← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9988

توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك

ابن أم قاسم المرادي

Полный текст (1 655 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قلت: هو متحدّ صورة وهو المراد بقوله: على الحد الذي قد حُدَّا, يعني: أن عملها مشروط بالاعتماد, كما شرط ذلك في اسم الفاعل. فإن قلت: لِمَ أخر قوله: "وسبق ما تعمل فيه ... البيت" عن قوله: وعمل اسم فاعل المعدى؟ وكان ينبغي العكس؛ لأن ذلك من تتمة الفروع. قلت: بيان شرط معمولها من "توابع عملها"١؛ فلذلك أخره عنه. وقوله: فارفع بها وانصب وجر مع أل الرفع على الفاعلية٢ والنصب على التشبيه بالمفعول به في المعرفة، وعلى التمييز في النكرة، وقيل: يجوز فيه أيضا التشبيه، وأجاز بعض البصريين كون المقرون بأل والمضاف إلى المقرون بها تمييزا وهي نزعة كوفية والجر على الإضافة، وهل هي من نصب أو رفع؟ قولان. وظاهر كلام المصنف أنها من رفع وإليه ذهب السهيلي، وذهب الشلوبين وأكثر أصحابنا كابن عصفور إلى أنها من المنصوب. وقوله: "ودون أل". يعني: أن الصفة المشبهة تعمل الرفع والنصب والجر في السببي مقرونة بأل, ومجردة منها. ثم قسّم معمولها إلى ثلاثة أقسام: الأول: معرف بأل، وإليه أشار بقوله: "مصحوب أل". والثاني: المضاف، وهو المراد بقوله: "وما اتصل بها مضافا". أي: وما اتصل بالصفة, ولم ينفصل عنها بأل. والثالث: المجرد من أل والإضافة.

стр. 842

ثم اعلم أن المضاف أنواع: الأول: مضاف إلى ضمير الموصوف. الثاني: مضاف "إلى مضاف" إلى ضميره. والثالث: مضاف إلى المعرف بأل. والرابع: مضاف إلى المجرد. والخامس: مضاف إلى ضمير مضاف إلى مضاف إلى ضمير الموصوف. ذكره في التسهيل١ ويحتاج إلى سماع. والسادس: مضاف إلى ضمير معمول صفة أخرى، ذكره في شرح التسهيل. والسابع: مضاف إلى موصول. والثامن: مضاف إلى موصوف يشبهه. والمجرد من أل والإضافة يشمل ثلاثة أنواع: الموصول والموصوف وما سواهما، فجملة أنواع معمولها السببي أحد عشر نوعا وهذه أمثلتها على الترتيب: مثال مصحوب أل "الحسن الوجه", ومثال المضاف إلى ضمير الموصوف "الحسن وجهه", ومثال المضاف إلى المضاف إلى ضميره "الحسن وجه أبيه". ومثال المضاف إلى المجرد "الحسن وجه أب". ومثال المضاف إلى ضمير مضاف إلى مضاف إلى ضمير الموصوف "مررت بامرأة حسن وجه جاريتها جميلة أنفه" فالأنف مضاف إلى ضمير الوجه والوجه مضاف إلى جارية والجارية مضاف إلى ضمير الموصوف.

стр. 843

ومثال المضاف إلى ضمير معمول صفة أخرى "مررت برجلٍ حسن الوجنة جميلٍ خالها" وهو تركيب نادر. وشاهده قول الشاعر١: سبتني الفتاة البضة المتجرد الـ ... لطيفة كشحه وما خلت أن أسبى ومثال المضاف إلى الموصول قوله٢:

стр. 844

فعجتها قِبَل الأخيار منزلة ... والطيبي كل ما التاثت به الأزر ومثال المضاف إلى الموصوف "رأيت رجلا حديدا سنان رمح يطعن به". ومثال الموصول قوله١: وثيرات ما التفّتْ عليه المآزر

стр. 845

ومثال الموصوف قوله١: أزور امرأ جما نوال أعده ... لمن أَمَّهُ مستكفيا أزمة الدهر وهذان القسمان غريبان: ومثال المجرد غيرهما "الحسن وجه". إذا تقرر هذا, فاعلم أن الصفة تعمل في السببي الرفع والنصب والجر مع أل ودون أل, فلها ستة أحوال. وكل منها على أحد عشر تقديرا في المعمول فهذه ست وستون صورة كلها جائزة إلا ما لزم منها إضافة ما فيه أل إلى الخالي من أل, ومن إضافة إلى المعرف بها أو إلى ضمير المعرف بها فيمتنع "الحسن وجهه" و"الحسن وجه أبيه" و"الحسن وجه أب" و"الحسن وجه" ونحوها. ويجوز نحو: "الحسن الوجه"؛ لأنه معرف بأل, و"الحسن وجه الأب"؛ لأنه مضاف إلي المعرف بها, و"الكريم الآباء الغامر جودهم"؛ لأن جودا مضاف إلى ضمير المقرون بها، ذكره في التسهيل٢.

стр. 846

وإلى هذا أشار بقوله: ولا تجرُرْ بها, أي: الصفة، سُما١. مع أل سما من أل خلا. أي: اسما خلا من أل "ومن إضافة لتاليها". وقوله: .......... وما ... لم يخل فهو بالجواز وسما يعني: وما لم يخل من أل ومن إضافة لتاليها, فهو موسوم بالجواز. فإن قلت: كان ينبغي أن يقول: أو من إضافة لمضمر المعرف بها, كما ذكره في التسهيل. قلت: إنما "تركه"٢ هنا؛ لأنه تركيب نادر كما مر. تنبيهان: الأول: لم يتعرض المصنف لبيان أقسام الجائز، وهو ينقسم إلى قبيح وحسن ومتوسط. فالقبيح: ما عري عن الضمير، والحسن: ما كان فيه ضمير واحد، والمتوسط: ما تكرر فيه الضمير، إلا ما تقدم امتناعه، وقد بسطته في غير هذا المختصر٣. الثاني: ما ذكره من الحكم إنما هو النسبي، وقد تقدم أن معمول الصفة يكون ضميرا وعملها فيه جر بالإضافة إن باشرته وخلت من أل نحو: "مررت برجل حسن الوجهِ جميلِهِ", ونصب إن فُصلت أو قُرنت بأل, فالمفصولة نحو: "قريش بخباء الناس ذرية وكرامُهُموها". والمقرونة بأل نحو: "زيد الحسنُ الوجهِ الجميله".

стр. 847

التعجب: استعظام فعل ظاهر المزية، ويدل عليه بألفاظ كثيرة غير ما يذكر في هذا الباب نحو: "سبحان الله" و"لله دره"، لم يبوب لها في النحو؛ لكونها لم تدل عليه بالوضع بل بقرينة. والمبوب له من ألفاظه: أفعَل وأفعِل, وقد أشار إلى الأول بقوله: بأفعل انطق بعد ما تعجُّبا أي: انطق بوزن أفعل بعد ما؛ لإنشاء التعجب أو في حال تعجبك. فقوله: "تعجبا" مفعول له أو حال. وأشار إلى الثاني بقوله: أو جئ بأفعِل قبل مجرور ببا يعني: أو جئ بوزن أفعل قبل اسم مجرور بباء الجر. ثم قال: وتلو أفعل انصبنه مذهب البصريين أنه مفعول به، وزعم الفراء ومن وافقه من الكوفيين أن نصبه على حد النصب في نحو: "زيدٌ كريمٌ الأبَ". فإن قلت: شرط المجرور بعد أفعِل والمنصوب بعد ما أفعَل، أن يكون مختصا لتحصل به الفائدة، ولم ينبه على ذلك. قلت: في تمثيله الآتي إرشاد إليه. ثم مثل الصيغة الأولى بقوله: ........ كما ... أوفى خليلينا....... وهو نظير: "ما أحسن زيدًا" فما اسم لعود الضمير عليها مبتدأ، قيل: بلا خلاف، وقد روي عن الكسائي: أنها لا موضع لها من الإعراب، وهو خلاف شاذ. وبعد ثبوت اسميتها وأنها مبتدأ، ففي معناها خلاف. مذهب سيبويه وجمهور البصريين أنها اسم تام نكرة، والفعل بعدها خبرها، وهو الصحيح لأن

стр. 848

قصد المتعجب الإعلام بأن المتعجب منه ذو مزية إدراكها جلي، وسبب الاختصاص بها خفي، فاستحقت الجملة المعبر بها عن ذلك أن تفتتح بنكرة غير مختصة؛ ليحصل بذلك إبهام متلو بإفهام. فإن قلت: كيف ساغ الابتداء بما, وهي نكرة لا مسوغ لها؟ قلت: سوغها قصد الإبهام، وقد ذكره في التسهيل من المسوِّغات١. وقال الشارح: لأنها في تقدير التخصيص. والمعنى: شيء عظيم أحسن زيدا, أي: جعله حسنا، فهو كقولهم: "شيء جاء بك وشر أهر ذا ناب"٢. انتهى، وفيه نظر. وذهب الأخفش وطائفة من الكوفيين إلى أنها موصولة, والفعل صلتها والخبر محذوف لازم الحذف, تقديره: الذي أحسن زيدًا شيء عظيم. ورد بأنه يستلزم مخالفة النظائر من وجهين: أحدهما: تقدم الإفهام وتأخر الإبهام, والمعتاد فيما تضمن من الكلام إفهاما وإبهاما "أن"٣ يقدم الإبهام. والثاني: التزم حذف الخبر دون شيء سد مسده، وذهب الفراء وابن درستويه إلى أنها استفهامية, ونقله في شرح التسهيل عن الكوفيين. ورده بأن الاستفهام المشوب بالتعجب لا يليه إلا الأسماء نحو: ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ ٤ وما المشار إليها مخصوصة بالأفعال، وبأنها لو كان فيها معنى الاستفهام لجاز أن يخلفها أي.

стр. 849

وبأن قصد التعجب بما أفعله مجمع عليه والاستفهام زيادة لا دليل عليها, فلا يلتفت إليها. قلت: وفي الأول نظر. لأن مذهب الكوفيين أن أفعل اسم, وسيأتي. وذهب الأخفش في أحد أقواله إلى أنها نكرة موصوفة، وأفعل صفتها والخبر محذوف. وثاني أقواله: أنها موصولة، وقد تقدم. وثالثها: كقول سيبويه. ثم مثّل الصيغة الثانية بقوله: وأصدِقْ بِهِما. وهو نظير: "أحسِنْ بزيد". ومذهب جمهور البصريين أن أفعل في نحو: "أحسن بزيد" لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر، فمعنى "أحسن بزيد" أحسن زيد, أي: صار ذا حسن وهو مسند إلى المجرور بعده، والباء الزائدة مع الفاعل مثلها في نحو: ﴿..... وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ١. وذهب الفراء ومن وافقه إلى أنه أمر باستدعاء التعجب من المخاطب مسندا إلى ضميره، واستحسنه الزمخشري وابن خروف، وذهب ابن كيسان إلى أن المخاطب ضمير الحسن كأنه قيل: يا حسن أحسن بزيد, أي: دم به؛ ولذلك كان الضمير مفردا على كل حال، قال ابن طلحة: وهو حسن، وعلى هذين القولين فالباء زائدة مع المفعول؛ لأن من جعل أفعل أمرا حقيقة فالهمزة عنده للتعدية. وأجاز بعض المتأخرين أن تكون الباء للتعدية لا زائدة، والهمزة للصيرورة لا للتعدية، وهو أمر للسبب٢ أو للشخص على القولين.

стр. 850

والصحيح ما ذهب إليه جمهور البصريين؛ لسلامته مما يرد على غيره. ورد المصنف قول الفراء بأربعة أوجه: أحدها: أنه لو كان أمرا لم يكن الناطق به متعجبا, كما لا يكون الآمر بالحلف ونحوه حالفا، ولا خلاف في كونه متعجبا. الثاني: أنه لو كان أمرا لزم إبراز ضميره. الثالث: أنه لو كان مسندا إلى ضمير المخاطب لم يَلِهِ ضمير المخاطب في نحو: "أحسن بك". الرابع: لو كان أمرا لوجب له من الإعلال ما وجب لأقِمْ وابْنِ. ورد قول ابن كيسان بأن من المصادر ما لا يكون إلا مؤنثا كالسهولة والنجابة، فلو كان الأمر على ما توهمه، لقيل في أسهل به وأنجب به: أسهلى به وأنجبى، وقد أجيب عما رد به، وليس "هذا"١ موضع ذكره. تنبيهان: الأول: الباء بعد أفعل لازمة عند الفريقين، إلا إذا كان المتعجب منه أن وصلتها, كقول الشاعر٢:

стр. 851

وأحبِبْ إلينا أن تكون المقدما الثاني: قال في شرح التسهيل: لو اضطر شاعر إلى حذف الباء المصاحبة غير أن لزمه أن يرفع، وعلى قول الفراء يلزم النصب. وقوله: وحذف ما منه تعجبت استبح ... إن كان عند الحذف معناه يضح يعني: أنه يجوز حذف الاسم المنصوب بعد ما أفعل, والمجرور بالباء بعد أفعل؛ فمثال حذفه بعد ما أفعل قول علي رضي الله عنه١: جزى الله عنا والجزاء بفضله ... ربيعة خيرا، ما أعفَّ وأكرَما

стр. 852

أي: ما أعفهم وأكرمهم. ومثاله بعد أفعِل قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ....﴾ ١ -أي: بهم- وإنما حذف مع كونه فاعلا؛ لأن لزومه للجر كساه صورة الفضلة خلافا للفارسي. وذهب قوم إلى أنه لم يحذف, ولكنه استتر في الفعل حين حذفت الباء. ورُدّ بوجهين: أحدهما: لزوم إبرازه حينئذ في التثنية والجمع. والآخر: أن من الضمائر ما لا يقبل الاستتار كنا من: "أكرم بنا"٢. قال في شرح الكافية: ولا تحذف الباء بعد أفعل إلا مع مجرورها, بشرط كون أفعل مسبوقا بآخر معه الفاعل المذكور كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ... ﴾ ٣. وقد تحذف الباء ومجرورها بعد أفعل مفردا, كقول الشاعر٤:

стр. 853

فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميدا وإن يستغن يوما فأجدر فإن قلت: كيف أطلق على الاسم متعجبا منه في قوله: # وحذف ما منه تعجبتَ استبِح والمتعجب منه إنما هو فعله "لا نفسه"١؟ قلت: قد أجاب الشارح بأنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وقوله: إن كان عند الحذف معناه يضح شرط في استباحة حذف المتعجب منه بعد ما أفعل, وأفعل "به"٢. يعني: أن جواز حذفه مشروط بأن يكون المراد واضحا عند الحذف للعلم به, فلو كان مجهولا لا دليل عليه لم يجز حذفه؛ لعدم الفائدة. قوله: وفي كلا الفعلين قدما لزما ... منع تصرف بحكم حُتما قال في شرح التسهيل: لا خلاف في عدم تصرف فعلي التعجب, انتهى. وقد أجاز ابن هشام الإتيان بمضارع ما أفعَل, فتقول: "ما يحسن زيدا".

стр. 854

وهو قياس ولم يسمع, فوجب اطّراحه. فإن قلت: فهلا جعلوا أفعِل أمرا من أفعَل؟ قلت: المانع من ذلك كون الهمزة في أفعِل للصيرورة، وفي ما أفعل للنقل، هذا تفريع على مذهب الجمهور. قلت: صرح المصنف في هذا البيت بفعلية صيغتي التعجب. وأما ما أفعله ففيه خلاف؛ ذهب البصريون والكسائي إلى فعليته, وذهب الكوفيون إلى اسميته ولم يستثنه بعضهم، فلعل له قولين. والصحيح أنه فعل؛ لبنائه على الفتح، ولنصبه المفعول به، وليس من الأسماء التي تنصبه، وللزومه مع ياء المتكلم نون الوقاية نحو: "ما أفقرني إلى عفو الله" ذكر ذلك المصنف. قلت: قد حكى الكوفيون عن العرب حذف هذه النون، ولم يجعلوها لازمة، واستدلوا على الاسمية بعدم تصرفه، وبتصغيره، وبصحة عينه. وأجيب: بأن امتناع تصرفه؛ لأنه لزم طريقة واحدة، وبأن تصغيره وصحة عينه لشبهه بأفعل التفضيل. وأما أفعل, فقال المصنف وغيره: لا خلاف في فعليته، وفي كلام ابن الأنباري ما يدل على اسميته، قال: وأحسن لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث لأنه اسم، انتهى. فإن قلت: ما إعراب: "ما أحسن زيدًا" عند القائلين باسمية أفعل؟ قلت: نقل الفراء أن الأصل في "ما أظرف زيدا" ما أظرفُ زيد على الاستفهام, ثم نقلوا الصيغة من زيد وأسندوها إلى ضمير "ما", وانتصب زيد بالظرف فرقا بين الخبر والاستفهام، والفتحة في أفعل فتحة إعراب وهو خبر عن "ما", وإنما انتصب؛ لكونه خلاف المبتدأ الذي هو "ما", إذ هو في الحقيقة خبر عن زيد.

стр. 855

وزعم بعض الكوفيين أن أفعل مبني وإن كان اسما؛ لأنه مضمن معنى التعجب وأصله أن يكون للحرف. وقوله: وصفهما من ذي ثلاث صرفا ... قابل فضل تم غير ذي انتفا وغير ذي وصف يضاهي أشهلا ... وغير سالك سبيل فعلا اشتمل هذان البيتان على شروط ما يصاغ منه فعلا التعجب قياسا، وهي ثمانية: الأول: أن يكون فعلا، فلا يصاغان من غيره، وبذلك ظهر خطأ من يقول من الكلب: ما أكلبه، ومن الحمار: ما أحمره. وشذ من ذلك قوله: "أَقْمِنْ به" اشتقوه من قَمِن, أي: حقيق. وذكر المصنف منه قولهم: "ما أذرَعها" بمعنى: ما أخفها في الغزل، وهو من قولهم: امرأة ذَرَاع، قال: ولم يسمع منه فعل. وحكى ابن القطاع١: "ذُرعت المرأة": خفت يداها في الغَزْل فهي ذراع, فعلى هذا ليس بشاذ. فإن قلت: فلِمَ ينص الناظم هنا على هذا الشرط؟ قلت: هو مفهوم من قوله: "من ذي ثلاث". "لأن التقدير: من قبل ذي ثلاث"٢, فحذف الموصوف للعلم به.

стр. 856

الثاني: أن يكون ثلاثيا. ونعني به ثلاثي اللفظ، فلا يصاغان من الرباعي المجرد باتفاق نحو: دحرج، ولم يشذ منه شيء. وأما الثلاثي المزيد, فإن كان أفعل ففيه مذاهب: أحدها: جواز صوغهما منه قياسا مطلقا، وهو اختيار المصنف، قال: وهو مذهب سيبويه والمحققين من أصحابه. والثاني: منعه إلا أن يشذ شيء فيحفظ, وهو مذهب الأخفش والمازني والمبرد وابن السراج والفارسي ومن وافقهم. والثالث: التفصيل، فإن كانت همزته للنقل لم يجز، وإن كانت لغيره جاز, وصححه ابن عصفور ونسبه إلى سيبويه، والظاهر أن مذهب سيبويه هو الأول؛ لتمثيله بأعطى والهمزة فيه للنقل، يقال: عطوت بمعنى تناولت، وأعطيت بمعنى ناولت، قلت: والقياس على ذلك عند من أجازه مشروط بعدم مانع آخر، فإن وجد مانع لم يجز نحو: أودى بمعنى هلك، فإنه غير قابل للتفاضل، نحو: أجاب فإنهم استغنوا عنه بما أفعل فعله، فلا يقال: ما أجوبه, بل ما أجود جوابه، ذكره سيبويه. وإن كان غير أفعل فقد شذ منه ألفاظ, منها: ما أشده من اشتد، وما أشوقه من اشتاق، وما أحوله من احتال، وما أخصره من اختُصر. وفيه شذوذان؛ لأنه مزيد ومبني للمفعول. وليس من الشاذ: ما أفقره وما أشهاه وما أحياه، خلافا لأكثرهم؛ لثبوت فَقِرَ وفَقَرَ بمعنى افتقر، وشهي بمعنى اشتهى، وحيي بمعنى استحيا. ولا حجة في قول من خفي عليه ما ظهر لغيره. ونقل عن الأخفش أنه أجاز التعجب في كل فعل مزيد على استكراه، كأنه راعى أصله. الثالث: أن يكون متصرفا، فلا يصاغان من غير المتصرف كنعم وبئس, وشذ من ذلك قولهم: "ما أعساه" و"أعسِ به".

стр. 857

فإن قلت: ينبغي أن يقال: كامل التصرف؛ احترازا "من"١ نحو: يدع ويذر. قلت: إذا أطلق المتصرف فهو محمول على كامل التصرف. الرابع: أن يكون قابلا للتفاضل، فلا يصاغان من فعل لا يقبل ذلك نحو: مات وفني وحدث؛ لأنه لا مزية فيه لبعض فاعليه على بعض. الخامس: أن يكون تاما، فلا يصاغان من الأفعال الناقصة خلافا لمن أجاز صوغهما من كان الناقصة. السادس: أن يكون مثبتا, فلا يصاغان من فعل مقصود نفيه لزوما كلم يَعِجْ, أو جوازا كلم يَعُجْ كذا. قال في شرح التسهيل: يعني: أن عاج يعيج بمعنى انتفع لم يستعمل إلا منفيا, وعاج يعوج بمعنى مال استعمل مثبتا ومنفيا. ونوزع في اختصاص الأول بالنفي، فإنه ورد مثبتا فيما أنشده أبو علي القالي في نوادره, قال: أنشدنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي٢:

стр. 858

ولم أر شيئا بعد ليلى ألذه ... ولا منظرا أروى به فأعيج السابع: ألا يكون معبرا عن فاعله بأفعل فعلاء، فلا يصاغان من شهل وحول، ولا فرق بين أن يكون من المحاسن كالأول، أو من العيوب كالثاني. وعلة المنع عند الجمهور أن حق ما يصاغان منه أن يكون ثلاثيا محضا. وأصل الفعل في هذا النوع أن يكون على أفعل. قال في شرح التسهيل: وعندي تعليل آخر أسهل منه، وهو أن يقال: لما كان بناء الوصف من هذا النوع على أفعل لم يُبْنَ منه أفعل التفضيل؛ لئلا يلتبس أحدهما بالآخر، فلما امتنع صوغ أفعل التفضيل امتنع صوغ فعل التعجب؛ لتساويهما وزنا ومعنى, وجريانهما مجرى واحدا في أمور كثيرة. قال: وهذا الاعتبار بيّن ورجحانه متعيّن. وشذ من هذا النوع قولهم: "ما أحمقه" و"ما أرعنه" و"ما أهوجه" و"ما أنوكه", بمعنى: ما أحمقه، وما ألده من لد إذا كان عسر الخصومة، ومنه الوصف من كل هذه على أفعل في التذكير، وفعلاء في التأنيث. وكلامه في الكافية والتسهيل، يقتضي ظاهره أن صوغهما من فِعْلِ أفعَل إذا فهم جهلا أو عسرا مقيس١. الثامن: ألا يكون مبنيا للمفعول, فلا تقول: "ما أضرب زيدا" وأنت تتعجب من الضرب الواقع "به"٢.

стр. 859

وعلته عند قوم خوف اللبس، وإليه ذهب المصنف؛ فلذلك حكم باطراد صوغهما منه عند أمن اللبس كقولهم: "ما أشغله" من شغل, و"ما أجنّه" من جُنّ, و"ما أولعه" من وُلِع، و"أزهاه" من زُهي. قال المصنف: وهذا الاستعمال في أفعل التفضيل أكثر منه في التعجب. وعلته عند قوم: أن الفعل المتعجب منه لا بد أن يكون قبل دخول همزة النقل على فعُل أصلا أو تحويلا، وفعُل أبدا لا يكون فِعْل مفعول، وإليه ذهب ابن عصفور؛ فلذلك جعل ما ورد من ذلك شاذا. قال: وينبغي أن يتأول على أنه متعجب فيه من فعل فاعل في معنى فعل مفعول لم ينطق به. قلت: بقي شرط تاسع لم يذكره هنا، وهو ألا يستغنى عنه بالمصوغ من غيره نحو: قال من القائلة, فإنهم لا يقولون: ما أقيَله؛ استغناء بقولهم: "ما أكثر قائلته, وما أنومه في ساعة كذا، كما قالوا: تركت ولم يقولوا: ودَعت، نص على ذلك سيبويه". وقد ذكر في التسهيل فقال: ويُغني في التعجب فعل عن فعل مستوف للشروط، كما يغني في غيره١, وذكر "ذلك"٢ في شرحه. من ذلك "سكر" و"قعد" و"جلس" ضدي "قام" و"قال" من القائلة، وزاد غيره "قام" و"غضب" و"نام" وممن ذكر السبعة ابن عصفور. وعَدّ "نام" فيها غير صحيح؛ لأن سيبويه حكى: ما أنومه. فإن قلت: قد ذكر بعضهم في شروطه أن يكون على فعُل أصلا أو تحويلا، وذكر بعضهم أن يكون واقعا٣, وذكر بعضهم أن يكون دائما، فهذه ثلاثة شروط لم يذكرها الناظم.

стр. 860

قلت: أما اشتراط كونه على فعُل, فقد ذهب إليه كثير. والصحيح أن صيغتي التعجب تبنيان من فعَل وفَعِل ولا تحتاجان إلى تحويل وهذا اختيار المصنف، وظاهر كلام سيبويه، قال: وهي تبنى من فعَل وفعِل وفعُل. وأما اشتراط الواقع والدوام فليس بصحيح، بل يجوز: ما أحسن ما يكون هذا الطفل، وليس بواقع، وما أشد لمع البرق، وليس بدائم. وقوله: وأشدِدْ أو أشدَّ أو شبههما ... يخلف ما بعض الشروط عدما ومصدر العادم بعد ينتصب ... وبعد أفعل جره بالبا يجب يعني: أنه إذا قصد التعجب من فعل عدم بعض الشروط المذكورة, لم يجز صوغ صيغتي التعجب منه، بل يتوصل إلى التعجب منه بصوغهما مما جمع الشروط، ويؤتى بمصدر الفعل الذي عدم بعض الشروط فيعامل معاملة الاسم المتعجب منه فينصب بعد ما أفعل، ويجر بالباء بعد أفعل مضافا إلى اسم المتعجب منه, فيقال في التعجب من استخرج ونحوه: ما أشد استخراجه وأشدد باستخراجه ومن "نحو"١ مات: ما أفجع موته وأفجع بموته. هذا حاصل البيت. تنبيه: هذا العمل يصح في كل متصرف مثبت مصوغ ذي مصدر مشهور, إذا لم يستوف بقية الشروط. فإن كان غير متصرف لم يكن فيه هذا العمل؛ لأنه لا مصدر له، وإن كان منفيا أو مبنيا للمفعول لم يصح ذلك فيه، إلا بأن يؤتى به صلة لحرف مصدري معطى ما للمتعجب منه، فيقال: ما أقرب ألا يفعل وأقرب بألا يفعل، وما أشد ما ضرب وأشدد بما ضرب. وإنما فعل ذلك؛ ليبقي لفظ النفي ولفظ الفعل المبني للمفعول.

стр. 861

قال الشارح: ولو أمن اللبس, جاز إيلاؤه المصدر الصريح نحو: ما أسرع نفاس هند, وأسرع بنفاسها. فإن لم يكن للفعل مصدر مشهور, فالحكم أن يجعل صلة لما أيضا نحو: ما أكثر ما يذر زيد الشر. وقوله: وبالندور احكم لغير ما ذُكر ... ولا تَقِس على الذي منه أُثر الإشارة بهذا البيت إلى أنه قد ورد بناء فعل التعجب مما لم يستوف الشروط على وجه الشذوذ "فيحفظ ولا يقاس", وقد تقدم بيان ما شذ من ذلك. وقوله: وفعل هذا الباب لن يقدما ... معموله ووصله به الزما قال في شرح الكافية: لا خلاف في منع تقديم المتعجب منه على فعل التعجب، ولا في منع الفصل بينهما بغير ظرف وجار ومجرور، وتبعه الشارح في نفس الخلاف عن غير الظرف والمجرور، قال: كالحال والمنادى. وليس كما زعما, بل في الحال خلاف. أجاز الجرمي من البصريين وهشام من الكوفيين الفصل بالحال١, وقد ورد في الكلام الفصيح ما يدل على جواز الفصل بالمنادى, وذلك قول علي رضي الله عنه٢: أعزز عليّ أبا اليقظان أن أراك صريعا مجدلا وقال في شرح التسهيل بعد ذكر كلام علي ﵁: وهذا مصحِّح للفصل بالنداء. وأجاز الجرمي الفصل بالمصدر نحو: "ما أحسن إحسانًا زيدًا" ومنعه الجمهور؛ لمنعهم أن يكون له مصدر.

стр. 862

وأجاز ابن كيسان الفصل بلولا ومصحوبها، نحو: "ما أحسن لولا بخله زيدا" ولا حجة له على ذلك. وأما الظرف والمجرور, ففيهما خلاف مشهور. قال في شرح الكافية: والصحيح الجواز؛ لثبوت ذلك عن العرب. وقال في شرح التسهيل: لم يمتنع ولم يضعف؛ لثبوت ذلك نثرا ونظما وقياسا. فمن النثر قول عمرو بن معديكرب: "لله در بني سالم, ما أحسن في الهيجاء لقاءها، وأكرم في اللَّزبات عطاءها، وأثبت في المكرمات بقاءها"١، ومن النظم قول بعض الصحابة رضي الله عنهم٢: وقال نبي المسلمين تقدموا ... وأحبب إلينا أن تكون المقدما وقول الآخر٣: أقيم بدار الحزم ما دام حزمها ... وأحْرِ إذا حالت بأن أتحولا

стр. 863

ومن القياس أن الفصل بالظرف والمجرور, مغتفر بين المضاف والمضاف إليه فهنا أولى. وأجاز بعضهم الفصل بهما على قبح. فالحاصل ثلاثة مذاهب، والجواز مذهب الفراء والجرمي والمازني والزجاج والفارسي وابن خروف والشلوبين. وإلى المنع ذهب الأخفش والمبرد وأكثر البصريين، ونسبه الصيمري١ إلى سيبويه. والحق أنه ليس لسيبويه فيه نص، قال الشلوبين: والصواب أن ذلك جائز, وهو المشهور والمتصور. قلت: وقد أشار في النظم إلى ترجيح الجواز بقوله: "مستعمل"؛ لأن استعماله دليل جوازه. تنبيه: جواز الفصل بالظرف والمجرور عند المجيز مشروط بكونهما متعلقين بفعل التعجب، فإن لم يتعلقا به امتنع الفصل بهما كما امتنع بغيرهما, فلا يجوز: "ما أحسن بمعروف آمرا" وذكر في شرح التسهيل أنه لا خلاف في ذلك.

стр. 864

نعم وبئس وما جرى مجراهما: فعلان غير متصرفين ... نعم وبئس رافعان اسمين قوله: "فعلان" خبر مقدم لنعم وبئس، وفي ذلك خلاف. وفي نقله طريقان: أحدهما: أن البصريين والكسائي ذهبوا إلى فعليتهما, واستدلوا بأوجه: أحدها: اتصال تاء التأنيث الساكنة بهما عند جميع العرب. والثاني: اتصال ضمير الرفع البارز بهما في لغة قوم, وحكاها الكسائي والأخفش. والثالث: بناؤهما على الفتح كسائر الأفعال الماضية. وذهب الفراء وأكثر الكوفيين إلى أنهما اسمان، واستدلوا بدخول حرف الجر في نحو قوله: "ما هي بنعم الولد"١ و"نعم السير على بئس العير"٢. ويؤول على: بمقول فيها: نعم الولد, وعلى: مقول فيها: بئس العير. والأخرى: حررها ابن عصفور في تصانيفه المتأخرة, فقال: لا يختلف أحد من النحويين البصريين والكوفيين في أن نعم وبئس فعلان، وإنما الخلاف بينهم بعد إسنادهما إلى الفاعل. فذهب البصريون: أن "نعم الرجل" جملة فعلية وكذلك "بئس الرجل". وذهب الكسائي إلى أن قولك: "نعم الرجل" و"بئس الرجل" اسمان محكيان

стр. 865

حيث وقعا بمنزلة تأبط شرا وبرق نحره، فنعم الرجل عنده اسم للممدوح وبئس الرجل اسم للمذموم، وهما جملتان في الأصل نقلتا عن أصلهما وسمي بهما. وذهب الفراء إلى أن الأصل في قولك: "نعم الرجل زيد" و"بئس الرجل عمرو": رجل نعم الرجل زيد، ورجل بئس الرجل عمرو، فحذف الموصوف الذي هو رجل وأُقيمت الصفة التي هي الجملة من نعم وفاعلها وبئس وفاعلها مقامه. فحكم لها بحكمه، فنعم الرجل من قولك: نعم الرجل زيد، وبئس الرجل من قولك: بئس الرجل عمرو، عندهما رافعان لزيد وعمرو، كما أنك لو قلت: ممدوح زيد ومذموم عمرو، لكان زيد مرفوعا بممدوح، وعمرو مرفوعا بمذموم. والذي حملهما على ذلك أنهما رأيا العرب قد حكمت لنعم الرجل وبئس الرجل بحكم الأسماء في بعض المواضع، فحملاهما على ذلك في سائر المواضع. وقوله: "غير متصرفين" سبب عدم تصرفهما لزومهما إنشاء المدح والذم. وفي نعم أربع لغات: نَعِم وهي الأصل, ونَعْم بالتخفيف, ونِعِم بالإتباع, ونِعْم بالتخفيف بعد الإتباع، قيل: وأفصحها نِعْم وهي لغة القرآن, ثم نِعِم بالإتباع نعم وهي الأصلية وقرئ "بها"١: "فنِعِمَّ هي"٢ ثم نعم في المرتبة الرابعة. وحكى بعضهم: "نعيم الرجل" واستدل به على الاسمية؛ لأن فعيلا من أوزان الأسماء. ورُد بأن ذلك من باب الإشباع على سبيل الشذوذ، فلا يثبت لغة. وأما بئس, فنص كثير على أن فيها اللغات الأربع، وقال بعضهم: لم يسمع فيها إلا لغتان: بيس -بالتخفيف بعد الإتباع- وبئس على الأصل، والأخريان بالقياس. وقال ابن عصفور والمحققون: الهمزة يبدلون منها ياء فيقولون: بيس.

стр. 866

وحكى الأخفش وأبو علي: بيس, بفتح الباء وتسكين الياء. وقوله: "رافعان اسمين" يعني: أن كلا منهما يقتضي مرفوعا على الفاعلية؛ لأنهما فعلان كما سبق. فإن قلت: كون المرفوع بعدهما فاعلا، إنما هو على مذهب البصريين، فما وجه رفعه على مذهب الكوفيين؟ قلت: أما على الطريقة الأولى, فقال في البسيط: ينبغي أن يكون تابعا عندهم لنعم إما بدلا أو عطفا، ونعم اسم يراد به الممدوح, فكأنك قلت: الممدوح الرجل زيد, وأما على الثانية فواضح. وقوله: "مقارني أل" نعت لقوله: "اسمين". وحاصل كلامه أن فاعل نعم وبئس يكون قسمين: ظاهرا ومضمرا. فالظاهر شرطه أن يكون معرفا بأل نحو: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ١. أو مضافا إلى معرف بهما نحو: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ ٢. "أو مضافا إلى"٣ مضاف إلى المعرف بهما نحو٤: فنعم ابن أخت القوم غير مكذَّب ... زهير حسامٌ مفردٌ من حمائل

стр. 867

وقد أشار إلى الأول بقوله: "مقارني أل". وإلى الثاني بقوله: "أو مضافين لما قارنها". ومثل بقوله: "كنعم عقبى الكرما". ولم ينبه على الثالث؛ لكونه بمنزلة الثاني, وقد نبه عليه في التسهيل١. تنبيهات: الأول: اشتراط كون الظاهر معرفا بأل أو مضافا إلى المعرفة بها "أو إلى"٢ المضاف إلى المعرف بها، هو الغالب، وأجاز بعضهم أن يكون مضافا إلى ضمير ما فيه أل كقوله٣: فنعم أخو الهيجا ونعم شبابها

стр. 868

والصحيح أنه لا يقاس عليه؛ لقلته. وأجاز الفراء أن يكون مضافا إلى نكرة كقوله١: فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم ونقل إجازته عن الكوفيين وابن السراج، وخصه عامة النحويين بالضرورة. وزعم صاحب البسيط أنه لم يرد نكرة غير مضافة، وليس كما زعم، بل ورد، ولكنه أقل من المضافة. وحكى الأخفش أن ناسا من العرب يرفعون بنعم النكرة مفردة ومضافة, ومنه قوله٢: ونعم نيم.

стр. 869

وقد جاء ما ظاهره أن الفاعل علم أو مضاف إلى علم كقول بعض العبادلة: "بئس" عبد الله أنا "إن كان كذا", وكقول النبي ﷺ : "نعم عبد الله خالد بن الوليد" ١. وقول سهل بن حنيف: "شهدت صفين, وبئست صفّون". قال ابن عصفور: وأجاز الجرمي أن يقال: "نعم عبدُ الله هذا". والصحيح أن ذلك لا يجوز؛ لأن عبد الله ليس معرفا بالألف واللام, ولا مضافا إلى ما تعرف بهما. فأما قول الشاعر٢: بئس قوم الله قوم طُرقوا ... فقروا جارهم لحما وحر فضرورة.

стр. 870

وكأن الذي سهل ذلك كون قوم يقع على ما يقع عليه القوم معرفا بالألف واللام, وهو مع ذلك مضاف في اللفظ إلى ما فيه الألف واللام، وإن لم يكن تعريفه بهما. وأجاز المبرد والفارسي: إسناد نعم وبئس إلى الذي الجنسية١. ومنع ذلك الكوفيون وجماعة من البصريين منهم: ابن السراج وأبو عمر٢ في الفرخ. قال: ولم يرد به سماع، والقياس المنع؛ لأن كل ما كان فاعلا لنعم وكان فيه أل, كان مفسرا للضمير المستتر فيها إذا نُزعت منه و"الذي" ليست كذلك. قال في شرح التسهيل: ولا ينبغي أن يمنع؛ لأن "الذي" جعل بمنزلة الفاعل؛ ولذلك اطرد الوصف به. الثاني: اعلم أن ما ورد مما يوهم ظاهره أن الفاعل علم, أو مضاف إلى علم يمكن تأويله على أن الفاعل ضمير مستتر حُذف مفسره، والعلم أو المضاف إليه هو المخصوص. ذكر هذا التأويل في شرح التسهيل، وهو مبني على جواز حذف التمييز في

стр. 871

نحو ذلك، وسيأتي بيانه، ويمكن أن يحمل على هذا أيضا ما أوهم كون فاعلهما نكرة، إلا أن حكاية الأخفش أن١ ذلك لغة لقوم وتدفع التأويل. الثالث: "أل"٢ في فاعل نعم, ذهب الأكثرون أنها جنسية ثم اختلفوا: فقيل: حقيقة، فإذا قلت: "نعم الرجل زيد", فالجنس كله هو الممدوح، وزيد مندرج تحت الجنس؛ لأنه فرد من أفراده، ولهؤلاء في تقريره قولان: أحدهما: أنه لما كان الغرض المبالغة في إثبات المدح للممدوح جُعل المدح للجنس الذي هو منهم، إذ الأبلغ في إثبات الشيء جعله للجنس؛ حتى لا يتوهم كونه طارئا على المخصوص. والثاني: أنه لما قصدت المبالغة, عدوا المدح إلى جنس المقصود بسببه. فكأنه قيل: ممدوح جنسه لأجله، وقيل: مجاز. فإذا قلت: "نعم الرجل زيد" جعلت زيدا جميع الجنس مبالغة، ولم تقصد غير مدح زيد. وذهب قوم إلى أنها عهدية، ثم اختلفوا فقيل: المعهود ذهني كما تقول: "اشتر اللحم" ولا تريد الجنس ولا معهودا تقدم، وأراد بذلك أن يقع إبهام يأتي التفسير بعده تفخيما للأمر، وقيل: المعهود هو الشخص الممدوح. فإذا قلت: "زيد نعم الرجل", فكأنك قلت: زيد نعم هو. واستدل هؤلاء بتثنيته وجمعه. وعلى القول بأنها للاستغراق بأن المعنى أن هذا المخصوص يَفْضُل أفراد هذا الجنس, إذا ميزوا رجلين رجلين, أو رجالا رجالا. وعلى القول بأنها للجنس مجازا, بأن كل واحد من الشخصين على حِدَته جنس، فاجتمع جنسان فثُنِّيا.

стр. 872

وقد بسطت الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع. الرابع: لا يجوز إتباع فاعل نعم وبئس بتوكيد "معنوي"١. قال في شرح التسهيل: باتفاق. قال: وأما التوكيد اللفظي فلا يمتنع، وأما النعت فمنعه الجمهور، وأجاز أبو الفتح في قوله٢: لبئس الفتى المدعوّ بالليل حاتمُ قال في شرح التسهيل: وأما النعت فلا ينبغي أن يُمنع على الإطلاق, بل يمنع إذا قُصد به التخصيص مع إقامة الفاعل مُقَام الجنس؛ لأن تخصيصه حينئذ منافٍ لذلك المقصد.

стр. 873

وأما إذا تؤول بالجامع لأكمل الخصال, فلا مانع من نعته حينئذ؛ لإمكان أن ينوى في النعت ما نوي في المنعوت، وعلى هذا يُحمل قول الشاعر١: نعم الفتى المُرِّي أنت إذا هُمُ ... حضروا لدى الحُجرات نار الموقد وحمل ابن السراج وأبو علي مثل هذا على البدل، وأَبَيَا النعت، ولا حجة لهما. انتهى. وأما البدل والعطف, فظاهر سكوته في شرح التسهيل جوازهما. وينبغي ألا يجوز فيهما إلا ما تباشره نعم. ولما بين الظاهر, شرع في "بيان"٢ المضمر فقال: ويرفعان مضمرا يفسره ... مميز كنعم قومًا معشره

стр. 874

فاعل "نعم" في المثال ضمير مبهم مفسر بالتمييز بعده, و"معشره" هو المخصوص بالمدح، وسيأتي إعرابه. ولهذا الضمير أحكام: أحدها: أنه لا يبرز في تثنية ولا جمع؛ استغناء بتثنية تمييزه وجمعه. وأجاز قوم من الكوفيين تثنيته وجمعه، وحكاه الكسائي عن العرب. ومنه قول بعضهم: "مررت بقوم نعمُوا قوما" وهو نادر. الثاني: أنه لا يُتبع لشبهه بضمير الشأن، وأما نحو: "نعم هم قوما أنتم" فهم تأكيد للضمير المستكن، وذلك شاذ لا يعرج عليه. الثالث: أنه إذا فُسِّر بمؤنث لحقته تاء التأنيث فتقول: "نعمت امرأة هند" كذا مثله في شرح التسهيل. وقال ابن أبي الربيع: لا تلحق، وإنما يقال: "نعم امرأة هند" استغناء بتأنيث المفسِّر، ونص خطاب على جواز الأمرين. الرابع: ذهب القائلون بأن فاعل "نعم" الظاهر يراد به الشخص، إلى أن المضمر كذلك، وأما القائلون بأن الظاهر يراد به الجنس، فذهب أكثرهم إلى أن المضمر كذلك، وذهب بعضهم إلى أن المضمر لشخص، قال: لأن المضمر على التفسير, لا يكون في كلام العرب إلا شخصا. ولمفسر هذا المضمر شروط: الأول: أن يكون مؤخرا عنه، فلا يجوز تقديمه على نعم وبئس. الثاني: أن يتقدم على المخصوص, فلا يجوز تأخيره عنه عند البصريين. وأما قولهم: "نعم زيد رجلا" فنادر. الثالث: أن يكون مطابقا للمخصوص في الإفراد وضدَّيه، وفي التذكير وضده.

стр. 875

الرابع: أن يكون قابلا لأل، فلا يفسر بمثل وغير وأيّ وأفعل التفضيل؛ لأنه خلف عن فاعل مقرون بأل, فاشتُرط صلاحيته لهما، وسيأتي الكلام على التمييز بما. الخامس: أن يكون نكرة عامة، فلو قلت: "نعم شمسا هذه "الشمس""١ لم يجز؛ لأن الشمس مفرد في الوجود، ولو قلت: "نعم شمسا شمس هذا اليوم" لجاز. ذكره ابن عصفور. تنبيهان: الأول: نص سيبويه على لزوم ذكر هذا التمييز، وصحح بعضهم أنه لا يجوز حذفه، وإن فهم المعنى، ونص بعض المغاربة على شذوذ "فبها ونعمت". وقال في التسهيل: لازم غالبا٢؛ استظهارا على نحو: "فبها ونعمت"٣. وممن أجاز حذفه لفهم المعنى ابن عصفور. الثاني: ما ذكر من أن فاعل "نعم" قد "يضمر"٤ فيها هو مذهب الجمهور، وذهب الكسائي إلى أن الاسم المرفوع بعد النكرة المنصوبة فاعل نعم, والنكرة عنده منصوبة على الحال, ويجوز عنده أن تتأخر فيقال: "نعم زيدٌ رجلًا", وذهب الفراء إلى أن الاسم المرفوع فاعل كقول الكسائي، إلا أنه جعل النكرة المنصوبة تمييزا منقولا. والأصل في قولك: "نعم رجلا زيد": "نعم الرجلُ زيدٌ" ثم نقل الفعل إلى اسم الممدوح فقيل: "نعم رجلًا زيدٌ" ويقبح عنده تأخيره؛ لأنه وقع موقع الرجل المرفوع وأفاد إفادته.

стр. 876

والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لوجهين: أحدهما: قولهم: "نعم رجلا أنت" و"بئس رجلا هو", فلو كان فاعلا لاتصل بالفعل. والثاني: قولهم: "نعم رجلا كان زيد", فأعملوا فيه الناسخ. قوله: وجمع تمييز وفاعل ظهر ... فيه خلاف عنهُمُ قد اشتهر في الجمع بين التمييز والفاعل الظاهر ثلاثة مذاهب: المنع وهو مذهب سيبويه، إذ لا إبهام يرفعه التمييز. والجواز وهو مذهب المبرد وابن السراج والفارسي. قال المصنف: وهو الصحيح، واستدل بالقياس والسماع. فالقياس أن التمييز قد ورد مؤكدا, لا لرفع الإبهام في نحو قوله١: ولقد علمتُ بأن دين محمد ... من خير أديان البريّة دينا فلا يمتنع مع الفاعل الظاهر للتوكيد "لا لرفع الإبهام"٢.

стр. 877

والسماع قوله١: تزود مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك زادا وقول الآخر٢: والتغلبيون بئس الفحل فحلهم ... فحلا............

стр. 878

وقول الآخر١: نعم الفتاةُ فتاةً هندُ لو بذلت ... رد التحية نطقا أو بإيماء وحكي من كلام العرب: "نعم القتيلُ قتيلًا أصلح بين بكر وتغلب"٢. وهذا وارد في الاختيار. وتأول المانع السماع. أما فحلا وفتاة وقتيلا فحال مؤكدة، وأما زادا فمصدر محذوف الزوائد، أو مفعول به "وقيل"٣: حال.

стр. 879

قال الشيخ أبو حيان: وعندي تأويل أقرب من هذا، وذلك أن يدعى أن في نعم وبئس ضميرا، وفحلا وفتاة وزادا تمييز تأخر عن المخصوص، وفحلهم وهند وزاد أبيك إبدال. والمذهب الثالث التفصيل، فإن أفاد التمييز معنًى لا يفيده الفاعل جاز نحو: "نعم الرجل رجلًا عالمًا" ومنه في الأثر: "نعم المرءُ من رجل لم يطأ لنا فراشا, ولم يفتش لنا كنفا منذ أتانا"١. ومنه قوله٢: ................. ... فنعم المرء من رجل تهامي

стр. 880

وقوله١: وقائلة نعم الفتَى أنت من فتًى ... ............. لأن المعنى: من مُتَفَتٍّ أي: كريم. فأفاد ما لا يفيده الفاعل، وإلا لم تجز، وصححه ابن عصفور. تنبيه: ما نقل عن سيبويه من المنع هو المعروف من مذهبه، وتأول الفارسي كلامه على أنه إنما عنى أنه لا يكون الفاعل ظاهرا حيث يلزم التمييز, بل الفاعل في حال لزوم التمييز مضمر لا غير، وفيه بعد. وقوله: ومما مُمَيِّز وقيل فاعل ... في نحو نعم ما يقول الفاضل إذا وقعت ما بعد نعم وبئس, فتارة يليها فعل نحو: "نعم ما صنعت", وتارة يليها اسم نحو: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ ٢.
следующие страницы →