يزاد فيه غير حرف مد قبل الآخر أو بعده مجردا أو مشفوعا بها التأنيث نحو "عضرفوط" وهو ذكر العظاءة٢ وقبعثرى وهو البعير٣. ومثال المشفوع بهاء التأنيث قبعثراة وندر قرعبلانة٤؛ لأنه زيد فيه حرفان وأحدهما نون، وقيل: إنه لم يسمع إلا من كتاب العين فلا يلتفت إليه، والقرعبلانة دويبة عريضة عظيمة البطن. الثاني: ذكر بعضهم أنه زيد في الخماسي حرفا مد قبل الآخر نحو "مغناطيس" قيل: فإن صح وكان عربيا كان ناقصا، لقولهم: إنه لا يزاد فيه إلا حرف مد قبل الآخر. قلت: إن صح وكان عربيا جعل نادرا كما ندر زيادة حرفين بعد الآخر في "قرعبلانة". وقد حكاه ابن القطاع، أعني: مغناطيس. الثالث: اعلم أن حروف الهجاء تذكر وتؤنث، فباعتبار تذكيرها تثبت التاء في عددها، وباعتبار تأنيثها تسقط التاء من عددها، فلذلك قال: "فما سبعا عدا".

стр. 1467

وغير آخر الثلاثي افتح وضم ... واكسر وزد تسكين ثانيه تَعم تقدم أن المجرد ثلاثي ورباعي وخماسي، فالثلاثي تقتضي القسمة العقلية أن تكون أبنيته اثني عشر بناء؛ لأن أوله يقبل الحركات الثلاث ولا يقبل السكون؛ إذ لا يمكن الابتداء بساكن، وثانيه يقبل الحركات الثلاث والسكون أيضا. والحاصل من ضرب ثلاثة في أربعة اثنا عشر. وأما الآخر فلا عبرة به في وزن الكلمة، فإنه حرف الإعراب؛ فلذلك قال: "وغير آخر الثلاثي" فعزى إلى غير آخره، وهو أوله وثانيه الحركات الثلاث، بلا تقييد. فعلم أن ذلك يكون فيهما بتوافق وتخالف، فللتوافق ثلاثة أوزان، والمخالف ستة أوزان، ثم قال: "وزد تسكين ثانيه تعم" أي: وزد على تلك الأبنية التسعة ما سكن ثانيه تعم، وأوله مفتوح أو مكسور أو مضموم، يعم القسمة الممكنة في الثلاثي، وهي اثنا عشر بناء، منها عشرة مستعملة وواحد مهمل، وواحد نادر، وقد أشار إليهما بقوله: وفعل أُهمل والعكس يَقِل ... لقصدهم تخصيص فِعْل بفُعِلْ أهمل من أبنية الثلاثي فِعُل -بكسر الفاء وضم العين- لاستثقالهم الانتقال من كسر إلى ضم، وأما قراءة بعضهم: "وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحِبُكِ"١ بكسر الحاء وضم الباء، فوجهت على تقدير صحتها بوجهين: أحدهما: أن ذلك من تداخل اللغتين في جزأي الكلمة؛ لأنه يقال: حُبُك -بضم الحاء والباء- وحِبِك -بكسرهما- فركب القارئ منهما هذه القراءة، قال ابن جني: أراد أن يقرأ بكسر الحاء والباء، فبعد نطقه بالحاء مكسورة مال إلى القراءة المشهورة، فنطق بالباء مضمومة، قال في شرح الكافية: وهذا التوجيه لو اعترف به من عزيت هذه القراءة له لدل على عدم الضبط ورداءة التلاوة، ومن هذا شأنه لا يعتمد على ما سمع منه، لإمكان عروض ذلك له.

стр. 1468

والآخر: أن يكون كسر الحاء إتباعا لكسر تاء ذات، ولم يعتد باللام الساكنة؛ لأن الساكن حاجز غير حصين، قيل: وهو أحسن. وقوله: "والعكس" يعني به بناء فَعِل -بضم الفاء وكسر العين- وهذا الوزن فيه خلاف، ذهب قوم إلى أنه مهمل؛ لاستثقال الانتقال من ضم إلى كسر وإن كان أخف من عكسه. وذهب قوم إلى أنه مستعمل، لكنه قليل، وهو الظاهر، وقد جاء منه الدئل، وهو اسم دويبة سميت بها قبيلة من كنانة، وأنشد الأخفش لكعب بن مالك١: جاءوا بجيش لو قيس معرسه ... ما كان إلا كمعرس الدئل والرئم: اسم جنس للاست، والوعل: لغة في الوعل، حكاه الخليل، فثبت بهذه الألفاظ أنه ليس بمهمل. وقوله: "لقصدهم تخصيص فعل بفعل" يعني: أن بناء فعل إنما قل في الأسماء؛ لأنهم قصدوا تخصيص الفعل به للدلالة على ما لم يسم فاعله، ولو أهمل لثقله لم يستعمل في الأفعال، وقال أبو الفتح نصر بن أبي الفنون٢: أما دئل

стр. 1469

ورئم، فقد عده قوم من النحويين قسما حادي عشر لأوزان الثلاثي، وإنما هي عند النحويين عشرة، انتهى. وقد أجاب القائلون بإهمال هذا الوزن عن الدئل والرئم بجوابين: أحدهما: أنهما من الشاذ، فلا يثبت بهما وزن، قلت: وفيه نظر؛ لأن سيبويه أثبت بناء فعل بلفظ واحد وهو إبل، وسيأتي ذكره. والآخر: أنهما منقولان من الفعل، واعترض بأن ذلك ممكن في الدئل؛ لأنه علم قبيلة بخلاف الرئم فإنه اسم جنس، والنقل لا يكون إلا في الأعلام. قلت: ذهب السيرافي إلى أن النقل يجيء في أسماء الأجناس كما جاء في الأعلام. قال: ومنه تنوط اسم لطائر يعلق عشه ويلصقه ضربا من الإلصاق بديعا فسمي بالفعل، انتهى. ولا وجه للتفرقة بين الدئل والرئم؛ لأن الدئل في الأصل اسم جنس لدويبة ثم نقل إلى القبيلة. تنبيه: قد فهم من هذا البيت أن ما عدا هذين "الوزنين"١ مستعمل ليس بمهمل ولا نادر، وهي عشرة أوزان: أولها: فَعْل، ويكون اسما نحو فلس، وصفة نحو سهل. وثانيها: فَعَل، ويكون اسما نحو فرس، وصفة نحو بطل. وثالثها: فَعِل، ويكون اسما نحو كبد، وصفة نحو حذر. ورابعها: فَعُل، ويكون اسما نحو عضد، وصفة نحو يقظ. وخامسها فِعْل: ويكون اسما نحو عدل، وصفة نحو نكس. وسادسها: فِعَل، ويكون اسما نحو عنب، قال سيبويه: ولا نعلمه جاء صفة إلا في حرف معتل يوصف به الجمع وهو قولهم: عدي، وقال غيره: لم يأتِ من الصفات على فعل إلا زيم -بمعنى متفرق- وعدى اسم جمع. وقال

стр. 1470

السيرافي: استدرك على سيبويه قيما في قراءة من قرأ: "دِينًا قِيَمَا"١ ولعله يقول: إنه مصدر بمعنى القيام. انتهى. واستدرك بعض النحاة على سيبويه ألفاظا أخر؛ وهي سِوًى في قوله تعالى: "مَكَانًا سِوًى"٢. ورجل رِضًى، وماء رِوًى، وماء صِرًى، وسبي طِيَبَة٣، ومنهم من تأولها. وسابعها: فِعِل، ويكون اسما نحو إبل، وصفة نحو أتان بلز -وهي السمينة- ولم يذكر سيبويه من هذا الوزن غير إبل، وأما بلز "فحكاه الأخفش مخفف الزاي، وحكاه سيبويه مشدد الزاي، قيل: فيحتمل أن يكون"٤ ما حكاه الأخفش مخففا من المشدد، فلا يكون بناء أصليا، قال بعضهم: ولا ثالث لهذين اللفظين. قلت: وزاد بعضهم: حبرة٥ ولا أفعل ذلك أبد الأبد، وعيل -اسم بلد- ووتد وإطل ومشط ودبس وإثر، لغة في الوتد والإطل والمشط والدبس والأثر، وزاد غيره حِبِك لغة في الحُبُك، وقد تقدم. وجاء في الصفات أيضا: أتان إِبد، وأمة إِبد أي: ولود. قال ثعلب: لم يأتِ من الصفات على فِعِل إلا حرفان امرأة إِبِد أي: ولود، وأتان بِلِز أي: ضخمة، وأما قوله٦:

стр. 1471

عَلَّمها إخواننا بنو عجل ... شرب النبيذ واصطفاقا بالرجل ونحوه، فهو من النقل للوقف، أو من الإتباع، فليس بأصل، وقد قيل في إطل: إنه من الإتباع. وثامنها: فُعْل، ويكون اسما نحو قفل، وصفة نحو حلو. وتاسعها: فُعَل، ويكون اسما نحو صرد، وصفة نحو حطم. وعاشرها: فُعُل، ويكون اسما نحو عنق، صفة وهو قليل، والمحفوظ منه نحو جنب وشُلُل، وناقة سُرُح، أي: سريعة. وافتح وضم واكسر الثاني من فعل ثلاثي وزد نحو ضُمن الفعل ينقسم إلى مجرد ومزيد، فالمجرد ثلاثي ورباعي، ولا يكون خماسيا، فالثلاثي ثلاثة أبنية؛ لأنه لا يكون إلا مفتوح الأول، وثانيه يكون مفتوحا ومكسورا ومضموما، ولا يكون إلا ساكنا؛ لئلا يلزم التقاء الساكنين عند اتصال الضمير المرفوع. الأول: فَعَل، ويكون متعديا نحو ضرب، ولازما نحو ذهب، ويرد لمعانٍ كثيرة، ويختص بباب المغالبة، وقد يجيء فَعَل مطاوعا لفعل، بالفتح فيهما، وقال١: قد جبر الدينَ الإلهُ فجَبَر والثاني: فَعِل، ويكون متعديا نحو شرب ولازما نحو فرح، ولزومه أكثر من تعديه؛ ولذلك غلب في النعوت اللازمة والأعراض، وقد يطاوع فَعَل -بالفتح- نحو خدعه فخدع.

стр. 1472

والثالث: فَعُل نحو ظرف، ولا يكون متعديا إلا بتضمين أو تحويل، فالتضمين نحو: "رحبتكم الدار" وقول علي: "إن بشرا قد طلع اليمن" بتضمين الأول معنى وسع، والثاني معنى بلغ، وقيل: الأصل رحبت بكم؛ فحذف الخافض توسعا، والتحويل نحو سدته، فإن أصله سودته -بفتح العين- ثم حول إلى فعُل -بضم العين- ونقلت الضمة إلى فائه عند حذف العين. فإن قلت: فما فائدة التحويل؟ قلت: فائدته الإعلام بأنه واوي العين؛ إذ لو لم يحول إلى فعل وحذفت عينه لالتقاء الساكنين عند انقلابها ألفا لالتبس الواوى باليائي، هذا مذهب قوم منهم الكسائي، وإليه ذهب في التسهيل، وقال ابن الحاجب: وأما باب سدته، فالصحيح أن الضم لبيان بنات الواو، لا للنقل. ولا يرد فَعُل إلا لمعنى مطبوع عليه من هو قائم به، نحو كرم ولؤم، أو المطبوع نحو فقه وخطب، أو شبهه نحو خبث، شبه بنجس؛ ولذلك كان لازما لخصوص معناه بالفاعل. وقوله: "وزد نحو ضمن" يعني: أن بناء ما لم يسم فاعله بناء أصلي من أبنية المجرد فحقه أن يذكر مع الأصول، فتكون أبنية الثلاثي المجرد أربعة. وإلى كون صيغة ما لم يسم فاعله أصلا ذهب المبرد وابن الطراوة والكوفيون، ونقله في شرح الكافية عن سيبويه والمازني، وذهب البصريون إلى أنها فرع مغيرة عن صيغة الفاعل، ونقله غير المصنف عن سيبويه، وهو أظهر القولين، وقد ذهب إليه المصنف في باب الفاعل من الكافية وشرحها. تنبيهات: الأول: لما لم يتعرض لبيان حركة فاء الفعل فهم أنها غير مختلفة، وأنها فتحة؛ لأن الفتح أخف من الضم والكسر، فاعتباره أقرب. الثاني: ما جاء "من الأفعال مكسور الأول أو ساكن الثاني"١ فليس بأصل، بل هو مغير عن الأصل، نحو: شَهِد وشِهِد وشِهْد.

стр. 1473

الثالث: قال في شرح الكافية: جرت عادة النحويين ألا يذكروا في أبنية الفعل المجرد فعل الأمر، ولا فعل ما لم يسم فاعله، مع أن فعل الأمر أصل في نفسه اشتق من المصدر ابتداء كاشتقاق الماضي والمضارع منه. ومذهب سيبويه والمازني أن فعل ما لم يسم فاعله أصل أيضا، فكان ينبغي على هذا إذا عدت صيغ الفعل المجرد من الزيادة أن يذكر للرباعي ثلاث صيغ: صيغة للماضي المصوغ للفاعل كدحرج، وصيغة له مصوغا للمفعول كدحرج، وصيغة للأمر كدحرج، إلا أنهم استغنوا بالماضي الرباعي المصوغ للفاعل عن الآخرين لجريانها على سنن مطرد، ولا يلزم من ذلك انتفاء أصالتهما كما يلزم من الاستدلال على المصادر المطردة بأفعالها انتفاء أصالتها. قلت: أما صيغة المفعول فتقدم ذكر الخلاف فيها، وأما "صيغة"١ فعل الأمر، فذهب البصريون أنها أصل، وأن قسمة الأفعال ثلاثية، ومذهب الكوفيين: أن الأمر مقتطع من المضارع، فإذن تكون القسمة عندهم ثنائية. ومنتهاه أربع إن جُردا ... وإن يُزَدْ فيه فما ستا عَدَا لما كان الفعل أكثر تصرفا من الاسم لم يحتمل من عدة الحروف ما احتمله الاسم، فلهذا لم يجاوز المجرد منه أربعة أحرف، ولا المزيد ستة أحرف. وللرباعي المجرد بناء واحد، وهو فعلل، ويكون متعديا نحو دحرج ولازما نحو دربخ -بمعنى ذل- قال الشارح: له ثلاثة أبنية، واحد للماضي المبني للفاعل نحو دحرج، وواحد للماضي المبني للمفعول نحو دحرج، وواحد للأمر نحو دحرج. قلت: قد تقدم أن عادة النحويين الاقتصار على بناء واحد، وهو الماضي المبني للفاعل لما سبق ذكره. وأما المزيد: فإن كان ثلاثي الأصول، فإنه يبلغ بالزيادة أربعة نحو أكرم وخمسة نحو اقتدر وستة نحو استخرج، وإن كان رباعي الأصول، فإن يبلغ بالزيادة خمسة نحو تدحرج وستة نحو احرنجم.

стр. 1474

تنبيهات: الأول: قال في التسهيل: وإن كان فعلا لم يتجاوز ستة إلا بحرف التنفيس أو تاء التأنيث أو نون التوكيد. ولو استغني عن هذا الاستثناء -كما فعل هنا- لكان أجود. الثاني: لم يتعرض الناظم لذكر أوزان المزيد من الأسماء والأفعال؛ لكثرتها ولأنه سيذكر ما به يعرف الزائد. أما الأسماء فقد بلغت بالزيادة -من قول سيبويه- ثلثمائة بناء وثمانية أبنية، وزاد الزبيدي عليه نيفا على الثمانين، إلا أن منها ما يصح، ومنها ما لا يصح. وأما الأفعال فللمزيد فيه من ثلاثيها خمسة وعشرون بناء مشهورة، وأبنية أخر غير مشهورة، وفي بعضها خلاف. وللمزيد من رباعيها ثلاثة أبنية: تَفَعْلَل نحو تدحرج، وافعنْلَل نحو احرنجم، وافعلَلَّ نحو اقشعر، وهي لازمة. واختلف في هذا الثالث، فقيل: هو بناء مقتضب، وقيل: هو ملحق باحرنجم، زادوا فيه الهمزة، وأدغموا الأخير فوزنه الآن افعلل، ويدل على إلحاقه باحرنجم مجيء مصدره كمصدره. وزاد بعضهم في مزيد الرباعي بناء رابعا. وما جاء على افعلل نحو اجرَمَّز١ قال في الارتشاف: ويظهر لي أنه مزيد من الثلاثي غير الملحق والمماثل لاسم مجرد. لاسم مجرد رباع فَعْلَل ... وفِعْلِل وفِعْلَل وفُعْلُل ذكروا للرباعي المجرد ستة أبنية: الأول: فَعْلَل -بفتح الأول والثالث- ويكون اسما نحو جعفر -وهو النهر الصغير- وصفة نحو سهلب وشجعم، والسهلب: الطويل، والشجعم: الجريء، وقد قيل: إن الهاء في سهلب والميم في شجعم زائدتان، وجاء بالتاء عجوز شهربة، وشهبرة -للكبيرة- وبهنكة -للضخمة الحسنة.

стр. 1475

الثاني: فِعْلِل -بكسر الأول والثالث- ويكون اسما نحو زبرج، وهو السحاب الرقيق، وقيل: السحاب الأحمر، وهو من أسماء الذهب أيضا، وصفة نحو خرمل، قال الجرمي: الخرمل -بالكسر- المرأة الحمقاء مثل الخذعل. الثالث: فِعْلَل -بكسر الأول وفتح الثالث- ويكون اسما نحو درهم، وصفة نحو هبلع -للأكول. الرابع: فُعْلُل -بضم الأول والثالث- ويكون اسما نحو برثن وهو واحد براثن السباع، وهو كالمخلب من الطير، وصفة نحو جرشع -للعظيم من الجمال، ويقال للطويل. الخامس: فِعَل -بكسر الأول وفتح الثاني- ويكون اسما نحو قمطر -وهو وعاء الكتب- وفِطَحْل -قيل: وهو اسم لزمن خروج نوح ﵇ من السفينة، قال الجوهري: الفطحل على وزن الهزبر من لم يخلق بعد١، قال الجرمي: سألت أبا عبيدة عنه قال: الأعراب تقول: هو زمن كانت الحجارة فيه رطبة- وأنشد العجاج٢: وقد أتاه زمن الفطحل ... والصخر مُبتل كطين الوحل وصفة نحو سبطر -للطويل. السادس: فُعْلَل -بضم الأول وفتح الثالث- ويكون اسما نحو جخدب -لذكر الجراد- وصفة نحو جرشع بمعنى جُرْشُع بالضم٣.
следующие страницы →