وقيل: إنها تكون عاطفة جملة على جملة, إذا وردت بغير واو.
قال ابن أبي الربيع: وهو ظاهر كلام سيبويه.
فإن قلت: فما المفهوم من كلام الناظم؟
قلت: المفهوم من اشتراطه قبل العاطفة النفي والنهي، أن الواقعة قبل الجملة غير عاطفة، إذ لا يشترط فيها ذلك.
ثم انتقل إلى "لا", فقال:
.............. ... ولا نداء او أمرا أو إثباتا تلا
أي: وأَوْلِ "لا" نداء نحو: "يا يزيد لا عمرو" أو أمرا نحو: "اضرب زيدا لا عمرا" أو إثباتا نحو: "زيد كاتب لا شاعر".
وزعم ابن سعدان أن العطف "بلا" على منادى ليس من كلام العرب, ونص على جوازه سيبويه.
ومنع أبو القاسم الزجاجي في كتاب معنى الحروف أن يُعطَف بها بعد الفعل الماضي, وليس منع ذلك بصحيح؛ لثبوته في كلام العرب.
تنبيهات:
الأول: في معنى الأمر الدعاء نحو: "غفر الله لزيد لا بكر", والتحضيض نحو: "هلا تضرب زيدا لا عمرا".
الثاني: أجاز الفراء العطف بها على اسم "لعلّ" كما يعطف بها على اسم "إنّ".
نحو: "لعل زيدًا لا عمرًا منطلق".
الثالث: فائدة العطف "بلا" قَصْر الحكم على ما قبلها؛ إما قصر أفراد كقولك: "زيد كاتب لا شاعر"، ردا على من يعتقد أنه كاتب وشاعر.
وإما قصر قلب، كقولك: "زيد عالم لا جاهل"، ردا على من يعتقد أنه جاهل.
стр. 982
الرابع: شرط عطف الاسم "بلا" أن يكون ما بعدها غير صالح لإطلاق ما قبلها عليه؛ فلذلك لا يجوز: "قام رجل لا زيد".
الخامس: قد يحذف المعطوف عليه "بلا" نحو: "أعطيتُك لا لتظلم" أي: لتعدل لا لتظلم.
السادس: لا يعطف "بلا" إلا مفرد أو جملة لها موضع من الإعراب نحو: "زيد يقوم لا يقعد".
فإن لم يكن للجملة موضع لم تكن عاطفة؛ ولذلك يجوز الابتداء بها.
وفي النهاية: وتعطف لا الجملة "على الجملة"١ نحو: "زيد قائم لا عمرو جالس".
ثم انتقل إلى "بل" فقال:
وبل كلكن بعد مصحوبيها ... .............................
مصحوبا "لكن" هما النفي والنهي.
فإذا عطفت "بل" بعدهما، فهي كلكن, يعني: لتقرير حكم ما قبلها وجعل ضده لما بعدها نحو: "ما قام زيد بل عمرو", "فتقرر"٢ نفي القيام عن زيد، وتثبته لعمرو.
ومثله:
كلم أكن في مربع بل تَيْها
والمربع: منزل الربيع، والتيهاء: الأرض التي لا يُهتدَى بها.
وتقول: "لا تضرب زيدا بل عمرا" فتقرر النهي عن زيد, وثبت الأمر بضرب عمرو.
ووافق المبرد على هذا الحكم، وأجاز مع ذلك كون "بل" ناقلة حكم النفي والنهي لما بعدها.
стр. 983
ووافقه على ذلك أبو الحسين عبد الوارث.
قال المصنف: وما أجازه مخالف الاستعمال.
ثم قال:
وانقُل بها للثان حكم الأول ... في الخبر المثبت والأمر الجلي
مثال الخبر المثبت: "جاء زيد بل عمرو", والأمر: "اضرب زيدا بل عمرا".
فهي في ذلك لإزالة الحكم عما قبلها حتى كأنه سكوت عنه، وجعله لما بعدها.
وذهب الكوفيون إلى أن "بل" لا تكون نسقا إلا بعد النفي أو ما جرى مجراه، ولا تكون نسقا بعد الإيجاب.
وجملة القول في "بل" أنها إن وقع بعدها جملة كانت إضرابا عما قبلها، إما على جهة الإبطال نحو: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ ١.
وإما على جهة الترك من غير إبطال نحو: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ ٢.
فظهر "من هذا"٣ أن قوله في شرح الكافية: فإن كان الواقع بعدها جملة فهي للتنبيه على انتهاء غرض واستئناف غيره، ولا يكون في القرآن إلا على هذا الوجه، فيه نظر.
وإن وقع بعدها مفرد وليس قبله نفي أو نهي، فهي لإزالة حكم ما قبلها وجعله لما بعدها.
وإن كان قبل المفرد نفي أو نهي، فهي لتقرير حكمه وجعل ضده لما بعدها.
تنبيهات:
الأول: لا يعطف ببل بعد الاستفهام، لا يقال: "أضربتَ زيدًا بل عمرا؟ " ولا نحوه٤.
стр. 984
الثاني: ظاهر إطلاق المصنف أن "بل" تعطف الجملة كما تعطف المفرد.
وقد صرح به الشارح في قوله: فإن كان المعطوف بها جملة.
وذكر غيره أنها لا تكون قبل الجملة عاطفة.
الثالث: قال في التسهيل: وتزاد "لا" قبل "بل"؛ لتأكيد التقرير وغيره. انتهى١.
فإذا زيد بعد إيجاب أو أمر نحو: "قام زيد لا بل عمرو" و"اضرب زيدا لا بل عمرا" فهي لتأكيد الإضراب عن جعل الحكم للأول.
وإذا زيدت بعد نفي أو نهي نحو: "ما قام زيد لا بل عمرو" و"لا تضرب خالدا لا بل بشرا".
فهي لتأكيد بقاء النفي والنهي.
وذهب الجزولي إلى أنها بعد الإيجاب والأمر نفي، وبعد النفي والنهي تأكيد.
ومنع ابن درستويه زيادتها معها بعد النفي.
وقال ابن عصفور: لا ينبغي أن يقال بزيادتها مع "بل" في النفي والنهي إلا أن يشهد له سماع، قيل: وهو مسموع من كلام العرب.
الرابع: قد تكرر "بل" في الجمل رجوعا عما ولي المتقدمة "نحو"٢:
﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ ٣.
وتنبيها على رجحان ما ولي المتأخرة، نحو: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ ٤.
ولما ذكر معاني حروف العطف, شرع في ذكر أحكام تتعلق بالباب فقال:
стр. 985
وإن على ضمير رفع متصل ... عطفت فافصِلْ بالضمير المنفصل
أو فاصل ما....
يعني: أنه إذا قصد العطف على ضمير الرفع المتصل، لم يحسن إلا بعد توكيده بضمير رفع منفصل، كقوله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ ١.
أو فصل يقوم مقام التوكيد، كقوله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ ٢.
ونبه بقوله: "أو فاصل ما" على أنه يكتفى بما يصدق عليه فاصل ولو قل.
أجاز صاحب الكشاف في قوله تعالى: ﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ ٣ أن يكون "آباؤنا"٤ معطوفا على الضمير في لمبعوثون للفصل بالهمزة.
ومن صور الفصل: الفصل "بلا" بين العاطف والمعطوف نحو: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ ٥.
وفهم من قوله: "متصل" أن المنفصل يعطف عليه بلا شرط.
فحكم المنفصلين في العطف والعطف عليهما حكم الظاهر.
ووهم الأُبَّدي في منعه: "رأيت زيدا وإياك".
ثم نبه على ورود العطف على الضمير المذكور بغير توكيد ولا فصل، فقال:
............ وبلا فصل يرد ... في النظم فاشيا....
كقول عمر بن أبي ربيعة٦:
стр. 986
قلت إذ أقبلت وزهر تهادى ... ....................
وهو كثير في الشعر، ومع كثرته فهو ضعيف؛ ولهذا قال:
........ وضعفه اعتقد
فإن قلت: فهل يطرد مع ضعفه أو يختص بالضرورة؟
قلت: نص المصنف على أنه يجوز في الاختيار مع ضعفه؛ لقول بعض العرب: "مررتُ برجلٍ سواءٍ والعدمُ"١ حكاه سيبويه.
ولأن العطف في البيت السابق ونحوه ليس بفصل مضطر؛ لإمكان النصب.
ومذهب الكوفيين وابن الأنباري جوازه في الاختيار، ونقل الجواز عن أبي علي.
قيل: ومذهب البصريين أنه لا يجوز بغير فصل بتوكيد, أو غيره إلا في الضرورة.
стр. 987
ونص سيبويه والخليل على قبحه.
وفي كتاب سيبويه حين ذكر انفصال بعض الضمائر، وكذلك: "كنا وأنتم ذاهبين" إلا أن الشراح تأولوه.
تنبيه:
شرط في التسهيل في صحة العطف صلاحية المعطوف, أو ما هو بمعناه لمباشرة العامل١.
الأول: نحو "قام زيد وعمرو".
والثاني: نحو "قام زيد وأنا", فإنه لا يصح "قام أنا"، ولكن يصح "قمت", والتاء بمعنى أنا.
فإن لم يصح هو أو ما هو بمعناه لمباشرة العامل، أضمر له عامل مدلول عليه بما قبله، وجعل من عطف الجمل.
قال: وذلك كالمعطوف على الضمير المرفوع بالمضارع ذي الهمزة أو النون أو تاء المخاطب أو بفعل الأمر نحو: "أقوم أنا وزيد", و"نقوم نحن وزيد"٢, و"تقوم أنت وزيد", و ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ ٣ أي: وليسكن زوجك.
وكذا في باقيها.
قال: وكذلك المضارع المفتتح بتاء التأنيث نحو: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ ٤.
قال الشيخ أبو حيان: وما ذهب إليه مخالف لما تضافرت عليه نصوص النحويين والمعربين، من أن "زوجك" معطوف على الضمير المستكن في "اسكن" المؤكد "بأنت".
стр. 988
ولا نعلم خلافا في جواز تقدم هند وزيد، وأنه من عطف المفردات. انتهى.
وقوله:
وعَوْد خافض لدى عطف على ... ضمير خَفْض لازما قد جُعلا
هذا مذهب جمهور البصريين, أن إعادته لازمة إلا في الضرورة١.
وذهب الكوفيون ويونس والأخفش إلى جواز العطف عليه بدون إعادة الخافض, واختاره الشلوبين والمصنف.
ولهذا قال:
......وليس عندي لازما
ثم استدل بوروده في النثر كقراءة حمزة: "تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ"٢.
والنظم كقوله٣:
................. ... فاذهب فما بِكَ والأيامِ من عَجَب
стр. 989
أنشده سيبويه، وهو كثير في الشعر.
وفي المسألة مذهب ثالث, وهو أنه إذا أُكِّد الضمير جاز نحو: "مررتُ بك أنت وزيدٍ" وهو مذهب الجرمي والزيادي.
قلت: وهو حاصل كلام الفراء، فإنه أجاز: "مررت به نفسِهِ وزيدٍ، ومررت بهم كلِّهم وزيدٍ".
قال: وكذا القول في أجمعين وقضهم وقضيضهم وخمستهم, إذا خفضت.
فإن نصبت "خمستهم" لم يجز -يعني العطف- بغير إعادة الجار.
قال الشارح: ولا يبعد أن يقال في هذه المسألة: إن العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار غير جائز في القياس، وما ورد من السماع محمول على شذوذ إضمار الجار.
تنبيهان:
الأول: قيل: ينبغي أن يقيد العطف على الضمير المجرور، بأن يكون الحرف غير مختص بالضمير، احترازا من المجرور بلولا على مذهب سيبويه, فإنه لا يجوز عطف الظاهر عليه، فلو رفع على توهم أنك نطقت بالضمير مرفوعا, ففي جوازه نظر.
الثاني: قد فهم من سكوته عن الضمير المنصوب المتصل أنه يجوز العطف عليه بلا شرط١.
стр. 990
وقوله:
والفاء قد تُحذف مع ما عطفتْ
يعني: إذا أمن اللبس.
ومنه: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ ١ أي: فضرب فانفجرت.
وزعم ابن عصفور أنه إنما حذف المعطوف عليه وحده وحذفت الفاء من المعطوف, فاتصلت الفاء الأولى بالمعطوف، فأبقي من كل منهما ما يدل على المحذوف. ورُدّ بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ٢ أي: فأفطر فعدة؛ لأن فاء العطف لا تنوب مناب فاء الجزاء.
وقوله: "والواو".
يعني: أن الواو أيضا قد تحذف مع ما عطفت، ومنه: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ٣.
أي: والبرد.
وإنما يجوز إذا دل عليه دليل.
فإن قلت: ظاهر كلامه أن هذا مختص بالفاء والواو، وقد ذكر في التسهيل٤ أن "أم" تشاركهما في ذلك، كقوله٥:
стр. 991
................ ... فما أدري أرشد طلابها
التقدير: أم غي.
قلت: هو في الفاء والواو، وأكثر منه في "أم", فلقلته لم يذكر هنا.
وقوله: "وَهْيَ" يعني الواو.
انفردت بعطف عامل مزال قد بقي ... معموله ...
مثال ذلك قول الشاعر١:
стр. 992
علفتُها تبنا وماء باردا ... ....................
أي: وسقيتها ماء.
فحذف العامل المعطوف، واستغنى بمعموله، وأمثلته كثيرة نظما ونثرا.
وهذا مذهب جماعة من الكوفيين والبصريين, منهم الفراء والفارسي.
وذهب قوم, منهم أبو عبيدة والجرمي والمازني والمبرد إلى أن تالي الواو في ذلك معطوف على الأول عطف مفرد على مفرد، لا عطف جملة على جملة, وأن العامل ضمن معنى ينظم المعطوف والمعطوف عليه، واختاره بعض المتأخرين.
واحتج الأولون بأنه لو كان على التضمين, لساغ: "علفتها ماء وتبنا".
ورد بأنه مسموع من كلام العرب كقوله١:
стр. 993
................. ... لها سبب ترعى به الماءَ والشجرَ
واختُلف أيضا في هذا التضمين، والأكثرون على أنه ينقاس.
وضابطه عندهم: أن يكون الأول والثاني يجتمعان في معنى عام.
قال الشيخ أبو حيان: والذي أختاره التفصيل، فإن كان العامل الأول تصح نسبته إلى الاسم الذي يليه حقيقة, كان الثاني محمولا على الإضمار؛ لأن الإضمار أكثر من التضمين، نحو: "جدع الله أنفه وعينه" أي: "ويفقأ عينه"١, فنسبة الجدع إلى الأنف حقيقة.
وإن كان لا يصح كان العامل مضمنا معنى ما يصح نسبته إليه؛ لأنه لا يمكن الإضمار، نحو قول العرب: "علفت الدابة ماء وتبنا" أي: أطعمتها أو غذيتها.
وقوله: دفعا لوهم اتُّقي.
يعني: أن إضمار العامل في "نحوه"٢ يدفع توهم أنه معطوف أو مفعول معه.
فإن قلت: ولِمَ كان حمله على العطف أو المعية وَهْمًا؟
قلت: أما العطف؛ فلأن العامل لا يصلح للعمل فيه، وأما المعية؛ فلأنها غير مرادة هنا، وذلك واضح.
وقوله:
وحذف متبوع بدا هنا استبِحْ
стр. 994
يعني: أنه يجوز حذف المعطوف عليه؛ لظهوره، ويستغنى بالعاطف والمعطوف نحو: "بلى وزيدا" لمن قال: "ألم تضرب عمرا؟ ".
ومنه قول العرب: "وبك وأهلا وسهلا" لمن قال: مرحبا١.
تنبيهان:
الأول: حذف المتبوع كثُر مع الواو كما مثّل، وقلّ مع الفاء. ومنه:
﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ ٢ أي: فضرب فانفلق.
ونذر مع "أو" كقول أبي أمية الهذلي٣:
стр. 995
فهل لكَ أو من والد لكَ قبلَنَا ... ......................
أي: فهل لك من أخ أو من والد؟
والثاني: جعل الزمخشري من ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ ١ و ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ ٢.
فقدّر بين الهمزة والعاطف محذوفا هو المعطوف عليه، وإلى ذلك ذهب محمد بن مسعود الغزني.
ومذهب الجمهور أن حرف العطف عطف ما بعده على الجملة قبله ولا حذف, ولكنه اعتنى بالهمزة فصدرت.
وقوله:
وعطفك الفعل على الفعل يصح
يعني: أن الأفعال في جواز عطف بعضها على بعض كالأسماء، نحو: "زيد قام وقعد، ويقوم ويقعد".
تنبيه:
أهمل المصنف شرطا في عطف الفعل، وهو اتحاد زمانهما٣.
فلا يعطف الماضي على المستقبل, ولا المستقبل على الماضي.
فإن قلت: فهل يشترط اتحاد اللفظ, أعنى: أن يكونا بصيغة الماضي أو بصيغة المضارع ... ؟
قلت: لا, بل يجوز عطف الماضي على المضارع نحو: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ﴾ ٤ وعكسه نحو: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ ٥.
стр. 996
وإنما ساغ ذلك لاتحاد الزمان.
فإن قلت: ليس هذه المثل من عطف الفعل على الفعل، وإنما هي من عطف جملة على جملة.
قلت: لما كان الغرض منها إنما هو عطف الفعل؛ لأن فاعل الفعل الثاني هو فاعل الفعل الأول, صح أن يقال: إنها من عطف الفعل على الفعل.
وقوله:
واعطف على اسم شبه فِعْل فِعْلا
مثاله: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا﴾ ١, ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ ٢.
فإن قلت: كيف جاز ذلك "وحرف"٣ العطف لا يربط بين مختلف الجنس؟
قلت: إنما جاز؛ لأن أحدهما مؤول بالآخر، فاتحد الجنس بالتأويل.
فإن قلت: فأيهما المؤول؟
قلت: الذي يؤول هو الحال محل الآخر "فيكون"٤ الأول كمثال الأول؛ لأن المصدقين صلة "أل" وحق الصلة أن تكون جملة، فأل مؤولة بالذي والمصدقين بتصدقوا.
وتارة يكون الثاني كالمثال الثاني؛ لأن صافات فيه حال، وأصل الحال أن يكون اسما, فيقبضن مؤول بقابضات.
وقوله:
وعكسا استعملْ تجدْهُ سهلا
стр. 997
يعني: بالعكس أن تعطف الاسم المشابه للفعل على الفعل، كقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ ١.
وقول الراجز٢:
أم صبي قد حَبَا أو دارج
عطف "دارجا" على "قد حبا".
قال في شرح الكافية: لأن دارجا بمعنى درج.
قلت: ظاهر هذا أن الاسم في البيت ونحوه مؤول بالفعل، وليس بجيد، بل الظاهر أن "حبا" مؤول بحاب؛ لأنه في موضع النعت، وأصل النعت أن يكون اسما.
стр. 998
البدل:
هو اصطلاح البصريين، وأما الكوفيون فقال الأخفش: يسمونه بالترجمة والتبيين. وقال ابن كيسان: يسمونه بالتكرير.
وقوله:
التابع المقصود بالحكم بلا ... واسطة هو المسمَّى بدلا
"التابع": جنس, و"المقصود بالحكم": يخرج النعت والتوكيد وعطف البيان؛ لأنهن مكملات للمقصود بالحكم, و"بلا واسطة" مخرج "لعطف"١ النسق.
وتخصيص الشارح المعطوف ببل وبلكن كما في شرح الكافية, يقتضي حمل المقصود على المستقل بالقصد، وإلا فلا وجه للتخصيص.
ولما عرّفه, أخذ في ذكر أقسامه فقال:
مطابقا أو بعضا أو ما يشتمل ... عليه يُلفَى أو كمعطوف ببل
هذه أربعة:
الأول: المطابق, كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ ٢.
وهو المسمى بدل كل من كل٣.
قال في شرح الكافية: وذكر المطابقة أولى؛ لأنها عبارة صالحة لكل بدل يساوي المبدل منه في المعنى، بخلاف العبارة الأخرى. فإنها لا تصدق إلا على ذي أجزاء، وذلك غير مشروط للإجماع على صحة البدلية في أسماء الله تعالى, كقراءة غير نافع وابن عامر: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ ٤.
стр. 999
الثاني: بدل بعض من كل، نحو: "قبضت المال نصفه" والبعض عند البصريين يقع على أكثر الشيء وعلى نصفه وعلى أقله.
وعن الكسائي وهشام: أن بعض الشيء لا يقع إلا على ما دون نصفه؛ ولذلك منع أن يقال: "بعض الرجلين لك١" أي: أحدهما.
الثالث: بدل اشتمال, وهو ما صح الاستغناء عنه بالأول، وليس مطابقا له ولا بعضا.
وقيل: هو ما لابس الأول بغير الكلية والجزئية.
وقيل: إما دالّ على معنى في متبوعه نحو: "أعجبني زيدٌ حسنُهُ".
أو مستلزم معنى فيه نحو: "أعجبني زيدٌ ثوبُهُ".
والأول هو الكثير.
الرابع: بدل مباين مطلقا, بحيث لا يشعر به ذكر المبدل منه بوجه؛ ولهذا شبهه بالمعطوف ببل، وهو قسمان سيأتي ذكرهما.
تنبيهات:
الأول: لا بد في "بدل"٢ الاشتمال من مراعاة أمرين:
أحدهما: إمكان فهم معناه عند الحذف، ومن ثَمَّ جعل نحو: "أعجبني زيد أخوه" بدل إضراب لا بدل اشتمال، إذ لا يصح الاستغناء عنه بالأول، والآخر: حسن الكلام على تقدير حذفه، ومن ثم امتنع نحو: "أسرجت زيدا فرسه"؛ لأنه وإن فهم معناه في الحذف، فلا يستعمل مثله ولا يحسن.
فلو ورد مثل هذا في الكلام, لكان بدل غلط.
الثاني: اشتراط أكثر النحويين في بدل "البعض"٣ وبدل الاشتمال ضميرا عائدا على المبدل منه.
стр. 1000
قال المصنف: والصحيح عدم اشتراطه، لكن وجوده أكثر من عدمه، ذكر من الشواهد على الاستغناء عن الضمير في بدل البعض قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ١.
وفي بدل الاشتمال، قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ﴾ ٢.
قلت: وتُؤُولت الآيتان على حذف الضمير, أي: منهم وفيه.
وظاهر التسهيل أنه لا بد من ضمير أو ما يقوم مقامه٣, ومثّل "للقائم"٤ مقامه بـ ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ﴾ ، فالألف واللام تقوم مقام الضمير.
وذهب الفراء وتبعه ابن الطراوة إلى أن "النار" بدل كل من كل، عبر بالأخدود عن النار لما كان مشتملا عليها كقولهم: "عفيف الإزار".
وقال ابن هشام: الأولى أن يكون على حذف مضاف، أي: أخدود النار. وقال ابن خروف: هو بدل إضراب.
الثالث: اختُلف في المشتمِل في بدل الاشتمال، فقيل: هو الأول, وقيل: الثاني, وقيل: العامل.
فإن قلت: فما المفهوم من كلامه؟
قلت: قوله: "أو ما يشتمل عليه" يحتمل القول الأول والثالث.
وإلى الأول ذهب في التسهيل٥.
стр. 1001
الرابع: رد السهيلي بدل البعض, وبدل الاشتمال إلى بدل الكل، فقال: العرب تتكلم بالعام وتريد به الخاص، وتحذف المضاف وتنويه.
فإذا قلتَ: "أكلت الرغيف ثلثه", إنما تريد: أكلت بعض الرغيف, "ثم"١ بينتَ ذلك البعض.
وبدل المصدر من الاسم إنما هو في الحقيقة من صلة مضافة إلى ذلك الاسم.
الخامس: زاد بعضهم في الإبدال بدل كل من بعض، كقول امرئ القيس٢:
كأني غَدَاةَ البَيْنِ يومَ تحمّلوا ... ........................
ونفاه الجمهور, وتأولوا البيت٣.
стр. 1002
وقوله:
وذا للاضراب اعْزُ إن قصدا صحب ... ودون قصد غَلَط به سُلِب
الإشارة إلى القسم الرابع، أعنى: المباين, فذكر أنه نوعان:
أحدهما: يسمى بدل الإضراب، وبدل البداء أيضا، وهو ما يذكر متبوعه بقصد كقولك: "أعط السائل رغيفا درهما", ومنه قوله ﵊: "إن الرجل ليصلي الصلاة, وما كتب له نصفُها ثُلثها" إلى "عشرها".
ولم يثبت بعضهم بدل البداء.
والآخر: يسمى بدل الغلط، وهو ما لا يقصد متبوعه بل يجري على لسان المتكلم من غير قصد.
وهذا النوع, قال المبرد وغيره: لا يوجد في كلام "العرب"١ لا نثرها ولا نظمها, وإنما يقع في لفظ "الغلاط"٢.
وزعم قوم, منهم ابن السيد أنه وجد في شعر العرب، كقول ذي الرمة٣:
стр. 1003
لمياء في شفتيها حُوَّةٌ لَعَسٌ ... ......................
قال: "لعس" بدل غلط؛ لأن الحوة السواد، واللعس سواد يشوبه حمرة، وذكر بيتين آخرين، ولا حجة له فيما ذكره؛ لإمكان تأويله١.
فإن قلت: ما معنى قوله: "به سلب"؟
قلت: يعني: أن بدل الغلط سلب الحكم عن الأول وأثبته للثاني.
فإن قلت: كيف قال: "ودون قصد" ولا بد من قصد البدل في النوعين, أعني: بدل الإضراب وبدل الغلط؟
قلت: إنما يعني نفي القصد في بدل الغلط "بقصد الأول لا الثاني"٢.
تنبيه:
زاد ابن عصفور بدل النسيان نحو: "مررت برجل امرأة" إذا توهمت أن الممرور به رجل, ثم تذكرت أنه امرأة.
وقد أدرجه الشارح في بدل الغلط، وإدراجه في بدل الإضراب أقرب. ولما ذكر أقسام البدل مثّلها في قوله:
стр. 1004
كَزُرْهُ خالدا وقبِّلْه اليدا ... واعرفه حقه وخذ نَبْلا مُدَى
فزره خالدا بدل كل، وقبله اليدا بدل بعض، واعرفه حقه بدل اشتمال، وخذ نبلا مدى بدل إضراب إن قدر قصد الأول، وبدل غلط إن قدر عدم قصده.
فإن قلت: قد فهم من كون البدل تابعا، أنه يوافق متبوعه في الإعراب، فما حاله في التعريف والتذكير والإفراد وأضدادها؟
قلت: أما التعريف والتنكير فلا يلزم موافقته لمتبوعه فيهما، بل تبدل المعرفة من المعرفة نحو: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ ١, في قراءة من جر.
والنكرة من النكرة نحو: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا، حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ ٢.
والمعرفة من النكرة نحو: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ﴾ ٣.
والنكرة من المعرفة نحو: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ ٤.
واشترط الكوفيون في إبدال النكرة من النكرة أن تكون موصوفة، واشترطوا في إبدال النكرة من المعرفة شرطين: اتحاد اللفظ، وكونها موصوفة، كذلك نقل المصنف.
ونقل غيره اشتراط الأول من الشرطين عن نحاة بغداد لا عن نحاة الكوفة، وكلام أهل الكوفة يدل على عدم اشتراطه, ووافقهم على اشتراط "الثاني طائفة من
стр. 1005
المتأخرين، وحكي عن الكوفيين أيضا اشتراط"١ اتحاد اللفظ في بدل المعرفة من النكرة.
والصحيح أنه لا يشترط "شيء"٢ من ذلك؛ لورود السماع به.
قال في الارتشاف: وقد سمع إبدال النكرة من المعرفة، وليست من لفظ الأول ولا موصوفة، وهو مذهب البصريين.
وأما التذكير والإفراد وأضدادهما, فإن كان بدل كل وافق متبوعه فيها ما لم يمنع مانع من التثنية والجمع، ككون أحدهما مصدرا نحو: ﴿مَفَازًا, حَدَائِقَ﴾ أو قصد التفصيل نحو٣:
وكنتُ كذي رِجْلينِ رِجْلٍ صحيحةٍ ... ورجلٍ رمى فيها الزمان فشلت
وإن كان غيره من أنواع البدل لم يلزم موافقته فيما ذكر.
قوله:
ومن ضمير الحاضر الظاهر لا ... تُبدله إلا ما إحاطة جلا
стр. 1006
أو اقتضى بعضا أو اشتمالا ... كأنك ابتهاجَكَ استمالا
اعلم أنه يجوز إبدال الظاهر من "الظاهر"١, وإبدال الظاهر من المضمر على تفصيل، وهو أن الضمير إن كان لغائب أبدل منه الظاهر مطلقا نحو: "ضربته زيدا".
وإن كان لحاضر, أبدل منه بدل البعض نحو٢:
أوعدني بالسجن والأداهم ... رجلي فرجلي شثنة المناسم
في أحد الأوجه.
стр. 1007
وبدل الاشتمال نحو١:
.................. ... وما أَلْفيتني حِلْمي مُضَاعا
ومثله قوله: "ابتهاجك استمالا"٢.
وأما بدل الكل، فإما أن يفيد معنى الإحاطة كالتوكيد, أو لا.
فإن أفاد معنى الإحاطة جاز نحو: "جئتم صغيركم وكبيركم", ومنه ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ ٣.
стр. 1008
وإلا فمذاهب١.
أحدها: المنع، وهو قول جمهور البصريين٢.
والثاني: الجواز، وهو قول الأخفش والكوفيين، وسمع الكسائي إلى أبي عبد الله وقال٣:
بكُمْ قريشٍ كُفينا كل معضِلة ... ........................
والثالث: أنه يجوز في الاستثناء نحو: "ما ضربتكم إلا زيدا" وهو قول قطرب٤.
стр. 1009
وأما إبدال المضمر من المضمر فنحو: "رأيتك إياك", وتقدم الخلاف فيه في باب التوكيد.
وأما إبدال المضمر من الظاهر فنحو: "رأيت زيدا إياه".
قال في التسهيل: ولا يُبدل مضمر من مضمر ولا من ظاهر، وما أوهم ذلك جُعل توكيدا إن لم يُفِد إضرابا١.
وقال في شرحه: والصحيح عندي أن نحو: "رأيت زيدا إياه" لم يستعمل في كلام العرب نثره ونظمه، ولو استعمل لكان توكيدا.
وأشار بقوله: ما لم يفد إضرابا إلى نحو: إياك وإياي قصد زيد، تريد: إياي فإنه بدل....
قوله:
وبَدَل المُضمن الهمز يلي ... همزا كمن ذا أسعيد أم علي
يعني: أن المبدل من اسم الاستفهام لا بد من اقترانه بالهمزة، وقد مثّله.
تنبيه:
نظير هذه المسألة بدل اسم الشرط, فإنه يقرن بإن نحو: "متى تقم إن ليلا, وإن نهارا قمت".
قوله:
ويُبدَل الفعل من الفعل كمن ... يصل إلينا يَستعِنْ بنا يُعَن
يجوز إبدال الفعل من الفعل بدل كل، قال في البسيط: باتفاق، ومنه٢:
стр. 1010
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... .........................
وبدل الاشتمال نحو: ﴿يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ﴾ ١, و"من يصل إلينا يستعن بنا يُعَن" وحكى في البسيط فيه خلافا.
ولا يبدل بدل بعض، وأما بدل الغلط فقال في البسيط: جوّزه سيبويه وجماعة من النحويين، والقياس يقتضيه٢.
تنبيهان:
الأول: ذكر كثير من النحويين أن الجملة قد تبدل من الجملة، ومثله الشارح بقوله٣:
стр. 1011
أقول له ارحل لا تقيمن عندنا ... ...........................
وبقوله : ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ، قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا﴾ ١.
وبقوله تعالى: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ ٢.
وبقوله : ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٣.
وفي الارتشاف: وما استدل به لا يقوم به حجة.
الثاني: أجاز ابن جني والزمخشري والمصنف أن تبدل الجملة من المفرد، وجعل المصنف من ذلك: "عرفت زيدا أبو من هو"٤.
وجعل الزمخشري قوله تعالى: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ٥ بدلا من النجوى.
وجعل ابن جني "كيف يلتقيان" بدلا من حاجة وأخرى في قوله٦:
стр. 1012
إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يلتقيان؟
كأنه قال: أشكو هاتين الحاجتين تعذُّر التقائهما.
стр. 1013
النداء:
فيه لغتان: كسر النون، وضمها.
ومعناه لغة: الدعاء.
واصطلاحا: دعاء بحروف مخصوصة، وهي: يا، وأي، وأَيَا، وهيا، والهمزة، ووا في الندبة.
وزاد الكوفيون: آ، وآيْ بالمد.
وأخبر سيبويه رواية عن العرب أن الهمزة للقريب المصغي، وأن ما سواها للبعيد مسافة أو حكما.
وعلى مذهب سيبويه اعتمد الناظم فقال:
وللمنادى الناءِ أو كالناء يا ... وأَيْ وآ كذا أَيَا ثم هَيَا
والهمز للداني....
فالنائي: هو البعيد مسافة، وكالنائي: هو البعيد حكما كالساهي، والداني: هو القريب، ولا حاجة إلى ذكر سائر المذاهب؛ لأن قائليها لم يعتمدوا إلا على الرأي، والرواية لا تعارض بالرأي، كذا قال المصنف.
وقوله: ووا لمن ندب.
يعني: مختصة بالندبة، وهذا مذهب سيبويه والجمهور، وأجاز بعضهم استعمالها في غير الندبة قليلا.
وقوله: "أو يا" يعني: أن "يا" قد تستعمل في الندبة بشرط أمن اللبس١, فإن خِيفَ التباس المندوب بغيره تعينت "وا"٢.
стр. 1014
ولذلك قال:
وغير وا لدى اللبس اجتُنب
تنبيهات:
الأول: أجمعوا على أن نداء القريب بما للبعيد يجوز توكيدا، وعلى منع العكس.
الثاني: ذهب بعض النحاة إلى أن هذه الأدوات أسماء أفعال محتملة لضمائر مستترة.
الثالث: ذهب ابن السكيت١ إلى أن ها "هيا" بدل من همزة "أيا" وتبعه ابن الخشاب٢.
الرابع: قال في شرح التسهيل: لم يذكر آ، وآي -بالمد- إلا الكوفيون, رووهما عن العرب الذين يثقون بعربيتهم، ورواية العدل مقبولة.
قلت: وذكر غيره أن الأخفش حكى "آ" في الكبير، وجعلها ابن عصفور للقريب كالهمزة.
وقوله:
وغير مندوب ومُضْمَر وما ... جا مستغاثا قد يُعَرَّى فاعلما
المنادى قسمان:
стр. 1015
فالأول: يمتنع حذف حرف النداء معه، وهو المندوب نحو: "وا زيداه", والمضمر نحو: "يا أنت ويا إياك", والمستغاث نحو: "يا لزيد".
فإن قلت: ما سبب "منع"١ الحذف مع هذه الثلاثة؟
قلت: أما المندوب والمستغاث؛ فلأن المطلوب فيهما مد الصوت، والحذف ينافيه. وأما المضمر فلأن الحذف معه تفوت به الدلالة على النداء.
تنبيه:
فهم من كلامه جواز نداء المضمر، وفيه تفصيل.
فإن كان لمتكلم أو غائب لم يجز، لا يقال: "يا أنا", ولا "يا هو", و"إن كان"٢ لمخاطب ففيه خلاف. قال في الارتشاف: والصحيح المنع. انتهى.
وقد سمع ما ظاهره نداء المضمر بصيغة النصب كقوله: "يا إياك قد كفيتُكَ"٣ وهو القياس، وبصيغة الرفع كقوله٤:
стр. 1016
يا أبجرُ بنَ أبجرِ يا أنتا
وهو من نيابة بعض الضمائر عن بعض.
وتأول بعضهم: "يا إياك" على أن "يا" للتنبيه و"إياك" منصوب بمقدر يدل عليه الظاهر بعده.
و"يا أنت" على أن "يا" للتنبيه و"أنت" مبتدأ، و"أنت" الثاني مبتدأ ثانٍ أو توكيد, أو فصل، أو بدل، والخبر الموصول.
والقسم الثاني: يجوز فيه حذف النداء -وهو ما عدا القسم الأول- إلا أن منه ما يقل الحذف معه، ومنه ما يكثر.
وقد نبّه على ما يقل بقوله:
وذاك في اسم الجنس والمشار له ... قل ومن يمنعه فانصر عاذله
الإشارة إلى تعرِّيه من الحرف. ومن حذفه من اسم الجنس قوله: "ثوبي حَجَر" ١.
وجاءت منه ألفاظ في النثر والنظم.
ومذهب البصريين: أن حذف حرف النداء منه, لا يجوز إلا في شذوذ أو ضرورة.
وهو عند الكوفيين قياس مطرد.
стр. 1017
ومن حذفه من اسم الإشارة قوله١:
..................... ... بمثلك هذا لوعة وغرام
وسمع منه أبيات.
ومذهب البصريين: أنه لا يجوز؛ ولذلك لحنوا أبا الطيب في قوله٢:
هذي بَرَزتِ لنا فهجتِ رَسِيسا
стр. 1018
ومذهب الكوفيين جوازه، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ١.
تنبيه:
ظاهر كلامه موافقة الكوفيين على الجواز، وقال الشارح: وقول الشيخ: ومن يمنعه فانصر عاذله، يوهم اختيار مذهب الكوفيين.
هذا, إن لم يحمل المنع على عدم قبول ما جاء من ذلك.
قلت: قد صرح بموافقتهم في اسم الجنس في شرح الكافية، فقال: وقولهم هذا أصح. انتهى. والإنصاف القياس على اسم الجنس؛ لكثرته نثرا ونظما.
"وقصر"٢ اسم الإشارة على السماع، إذ لم يرد إلا في الشعر.
وأما نحو: "ثم أنتم هؤلاء" فمتأول٣.
فإن قلت: فهم من كلامه أن ما سوى هذه الخمسة يجوز معه حذف حرف النداء، وليس على إطلاقه.
فقد ذكر في التسهيل٤: أن مما يلزمه الحرف لفظ الجلالة والمتعجب منه، ولم يذكرهما هنا، وقد ذكر الأول في الكافية دون الثاني.
стр. 1019
قلت: لما كان الأكثر في لفظ الجلالة تعويض الميم عن حرف النداء, لم يذكره مع ما يلزمه الحرف.
وأما المتعجب منه، فلما كان كالمشتقّات لفظا وحكما نحو: "يا للماء" استغنى بذكره عنه.
فإن قلت: إذا كان حرف النداء غير لازم مع لفظ الجلالة؛ لكونه قد يحذف إذا عوض عنه. فما وجه ذكره في التسهيل والكافية مع ما يلزم الحرف؟
قلت: وجهه أنه مما يلزمه الحرف إذا لم يعوض.
فإن قلت: أطلق في اسم الجنس، والمراد إنما هو اسم الجنس المبني للنداء، فإنه محل الخلاف.
فأما اسم الجنس المفرد غير المعين, فقد نص في الكافية وشرحها على أن الحرف يلزمه.
قلت: أجاز بعضهم حذف الحرف منه أيضا نحو: "رجلا خذ بيدي".
فلعله ذهب هنا إلى ذلك، فيكون إطلاقه مرادا.
فإن قلت: وأطلق أيضا في "اسم"١ الإشارة، وهو مقيد بألا يصحب كاف الخطاب, فإن صحبها ففي ندائه مع ثبوت الحرف خلاف، وممن منع السيرافي.
فإن لم يصحبه الحرف, فلا خلاف في جواز ندائه, ذكره في الارتشاف.
قلت: كأنه اعتمد على تقييده بالواقع؛ لقلته.
تنبيه:
قال في الكافية, بعد ذكر لفظ الجلالة والمضمر والمستغاث واسم الإشارة واسم الجنس:
وغير ذي الخمسة ناده بيا ... أو غيرها أو أوله تعريا
وذكر في شرحها أن ذلك بإجماع.
стр. 1020
فقد يقال: يرد عليه المندوب والمتعجب منه.
والجواب: أنه ذكر المندوب قبل ذلك, فقال: وألزم المندوب وا أو لفظ يا, وتقدم الجواب عن المتعجب منه.
والحاصل: أن حرف النداء يجوز حذفه من العلم نحو: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ ١.
والمضاف نحو: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾ ، والموصول نحو: "من لا يزال محسنا أحسن إليَّ"، وأي نحو: "أيها المؤمنون", والمطول نحو: "خيرا من زيد أقبل".
ويختلف في جواز حذفه من اسم الجنس المبني للنداء، واسم الإشارة، والنكرة غير المقصودة.
ويمتنع مع الأشياء المتقدم ذكرها.
قوله:
وابن المعرَّف المنادى المفردا ... على الذي في رفعه قد عُهدا
المعرف: يشمل ما له تعريف قبل النداء نحو: "يا زيد", وما "حصل"٢ له تعريف في النداء نحو: "يا رجل".
أما نحو: "يا زيد" فقيل: باقٍ على علميته، وهو مذهب ابن السراج، وقيل: سلب تعريف العلمية وتعرف بالإقبال، وهو مذهب المبرد والفارسي.
وإلى الأول ذهب المصنف، واحتج بنداء ما لا يمكن سلب تعريفه كاسم الله تعالى واسم الإشارة.
وأما نحو: "يا رجل"، فقيل: تعرف بالإقبال والقصد٣, وإليه ذهب المصنف وقيل: بأل محذوفة.