الحذف كالأصيلة، لكن ذكر أن الحذف في ألف الإلحاق أشبه من الحذف في الأصلية؛ لأن ألف الإلحاق شبيهة بألف حبلى في الزيادة.
الثالث: لم يذكر سيبويه في ألف الإلحاق والمنقلبة عن أصل غير الوجهين المذكورين، وزاد أبو زيد في ألف الإلحاق ثالثا وهو الفصل بالألف كما في حبلاوي، وحكي في أرطى أرطاوي، وأجازه السيرافي في الأصلية، فتقول: ملهاوي.
والألف الجائز أربعا أَزِلْ ... ......................
إذا كانت ألف المقصور خامسة فصاعدا حذفت مطلقا سواء كانت أصلية أو كانت للتأنيث أو للتكثير نحو: مستدعى، وقرقرى، وقبعثرى، فتقول: مستدعيّ، وقرقريّ، وقبعثريّ.
تنبيهان:
الأول: إذا كانت الألف المنقلبة عن أصل خامسة بعد حرف مشدد نحو معلَّى. فمذهب سيبويه والجمهور الحذف، وهو مفهوم من إطلاق الناظم، ومذهب يونس جعله كملهى، فيجيز فيه القلب وهو ضعيف، وشبهته أن المضعف بإدغام في حكم حرف واحد فكأنها رابعة.
الثاني: قد ظهر مما تقدم أن قولهم: مصطفوي خطأ، والصواب: مصطفى "وتقرير"١ النسب إلى المقصور أن تقول: إن كانت ألفه خامسة فصاعدا حذفت مطلقا خلافا ليونس في نحو معلى، وإن كانت رابعة، وهي ثلاثة أقسام: ألف تأنيث، وألف إلحاق، وأصلية. فألف التأنيث إن كان ثاني ما هي فيه متحركا حذفت، وإن كان ساكنا "ففيه"٢ ثلاثة أوجه: الحذف. والقلب بلا فصل. والقلب مع الفصل، وأجودها الأول ثم الثاني ثم الثالث.
وألف الإلحاق فيها الأوجه الثلاثة، وأجودها على رأي القلب.
стр. 1402
والأصلية: فيها وجهان، وعلى رأي السيرافي ثلاثة، أجودها القلب إلا أن الحذف في الملحقة أشبه منه في الأصلية.
وإن كانت ثالثة قلبت واوا مطلقا كقولك في فتى وعصا: فتوي وعصوي.
فإن قلت: لم يصرح في النظم بحكم الألف الثالثة فمن أين يؤخذ؟
قلت: لما بين ما يحذف، علم أن ما عداه لا يحذف، بل يقلب.
وقوله:
.............................. ... كذاك يا المنقوص خامسا عزل
يعني: أن المنقوص إذا نسب إليه حذفت ياؤه إن كانت خامسة فصاعدا، فتقول في معتد ومستعل: معتدي ومستعلي.
تنبيه:
إذا نسبت إلى محيي اسم فاعل حيا يحيى، حذفت الياء الأخيرة لأنها خامسة فتصير: محييي -بأربع ياءات- فيجوز فيه وجهان:
أحدهما: أن تعامله معاملة قصي فتقول فيه: محوي كما تقول: قصوي، وسيأتي بيانه.
والآخر: ألا تغيره ويغتفر الجمع بين أربع ياءات، فتقول: محييي.
وقول ابن الحاجب: "وباب محيي جاء على محوي ومحييي كأمييي"١. وفي التنظير نظر؛ لأن أمييا شاذ، وأما محييي فهو وجه قوي.
قال مبرمان: سألت أبا العباس: هل يجوز أن يحذف من محيي ياء لاجتماع الياءات؟ فقال: لا؛ لأن محييا جاء على فعله، واللام تعتل كما تعتل كما تعتل في الفعل. قال: والاختيار عندي محييي؛ لأني لا أجمع حذفا بعد حذف.
ومن قال: محوي، يجب عليه مهيمي، وهذا هو الذي ذكره سيبويه. انتهى.
стр. 1403
والحذف في اليا رابعا أحق من ... قَلْب وحتم قلب ثالث يَعِنّ
يعني: إذا نسب إلى المنقوص فإن كانت ياؤه خامسة فصاعدا حذفت كما تقدم.
وإن كانت رابعة فالأجود حذفها أيضا، فتقول في النسب إلى قاض: قاضيّ. وقد تقلب واوا بعد فتح ما قبلها، فيقال: قاضويّ، وعليه أنشدوا١:
فكيف لنا بالشرب إن لم يكن لنا ... دراهم عند الحانويّ ولا نقد
جعل اسم الموضع حانية، ونسب إليه. السيرافي: والمعروف في الموضع الذي يباع فيه الخمر حانة -بلا ياء.
فإن قلت: هل يطرد هذا الوجه؟
قلت: ظاهر كلام المصنف اطراده، وذكر غيره أن القلب عند سيبويه من شواذ تغيير النسب. قيل: ولم يسمع إلا في هذا البيت.
وإن كانت ثالثة قلبت واوا مطلقا، فتقول في فتى وعصا: فتوي وعصوي، وإنما قلبت واوا في فتى، وإن كان أصله الياء لئلا تجتمع الكسرة، والياءات.
стр. 1404
وقوله:
وأَوْل ذا القلب انفتاحا..... ... ..........................
يعني: أن ياء المنقوص إذا قلبت واوا فتح ما قبلها كما تقدم تمثيله.
واعلم أن فتح ما قبل الياء سابق على ما قبلها، وذلك أنه إذا أريد النسب إلى شج١ ونحوه، فتحت عينه كما تفتح عين نمر، وسيأتي.
فإذا انفتحت قلبت الياء ألفا لتحريكها وانفتاح ما قبلها، فيصير شجى مثل فتى، تقلب ألفه واوا كما قلبت ألف فتى.
فقد ظهر بهذا أن الياء لم تبدل واوا إلا بواسطة.
فإن قلت: فما وجه فتح العين في قاض عند من قال: قاضوي، ونظيره من الصحيح لا تفتح عينه.
قلت: هو نظير فتح لام تغلب عند بعض العرب، قال ذلك بعض النحويين.
وقوله:
................ وفَعِل ... وفُعِل عينهما افتح وفِعْل
يعني: أن المنسوب إليه إذا كان ثلاثيا مكسور العين فتحت عينه في النسب، سواء كان مفتوح الأول كنمر، أو مكسور الأول كإبل، أو مضموم الأول كدُئل٢، فتقول في النسب إليها: نمري، وإبلي ودؤلي.
فإن قلت: هل الفتح في ذلك على سبيل الوجوب أو على سبيل الجواز؟
قلت: بل على سبيل الوجوب، وقد نص على ذلك في شرح الكافية.
وأما قوله في التسهيل: وتفتح غالبا عين الثلاثي المكسورة. فإنما أشار بقوله: غالبا إلى شذوذ قولهم في بنى الصعق: صعقي٣ -بكسر الفاء والعين- وذلك أنهم كسروا الفاء إتباعا للعين، ثم استصحبوا ذلك بعد النسب شذوذا.
стр. 1405
قال الشيخ أبو حيان: فتح العين في ذلك واجب لا نعلم فيه خلافا إلا ما ذكره طاهر القزويني في مقدمة له من أن ذلك على سبيل الجواز.
تنبيهات:
الأول: لو سميت ببعد فالقياس في النسب إليه بعدي -بفتح العين.
الثاني: لو سميت بيزر مخفف يزأر، بالنقل فيه وجهان.
الثالث: فهم من اقتصاره على الثلاثي أن ما زاد على الثلاثة مما قبل آخره كسرة لا يغير، فاندرج في ذلك ثلاث صور:
الأولى: ما كان على خمسة أحرف نحو جحمرش١.
والثانية: ما كان أربعة أحرف متحركات نحو جنَدل٢.
والثالثة: ما كان أربعة وثانيه ساكن نحو تغلب.
فالأولان لا يغيران، وأما الثالث ففيه وجهان أعرفهما أنه لا يغير، والآخر أنه يفتح، وقد سمع الفتح مع الكسرة في: تغلبي ويحصبي ويثربي، وفي القياس عليه خلاف، وذهب المبرد وابن السراج والرماني ومن وافقهم إلى أنه جائز مطرد، وهو عند الخليل وسيبويه شاذ.
وفي شرح الصفار ما ملخصه: أن الجمهور قالوا: يجوز الوجهان، وأن أبا عمرو قال: الفتح شاذ، وظاهر كلام الخليل وسيبويه ما تقدم.
وقد ظهر بهذا أن قول الشارح: "وإن كانت الكسرة مسبوقة بأكثر من حرف جاز الوجهان" ليس بجيد؛ لشموله الصور الثلاث، وإنما الوجهان في نحو تغلب.
وقيل في المرميّ مرمويّ ... واخْتِير في استعمالهم مرميّ
стр. 1406
قد تقدم عند قوله: "ومثله مما حواه احذف" أنه لا فرق عند أكثر العرب بين ما ياءاه زائدتان، وبين ما إحدى ياءيه أصلية.
ونبه هنا على أن من العرب من يفرق بين النوعين فيوافق في الأول على الحذف فيقول في النسب إلى شافعي: شافعي، وأما النوع الثاني فلا يحذف ياءيه، بل يحذف الزائدة منهما ويقلب الأصلية واوا، فيقول في النسب إلى مرمي: مرموي.
فإن قلت: هل يقاس على مرمي وما أشبهه؟
قلت: صرح الشارح بأنه لغة، قال: وهذه قليلة، والمختار خلافها، وهو ظاهر كلامه في شرح الكافية. وفي الارتشاف: وشذ في مرمي مرموي.
فإن قلت: هذا البيت متعلق بقوله: ومثله مما حواه احذف. فهلا قدمه كما فعل في الكافية؟
قلت: لعل سبب تأخيره هذا ارتباط الأبيات السابقة، فكل منها أخذ بحجز تاليه، فلم يلق به غير التأخير، وليس كذلك في الكافية.
ونحو حَي فتح ثانيه يَجب ... واردده واوا إن يكن عنه قُلب
إذا نسب إلى ما آخره ياء مشددة، فإما أن تكون مسبوقة بحرف، أو بحرفين، أو بثلاثة فصاعدا، فإن كانت مسبوقة بحرف لم يحذف من الاسم شيء عند النسب، ولكن يفتح ثانيه ويعامل معاملة المقصور الثلاثي، فإن كان ثانيه ياء في الأصل لم تزد على ذلك، كقولك في حي: حيوي، فتحت ثانيه فقلبت الياء الأخيرة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم قلبتها واوا لأجل ياء النسب، وإن كان ثانيه في الأصل واوا رددته إلى أصله، فتقول في طي: طووي؛ لأنه من طويت. وإن كانت مسبوقة بحرفين فسيأتي حكمها، وإن كانت مسبوقة بثلاثة فأكثر فقد تقدم حكمها.
وعَلَمُ التثنية احذِفْ للنسَبْ ... ومثل ذا في جمع تصحيح وَجَبْ
стр. 1407
يحذف من المنسوب إليه أيضا ما فيه من علامة تثنية وجمع تصحيح كقولك في من اسمه: مسلمان أو مسلمون أو مسلمات: مسلمي، واثنان وعشرون ونحوهما من الشبيه بالمثنى والمجموع كذلك، فتقول فيهما: اثني وثنوي وعشري، وتقول في أولات: أولي.
تنبيه:
هذا الحذف إنما هو على لغة من يعرب المثنى والمجموع الذي على حده بالحرفين.
وأما من أجرى المثنى مجرى حمدان، والجمع مجرى غسلين، فإنه لا يحذف، فتقول في اسمه: زيدان، على الأول: زيدي، وعلى الثاني: زيداني، وفي نصيبين، على الأول: نصيبي، وعلى الثاني: نصيبيني.
وثالث من نحو طيِّب حُذف ... وشذ طائي مقولا بالأَلِفْ
إذا وقع قبل الحرف المكسور لأجل ياء النسب ياء مكسورة مدغم فيها أخرى، حذفت المكسورة كقولك في طيب: طيبي، وفي ميت: ميتي.
فإن كانت الياء مفردة نحو مغيل، أو مشددة مفتوحة نحو هَبَيَّخ١، أو فصل بينها وبين المكسور نحو مهيم -تصغير مهيام مفعال من هام- لم تحذف، بل يقال في النسب إلى هذه: مغيلي، وهبيخي، ومهيمي، لنقص النقل بعدم الإدغام، وبالفتح والفصل.
وقوله: "وشذ طائي" يعني: أن قياسه طيئي٢ كطيي، ولكن تركوا فيه القياس فقالوا: طائي بإبدال الياء ألفا.
تنبيهات:
الأول: ذكروا أن المحذوف من طائي الياء الثانية، فإن الأولى قلبت ألفا.
стр. 1408
وقال بعض المتأخرين: فيه نظر؛ لأن هذا الانقلاب لا يتعلق بهذا الباب، ومقتضى هذا الباب حذف الياء الثانية، وقد حذفت. قال: فوجه شذوذه أن يقال: حذفت الياء الأولى الساكنة وقلبت الثانية المتحركة ألفا، فطائي شاذ من حيث حذف الأولى، والقياس حذف الثانية.
واعترض بأنه لو كان كذلك لم يكن القلب شاذا، وقد ذكر شذوذه في الإعلال، فالوجه أنهم حذفوا الثانية كما ذكرنا أولا، ولكن لما كان "هذا"١ القلب مختصا بحال النسب ذكروا شذوذه فيه.
الثاني: قال أبو سعيد في كتابه المستوفي: وتقول في أيم: أيمي؛ لأنك لو حذفت الياء المتحركة لم يبقَ ما يدل عليها، قيل: وليس بتعليل واضح، ولو علل بالالتباس بالنسب إلى أيم لكان حسنا، وإطلاق سيبويه والنحاة يدل على أنه لا فرق بين نحو سيد وأيم.
الثالث: لا فرق بين سيد ونحوه، وبين غزيل ونحوه -تصغير غزال- في الحذف فتقول: غزيلي. نص على ذلك غير واحد، وإن كان سيبويه لم يمثل إلا بغير المصغر.
وفَعَلِي في فَعِيلَة التُزمْ ... وفُعَلِي في فُعِيلة حُتِمْ
مثال فعيلة حنيفة، فإذا نسبت إليها حذفت تاؤها وياؤها، وفتحت عينها، فيقال: حنفي، ومثال فُعيلة: جهينة، فإذا نسب إليها حذفت تاؤها وياؤها أيضا فتقول: جهني.
تنبيهات:
الأول: قوله: "التزم وحتم" ويعني: فيما لم يشذ، ويشذ من فعيلة سليقى في سليقة وسليمى في سليمة الأزد، وعميرى في عميرة كلب، والسليقى الذي يتكلم بأصل طبيعته معربا، قال الشاعر٢:
стр. 1409
ولست بنحوي يلوك لسانه ... ولكن سُلَيْقِي أقول فأعرب
وأشذ من ذلك قولهم: عبدي وجذمي، في بني عبيدة وجذيمة.
لأن ما تقدم رجوع إلى أصل مرفوض، وأما الضم فلا وجه له.
وشذ من فعيلة رديني في ردينة وحزيني في حزينة -وهو من أسماء البصرة.
الثاني: لو سمي باسم شذت العرب في النسب إليه لم ينسب إليه إلا على ما يقتضيه القياس.
الثالث: ما ذكر من أنه يقال في فعيلة فعليّ، وفي فعيلة فعلي له شرطان:
الأول: عدم التضعيف، والثاني: ألا تعتل العين، واللام صحيحة. وسيأتي التنبيه على هذين الشرطين.
وألحقُوا معل لام عَرِيَا ... من المثالين بما التا أُولِيَا
يعني: بالمثالين فعيلة وفعيلة، فإذا عريا من التاء وصارا على فعيل وفعيل، وقصد النسب إليهما، فإما أن يكونا معتلي اللام أو صحيحي اللام.
فإن كانا معتلي اللام ألحقا بفَعيلة وفُعيلة في حذف الياء وفتح ما قبلها إن كان مكسورة فيقال في عدي وقصي: عدوي وقصوي. كما يقال في غنية وأمية: غنوي وأموي.
стр. 1410
فإن قلت: هل إلحاق عدي وقصي بما ختم بالتاء واجب أم جائز؟
قلت: صرح في الكافية بأن ذلك واجب، وصرح به الشارح أيضا، وذكر بعضهم فيهما وجهين: الحذف والإثبات، ولم يذكر سيبويه في عدي إلا الحذف. وذكر فيه الفارسي: وجهي عدي، ونقل عن يونس: الإثبات في عدي فتقول: عَدِيِّيّ.
تنبيه:
استثنى بعضهم من فعيل ما كان نحو كُسي تصغير كساء، فإن النسب إليه كُسَيِّيّ -بياءين مشددتين- قال: ولا يجوز غيره، وأجاز بعض النحويين كُسَوِي. وإن كانا صحيحي اللام فالمطرد فيهما عدم الحذف كقولهم في عَقيل وعُقيل: عَقيلي وعُقيلي، هذا مذهب سيبويه، وهو مفهوم قوله: "معل لام". وذهب المبرد إلى جواز الحذف فيهما، فالوجهان عنده مطردان قياسا على ما سمع من ذلك، وهو قولهم: قرشي وهذلي وصبري في بني صبير، وفقمي في بني فقيم كنانة، وأما فقيم دارم فلم يشذوا فيه، وملحي في مليح خزاعة، وأما مليح سعد فلم يشذوا فيه، وقومي في قويم، وسلمي في سليم، وقالوا في ثقيف: ثقفي.
ووافق السيرافي المبرد وقال: الحذف في هذا خارج عن الشذوذ، وهو كثير جدا في لغة أهل الحجاز، قيل: وتسوية المبرد بين فعيل وفعيل ليست بجيدة؛ إذ سمع الحذف في فعيل كثيرا، ولم يسمع في فعيل إلا في ثقيف، فلو فرق بينهما لكان أسعد بالنظر.
وتَمموا ما كان كالطويله ... وهكذا ما كان كالجليله
يعني: أن ما كان من فَعيلة وفُعيلة معتل العين صحيح اللام، نحو: طويلة١ ونويرة٢، أو مضاعفا نحو: جليلة وقُديدة، فإنه ينسب إليه على لفظه متمما، فتقول: طويلي ونويري، وجليلي وقديدي؛ فرارا من تحريك حرف العلة في المعتل، ومن اجتماع المثلين في المضاعف.
стр. 1411
تنبيهات:
الأول: من هذا البيت يؤخذ الشرطان المشار إليهما فيما مضى.
الثاني: الشرطان معتبران في فُعيلة وفَعيلة كليهما، ولا أثر لخصوصية المثال.
الثالث: لم يذكر الشارح في فعيلة -بضم الفاء- إلا شرطا واحدا، وهو عدم التضعيف، وقال في فعيلة -بالفتح- إن لم يكن معتل العين، ولا مضاعفا، فأخل فعيلى بشرط. وأطلق في قوله: إن لم يكن معتل العين، وكان ينبغي أن يقول: صحيح اللام؛ لأن الشرط عدم مجموع الأمرين؛ ليحترز بذلك من نحو طوية وحيية، فإنه يقال فيهما: طووي وحيوي.
الرابع: لم يذكر الناظم هنا فعولة نحو شنوءة١ والنسب إليها فعلي كالنسب إلى حنيفة فيقال: شنئي -بالشرطين المذكورين- هذا مذهب سيبويه، وذهب المبرد والأخفش إلى أن النسب "إلى"٢ ذلك على لفظه، فيقال في حمولة: حمولي.
وذهب ابن الطراوة إلى أنك تحذف الواو وتترك ما قبلها مضموما، فتقول: حملي.
والصحيح مذهب سيبويه؛ لورود السماع في شئوءة، وفي الغرة: نسبة هذا المذهب إلى سيبويه والأخفش، وهو وهم.
فإن قلت: كيف جعل سيبويه ذلك قياسا، ولم يرد غير هذه اللفظة؟
قلت: لأنه لم يرد ما يخالفها، وهذا معنى قول بعضهم؛ لأنها جميع ما سمع، فإن اعتلت عين فعولة نحو قوولة، أو كان مضاعفا نحو ضرورة لم تحذف منه الواو، وفعولة المعتل اللام نحو عدوة كشنوءة في حذف الواو، فتقول: عدوي، خلافا للمبرد، أنه يقول عدوي على لفظه، وتقدم أن مذهبه في شنوءة كذلك.
стр. 1412
وأما فعول -بغير تاء- فينسب إليه على لفظه باتفاق، فتقول في سلول وعدو: سلولي وعدوي.
وهمز ذي مد يُنال في النسب ... ما كان في تثنية له انتسب
حكم الهمزة الممدودة في النسب كحكمها في التثنية، فإن كانت للتأنيث قلبت واوا، كقولك في حمراء: حمراوي. وإن كانت أصيلة سلمت، كقولك في قراء: قراءان١، فتقول في النسب إليه: قرائي، وإن كانت بدلا من أصل أو للإلحاق فوجهان، كقولك في كساء وعلباء٢: كساءان وعلباءان، وإن شئت: كساوان وعلباوان. "فتقول في النسب إليهما: كسائي وعلبائي وكساوي وعلباوي"٣.
تنبيهات:
الأول: مقتضى كلامه هنا أن الأصلية تتعين سلامتها، وصرح بذلك الشارح، فقال: وإن كانت أصلا غير بدل وجب أن تسلم، وذكر في التسهيل فيها الوجهين، وقال: أجودهما التصحيح.
الثاني: قال في شرح الكافية: ما شذ في التثنية نحو كسايين، فلا يقاس عليه على النسب.
وانْسُب لصدر جملة وصدر ما ... رُكب مزجا................
المركب أربعة أقسام: إسنادي، وشبيه به، ومزجي، وإضافي.
أما الإسنادي والشبيه به فينسب إلى صدره، مثال الإسنادي تأبط شرا فتقول فيه: تأبطي.
ومثال الشبيه به لولا وحيثما -مسمى بهما- فتقول فيهما: لوي بالتخفيف وحيي، وقياس النسب إلى كنت: كوني، برد الواو لزوال سبب حذفها، وقالوا:
стр. 1413
كنتي، وكنتني -بزيادة نون- وكلاهما شاذ، وأجاز الجرمي النسب الثاني فتقول: شري، في تأبط شرا.
تنبيه:
قوله: "وانسب لصدر جملة" أجود من قوله في التسهيل: "ويحذف لها -يعني ياء النسب- عجز المركب" لأنه لا يقتصر في الحذف على العجز، بل يحذف ما زاد على الصدر، فلو سميت بخرج اليوم زبد، قلت: خرجي.
وأما المزجي ففي النسب إليه خمسة أوجه:
الأول: مقيس اتفاقا، وهو النسب إلى صدره، فتقول في بعلبك: بعلي، وكذا حكم خمسة عشر، فتقول: خمسي.
الثاني: أن ينسب إلى عجزه، فتقول: بكي، وهذا الوجه أجازه الجرمي ولا يجيزه غيره، ولم يسمع إلى العجز مقتصرا عليه.
الثالث: أن ينسب إليهما معا مزالا تركيبهما، فتقول: بعلي، بكي، وهذا أجازه قوم منهم أبو حاتم١ قياسا على قول الشاعر٢:
تزوجتها رامية هرمزية ... .....................
стр. 1414
وظاهركلام أبي الحسن في الأوسط موافقته.
الرابع: أن ينسب إلى مجموع المركب فقالوا: بعلبكي.
الخامس: أن يبنى من جزأي المركب اسم على فعلل وينسب إليه، قالوا في حضرموت: حضرمي. وهذان الوجهان شاذان يقتصر فيهما على ما سمع لا نعلم في ذلك خلافا.
وأما الإضافي فقد نبه عليه بقوله:
........................... ... ............... ولثمان تَمما
إضافة مبدوءة بابن أو ابْ ... أو ماله التعريف بالثاني وجب
فيما سوى هذا انسبن للأول ... ما لم يُخف لَبْسٌ كعبد الأشهل
وحاصله أن المركب تركيب إضافة ينسب إلى عجزه في أربعة مواضع:
الأول: ما كان مبدوءا بابن، نحو ابن الزبير، فتقول: زبيري.
الثاني: ما كان كنية وإليه الإشارة بقوله "أو اب" فتقول في أبي بكر: بكري.
الثالث: "ما تعرف"١ صدره بعجزه، ومثله الشارح بغلام زيد، فتقول: زيدي.
الرابع: ما يخاف اللبس من حذف عجزه كعبد الأشهل وعبد مناف، فتقول فيهما: أشهلي ومنافي.
وما سوى هذه المواضع ينسب فيه للصدر كقولك في امرئ القيس: امرئي ومرئي.
تنبيهات:
الأول: ظاهر كلامه في الكافية وشرحها أن المبدوء بابن من قبيل ما تعرف به الأول بالثاني. قال في شرحها: وإذا كان الذي ينسب إليه مضافا وكان معرفا صدره بعجزه، أو كان كنية حذف صدره ونسب إلى عجزه، كقولك في ابن
стр. 1415
الزبير: زبيري، وفي أبي بكر: بكري، انتهى. وكذا قال الشارح، إلا أنه زاد في المثل غلام زيد، وعلى هذا فقول الناظم: "أو ما له التعريف بالثاني" عن عطف العام على الخاص؛ لاندراج المصدر بابن فيه.
وفي تمثيل الشارح بغلام زيد نظر؛ لأنهم يعنون بالمضاف هنا ما كان علما غالبا لا مثل غلام زيد، فإنه ليس لمجموعه معنى مفرد ينسب إليه، بل يجوز أن ينسب إلى غلام وإلى زيد، ويكون ذلك من قبيل النسب إلى المفرد لا إلى المضاف، وإن أراد غلام زيد مجعولا علما فليس من قبيل ما تعرف فيه الأول بالثاني، بل هو من قبيل ما ينسب إلى صدره ما لم يخف لبس. والله أعلم.
والثاني: شذ بناء فعلل، من جزأي الإضافي منسوبا إليه، كما شذ ذلك في المركب المزجي، والمحفوظ من ذلك: تيملي، وعبدري، ومرقسي، وعبقسي، وعبشمي، في تيم اللات، وعبد الدار، وامرئ القيس بن حجر الكندي، وعبد القيس، وعبد شمس.
واجبُرْ برد اللام ما منه حُذف ... جوازا إن لم يك رده أُلف
في جمعي التصحيح أو في التثنيه ... وحق مجبور بهذي تَوْفِيَه
إذا نسب إلى الثلاثي المحذوف، لم يخل من أن يكون محذوف الفاء أو العين أو اللام.
فإن كان محذوف الفاء أو العين، فسيأتي.
وإن كان محذوف اللام فإما أن يجبر في التثنية كأب وأخ، أو في الجمع بالألف والتاء كعضة وسنة، أو لا، فإن جبر فيهما وجب جبره في النسب فتقول: أبوي وأخوي وعضوي وسنوي أو عضهي وسنهي على الخلاف في المحذوف، فهذا ونحوه يجب جبره؛ لأن جبر في التثنية والجمع بالألف والتاء كقولك: أبوان وأخوان، وعضوات وسنوات، أو عضهات وسنهات على الوجهين، وإن لم يجبر في التثنية ولا في الجمع بالألف والتاء لم يجب جبره في النسب بل يجوز فيه الأمران نحو: حر وغد وشفة وثبة، فيجوز في النسب إليها: حري وغدي وشفي وثبي -بالحذف- وحرحي، وعدوي، وشفهي، وثبوي -بالرد- والمحذوف من الحر الحاء، ومن غد الواو، ومن شفة الهاء، ومن ثبة الياء.
стр. 1416
تنبيهات:
الأول: ما ذكرته واضح فهمه من كلام الناظم، إلا أن ذكره لجمعي التصحيح فيه نظر؛ إذ لا تظهر فائدة لذكر جمع التصحيح المذكر، وقد اقتصر في التسهيل على الجمع بالألف والتاء.
والثاني: أطلق في قوله:
جوازا إن لم يك رده أُلف
وهو مقيد بألا تكون العين معتلة، فإن كانت عينه معتلة وجب جبره كما ذكره في الكافية والتسهيل، وإن لم يجبر في التثنية وجمع التصحيح، احترازا من نحو شاة، وذي بمعنى صاحب، فتقول في شاة: شاهي، وعلى أصل الأخفش: شوهي، وقد حكي أنه رجع عنه وسيأتي بيانه، وفي ذي: ذووي اتفاقا؛ لأن وزنه عند الأخفش فعل كمذهب سيبويه.
الثالث: إذا نسب إلى يد ودم جاز الوجهان عند من يقول: يدان ودمان، ووجب الرد عند من يقول: يديان ودميان.
الرابع: إذا نسب إلى ما حذفت لامه وعوض منها همزة الوصل جاز أن يجبر وتحذف الهمزة، وألا يجبر وتستصحب، فتقول في ابن واسم: بنوي وسموي، على الأول، وابني واسمي على الثاني.
الخامس: مذهب سيبويه وأكثر النحويين أن المجبور تفتح عينه وإن كان أصله السكون. وذهب الأخفش إلى تسكين ما أصله السكون، فتقول في يد ودم وغد وحر -على مذهب الجمهور: يدوي، ودموي، وغدوي، وحرحي بالفتح، وعلى مذهب الأخفش: يدي، ودميي، وغدوي، وحرحي -بالسكون- لأنه أصل العين في هذه الكلمات، والصحيح مذهب سيبويه، وبه ورد السماع قالوا في غد: غدوي، وحكي عن أبي الحسن أنه رجع في الأوسط إلى مذهب سيبويه، وذكره سماعا عن العرب.
وبأخ أختا وبابن بنتا ... ألحِقْ ويونس أَبَى حَذْف التا
стр. 1417
اختلف في النسب إلى أخت وبنت. قال الخليل وسيبويه كالنسب إلى أخ وابن - بحذف التاء ويرد المحذوف، تقول: أخوى وبنوى، كما تقول في المذكر، وقال يونس: ينسب إليهما على لفظهما ولا تحذف التاء، فتقول: أختي وبنتي، لأن التاء فيهما للإلحاق.
والزمه الخليل أن ينسب إلى هنت ومنت - بإثبات التاء، وهو يقول به، وله أن يفرق بأن التاء فيهما لا تلزم، بخلاف بنت وأخت، لأن التاء في هنت في الوصل خاصة وفي منت في الوقف خاصة.
تنبيهات:
الأول: حكم نظائر أخت وبنت حكمهما وهي: ثنتان، وكلتا، وذيت، وكيت، فالنسب إليها عند سيبويه كالنسب إلى مذكراتها، فتقول: ثنوى، وكلوى، وذيوى، وكيوى، وعلى مذهب يونس تقول: ثنتى، وكلتى أو كلتوى، وذيتى، وكيتى.
وذكر بعضهم في النسب إلى كلتا على مذهب يونس: كلتى وكلتوى وكلتاوى كالنسب إلى حبلى بالوجه الثلاثة.
الثاني: ذهب الأخفش في أخت وبنت ونظائرهما إلى مذهب ثالث، وهو حذف التاء وإقرار ما قبلها على سكونه وما قبل الساكن على حركته، فتقول: أخوى وبنوى وكلوى وثنوى، وقياس مذهبه في كيت وذيت - إذا رد المحذوف - أن ينسب إليهما كما ينسب إلى حي، فتقول: كيوى وذيوى.
الثالث: قد اتضح مما سبق أن أختا وبنتاً حذفت لامهما، لأن النحويين ذكروهما فيما حذفت لامه، فالتاء إذن فيهما عوض من اللام المحذوفة، وإنما حذفت في النسب على مذهب سيبويه لما فيها من الإشعار بالتأنيث، وإن لم تكن متمحضة للتأنيث. وظاهر مذهب سيبويه أن تاء كلتا كتاء بنت وأخت، وأن الألف للتأنيث، وعلى هذا ينبني ما سبق، وذهب الجرمي إلى ان التاء زائدة، والألف لام الكلمة، ووزنه فِعْتَل، وهو ضعيف، لأن التاء لا تزاد وسطاً، فإذا نسب إليه على مذهبه قلت: كلتوى: وقيل: إن التاء بدل من الواو، والأصل كلوى. فإذا نسب إليه على هذا القول قلت: كلتى، هكذا ذكر بعضهم.
стр. 1418
والمشهور في النقل عن جمهور البصريين أن التاء في كلتا بدل من الواو التي هي لام الكلمة ووزنها فعلى، وصرح ابن الحاجب في شرح المفصل بأن اصل كلتا عند سيبويه كلوي، ووزنه فعلى أبدلت الواو إشعارا بالتأنث تاء، وإذا كان هذا مذهب سيبويه والجمهور فالذي ينبغي أن يقال في النسب إليه: كلتي، كما تقدم عن بعضهم، وأيضا فلا ينبغي على هذا القول أن يعد فيما حذفت لامه؛ لأن ما أبدلت لامه لا يقال فيه: محذوف اللام في الاصطلاح، والإلزام أن يقال في نحو "ماء" محذوف اللام، والذي يظهر من مذهب سيبويه ومَن وافقه أن لام كلتا محذوفة كلام أخت وبنت، والتاء في الثلاثة عوض من اللام المحذوفة كما قدمته أولا، ولا يمتنع أن يقال: هي بدل من الواو، إذا قصد هذا المعنى، كما قال بعض النحويين في تاء بنت وأخت: إنها بدل من لام الكلمة، وأما إن أريد البدل الاصطلاحي فلا؛ لأن بين الإبدال والتعويض فرقا يذكر في موضعه.
الرابع: النسب إلى ابنة ابنتي وبنوي كالنسب إلى ابن اتفاقا؛ إذ التاء فيها ليست عوضا كتاء بنت.
وضاعِفِ الثاني من ثنائي ... ثانيه ذو لين كلا ولائي
إذا نسب إلى الثنائي وضعا، فإن كان ثانيه حرفا صحيحا جاز فيه التضعيف وعدمه، فتقول في كم: كَمِيّ، وكَمِّىّ، وإن كان ثانيه حرف لين ضعف بمثله إن كان ياء أو واوا فتقول في كي ولو: كيوي ولووي؛ لأن كي لما ضعف صار مثل حي، ولو لما ضعف صار مثل الدو١، وإن كان ألفا ضوعفت وأبدل مضعفها همزة، فتقول فيمن اسمه لا: لائي، وإن شئت أبدلت الهمزة واوا، فقلت: لاوي.
تنبيه:
إذا نسب إلى اللات -اسم الصنم- قلت: لائي، ولاوي، كما ينسب إلى
стр. 1419
لا؛ لأن تاءه تحذف ولا يدرى ما لامه فعومل عاملة لا، هذا مذهب سيبويه. ومن زعم أن لامه هاء، وأن أصله ليه قال: لاهي، كما تقول: شاهي.
وإن يكن كشِيَة ما الفا عَدِمْ ... فجبره وفتح عينه التُزم
تقدم الكلام على محذوف اللام، وذكر في هذا البيت محذوف الفاء، ولا يخلو محذوف الفاء من أن تكون لامه صحيحة كعدة أو معتلة كشية١، فإن كانت صحيحة لم يجبر فتقول في النسب إلى عدة: عدي، وإن كان معتل اللام جبر برد فائه، فتقول في شية وشوي، على مذهب سيبويه؛ لأنه لا يرد العين إلى أصلها من السكون، بل يفتح العين مطلقا ويعامله معاملة المقصور، وتقول على مذهب أبي الحسن: وشيي -برد أصله- وجزم هنا بمذهب سيبويه.
فإن قلت: فمن أين يؤخذ من كلامه اشتراط اعتلال اللام؟
قلت: من قوله: "كشية".
تنبيه:
بقي من المحذوف قسم ثالث لم يبين حكمه، وهو محذوف العين، فتقول: المحذوف العين إن كانت لامه صحيحة لم يجبر، كقولك في: سه ومذ -مسمى بهما- سهي ومذي، كذا أطلق كثير من النحويين، وليس كذلك، وهو مقيد بألا يكون من المضاعف، نحو: رب -المخففة- بحذف الباء الأولى- إذا سمي بها ونسب إليها، فإنه يقال: ربي -برد المحذوف- نص عليه سيبويه، ولا يعرف فيه خلافا، وإن كانت لامه معتلة نحو المري ويري -مسمى بهما- جبر، فتقول فيهما: المرئي واليرئي -برد المحذوف.
والواحد اذكر ناسبا للجمع ... إن لم يشابه واحدا بالوضع
١ الشية: العلامة، وكل لون يخالف معظم اللون -من الفرس وغيره- وأصل شية: وشي، حذفت الواو ونقلت حركتها إلى الشين وزيدت تاء التأنيث عوضا عن الواو المحذوفة.
стр. 1420
الجمع ثلاثة أقسام: قسم أهمل واحده كعباديد١، وقسم له واحد شاذ كملامح فإن واحده لمحة، وقسم له واحد قياسي.
فالأول: ينسب إليه بلفظه فتقول: عباديدي.
"والثاني فيه خلاف؛ ذهب أبو زيد إلى أنه كالأول فنيسب إلى لفظه، فتقول: ملامحي"٢.
وحكي أن العرب قالت في المحاسن: محاسني، وغيره ينسب إلى واحده، وإن كان شاذا، فيقول في النسب إلى ملامح: لمحي.
والثالث: إذا غلب نسب إلى لفظه فتقول في الأنصار والأبناء، وهم قوم من أبناء فارس: أنصاري وأبنائي، وإن لم يغلب نسب إلى واحده، فتقول في فرائض وكتب وقلانس: فرضي وكتابي وقلنسي، وقول الناس: فرائضي وكتبي وقلانسي -خطأ، وقد أجاز ذلك قوم، وذهبوا في قمري إلى أنه منسوب إلى الجمع من قولهم: طيور قمر، وكذا دبسي منسوب عندهم إلى طيور دبس، وهو عند غيرهم منسوب إلى القمرة -وهي البياض- وإلى الدبسة، ويحتمل أن يكونا مما بني على ياء مشددة نحو كرسي.
هذا "التقسيم"٣ في الجمع الباقي على جمعيته، فإن سمي به نسب إلى لفظه؛ لأنه صار واحدا، كقولك في كتاب وأنمار ومدائن ومعافر: كلابي وأنماري ومعافري.
وقد يرد الجمع المسمى به إلى الواحد إن أمن اللبس، ومثال ذلك الفراهيد -علم على بطن من أسد- فقالوا: الفراهيدي على اللفظ، والفرهودي نسبا إلى واحده لأمن اللبس؛ إذ ليس لنا قبيلة تسمى بالفرهود.
فإن قلت: إن كلام الناظم هنا لا يفي بهذا التفصيل؟
قلت: قوله: "إن لم يشابه واحدا" يمكن أن يجعل شاملا لثلاثة أنواع:
стр. 1421
أولها: نحو أنمار مما جعل علما.
والثاني: نحو أنصار مما غلب فصار كالعلم.
والثالث: نحو عباديد مما أهمل واحده؛ لأنه بسبب إهمال واحده شابه نحو قوم ورهط مما لا واحد له، وإذا كان كلامه شاملا لهذه الثلاثة فهو وافٍ بالمطلوب؛ لأن حاصله حينئذ أن الجمع لا ينسب إلى لفظه، بل إلى واحده إلا في ثلاثة مواضع، وهو صحيح.
تنبيه:
إذا نسب إلى نحو تمرات وأرضين وسنين باقية على جمعيتها قيل: تمري، وأرضي، وسنهي أو سنوي، على الخلاف في لامه، وإذا نسب إليها أعلاما التزم فتح العين في الأولين، وكسر الفاء في الثالث.
ومع فاعِل وفَعَّال فَعِل ... في نسب أغن عن اليا فقُبِلْ
يستغنى عن ياء النسب بصوغ فاعل إن قصد صاحب الشيء، كقولهم: لابن وتامر أي: صاحب لبن وتمر، وبفعّال إن قصد الاحتراف، كقولهم: بزّاز وعطّار، وقد يقوم أحدهما مقام الآخر، فمن قيام فاعل مقام فعال قولهم: حائك في معنى حواك؛ لأنه من الحرف؛ ومن عكسه قول امرئ القيس١:
стр. 1422
وليس بذي رمح فيطعنني به ... وليس بذي سيف وليس بنبال
أي: وليس بذي نبل.
قال المصنف: وعلى هذا حمل المحققون قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ١.
أي: بذي ظلم.
وقد يؤتى بياء النسب في بعض ذلك، قالوا لبياع العطر ولبياع البتوت -وهي الأكسية- عطار وعطري، وبتات وبتي.
وقد يستغنى عن ياء النسب بفَعِل بمعنى صاحب كذا، كقولهم: رجل طَعِم ولَبِس وعَمِل بمعنى ذي طعام وذي لباس وذي عمل، أنشد سيبويه٢:
لست بلَيْليّ ولكني نَهِر ... .....................
أي: عامل بالنهار.
стр. 1423
تنبيهان:
الأول: قد يستغنى أيضا عن ياء النسب بمفعال، كقولهم: امرأة معطار -أي: ذات عطر- ومفعيل. كقولهم: ناقة محضير، أي: ذات حضر، وهو الجري.
الثاني: هذه الأبنية غير مقيسة، وإن كان بعضها كثيرا، هذا مذهب سيبويه. قال: لا يقال لصاحب الدقيق دقاق، ولا لصحاب الفاكهة فكاه، ولا لصاحب البر برار، ولا لصاحب الشعير شعار، والمبرد يقيس هذا.
وغير ما أسلفته مقررا ... على الذي يُنقل منه اقُتصرا
يعني: أن ما جاء من النسب مخالفا للأقيسة المتقدم ذكرها، فهو شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، وبعضه أشذ من بعض، فمن قولهم في النسب في البصرة: بِصري -بكسر الباء- وإلى الدهر: دُهري -بضم الدال- وإلى مرو: مروزي، وإلى الري: رازي.
ومن ذلك قولهم: عميري من عميرة كلب، وقد تقدمت أمثلة منه أثناء الباب.
стр. 1424
الوقف:
هو قطع النطق عند آخر الكلمة، والمراد هنا الاختياري، وهو غير الذي يكون استثباتا وإنكارا وتذكرا وترنما، وغالبه يلزمه تغييرات، وترجع إلى سبعة أشياء: السكون، والروم، والإشمام، والإبدال، والزيادة، والحذف، والنقل، وهذه الأوجه مختلفة في الحسن والمحل، وسيأتي مفصلة إن شاء الله تعالى.
تنوينا إثر فتح اجعل ألفا ... وقفا وتلو غير فتح احذفا
في الوقف على المنون ثلاث لغات:
الأولى: وهي الفصحى، أن يوقف عليه بإبدال تنوينه ألفا إن كان بعد فتحة، وبحذفه إن كان بعد ضمة أو كسرة، كقولك: رأيت زيدَا، وهذا زيدْ، ومررت بزيدْ.
والثانية: أن يوقف عليه بحذف التنوين وسكون الآخر مطلقا، وذكر ذلك أبو الحسن وقطرب وأبو عبيد والكوفيون، ونسبها المصنف إلى ربيعة.
قال في الإفصاح: والجماعة يرون أن هذا مما جاء في الشعر، ولا يجوز في الكلام.
والثالثة: أن يوقف عليه بإبدال التنوين ألفا بعد الفتحة، وواوا بعد الضمة، وياء بعد الكسرة، ونسبها المصنف إلى الأزد، وقيده غيره بأزد السراة.
وزع أبو عثمان أنها لغة قوم من أهل اليمن ليسوا فصحاء واقتصر هنا على الفصحاء.
تنبيهات:
الأول: شمل قوله: "إثر فتح" فتحة الإعراب، نحو: رأيت زيدا، وفتحة البناء نحو: أيها وويها، فكلا النوعين يبدل تنوينه ألفا على المشهور.
الثاني: يستثنى من المنون المنصوب ما كان مؤنثا بالتاء "نحو قائمة"١؛ فإن تنوينه لا يبدل بل يحذف، وهذا لغة من يقف بالهاء وهي الشهيرة، وأما من وقف
стр. 1425
بالتاء فبعضهم يجريها مجرى سائر الحروف، فيبدل التنوين ألفا؛ فيقول: رأيت قائمتا، وأكثر أهل هذه اللغة يسكنها لا غير.
الثالث: المقصور المنون يوقف عليه بالألف، نحو: رأيت فتى، وفي هذه الألف ثلاثة مذاهب:
الأول: أنها بدل من التنوين في الأحوال الثلاث، واستصحب حذف الألف المنقلبة وصلا ووقفا، وهو مذهب أبي الحسن والفراء والمازني، وهو المفهوم من كلام الناظم هنا؛ لأنه تنوين بعد فتحة.
والثاني: أنها الألف المنقلبة في الأحوال الثلاث، وأن التنوين حذف؛ فلما حذف عاد الألف، وهو مروي عن أبي عمرو والكسائي والكوفيين، وإليه ذهب "ابن كيسان والسيرافي، ونقله ابن الباذش عن سيبويه والخليل، وإليه ذهب"١ المصنف في الكافية، قال في شرحها: ويقوي هذا المذهب ثبوت الرواية بإمالة الألف وقفا والاعتداد بها رويا وبدل التنوين غير صالح لذلك. انتهى.
ومثال الاعتداد بها رويا قول الشاعر٢:
стр. 1426
إنك يابن جعفر نعم الفتى ... .......................
إلى قوله:
ورب ضيف طرق الحي سُرى ... ............................
والثالث: اعتباره بالصحيح؛ فالألف في النصب بدل من التنوين، وفي الرفع والجر بدل من لام الكلمة، وهذا مذهب سيبويه فيما نقله أكثرهم.
قيل: وهو مذهب معظم النحويين، وإليه ذهب أبو علي في غير التذكرة، وذهب في التذكرة إلى موافقة المازني.
واحذف لوقف في سوى اضطرار ... صلة غير الفتح في الإضمار
إذا وقف على هاء الضمير الموصولة حذفت صلتها إن كانت مضمومة أو مكسورة نحو: لَهْ وبِهْ، تحذف الواو والياء وتقف على الهاء ساكنة، وإن كانت مفتوحة نحو رأيتها وقف على الألف ولم تحذف.
واحترز بقوله: "في سوى اضطرار" من وقوع ذلك في الشعر، وإنما يكون ذلك آخر الأبيات، وذكر في التسهيل: أنه قد يحذف ألف ضمير الغائبة منقولا فتحة إلى ما قبله، اختيارا، كقول بعض طيئ: "والكرامة ذات أكرمكم الله بهْ" يريد: بها١، واستشكل قوله: "اختيارا" فإنه يقتضي جواز القياس عليه، وهو قليل.
وأشْبَهَتْ إذًا منونا نُصب ... فألفا في الوقف نونها قُلب
اختلف في الوقف على إذًا، فذهب الجمهور "إلى"٢ أنه يوقف عليها بالألف لشبهها بالمنون المنصوب، وذهب بعضهم إلى أنه يوقف عليها بالنون لأنها بمنزلة أن، ونقل عن المازني والمبرد، واختلف النحويون أيضا في رسمها على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنها تكتب بالألف؛ لأنها يوقف عليها بالألف، قيل: وهو الأكثر، وكذلك رسمت في المصحف، ونسب هذا القول إلى المازني، وهو مخالف لما نقل عنه أولا.
стр. 1427
والثاني: أنها تكتب بالنون، قيل: وإليه ذهب المبرد والأكثرون، وعن المبرد: اشتهى أن أكوي يد من يكتب إذن بالألف؛ لأنها مثل أن ولن، ولا يدخل التنوين في الحروف.
والثالث: التفصيل، فإن ألغيت كتب بالألف لضعفها، وإن أعملت كتبت بالنون لقوتها، قاله الفراء. وقال ابن عصفور: الصحيح كتبها بالنون "لأنها يوقف عليها عنده بالنون"١ وللفرق بينها وبين إذا الظرفية، ولا إشكال أن من وقف عليها بالنون يكتبها بالنون.
وينبغي أن يكون هذا الخلاف مفرعا على قول من يقف بالألف.
فإن قلت: إذا فرعت على الوقف بالألف فالقياس أن تكتب بالألف؛ لأن الأصل في كل كلمة أن تكتب بصورة لفظها بتقدير الابتداء بها والوقف عليها، فلا وجه لقول من يكتبها بالنون، ويقف "عليها"٢ بالألف.
قلت: بل له وجه ظاهر وهو التفرقة بينها وبين إذا الظرفية، ألا ترى أن نون التوكيد الخفيفة تبدل بعد الفتحة ألفا بغير خلاف.
وقد فصلوا في رسمها فقالوا: تكتب بالألف إن لم تلبس نحو "لنسفعا"٣ وبالنون إن التبست نحو: اضربن ولا تضربن؛ إذ لو كتبت بالألف في مثل هذا لالتبست بألف الاثنين.
وحذف يا المنقوص ذي التنوين ما ... لم يُنصب أولى من ثبوت فاعلما
إذا وقف على المنقوص المنون، فإن كان منصوبا أبدل من تنوينه ألف نحو رأيت قاضيا، وإن كان غير منصوب فالمختار الوقف عليه بالحذف، ويجوز الوقف برد الياء، وبه قرأ ابن كثير في بعض المواضع، كقوله تعالى: "وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادي"٤.
стр. 1428
وكل هذا ظاهر من البيت، وأما غير المنون فسيأتي.
تنبيهات:
الأول: في هذا البيت إطلاق يقيده تاليه.
الثاني: فهم من قوله: "ما لم ينصب" أن المنصوب المنون لا حذف فيه؛ لأن ياءه تحصنت بألف التنوين، وحكى الأبدي: أن من العرب من يقف عليها بحذف التنوين، وعلى ذلك بنَى المتنبي قوله١:
ألا أذن فيما أذكرت ناسي ... .........................
الثالث: لم يختلفوا في أن الحذف من المنون غير المنصوب أكثر ولكن اختلفوا في الأقيس.
فقال الفارسي: الحذف لأن فيه عدم الاعتداد بالعارض، وقال بعضهم: الإثبات قياسا على ألف المقصور.
وغير ذي التنوني بالعكس وفي ... نحو مُر لزوم رد اليا اقتُفِي
يعني: أن المنقوص غير المنون يجوز فيه الوجهان، ولكن المختار فيه الإثبات بعكس المنون، فالأجود أن يقال: هذا القاضي ومررت بالقاضي، وقد يقال: هذا القاض ومررت بالقاض، هذا مفهوم كلامه، وهو غير محرر، وتحرير ذلك أن يقال: المنقوص غير المنون أربعة أنواع:
الأول: ما سقط تنوينه لدخول أل، فهذا إن كان منصوبا فهو كالصحيح نحو: رأيت القاضي فيوقف عليه بإثبات الياء قولان واحدا، وينبغي لمن قدر فتحة
стр. 1429
الياء بالنصب أن يقف بالوجهين، وإن كان مرفوعا نحو: هذا القاضي، أو مجرورا نحو: مررت بالقاضي، ففيه الوجهان، والمختار الإثبات، كما ذكر، وليس الحذف مخصوصا بالضرورة خلاف لبعضهم.
والثاني: ما سقط تنوينه للنداء نحو: "يا قاض" فالخيل يختار فيه الإثبات، ويونس يختار فيه الحذف، ورجح سيبويه مذهب يونس؛ لأن النداء محل حذف.
ورجح غيره مذهب الخليل؛ لأن الحذف مجاز، ولم يكثر فيرجح بالكثرة.
والثالث: ما سقط تنوينه لمنع الصرف نحو: "رأيت جواريَ" نصبا، فيوقف عليه بإثبات الياء، كما تقدم في المنصوب.
والرابع: ما سقط تنوينه للإضافة نحو: "قاضي مكة" فإذا وقف عليه جاز فيه الوجهان الجائزان في المنون، قالوا: لأنه لما زالت الإضافة بالوقف عليه عاد إليه ما ذهب بسببها وهو التنوين، فجاز فيه ما جاز في المنون.
وبنوا على ذلك فرعا، وهو أن ما سقط نونه للإضافة، إذا وقف عليه ردت نونه نحو: هؤلاء قاضو زيد، فإذا وقفت قلت: قاضون لزوال سبب حذفها.
فأما وقف القراء على قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ ١ بحذف النون، فاتباع الرسم.
قلت: وفي هذا نظر.
وقد علم مما تقدم أن كلام الناظم معترض من وجهين:
أحدهما: أن عبارته شاملة لهذه الأنواع الأربعة، وليس حكمها واحدا.
والآخر: أنه لم يستثن المنصوب وهو متعين الإثبات، كما ذكر ذلك في الكافية.
وقوله:
.................... وفي ... نحو مر لزوم رد اليا اقتُفِي
يشير به إلى أن ما كان من المنقوص محذوف العين نحو مر اسم فاعل من
стр. 1430
أرأى١ يرأى أصله مرأى٢ فأعل إعلال قاض، وحذف عينه وهي الهمزة بعد نقل حركتها، فإذا وقف عليها لزم رد الياء "جبرا للكلمة"٣ لأنها لو حذفت لزم بقاء الاسم على أصل واحد في حالة الوصل أيضا.
قلت: لا يمكن إثباتها وصلا لما يلزم من الجمع بين ساكنين بخلاف الوقف، مع أن في بقاء التنوين وصلا جبرا للكلمة.
تنبيه:
الموقوف عليه إما ساكن وإما متحرك؛ فالساكن إن لم يكن له صورة في الخط حذف كصلة الضمير إلا تنوين المنصوب كما سبق، وإن كانت له صورة في الخط ترك على حاله، ولم يغير إلا نون إذن وياء المنقوص، وقد تقدم حكمهما.
وأما نون التوكيد الخفيفة فتقدمت في بابها.
وقد فهم من هذا أن المقصور غير المنون إذا وقف عليه لم تحذف ألفه ولم يغير.
وشذ حذفها للضرورة في قوله٤:
стр. 1431
........................... ... رهط مرجوم ورهط ابن المعل
يريد: المعلى، وبعض العرب يقلبون الألف الموقوف عليها ياء فيقولون: أفعى وعصى وهي لغة فزارة وناس من قيس، وبعضهم يقلبها واوا فيقولون: هذا أفعو وعصو وهي لغة بعض طيئ، وبعضهم يقلبها همزة فيقولون: هذا أفعاء وعصاء، وليس من لغة هؤلاء التخفيف، قال سيبويه: وكذلك كل ألف في آخر الاسم، وزعم الخليل أن بعضهم قال: رأيت رجلا فيهمز، وكذلك هو يضربها، وقد توصل ألف هنا وأولى وكل مبني آخره بهاء السكت، وأما قلب الألف هاء في قوله١:
................... ... من هاهنا ومن هُنَهْ
فشاذ.
ولما ذكر الناظم حكم الوقف على ما ينبغي ذكره من الساكن أخذ بذكر المتحرك، فقال:
وغيرها التأنيث من مُحرك ... سَكِّنْه أو قِفْ رائم التحرك
في الوقف على المتحرك خمسة أوجه: الإسكان، والروم، والإشمام، والتضعيف، والنقل، ولكل منها علامة.
стр. 1432
فعلامة السكون خ فوق الحرف، هكذا جعلها سيبويه، والمراد خف أو خفيف، وجعلها بعض الكُتاب دائرة؛ لأن الدائرة صفر، وهو الذي لا شيء فيه من العدد، وجعلها بعضهم دالا.
وعلامة الروم: خط بين يدي الحرف، وهذه صورته /.
وعلامة الإشمام: نقطة بين يدي الحرف، وهذه صورته *.
وعلامة التضعيف: شين فوق الحرف، وهذه صورته شـ.
فإن كان المتحرك هاء التأنيث لم يوقف عليها إلا بالإسكان، وليس لها نصيب في غيره، وإن كان غيرها جاز أن يوقف عليه بالإسكان، وهو الأصل، وبالروم مطلقا، أعني في الحركات الثلاث، ويحتاج في الفتحة إلى رياضة لخفة الفتحة؛ ولذلك لم يجزه أكثر القراء في المفتوح، ووافقهم أبو حاتم.
قال في شرح الكافية: وهي عبارة عن إخفاء الصوت بالحركة، ويجوز الإشمام والتضعيف والنقل، لكن بالشروط الآتية، وقد أشار إلى الإشمام بقوله: "أو أشمم الضمة" الإشمام هو الإشارة بالشفتين إلى الحركة دون صوت، ولا يكون إلا في الضمة؛ لأن إشمام الكسرة والفتحة تسوية لهيئة الشفة.
وقد روي الإشمام عن بعض القراء في الجر، وهو محمول على الروم؛ لأن بعض الكوفيين يسمى الروم إشماما، ولا مشاحة في الاصطلاح، ثم أشار إلى التضعيف بقوله:
............ أو قف مُضْعفا ... ما ليس همزا أو عليلا إن قَفَا
مُحركا................... ... ...........................
التضعيف تشديد الحرف الموقوف عليه، كقولك: هذا فرجّ -بالتشديد- وذكر له شروطا ثلاثة:
أولها: ألا يكون همزة، احترازا من نحو: بناء، فلا يجوز تضعيفه؛ لأن العرب اجتنبت إدغام الهمزة ما لم تكن عينا.
وثانيها: ألا يكون عليلا نحو: سرو وبقي، فلا يجوز تضعيفه.
وثالثها: أن يكون بعد متحرك، احترازا من نحو: بكر، فلا يجوز تضعيفه.
стр. 1433
وزيد شرط رابع، وهو ألا يكون منصوبا في أشهر اللغات. وأما قوله١:
لقد خشيتُ أن أرى جدبا ... ........................
فضرورة.
قلت: وقد لا يحتاج إلى هذا الشرط؛ لأن المنصوب المنون إذا أبدل تنوينه ألفا، لم يكن الحرف الذي قبل الألف موقوفا عليه. بل الموقوف عليه إنما هو الألف، والكلام في أحكام الموقوف عليه.
تنبيه:
لم يؤثر الوقف بالتضعيف عن أحد من القراء إلا عن عاصم، فعنه أنه وقف على قوله تعالى: "مستطر"٢ في القمر -بالتشديد- والله أعلم.
ثم أشار إلى النقل بقوله:
........ وحركات انقلا ... لساكن تحريكه لن يُحظلا
النقل: تحويل حركة "الحرف"٣ إلى الساكن قبلها، وذكر له ثلاثة شروط:
стр. 1434
الأول: أن يكون الساكن لا يمتنع تحريكه، احترازا من أن يكون ألفا نحو دار، فإن الألف لا تقبل الحركة.
واعترض بأن ذلك يقتضي جواز نقل الحركة إلى الواو والياء، وليس كذلك، بل لا يجوز النقل إليهما، وإن كانا حرفي لين؛ لاستثقال الحركة عليهما.
فالأول أن يقال: شرطه أن يكون حرف علة.
قلت: لا يرد هذا عليه؛ لأن قوله: "لن يحظلا" لا يختص بالمتعذر، بل المراد: الساكن لن يمتنع تحريكه إما لتعذره كالألف أو لغير ذلك، فيشمل الواو والياء ويشمل الحرف المدغم نحو الجد، فإنه يمتنع تحريكه؛ لأن تحريكه يلزم منه فكه، وهو ممتنع في غير الضرورة.
والثاني: ألا تكون الحركة فتحة على غير همزة عند البصريين، وإلى هذا أشار بقوله:
ونقل فتح من سوى المهموز لا ... يراه بصري وكوف نقلا
لا يجوز عند البصريين نقل الفتحة من غير همزة، فلا يقال: رأيت البكر؛ لأن المفتوح إن كان منونا لزم من النقل فيه حذف ألف التنوين، وحمل عليه غير المنون.
وقيل: لأنهم لو نقلوا في الوقف وسكنوا في الوصل، لكان ذلك كأنه إسكان فعل -المفتوح- وهو لا يجوز وليس بظاهر، وأجاز الكوفيون نقل الفتحة من غير همزة.
فيقولون: رأيت البكر، ونقل الجرمي أنه أجاز ذلك، وعن الأخفش أنه أجاز ذلك في المنون على لغة من قال: رأيت عمرو.
وأشار بقوله: "من سوى المهموز" إلى أن المهموز يجوز نقل حركته، وإن كانت فتحة.
فتقول: رأيت الخبأ والردأ والبطأ، في: رأيت الخبء والردء والبطء١. وإنما
стр. 1435
اغتفر ذلك في الهمزة لثقلها، وإذا سكن ما قبل الهمزة الساكنة كان النطق بها أصعب.
الثالث: ألا يوجب عدم النظير في غير المهموز، وإلى هذا أشار بقوله:
والنقل إن يُعدم نظير ممتنع ... وذاك في المهموز ليس يمتنع
فعلم بذلك أنه لا يجوز نقل ضمة مسبوقة بكسرة ولا كسرة مسبوقة بضمة، فلا يجوز النقل في نحو "هذا بشر" لما يلزم من بناء فعل، وهو مفقود، ولا في نحو: "انتفعت بقفل" لما يلزم من بناء فعل وهو مهمل في الأسماء أو نادر، هذا في غير المهموز.
أما المهموز فيجوز فيه النقل، وإن أدى إلى عدم النظير لما تقدم التنبيه عليه من استثقال الهمزة، فتقول: هذا ردء ومررت بكفء.
تنبيهات:
الأول: لجواز النقل شرط رابع، وهو أن يكون المنقول منه صحيحا، فلا ينقل من نحو غزو.
الثاني: إذا نقلت حركة الهمزة حذفها الحجازيون واقفين على حامل حركتها كما يوقف عليه مستبدا بها؛ فيقولون: "هذا الخب" بالإسكان والروم والإشمام، وغير ذلك بشروطه، وأما غير الحجازيين فلا يحذفها، بل منهم من يثبتها ساكنة، نحو: "هذا البُطؤ، ورأيت البُطَأ، ومررت بالبطئ"، ومنهم من يبدلها بمجانس الحركة المنقولة؛ فيقول: "هذا البطو، ورأيت البطا، ومررت بالبطي".
وبعض بني تميم يفرون من هذا النقل الموقع في عدم النظير إلى الإتباع١ فيقولون: هذا ردئ مع كفؤ، وبعضهم يتبع ويبدل الهمزة بعد الإتباع، فيقولون: هذا ردي مع كفو.
وقد تبدل الهمزة بمجانس حركتها بعد سكون باق فتقول: هذا البطو، ومررت بالبطي.
стр. 1436
وأما في النصب فيلزم فتح ما قبلها، وقد يبدلونها كذلك بعد حركة، فيقولون: هذا الكلو مررت بالكلي، وأهل الحجاز يقولون: "الكلا" في الأحوال كلها.
الثالث: الذي يظهر في حركة النقل أنها الحركة التي في الحرف الأخير نقلت إلى الساكن، ونص على ذلك قوم من النحويين، وقال أبو البقاء العكبري: لا يريدون أنها حركة إعراب صيرت على ما قبل الحرف؛ إذ الإعراب لا يكون قبل الطرف، إنما يريدون أنها مثلها.
الرابع: نقل في الكافية وغيرها أن الوقف بالنقل إلى متحرك لغة لخمية، وأنشد١:
من يأتمر للخير فيما قصده ... تُحمد مساعيه ويعلم رشده
فنقل حركة الهاء إلى الدال، وهي متحركة، قيل: ويحتمل أن يكون أصله قصدوه، بواو الجمع حملا على معنى من، ثم حذف الواو اكتفاء بالضمة كقوله٢:
стр. 1437
فلو أن الأطبا كان حولي ... .......................
فإن كان مستنده في إثبات هذه اللغة هذا البيت، فلا حجة فيه.
الخامس: لم يؤثر الوقف بالنقل عن أحد من القراء إلا ما روي عن أبي عمرو أنه وقف على قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ١ -بكسر الباء.
وفي الوقف تا تأنيث الاسم ها جُعل ... إن لم يكن بساكن صح وُصل
واحترز بالتأنيث من تاء لغيره، فإنها لا تغير، وشذ قول بعضهم: قعدنا على الفراه، وبالاسم من تاء الفعل "نحو قامت"٢ فإنها لا تغير، وبعدم الاتصال بساكن صحيح من تاء بنت وأخت ونحوهما فإنها لا تغير.
وشمل كلامه ما قبله متحرك نحو رحمة، وما قبله ساكن غير صحيح، ولا يكون إلا ألفا نحو الحياة، والأعرف في هذين إبدال التاء هاء في الوقف.
وإنما جعل حكم الألف حكم المتحرك؛ لأنها منقلبة عن حرف متحرك.
وقل ذا في جمع تصحيح وما ... ضاهَى وغير ذين بالعكس انتمى
أي: وقل جعل التاء هاء في جمع تصحيح المؤنث نحو الهندات، وما ضاهاه، مما جمل عليه كالبنات والأخوات وأولات.
стр. 1438
فالأعرف في ذلك سلامة التاء، وقد سمع إبدالها في قول بعضهم: "دفن البناه من المكرماه" ١ و"كيف بالإخوة والأخواه؟ ".
قال في شرح الكافية: وأشرت بقولي: وما ضاهاه -إلى هيهات، وأولات، فإنه يوقف عليهما بالتاء كثيرا وبالهاء قليلا.
تنبيهات:
الأول: نقل بعضهم أن الوقف على جمع التصحيح والملحق به بالهاء لغة طيئ، وقال في الإفصاح: شاذ لا يقاس عليه.
الثاني: إذا سمي بهيهات على لغة من أبدل فهي كطلحة تمنع من الصرف للعلمية والتأنيث. وإذا سمي به على لغة من لم يبدل فهي كعرفات يجري فيها وجوه جمع المؤنث السالم إذا سمي به.
وقوله: "وغير ذين بالعكس" إشارة إلى جمع التصحيح ومضاهيه، يعني: أن غيرهما يقل فيه سلامة التاء بعكسهما سواء كان مفردا كمسلمة، أو جمع تكسير كغلمة، ومن إقرارها تاء قول بعضهم: يأهل سورة البقرتْ، فقال مجيب: ما أحفظ منها ولا آيتْ.
وأكثر من وقف بالتاء يسكنها ولو كانت منونة منصوبة، وتقدم هذا أول الباب، وعلى هذه اللغة رسمت مواضع من القرآن، وهي معروفة.
وقِفْ بها السكت على الفِعْل المعل ... بحذف آخر كأَعْطِ من سأل
من "خواص"٢ الوقف، زيادة هاء السكت، وأكثر ما تزاد بعد شيئين:
أحدهما: الفعل المعل المحذوف الآخر جزما نحو: "لم يعطه" أو وقفا نحو: "أعطه".
стр. 1439
والثاني: "ما" الاستفهامية إذا جرت بحرف نحو "على مه" أو باسم نحو "اقتضاء مه".
ولحاقها لكل من هذين النوعين واجب وجائز؛ أما الفعل المحذوف الآخر فقد نبه عليه بقوله:
وليس حتما في سوى ما كع أو ... كيع مجزوما فراعِ ما رَعَوْا
يعني: أن الوقف بها السكت على الفعل المعل بحذف الآخر ليس واجبا في غير ما بقي على حرف واحد أو حرفين أحدهما زائد:
فالأول: نحو "عِهْ" أمر من وَعَى يَعِي، ونحو "رَهْ" أمر من رأى يرى.
والثاني: "لم يَعِهْ، ولم يَرَهْ"؛ لأن حرف المضارعة زائد، فزيادة هاء السكت في ذلك واجبة؛ لبقائه على أصل واحد.
فإن قلت: مقتضى تمثيله أن ذلك إنما يجب في المحذوف الفاء نحو: عِ ويع.
قلت: محذوف العين كمحذوف الفاء في ذلك؛ لأن العلة واحدة، وإنما أراد بالتمثيل التنبيه على ما بقي على حرف واحد أو حرفين أحدهما زائد كما سبق.
فإن قلت: فهل تجب زيادة الهاء في قولهم: تقي يتقى في معنى اتقى يتقي "لأن تقي"١ محذوف الفاء؛ لأن أصله أوتقى يوتقى؟
قلت: ظاهر التسهيل الوجوب؛ لأنه جعل الضابط أن تحذف فاؤه أو عينه، ويتقي محذوف الفاء، وظاهر قوله في شرح الكافية: ويجب إلحاق هذه الهاء في الوقف على ما كان من الأفعال على حرف واحد أو حرفين؛ أحدهما: زائد لأن زيادة الهاء لا تجب في نحو لا يتق؛ لأنه على ثلاثة أحرف، ولكن الأمر يندرج في كلامه؛ لأنه على حرفين؛ أحدهما زائد.
وقال الشيخ أبو حيان: لم نجد لأحد من النحويين نصا على الوقوف على هذه الكلمة، والذي يقتضيه النظر عندي أن يكون الوقف بالهاء اختيارا لا
стр. 1440
وجوبا؛ لأنه وإن حذفت فاؤه، فإن تاء الافتعال لازمة للفعل، وهذا الحذف عرض شاذ، وليس بمطرد فلا يلتفت إليه.
وما في الاستفهام إن جُرت حُذف ... ألفها............................
واحترز بالاستفهامية عن الموصولة والشرطية نحو: "مررت بما مررت به وبما تفرح أفرح" فإنهما "لا تحذف"١ ألفهما.
وزعم المبرد: أن حذف ألف ما الموصولة ليس لغة، ونقله أبو زيد أيضا، وقال أبو الحسن في الأوسط: وزعم أبو زيد أن كثيرا من العرب يقولون: "سلْ عمَّ شئت" كأنهم حذفوا لكثرة استعمالهم إياه.
وشمل قوله: "إن جرت" أن تجر بالحرف نحو: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ٢ أو بالاسم نحو: "قراءة م تقرأ" وقوله: "حذف ألفها" يعني وجوبا، وسبب الحذف إرادة التفرقة بينها وبين الموصولة والشرطية، وكانت أولى بالحذف لاستقلالها بخلاف الشرطية، فإنه متعلقة بما بعدها، وبخلاف الموصولة فإنها والصلة اسم واحد.
وقوله:
وأولها الهاء إن تقف
يعني: جوازا، إن جرت بحرف نحو "عمه" ووجوبا إن جرت باسم نحو "اقتضاء مه"؛ ولهذا قال:
وليس حتما في سوى ما انحفضا ... باسم كقولك اقتضاء م اقتضى
أي: وليس إيلاؤها الهاء واجبا في سوى المجرورة بالاسم، وقد مثله، وعلة ذلك أن الجار الحرفي كالجزء؛ لاتصاله بها لفظا وخطا، بخلاف الاسم؛ فوجب إلحاق الهاء للمجرورة بالاسم لبقائها على حرف واحد.
فإن قلت: قد علم أن اتصال الهاء بالمجرورة بالحرف ليس بواجب، فهل هو راجح أو مرجوح؟
قلت: نقل النحويون أنه راجح، قالوا: وهو الأفصح والأكثر، وإنما وقف أكثر القراء بغير هاء إتباعا للرسم.