والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لوجهين:
أحدهما: قولهم: "نعم رجلا أنت" و"بئس رجلا هو", فلو كان فاعلا لاتصل بالفعل.
والثاني: قولهم: "نعم رجلا كان زيد", فأعملوا فيه الناسخ.
قوله:
وجمع تمييز وفاعل ظهر ... فيه خلاف عنهُمُ قد اشتهر
في الجمع بين التمييز والفاعل الظاهر ثلاثة مذاهب:
المنع وهو مذهب سيبويه، إذ لا إبهام يرفعه التمييز.
والجواز وهو مذهب المبرد وابن السراج والفارسي.
قال المصنف: وهو الصحيح، واستدل بالقياس والسماع.
فالقياس أن التمييز قد ورد مؤكدا, لا لرفع الإبهام في نحو قوله١:
ولقد علمتُ بأن دين محمد ... من خير أديان البريّة دينا
فلا يمتنع مع الفاعل الظاهر للتوكيد "لا لرفع الإبهام"٢.
стр. 877
والسماع قوله١:
تزود مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك زادا
وقول الآخر٢:
والتغلبيون بئس الفحل فحلهم ... فحلا............
стр. 878
وقول الآخر١:
نعم الفتاةُ فتاةً هندُ لو بذلت ... رد التحية نطقا أو بإيماء
وحكي من كلام العرب: "نعم القتيلُ قتيلًا أصلح بين بكر وتغلب"٢.
وهذا وارد في الاختيار.
وتأول المانع السماع. أما فحلا وفتاة وقتيلا فحال مؤكدة، وأما زادا فمصدر محذوف الزوائد، أو مفعول به "وقيل"٣: حال.
стр. 879
قال الشيخ أبو حيان: وعندي تأويل أقرب من هذا، وذلك أن يدعى أن في نعم وبئس ضميرا، وفحلا وفتاة وزادا تمييز تأخر عن المخصوص، وفحلهم وهند وزاد أبيك إبدال.
والمذهب الثالث التفصيل، فإن أفاد التمييز معنًى لا يفيده الفاعل جاز نحو: "نعم الرجل رجلًا عالمًا" ومنه في الأثر: "نعم المرءُ من رجل لم يطأ لنا فراشا, ولم يفتش لنا كنفا منذ أتانا"١.
ومنه قوله٢:
................. ... فنعم المرء من رجل تهامي
стр. 880
وقوله١:
وقائلة نعم الفتَى أنت من فتًى ... .............
لأن المعنى: من مُتَفَتٍّ أي: كريم. فأفاد ما لا يفيده الفاعل، وإلا لم تجز، وصححه ابن عصفور.
تنبيه:
ما نقل عن سيبويه من المنع هو المعروف من مذهبه، وتأول الفارسي كلامه على أنه إنما عنى أنه لا يكون الفاعل ظاهرا حيث يلزم التمييز, بل الفاعل في حال لزوم التمييز مضمر لا غير، وفيه بعد.
وقوله:
ومما مُمَيِّز وقيل فاعل ... في نحو نعم ما يقول الفاضل
إذا وقعت ما بعد نعم وبئس, فتارة يليها فعل نحو: "نعم ما صنعت", وتارة يليها اسم نحو: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ ٢.
стр. 881
فإن وليها فعل ففيها عشرة أقوال, ومرجعها إلى أربعة:
أحدها: أنها نكرة في موضع نصب على التمييز.
والثاني: أنها في موضع رفع على الفاعلية.
والثالث: أنها المخصوص.
والرابع: أنها كافة.
فأما القائلون بأنها في موضع نصب على التمييز, فاختلفوا على ثلاثة أقوال:
الأول: أنها نكرة موصوفة بالفعل بعدها والمخصوص محذوف، وهو مذهب الأخفش والزجاج والفارسي في أحد قوليه والزمخشري وكثير من المتأخرين.
والثاني: أنها نكرة غير موصوفة والفعل بعدها صفة لمخصوص محذوف١.
والثالث: أنها تمييز والمخصوص "ما" أخرى موصولة "محذوفة"٢, والفعل صلة لما الموصولة المحذوفة, ونُقل عن الكسائي.
وأما القائلون بأنها الفاعل, فاختلفوا على خمسة أقوال:
الأول: أنها اسم معرفة تام أي: غير مفتقر إلى "صلة"٣، والفعل بعدها صفة لمخصوص, والتقدير: نعم الشيء شيء صنعت، وقال به قوم منهم ابن خروف, ونقله في التسهيل عن سيبويه والكسائي٤.
والثاني: أنها موصولة، والفعل صلتها, والمخصوص محذوف، ونُقل عن الفارسي.
стр. 882
والثالث: أنها موصولة، والفعل صلتها، وهي فاعل يكتفى بها وبصلتها عن المخصوص. ونقله في شرح التسهيل عن الفراء والفارسي.
والرابع: أنها مصدرية ولا حذف هنا، وتأويله: بئس صنعك، وإن كان لا يحسن في الكلام: بئس صنعك حتى تقول: بئس الصنع صنعك، كما تقول: أظن أن تقوم، ولا تقول: أظن قيامك.
والخامس: أنها نكرة موصوفة في موضع رفع١.
"وأما القائل بأنها المخصوص, فقال: إنها موصولة وهي المخصوص وما أخرى محذوفة، والأصل: نعم ما ما صنعتَ، والتقدير: نعم شيئا الذي صنعته, وهذا قول الفراء"٢.
وأما القائل بأنها كافة, فقال: إنما كفت نعم كما كفت قلّ, فصارت تدخل على الجملة الفعلية.
وإن وليها اسم, ففيها ثلاثة أقوال:
الأول: أنها نكرة في موضع نصب على التمييز, والفاعل مضمر والمرفوع "بعد "ما""٣ هو المخصوص. قيل: وهو مذهب البصريين.
قلت: ليس هذا النقل على إطلاقه؛ لما سيذكر.
والثاني: أنها معرفة تامة، وهي الفاعل، وهو ظاهر مذهب سيبويه، ونقل عن المبرد وابن السراج والفارسي، وهو قول الفراء.
والثالث: أن "ما" ركبت مع الفعل، فلا موضع لها من الإعراب والمرفوع بعدها هو الفاعل، وقال به قوم وأجازه الفراء.
стр. 883
تنبيهات:
الأول: قد ظهر مما ذكرته أن قوله: "وما مميز" صادق على ثلاثة أقوال, وأن قوله: "وقيل: فاعل" صادق على خمسة "أقوال"١ إلا أن الظاهر أنه "إنما"٢ أراد الأول من الثلاثة والأول من الخمسة؛ لاقتصاره عليهما في شرح الكافية.
الثاني: يندرج في كلامه صورتان -أعني: ما وليه الفعل وما وليه الاسم- فإن القول بأن "ما" تمييز أو فاعل جاز فيهما.
الثالث: ظاهر عبارته هنا يشير إلى ترجيح القول الذي بدأ "به"٣ وهو أن "ما" تمييز, وكذا عبارة الكافية، وذهب في التسهيل٤ إلى أنها معرفة تامة وأنها فاعل، ونقله عن سيبويه والكسائي, واستدل بأوجه:
أحدها: أن "ما" مساوية للضمير في الإبهام، فلا تكون تمييزا.
والثاني: أنه كثر الاقتصار عليها في نحو: "غسلته غسلا نعما", والنكرة التالية نعم لا يقتصر عليها إلا نادرا.
والثالث: أن التمييز في هذا الباب, وفي غيره أيضا لا بد أن يكون قابلا لأل, ونص ابن عصفور وغيره على أن التمييز لا يكون إلا بالأسماء المتوغلة في البناء, لا بالمتوغلة في الإبهام "كَسِيّ"٥ ولا أدخل في الإبهام، والبناء من ما.
الرابع: جزم المصنف بنقل هذا المذهب عن سيبويه نظرا, فإن مستنده قول سيبويه "في"٦: دققته دقا نعما، أي: نعم الدق.
وفي فنعما هي: نعم الشيء إبداؤها, وهو محتمل لأن يكون تفسير معنى، لا تفسير إعراب.
стр. 884
وقوله في الكافية: والرفع بعضهم نمى، لسيبويه, وادعى التعريف مع تمام ما وظاهر قد اتبع، ظاهر في عدم الجزم.
وقوله:
ويُذكر المخصوص بعد مبتدا ... أو خبر اسم ليس يبدو أبدا
المخصوص هو المقصود بالمدح بعد "نعم", وبالذم بعد "بئس".
وله ثلاث أحوال:
الأولى: أن يذكر بعد فاعلها نحو: "نعم الرجلُ زيدٌ" وفي إعرابه حينئذ ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون مبتدأ والجملة قبله خبره.
والثاني: أن يكون خبر مبتدأ واجب الإضمار.
وهذا معنى قوله: "ليس يبدو أبدا".
والثالث: أن يكون مبتدأ حُذف خبره.
"والأول هو الصحيح"١ وبه جزم سيبويه.
قال ابن الباذش٢: لا يجيز سيبويه أن يكون المخصوص بالمدح أو الذم إلا مبتدأ.
وأجاز الثاني جماعة, منهم السيرافي وأبو علي والصيمري.
وذكر في شرح التسهيل أن سيبويه أجازه، وعبارة سيبويه فيها احتمال، ومن تأمّل كلامه لم يجد فيه ذكرا له.
стр. 885
قال في شرح التسهيل: والأول أولى، بل هو عندي متعين؛ لصحته في المعنى وسلامته من مخالفة أصل بخلاف الثاني، فإنه يلزم منه أن ينصب لدخول كان عليه، وأما الثالث فأجازه قوم منهم ابن عصفور، وقال في شرح التسهيل: هو غير صحيح؛ لأن هذا الحذف ملتزم ولم نجد خبرا يلتزم حذفه إلا ومحله مشغول بشيء يسد مسده.
وذهب ابن كيسان إلى أن المخصوص بدل من الفاعل، وردّ بأنه لازم وليس البدل بلازم، وبأنه لا يصلح لمباشرة نعم.
والثانية: أن يذكر قبل نعم وبئس، وهو حينئذ مبتدأ والجملة بعده خبر, سواء أقيل بفعلية نعم وبئس أم باسميتهما، وجوّزوا على القول بالاسمية أن يكونا مبتدأين والمخصوص الخبر والعكس.
فإن قلت: إذا جعل المخصوص مبتدأ والجملة خبره, فما هو الرابط؟
قلت: الرابط عند الجمهور هو العموم الذي في الفاعل, ويجوز دخول نواسخ الابتداء عليه كقول الشاعر١:
стр. 886
إذا أرسلوني عند تعذير حاجة ... أمارس فيها كنتُ نِعْمَ الممارسُ
وكقول الآخر١:
إن ابن عبد الله نِعْمَ ... أخو الندى وابن العشيرهْ
والثالثة: أن يحذف للدلالة عليه كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ ٢.
وإلى هذا أشار بقوله:
وإن يُقَدَّم مشعر به كفى
فإن قلت: قد ظهر بما قدمته أن المخصوص لا يجب تأخيره.
وقوله: ويذكر المخصوص بعد، يقتضي أن يكون متأخرا.
قلت: ما ذكرته من جواز تقديمه, صرح به ابن عصفور والمصنف في التسهيل, وعبارته هنا وفي الكافية وشرحها تُوهِم منع تقديمه, بل قوله:
وإن يقدم مشعر به كفى ... كالعلم نعم المقتنَى والمقتفَى
стр. 887
تصريح بأن المتقدم ليس هو المخصوص, بل مشعر به.
والظاهر أن هذا المثال مما تقدم فيه المخصوص، لا مما حذف فيه لدلالة ما قبله.
فإن قلت: كيف خير المصنف بين جعله مبتدأ وجعله خبرا وليسا سواء؛ لأن الأول متفق عليه والثاني قد منعه بعضهم, ومن أجازه فهو أضعف عنده من الأول.
قلت: التخيير بينهما يقتضي جوازهما لا استواءهما في القوة، مع أنه يحتمل ألا يكون تخييرا, بل حكاية خلاف، وقد جرت عادة كثير بعطف الأقوال بأو.
فإن قلت: يحتمل قوله: "مبتدأ" القولين السابقين, "فإنما"١ يحمل كلامه عليه.
قلت: على أن خبره ما قبله؛ إذ لو أراد الآخر لبين أن الخبر محذوف.
تنبيه:
للمخصوص شرطان:
أحدهما: أن يختص وهو شرط غالب كقولهم: "نِعْمَ البعير جمل".
الثاني: أن يكون أخص من الفاعل.
وقوله:
واجعل كبئس ساء......
يعني: معنًى وحكمًا, فتقول: "ساء الرجل أبو جهل", و"ساء رجلًا هو".
فإن قلت: ما وزن ساء؟
قلت: فَعُل -بضم العين- بدليل أنها للمبالغة في الذم؛ ولذلك قيل: لا حاجة لإفراد ساء بالذكر؛ لأنها من أفراد النوع الآتي، وألفها عن واو.
وهي فعل لا يتصرف.
стр. 888
وقوله:
...... واجعل فَعُلا ... من ذي ثلاثة كنعم
يجوز بناء فعل -بضم العين- من كل فعل ثلاثي، ويجعل مثل نعم وبئس في عدم التصرف، وإفادة المدح والذم, واقتضاء فاعل كفاعل نعم وبئس، فيكون ظاهرا مصاحبا لأل أو مضافا إلى صاحبها أو ضميرا مفسَّرا بتمييز على ما تقدم من التفصيل.
وسواء في ذلك ما وضع على فَعُل كقوله تعالى: ﴿ ... كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ ١, أو وضع على فعَل أو فعِل ثم حُول نحو: "قَضُوَ الرجل فلان" و"علُم الرجل زيد".
وقوله: "مسجلا" قال الشارح: أي: بلا قيد، يقال: أسجلت الشيء, إذا أمكنت من الانتفاع مطلقا.
فإن قلت: كيف قال: "مسجلا" وبناء فَعْل من الثلاثي؛ لقصد المدح والذم, مشروط بأن يكون مما يتعجب منه بقياس؟ نص على ذلك ابن عصفور, وحكاه عن الأخفش.
قلت: لعل قوله: "مسجلا" يعني به أن فعل المذكور يجعل مثل نعم مطلقا, أي: في جميع أحكامها.
ويحتمل أن يكون قال: "مسجلا" ليشمل "المصوغ"٢ على فعُل, والمصوغ على فعَل أو فعِل.
فإن قلت: مقتضى كلامه أن معنى فعل المذكور إذا قصد به المدح كمعنى نعم, وإذا قصد به الذم كمعنى بئس، وليسا بسواء لأن العرب لا تبني فعُل المذكور وتُضَمِّنه معنى المدح أو الذم, إلا إذا أرادوا معنى التعجب، نص على ذلك ابن عصفور.
فهو إذن يدل على المدح والذم, وزيادة معنى التعجب.
стр. 889
قلت: لا نسلم أن مقتضى كلامه أن فعل المذكور بمعنى نعم وبئس, بل يكون قوله: واجعل فعلا كنعم, يعني: في الحكم لا في المعنى، ويؤيده أنه لم يذكر في النظم بئس.
وليس كل فعل للمدح, فكيف يجعل مثل نعم في المعنى؟
وقد ذكر في التسهيل أن فعل المذكور مضمن معنى التعجب١.
فإن قلت: وفي جعل فعُل المذكور مثل نعم في جميع أحكامها نظر؛ لأن من أحكامها أن فاعلها لا يكون إلا مقرونا بأل أو مضافا إلى المقرون بها أو مضمرا يفسره تمييز إلا ما ندر.
وفَعُل المشار إليه يكثر انجرار فاعله بالباء واستغناؤه عن أل وإضماره على وفق ما قبله, كما ذكر في التسهيل٢ خلاف نعم٣.
قلت: ذكر أبو الحسن الأخفش أن من العرب من يجري فعل المذكور مجرى نعم وبئس, فيجعل فاعله كفاعلهما؛ رعيًا لما تضمنه من معنى المدح والذم.
ومنهم من لا يجريه مجراهما، فلا يلزم إذ ذاك أن يكون فاعله كفاعل نعم وبئس؛ رعيا "لما فيه"٤ من معنى التعجب.
وظاهر هذا أنهما لغتان.
تنبيه:
مثل في شرح الكافية وشرح التسهيل بعلُم الرجل، وذكر ابن عصفور أن العرب شذت في ثلاثة ألفاظ فلم تحوِّلها إلى فَعُل، بل استعملتها استعمال نعم من غير تحويل، وهي: عَلِم وجَهِل وسَمِع.
стр. 890
وقوله: ومثل نعم حَبَّذا.
يعني: أن حبذا بمنزلة نعم وفاعلها في إفادة المدح.
فإن قلت: مقتضى عبارته أن "حبذا" بمجموعه مثل "نعم" وليس كذلك، بل حب بمنزلة نعم، وإذا بمنزلة فاعل نعم.
قلت: كأنه قصد التنبيه على أن حب الذي هو بمنزلة نعم "هو"١ المقرون بذا.
فلذلك لم يقل: "ومثل نعم حب".
فإن قلت: ليس حبذا مثل نعم كما ذكر؛ لأن حبذا يشعر مع دلالتها على المدح العام، بأن الممدوح محبوب وقريب من النفس بخلاف نعم.
قال في شرح التسهيل: والصحيح أن "حب" فعل يقصد به المحبة والمدح.
وجعله فاعله "ذا"؛ ليدل بذلك على الحضور في القلب.
قلت: إنما جعلها مثلها في إفادة المدح العام، فلا ينافي ذلك إشعارها بما ذكر.
وقوله: "الفاعل ذا" هو "ظاهر"٢ مذهب سيبويه، وهو المختار. قال ابن خروف بعد أن مثّل بحبذا زيد: حب فعل وذا فاعلها، وزيد مبتدأ وخبره حبذا, هذا قول سيبويه. وأخطأ عليه من زعم غير ذلك.
وفي قوله: "الفاعل ذا" تعريض بالرد على القائلين بتركيب حب مع ذا, ولهم مذهبان:
أحدهما: أن التركيب أزال فاعلية "ذا", فصار "ذا"٣ مع حب اسما واحدا مرفوعا بالابتداء وخبره ما بعده.
وهو مذهب المبرد وابن السراج ووافقهما ابن عصفور، ونسبه إلى سيبويه.
وأجاز بعضهم كون "حبذا"٤ خبرا مقدما.
стр. 891
والآخر: أن التركيب أزال اسمية "ذا", فصار مع حب فعلا فاعله المخصوص, وإليه ذهب قوم منهم الأخفش.
والصحيح: القول بعدم التركيب؛ لأن فيه إقرار كل من اللفظين على ما كان عليه.
وقوله:
وإن تُرِدْ ذما فقل لا حبذا
يعني: أنه إذا أُريد الذم أدخلت "لا" النافية؛ لأن نفي المدح ذم.
قال في شرح التسهيل: وتدخل عليها "لا" فتحصل موافقة بئس معنى, وقد تقدم بيان ما يشعر به حبذا مما لا يدل عليه نعم, ولا بئس.
وقوله:
وأول ذا المخصوص......
يعني: اجعل المخصوص بالمدح أو الذم تابعا لذا.
ففُهم من ذلك أنه لا يتقدم، وهذا فرق بينه وبين نعم وبئس، فإن "مخصوصهما"١ لا يمتنع تقديمه.
قال في شرح التسهيل: أغفل أكثر النحويين التنبيه على امتناع تقديم المخصوص في هذا الباب.
فإن قلت: ما سبب امتناعه؟
قلت: ذكر ابن بابشاذ أن سبب ذلك خوف توهم كون المراد من "زيد حبذا": "زيد حب هذا".
قال في شرح التسهيل: وتوهم هذا بعيد، فلا ينبغي أن يكون المنع من أجله، بل المنع من أجل إجراء "حبذا" مجرى المثل.
وقوله: "أيا كان" يعني: أي شيء كان المخصوص, مذكرا كان أو مؤنثا،
стр. 892
مفردا كان أو مثنى أو مجموعا، فنقول: "حبذا زيد" و"حبذا الزيدان" و"حبذا الزيدون" و"حبذا هند" و"حبذا الهندان" و"حبذا الهندات".
وقوله: "لا تعدل بذا" يعني: أن لفظ "ذا" لا يغير في تأنيث ولا تثنية ولا جمع.
فلا يقال: "حبذي هند" ولا "حبذان الزيدان" ولا "حبَّ أولاء الزيدون", واختلف في علة ذلك فقيل: لأنه جرى مجرى المثل، والأمثال لا تُغير.
وإليه أشار بقوله: فهو يضاهي المَثَلا.
وقال الفارسي: "ذا" جنس شائع، فلا يختلف كما لا يختلف الفاعل في نعم.
يعني: إذا كان ضميرا.
وقال ابن كيسان: إنما لم يختلف؛ لأن الإشارة فيه أبدا إلى مذكر محذوف، والتقدير في حبذا هند: حبذا حُسنُ هند، وكذا باقي الأمثلة.
ورُدّ بأنه دعوى لا دليل عليها.
تنبيهان:
الأول: إنما يُحتاج إلى الاعتذار عن عدم مطابقته١ على قول من جعل "ذا" فاعلا، وأما على التركيب فلا يحتاج إلى اعتذار.
الثاني: لم يذكر هنا إعراب المخصوص بعد "حبذا"، وأجاز في التسهيل٢ أن يكون مبتدأ والجملة قبله خبره، وأن يكون خبر مبتدأ واجب الحذف.
وإنما لم يذكر ذلك هنا؛ استغناء بتقديم الوجهين في مخصوص نعم.
وقال ابن كيسان: هو بدل من "ذا".
стр. 893
ورُدّ بلزومه على القول بأن "ذا" فاعل، وأما على القول بالتركيب فتقدم إعرابه.
فإن قلت: إذا أعرب المخصوص مبتدأ والجملة قبله خبره، فما الرابط؟
قلت: الرابط الإشارة أو العموم إذا قلنا: إن "ذا" أريد به الجنس.
الثالث: بين مخصوص حبذا, ومخصوص نعم فروق:
أولها: أن مخصوص حبذا لا يتقدم، بخلاف مخصوص نعم، وقد سبق بيانه.
وثانيها: أنه لا تعمل فيه النواسخ، بخلاف مخصوص نعم.
وثالثها: أن إعرابه خبر مبتدأ محذوف أسهل منه في باب "نعم"؛ لأن ضعفه هناك نشأ من دخول نواسخ الابتداء عليه، وهي هنا لا تدخل.
قاله في شرح التسهيل.
ورابعها: أنه يجوز لك التمييز قبله وبعده نحو: "حبذا رجلًا زيدٌ" و"حبذا زيدٌ رجلًا".
قال في شرح التسهيل: وكلاهما سهل يسير، واستعماله كثير، إلا أن تقديم التمييز أولى وأكثر. انتهى.
وذلك بخلاف مخصوص "نعم"، فإن تأخير التمييز عنه نادر كما سبق.
وقوله:
وما سوى ذا ارفع بحُبَّ أو فَجُر
يعني: أن "حب" قد تفرد عن "ذا" مع إرادة المدح, فيجيء فاعلها مرفوعا نحو: "حب زيد", ومجرورا بباء زائدة نحو: "حب بزيد".
قال في شرح التسهيل: وهذا الاستعمال جائز في كلام ثلاثي, مضمن معنى التعجب.
وقوله:
ودون ذا انضمام الحا كثُر
стр. 894
يعني: كثر ضم الحاء إذا أفردت من "ذا", فيقال: "حب زيد" بنقل حركة العين إلى الفاء، والفتح جائز، وبالوجهين ينشد قوله١:
................... ... وحُبّ بها مقتولة حين تُقتَل
وأما مع "ذا", فلا يجوز إلا الفتح.
فإن قلت: قوله٢ لا يدل على أنه أكثر من الفتح.
وقال الشارح: وأكثر ما يجيء "حب"٣ مع غير "ذا" مضمومة الحاء.
قلت: قال في شرح الكافية: وهذا التحويل مطرد في كل فعل مقصود به المدح.
وقال في التسهيل: وكذا كل فعل حَلْقي الفاء مراد به مدح أو تعجب٤.
стр. 895
أفعل التفضيل:
صُغْ من مصوغ منه للتعجب ... أفعل للتفضيل وَأْبَ اللذ أُبِي
سوت العرب بين أفعل التفضيل وفعل التعجب فيما يصاغان منه؛ لما بينهما من التناسب، فما جاز صوغ التعجب منه جاز أفعل التفضيل منه، وما لا يجوز صوغ فعل التعجب منه لفقد بعض الشروط لا يجوز صوغ أفعل التفضيل منه.
ولهذا قال: وأب اللذ أبي.
واعلم أن ما شذ في التعجب؛ لكونه من غير فعل أو من فعل ولم يستوف "الشروط"١ جاز استعماله في التفضيل محكوما بشذوذه, "وكذلك ما شذ في التفضيل, جاز استعماله في التعجب محكوما بشذوذه"٢ أيضا فتقول: "ما ألصه" و"ألصص به".
وإن كان منه غير فعل كقولهم: "هو ألص من شِظاظ"٣.
وقوله:
وما به إلى تعجب وُصل ... لمانع به إلى التفضيل صل
يعني: أنه يتوصل إلى التفضيل فيما لا يجوز بناء أفعل من لفظه بمثل ما توصل به إلى التعجب من أشد, وما جرى مجراه.
ولكن أشد في التعجب فعل وهنا اسم، وينصب هنا مصدر الفعل المتوصَّل إليه تمييزا، فتقول: "زيد أشد استخراجًا من عمرو" ونحو ذلك.
وقوله:
وأفعل التفضيل صله أبدا ... تقديرا أو لفظا بمن إن جُرِّدا
أفعل التفضيل: مجرد ومضاف ومعرف بأل.
стр. 896
فالمجرد يلزم اقترانه بمن جارة للمفضول لفظا نحو: "زيد أفضل من عمرو", أو تقديرا نحو: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١.
"وأما"٢ المضاف والمعرف بأل, "فيمتنع"٣ اقتران "من" بهما.
تنبيهان:
الأول: اختلف في معنى "من" المصاحبة لأفعل التفضيل.
فذهب المبرد ومن وافقه إلى أنها لابتداء الغاية، وذهب سيبويه إلى أنها لابتداء الغاية أيضا، وأشار إلى أنها مع ذلك تفيد معنى التبعيض.
فقال: "هو أفضل من زيد", فضله على بعض ولم يعم.
وذهب في شرح التسهيل إلى أنها لمعنى المجاوزة، فإن القائل: "زيد أفضل من عمرو" كأنه قال: جاوز زيدٌ عمرًا في الفضل.
قال: ولو كان الابتداء "مقصودا"٤, لجاز أن يقع بعدها "إلى".
قال: ويُبطل كونها للتبعيض أمران:
أحدهما: عدم صلاحية بعض موضعها.
والآخر: صلاحية كون المجرور بها عاما, نحو: "الله أعظم من كل عظيم".
وأقول: الظاهر كونها لابتداء الغاية، ولا تفيد معنى التبعيض، كقول المبرد. وما رد به المصنف من أن الابتداء لو كان مقصودا لجاز أن يقع بعدها قد رد به ابن ولاد٥ قبله، وليس بلازم؛ لأن الانتهاء قد يُترَك الإخبار به؛ لكونه لا يعلم، أو لكونه لا يُقصَد الإخبار به، ويكون ذلك أبلغ في التفضيل، إذ لا يقف السامع على محل الانتهاء.
стр. 897
الثاني: إذا وقع أفعل التفضيل خبرا, كثر حذف "من" ومجرورها بعده نحو: ﴿.... ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١.
وإن لم يكن خبرا, قل الحذف كالحال والصفة٢.
الثالث: قوله: "صله" يقتضي أنه لا يُفصل بين أفعل وبين من، وليس على إطلاقه، بل يجوز الفصل بينهما بمعمول أفعل.
وقد فُصل بينهما بلو, وما اتصل بها كقوله٣:
ولفوكِ أطيب لو بذلت لنا ... من ماء موهبة على خمر
стр. 898
ولا يجوز بغير ذلك.
الرابع: إذا بُني أفعل التفضيل مما يتعدى بمن, جاز الجمع بينها وبين الداخلة١ على المفضول, مقدمة أو مؤخرة، نحو: "زيد أقربُ من عمرو من كل خير، وأقربُ من كل خير من عمرو".
الخامس: قد تقدم أن المضاف, والمعرف بأل يمتنع اقترانهما بمن المذكورة، فأما قوله٢:
نحن بغرس الوديّ أعلمُنا ... منا بركض الجياد في السدف
فإنه أراد أعلم, فأضاف ناويا "اطراح"٣ المضاف إليه، كما تدخل الألف واللام في بعض الأمكنة، وينوى سقوطها، قاله في شرح التسهيل.
وأما قول الأعشى٤:
стр. 899
ولستَ بالأكثر منهم حصى ... .......................
فأول على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن "أل" زائدة.
والثاني: أنها متعلقة بأكثر مقدرا, مدلولا عليه بالموجود.
الثالث: أنها للتبيين، لا لابتداء الغاية، كأنه قال: "ولست بالأكثر من بينهم".
وقوله: وإن لمنكور يضف.
قد تقدم أن أفعل التفضيل: مجرد ومعرف بأل ومضاف.
فأما المجرد فيلزم فيه الإفراد والتذكير، فتقول: "زيد أفضل" و"الزيدان أفضل" و"الزيدون أفضل" وكذلك في المؤنث.
стр. 900
وأما المعرف بأل فيلزم فيه المطابقة، فتقول: "زيدٌ الأفضلُ" و"الزيدانِ الأفضلانِ" و"الزيدونَ الأفضلونَ أو الأفاضلُ" و"هند الفُضْلى" و"الهندان الفضليان" و"الهندات الفضليات أو الفُضَّل".
وأما المضاف فنوعان: مضاف إلى نكرة, ومضاف إلى معرفة.
"فالمضاف"١ إلى نكرة كالمجرد يلزم الإفراد والتذكير، فتقول: "زيد أفضل رجل" و"الزيدان أفضل رجلين" و"الزيدون أفضل رجال" وكذلك في المؤنث. والمضاف إلى معرفة ثلاثة أقسام:
قسم يقصد به زيادته على ما أضيف إليه، وقسم يقصد به زيادة مطلقة، وقسم يؤول بما لا تفضيل فيه من اسم فاعل أو صفة.
فالأول: ينوى فيه معنى "من", وفيه قولان:
أحدهما: أنه يلزم الإفراد والتذكير كالمجرد، وهو مذهب ابن السراج ومن وافقه.
والثاني: أنه يجوز فيه الأمران: المطابقة؛ لشبهه بالمعرف بأل، وعدم المطابقة لشبهه بالمجرد؛ لنية معنى "من"، وإليه ذهب المصنف، واستدل بقوله ﵊: "ألا أخبرُكم بأحبكم إليَّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة؛ أحاسنكم أخلاقا" فأفرد أحب وأقرب, وجمع أحسن.
قال المصنف: ومعنى "من" مراد في الثلاثة.
وجعل الزمخشري "أحاسنكم" من القسم الثاني الذي قصد به زيادة مطلقة؛ فلذلك جمع بخلاف أحب وأقرب، فإنهما مما نوى معنى "من"؛ فلذلك أفردهما.
والثاني والثالث لا ينوى فيهما معنى "من" وتلزمهما المطابقة؛ لشبههما بالمعرف بأل في الإخلاء عن لفظ "من" ومعناها.
стр. 901
ومما "يتحملها"١ قولهم: "الناقص والأشجّ أعدلا بني مروان"٢. وإضافة هذين النوعين لمجرد التخصيص، كما يضاف "ما لا تفضيل"٣ فيه؛ ولذلك جازت إضافة أفْعَلَ فيهما إلى ما ليس هو بعضه بخلاف المنوي فيه "معنى "من", فإنه لا يكون إلا بعض ما أضيف إليه"٤؛ فلذلك يجوز: "يوسف أحسن إخوته" إن قصد الأحسن من بينهم، أو قصد حسنهم، ويمتنع إن قصد: أحسن منهم.
تنبيه:
قد يرد أفعل التفضيل مجردا عاريا عن معنى التفضيل، كقوله تعالى: ﴿.... هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ٥.
وأجاز المبرد استعمال أفعل التفضيل, مؤولا بما لا تفضيل فيه قياسا.
قال في التسهيل: والأصح قصره على السماع٦.
وحكى ابن الأنباري عن أبي عبيد القول بورود أفعل٧ مؤولا بما لا تفضيل فيه، ولم يسلم "له"٨ النحويون هذا الاختيار، وقالوا: لا يخلو أفعل "التفضيل"٩ من التفضيل، وتأولوا ما استدل به.
стр. 902
قال في شرح التسهيل: والذي سُمع منه، فالمشهور فيه التزام الإفراد والتذكير, وقد يُجمع إذا كان ما هو له جمعا، كقوله١:
إذا غاب عنكم أسود العين كنتم ... كراما, وأنتم ما أقام ألائم
قال: وإذا صح جمع "أفعل" العاري؛ لتجرده من معنى التفضيل، جاز أن يؤنث فيكون قول ابن هانئ٢:
стр. 903
كأن صغرى وكبرى ... .................
إذا تقرر ما ذكره، فاعلم أن الناظم أشار إلى حكم المجرد والمضاف إلى النكرة بقوله:
وإِنْ لمنكور يُضف أو جُرِّدا ... أُلزِم تذكيرا وأن يُوَحَّدا
وإلى المعرف بأل بقوله: "وتلو أل طبق".
وإلى المضاف لمعرفة بقوله:
............ وما لمعرفة ... أضيف ذو وجهين
ولما كان مراده "القسم"١ الذي ينوى فيه "من", قيده بقوله:
هذا إذا نويتَ معنى من
وقوله: "وإن لم تنو" يشمل القسمين الآخرين من أقسام المضاف إلى المعرفة؛ لأن حكمهما واحد وذلك واضح.
تنبيه:
أفعل التفضيل بمعنى بعض إن أضيف إلى معرفة، وبمعنى كل إن أضيف إلى نكرة؛ ولهذا يقال: "أفضل الرجلين زيد" و"أفضل رجلين الزيدان".
стр. 904
وقوله:
وإن تكن بتِلْو مِنْ مستفهما ... فلهما كن أبدا مُقدِّما
لا يخلو المجرور بمن بعد أفعل "التفضيل من أن يكون"١ اسم استفهام أو مضافا إليه أو غيرهما.
فإن كان اسم استفهام أو مضافا إليه وجب تقديمه نحو: "من أي الناس أنت أكرم؟ " و"من غلام أيهم أنت أجمل؟ ".
لأن الاستفهام له الصدر. ذكر هذه المسألة الفارسي في التذكرة.
قال المصنف: وهي من المسائل المغفول عنها.
قال الشيخ أبو حيان: وينبغي أن ينبه على أنه يسبق أيضا ما أفعل خبر له كما مثل.
ولم يذكر هذا المضاف إلى اسم استفهام؛ لوضوحه، ومثل اسم الاستفهام بقوله: ممن أنت خير؟
وإن كان المجرور غيرهما "فالأصل"٢ تأخيره، وقد نبه على أنه قد ندر التقديم بقوله:
...... ولدى ... إخبار التقديم نزرا وَرَدَا
وقد ورد ذلك في أبيات منها قوله٣:
..................... ... بل ما زوَّدت منه أطيب
стр. 905
وقوله:
.......... ورفعه الظاهر نزر
اعلم أن أفعل التفضيل يرفع الضمير، وأما الظاهر ففي رفعه "به"١ لغتان:
إحداهما: أنه يرفع الظاهر مطلقا، فتقول: "مررت برجل أكرمَ منه أبوه" حكاه سيبويه.
وأشار إليها بقوله:
....... ورفعه الظاهر نزر
والأخرى, وهي لغة جمهور العرب: أنه لا يرفع الظاهر، إلا إذا ولي نفيا وكان مرفوعه مفضلا على نفسه باعتبارين نحو: "ما رأيت رجلا أحسنَ في عينه الكحلُ منه في عين زيد" ففي هذه الصورة ونحوها يرفع الظاهر عند جميع العرب.
وعلة ذلك أن أفعل التفضيل إنما قصُر عن رفع الظاهر؛ لأنه ليس له فعل بمعناه, وفي هذا المثال ونحوه يصح أن يقع موقعه فعل بمعناه, فتقول: "ما رأيت رجلا يحسُنُ في عينه الكحلُ كحسنه في عين زيد".
стр. 906
وإلى ذلك أشار بقوله:
ومتى عاقب فعلا فكثيرا ثَبَتَا
وأيضا لو لم يجعل المرفوع فاعلا لوجب كونه مبتدأ، فيلزم الفصل بين أفعل ومن بأجنبي, ثم مثّل بقوله:
كلن ترى في الناس من رفيق ... أولى به الفضل من الصديق
والأصل: أولى به الفضل منه بالصديق، فاختصر.
تنبيهان:
الأول: قال في شرح التسهيل: لم يرد هذا الكلام المتضمن ارتفاع الظاهر بأفعل إلا بعد نفي, ولا بأس باستعماله بعد نهي أو استفهام فيه معنى النفي, كقوله:
"لا يكن غيرك أحبَّ إليه الخيرُ منه إليك، وهل في الناس رجلٌ أحقُّ به الحمد منه بمحسن لا يَمُنّ؟ "١.
الثاني: لا ينصب أفعل التفضيل مفعولا به، وما أوهم ذلك يؤول.
فإن أول أفعل "التفضيل"٢ بما "لا تفضيل"٣ فيه, جاز على رأي أنه ينصبه.
ويحتمل أن يكون منه قوله تعالى: "الله أعلم حيث يجعل رسالاته"٤.
стр. 907
النعت:
يَتْبَع في الإعراب الأسماء الأول ... نعت وتوكيد وعطف وبدل
التابع هو المشارك ما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدد غير خبر.
فخرج بالحاصل والمتجدد خبر المبتدأ، والمفعول الثاني، والحال المنصوب, ونحو ذلك.
ولكن يرد عليه "حامض" ونحوه من قولك: "هذا حلو وحامض", فخرج بزيادة غير خبر١.
والتابع جنس، يشمل خمسة أنواع، وهي: النعت، والتوكيد، وعطف البيان، وعطف النسق، والبدل, ودليل الحصر الاستقراء.
فإن قلت: كيف قال: "يتبع في الإعراب الأسماء" وبعض التوابع قد يتبع غير الاسم؟
قلت: لا دليل في كلامه على اختصاصها بالأسماء، وسنبين أن التوكيد اللفظي والبدل وعطف النسق يتبع غير الاسم.
فإن قلت: ما معنى قوله: "الأول"؟
قلت: فيه إشارة إلى وجوب تقديم المتبوع على التابع.
وأجاز صاحب البديع تقديم الصفة على الموصوف إذا كانت لاثنين أو جماعة وقد تقدم أحد الموصوفين، تقول: "قام زيدٌ العاقلانِ وعمرٌو".
ومنه قول الشاعر٢:
............... ... أبى ذاك عَمِّي الأكرمانِ وخاليا
стр. 908
وأجاز الكوفيون تقديم المعطوف بأربعة شروط:
الأول: أن يكون بالواو، وقال هشام: تقديم الفاء وثم وأو ولا، جيد.
الثاني: ألا يؤدي إلى وقوع حرف العطف صدرا.
الثالث: ألا يؤدي إلى مباشرة حرف العطف عاملا غير متصرف، فلا يجوز: "أن وزيدا عمرا ذاهبان".
الرابع: ألا يكون المعطوف مخفوضا، ولا يجوز ذلك عند البصريين إلا في الشعر بشروطه.
تنبيهان:
الأول: اختُلف في العامل في التابع، فمذهب الجمهور أن العامل فيه هو العامل في المتبوع إلا البدل، فالجمهور على أن العامل فيه مقدر.
وذهب قوم منهم المبرد إلى أن العامل فيه المبدل منه، واختاره المصنف وهو ظاهر, وهو العامل في مذهب سيبويه.
الثاني: لم يتعرض هنا لبيان "رتب"١ التوابع، وقال في التسهيل: ويُبدأ
стр. 909
-عند اجتماع التوابع- بالنعت، ثم بعطف البيان، ثم بالتوكيد، ثم بالبدل, ثم بالنسق١, وأجاز بعضهم تقديم التأكيد على الصفة، نقله صاحب البديع.
وقوله:
فالنعت تابع مُتمّ ما سبق ... بوسمه أو وسم ما به اعتَلَق
قوله: "تابع" جنس يشمل الخمسة، وقوله: "متم ما سبق" مخرج البدل والنسق، وقوله: "وسمه أو وسم ما به اعتلق" مخرج لعطف البيان والتوكيد، وذلك أنهما شاركا النعت في إتمام ما سبق؛ لأن الثلاثة تكمل دلالته وترفع اشتراكه واحتماله، إلا أن النعت يُوصِّل إلى ذلك بدلالته على معنى في المنعوت أو متعلقه، والتوكيد وعطف البيان ليسا كذلك.
فإن قلت: إنما يشمل قوله: "متم ما سبق" ما جيء به من النعوت؛ لتوضيح وتخصيص، وأما ما جيء لمدح أو ذم أو توكيد أو ترحم فلا.
قلت: لما كان أصل النعت أن يؤتى به للتوضيح والتخصيص, اقتصر عليه.
وقوله:
وليُعطَ في التعريف والتنكير ما ... لما تلا كامْرُر بقوم كرُما
يجب تبعية النعت للمنعوت في الإعراب والتعريف والتنكير.
فتنعت المعرفة بالمعرفة نحو: "امرر بالقومِ الكرماءِ", والنكرة بالنكرة نحو: "امرر بقومٍ كرماءَ".
ولا تنعت المعرفة بالنكرة؛ لأن في النكرة إبهاما وفي المعرفة إيضاحا، فتدافَعَا.
تنبيهات:
الأول: لم يتعرض هنا "لموافقة النعت للمنعوت"٢ في الإعراب؛ استغناء بقوله أولا: "يتبع في الإعراب".
стр. 910
الثاني: استثنى الشارح من المعارف المعرف بلام الجنس، قال: فإنه لقرب مسافته من النكرة يجوز نعته بالنكرة المخصوصة؛ ولذلك تسمع النحويين يقولون في قوله١:
ولقد أمرُّ على اللئيم يسبني ... فأعفّ ثم أقول لا يعنيني
إن "يسبني" صفة لا حال؛ لأن المعنى: ولقد أمر على لئيم من اللئام، ومثله قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ ٢ وقولهم: "ما ينبغي للرجل مثلك -أو خيرٍ منك- أن يفعل كذا" انتهى.
قلت: أما نعته بالجملة, فقد نص عليه في التسهيل وغيره, وسيأتي.
стр. 911
وأما قولهم: ما يحسن بالرجل خير منك، فمذهب الخليل في هذا المثال الحكم بتعريف النعت والمنعوت على نية أل مع خير.
ومذهب الأخفش الحكم بتنكيرهما على زيادة أل في "الرجل".
قال المصنف: وعندي أن أسهل مما ذهبا الحكم بالبداية، وتقدير التابع والمتبوع على ظاهرهما.
الثالث: ما ذكر من وجوب تبعية النعت للمنعوت في التعريف والتنكير, وهو مذهب جمهور النحويين.
وأجاز الأخفش نعت النكرة إذا اختصت بالمعرفة١، وجعل "الأوليان" صفة "آخران" في قوله تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ ٢.
وأجاز بعض النحويين وصف المعرفة بالنكرة.
وأجازه ابن الطراوة بشرط كون الوصف خاصا بذلك الموصوف, كقول النابغة٣:
.................... ... في أنيابها السم ناقع
стр. 912
والصحيح مذهب الجمهور، وما أوهم خلافه مؤول.
الرابع: لا يمتنع النعت بالأخص في النكرات نحو: "رجلٌ فصيحٌ", و"غلامٌ يافعٌ".
وأما في المعارف, فلا يكون النعت أخص عند البصريين، بل مساويا، أو أعم.
قيل: وسبب ذلك أن الاختصاص مؤثر, فوجب لذلك أن يبدأ بالأخص؛ ليقع الاكتفاء به.
فإن عرض اشتراك, لم يوجد ما يرفعه إلا المساوي.
وقال الشلوبين والفراء: ينعت الأعم بالأخص، قال المصنف: وهو الصحيح, وقال بعض المتأخرين: توصف كل معرفة بكل معرفة, كما توصف كل نكرة بكل نكرة. وقوله:
وهو لَدَى التوحيد والتذكير أو ... سواهما كالفعل فاقفُ ما قَفَوا
يعني: أن النعت "إن"١ رفع ضمير المنعوت, طابقه في الإفراد والتذكير وأضدادهما, سواء كان معناه له أو "لسببيه"٢ نحو: "مررت برجل حسن أو حسن
стр. 913
الوجه" وإن رفع سببيه أفرد مطلقا كرفعه الظاهر، ووافق في التذكير والتأنيث مرفوعه, لا متبوعه نحو: "مررت برجلين حسنة جاريتهما".
فحكم النعت في ذلك كحكم الفعل الواقع موقعه، وهذا معنى قوله: "كالفعل".
فإن قلت: كيف سوّى بينه وبين الفعل، وهو مخالفه في أمرين:
أحدهما: أن الوصف يجوز تكسيره, مسندا إلى السببي المجموع نحو: "مررت برجل كرام غلمانه".
والثاني: أن الوصف الرافع لضمير المنعوت قد يعامل معاملة الرافع للسببي، إذا كان معناه له، فيقال: "مررت برجل حسنة العين", كما يقال: حسُنت عينه؟ حكى ذلك الفراء، ولا يكون ذلك في الفعل.
قلت: أما الأول فظاهر وروده على النظم، وقد ذكر في التسهيل:
أن الجمع في ذلك أولى من الإفراد، ونص على ذلك سيبويه في بعض نسخ الكتاب, وهو مذهب المبرد.
وقيل: الإفراد أحسن، ونسب إلى الجمهور، وفصّل بعضهم فقال: الجمع أولى إن تبع جمعا، والإفراد أولى إن تبع مفردا أو مثنى.
وأما الثاني: فهو وجه ضعيف، ومذهب كثير -منهم الجرمي- منعه.
تنبيهان:
الأول: يجوز تثنية الوصف الرافع السببي وجمعه جمع المذكر السالم على لغة طيئ، فتقول: "مررت برجلين حسنينِ غلاماهما، وبرجال حسنينَ غلمانهم".
وقد يفهم ذلك من قوله: "لفعل" أي: على اللغتين.
الثاني: ما ذكر من أن مطابقة النعت للمنعوت مشروطة بألا يمنع مانع منها, كما في جريح ونحوه وأفْعَل من١.
стр. 914
وقوله:
وانعت بمشتق كصعب وذرب ... وشبهه كذا وذي والمنتسِب
المنعوت به قسمان: مفرد وجملة؛ فالجملة ستأتي.
والمفرد قسمان: مشتق وشبهه.
قال في شرح الكافية: والمراد بالمشتق هنا ما كان اسم فاعل أو اسم مفعول أو أحد أمثلة المبالغة أو صفة مشبهة باسم الفاعل أو أفعل تفضيل، وكل ذلك معروف مما سبق "ذكره"١.
ويجمعها كلها أن يقال: المشتق الموصوف به ما دل على فاعل أو مفعول به, مضمنا معنى فعل وحروفه. انتهى.
وإذا كان هذا مراده بالمشتق, لم يرد عليه اسما الزمان والمكان والآلة, ولا مشاحة في الاصطلاح.
والمراد بشبه المشتق، ما أقيم مقامه من الأسماء العارية من الاشتقاق "وهي"٢ قسمان: مطرد وغير مطرد.
فالمطرد ضربان:
أحدهما: جارٍ مجرى المشتق أبدا.
والآخر: جارٍ مجراه في حال دون حال.
فالجاري أبدا كذي بمعنى صاحب وأسماء النسب المقصود، والجاري في حال دون حال كأسماء الإشارة غير المكانية وذو الموصولة وفروعها وأخواتها المبدوءة بهمزة وصل.
وذهب الكوفيون, وتبعهم السهيلي إلى أن أسماء الإشارة لا ينعت بها؛ لجمودها.
стр. 915
وغير المطرد: المصدر والعدد والقائم بمسماه معنى "ملازم"١ ينزله منزلة المشتق كأسد.
وللمصدر مزية عليها, وسيأتي.
ثم ذكر الجملة فقال:
ونعتوا بجملة منكرا
الجملة المؤولة بمفرد نكرة.
فلذلك لا ينعت بها إلا النكرة.
قال في التسهيل: أو معرف بأل الجنسية٢, وقال في الشرح: "لأنه"٣ معرفة في اللفظ, ونكرة في المعنى.
وفي الارتشاف: لا ينعت بها المعرف بأل الجنسية, خلافا لمن أجاز ذلك.
ثم أشار بقوله:
فأعْطيت ما أُعطيته خبرا
إلى أن الجملة المنعوت بها لا بد من اشتمالها على "ضمير يربطها بالمنعوت"٤, وأن حكمه في جواز الحذف للعلم به كحكم الخبرية.
ومن حذفه قوله٥:
................ ... وما شيء حميت بمستباح