إن وأخواتها:
لإن أن ليت لكل لعل ... كأن عكس ما لكان من عمل
يعني: أن "كان" ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهذه الأحرف تنصب الاسم وترفع الخبر خلافا للكوفيين في قولهم إن الخبر باق على رفعه، وبعض العرب ينصب بهذه الأحرف الجزأين معا، وحكى ابن السيد١ أن ذلك لغة٢.
وأما معاني هذه الأحرف "فإن وأن" للتوكيد, "ولكن" للاستدراك، وليست مركبة على الأصح, "وليت" للتمني, ويكون في الممكن والمستحيل ولا يكون في الواجب، "لعل" للترجي في المحبوب والإشفاق في المكروه، ولا يكون إلا في الممكن, ولا تكون للتعليل٣ ولا للاستفهام٤، ولا للشك عند البصريين خلافا لمن قال بذلك٥، وليست مركبة على الأصح٦.
و"كأن" للتشبيه ولا تكون للتحقيق ولا للتقريب، ولا للظن٧, خلافا لمن قال بذلك، وهي مركبة من "كاف" التشبيه، "وأن" قيل: بلا خلاف، وليس بصحيح٨ بل "قيل"٩ ببساطتها.
стр. 492
ثم مثل بقوله:
كإن زيدا عالم بأني ... كفء ولكن ابنه ذو ضغن
وتمثيل البواقي سهل، قال:
وراع ذا الترتيب إلا في الذي ... كليت فيها أو هنا غير البذي
الإشارة إلى تقديم الاسم وتأخير الخبر.
يعني: أنه لا يجوز تقديم خبرها على اسمها لضعفها إلا إذا كان ظرفا نحو "ليت هنا غير البذي" أو مجرورا نحو "ليت فيها غير البذي".
وإنما جاز تقديم الظرف والمجرور للتوسع فيهما، ولأنهما في الحقيقة ليسا بالخبر بل معمولاه.
قال في العمدة١: ويجب أن يقدر العامل في الظرف بعد الاسم كما يقدر الخبر وهو غير ظرف.
ثم قال:
وهمز إن افتح لسد مصدر ... مسدها وفي سوى ذاك اكسر
"إن" المكسورة أصل، والمفتوحة فرعها على أصح الأقوال، فلذلك يستدام كسرها ما لم تؤول هي ومعمولها بمصدر فتفتح وجوبا إن لزم التأويل نحو "بلغني أنك فاضل" أي: فضلك، وجوازا إن لم يلزم, وذلك في مواضع ستأتي.
وقد نبه "على مواضع"٢ الكسر فقال:
فاكسر في الابتدا......
يعني: في ابتداء الكلام حقيقة نحو: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ٣ أو حكما نحو: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ٤.
ثم قال:
...... وفي بدء صله
стр. 493
يعني: أول صلة موصول كقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ﴾ ١ واحترز بالبدء من نحو: "جاء الذي في ظني أنه فاضل".
ثم قال:
وحيث إن ليمين مكمله
يعني: إذا وقعت جواب قسم مطلقا مع "اللام" أو دونها نحو: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ٢ ونحو: ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ ٣.
فإن قلت: فقد ذكر بعد هذا جواز الفتح والكسر "بعد"٤ اليمين إذا لم توجد "اللام" فيكون إطلاقه هنا مقيدا بما بعد كما قال بعضهم.
قلت: الصحيح وجوب كسرها إذا وقعت جواب القسم مطلقا، فإطلاقه صحيح ولا يعارضه إجازته للوجهين بعد؛ لأن من فتح لم يجعلها جوابا، وسيأتي بيانه٥.
ثم قال:
أو حكيت بالقول......
مثاله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ ٦: فإن سيقت بعد القول للتعليل فتحت، لأنها غير محكية نحو: "أخصك بالقول أنك ذكي" أي لأنك "ذكي"٧ وعنه احترز بقوله "حكيت".
واحترز أيضا من القول "المضمن"٨ معنى الظن، فإنه يجوز بعد الفتح والكسر. بقوله:
أتقول إنك بالحياة ممتع٩ ... ...............................
стр. 494
فمن فتح جعل القول عاملا و"إن" غير محكية، ومن كسر حكى به، لأن الحكاية بالقول مع استيفاء شروط إجرائه مجرى الظن جائزة.
ثم قال:
أو حلت محل حال.....
يعني: مع واو، ونحو قوله "كزرته وإني ذو أمل" أو دون "واو" كقوله تعالى: ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ ١.
وكسروا من بعد فعل علقا ... باللام كاعلم إنه لذو تقى
حق أن بعد أفعال القلوب أن تفتح ما لم يعلق الفعل باللام فيجب كسرها نحو: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ ٢، وكقوله "اعلم إنه لذو تقى" فلولا اللام لفتحت, فهذه ستة مواضع يجب "فيها"٣ كسرها.
وزاد المصنف في غير هذا الكتاب سابعا، وهو أن تقع خبر اسم عين٤ نحو: "زيد أنه فاضل".
стр. 495
وزاد غيره ثامنا وهو بعد "حيث"١.
"قال وقد أولع عوام الفقهاء بالفتح بعدها".
قلت٢: "ويتخرج على مذهب الكسائي"٣.
ثم انتقل إلى مواضع الوجهين فقال:
بعد إذا فجاءة أو قسمِ ... لا لام بعده بوجهين نمي
مثال ذلك بعد "إذا" قول الشاعر:
وكنت أرى زيدا كما قيل سيدا ... إذا أنه عبد القفا واللهازم٤
يروى بالكسر على عدم التأويل، وبالفتح على تأويل أن "ومعموليها"٥ بمصدر مرفوع بالابتداء والخبر محذوف.
стр. 496
قال المصنف: والكسر أولى؛ لأنه لا يحوج إلى تقدير.
قلت: وذهب قوم إلى أنها هي الخبر، وعلى هذا فلا تقدير في الفتح أيضا فيستوي الوجهان.
ومثال ذلك بعد القسم قول الشاعر:
أو تحلفي بربك العلي ... أني أبو ذيالك الصبي١
يروى بالكسر على جعل أن جواب القسم "وبالفتح على تأويل أن بمصدر معمول لفعل القسم"٢ بإسقاط الخافض. أي: على أني.
وقد اتضح بهذا: أن من فتح لم يجعلها الجواب، وذلك لأن الفتح متوقف على كون المحل "معنيا"٣ فيه المصدر عن "أن" وصلتها، وجواب القسم ليس كذلك؛ فإنه لا يكون إلا جملة٤.
стр. 497
قال في شرح التسهيل: فإن ورد الفتح في جواب قسم حكم بشذوذه، "وحمل"١ على إرادة "على".
فإن قلت: فهل يجوز الفتح في نحو: "والله إن زيدا قائم"؟
قلت: قد حكى عن الكوفيين تفضيله على الكسر "في"٢ هذا المثال وعن بعضهم تفضيل الكسر عليه.
ومذهب البصريين أن الكسر لازم، وهو الصحيح٣.
قال ابن خروف: لم يسمع فتحها بعد اليمين "ولا"٤ وجه له، وهو كما قال: وشبهة من أجاز الفتح في المثال المذكور ونحوه سماع الفتح في نحو "حلفت أن زيدا قائم".
فكما جاز الفتح مع التصريح بالفعل "كذلك"٥ يجوز مع تقديره؛ لأن الفعل مقدر في المثال المذكور ونحوه.
قيل: وذلك غلط؛ لأن من فتح بعد "حلفت"٦ لم يجعلها قسما بل إخبارا عن قسم، ولا يتصور ذلك في حلفت المضمرة؛ لأن العرب لا تضمر حلفت وتريد بها غير القسم.
ثم كمل مواضع الوجهين فقال: مع تلو فا الجزا.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ ٧ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٨ الفاء جواب قوله من عمل، وقد قرئ بالوجهين فالكسر على جعل ما بعد الفاء جملة تامة, والفتح على
стр. 498
تقديرها بمصدر هو خبر مبتدأ محذوف. أي: فجزاؤه "الغفران"١ أو مبتدأ وخبره محذوف. والكسر أحسن في القياس.
قال المصنف: ولذلك لم يجئ الفتح في القرآن إلا مسبوقا "بأن" المفتوحة.
.......................... وذا يطرد ... في نحو خير القول أني أحمد
فالكسر على تقدير: "أول قول أفتتح به هذا المفتتح أني، والفتح على تقدير"٢ أول قولي حمد الله.
فعبارة الفتح تصدق على كل لفظ تضمن حمدا، وعبارة الكسر لا تصدق على حمد بغير هذا اللفظ الذي أوله "إني" وقد قيل: في وجه الكسر غير هذا، وما ذكرته هو التحقيق.
وضابط ما يجوز فيه الوجهان من هذا النوع أن تقع "إن" خبر قول "ويكون"٣ خبرها قولا فلو كان غير قول تعين الكسر نحو: "أول قولي إنك ذاهب".
ثم قال:
وبعد ذات الكسر تصحب الخبر ... لام ابتداء نحو إني لوزر
دخول هذه "اللام" بعد "إن" المكسورة متفق عليه، وأجاز بعضهم دخولها بعد المفتوحة، وحكى عن المبرد، وهو خلاف شاذ، وما سمع منه محمول على الزيادة٤.
وأجاز الكوفيون: دخولها بعد "لكن" وما احتجوا به متأول٥.
وقوله "لام ابتداء" يعني أن هذه اللام هي لام الابتداء، وإنما أخرت إلى الخبر كراهة الجمع بين حرفين لمعنى واحد خلافا لمن قال: هذه غير تلك.
стр. 499
وقوله: "تصحب الخبر" مقيد بقوله:
ولا يلي ذا اللام ما قد نفيا ... ولا من الأفعال ما كرضيا
والخبر ضربان: مثبت ومنفي.
فالمنفي لا تدخل عليه اللام إلا نادرا كقوله:
وأعلم إن تسليما وتركا ... للا متشابهان ولا سواء١
والمثبت إما أن يكون ماضيا متصرفا عاريا من "قد" أو غيره، فإن كان ماضيا متصرفا عاريا من "قد" لم تدخل اللام عليه، فإن وجد مثل: "إن زيدا لقام"، فاللام لام القسم.
"وكذلك"٢ لو تقدم "على"٣ "أن" ما يقتضي فتحها لفتحت مع هذه اللام نحو: "علمت أن زيدا لقام"، وإن كان غير ذلك دخلت اللام "عليه"٤.
فتدخل على الخبر المفرد نحو: "إن زيدا لقائم" والفعل المضارع نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ ٥ والجملة الاسمية نحو: "إن زيدا لأبوه فاضل" والماضي غير
стр. 500
المتصرف نحو: "إن زيدا لنعم الفتى" والمتصرف المقرون بقد نحو "إن زيدا لقد قام".
وإلى هذا أشار بقوله:
وقد يليها مع قد كإن ذا ... لقد سما على العدا مستحوذا
وإنما جاز دخولها عليه مع "قد"؛ لأن "قد" تقرب الماضي من الحال خلافا لخطاب الماوردي١ في منعه دخولها مع "قد" فإذا وجد "إن زيدا لقد قام" فهي عنده لام القسم٢.
ثم أشار إلى بقية مواضع اللام بقوله:
وتصحب الواسط معمول الخبر ... والفصل واسما حل قبله الخبر
يعني: أن هذه "اللام" يجوز دخولها على معمول الخبر المتوسط بينه وبين الاسم نحو: "إن زيدا لطعامَك آكلٌ".
وشرطه: أن يكون الخبر صالحا لها، فلو كان ماضيا متصرفا عاريا من "قد" لم تدخل "عليه"٣ نحو: "إن زيدا عمرا ضرب" لأن دخولها على المعمول فرع دخولها على الخبر، خلافا للأخفش, وتدخل أيضا على الضمير المسمى بالفصل, كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ ٤.
وعلى الاسم إذا تأخر عن الخبر نحو: "إن في الدار لزيدا" وإنما يصح ذلك إذا كان الخبر ظرفا أو مجرورا، لأنه لا يتقدم إن كان غيرهما وإنما اشترط في دخولها "على الخبر"٥ مشروطا أيضا بأن يتأخر ولم ينبه عليه.
стр. 501
قلت: اشتراط ذلك في الاسم منبه على اشتراطه في الخبر، إذ العلة واحدة. ثم قال:
ووصل ما بذي الحروف مبطل ... إعمالها وقد يُبَقَّى العمل١
إذا اتصلت "ما" الزائدة بهذه الأحرف ففيه وجهان:
أحدهما: أن تكون كافة فتبطل عملها نحو: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢.
والثاني: أن تجعل ملغاة فيبقى العمل لعدم الاعتداد بها, وهذا مسموع في "ليت"٣ وقد حكي في "إنما" وأجازه ابن السراج "والزجاج"٤ قياسا في سائرها ووافقهم المصنف، ولذلك أطلق في قوله: "وقد يبقى العمل".
ومذهب سيبويه٥ جواز الوجهين في "ليت" خاصة٦، ومنع الثاني في سائر أخواتها؛ لأن "ما" قد أزالت اختصاصها بالأسماء بخلاف ليت فإنها باقية على اختصاصها، ولذلك ذهب بعض النحويين إلى وجوب الإعمال في "ليتما" وبهذا يبطل قوله في شرح التسهيل: يجوز إعمالها وإهمالها بإجماع. ثم قال:
وجائز رفعك معطوفا على ... منصوب إن بعد أن تستكملا
بمعنى أنه يجوز رفع المعطوف على اسم "إن" المكسورة بشرط أن تستكمل خبرها ويكون المعطوف بعد الخبر نحو: "إن زيدا ذاهب وعمرو" والنصب هو الوجه الظاهر.
ولذلك قال: "وجائز رفعك".
стр. 502
ففهم أن النصب هو الأصل، فإن عطفت قبل الخبر تعين النصب خلافا للكسائي في إجازته الرفع قبل الخبر مطلقا، والفراء في إجازة ذلك بشرط خفاء إعراب الاسم١.
ثم قال:
وألحقت بإن لكن وأن ... من دون ليت ولعل وكأن
أي: ألحقت "لكن وأنَّ المفتوحة" بإن المكسورة، في جواز رفع المعطوف على اسمها بعد الخبر نحو: "لكنَّ زيدا قائم وعمر"، و"علمت أنَّ زيدا قائم وعمرو".
أما إلحاق "لكنَّ" بها فمتفق عليه، وأما إلحاق "أنَّ" المفتوحة، فمنعه بعض وأجازه بعض. قال في التسهيل: وأن في ذلك كإن على الأصح. ا. هـ٢. فأطلق كما أطلق هنا، وقيد ذلك في شرحه بأن يتقدمها على كقوله:
وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق٣
стр. 503
أو معناه كقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ١، ٢ وهذا هو الصحيح.
لأن "أنَّ" ههنا وما عملت فيه بتأويل الجملة فصح أن يعطف على محلها كالمكسورة.
وقوله:
من دون ليت ولعل وكأن
يعني: أنه لا يجوز في المعطوف على اسم هذه الثلاثة إلا النصب، ولا يجوز الرفع لا قبل الخبر ولا بعده؛ لأن معنى الابتداء قد يغير بدخولها بخلاف "إن وأن ولكن" فإنها لا تغير معناه, أجاز الفراء الرفع مع الستة بعد الخبر مطلقا وقبله بشرط خفاء إعراب الاسم.
وتلخيص هذه المسألة أن نصب المعطوف بعد الخبر وقبل الخبر جائز في الجميع.
وأما رفعه فيجوز بعد الخبر لا قبله في "إنّ ولكنّ" باتفاق. "وأنّ" بعد العلم أو ما في معناه على المختار.
فإن قلت: قد ورد الرفع قبل الخبر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ ٣.
قلت: حمل سيبويه٤ هذه الآية، وما أوهم العطف قبل التمام على التقديم والتأخير.
стр. 504
قال المصنف: وأسهل منه تقدير خبر قبل العاطف، مدلول عليه بخبر ما بعده١.
فإن قلت: ما وجه رفع المعطوف على اسم إن وما ألحق بها؟
قلت: مذهب المحققين: أنه مبتدأ محذوف الخبر، لدلالة خبر "إن" عليه، وهو من عطف الجمل لا من عطف المفردات، وقد أوضح ذلك في شرح التسهيل.
فإن قلت: ظاهر قوله:
وجائز رفعك معطوفا على ... منصوب إنَّ..................
يخالف ما ذكرته.
قلت: تجوز في تسميته معطوفا على الاسم؛ لأن صورته صورة المعطوف.
ثم قال:
وخففت إن فقل العمل
إهمالها: إذا خففت هو القياس؛ لزوال اختصاصها، وإعمالها ثابت بنقل سيبويه٢.
ومنه: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ ٣.
ثم قال:
وتلزم اللام إذا ما تهمل
علة لزومها الفرق بين "إنْ" المخففة و"إن" النافية، وتسمى هذه اللام الفارقة.
فإن قلت: هل هي لام الابتداء أم غيرها؟
قلت: مذهب سيبويه٤ أنها لام الابتداء ألزمت للفرق وهو اختيار المصنف وهو مفهوم من قوله هنا "وتلزم اللام" يعني اللام المتقدم ذكرها بعد المشددة.
стр. 505
وذهب الفارسي إلى أنها غيرها١ ثم قال:
وربما استغنى عنها إن بدا ... ما ناطق أراده معتمدا
مثال ذلك قول الشاعر:
أنا ابن أباة الضيم من آل مالك ... وإن مالك كانت كرام المعادن٢
ثم قال:
والفعل إن لم يك ناسخا فلا ... تلفيه غالبا بإن ذي موصلا
إذا خففت "إن" فالغالب "فيها"٣ أن يليها فعل ناسخ للابتداء نحو: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ ٤ ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ ٥ ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ ٦ قال في شرح التسهيل: ولا يكون غالبا إلا بلفظ الماضي.
стр. 506
وأشار بقوله "غالبا" إلى أنه قد يليها فعل غير ناسخ كقوله:
شلت يمينك إن قتلت لمسلما١ ... .........................................
قال الشارح٢ "وأما نحو"٣ ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٤ وقوله: "إن قتلت لمسلما" فقليل، وأقل منه "إن يزينك لنفسك وإن يشينك لهيه"٥.
ثم قال:
وإن تخفف أن فاسمها استكن ... والخبر اجعل جملة من بعد أن
إذا خففت "أن" المفتوحة لم تلغ كما ألغيت "إن"٦ المكسورة.
ولكن ينوى اسمها ولا يلفظ به إلا في ضرورة كقوله:
стр. 507
فلو أنكِ في يوم الرخاء سألتِني ... طلاقَكِ لم أبخل وأنتِ صديق١
"ولكون"٢ عملها لا يظهر غالبا تجوز بعضهم فقال: ألغيت، ومراده ما ذكرت.
وتجوز المصنف في قوله "استكنَّ"؛ لأن الضمير المنصوب لا يستكن، والحرف لا يستكن فيه الضمير وإنما هو محذوف لا مستكن.
وقوله:
والخبر اجعل جملة.....
يشمل الاسمية والفعلية.
أما الاسمية فلا تحتاج إلى فاصل بينها وبين "أن" كقوله:
في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل٣
стр. 508
وأما اللفظية ففيها تفصيل.
فإن كانت مصدرة بفعل دعاء أو بفعل متصرف لم يحتج إلى فاصل مثال الدعاء قوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ ١ ومثال غير المتصرف: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ٢ وإن صدرت بفعل غير هذين غالبا بقد نحو: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ ٣.
أو حرف تنفيس نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ ٤ أو حرف نفي نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ ٥ أو لو نحو: ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا﴾ ٦.
وإلى هذا أشار بقوله: "وإن يكن فعلا ... إلخ".
وأشار بقوله "فالأحسن الفصل"٧ إلى أنه قد يرد غير مفصول. ومنه:
علموا أن يؤملون فجادوا ... قبل أن يسألوا بأعظم سؤل٨
стр. 509
وخصه بعضم بالضرورة.
وأشار بقوله: "وقليل ذكر لو" إلى قلة ذكرها في كتب النحو لا إلى قلة استعمالها في كلام العرب.
ثم قال:
وخففت كأن أيضا فنوى ... منصوبها وثابتا أيضا روى
تخفف "كأن" فلا تلغى "فهي"١ مثل أن المفتوحة، وقد أطلق بعضهم الإلغاء٢ عليها واسمها في الغالب منوي كاسم "أن" ولا يلزم في خبرها أن يكون جملة بل يكون جملة ومفردا.
فمثال كونه جملة:
ووجه مشرق النحر ... كأن ثدياه حقان٣
стр. 510
ومثال كونه مفردا قوله:
............................................ ... كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم١
стр. 511
على رواية الرفع.
وأشار بقوله: وثابتا أيضا روى إلى "كأن ثدييه حقان"، وكأن ظبية في رواية النصب في كلامه في التسهيل يشعر باختصاص ذلك بالشعر.
قال فيه: وقد يبرز اسمها في الشعر.
فإن قلت: قد ذكر المصنف تخفيف "إنّ وأنّ وكأنّ "وسكت عن" لعلّ ولكنّ" فما حكمهما؟
قلت: أما "لعل" فلا تخفف١.
وأما "لكن" فإذا خففت لم٢ تعمل وستأتي في حروف العطف٣.
وأجاز يونس والأخفش إعمالها مخففة قياسا٤.
وقد حكي عن يونس أنه حكاه عن العرب٥.
стр. 512
" لا" التي لنفي الجنس:
قال:
عمل إن اجعل للا في نكره
اعلم أن "لا" حرف مشترك, فأصلها ألا تعمل، وقد أعملت عمل "ليس" تارة وعمل "إن" أخرى.
وإنما تعمل عمل إن بشروط:
الأول: أن يكون اسمها نكرة فلا تعمل في المعارف، وأما نحو:
لا هيثم الليلة للمطي١ ... .............................
فموؤل بنكرة.
الثاني: أن يتصل بها، فلو فصل بطل عملها. قال في التسهيل: بإجماع٢ وفيه خلاف ضعيف.
стр. 513
الثالث: أن يقصد نفي الجنس على سبيل الاستغراق.
فإذا استكملت هذه الشروط عملت عمل "إن" مفردة نحو "لا رجل في الدار" ومكررة نحو "لا حول ولا قوة"١.
ولكن يجب العمل إن أفردت، ويجوز إن كررت.
ثم قال:
فانصب بها مضافا أو مضارعه
اسم "لا" هذه ثلاثة أقسام:
مضاف، ومضارع للمضاف أي: مشابه له ويسمى المطول وهو ما كان عاملا فيما بعده عمل الفعل أو مركبا من معطوف ومعطوف عليه، ومفرد.
فالمضاف ومضارعه منصوبان بها نحو: "لا طالب علم محروم ولا طالعا جبلا ظاهر", والمفرد يأتي حكمه.
ثم قال:
وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه
أي: اذكر "الخبر"٢ بعد نصب الاسم رافعا له "بلا" لأنها تعمل عمل "إن", قال الشلوبين: لا خلاف "في أن رفع الخبر بها"٣ عند عدم تركيبها، فإن ركبت مع الاسم ففيه خلاف.
مذهب الأخفش٤: أنها أيضا رافعة له، وذكر في التسهيل أنه الأصح٥.
ومذهب سيبويه٦: أنه مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخولها، وأنها لم تعمل إلا في الاسم.
стр. 514
وفهم من قوله: "وبعد ذاك".
أن خبرها لا يتقدم على اسمها, وهو واضح١.
ثم انتقل إلى المفرد فقال:
وركب المفرد فاتحا......
سبب بنائه عند سيبويه٢ والجماعة تركيبه مع "لا" كخمسةَ عشرَ.
والمفرد في هذا الباب ما ليس مضافا، ولا شبيها به، فشمل المثنى والمجموع.
ويبنى على ما ينصب به، فإن كان ينصب بالفتحة بني عليها نحو: "لا رجل" أو بالياء فكذلك نحو: "لا غلامين, ولا حامدين لزيد" وإن كان ينصب بالكسرة جاز فيه وجهان:
استصحاب كسرة وفتحة خلافا لابن عصفور في التزام فتحه.
قال المصنف: والفتح أولى. ا. هـ٣، وبالوجهين روي قوله:
............................. ... ..... ولا لذات للشيب٤
стр. 515
وخالف المبرد في نحو "لا غلامين ولا حامدين" فقال هما معربان١ وفي عبارته هنا قصور حيث قال: "فاتحا" بل الصواب على ما ينصب به ليشمل ما فصلناه.
ولو قال: وركب المفرد كالنصب لأجاد، ثم مثل: "كلا حول ولا قوة" ثم بين ما يجوز في هذا المثال ونحوه فقال:
.................. والثان اجعلا ... مرفوعا أو منصوبا أو مركبا
يعني: مع فتح الأول، فإن رفع الأول امتنع نصب الثاني، إذ لا وجه له، وجاز رفعه وتركيبه فلهذا قال:
وإن رفعت أولا تنصبا
فالحاصل خمسة أوجه:
الأول: "لا حولَ ولا قوةَ" بفتحهما على التركيب، والكلام جملتان.
الثاني: لا حولَ ولا قوةَ" بفتح الأول على التركيب ونصب الثاني على موضع اسم "لا" باعتبار عملها، وزيادة "لا" الثانية والكلام جملة واحدة.
الثالث: "لا حولَ ولا قوةٌ" بفتح الأول على التركيب أيضا ورفع الثاني عطفا على موضع "لا" واسمها، فإنهما في موضع رفع بالابتداء، و"لا" الثانية عاملة عمل "ليس" فيكون الكلام جملتين.
стр. 516
الرابع: "لا حول ولا قوة" برفع الأول والثاني، فرفع الأول على وجهين١ "على"٢ الابتداء و"لا" ملغاة أو إعمالها عمل "ليس", ورفع الثاني على وجهين: إعمال "لا" عمل "ليس" وعطفه على الأول.
الخامس: "لا حولٌ ولا قوةَ" برفع الأول على الوجهين وفتح الثاني على التركيب.
ثم قال:
ومفردا نعتا لمبني يلي ... فافتح أو انصبن أو ارفع تعدل
يجوز في نعت اسم "لا" المبني ثلاثة أوجه:
فتحه ونصبه، ورفعه بشرطين: أحدهما أن يكون مفردا، والثاني: أن يتصل بالاسم، ولهذا قال: "يلي" أي: يلي المنعوت فتقول: "لا رجل ظريف" بالفتح على تركيب الصفة مع الموصوف وبالنصب اعتبارا لعمل "لا" وبالرفع اعتبارا لعمل الابتداء.
فلو تفضل عن المنعوت نحو "لا رجل في الدار ظريفا" أو كان غير مفرد أعني: مضافا أو شبيها به نحو "لا رجل طالعا جبلا"٣ امتنع البناء على الفتح وجاز النصب والرفع، وهذا معنى قوله:
وغير ما يلي وغير المفرد ... لا تبن وانصبه أو الرفع اقصد
فإن قلت: هذا حكم نعت المبني, فما حكم نعت العرب؟
قلت: فيه وجهان: الرفع والنصب مطلقا، وقد وهم من منع الرفع.
ثم كمل حكم المعطوف فقال:
والعطف إن لم تتكرر لا احكما ... له بما للنعت ذي الفصل انتمى
يعني: أن المعطوف عطف نسق، إن لم يتكرر معه "لا" جاز رفعه ونصبه كالنعت المفصول.
стр. 517
كقوله:
فلا أبَ وابنًا مثلُ مروانَ وابنِه١ ... .....................................
وحكى الأخفش فتحه على نية "لا" وهو قليل٢.
стр. 518
فإن تكررت "لا" فقد تقدم حكمه.
فإن قلت: قد فهم من كلامه حكم النعت "وحكم"١ النسق فما حكم بقية التوابع؟
قلت: أما البدل الصالح لعمل "لا" وعطف البيان عند من أجازه في النكرات فهما كالنعت المفصول يجوز فيهما الرفع والنصب, فإن كان البدل معرفة تعين رفعه إذ المعرفة لا تصلح لعمل "لا".
وأما التوكيد فقيل لا يدخل في هذا الباب لأن النكرة لا تؤكد.
قلت: إنما يمتنع توكيد النكرة عند البصريين بالتوكيد المعنوي، وأما اللفظي فلا يمتنع.
ثم قال:
وأعط لا مع همزة استفهام ... ما تستحق دون الاستفهام
إذا دخلت الهمزة على "لا" فله أربعة معان:
"أحدها"٢: وهو الأكثر أن تكون للتوبيخ والإنكار كقوله:
ألا طعان ألا فرسان عادية٣ ... ..................................
стр. 519
الثاني: أن تكون لمجرد الاستفهام عن النفي كقوله:
ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد١
стр. 520
وللا مع الهمزة في هذين المعنيين من تركيب وعمل وإلغاء ما لها مجردة من الهمزة.
والثالث: أن تكون للتمني كقوله:
ألا عمر ولي مستطاع رجوعه١ ... .......................................
ولها عند المازني والمبرد في التمني مالها مجردة من جميع الأحكام السابقة.
وذهب الخليل وسيبويه٢ والجرمي ومن وافقهم إلى أنها تعمل في الاسم خاصة، ولا خبر لها, ولا يتبع اسمها إلا على اللفظ، ولا تلغى ولا تعمل عمل "ليس"٣.
стр. 521
والرابع: أن تكون للعرض والتحضيض, فلا يليها حينئذ إلا فعل ظاهر أو مقدر أو معمول فعل مؤخر, ولا تعمل عمل "إن" ولا عمل "ليس" لأنها مختصة بالفعل.
وما ذكره ابن الحاجب من أن التي للعرض تعمل عمل "إن" لم يصح١.
وقد ذهب بعضهم إلى أن التي للعرض ليست مركبة من الهمزة و"لا" النافية بل هي حرف بسيط.
وأما "ألا"٢ "التي"٣ للاستفتاح فهي غير مركبة على الأظهر خلافا لمن قال بتركيبها.
إذا تقرر هذا، فاعلم أن كلام المصنف مناقش من وجهين: أحدهما: أنه أطلق فشمل التي للعرض.
فإن قلت: فلعله يقول بأنها غير مركبة من الهمزة ولا فلم يشملها الإطلاق.
قلت: قد استثناها في الكافية والتسهيل: فدل على أنها عنده "مركبة"٤.
والآخر أن مقتضى كلامه هنا موافقة المازني والمبرد في تسوية التي للتمني بالتي للتوبيخ والإنكار، والتي لمجرد الاستفهام، وهو خلاف ما ذهب إليه في غير هذا الكتاب.
ثم قال:
وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر ... إذا المراد مع سقوطه ظهر
стр. 522
إذا علم خبر "لا" كثر حذفه عند الحجازيين ووجب عند التميميين والطائيين ومن حذفه قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾ ١.
وإن لم يعلم وجب ذكره عند جميع العرب٢، ولذلك قال: "إذَا المراد مع سقوطه ظهر".
ولا فرق بين الظرف وغيره خلافا لمن فصل.
ثم انتقل إلى القسم الثالث من نواسخ الابتداء فقال:
стр. 523
ظن وأخواتها:
انصب بفعل القلب جزأي ابتدا
أفعال هذا الباب قسمان:
قلبي: وهو ما دل على يقين أو ظن أو عليهما، أو غير قلبي: وهو ما دل على تصيير.
وجميعهما تدخل على المبتدأ والخبر فتنصبهما مفعولين وليس كل فعل قلبي يعمل العمل المذكور، فلذلك قال "أعني أرى".
وهو بمعنى: علم. وقد تكون للظن، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ ١ أي: يظنونه ونعلمه.
فإن كانت بصرية أو من الرأي أو بمعنى أصاب رئته، تعدت إلى واحد، وإن كانت علمية فستأتي٢.
ثم قال: "خال" بمعنى ظن، وقد تكون لليقين، فإن كانت بمعنى تكبر أو ظلع. يقال: "ظلع الفرس" إذا غمز في مشيه فهي لازمة.
ثم قال: "علمت" علم اليقين، فإن كانت بمعنى عرف تعدت إلى واحد وستأتي, وإن كانت بمعنى صار "ذا علم"٣ فهي لازمة.
ثم قال: "وجد" بمعنى علم، فإن كانت بمعنى أصاب تعدت إلى واحد وإن كانت بمعنى استغنى أو حزن أو حقد فهي لازمة.
ثم قال: "ظن" لغير المتيقن، وقد تكون بمعنى علم فيما طريقه النظر؛ فإن كانت بمعنى أنهم تعدت إلى واحد وستأتي.
ثم قال: "حسبت" لغير المتيقن، وقد تكون بمعنى علم وهو قليل، فإن كانت من الحسبة -وهي لون- فهي لازمة.
стр. 524
ثم قال: "وزعمت" لغير المتيقن، ومصدرها زَعْم وزُعْم وزِعْم١.
قال السيرافي: الزَّعْم قول يقترن به اعتقاده صح أو لم يصح.
فإن كانت بمعنى كفل أو رأس تعدت إلى واحد تارة بنفسها وتارة بحرف الجر. وإن كانت بمعنى سمن وهزل فهي لازمة.
ثم قال "عد" للظن كقوله:
فلا تعدد المولى شريكك في الغنى٢ ... ...............................................
فإن كانت بمعنى "حسب" من "الحسبان"٣ تعدت إلى واحد.
ثم قال: "حجا" للظن، وهي غريبة ومضارعها يحجو، فإن كانت بمعنى غلب من المحاجاة، أو قصد أو رد، أو ساق أو كتم تعدت إلى واحد، فإن كانت بمعنى أقام أو بخل فهي لازمة.
стр. 525
ثم قال "درى" بمعنى علم، وأكثر ما تستعمل معداة بالباء كقولك "دريت به" فإذا دخلت عليه همزة النقل تعدت إلى واحد بنفسها وإلى ثان بالباء كقوله تعالى: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ ١.
فإن كانت بمعنى ختل تعدت إلى واحد يقال: "درى الذئبُ الصيدَ" إذا استخفى له "ليفترسه"٢.
ثم قال: "وجعل اللذ كاعتقد" كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ ٣ فإن كانت بمعنى صير فستأتي٤، وإن كانت بمعنى أوجد كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ ٥ أو بمعنى "أوجب"٦ كقولهم: "جعلت للعامل كذا" أو بمعنى ألقى كقولهم "جعلت بعض "المتاع"٧ على بعض"، تعدت إلى واحد، وإن كانت للشروع في الفعل فقد تقدمت في أفعال المقاربة.
ثم قال: "هب" بمعنى ظن ولا تستعمل إلا "بلفظ"٨ الأمر كقوله:
فقلت أجرني أبا خالد ... وإلا فهبني امرأ هالكا٩
стр. 526
ثم قال: "تعلم" بمعنى اعلم، ولا تستعمل إلا بصيغة الأمر مثل "هب"، فإن كانت أمرا من تعلمت الحساب "ونحوه"١ تعدت إلى واحد وتصرفت ثم انتقل إلى القسم الثاني، وهو ما دل على تصيير فقال:
................. والتي كصيرا ... أيضا بها انصب مبتدًا وخبرا
أي: والأفعال التي مثل "صير" وهو ما دل على تحويل كصير وأصار وجعل ورد واتخذ ووهب. حكى ابن الأعرابي: "وهبني الله فداك" أي: جعلني. ولا تستعمل إلا بصيغة الماضي.
ثم قال:
وخص بالتعليق والإلغاء ما ... من قبل هب...............
تختص القلبية المتصرفة بالإلغاء والتعليق، ولا "حظ"٢ لهب وتعلم في ذلك لعدم "تصريفهما"٣، ولا لأفعال التصيير، إذ ليست قلبية. "ولذلك"٤. قال: "ما من قبل هب".
وهي أحد عشر فعلا:
والإلغاء هو: ترك العمل لفظا ومعنى لغير مانع، والتعليق ترك العمل لفظا لا معنى لمانع.
стр. 527
فالإلغاء جائز، والتعليق "لازم"١، والمعلق عامل في المحل بخلاف الملغى. تنبيه:
أما اختصاص هذه الأفعال القلبية بالإلغاء فلا إشكال فيه.
وأما التعليق فيشاركهن فيه مع الاستفهام غيرهن من أفعال القلوب نحو: "عرف ونظر وتفكر", وكذلك "سأل وأبصر" وما بمعناهما.
وقوله:
....... والأمر هب قد ألزما ... كذا تعلم.............
يعني: أنهما ألزما صيغة الأمر, فلا يستعمل بهما ماض ولا مضارع لعدم تصريفهما.
وقوله:
............. ولغير الماض من ... سواهما اجعل كل ماله زكن
يعني: أن غير الماضي كالمضارع والأمر من سوى "هب وتعلم" يعمل عمل الماضي, فينصب المفعولين ويجوز فيه الإلغاء والتعليق ولهذا قال: "كل ماله زكن".
أي: كلما علم للماضي من الأحكام.
وقوله:
وجوز الإلغاء لا في الابتدا
فهم من قوله: "وجوز" أن الإلغاء ليس بواجب بل جائز، ولما كان جوازه مشروطا بتوسط الفعل أو تأخره قال: "لا في الابتدا" فشمل ثلاث صور:
الأولى: أن يتأخر عن المفعولين نحو: "زيد قائم ظننت" فهذه يجوز فيها الإلغاء والإعمال، والإلغاء أرجح.
الثانية: أن يتوسط بين المفعولين نحو: "زيد ظننت قائم" فهذه يجوز فيها الأمران على السواء. وقيل: الإعمال أرجح.
الثالثة: أن يتقدم على المفعولين ولا يبتدأ به بل يقدم عليه شيء نحو: "متى ظننت زيد فاضل" فهذه يجوز فيها الأمران، والإعمال أرجح، خلافا لمن منع الإلغاء.
стр. 528
فإن تقدم الفعل على المفعولين ولم يتقدمه شيء, فمذهب البصريين أنه يمتنع الإلغاء، وهو مفهوم قوله: "لا في الابتدا".
وذهب الكوفيون والأخفش إلى جوازه، لكن الإعمال عندهم أرجح، وقد أجازه في التسهيل بقبح١ وقال في شرحه: حكم سيبويه "بقبح"٢ إلغاء المتقدم نحو: "ظننت زيد قائم" وبتقليل قبحه بعد معمول الخبر نحو: "متى ظننت زيد "قائم"؟ "٣, وفي درجته الإلغاء في نحو "زيد أظن أبوه قائم".
ثم قال:
وانو ضمير الشان أو لام ابتدا ... في موهم إلغاء ما تقدما
يعني: أنه إذا ورد ما يوهم الإلغاء للمتقدم نحو: "ظننت زيد قائم" وجب عند من منع إلغاءه تأويله على أحد تأويلين:
الأول: نية ضمير الشأن فيكون هو المفعول الأول والجملة بعده هي المفعول الثاني وعلى هذا يكون الفعل باقيا على عمله.
والثاني: نية لام الابتداء المعلقة، ويكون التقدير: "ظننت لزيد قائم"، والفعل على هذا معلق، وعلى هذا حمل سيبويه قوله:
.................................... ... وإخال أنِّي لاحق مستتبع٤
стр. 529
بالكسر على تقدير: أني للاحق.
ومن أجاز إلغاء المتقدم لم يحتج إلى تأويل ذلك.
قال في شرح التسهيل: وتقدير ضمير الشأن أو اللام المعلقة في نحو: "ظننت زيد قائم" أولى من الإلغاء. ا. هـ١.
ومن منع الإلغاء في نحو: "متى ظننت زيد قائم" حمل ما أوهم ذلك على أحد التأويلين أيضا كقوله:
......................................... ... أني رأيت ملاك الشيمة الأدب٢
ثم انتقل إلى التعليق فقال:
والتزم التعليق قبل نفي ما
стр. 530
فعلم من قوله "والتزم" أن التعليق لازم بخلاف الإلغاء.
ثم ذكر المعلقات وهي ستة: "ما" النافية، كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ١.
"وإن" أختها كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلَا﴾ ٢ "ولا" النافية، ذكره النحاس، ومن أمثلة ابن السراج "أحسب لا يقوم زيد" ولم يعدها المغاربة من المعلقات.
"ولام" الابتداء. نحو: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ ٣ على أظهر الأوجه و"لام" القسم: نحو:
ولقد علمت لتأتين منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها٤